أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

أعلى التالي

التعديل الأخير: 03/02/2009

دراسات أدبية - أدب المرأة

دراسات في أدب المرأة في العالم العربي1

 

 

لقراءة الدراسات

 

 

الدراسات

الأدب النسائي.. بين مؤيد ومعارض

مشاركة المرأة في اتخاذ القرار 

الصراع في قصص بثينة إدريس

الأناقة والإغراء في لغة أحلام مستغانمي

الأدب النسائي يفرض نفسه في ندوة بالقاهرة

 منظور الأدب النسائي في مذكرات هدى الشعراوي

أدب العواطف

تساؤلات حول إبداع المرأة

الكتابة النسوية وآليات التغييب

صورة المرأة في لا وعي المثقف العربي

الأدب النسائي

أدب نسائي في عالم عربي

صورة المرأة في القصة النسائية الإماراتية

المرأة العربية ... تأملات في حالها ودورها في صنع القرار

 

مشاركة المرأة في اتخاذ القرار

 

 

بقلم: يسرى الأيوبي

 

المرأة لم تكن نفسها أبداً، وكبتت دائماً إمكانياتها المبدعة هناك حيث سادت أجواء العنف التي تحكم عالم الرجال أكثر مما تحكم عالم النساء. والى هذه النقطة بالذات يجب أن نوجه اهتمامنا عند معالجتنا معضلة ابتعاد المرأة عن المشاركة في اتخاذ القرار بشأن ذاتها، وبشأن أسرتها ومجتمعها، وبشأن الإنسانية بأسرها، وهي التي صاغها الخالق وشرفها بإعطائها الدور الحاسم في تجديد الحياة الإنسانية والمحافظة عليها.

 

المرأة جنس يتكامل مع الرجل ولا يتميز إلا بكونه له خصوصية في إبداع الحياة ورعايتها. ولكن هذه الخصوصية تعطي عالم المرأة تمايزاً لا يمكن تجاهله. فليس من صالح المجتمع الإنساني أن يعزلها ويشترع لها دون أن يشركها في قراره، فتكون دائماً ظلاً وتابعاً دون مراعاة لحاجاتها وخصوصياتها، مما ينعكس سلبياً على حاضر المجتمع ومستقبله. فلا توجد هناك أسرة تكون المرأة مسحوقة فيها ويكون الأبناء أسوياء. والمجتمع الذي يبدأ فيه التمييز منذ سني الطفولة المبكرة بين الجنسين، ليجعل للذكر اليد العليا وللأنثى التبعية، وتتجدد دورة الحياة والأجيال فيه دون تطور كبير في وضع المرأة في الأسرة والمجتمع، يحكم على نفسه بالقصور والتشوّه.

 

لم يكن تحرير المرأة غاية منعزلة قائمة بحد ذاتها في ديانات التوحيد، كما لم يكن تحرير العبيد أو إنصاف المستضعفين غاية منعزلة في هذه الديانات. وإنما حكم وضعها، كوضع العبد أو المستضعف، بالأهداف البعيدة لديانات التوحيد، في توحيد المجتمع داخلياً بإزالة أسباب الانشقاق والصراع وإشاعة العدل فيه، وتوحيد المجتمعات الإنسانية فيما بينها بمنع العدوان والظلم، أصل الحروب، واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، والحض على التعارف والتعاون بين الأمم. واعتبرت ديانات التوحيد إخاء بني البشر أفراداً وأمماً بغض النظر عن لونهم أو قوميتهم أو ثرائهم ونفوذهم أو تمايزهم بين ذكر وأنثى، وتساويهم المبدئي أمام الله، وبالتالي بداهة تساويهم أمام القوانين، وتكافؤ فرصهم، وتمايزهم فقط بصالح أعمالهم، ركناً أساسياً في عقيدتها. وانطلقت تحارب دون هوادة الأنانية والجشع الوثنيان اللذان يؤديان إلى تأليه البشر قويهم على ضعيفهم، وطغيانهم بعضهم على بعض، أفراداً كانوا أم جماعات ودولاً، وطغيانهم على بيئتهم من حولهم.

 

يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير" (الحجرات 13)

 

 

ولم تكتف ديانات التوحيد بوضع القوانين الناظمة للعلاقات في مجتمعات التوحيد، وهي قوانين متغيرة على كل حال بتغير الظروف والأزمان، وتجسيد هذه القوانين بمؤسسات. بل وجهت عناية مماثلة للتربية الأخلاقية للفرد للارتقاء بضوابطه الضميرية الذاتية، وللارتفاع بمستوى وعيه إلى الحد الذي لا يسيء فيه تطبيق هذه القوانين العامة، ولا يلتف حولها ويمسخها لخدمة أهداف أنانية بعيدة عن جوهرها، فينحط بها إلى وثنية ظالمة جديدة.

على هذا الجوهر الخالد لديانات التوحيد يجب أن تستند حركة تحرير المرأة، بل تحرير الإنسان قاطبة أينما كان مكانه على سطح أرضنا الواحدة.

وهنا لا بد أن أنوه أن خروج المرأة إلى ميدان العمل المنتج في عصرنا الراهن لم يحررها ويجعلها سيدة قرارها، كما لم يحرر من قبل العمل العبيد والمستضعفين، وكما لم يحرر حالياً المستغلين في الشعوب المحكومة بأنظمة الربا العالمية. فقط الإرادة الواعية لغاية وجود الإنسان على هذه الأرض، والنابعة من الالتزام الأخلاقي الفردي والجماعي بمثل التوحيد، قادرة على تحرير العمل والإنسان.

عندما توضع الأهداف الكبيرة أمامنا، سرعان ما يخطر ببالنا أن نجزئها، ونعمل على إنجازها بخطوات صغيرة متتالية. فما هي الآليات العملية المقترحة، حسبما أرى، التي توصل المرأة إلى حقها في المشاركة في اتخاذ القرار في العصر الحديث؟ حيث نالت كثيرات من النساء التعليم والثقافة والتدريب، ونزلن إلى العمل الإنتاجي خارج المنزل، ومارسن المهن المختلفة الحرة والفنون، واستلمن الوظائف، وقمن بالخدمات، ومع ذلك بقي مستوى مشاركتهن في اتخاذ القرار متدنياً حتى في الدول المتقدمة.

 

1– في المجتمعات التي تسود فيها فلسفة العنف والتسلط، في الخارج بالهيمنة والحروب، وفي الداخل بالقمع الظاهر

والمستتر، بدءاً بأشكاله المتطرفة كالدكتاتورية والمخابراتية وانتشار المافيا والفتن بسبب غياب العدالة الاجتماعية لجماهير الناس، وحتى أشكاله الأرقى حيث تمارس النخب الاستغلال في ظل حريات مشوهة، تُطلق أيدي الناس فيها حسب علو

 مراتبهم في هرم النفوذ الاقتصادي السياسي الاجتماعي، وتغل كلما دنت واقتربت من قاعدة الهرم، تصبح القوة هي

مصدر القرار ويتقلص دور المرأة.

إن منطقتنا المبتلاة بأنظمة ليس لها صفة ديموقراطية تحتل مرتبة متقدمة في سلم المجتمعات التي تمارس العنف ويمارس عليها. ومن البديهي أنه لا يمكن لمجتمع أن يعطي حرية اتخاذ القرار للمرأة بينما لا يملك عامة الرجال مثل هذه الحرية. وخصوصاً حين تكون البنى في مثل هذا المجتمع غير متطورة، وغير مستعدة أن تتواكب مع التطور بسبب الأفكار الاجتماعية السائدة. فالشرط الأولي لتحرير الرجل والمرأة أن تكون المجتمعات ديموقراطية. وهذا يعتمد على كفاح مشترك لرجال ونساء مجتمعاتنا لتشكيل جماعات ضغط تعمل لصالح الديموقراطية.

 

وعلى المؤسسات الدولية كمنظمة الأمم المتحدة والمنظمات المتفرعة عنها، كذلك على الدول الديموقراطية التي سبقتنا في هذا المجال أن تساند هذا الاتجاه الذي يعمل في سبيل إرساء أسس الديموقراطية في منطقتنا. وكي تكون هذه المساندة فعالة فلا بد للدول الديموقراطية، وغالبيتها من دول الغرب التي تملك مصالح استراتيجية في بلادنا، أن تعتمد في علاقاتها معنا مبدأ أخلاقياً إنسانياً بعيد المدى بدلاً من المبدأ النفعي الآني الضيق الذي تعتمده حاليا.

ولا بد من التنويه أن تشريع القوانين الديموقراطية وبناء المؤسسات الديموقراطية لا يكفيان لجعل المجتمع إنسانياً توازن فيه مصالح وحاجات مختلف فئاته ومن ضمنها نساؤه. وكما أشرنا سابقاً يبقى الارتقاء بالضوابط الضميرية الذاتية، والارتفاع بمستوى وعي الأفراد والجماعات، الضامن لحسن تطبيق القوانين، والانتفاع بالمؤسسات الديموقراطية بما يعود بالخير على الناس كافة.

 

2- إن تغيير الوعي الاجتماعي بالنسبة لدور المرأة في المجتمع يتحقق بالتقدم الطبيعي العام، الاقتصادي والاجتماعي، في المجتمع. وتتطور تبعاً لذلك مؤهلات النساء أنفسهن. ولكن يجب أن لا نقلل من شأن التثقيف الجماهيري لوسائل الإعلام ودور العلم لتغيير تصورات تقليدية عن دور المرأة في المجتمع. وهذا الأمر يسرّع عملية اقتناع الرأي العام قبل أن يتطور بشكل طبيعي في صالحها.

 

3- إن تشكيل جماعة، نابعة من جماعات الضغط الديموقراطية، لتدافع عن حقوق المرأة، وتؤلف فرعاً ينتسب إليه لا علاقة مباشرة له بالأحزاب السائدة بتياراتها المختلفة والمتصارعة في أحيان كثيرة، يعتبر أمراً حيوياً في الانتقال، بمسألة مشاركة المرأة في اتخاذ القرار خصوصاً وتحرر المرأة عموماً، من الأدبيات إلى مجال التطبيق. وتستمد هذه الجماعة قوتها من خصوصية دور المرأة في المجتمع، ويكون لها وزن في دعم القرارات والتشريعات التي تكون في صالح المرأة بشكل عام، عبر تنسيق مصالح كل القوى التي تمثلها. وتنسق هذه الجماعة أعمالها مع جماعات حقوق الإنسان، وحماية البيئة، وحقوق الأقليات، وغيرها من الجماعات الديموقراطية، لتشكيل الرأي العام.

يكون للجماعة الديموقراطية المدافعة عن حقوق المرأة دورها التوفيقي بين مختلف وجهات النظر، ودورها الضاغط في منع الظلم الاجتماعي لأي فئة كانت، ودورها التقدمي في نشر الديموقراطية وتعميمها لتشمل كل بنى المجتمع، ودورها الإنساني العام في تقارب المجتمعات الإنسانية. وتدعم الجماعة المدافعة عن حقوق المرأة طموحات الأجيال الجديدة من الشباب. وتدافع عن حقوق الأطفال والمتقدمين في السن. وتعمل على استكشاف وممارسة أساليب الخلاص من التخلف دون ممارسة العنف الاجتماعي، وعلى إحداث التراكم المادي الضروري لذلك بالوسائل السلمية القائمة على التعاون والتكافل والتضحية المتبادلة. ويكون لها دور في شجب الظلم والممارسات التخريبية واللصوصية والفساد في المجتمع وفضح القائمين بها، وفي إعادة المجتمعات إلى توازنها الطبيعي على النطاق الطائفي والطبقي، من مبدأ أن المجتمع هو للجميع ويتقدم الأصلح في كفاءاته، ليس على أساس المنافسة الشرسة بل المسؤولية المتبادلة، كل من موقعه المؤهل له. وتعمل على شفاء السيكولوجية المشوهة والمنتشرة على نطاق واسع التي تدفع الأفراد للحصول على الامتيازات بالتكتلات المغلقة، الطائفية أو الطبقية أو القومية أو الجنسية، أو بالتقرب من صانعي القرار في مجتمعات القوة والدكتاتورية.

 

4- إن التنسيق بين عمل المرأة المنتجة وبين دورها في الإنجاب ورعاية الأطفال هو أمر في غاية الأهمية، إذا أردنا الحديث بجدية عن مشاركة المرأة باتخاذ القرار. وتحدد واجبات المجتمع تجاه المرأة في توفير حضانات على مستوى لائق من الرعاية، دون أن يحرم الأطفال من الخصوصية التربوية للبيت، وتحتفظ الأسرة بالدور الرئيسي في هذه العملية. ويجب أن ينظم المجتمع بشكل يسهّل للمرأة العمل والتنقل دون إسراف في تكليفها فوق طاقتها بساعات عمل طويلة أو إضافية، فيكون هذا الإرهاق عبودية جديدة لها. والغاية هي الوصول إلى الشكل الأمثل للأسرة المتعاونة، المصونة الحقوق، الراعية لجيل سوي. إن عمل المرأة، وبناء علاقات حيوية لها بالمجتمع، تساعد على تحقيق ذلك بشكل أفضل من عزلها وقصرها على مهام البيت والأولاد والزوج فقط، مهما كان الرجل منصفاً في ضمان حقوقها، ومهما كانت ظروفه الاجتماعية تكفل لها ولبنيها الرخاء.

 

5- السعي إلى رفع المستوى التعليمي والثقافي والتدريبي لكافة النساء بحيث يصبحن في مستوى الرجال. لهن مثلهم الحد الأدنى من العلم، الذي لا يجب أن يقل عن تسع سنوات دراسية لكلا الجنسين كحد إلزامي أدنى، وتتاح لهن فرص الدراسات العليا إن أبدين أنهن كفؤات لذلك.

 

6- الحث على خلق وتنويع فرص العمل المأجور داخل المنازل وتشجيع  هذا التوجه في المجتمع. وتبرز بشكل متزايد إمكانيات جديدة للقيام بكثير من الأعمال من المنازل مع انتشار الكومبيوترات الشخصية وشبكات الاتصال.

 

7- على التيار النسائي الديموقراطي في منطقتنا أن يعبر عن مصالح إنساننا ضمن الإطار الإنساني العام. فيتبنى وجهات النظر التي تعبر عن مصالحنا المشروعة، ولا ينجرف وراء الدعوات التي تطلقها جهات أخرى دون التمعن فيها لتبين مدى صلاحها لنا. فمثلاً تحاول بعض الجهات الغربية المتنفذة في الأمم المتحدة أن تسخر الحركة النسائية في بلادنا لتنفيذ سياستها في تحديد النسل في العالم الثالث وفي عالمنا العربي والإسلامي بالذات. ولا يدفعها إلى هذا حرصها على مصالح إنساننا ورخائه، أو المصلحة الإنسانية العامة، بل تصورات ضيقة عن خطر مزعوم يهدد مصالحها الاقتصادية الآنية ويهددها ثقافياً. إن مثل هذا الأمر لا يمكن تنفيذه قسراً، ولكنه يحدث بشكل عفوي حين تشعر المجتمعات بالاطمئنان، وتزداد ثقافة المرأة.

 

8- وحتى في حال حصول تقدم على صعيد التحولات الديمقراطية يجب مواصلة الضغط، كي تضمن الدساتير تخصيص نسبة دنيا للنساء في المجالس التشريعية، لا تقل عن عشرة بالمائة حسب اعتقادي. إن النسبة الطبيعية لبرلمان ديموقراطي حقاً، في مجتمع يساوي المرأة بالرجل، هو أن يكون لها نصف المقاعد كما للرجل. ولكن ظروف المرأة في كثير من بلدان عالمنا المعاصر لا سيما العالم الثالث لا تسمح بأن تكون هذه النسبة واقعية، فنسبة عشرة بالمائة كحد أدنى، لإيصال وجهة نظر النساء إلى التشريع، تعتبر بداية محتملة خجولة، وتكون نسبة 50 بالمائة رقماً مثالياً للتطور الطبيعي في المجتمع.

 

9- يجب العمل بجد على فتح باب الاجتهاد في التشريعات المعاصرة المتعلقة بالمرأة. فيتم استيعاب التغيرات التي حدثت في المجتمعات التي انتقلت من الطور الحرفي إلى الطور الصناعي، ومن ضمنها المجتمعات الإسلامية، والتغيرات الحاصلة في مرحلة الانتقال العالمية إلى طور أعلى. ويجب القيام بجهد تثقيفي وتنظيمي جاد كي توضع هذه التشريعات بمتناول النساء والرأي العام.

 

في الماضي كانت التشريعات الإسلامية المتعلقة بالمرأة متقدمة على مثيلاتها في أنحاء أخرى من العالم، وكثير من الحقوق التي تمتعت بها المرأة المسلمة لم تحصل عليها نظيرتها الغربية مثلاً حتى القرن التاسع عشر ومطلع هذا القرن. وأسوق مثالاً على ذلك مبدأ انفصال الملكية الزواجية في الشرع الإسلامي. فالشرع قام على أساس انفصال ثروة الزوجة، التي تأتي بها من أهلها أو من زواج سابق أو تحصل عليها بعملها أو يهبها إياها زوجها، وليس للزوج سلطان عليها. ومثل هذا الحق ضمن العدالة في الأسرة المسلمة حتى في حال تعدد الزوجات. ومع ذلك فان انتقال المجتمع الإسلامي من الطور الحرفي إلى الطور الصناعي جعل هناك فجوة في التشريع، لا تستوعب وضع المرأة المسلمة المعاصرة. هذه الفجوة لابد من سدها بالاجتهاد آخذين بعين الاعتبار النواحي الإيجابية في تجارب الآخرين. ولا بد أن يفتح هذا الباب لتشارك المرأة فيه، فتشارك من لها الكفاءة والعلم الكافيين في الاجتهاد لسن تشريعات جديدة، تكفل حقوق المرأة ضمن الروح الإسلامية، التي تتوخى في غاياتها العدالة في الأسرة وسلامة المجتمع.

 

10- إن الجهل بالتشريعات والقوانين يعيق الفرد عن ممارسة حقوقه، ولا شك أن التعريف بالتشريعات والقوانين ووضعها في متناول المرأة والرأي العام يلعب دوراً هاماً، ليس فقط في جعل مشاركة المرأة في اتخاذ القرار أمراً واقعياً، بل في اتخاذ القرار الصحيح أيضا. وتبرز هنا أهمية وسائل الإعلام في رفع مستوى الثقافة الحقوقية عند النساء. كذلك قد يكون من المفيد إقامة مراكز استشارية تتعهدها الجماعة الديموقراطية النسائية تقدم النصح والعون العملي لمن تحتاجه.

 

11- تعزز جميع حقوق المرأة المسلمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي كفلتها لها أصلاً الشريعة الإسلامية، وتراجعت عنها الممارسات الواقعية في المجتمع المسلم. إن المرأة المسلمة شاركت منذ اللحظة الأولى في الجهاد العظيم لنشر الإسلام والدفاع عنه. وغنية عن التعريف سير أولئك النسوة اللواتي خلدهن التاريخ، وكثيرات غيرهن لم يعرفن وخلدن بعملهن الصالح وجهادهن في سبيل الدعوة الجديدة عند رب العالمين. وتاريخنا مليء بهذه السير التي أذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر، فمن جهاد أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها، إلى ابنة الصديق أسماء ذات النطاقين، إلى أم عمار بن ياسر التي عذبت مع زوجها وابنها فماتت وزوجها تحت العذاب دون أن يتراجعا عما آمنا به. وزنيرة التي عذبت في سبيل الله حتى عميت فلم يزدها ذلك إلا إيماناً، والخنساء الشاعرة أم الشهداء التي كانت تحض أولادها على الجهاد في ساحة المعركة، فلما بلغها نبأ استشهادهم قالت "الحمد لله الذي شرفني بشهادتهم جميعا". نساء لولاهن لم يكن للإسلام وجهه الخالد المضيء نفسه. وقصة زوجة أبان، التي قتلت حامل العلم الرومي في معركة اليرموك، وأوقعت جيش الأعداء في الفوضى، وساهمت في صنع النصر، شهيرة في تاريخ الفتوحات. وكذلك قصة خولة بنت الأزور ورفيقاتها اللواتي خلصن أنفسهن من الأسر والعبودية لجيش الروم. إن المرأة المسلمة كانت تمارس ما اعتادت عليه في الجاهلية من مرافقة الرجال في الغزوات والدفاع عن نفسها ببسالة إن هوجمت، وفي أوائل الإسلام أخذت النساء المسلمات يطالبن الرسول في أن يكون لهن الحق بممارسة الحرب واكتساب الأجر حتى يكن مساويات للرجال. وروي أن أم سلمة زوجة الرسول ومعها نسوة قالت"ليت الله كتب علينا الجهاد كما كتبه على الرجال، فيكون لنا من الأجر مثل ما لهم"، فنزلت الآية "ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله بكل شيء عليم" (النساء 32). لقد أعفى الله النساء من فرض الجهاد في ساحات المعارك واعتبر جهاد المرأة السلمي في بيتها بإنجاب الأطفال، وهي عملية خطرة، وتربيتهم تربية صالحة، وهو أمر شاق، يماثل في أجره جهاد الرجل مقاتلاً. وأما من اختارت القتال فهو تطوع وزيادة في التضحية، إذ يعرض المرأة المسلمة للقتل، أو أن تؤخذ أسيرة وتصبح أمة . وبعد نزول هذه الآية استمرت النساء المسلمات في التطوع بمرافقة الجيوش المسلمة التي غيرت فتوحاتها مسار تاريخ البشرية. والمرأة المسلمة كانت تشارك في السياسة. وانتقدت النساء المسلمات الخلفاء، وتوسطن في حاجات الناس . والنساء المسلمات قمن بمختلف أعمال البر، من بناء المساجد والمدارس والمشافي، وجر المياه من أموالهن الخاصة، وروين الأحاديث الشريفة، ودرّسن الفقه، ومارسن الطب والفنون، ونظمن الشعر. والمرأة المسلمة في الطور الحرفي الإسلامي كانت على العموم منتجة، تقوم بمختلف المهن التي يتيحها الاقتصاد المنزلي، وتؤجر على عملها، وتحتفظ بأجرها لها ولأولادها. ولم تتوقف عن الإنتاج إلا حين اكتسحت السلع الآلية السوق، وانهارت الحرفة في الشرق، وانهارت معها مقوماتها. فعاشت في بطالة، حتى انتقلت بعدها إلى مجتمع جديد. فقامت بأعباء جديدة خارج المنزل، دون أن يسعى المجتمع المسلم إلى تحسين وضعها وإنصافها بسبب غياب الاجتهاد.

 

حتى تكون المرأة نفسها وتشارك في صنع القرار يجب أن تسبح في بحر الحياة بإمكانياتها فليس سوى السمك الميت يمكن أن يجرفه التيار. أما امرأة وزيرة وبضع نساء يعملن في السياسة وحفنة من النساء الموظفات فما هي إلا صور سرابية لتحرير المرأة يعطيها المجتمع المتبجح الكاذب المتخلف في ما يحيط به نفسه خجلاً من المتطورين.

 

لقد آن الأوان للمرأة أن تتفتح وتأخذ دورها، فالعصر معها. والإمكانيات الجديدة وتكنولوجيا العصر تساهم في تطوير قدراتها، وتهيئ الظروف كي تصل إلى مراكز اتخاذ القرار فيما يتعلق بذاتها وبأسرتها وتجاه مجتمعها. وحتى تجاه جملة المجتمعات الإنسانية التي تتقارب اليوم، فتتقارب الأفكار، ويتوحد الاقتصاد، وتتوحد مشاكل الناس وطموحاتهم في بناء عالم جديد.

أضيفت في24/10/2005/ خاص القصة السورية ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

   

 

بعضهن رفض تصنيفه

الأدب النسائي.. بين مؤيد ومعارض

 

 

بقلم: أمينة عباس

 

مازال مصطلح الأدب النسائي موضع شك وارتياب بالنسبة للكثيرات من المبدعات، ومازال بالنسبة لبعضهن تهمة تلصق بما يكتبنه.. ومن هنا بقي هذا المصطلح يتأرجح بين مؤيد ومعارض، وسط مناقشات في الأوساط النسائية الأدبية بشكل خاص.

 

الكاتبة دلال حاتم تقول ليس هناك أدب نسائي وآخر رجالي، بل هناك أدب وموهبة، مع اعترافها بأن هناك مواقف وقصصاً تكون فيها الكاتبة أقدر على سبر أغوار المرأة لكونها امرأة، كما أن الرجل يكون قادراً على توصيف حالات وضع الرجل أكثر من المرأة على الرغم من وجود نماذج من أدباء استطاعوا الدخول إلى العوالم الأخرى مثل الكاتب يوسف إدريس الذي كان بارعاً في وصف عالم المرأة لكونه طبيباً، وعلاقته مع النساء جيدة، فنجح في سبر أغوار المرأة.

 

وتستطرد حاتم قائلة: ما يؤخذ على ما تكتبه المرأة أن الهم النسائي مازال موجوداً في كتاباتها، رغم أن هذا الهم هو جزء من هموم عامة، ولا يفترض أن نختصر الهموم في هذا المجال فقط.

 

د.ناديا خوست تقول: برأيي هناك مدارس أدبية في العالم، وبين تلك المدارس لا يوجد مدرسة تدعى الأدب النسائي، وبالتالي يصنف الأدب الذي تكتبه المرأة في مدرسة من هذه المدارس الأدبية التي يشترك فيها النساء والرجال على حد سواء، لأن المرأة إنسان ذو موقع اجتماعي واقتصادي، وذو علاقات إنسانية بالمجتمع الذي نعيش فيه، ومن هذا الأساس تعبر عن مبادئها وعن رؤيتها إلى الحياة، وهي في ذلك تتفق مع بعض الكتّاب، وتختلف مع بعضهم الآخر، لذلك وعلمياً لا نستطيع أن نطلق اصطلاح أدب نسائي نجمع فيه كاتبات مختلفات تماماً في الأسلوب والاتجاه والرؤية الفكرية.

 

يمكننا أن نستخدم كأسلوب عمل ونقد مفهوم أدب المرأة بدلاً من الأدب النسائي وذلك إذا كان التقييم لدراسة ملامح معينة في واقع معين وبشروط واضحة ومحددة وتحت عناوين واضحة، وهذا ما أقبله أنا، أما مفهوم الأدب النسائي فأنا أرفضه تماماً، وأعتقد أن ترديد هذا المفهوم ليس لزيادة قدر المرأة ورفع شأنها وإنما لتصغيرها وإعادتها إلى الحريم بحريم الأدب النسائي .

 

القاصة لبنى ياسين تقول: في البداية يجب أن نحدد معيار التصنيف, أن نقول أدبا نسائيا هل هو تعبير معياره الأسلوب؟ أم الإبداع أم انتقائية المواضيع أم خصائص تبرز في الكتابة النسائية تجعلها مختلفة عن الأدب الذكوري أو الرجالي أو الآخر مهما كان؟؟.

 

من ناحية الإبداع لا أجد فرقا في الكتابة معياره الجنس بل الاختلاف هنا شخصي تماما, أما من ناحية الأسلوب فقد تكون المرأة اشد حياءً في معالجة أمور العاطفة واكثر شفافية ورقة في التعبير عن المشاعر التي تنتابها أو تنتاب أبطال قصصها مثلا من نظيرها الكاتب الرجل وبالطبع ستسيطر عليها خصائص شخصية المرأة وخاصة إن كنا نتحدث عن المرأة الشرقية, لنأخذ الغزل مثلا ...قصيدة حب لامرأة تغازل فيها حبيبها تختلف تماما عما يكتبه رجل لحبيبته, فمثلا قد تجدين الكثير من القصائد أو القصص النسائية التي تحمل معنى (متى سيشعر هذا الرجل بمشاعري ويدنو ويبوح لي بمشاعره) ولكنك لن تجدي مثل هذا الموضوع عند الرجال لأنه هو المعني بالبوح والمصارحة وهذا فارق في شخصية المرأة والرجل أساسا, نحن لا نخلع شخصيتنا جانبا أثناء الكتابة مهما حاولنا أن نكون حياديين, هناك شئ منا يتسلل خفية بين السطور لكن القارئ يلاحظه بوضوح لذا قد تجدين هذا الفارق في تناول موضوع الحب والعواطف وما إلى ذلك كما في حال تناول موضوع الخيانة الزوجية في قصة كتبها رجل ستجدين تلويحا ما بان تقصيرا لدى الزوجة اجبر البطل على الارتماء في حضن أخرى بينما في قصة تكتبها امرأة ستتعاطف مع الزوجة غالبا وتظهر سمة الخيانة بوضوح وتصفها بشكل قاس.

أما في الهموم الوطنية والإنسانية فلن تستطيع على الأغلب أن تفرقي بين كتابة امرأة ورجل لأنها هموم إنسانية وهما أمامها سواء تماما لا فرق بينهما.

 

قد يطرح تعبير أدب نسائي كمعيار تصنيفي كما نقول أدب المهجر مثلا المقصود هنا دراسة آثار النساء الأدبية وخصوصية طرحهن ورؤيتهن للقضايا المطروحة وقلة تواجدهن العددي على الساحة مقارنة بتواجد الرجل, وأنا لا أجد في هذا التعبير من هذا المنظار أي ضير فبالنتيجة هنالك تعابير تصنيفية كثيرة في الأدب كما أسلفت (أدب المهجر, أدب الانتفاضة, أدب النكسة)، وطالما أن المعيار لهذا التصنيف ليس بقصد الإقلال من شأن المرأة بل بقصد إظهار خصوصيتها واختلاف رؤيتها فلم لا اقبله بل وارحب به أيضا؟!.

 

الروائية د.هيفاء بيطار وهي طبيبة انتقلت إلى عالم الكتابة في فترة التسعينيات وعرفت بغزارة إنتاجها بين قصة ورواية تعترف بأنها ليست ضد هذا المصطلح لاقتناعها بأن الكتابة النسائية لها خصوصيتها كما يمتلك الرجل الكاتب خصوصيته حيث تقول: أنا كامرأة عبّرت في روايتي (امرأة من طابقين) عن مشاعر شديدة الخصوصية لا تستطيع أن تشعر بها إلا الأم ولا يمكن للرجل مهما كان قادراً التعبير عنها بصدق، إضافة إلى أن المرأة تفهم العالم بصورة مغايرة لما يراه الرجل، فالمرأة لديها قدرة أكثر على الاحتضان والاستيعاب والتعمق في تفاصيل الأمور، وهذا لا ينتقص من قيمتها إذاً.. أنا مع أن يوجد مصطلح أدب نسائي ولكنني ضد أن يطرح هذا المصطلح على أساس أنه أدنى مستوى من أدب الرجل، وتضيف : أنا عندما أكتب لا أفصل بين كوني كاتبة وامرأة، فعندما بدأت الكتابة كان همي أن أعبر عن هموم ومعاناة شخصية، وبعد انتهاء هذه المرحلة بروايتي (يوميات مطلّقة) لم يعد الهم الشخصي هو محرضي بل أصبح هناك هم عام.

 

القاصة سمر شيشكلي قالت: طالما كان الإنسان بشكل عام كيانا تصوغه عوامل عدة تتباين بتفاعلها النماذج البشرية باستمرار وإلى نهاية هذا الوجود عوامل خارجية تتمثل في البيئة بأبعادها المتعددة, الاجتماعية منها أو الثقافية أو حتى الجغرافية وعالم الإنسان الداخلي تساهم في صياغته جيناته فتحدد قدراته وطاقاته ميوله ورؤاه إشعاعاته في ممارساته العقلية والنفسية من هنا والفكرة تتخذ أبعاداً أعمق مما ذكرت عندما تبحث بعلمية وموضوعية نجد اختلافاً وتنوعاً في الأنساق الفكرية والإبداعية بين البشر بين الرجل والرجل حتى في الوسط البيئي والثقافي الواحد فما بالنا بينهما في الأوساط المتباينة, وما بالنا بين الرجل والمرأة تحديداً.

 

مؤكدة أن طبيعة المرأة الإنسانية الأنثوية تختلف عن طبيعة الرجل ولكن ليس بمفهوم الأدنى والأعلى وليس على المرأة أن تدافع عن كيانها بالتغاضي عن اختلافها الطبيعي وتنكرها له وتشبثها بفكرة التماثل الإنساني بقدر ما عليها فهم طبيعتها واحترامها هي أولاً لتبدأ بالإشعاع برؤاها الفكرية والإبداعية النابعة من خصوصيتها المتمايزة عن خصوصية الرجل, علها تقدم للإنسانية نسقاً جديداً يحمل العالم إلى منعطف جديد من تاريخه, منعطف أكثر عدلاً وإنصافاً, إشراقاً وصحة.

 

الطبيعة الأنثوية ليست شيئا دونياً لتتنكر له المرأة, إنه جزء كبير من ذاتها, ولابد أنه سيلون إبداعها, سواء أكتبت عن شؤونها كامرأة, أو عن شؤون الإنسانية كجماعة تشترك بالعيش معا على هذا الكوكب, أو عن شؤون الرجل حتى إنها بذلك ستقدم العالم, بما فيه الرجل, برؤية تلونها ذاتها الخاصة, مما سيكون فرصة تنوع أصيلة للفكر الإنساني.

 

وإن بدأت المرأة بوعي ذاتها وإخراج تفاعلاتها الخاصة, إلا أن منطق العدل معها مازال قاصراً من جهة الرجل, ومازال السعي حثيثاً من جانبها لربح مواطنة حقيقية في مجتمعاتها والمقاومة ضد هذا المشروع شديدة سواء كان من جهة الجهل كخصم أول لها الجهل بإمكانياتها وخصوصيتها وقيمة هذه الخصوصية, أو من جهة الرجل باعتباره استمتع ويستمتع بدهر أزلي من التفوق الذكوري بكافة تجلياته.

 

والآن هل يمكن لنا أن نقارن أدباً أو فكراً تكتبه امرأة بما يكتبه الرجل؟ وكيف نقيمه؟

أظننا لو تكلمنا عن المعايير الفنية والتقنية فالأمر طبيعي أن تتم المقارنة بغض النظر عن الجنس, أما لو اتجهنا إلى خصوصية الرؤية فأظن أنه من غير العدل اعتبار أدب الرجل وفكره معياراً حاسماً.

 

ولا يمكنني أن أنسى مع كل هذا بأن الرجل هو أبي وأخي وصديقي وزوجي وابني, هو جزء عظيم من عالمي الذي أحبه والذي ساهم في تكويني بشكل أو بآخر, والذي أساهم في تكوينه أنا بدوري بشكل أساسي.

الناقدة الأدبية د.ماجدة حمود تقول: يبدو لنا أن مصطلح النسوية مازال يثير تساؤلات كثيرة، منها: هل هناك خصوصية في الخطاب النسوي؟ هل يعني استخدامه تمييزاً مطلقاً بين أدب ذكوري وأدب أنثوي؟ بمعنى هل يقصد من استخدامه التمركز حول الذات الأنثوية؟ هل هو مصطلح عادي يختزل دلالات متعددة عبر مفردة أو هو مصطلح بإمكانه أن يحمل دلالات خارجة عنه؟

لذلك مازال استخدامه يثير حساسية دعاة المساواة بين المرأة والرجل، كما يثير استخدام اسم المرأة حساسية التقليديين .

يبدو أن أي مصطلح يخص المرأة لا بد أن يثير الحساسية والجدل، مع أن المقصود من استخدام النسوية التعرف على الإبداع الذي تكتبه المرأة، وتلمّس مدى خصوصيته .

النسوية تعني جملة ما تكتبه المرأة من أدب، ولا شك أن مثل هذه الدراسة التي تحاول أن تختص بأدب المرأة تستطيع أن تمنحنا الدقة في الحكم، وبالتالي فإن استخدام مصطلح النسوية مثله مثل أي مصطلح لا يحمل دلالات تفضيلية، أما عزل أدب المرأة عن أدب الرجل فتقتضيه الضرورة المنجية البحتة، ولا يعني الانطلاق من رؤية ضيقة عنصرية غايتها التمركز حول الأنوثة.. هذه الحركة التي شاعت في الغرب وتبنت نظرة أحادية الجانب تغذي العداء بين الجنسين .

صحيح أن الأدب النسوي يتمحور حول العلاقة مع الرجل في أغلب الأحيان، فقد بدا هاجس الإبداع النسوي إبراز خصوصية هذه العلاقة، لكن هموم المجتمع والأمة كانت جزءاً من هم المرأة .

إذن لا يُقصد من استخدام هذا المصطلح الإشادة بتفوق جنس على جنس أو عزل الإبداع النسوي عن الإبداع الذكوري، وإنما الانطلاق من حقيقة الإبداع لابد أن يكون من نبض المعاناة الخاصة أولاً ثم يكسوه الفنان حلة عامة، ولا شك أن هذه المعاناة تتجلى عبر جماليات اللغة التي يمتزج فيها الفكر والشعور والتخيل، فيتجلى عبرها الشكل الفني، عندئذ نستطيع أن نلمس جماليات خاصة للرواية النسوية التي لخصتها بريجيت لوغار عبر أربعة محاور : الجنس وإدراك الجسد والتجربة الحياتية واللغة.

أضيفت في24/10/2005/ * خاص القصة السورية المصدر الكاتبة: لبنى محمود ياسين  ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

الأناقة والإغراء في لغة أحلام مستغانمي

 

بقلم: عبد السلام صحراوي*

 

تفردت الكاتبة والشاعرة الجزائرية "أحلام مستغانمي" وتميزت في تجربتها الكتابية لكونها أول كاتبة جزائرية وتميزت في تجربتها الكتابية لكونها اول إمرأة تخوض مغامرة الكتابة الروائية باللغة العربية، وهي دون شك مغامرة صعبة سيما حين نعلم ان جل الأدباء، والأديبات في الجزائر (الجزائريين) كتبوا بالفرنسية وترجمت أعمالهم بعد ذلك الى العربية. والأديبة "أحلام " تشير الى هذا الموضوع اشارة بليغة للغاية حينما تهدي روايتها الأولى "الى مالك حداد.. ابن قسنطينة، اذ تقول في اهداء روايتها "ذاكرة الجسد": "الي مالك حداد.. ابن قسنطينة " الذي أقسم بعد استقلال الجزائر الا يكتب بلغة ليست لغته.. فاغتالته الصفحة البيضاء.. ومات متأثرا بسلطان صمته ليصبح شهيد اللغة العربية، واول كاتب قرر أن يموت صمتا وقهرا وعشقا لها": وتقول أيضا في هذا الاهداء: "والى أبي.. عساه يجد هناك من يتقن العربية، فيقرأ له أخيرا هذا الكتاب.. كتابه " ا`ا. وليس عبثا ان تضمن "أحلام " هذا الاهداء لروايتها فالامع لا محالة متعلق بعشقها وحبها للغة العربية وهي تبعا لهذا تتجه نحو خرق القاعدة وتصدر روايتها الأولى باللغة العربية في الجزائر سنة 1993عن دار الآداب ببيروت، ويعاد طبعها عام 1996 في طبعة ثانية وفي طبعات أخرى فيما بعد. غير إن الطبعة الثانية لرواية "ذاكرة الجسد" يكتب مقدمتها الشاعر العربي الكبير نزار قباني.. وبعد سنوات من كتابتها "ذاكرة الجسد" تعود فتطل علينا من جديد برواية ثانية هي "فوضى الحواس" هذا العنوان الثاني لأعمالها الروائية الذي ارادته الكاتبة عنوانا للمرحلة الثانية من عملها الروائي الذي اشارت الكاتبة الى انه سيكون على ثلاث مراحل أي في شكل ثلاثية. فهي بذلك تعد بعمل روائي ثالث في المستقبل. اما "فوضى الحواس" فقد كان صدورها عام 1998 عن دار الآداب ببيروت (2). وقد اعتمد هذان العملان الروائيان للتدريس في كثير من الجامعات والمعاهد العربية، منها جامعة بيروت الامريكية وكذا معاهد الآداب في الجامعات الجزائرية من خلال اجتهاد بعض الاساتذة والطلاب.

كما ان للكاتبة بعض الاصدارات الاخري خارج الرواية وفي الشعر تحديدا منها "على مرفأ الأيام "- الجزائر 1973، و"الكتابة في لحظة عري" عن دار الآداب 1976، وكتاب صدر لها في باريس يحمل عنوان "الجزائر- المرأة والكتابة "(سنة1985).

والمقام لا يتسع هنا للحديث عن مضمون هذين العملين الروائيين لهذه الكاتبة، فليس موضوعنا هوا لتعرض للمضمون وانما أردناه حول: "لغة الكاتبة في كتابتها الروائية كما هي واضحة في عمليها الروائيين "ذاكرة الجسد" و"فوضى الحواس ".

ولعل أفضل ما يلخص مضمون العملين ما قاله نزار قباني عن "ذاكرة الجسد" وهو ينطبق على "فوضى الحواس" لكونها استمرارا ومرحلة ثانية لـ"لذاكرة الجسد" قال نزار عن "ذاكرة الجسد". وعن الكاتبة "أحلام ": "روايتها دوختني. وأنا نادرا ما أدوخ أمام رواية من الروايات، وسبب الدوخة ان النص الذي قرأته يشبهني الى درجة التطابق فهو مجنون، ومتوتر، واقتحامي، ومتوحش، وانساني، وشهواني.. وخارج على القانون مثلي. ولو ان أحدا طلب مني أن أوقع اسمي تحت هذه الرواية الاستثنائية المغتسلة بأمطار الشعر.. لما ترددت لحظة واحدة ". ويتابع نزار قباني قائلا: "هل كانت أحلام مستغانمي في روايتها (تكتبني) دون أن تدري.. لقد كانت مثلي متهجمة على الورقة البيضاء، بجمالية لا حد لها.. وشراسة لا حد لها.. وجنون لا حد له.

الرواية قصيدة مكتوبة على كل البخور.. بحر الحب، وبحر الجنس، وبحر الايديولوجيا، وبحر الثورة الجزائرية بمناضليها، ومرتزقيها، وأبطالها وقاتليها، وملائكتها وشياطينها، وأنبيائها، وسارقيها..

هذه الرواية لا تختصر "ذاكرة الجسد" فحسب ولكنها تختصر تاريخ الوجع الجزائري، والحزن الجزائري والجاهلية الجزائرية التي آن لها أن تنتهي..."(3).

 

والذي يعود الى"ذاكرة الجسد" و" فوضى الحواس"سيقف على مدى صدق نزار قباني عندما علق على ما كتبته أحلام بهذه الكلمات الموحية، ويقف على الأحداث التي ضمنتها الكاتبة روايتها، وهي الأحداث التي طبعت تاريخ الجزائر أثناء الثورة الجزائرية المظفرة، وبعد الاستقلال وصولا الى الأزمة والمأساة التي لطخت تاريخ هذا البلد الشامخ باسم الديمقراطية والتعددية وايديولوجيات شرقية وغربية دفعت بأبناء البلاد الى التناحر، والتطاحن والقتال والاقتتال والسبية كانت "الجزائر" هذا البلد العزيز على قلوب الوطنيين والغيورين، والبلد المقدس في عيون الشهداء الأبرار.

 

ان ما يهمنا في هذا البحث المتواضع هو الوقوف على لغة الكتابة الروائية لهذه الكاتبة التي فاجأت القواء بعملين روائيين هما مفخرة الأدب الجزائري الروائي..

اذ تمثل الكاتبة نموذجا فريدا للكتابة الروائية "النسائية " في الجزائر. وهي التي ترفض أن تحاكم ككاتبة وتعتبر مصطلح "الأدب النسائي" نوعا من الاهانة للمرأة اذ تقول في حوار أجرته معها مجلة "زهرة الخليج ": "أنا أريد أن أحاكم ككاتبة بدون تاء التأنيث وأن يحاكم نصي منفصلا عن أنوثتي، ودون مراعاة أي شيء"(4).

 

وتقول في موضع آخر: "ان الكتابة بالنسبة لي متعة، ولا أمارسها الا من هذا المنطلق..." غير ان من أجمل ما كتبته فيما يتعلق باللغة والكلمات والكتابة يرد في نصوصها الروائية ومن ذلك ما تحدثنا به في رواية "فوضى الحواس" اذ تقول: "

يحدث للغة أن تكون أجمل منا، بل نحن نتجمل بالكلمات، نختارها كما نختار ثيابنا، حسب مزاجنا ونوايانا". وتتابع قائلة: "هنالك أيضا، تلك الكلمات التي لا لون لها ذات الشفافية الفاضحة كامرأة خارجة توا من البحر، بثوب خفيف ملتصق بجسدها إنها الأخطر حتما لأنها ملتصقة بنا حد تقمصنا". ان عناية الكاتبة بلغتها الروائية يفوق كل توقع، حتى ليخيل للقارئ ان لغة الخطاب الروائي عند "أحلام" هو موضوع النص ذاته، وهذا ليس غريبا حين نعلم أن الكاتبة عاشقة للغة العربية وهي تريد أن تصل باللغة الى مجدها أو تعيد لها فطرتها الاولي بعيدا عن الدنس والابتذال.

وهذا الاحتفال والاحتفاء باللغة في الكتابة الروائية عند أحلام يتبدى في كل مقاطع النصوص التي يصدم بها القارئ وهو يقرأ في "فوضى الحواس" أو في "ذاكرة الجسد". ان "أحلام " يمتد بها سرورها باللغة الى جعلها "بطل" النص كما يذهب الى القول أحد الباحثين.(5)

 

وقد ذهب عبدالله الغدامي في ترضيه العلاقة بين الكاتبة أحلام ولغتها الروائية الى حد القول ان الكاتبة استطاعت ان تكسر سلطة الرجل على اللغة، هذه اللغة التي كانت منذ أزمنة طويلة حكرا على الرجل واتسمت بفحولته، وهو الذي يقرر ألفاظها ومعانيها فكانت دائما تقرأ وتكتب من خلال فحولة الرجل الذي احتكر كل شيء حتى اللغة ذاتها. واذا كانت أحلام تريد أن تحاكم ككاتبة بدون تاء التأنيث فان روايتيها ملتصقتان بالأنوثة وهذا الالتصاق هو الذي جعل عملها الروائي يحظى بالتقدير والتفوق، حيث استطاعت ان تصنع من عادتها اللغوية نصوصا تكسر فيها عادات التعبير المألوف المبتذل وتجعل منها مواد اغراء وشهية، وراحت وهي تكتب تحتفل بهذه اللغة التي أصبحت مؤنثة كأنوثتها، وأقامت معها علاقة حب وعشق دلا على أن اللغة ليست حكرا على فحولة الرجال بل تستطيع أن تكون أيضا الى جانب الانوثة، فصارت اللغة حرة من القيد والثابوهات وصار للمرأة مجال "لأن تداخل الفعل اللغوي وتصبح فاعلة فيه فاستردت بذلك حريتها وحرية اللغة. وكل ذلك من خلال علاقة جديدة حميمية بين المؤلفة واللفة وبالأحرى بين الكاتبة ونسغ الخطاب اللغوي المتألق والمغري كما يبدو عند أحلام. "فأحلام" هي مؤلفة الرواية، وأحلام هي ايضا بطلة النص، واللغة فيما كتبته أحلام هي الأخرى بطلة، بحيث ان اللغة الروائية في هذين العملين تطغى على كل شيء وتتحول الى موضوع الخطاب وموضوع النص. فامتزجت بذلك انوثة اللغة المستعادة مع انوثة المؤلفة وكذا انوثة "أحلام " البطلة في الروايتين ووحدة العلاقة بين الانثى خارج النص والانثى التي في داخل النص تعني عضوية العلاقة بين المؤلفة ولغتها. وتمتد هذه العلاقة من خلال "اتحاد الانثى (أحلام مع كل العناصر الاساسية في الروايتين فأحلام هي أحلام، وهي المدينة وهي قسنطينة، وهي البطل وهي الوطن وهي الذاكرة وهي الحياة، لأنها في البداية كان اسمها حياة، وهي النص وهي المنصوص، وهي الكاتبة وهي المكتوبة وهي العاشقة وهي المعشوقة وهي اللغة وهي الحلم وهي الألم لأن الحلم والألم:

أحلام تساوي حلما وألما.(6)

 

في الروايتين تحررت المرأة "البطلة " وتحررت معها "اللغة" وتولد من ذلك نص روائي جديد يمجد اللغة بالدرجة الأولى ويحتفي بها. الأدب فن اداته اللغة، فاللغة هي الاداة الرئيسية لكل خطاب أدبي، وكيفية وأسلوب التعامل مع اللغة هو الذي يحدد قيمة وطبيعة الخطاب، فعلاقة الأديب باللغة هي في كل الحالات علاقة خاصة واستثنائية ومن هنا تصبح هذه العلاقة الخاصة، عبارة عن ممارسة للغة ( Une pratique ) ,تكتسب ابعادا مختلفة وترتقي الى مستوى الحميمية ( L'intirnite ) ومن ثم فان الخطاب الأدبي من هذا المنطلق، ومن كونه يعتمد على اللغة بل هو اللغة ذاتها يصبح خطابا خاصا باعتبار خصوصية العلاقة ما بين اللغة وصاحب الخطاب، ومادام الأدب فنا، فالفن ينتج عادة للتأثير في الآخرين شعوريا وجماليا، والجمالية ( L'esthétique ) لا تتأتى للخطاب الأدبي الا من خلال لغته، ومن ثم فان الكتابة الأدبية تتحول لدى الأدباء الى عملية إغراء ( Séduction ) طريق اللغة( discours séducteur ) التي هي الأداة الاساسية لديهم. وهذه العلاقة الخاصة مع اللغة تكتسي أهمية خاصة في التأثير وجلب انتباه الآخرين واهتمامهم ثم تقديرهم. ان الأدب لا يتأتى له ذلك الا بفضل ما للغة من امكانيات هائلة في التعبير التي مصدرها الأساسي هو (المجاز) داخل الاستعمال اللغوي في مجال التعبير الأدبي. ففي الكتابة الأدبية تتحول اللغة من كونها تؤدي وظيفة الاتصال والابلاغ فحسب الى مستويات تعبيرية أخرى، وذلك بتفجير طاقاتها الكامنة عن طريق المجاز وبطرق لم يسبق لها مثيل. ولو ان الأدب كان مجرد كلام عادي لكان ككل كلام. غير أن الادب هو ان تعبر عن الأشياء على غير منوال سابق وهو "السمو بتعبيرية الأشياء والسعي الى احداث عملية تشويش مقصودة في قاموس اللغة..." (8).

 

والأديبة الروائية "أحلام مستغانمي" تمارس علاقة خاصة مع اللغة، هذه العلاقة الخاصة مع لغتها تجعلها تكسر تلك المعادلة التقليدية والكلاسيكية بين الدال والمدلول، ناهيك ان اللغة في كتابات "أحلام" تتحول الى أداة "اغراء" ( Séduction ) ان "احلام " تتألق في "ذاكرة الجسد" وفي "فوضى الحواس " بل انها تتأنق وتمتاز بلغتها الساحرة المغرية للقارئ، حيث تمارس نوعا من العشق والمحبة للغة، وتصنع من هذا العشق وهذه اللغة أشكالا تعبيرية مريعة ومغرية للقارئ.

والأكثر من ذلك أنها - ولا شك - تستمتع وهي تكتب وتبدي نوعا من اللذة والاشتهاء للكلمات والأشياء بغريزة الأنثى التي تعرف قيمة الكلمات المؤثرة.. ويمتد بها الأمر الى حدود المتعة والسرور بالكلمات وباللغة. وهي لا تريد ان يخصها هذا الأمر وحدها.. بل انها تلقي به الى المتلقي- القارئ- حيث تستدرجه بلفة رائعة، صافية، كالحب، كالمتعة، كالشهية.. تستدرجه الى ساحات الريع الكلامي، وساحات الحبور والاحتفاء بالكلمات. أكثر ما يميز كتابتها الروائية هي هذه اللغة الأسرة، التي تأخذك على حين غرة وتأسرك وتمتعك، وتحاول دائما ان تشبهك، حتى تنال منك.. وتغريك بالمزيد من المتعة والجمال.. فهي منذ الوهلة الاولي تمارس دور "الـداندي" ( Dandy ) الذي يختار لنفسه الصدارة والمنصة البارزة، المتمرد ضد الزمان والمكان وأفكار الآخرين، والبدع للجماليات، والمتمرد على القوالب الجاهزة المأخوذة باناقته وتألقه والذي يشع كشمس غاربة او ككوكب مائل " (9)

 

ولا يمكن الوقوف على ظاهرة "الاغراء" في لغة "أحلام" الروائية الا بالعودة الى بعض النصوص من روايتيها "ذاكرة الجسد" و "فوضى الحواس" فهي في الاولي ومنذ الصفحة رقم 1 تبدد كل وهم وابتذال وآلية اللغة المحيطة بنا اذ تقول في دعوة مغرية الى مرافقتها وقراءة روايتها: "الحب هو ما حدث بيننا، والأدب هو كل ما لم يحدث... يمكنني اليوم، بعدما انتهى كل شيء أن أقول: هنيئا للأدب على فجيعتنا اذن فما أكبر مساحة ما لم يحدث، انها تصلح اليوم لأكثر من كتاب، وهنيئا للحب أيضا.. فما أجمل الذي حدث بيننا، ما أجمل الذي لم يحدث.. ما أجمل الذي لن يحدث".  (10).

 

وهذا الكلام يفري بسرد الحكاية وهو نفسه الذي تعيده الكاتبة عند خاتمة الرواية:

"الحب هو ما حدث بيننا والأدب هو كل ما لم يحدث" ص 403.

 

ويعلق أحد الباحثين مشبها أحلام بشهرزاد موحيا بما كانت تغري به شهريار من حكاية وسرد وقصص ورواية، يقول: "بين ما لم يحدث وما حدث يقع النص بين جملتين امتد الفاصل بينهما ما يقارب 400 صفحة، وامتد زمنيا على مدى سبع سنوات وستة

أشهر(11) أي لمدة ألفين وسبع مائة وأر بعين يوما (أو ليلة) مما يجعله يعادل حكايات ألف ليلة وليلة مرتين ونصف المرة أو أكثر. انه النص الذيس ينقض ليالي شهرزاد ليضع مقابلها أيام أحلام...".(12)

 

ولكن في ألف ليلة وليلة تحكي المرأة ويدون الرجل وفي "ذاكرة الجسد" يحكي الرجل

(خالد) وتدون المرأة "أحلام " وهل كانت شهرزاد غير امرأة تحسن القصص وتغري بالمزيد؟ وكذلك كانت "أحلام " ومن أول صفحة امرأة تحكي على لسان رجل وتغري القارئ بالمزيد، فيرافقها على مدى 404 صفحات دون كلل ولا ملل وهو مأخوذ بلغة ساحرة أخاذة لم يعهدها في الرواية والقصص.

 

الاغراء قوة جذابة، وهنا الاغراء تمارسه الروائية بلغتها الساحرة وتقترن اللغة بالانوثة في النص فتصير شباكا وجمالا خالصا يعد بالمتعة والجمال، وتعرف صاحبة القلم كيف تطرز لغتها ونصها فتزيح الكآبة واليأس عن القارئ وتعده بالنجاة والسلامة والدفء. ومهما قالت أحلام وصرحت، فاننا لا نزال نعتقد بقوة ان لغتها مغموسة ومعجونة بأنوثتها يفوح منها عطر الانوثة ودفئها، وأريج خدود المرأة، ورائحة مواد التجميل، ومسحوق الزينة، ان النص الروائي هنا هو مريب من سحر الانوثة وسحر اللغة حيث يمتزج الاثنان فيصبح النص اغراء بالحب وبالعطر وبالشوق وبالرغبة وبالذاكرة وبالصدق والكذب. انظر الى هذا المقطع من "فوضى الحواس " كم هو "اغراء" وسيلته اللغة الساحرة المغرية بالبوح: "في ساعة متأخرة من الشرق، يداهمها حبه. هو رجل الوقت ليلا، يأتي في ساعة متأخرة من الذكرى، يباغتها بين نسيان وآخر، يضرم الرغبة في ليلها.. ويرحل. تمتطي اليه جنونها، وتدري: للرغبة صهيل داخلي لا يعترضه منطق. فتشهق، وخيول الشرق الوحشية تأخذها اليه. هو رجل الوقت سهوا، حبه حالة ضوئية، في عتمة الحواس يأتي. يدخل الكهرباء الى اهازيج نفسها، يوقظ رغباتها المستترة، يشعل كل شيء في داخلها، ويمضي. هو رجل الوقت عطرا، ماذا تراها تفعل بكل تلك الصباحات دونه ؟ وثمة هدنة مع الحب، خرقها حبه، ومقعد للذاكرة، مازال شاغرا بعده، وأبواب مواربة للترقب، وامرأة، ريثما يأتي، تحبه كما لو انه لن يأتي، كي يجيء. لو يأتي.. هو رجل الوقت شوقا، تخاف ان يشي به فرحها المباغت، بعدما لم يثر غير الحبر بغيابه. ان يأتي، لو يأتي. كم يلزمها من الأكاذيب، كي تواصل الحياة وكأنه لم يأت كم يلزمها من الصدق، كي تقنعه انها انتظرته حقا.."(13). ان اللغة هنا تتحول الى مفاجأة مدهشة، وهي لم تعد "نظاما علاماتيا محايدا، لقد تحولت الى انثى مغرية قاتلة مع سمات انثوية قوامها الشعرية والسردية وجرعات زائدة من الذاتية والانفعالية والوجدانية.."، وما يبدو في هذا النص وفي نصوص ومقاطع كثيرة من الروايتين ان أحلام تتحكم في لغتها، تتقنها وتتأنق في استعمالاتها، وتذهب بها الى حدود بعيدة من الشعرية والأدبية، تمارس مع لغتها الغرابة والانزياح حينا والدهشة والفرحة والسرور حينا آخر، تلاعبها، تعانقها وتنتشي بها ولها، وتلامس الكلمات كما تلامس الورود والعطور في دفء، وفي عشق وفي نشوة عارمة تغري وتغري بالبوح دون ان تقول شيئا محددا تماما.

ان ملامسة الكلمات على هذا النحو، يذكرنا بقولها في الرواية، في الصفحة الاولي

منها: "هو الذي يعرف كيف يلامس أنثى، تماما، كما يعرف ملامسة الكلمات.. الى ان

تقول: "يحتضنها من الخلف كما يحتضن جملة هاربة بشيء من الكسل الكاذب..".(14)

 

لقد اختلط ما هنا حب اللغة بحب الجسد، وصارت اللغة جسدا للمغازلة والملامسة والاحتفاء، صارت اللغة والكلمات موضوع عشق ومحبة ومصدر متعة وروعة، وجمال ونشوة، بجمالية لا نجدها الا عند كبار من قالوا بالدهشة والغرابة في الأدب، وذلك في تراث الشكلانيين الروس في بحث مضن عن الأدبية والشعرية والجمال في الخطاب الأدبي.. وهم الذين أكدوا على "الاغراب" او "نزع الالفة ": "فالشيء النوعي بالنسبة للغة الأدبية - ما يميزها عن أشكال الخطاب الأخرى- هو انها "تشوه " اللغة العادية بطرق متنوعة. فتحت ضغوط الادوات الادبية، تتكثف اللغة العادية، وتتركز، وتلوى، وتنضغط، وتتمدد، وتنقلب على رأسها، انها لغة جعلت غريبة، وبسبب هذا الاغراب يصبح العالم اليومي، بدوره، غير مألوف فجأة.."(15).

 

وتزخر رواية "ذاكرة الجسد" وكذا رواية "فوضى الحواس"، بلغة الكاتبة التي صنعتها لنفسها وصنعت أدبها بلغة خاصة هي لغتها التي أحبتها وصارت عندها أداة إبداعية ووسيلة إغراء بالجمال الأدبي والفني والمتعة الفنية التي تسحر القارئ وتأخذه إليها طمعا في مذاق جديد للكلمة وللغة الأدبية التي كثيرا ما زج بها في خطابات مبتذلة سميت أدبا تجاوزا أو قهرا. وفي ختام هذا البحث نقدم هذا المقطع من "ذاكرة الجسد" الذي يختلط فيه الشعر بالنثر واللغة بالجسد جسد المرأة وجسد اللغة، وقسنطينة المدينة، وذاكرة الوطن، والرغبة بالخجل، والحب بالحلم، والحرائق والعشق، والمقطع على لسان خالد بطل الرواية: "أكان يمكن أن أصمد طويلا في وجه انوثتك ؟ ها هي سنواتي الخمسون تلتهم شفتيك وما هي الحمى تنتقل الي وها أنا أذوب أخيرا في قبلة قسنطينية المذاق، جزائرية الارتباك.. لا أجمل من حرائقك.. باردة قبل الغربة لو تدرين، باردة تلك الشفاه الكثيرة الحمرة والقليلة الدفء... دعيني أتزود منك لسنوات الصقيع، دعيني أخبئ رأسي في عنقك، اختبئ طفلا حزينا في حضنك. دعيني أسرق من العمر الهارب لحظة واحدة، وأحلم أن كل هذه المساحات المحرقة، لي فاحرقيني عشقا قسنطينة شهيتين شفتاك كانتا، كحبات توت نضجت على مهل، عبقا جسدك كان، كشجرة ياسمين تفتحت على عجل. جائع أنا إليك.. عمر من الظمأ والانتظار.. عمر من العقد والحواجز والتناقضات، عمر من الرغبة ومن الخجل، من القيم الموروثة، ومن الرغبات المكبوتة، عمر من الارتباك والنفاق. على شفتيك رحت ألملم شتات عمري..(16) وهذا النص الأخير أبلغ مثال على عنوان البحث وأشد تأكيدا على ما ذهبنا اليه..

* أكاديمي من الجزائر

الهوامش:

- أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد، دار الأدب بيروت، ط 5، 1998. ص 5.

أحلام مستغانمي: ددفرضى الحواس"، دار الأدب، ط 1، 1998م.

انظر غلاف رواية أحلام مستغانمي: "ذاكرة الجسد" (بقلم نزار قباني، لندن) ط 5، 1998.

أحلام مستغانمي: "فوضى الحواس"، ط 1، ص 32.

عبدالله محمد الغدامي. المرأة واللغة، ط 1، 1996. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ص 191.

انظر في هذا عبدالله الغدامي: المرأة واللغة ص 192، 193.

Séduction : Action de séduire -voir les sens du mot séduction et du mot séduire pour pouvoir assimiler et comprendre ce terme dans la littérature et I'art.

عبدالله حمادي: "ماهية الشعر". مقدمة ديوان "البرزخ والسكين "، وزارة الثقافة، دمشق 1998،ص 6.

أنظر عبدالله حمادي: مساءلات في الفكر والأدب (مقال بعنوان. طاهرة الدايديزم في الأدب العرمي) ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر 1994 "ذاكرة الجسد"، ص 7.

عبدالله الغدامي: المرأة واللغة، ص 185. لا بدأت أحداث الرواية في ابريل 1981 (ص 65) واستمرت حتى عام 1988، "ذاكرة الجسد".

"فوضى الحواس " ص 10، 11.

عبدالله الغدامى: المرأة واللغة.

فوضى الحواس، ص 1.

تيري انجلطون: مقدمة في نظرية الأدب، ترجمة: أحمد حسان، ط 2، القاهرة 1112، ص ا 1.

16 - ذاكرة الجسد، ص: 172- 123

أضيفت في30/05/2005/ * خاص القصة السورية/ عن موقع الكاتبة ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

الصراع في قصص  بثينة إدريس

 

 

بقلم: محمود رمـضان الطهطاوي

 

القاصة ( بثينة إدريس ) .. كاتبة تغوص بقلمها وفكرها في أعماق العلاقات الإنسانية ، وتكرحها على الورق بكل قسوتها ومرارتها وحلاوتها .

تتأقلم مع هذه العلاقات .. فتنقل بفنية مقاطع من المجتمع الذي نعيشه ، والذي تحتويه بخيالها الخصب ، وفكرها المستنير .

وهي كاتبة واقعية .. تتخذ من البيئة المحيطة بها مسرحاَ لأبطال قصصها ، ونجد أن ثقافتها الإسلامية تؤثر تأثيراَ مباشراَ على فكرة القصة عندها ، وكثيراَ ما توظف التراث الإسلامي لخدمة العمل الأدبي ، بل في بعض قصصها نجد أن هذا التراث الإسلامي موظفاً لخدمة العمل الإدبي ، بل في بعض قصصها نجد أن هذا التراث هو المحور الرئيسي للحدث .. وعليه تقوم الفكرة ، كما في قصة : (( ليست هي الصورة ولكن ؟! )) .

 

واللافت للنظر أن معظم كتاباتها تغوص في الجانب الإنساني تكشف الحقائق .. لذلك نجد الصراع يسيطر على مفردات الحدث

وقبل أن ندلف إلى أعمال القاصة ( بثينة إدريس ) .. نتوقف عند رؤية الكاتب ( على القحطاني : في ( أزمة القصة الإسلامية )، يقول القحطاني : (( تعاني القصة الإسلامية من ازورار وانصراف الكُتاب عنها وكأنها لاتعني لهم شيئا في دنيا التأليف )) . ويضيف موضحا : (( إن كًتاب هذه القصة غالبا ماينصرفون عنها بعد كتابة عدد محدود من القصص إلىالوان أخرى من الكتابة . والكُتاب الذين يواصلون الكتابة القصصية - وهم قلة - يذهبون إلى مذهبين : الأول : كتاب يكتبون بذات المستوى الذي كتبوا به قصصهم الأولى ، ولايبرحون مكانهم الأول فالأدوات هي الأدوات .. والثاني : الذين يتخلون عن كثير من النماذج القصصية التي يزعم أصحابها إسلاميتها وهي مستغرقة في الكثير من الشبهات والمواقف غير الإسلامية ....))

ولا أختلف كثيرا مع الأستاذ القحطاني ، وللحقيقة أقول : بعد بحث في عطاء الكاتبات السعوديات .. وجدت أن هناك كاتبات لهن محاولاتهن في القصة الإسلامية ، وأشرنا إلى بعضهن في هذا الكتاب مثل القاصة ( مقبولة مصلح صالح ) وقد قلنا عنها من قبل أنها تعد من كاتبات القصة الإسلامية ، و( بهية بوسبيت ) والتي تعطي للواقعية شفافية والقاصة ( حصة إبراهيم العمار ) والتي يعتمد بناء القصة عندها على الصراع الإنساني .. في محاولة منها للكشف عن أسرار الواقع بدلالاته . والقاصة ( بثينة إدريس ) .. محور دراستنا هنا .. لها أسلوبها الذي يبشر بامتلاكها الخطوة الأولى ، ولو استمرت لأصبحت من كاتبات القصة الإسلامية .. فهذه من الخصائص التي تتميز بها ، وإن كانت لم تجدد عوالمها بعد .

 

شئ آخر تركز عليه القاصة ، وهو الحالة النفسية للبطل ، ومن خلالها تبلور التجربة الفنية .. مع عملية المزج بين الواقع والخيال .. واقع بكل ثقله ، وخيال بكل شاعريته ورومانسيته ، وهذا واضح في قصتها ( ربما غداَ ) ذات الأسلوب الرومانسي ، والجمل القصيرة الموحية والتي تؤدي الغرض .. وهذا الأسلوب يتبعه معظم كُتاب القصة القصيرة الآن .. فلم تعد القصة تحمل الوصف الزائد ولا الجمل الطويلة المملة .

 

وعودة إلى قصة ( ليست هي الصورة ولكن ؟! ) . والتي تحمل كثيرا من مقومات القصة الإسلامية ، ففكرتها نابعة من الحديث النبوي الشريف .. الذي يوصي بالظفر عند الزواج ، بذات الدين . ونجد القاصة تعتمد في بنائها القصصي على الصراع النفسي للبطل .. فبعد لحظات القلق والتوتر .. يبدأ في التفكير في أمر زوجته التي طلقها .. بعد أن سمع أمام المسجد وهو يتحدث عن الحياة الزوجية والزوجة الصالحة .. وكأن القاصة تمهد للصراع ثم تجتاجه التداعيات .. فيتذكر زوجته وهي تصلي .. وبعد أن فرغت من صلاتها تقول وهي تبكي (( اللهم أنت تعلم بما تخفيه نفسي شراَ أو خيرَ .. ماذا فعلت هل أغضبته بدون أن أشعر ..)) . وبعد صراع مع الذات .. عاد إلى زوجته ليكمئن قلبه . نلحظ أن الصراع في هذه القصة بدأ من القمة - أي بداية القصة - وبدأ في العد التنازلي حتى تلاشى .ز والقاصة فعلت هذا بفنية رائعة وكما تقول هي في خاتمة القصة (( فليست هي الصورة ولكن هي الأخلاق والدين )) . وهذه القصة تثبت صحة مقولة القحطاني : ((إن الإلتزام بإسلامية القصة لايعني الجمود تماما ، كما أن التجديد لا يعني التضحية بإسلاميتها )) .

 

وتنقلنا القاصة إلى نوع آخر من الصراع .. من خلال قصتها : ( عفواَ إنها مطلقة ).. وتزيح الستار عن قسوة المجتمع ونظرته السيئة إلى المرأة المطلقة وتتساءل القاصة عبر القصة (( لماذا يحكمون عليها بالموت البطئ ويقتلون حبها ؟)) . سؤال توجهه القاصة إلى الآخرين وتعتمد القصة في بنائها على تصاعد الحدث المشحون بعنصر الدراما . . والقصة تجمع بين واقعية الحدث ، والتعبير عن الشخصية المطحونة .. والتي تحاول الخروج إلى معترك الحياة لتعيش خياتها .. ولكن المجتمع يرفضها فتعيش في إنعزالية .

 

ومن الهموم النفسية والروحية لأشخاص وأبطال قصص ( بثينة إدريس ) .. ينبثق الحزن والألم .. فنجد معظم شخصياتها معذبة ، كما في صورتها الخيالية : (ثم أشرقت شمس الحقيقة ) . وفيها نجد البطلة تستغل مواهب زوجها في الكتابة لتنشر مقالاته باسمها .. ثم يفتضح أمرها .. وبعد هذا الدرس القاصي .. تقرر الاعتماد على نفسها .

وفي قصة( وعادت المياه إلى مجاريها ) ، نجد صورة الأب القاسي ، المكابر ومن أجله تعيش اسلاته في عذاب نفسي وصراع

وكذلك حكاية ( لا يا أبي حاول أن تفهمني ) تجسد نفس الصراع والعذاب النفسي .. وفيها نجد الكاتبة على لسان البطلة .. ترفض وبشدة تصرفات الأب .. حتى أن حرف (( لا )) تكرر في القصة (17 ) مرة .

 

والحكاية تعتمد على التصوير الفوتغرافي والنقل الدقيق للجدث .. ولكن يغطي هذه الصورة المنقولة .. التأخير والتقديم في الحدث ودمجه بالتداعيات

والصراع في قصص الكاتبة لا يعتمد على اتجاهين فقط .. فأحياناَ يكون الصراع مع الذات كما في قصتي : (ثم أشرقت شمس الحقيقة ) و ( ليست هي الصورة ولكن ؟!( 9 )

وتبقى كلمت:

إن القاصة يتميز أسلوبها بالبساكة والعمق والوضوح ، وكما يقول د ( محمد جابر الأنصاري ) :(( إن الفنان الأصيل هو الذي يستطيع أن يجمع بين البساطة والعمق ، وبين الظاهر والخفي .. وإن مدعي الفن هو الذي يصطنع حاجزاَ ويختلق تباعداَ بين الجانبين ))

 

إغتيال الحلم في .. (( أواه يازمن الصمت )) للقاصة (( بثينة إدريس ))

 

(( أواه يازمن الصمت )) المجموعة الأولى للقاصة ( بثينة محمد إدريس )) ، والمجموعة تضم ( 10 ) قصص قصيرة ، يغلب عليها الطابع الرومانسي ، وتركز القاصة على الحالة النفسية للبطل / اليبطلة ، من خلال التداعيات .

وتحمل اللأسئلة لمحاولة الخروج من دائرة الكبت والصراع النفسي اللذان يحاصران (( الحلم )) ، ولكن الحلم يتحطم على صخرة الواقع ، فيغتال مرة ، ويضيع مرة ، ويموت مرة . الخ

إنشطار الحلم

في قصة (( إنشطار الحلم ) نجد الصراع النفسي للزوجة يتجسد ، فتحاول أن تكبت تلك الصرخة الكامنة في أعماقها ، وتخفيها على أولادها ، ولكن في لحظة ضعف يسأل ولدها : (( أمازال أبي سجيناً )) ، تنفجر : (( لا .. لا .. لا .. لم يعد سجيناً .. قد رحل ولن يعود ... ))

تقول في بداية القصة : (( في لحظات الصمت ثقبت جدار أحلامي .. ولامست يدي أحدهم ، تنحيت به جانباً وعدت أتلمس كم بقى من الأحلام في جعبة النسيان ؟ )) ص 13

وتقول في يأس : (( يمل الصبر من صبرنا في أوقات كثيرة وتتوارى الأحلام في ازدراء منا تخشى أن نبطش بها )) ص 14

استطاعت الكاتبة ان تجسد الحالة النفسية للبطلة بكل تداعياتها بكلمات تلغرافية .

ضياع الحلم

قصة (( ربما غداً )) تجسد ضياع الحلم من خلال الفتاة التي تعيش سعيدة مع اسرتها ، ويعدها والدها بألا يزوجها إلا بموافقتها ، ولكن ينقلب كيان الأسرة بعد زواج الأب من أخرى ، وإرغامها على الزواج من شخص لا ترغبه ، وبعد الزواج تتركه لتعيش مع والدتها .

وجسدت الكاتبة ضياع الحلم للبطلة وحيرتها ، حتى أن مفردة (( الحلم )) تتكرر في القصة بصورة ملفتة ومعبرة : (( أرحل بأحلامي . أعرف أنك حلماً . أعرفك تبدد أحلامي .. الخ )) .

وصورة أخرى من ضياع الحلم نلتقطها من القصة : (( أتدثر بستار الليل )) ، لذلك الفتى الذي يرغب الزواج من إنسانة يحبها ، ويشتد الصراع الصراع النفسي لبطل الضائع حلمه .. (( لشد ما أرجوه أن يتركني وعذابي وسفري المتواصل لأحلام أساسها الوهم )) ص 31 ، ويصرخ من أعماقه : (( حطمت كل أحلام الطفولة وامنيات الشباب )) ص 33

ويقرر الهروب : (( فالتمست الصبر من صوت الأحلام أرتجي الأمل من حقيبة السفر لأحلام الوهن .. )) 34

وتنتهي حياته بمأساة لحظة الهروب ، فتنحدر به السيارة ولايدري إلا وهو ملقى في المستشفى وقد فقد بصره .

واستطاعت الكاتبة توظيف (( الأنا )) في إبراز الحالة النفسية للبطل .

قتل الحلم

في قصة محكمة ، تجسد مشاعر امرأة طردها زوجها ومع أولادها من بيت الزوجية لتعيش في بيت فقير ، تصارع ما بداخلها من ذكريات مريرة ، حتى بعد موت زوجها لاتجد من دموعها أكثر من نصف دمعة تذرفها عليه ، ليس جحوداً منها ، ولكن ذكرياته المريرة وقفت حائلاً أمام دموعها هذا ماجسدته قصة (( نصف دمعة )) ، الذي تقدم لنا صورة لمقتل الحلم ، حلم امرأة كانت تود أن تعيش حياة طبيعية بين زوجها وأولادها ولكن الظروف أماتت حلمها البسيط

موت آخر للحلم نجده في قصة (( وريقات مطوية )) التي تحكي عن فتاة تموت أمها وتظل وحيدة في انتظار من يتزوجها ولكن الأيام تمر وتمضي سريعاً إلى أن تقول : (( وعليت في لوحة سمائي عنوان - عانس - )) ص58

ورغم أن القصة تعتمد عهلى سرد البطلة ، إلا انه من خلال التداعيات تشضصثقفغعهعر بالحركة والنقلة إلى عالم البطلة بكل مافيه من خلال مفاتيح الجمل والمقاطع : (( تلفت ، عدت ، رحت ، هتفت ، هجئت ، تناولت .. ألخ )) .

وقصة ( أواه يازمن الصمت ) رغم قصرها وتكثيفها ، إلا أن هذا التكثيف استطاع أن يظهر الصورة ويقدم لنا الخصائص الأسلوبية للكتابة بوضوح ، فتصور لنا لحظة قتل حلمها ، أو والديها اثر حادث أليم تنجو منه إلا هي

سقوط الحلم

سقوط الحلم تقدمه لنا الكاتبة بصورة مستفزة عبر قصتها : (( أهديك بقاياك )) .. التي تصور الرجل الجشع الذي يلقي بزوجته إلى المصحة النفسية طمعاً في مالها ، وبحاول ابنها الوقوف ضد والده من اجلها ولكن ترفض وتطلب منه أن يذهب إليه : (( إذهب إليه فهو أبوك .. كفاك .. لاتقل شيئاً .. )) ص80

ويسقط الحلم مرة أخرى في قصة : (( الرجال تموت صامدة )) .. والتي تجسد الصراع النفسي للشاب الذي يحب ابن عمه وعندما يتقدم لها يرفض والدها لعدم التكافؤ ، بعد أن فاته قطار التعبسيم ن واصبح مجرد بائع متجول ، فلا يجد بعد سقوط حلمه إلا البكاء ، واستطاعت الكاتبة طرح المشكل من الأعماق بأسلوب السهل البسيط ، ولغتها الشفافة .

أزمنة الحب

وتبقى في المجموعة قصة : (( أزمنة الحب )) أردت أن تكون الأخيرة ، لأنها الوحيدة التي تحمل حلماً عذباً ، وإن كان يتخلله الدم وصوت القنابل والرصاصات ، إلا أنه حلم جميل وسيمفونية رائعة لحب الوطن ، تجسدها الكاتبة بحبكة رائعة لاتخلو من الرومانسية التي تتغلب على كل قصص المجموعة

ولا أملك إلا أن أقول للكاتبة الواعدة كما ذكر الدكتور سيد حامد النساج : (( كاتب القصة القصيرة المجيد لايكتب كلمة واحدة لافائدة منها ، فإن كل كلمة تحسب عليه وهو حريص ألا يبعثر الرصيد هنا وهناك ))()

وهذا ماوجدته في مجموعة ( أواه يازمن االصمت ) بإستثناء قصة ( أنا ) التي غلبت عليها الجمل التقريرية ، مثل رسالة (( رُبى )) كان من الممكن الإشارة إليها فقط .

أضيفت في 29/05/2005/ * خاص القصة السورية/ المصدر الكاتبة ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

المرأة العربية ... تأملات في حالها ودورها في صنع القرار

 

بقلم: زينب حفني*

 

منذ اللحظة التي وقعت فيها أول جريمة بشرية على سطح الأرض، حين أراق قابيل دم أخيه هابيل، والمرأة تحمل إرثاً ثقيلاً بسبب تلك التهمة الجائرة التي التصقت بها، إنها مصدر الشرور في العالم. هذه الواقعة استغلتها فئات متعصبة لتقص جناحي المرأة حتى لا تتمكن من الطيران بحرية في فضاءات العالم، وتناست هذه الفئات أن المرأة هي منبع الخصوبة والعطاء، من رحمها خرج الأنبياء، والقادة العظماء، وكبار الساسة. وليس غريباً أن يُطلق نابوليون بونابرت عبارته الشهيرة «المرأة التي تهز المهد بيمينها، قادرة على أن تزلزل العالم بيسارها».

 

صحيح ان المرأة عاشت عصوراً مظلمة، وعانت الأمرين من سطوة المجتمع الذكوري، الذي حال طويلاً دون تحقيق ذاتها، إلا أنها عاشت كذلك أزماناً مزهرة. ولو نقبنا في سجلات التاريخ منذ بدء الخليقة الى عصور الإسلام الزاهية، سنجد أن المرأة سجلت تفوقاً وبراعة في الكثير من أوجه الحياة، فكانت الملكة الحكيمة القادرة على إدارة شؤون دولتها، والعالمة، والفقيهة، والأديبة، والناقدة، والفارسة المقدامة. ولكن، شيئاً فشيئاً تقهقرت مكانة المرأة، وتضاءل دورها، وانكمشت صلاحياتها، وغدت مثل لعبة الشطرنج تُحركها الأيدي، من خلال استغلال جسدها في الدعايات التجارية، واستخدامها كواجهة في البرامج الغثة في القنوات الفضائية، حتى أصبحت تحيا حياة ضبابية لا نبض فيها، اللهم إلا محاولات مضيئة تنبعث على استحياء، من هنا وهناك، وبين حين وآخر.

 

هناك حكمة جميلة أطلقها أحد الحكماء، بأن المرأة قد أُخذت من جانب الرجل لتكون مساوية له، ومن تحت ذراعه لكي يحميها، وقرب قلبه لكي يحبها ويحترمها، ولم تؤخذ من رأسه لئلا تدوس عليه، ولا من قدميه حتى لا يهينها. أين المجتمعات العربية من هذه الحقائق الناطقة؟ كيف تمكن العودة الى هذه الآراء الصائبة؟ في رأيي، تغيير وضع المرأة يجب أن يبدأ بغرس هذه المفاهيم في فكر الأجيال الجديدة، من خلال المؤسسات التربوية والتعليمية، حتى تشب على احترام المرأة كإنسان له عقل واع وكيان مستقل، وليست مجرد جسد خُلق لغواية الرجل.

 

وتنقيح تراثنا العربي والاسلامي الذي شوِّه، وإعادة صوغه من جديد بنهج موضوعي، ونبذ الأحكام الجائرة التي تحط من قدر المرأة، وإبراز الانجازات العظيمة التي قدمتها المرأة على مدار التاريخ. فمن المعروف أن الكثير من الأوضاع المأسوية التي تعيشها المرأة اليوم، ما هي إلا حصيلة ثقافة ذكورية لا دخل للتشريع فيها، إضافة الى الاسرائيليات ومخلفات العصور الوسطى الغربية التي تحط جميعها من قدر المرأة، والتي حشرت في تعاليمنا الإسلامية حتى أضحت من المسلّمات في موروثاتنا الاجتماعية. كذلك كان للعهد العثماني المظلم دور في تضخيم الأنا الذكورية، من خلال نظرته الضيقة المتحجرة الى المرأة، بأنها خُلقت لمتعة الرجل وتلبية مطالبه الحياتية، ما أدى الى حصر أدوارها في أداء واجباتها المنزلية ورعاية الزوج والأبناء.

 

لا أبالغ إذا قلت ان المرأة اذا لم يُفسح لها المجال لتُشارك في صنع القرار، فلن يكون هنــاك نــضج فكــري، ولا تطور ثقافي، ولا تقدم اجتماعي، لأن الأمم تقاس من خلال احترامها لنصفها الآخر المتمثل في المرأة. فمن غير المعقول ان توضع تحت الإقامة الجبرية بحجة أنها ناقصة عقل ودين! لقد حان الوقت لكي يضع الرجل يده في يد المرأة، من دون أن يُعاملها على أنها أم الشرور ومبعث الرذائل في المجتمع، فكل إنسان رجلاً كان أو امرأة، وهبه الله نعمة العقل، لكي يُنتج ويُقدّم على مدار حياته ما فيه النفع لمجتمعه.

 

لم تتوقف نظرة العداء تجاه المرأة عند تحجيم مشاركتها في الحياة السياسية، بل تجاوز الأمر الى الاستهانة بفكرها، وعدم الاكتراث بأدبها والنظر اليه باستخفاف كما ينظر الى شخصها. سألني أحد الصحافيين: أين النقاد من أدبك؟ لماذا يحجمون عنه؟ ألأنك تكتبين أدباً يتميز بالجرأة والمكاشفة؟ حرت بداية في كشف النقاب عن الحقيقة المرة. لكنني أقولها بصراحة: إذا كنا نعيش اليوم زمن انحطاط اجتماعي وسياسي، فما العجب إذا أحجم النقاد عن الأدب النسوي؟ للأسف النقاد الرجال وأستثني قلة منهم، ما زالوا يستهينون بنتاج المرأة، ويرون أنه أدب بوح ومناجاة وأداة للتنفيس عما تعانيه من جور اجتماعي وقمع فكري. وفي معنى أدق هو أدب يدور في منظومة غريزة الأمومة، والعاطفة المكبوتة، والهم الخاص، وبعيد كل البعد من الواقع السياسي والاجتماعي العام، وهو ما جعلهم ينصرفون عنه بحجة أن لا دور أساسياً له في تطوير حركة التاريخ، وبالتالي لا وجود له في نسيج الأدب العربي.

 

في العالم أجمع ظلّت المرأة ملهمة الأديب والفنان، والتاريخ سجّل الكثير من النصوص التي كانت المرأة مصدراً لإبداعها، بل إن بعضهم بنوا صروح أمجادهم الأدبية من رفات النساء، في الوقت الذي غضّ التاريخ الذكوري الطرف عن الكثير من الإبداعات النسوية التي كان الرجل فيها مصدر إلهام للمرأة، من منطلق ان المرأة محظور عليها أن تطاول قامة الرجل لئلا تنتقص من قدره وتطعن في رجولته، بحسب ما يردد الموروث الاجتماعيّ! بل ان المرأة التي تجاسرت وتمردت على هذا القانون الذكوري، اعتبرت امرأة مسترجلة، تخلّت عن أنوثتها، لأنها تجاسرت ووطأت بقدميها أرضاً غريبة عنها، الى إحاطتها بسياج من الشك والريبة، وتعرضها للمساءلة القانونية والاجتماعية. وهو ما يدفعني للتوقف عند ما قالته الأديبة غادة السمان، من أن المرأة المبدعة تتعامل مع إبداعها من خلال موروثها الثقافي، بمعنى أن كما الرجال قوامون على النساء، كذلك الأدب الرجالي قوام على الأدب النسائي. في رأيي هذا الواقع أصبح من مخلفات الماضي، فقد دفعت أخيراً هذه الأجواء القاتمة بالأديبة العربية، الى الثورة على واقعها، والى تحرير فكرها من نغمة العيب والحرام، حتى نجحت في تمزيق الأغشية الوهمية المتمثلة في العرف والتقاليد، وفي كسر «التابو» المحرم عليها، من خلال إبداع عوالم حياتية تعكس واقع مجتمعها، الى أن أصبح أدب المرأة اليوم يتميز بالصدق الأدبي.

 

كثيرون يظنون أن كشف النقاب عن سلبيات المجتمع من اختصاص الأديب الرجل، لكنني أؤمن بأن الأديبة المرأة يجب ألا تُخلي مسؤوليتها وتنفض يديها عمّا يجري داخل أروقة مجتمعها. فطالما أن لهيب السلبيات يلفح بحرارته الجميع، وطالما أن الرجل والمرأة يخوضان غمار الحياة معاً، ويتجرعان مرارة الواقع المعيش من كأس واحدة، يجب أن تُسخّر الأديبة قلمها في طرح قضاياها، وفي المطالبة بحقوقها كون المرأة المثقفة وحدها القادرة على انتزاعها، لأن الحرف لا يعترف بالمسافات، ولا يخضع للجنسيات، ولا يتوقف عند الحواجز، والقلم الحر لا يهاب الأمواج العاتية ولا تضعفه عواصف التهديد.

*كاتبة سعودية، والنص محاضرة القتها أخيراً في جامعة القاضي عياض – المغرب.

أضيفت في20/05/2005/ * خاص القصة السورية/ عن الحياة ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

صورة المرأة في القصة النسائية الإماراتية

 

تأليف: د. عبد الفتاح صبري 

 

تتنوع إسهامات القاص والروائي عبد الفتاح صبري في مجال الإبداع والصحافة الثقافية في مصر ودولة الإمارات، وفي كتابه ـ صورة المرأة في القصة النسائية الإماراتية: مقاربة أولى ـ يحاول رصد جانب من جوانب الإبداع القصصي عند القاصات الإماراتيات، يتمثل في كيفية تقديم تلك الإبداعات القصصية لصورة المرأة من وجهة نظر نسوية.

وينطلق الكاتب في تحديد موجبات هذا الاختيار من كون العنصر النسائي هو الأكثر حضوراً في المشهد القصصي الإماراتي، وفي الوقت الذي تتقدم فيه المرأة المبدعة في هذا المجال، فإن ثمة ملاحظة تستوقفه، وتتمثل في تخفي القاصة وراء قناع الاسم المستعار من جهة، ومن جهة ثانية هناك صعوبة الحصول على نصوص مطبوعة أو حتى مخطوطة لهذا الجيل الجديد من الكاتبات. وبناء على توصيف هذا المشهد يشير إلى أهداف الدراسة التي لا تسعى لتأطير الأدب النسوي، وإنما لفت الانتباه إلى هذا السبق انطلاقاً من الاحتكام لهذه التجربة التي تحتاج إلى تأمل كبير للبحث في خصوصيته وماهيته، علماً بأن النص القصصي عند المرأة الكاتبة مال في أغلبه إلى القضايا الاجتماعية والمجتمعية حتى عند تناوله لقضايا تخص المرأة، إضافة إلى أنه انشد إلى التباكي العام على الماضي، وتوظيف رموز البحر والنخلة والصحراء، وتمثل البيئة المحلية وموروثها الشعبي والمكان القديم، ولذلك كان من الطبيعي ان ينشغل القصّ بالربط بين الحكاية الواقعية، والموروث، من خلال دور المخيال الشعبي المأخوذ بسحر الفنتازيا.

ان انشغال السرد الحكائي في القصة النسوية بالواقع الاجتماعي واستلهام الموروث الحكائي الشفهي والمكتوب، لم يمنع ذلك السرد من تناول موضوع المرأة وعلاقتها بالرجل ورفضها للقيم الذكورية المهيمنة، لكنه قبل أن يدرس هذا الموضوع، يحاول ان يتناول في الفصل الأول القصة الجديدة في الإمارات بغية استيضاح ابعاد المشهد المختلفة ومضمرات الوعي النسوي الذي اختزنته، إذ ان مشهد القصة وتطورها لجهة الفن والشروط الفنية يعاني من الالتباس، فهو لا يعلن عن نفسه بشكل جاد وواع كما ان النشر لا يساهم في تتبع وتقديم تلك التجارب.

ويؤدي انغلاق مشهد القصة في صورته المجتمعية إلى تكريس الخلل في العلاقة بين الادب والمجتمع. والذي لا بد أن ينعكس على واقع التجارب وآفاق تطورها مستقبلاً.

يقسم الكاتب تاريخ القصة الإماراتية إلى ثلاث مراحل. أولها مرحلة الجيل المؤسس، الذي صاغ بداياتها كعبدالله صقر وشيخة الناخي وعبد الحميد أحمد وغيرهم. ثم الجيل الوسيط الذي أعطى تلك القصة استمراريتها ودفقها الجديد، وهو الجيل الذي شهد فداحة التحولات الاجتماعية وآثارها على القيم والثقافة والحياة الاجتماعية.

ومن هؤلاء مريم جمعة فرج وسلمى مطر سيف وظبية خميس وناصر جبران وناصر الظاهري أو الجيل الثالث الذي أسس لتجربته على تجارب من سبقه من الجيلين الأولين فقد ظل أسير الماضي، متمسكاً بالشكل القصصي التقليدي والموضوعات القديمة مع وجود استثناءات تمثلت في قصص حارب الظاهري وأسماء الزرعوني وفاطمة محمد وابتسام المعلا وسارة جروان.

لقد رفدت تلك التجارب تجارب جديدة أخذت تختط لنفسها بعداً جديداً في القصة الإماراتية بعد ان تخلصت من ذات الهموم والمضامين، إذ أخذت تسعى نحو الذات والآخر، وتشمل قائمة التجارب الجديدة الكثير من الأسماء.

ورغم كثرة الأسماء الجديدة، فإن هناك سمات عديدة تجمع تلك الكتابات يحددها الكاتب في أربع سمات، أولها الضعف الفني وسذاجة المضمون ما يطرح سؤالاً مركزياً حول غياب التراكم الفني والمعرفي على مستوى الكتابة القصصية، أما السمة الثانية فهي طغيان البوح الأنثوي المستند إلى وعي أنثوي، في حين تتحدد السمة الثالثة في محدودية الإبداع القصصي.

وأخيراً هناك قصة الأصوات الجديدة التي لم تتمكن من ان تكون قصة المجتمع إذ ظلت في إطار الفرد والذات على خلاف ما كانت التجارب السابقة، في الفصل الثاني ينتقل من الإطار التاريخي العام للتجربة إلى مناقشة مصطلح أدب المرأة ومدى مشروعية استخدامه.

ومنذ البداية يؤكد على ان المرأة هي الأقدر على معالجة قضاياها وسبر أغوار ذاتها وبلورة معاناتها، وبيان آثار انعكاس التطور الاجتماعي على ذاتها وكيانها، وفي حين لم يشر الكاتب إلى العلاقة التاريخية بين الواقع الاجتماعي ووضع المرأة من بيولوجية واجتماعية لاسيما على صعيد المحرمات والمسكوت عنه.

ثم ينتقل للحديث عن أهمية الأدب النسائي انطلاقاً من فعل التهميش الذي لا يزال مستمراً للمرأة رغم دخولها مجالات الحياة المختلفة، كما ان الإبداع لا يزال في مرحلة التراكم، إضافة إلى كون المرأة في جوهرها كائن مبدع.

وعلى عادة العديد من الكتابات المختصة بإبداع المرأة، تظهر إشكالية المصطلح في تعدد استخدام المفردات التي تشير إلى ذلك، فهو يستخدم تارة مصطلح الكتابة النسائية، وبعدها الكتابة النسوية، ومن ثم أدب المرأة، ما يزيد من تلك الإشكالية رغم محاولة تحديد ركائزه أو محدداته المتمثلة في البحث في كينونة المرأة وفي هويتها وإبداعها لأجل محاولة الفهم الإنساني للإبداع إلى جانب ضرورة انطلاق تلك الكتابة من الذات لكشف مواقع القمع والاضطهاد، وضرورة الكشف عن الداخل والشعور النسوي العميق بالأشياء ومواجهة الإرهاب الفكري والنسوي الذي مورس تجاه المرأة.

وكما هو واضح فإن هذه المحددات تلغي المسافة القائمة بين وظيفة الكتابة عند المرأة كما يراها وبين مضمون المصطلح ودلالاته، خاصة وأن هذا المصطلح ينطلق من مفاهيم وأسس مختلفة، واستكمالاً لهذا التوجه يفرد الكاتب الفصل الثالث لدراسة العلاقة بين المرأة والكتابة وفيه يؤكد أن أهمية كتابات المرأة تظهر في كونها المجال الحر للإبداع.

وبلورة رؤيتها للحياة ولذاتها بعيداً عن قهر الرجل، ومن خلال قراءة هذا الإبداع يعلن أنه لا يمكن أن نجد في الإمارات أدباً يمكن تسميته بأدب المرأة، وقد أدى ذلك إلى جعل تجربة الكتابة عندها لا تمتلك خصوصيتها فظلت في عوالمها مشابهة لإبداع القاص الإماراتي.

الفصل الرابع يخصصه لصورة الأنثى في النص القصصي الإماراتي، حيث يتناول أولاً صورة المرأة في هذا النص الذي عمل على إزاحة المرأة من القصة، أو الإشارة إليها بصورة عابرة كزوجة أو أم أو أخت، مما يعني تجذير الواقع المعاش للمرأة، وهنا يشير إلى قصص الكاتبات التي أشارت إلى موضوع المرأة عند مريم جمعة فرج وشيخة الناخي وفاطمة محمد وسعاد العريمي، وفيها تظهر المرأة المقهورة والضعيفة والمحرومة من الحرية في قصص هؤلاء الكاتبات.

ان سبعينات القرن الماضي كانت بداية الاشتغال الحقيقي لأدب المرأة ولذلك يفرد لتلك التجارب مساحة واسعة يجمل فيها خصائص تلك الكتابات على مستوى الواقع الاجتماعي والذات الأنثوية وثقافة المكان الجديدة، والذات الأنثوية وصورة الرجل، إلى جانب رصد جوانب التخلف ورفضها، بينما استطاعت الكاتبات الجديدات ان يعدن ترتيب الخطاب الأنثوي البيولوجي بالتوازي مع ذات الخطاب الذكوري والتمرد عليه كما ظهر في العديد من القصص.

الفصل الخامس والأخير يتناول الواقع الفني للقصة النسائية بعد ان تناول مضمونها في الفصل السابق، وهنا يركز على موضوع المرأة حين تكتب لمواجهة سلطة الخطاب الذكوري، أما المضمون الفكري لتلك القصص فينحصر في الجانب المأساوي للإنسان المعاصر.

أما الجانب الفني فينحصر في الشكل التعبيري والشكل التجريدي واستخدام تيار الوعي والمونولوج والارتداد والحوار الرمزي والأساليب السينمائية والتقطيع الموسيقي.

ثم ينتقل لدراسة كل جانب من هذه الجوانب الفنية في قصص الكاتبات المختلفة، وفي النهاية يؤكد على الإضافات الجديدة للكاتبات الشابات، وان لم تكن تلك الإضافات تمتلك سماتها الواضحة والمختلفة التي تعبر عن وعي فكري نسوي يمتلك هويته الخاصة.

الكتاب: صورة المرأة في القصة النسائية الإماراتية

الناشر: اتحاد كتاب وأدباء الإمارات الشارقة 2005

الصفحات: 118 صفحة من القطع المتوسط

أضيفت في20/05/2005/ * خاص القصة السورية/ عن البيان ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

أدب نسائي في عالم عربي

 

بقلم: يمنى العيد  

 

أميل إلى الاعتقاد بأن مصطلح الأدب النسائي يفيد عن معنى الاهتمام وإعادة الاعتبار الى نتاج المرأة العربية الأدبي وليس عن مفهوم ثنائي, أنثوي - ذكوري, يضع هذه النتاج في علاقة اختلاف ضدّي - تناقضي, مع نتاج الرجل الأدبي.

والمصطلح, بهذا المعنى, يحيلنا على تاريخ للأدب العربي ساهمت فيه المرأة منذ عهود قديمة, تعود الى ما قبل الفتح الإسلامي (مثل الشاعرة سلمى بنت مالك بن حذيفة), الا ان مساهمتها أُهملت بسبب من معايير قيميّة ربطت بين الفنون والآداب وثقافاتهما وبين نظام قبلي قوامه القوّة, أو سلطة على رأسها رجل ينزع الى التسلّط.

هكذا جرى تفضيل شعر الفخر والمديح والهجاء (بصفته, اي الهجاء, الوجه الآخر للمديح) على شعر الرثاء, اي تفضيل ما يعبّر عن القوة ويخدم السلطة على شعر "الضعف والضعفاء".

ولئن كانت المرأة معتبرة, في نظام القيم الاجتماعي, من جنس الضعفاء, فقد أُهمل

شعرها وسقط ذكر الشاعرات اللواتي بلغ عددهن 242 شاعرة, من الخنساء الى ولادة بنت المستكفي.

كما أُهملت فنون النساء كالتهويدات التي تغنيها الامهات لأطفالهن, لأنها ليست من الفنون التي ترتبط بالسلطة, او تندرج في مسرات البلاط.

اما الخنساء التي برزت دون نظيراتها من امثال ليلى الاخيلية, ورابعة العدوية (المتصوفة), والفارعة بنت طريف, وعائشة بنت المهدي, والسيدة زبيدة بنت جعفر (زوجة الخليفة هارون الرشيد وأم ولده الأمين), ودنانير, ومحبوبة... فإن شعرها الرثائي لأخيها صخر لم يقوّم الا بتخليها عن الدمع والانتقال الى الفخر منشدة:

"وإن صخراً لوالينا وسيّدنا / كأنه علم في رأسه نار".

ويمكن القول إن استعمال مصطلح "الأدب النسائي" يعود, في العالم العربي, الى مرحلة النهضة التي أدرك فيها المتنورون أهمية دور المرأة في نهوض المجتمع, وهو ما استدعى تعليمها وأفسح لها, من ثم, إمكان المشاركة في النشاطات الاجتماعية والثقافية والانتاج الأدبي.

في هذه المرحلة - مرحلة النهضة - عرفت اللغة العربية مجموعة من المفردات تخص نشاطات المرأة وتشير الى ما يبذل من اجلها, مثل:

- تعليم النساء (سنة 1881 أسست السيدتان إملي سرسق ولبيبة جهشان اول معهد علم للفتيات) - الجمعيات النسائية (لقد انشأت سيدات بيروت سنة 1880 جمعية "زهرة الاحسان, وسنة 1914 جمعية "يقظة الفتاة العربية") - المجلات النسائية (أصدرت هند نوفل مجلة "الفتاة" سنة 1892 في الاسكندرية, ومديحة الصابوني مجلة "المرأة" سنة 1893 في حلب, ولبيبة هاشم مجلة "فتاة الشرق" سنة 1906, وعفيفة كرم مجلة "المرأة السورية" سنة 1911 - الصالونات الأدبية النسائية (صالون مريانا مراش في حلب, وصالون الأميرة نازلي فاضل, وصالون مي زيادة في القاهرة)...

مثل هذه النشاطات وسمت بـ"النسائية", وإن شارك فيها الرجل (فقد عمل الطهطاوي (1801-1873) على إقامة مدرسة لتعليم البنات, وخصص قاسم أمين (1864-1980) كتابين هما: "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة").

وعليه فإن "النسائي" يشير, وفي شكل أساس, الى حيز دال على حضور المرأة ونشاطها في الحياة الاجتماعية والثقافية والأدبية.

وبالنظر في خطاب المرأة الأدبي ففي إمكان القارئ, او الباحث, ان يلاحظ أنه ليس خطاباً نسوياً بمعنى الثنائية الضدية بين خطاب أنثوي وخطاب ذكوري. ولئن كان من ضدية, فإن لها, وبحسب لسان العرب, معنى الخلافية الندية (فقد جاء في "لسان العرب" واستناداً الى "ابن سيدة" في إحالته على ثعلب: "ضد الشيء خلافه, وضده, ايضاً, مثله"... وجاء استناداً الى الأخفش: "الند الضد والشبه". أو, حسب ابن الاعرابي: "ند الشيء مثله وضده خلافه".

ويقال (والكلام لابن الأعرابي): "لقي القوم أضدادهم وأندادهم اي أقرانهم"), اي معنى الخطاب القرين. ما يعني ان المرأة بهذا الخطاب الضدّي, او الخلافي, تعلن عن وجودها ككائن مبدع, شأن الرجل إذ يعلن, في خطابه, عن وجوده ككائن مبدع.

ان خطاب المرأة, الموصوف بالنسائي, هو خطاب يؤكد حضورها الذاتي ويميزه.

يضمر "النسائي" في الخطاب الأدبي العربي معنى الدفاع عن الـأنا الأنثوية, بما هي ذات لها هويتها المجتمعية والإنسانية. ومن موقع الندية, يواجه "النسائي", لا الرجل بصفته الانسانية, بل آخر هو, تاريخياً, قامع ومتسلّط.

ففي رواية "أنا أحيا" (1956) لليلى بعلبكي (لبنانية) تتمرد لينا, بطلة الرواية, على الرجل بصفته في مواقع السلطة في المجتمع (أب, ورئيس شركة, وأستاذ جامعي, وحزبي) ويمارس, من هذه المواقع قمعه عليها. لينا, ومن خلفها المؤلفة الضمنية, ضد هذا القمع وليست ضد رجل تودّ, كما تقول, ان تشبك بذراعه ذراعها. وفي "حجر الضحك" (1990) لهدى بركات (لبنانية) يحيل خليل, بطل الرواية, عنف الحرب الاهلية في لبنان, على وعي ثقافي - اجتماعي, وليس على تكوين فيزيولوجي - جيني. ذلك ان خليل, وبأثر من هذا الوعي السائد, يرفض الجينات الانثوية فيه النازعة به الى الهدوء والسلام لينخرط في ممارسة العنف الذكوري. لم تكتب المرأة ضد الرجل الانسان حين تناولت في كتاباتها الابداعية العلاقة بين الأنوثة والذكورة, بل كتبت ضد ايديولوجيا السلطة الذكورية, وضد وعي ذكوري سائد غير مدرك, شأن سامح, بطل رواية "باب الساحة" (1990) لسحر خليفة (فلسطينية) بأن التحرر لا يتحقق لمجتمع يعاقب المرأة حيث يسامح الرجل. تكتب المرأة لتعبر عن سبل تستعيد بها الانثى ثقتها بذاتها المفقودة, فتحكي لنا مدى, بطلة رواية "شجرة الحب غابة الاحزان" (2000) لأسيمة درويش (سعودية من أصل سوري), عن غربتها في وطنها الذي يتسيد فيه الرجل, وعن استعادتها لذاتها في بلاد الغربة التي وفّرت لها العلم والحب والحرية. يُفصح ما تكتبه المرأة عن قدراتها الابداعية في مواجهة ما لحق بها من ظلم على مدى تاريخ طويل: فتواجه عاليه ممدوح (روائية عراقية) ظلم الرجل بمنح النساء حيزاً واسعاً من عوالم رواياتها: ففي "الولع" (1995), كما في "المحبوبات" (2003) تنسج الشخصيات النسائية عالماً رحباً قوامه الالفة بينهن, وسمته التعالي على الألم, بحيث تبدو النساء مشفقات على الرجل, هازئات, بكبرياء, من ظلم يبدو فيه التاريخ اكثر ذكورية من الرجل نفسه.

يسعى خطاب العلاقة الضدية بين الانوثة والذكورة, في ادب المرأة العربية - اي خطاب الضدية التي لها معنى القرين - الى تثمين الانوثة بإضاءة دلالاه المرتبطة بالهوية واللغة والحياة.

هكذا, فلئن كان الشعر ينسب, غالباً, الى ضمير الأنا, وبالتالي يمكننا اعتبار ما تكتبه المرأة من شعر هو, وفي شكل عام, تثمين لأنوثتها, فإننا, وبالنظر في ما تكتبه سرداً, نعثر على أعمال تستهدف, دون غيرها, مثل هذا التثمين. ففي رواية "شجرة الفهود" (2002) لسميحة خريس (أردنية) تبدو الذات الانثوية (شخصية فريدة الرامز اسمها الى فرادتها) هي الوريث لسلالة الفهود. فهي, فريدة, التي تحمل البذرة, وهي التي - بحسب منظور الرواية - تجسد الانتماء وتكفل ديمومة الهوية. وتنيط علوية صبح (لبنانية) عودة المنطوق الحي الى السرد الروائي العربي بالانثى, مريم, بطلة روايتها التي تحمل اسمها "مريم الحكايا" (2002). كذلك تنيط بهذه الانثى نمطاً حكائياً يتوالد شأن الكلان في توالده على لسان ربّته التراثية شهرزاد.

وفي "غرناطة" (1994), و"مريمة والرحيل" (1995) لرضوى عاشور (مصرية), تبرز الانثى بصفتها حافظة للغة العربية ولتراثها الذي أحرق. قد يكون علي, ومن منطلق منهجي, ان افترض امكان اعتبار ما سبق وذكرته من أمثلة, أدباً نسائياً, وذلك - وخلافاً لما ذهبت اليه - على اساس من هذه العلاقة نفسها بين الذكورة والانوثة, ومن هذا التثمين نفسه. لذا أجدني معنية بالاشارة الى بعض ما قدمته المرأة من اعمال أدبية, بخاصة في مرحلة الريادة, ومما هو لا ينبني على اساس من هذه العلاقة, او من هذا التثمين, ومع هذا يوضع تحت يافطة "الأدب النسائي": فرواية "حسن العواقب" (1899) لزينب فواز (1846-1914), مثلاً, تنبني على اساس من الصراع بين الامراء الاقطاعيين على السلطة, وليس على اساس من علاقة بين الأنوثة والذكــورة.

كذلك تتركز الحكاية في رواية "قلب الرجل" (1904) للبيبة هاشم (1882-1952) على ما جرّته احداث سنة 1860, او النكبة بحسب تعبير الرواية, من ويلات على اللبنانيين, ذكوراً وإناثاً, وذلك على حد انتماءاتهم الطائفية. ومع تقدم كتابة المرأة الروائية تبرز رواية "الباب المفتوح" (1960) للطيفة الزيات (مصرية) كعلامة على علاقة وثيقة بين ما هو ذاتي, او أنا أنثوي, وما هو مجتمعي تحرري مشترك.

كما تبرز, في ما بعد, رواية "ذاكرة الجسد" (1993) لأحلام مستغانمي (جزائرية) التي تتمارى فيها المرأة بالوطن, ويبرز العشق وثيق الصلة بالشهداء الذين يخلصون ويضحون من اجل أوطانهم, في مقابل الذين يبيعون بالمال هذه الاوطان. كما تستوقفنا, في هذا الصدد, روايات وقصص عدة منها: رواية "مراتيج" (1985) لعروسية النالوتي (تونسية) التي تقدّم صورة جيل يعيش قلق الاسئلة الصعبة. ورواية "الاقلاع عكس الزمن" (1980) لإميلي نصرالله (لبنانية) التي تحكي عن الحرب والغربة والتعلق بالجذور.

ورواية "ليل نهار" (1997) لسلوى بكر (مصرية), ورواية "بيروت 2002" (2003) لرينيه الحايك (لبنانية). ومجموعة غادة السمان (سورية) القصصية, "رحيل المرافئ القديمة" (1973), ومجموعة هاديا السعيد (لبنانية) القصصية "رحيل" (1989). ففي هذه الأعمال السردية يمتزج الخاص بالعام, ويتداخل الذاتي والاجتماعي على نحو فني يدعو الى نسبتها الى الابداع اكثر مما يحمل على نسبتها الى أدب نسائي

ويبدو الذهاب في هذا الاتجاه - اي نسبة أدب المرأة العربية الى الابداع - اكثر إلحاحاً مع انخراط انتاجها في ما يمكن تسميته: "مشروع الرواية العربية". ففي اطار هذا المشروع مارست المرأة الروائية التجريب, وتوسلت عناصر من التاريخ مضمِرة سؤالاً حول معنى الحقيقة وعلاقة المتخيل الروائي بالسرد التاريخي, كما تجاوزت القواعد التقليدية وداخلت بين الشهادة والوثيقة والرسالة منوعة في السرد وأساليبه, شأن رضوى عاشور (مصرية) في روايتها "قطعة من أوروبا" (2003). وشأن نجوى بركات (لبنانية)في عودتها الى التراث في روايتها " لغة السر" (2004) وطرح أسئلتها المضمرة على المقدّس في رموزه اللغوية. وشأن رجاء عالم (سعودية) في روايتها "سيدي وحدانه" (1998) التي تستعيد فيها فصاحة العرب وتحيي ثراء لغتهم.

لقد قدمت المرأة العربية الكاتبة أنماطاً من البناء تحدثن بها السرد العربي على خلفية منظور فكري يقول بالاختلاف على أساس التعدد والتنوع, وليس على أساس من معايير قيمية تضم الانوثة ضد الذكورة او دونها. فقدمت مي التلمساني (مصرية) في روايتها "دنيا زاد" (1997) بناء فنياً يجاور بين صوتين سرديين (الأم والأب) يشتركان في مشاعر الفقدان. وقدمت نجوى بركات في روايتها "باص الأوادم" (1996) بناء تميز بمونتاج سينمائي وبطابع حركي بصري, وبشخصيات تنوعت سلوكاتها على اساس انتماءاتها الاجتماعية لا الذكورية او الانثوية. وكما في تحديث السرد, ساهمت المرأة, بصفتها شاعرة, في تحديث القصيدة العربية شأن نازك الملائكة التي كان لها, بقدر ما كان للشاعر بدر شاكر السياب, فضل الريادة في نقل القصيدة العربية من شعرية الوزن والقافية الى شعرية التفعيلة والايقاع.

وعندما نتكلم عن الشعرية - شعرية الشعر وشعرية السرد - ت Poژtique, فإننا نتكلم على أدب يتطور بتغير قواعد تخصه ولا علاقة لها بذكورة او أنوثة.

ان الثورات الادبية التحديثية التي كان يمارسها الخطاب الادبي العربي, كانت ثورات معنية بعلاقة هذا الخطاب بالحياة, وبرؤية الكاتب / الكاتبة الذي يعيش فيه, كما كان يشترط كسر تقاليد البنى الأدبية وقواعدها, ويستدعي تجديد اللغة, وتفكيك تراكيبها البلاغية الجامدة. وهو ما كان يمارسه المبدع / المبدعة, بغض النظر عن جنسه.

وبالنظر الى الأجناس الأدبية, فقد يعلل البعض إقبال المرأة على النثر وسردياته, او على النثر الشعري اكثر من إقبالها على القصيدة العمودية, بالأنوثة: فالأنوثة, كما يقال, كلام شفوي يحكي, والذكورة عقل يفكر ويكتب.

ولكن بالعودة الى الواقع والتاريخ, ندرك أن قلة عدد الشاعرات, بخاصة في مرحلة سيادة القصيدة العمودية وكثرة الشعراء, يرجع الى حرمان المرأة من التعليم, كما ان استمرار عدم اقبال المرأة على قول الشعر العمودي, او كتابته, حتى بعد ان ارتادت المدرسة, في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين - فترة ازدهار الشعر وبروز الشعراء الرومنطيقيين - يجد سببه في نظام تعليمي لا يدرس عروض الشعر وبحوره وما يتعلق بقواعده الشعرية الجمالية في مدارس البنات, ولا يجد سببه في أنوثة المرأة او في طبيعتها الانثوية.

وعليه, فإن وردة اليازجي (1838-1924), وزينب فواز, وعائشة تيمور (1840-1904), وفدوى طوقان (1917-2004), لسن, بصفتهن شاعرات, استثناء يثبت القاعدة التي تربط بين الانوثة والكلام, بل يشرن بأنسابهن المعروفة, الى نخب عائلية, او الى بيوت علم, وفّرت لبناتها العلم في خدورهن وأعانت مواهبهن الشعرية على النضج والظهور.

أضيفت في20/05/2005/ خاص القصة السورية/عن الحياة ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

الأدب النسائي

 

بقلم: ماجدولين الرفاعي

                                   

كثر الجدل والحديث عن أدب المرأة كأدب له خصوصيته ونكهته الخاصة باعتبار المرأة من الجنس اللطيف والذي قد لا يستطيع الإبداع في المجالات التي يعتبر الرجل نفسه رب لها

وهناك العديد من الأقلام النسائية التي ترفض مسألة التصنيف على أساس الجنس وترى في الأمر شيئا من المبالغة واللاواقعية ويقلن إن الأدب يعني کلا الجنسين وليس جنسا دون آخر .

ولكن وباعتبار المرأة ومن خلال كتابتها تعبر عن معاناتها من قمع الرجل وممارسته الاستبدادية عليها وتتحدث بلسان شخوص قصصها عن مجمل مشاكلها وتطالب من خلال تلك الشخوص بحريتها وحقوقها. مما لفت الأنظار إليها، وتسمية كتاباتها بالأدب النسائي رغم شمولية تلك الكتابات وعدم تخصصها في مجال واحد.

إلا أن رغبة الرجل في إقصائها ووضعها في مكان ما على هامش الأدب أطلق على أدب المرأة الأدب النسائي وبدا بنقده بطريقة لاذعة في اغلب الأحيان لكن تلك المحاولات لم تثني من عزيمة المرأة بل وجعلتها تتفوق على أقرانها في الكثير من مجالات الأدب.

فلم يعد خافيا على أحد تطرّق المرأة إلى الأدب بكل أنواعه من القصة الرومانسية إلى الشعر إلى الرواية. كما دخلت واثقة الأدب البوليسي الذي كان حتى فترة قريبة حكراً على الرجال وصعب على المرأة! ولا يخفى على أحد الروائع البوليسية التي كتبت بقلم الكاتبة الإنكليزية الشهيرة أجاثا كريستي وآنا كاثرين غرين.

لقد استطاعت المرأة الدخول إلى عالم الأدب بثقة كبيرة رغم العقبات التي تحاول وضعها جانباً.

واستطاعت المرأة الخروج من عباءة الرجل وتسجيل هوية خاصة بها. وتشهد على ذلك كاتبات مبدعات في عالم الأدب كالدكتورة نوال السعداوي من مصر والكاتبة الجزائرية المميزة أحلام مستغانمي والروائية السورية غادة السمان والمغربية فاطمة المرنيسي.

إضافة إلى مجموعة من القاصات والشاعرات التي لا يتسع المقال لذكر أعمالهن الأدبية التي بدأت تبدوا للقراء كم هي جريئة وجسورة وتطالب بحقوقها وتفضح الغبن الکبير الذي ألحق بها عبر التاريخ من نصفها الآخر ومن شعوره الدائم بتفوقه !

وكان الرجل يتهم كل امرأة تتقن الكتابة الأدبية بأنها متمردة ومهملة لواجباتها الاجتماعية والحياتية ومتشبهة بالرجال!

لكننا، في حقيقة الأمر، نجد الكثير من الأديبات يمثلن أنموذجاً للمرأة الجميلة الأنيقة الزوجة الأم.. التي استطاعت ربط جميع الخيوط في يديها.. فلم تتخلى عن مهامها الاجتماعية اليومية.

وأستطيع هنا أن أذكر صديقتي الجميلة القاصة سوزان خواتمي التي نستطيع اعتبارها أنموذج للكاتبة العصرية. فهي زوجة محبة لزوج يشجعها دوماً على إثبات وجودها.. وأم لأولاد يفخرون بعظمتها.

ومهما يکن فإن الأدب بقلم نسائي تأتي ضرورته من حيث أنه يعبر عن کائن بشري له مقوماته الفزيولوجية والسيكلولوجية.. ويلون الكتابة برقة ونعومة دون الإقلال من قوتها وعظمة إبداعاتها.. مما يمنحه بعداً روحياً ووجدانياً خاصاً به.

أضيفت في20/05/2005/ * خاص القصة السورية/ عن نساء سوريا ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

صورة المرأة في لا وعي المثقف العربي

 

بقلم: حياة الرايس

 

لقد رحل القرن الماضي ليترك لنا تباشير ظاهرة ارتقاء المرأة ووعيها بذاتها و عندما اصبحت تدرك نفسها , وتعي كرامتها كشخص انساني , وبدأت تسقط مع مطلع القرن صورها الأسطورية وتتلاشى وتنسحب شيئاً فشيئاً لتحل محلها صور اخرى لكيانها الفعلي , لتحتل مكانها في الحياة العامة كأمراة الواقع لا كأمرأة الأسطورة .

لكن هل محيت هذه الصورة الاسطورية بالفعل من وعي ولا وعي الرجل ؟ وهل أصبح بنظر اليها كما تنظر هي لنفسها ؟ ام هناك تباين وتباعد في النظر وفي الاعتبار ينعكس مداهما على الواقع وعلى التعامل لتصطبغ بكل أوجه الصراع الذي يفرضه ناموس الحياة وقانون الطبيعة ليأخذ هذا الصراع خصوصية مرحلة تاريخية انتقالية تتحول فيها العقليات سريعة في بعض البلدان , بطيئة متثائبة في نقاط اخرى ومتقهقرة متراجعة في بلدان تشهد ردة مأساوية تلوي أعناقها الى الوراء .

وذلك ما يجعلنا نستنتج ان محور التطور في بلدان العالم الثالث ما يزال يشهد هزان عنيفة وصراعاً اعنف ..

كما يجعلنا نعترف ان تطور الوعي النسائي ما زال يكبو ويتعثر ويصطدم بمصاعب متنوعة وبكثير من الاوضاع المتنافرة المتناقضة , أهم هذه المصاعب ان المرأة وان كانت قد أرتقت في المجتمع , وأرتقت في عين نفسها , وادركت قيمتها ومكانتها كأنسانة , فأن صورتها لم تتغير الا طفيفاً في نظر المجتمع . فالصورة التقليدية القديمة ما زالت راسخة في عقلية المجتمع الذي لا يستطيع ان يتصور المرأة خارج أدوارها التقليدية , ولا يرى فيها الا الأم , او الزوجة خاضعة مطيعة وخادمة وغير ذلك من الصور التي لم يأت عليها الزمن وكأنها خارج قانون التطور وناموس الحياة .

ومن المحبط للمرأة انها كانت قد ظنت في كثير من الاحيان ان المثقف العربي قد تجاوز الصورة التقليدية , كما تجاوزتها هي أمام نفسها , ولكنه يردها كل مرة مائة سنة الى الوراء مصغرة محتقرة , يردها الى حدودها الاولى كأنثى مسلوبة الارادة والفعل لينصب نفسه وصيا عليها ... بأسم الاب او الزوج او الأخ , مستغلا عقلية وقوانين المجتمع الباترياركية الذكورية ليمارس صلاحياته كأبشع ما يكون ويتفوق " بامتيازاته " معتقدا انها امتيازات فطرية .

ولا يخفى علينا ما يمكن ان يسببه هذا التعالي المزيف من شعور بالاستياء لدى المرأة ,وشعور بالاحباط العميق والتمزق بين الحياة الفعلية المحكومة بقانون التطور وبين الصور النمطية القديمة التي تصطدم بها في كل خطوة تخطوها مع الرجل . واكثر من ذلك فان مجال الثقافة والفنون والاداب الذي يدعي الحداثة كثيرا ما يقدم المأة باعتبارها شيئا ومظاهر التشيؤ كثيرة ان اردنا احصاءها سواءا كانت في الصحافة او في الافلام او المجلات الى غير ذلك .. والجدير بالملاحظة ان هذا التصور غير معلن بوضوح , وهو كثيراً ما يأخذ أقنعة مختلفة , خاصة - لدى المثقفين , ولكنه كامن في أعماق النفوس ويتحكم في السلوك .

من أجل هذا من واجب المرأة الكاتبة والرجل الكاتب ايضاً , المؤمن بقضية المرأة التي هي قضية مجتمع لانها تتعلق بالحريات والديموقراطيو وحقوق الانسان , من واجبهما ان يكشفا هذا السلوك ويفضحا تستره لأنه يمثل أكبر عائق في سبيل تقدم المرأة وترقيها ولأن هذه الصورة العتيقة بأنساقها القيمية الاخلاقيو والدينية هي التي تتحكم الان في مسيرة المجتمعات وتكبل خطى المرأة على وجه الخصوص .

كما لا يغين عنا ان سيطرة هذا الانسان عندنا في عالمنا الاسلامي أعظم وأقوى بكثير من سيطرتها في العالم الغربي , ولذلك فأن دور المرأة الكاتبة الاساسي هو في تغيير هذه الانساق بما يتماشى وتطور هذا المخلوق الذي يخضع لقانون التطور مثله مثل بقية كائنات الطبيعة .

ان من أوكد مهام المرأة الكاتبة تغيير هذه الصورة العتيقة الكامنة والقابعة في أعماق لاوعي المجتمع عامة وفي لاوعي المثقف الرجل خاصة ؟

واستئصال هذه الرواسب التي تنغص عليها علاقتها بالرجل والتي لا يمكن الوصول اليها الا بأزاحة الستائر وكشف الاقنعة , والسؤال المطروح هنا هو :

الى أي مدى ساهمت كاتباتنا في كشف وتعرية هذه الصورة ؟

الى اي مدى أستجاب أدب المرأة الى التجربة الفردية والمعاناة الشخصية ؟

والى اي مدى ساهم هذا الأدب من قصة ورواية وشعر في فضخ النفاق الاخلاقي الذي يسود مجتمعات تتناقض حاجاتها الطبيعية مع قيمها الاخلاقية ومحظوراتها التقليدية وما يخلقه هذا التناقض من أزدواجية .

واذا أردنا التحديد يكون موضوعنا :

كيف تقتفي المرأة الكاتبة الواعية اثر صورتها في لاوعي الرجل المثقف , وقد أخترنا نموذج المثقف المأزوم او المثقف المزيف او المثقف المزدوج الخطاب المنفصم الشخصية .

غادة السمان :

ولعل أبرع من جسم فنيا وأدبيا أزدواجية المثقف العربي بشتى تناقضاته الى جانب الجيل الاول من الكاتبات العربيات مثل ليلى بعلبكي في " أنا أحيا " وعائدة إدريس في " واقع الأوهام " في مجموعتها " الذين لا يبكون " وديزي الامير هي " غادة السمان " التي اسهمت في رسم صورة المثقف الممزق بين الفكر والممارسة بين الوعي والواقع . القيم القديمة وظروف الحياة الجديدة , المثقف الانتقائي المنفصم الضائع بين أخلاقيتين , حضارتين وطبقتين مثقف الطبقة الوسطى الانتقائي , الممزق بين تراثين , ثقافتين وانسانين . ذلك ان الفكر الليبرالي الفردي لم يكن سوى غرس ثقافي على سطح وجدان شبه زراعي او اقطاعي .

أضيفت في20/05/2005/ * خاص القصة السورية/ عن حواء ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

  

الكتابة النسوية وآليات التغييب

 

بقلم: عادل ضرغام

 

هل هناك كتابة نسوية؟ وهل ثمة مغايرة بين أسلوب الرجل وأسلوب المرأة في الكتابة؟ وهل يمكن الوقوف على سمات معينة للكتابة النسوية؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست شيئاً سهلاً كما يتصور البعض، لأن الإجابة يجب أن تكون مشفوعة بأسانيد معينة تؤيدها إذا كانت بالإيجاب أو بالسلب.

إن كل هذه الأسئلة تلح على ذهن المتلقي وهو يطالع المجموعة القصصية "جمرات تأكل العتمة، للقاصة منى المديهش، فقد يلمح المتلقي من البداية انحيازاً خاصاً لقضايا المرأة بوصفها شريحة أساسية للتكوين الإنساني تنتمي الكاتبة إليها.

التركيز أو التأمل في القصص المقدمة في المجموعة قد يؤدي إلى نسق معين من الكتابة يقف عند حدود التلميح، ولا يقترب مطلقا من التصريح، وحين تعالج قضية معينة تقدمها في إطار تغييبي معين، يفتح الباب للذهن لكي يذهب فيها في مسارب عديدة، ولكنها - على الرغم من هذا التغييب الذي يبدو متعمداً فنيا - تظل في حالة من الوهج الذي لا يحد.

ففي قصة الحلوى سنجد أن القصة تعمد إلى تغييب الموضوع الأساسي الذي نشأ حوله الخلاف، بحيث يكون الحوار دائراً حول جزئية غائبة عن المتلقي، وإن استطاع بحسه أن يصل إلى حد ما إلى طبيعة الموضوع، من خلال مناقشة الساردة للأب صاحب السطوة الأولى في ضرر الحلوى الذي يرفض أكلها لإصابته بالسكري، ومن خلال هذا الرابط تبدأ في معالجة موضوعها بشكل تغييبي تام.

وتلمح التقنية ذاتها في قصة جرح وكبرياء، بحيث يدور سرد القصة حول مطلق الخديعة بين صديقتين دون تعيين لطبيعة تلك الخديعة. وهنا سوف تلح بعض الأسئلة، منها: هل الأمر له علاقة بنسق اجتماعي معين يأبى ظهور مثل هذه الموضوعات بشكل واضح وجلي؟ أم إن طبيعة الكاتبة هي التي تفرض هذا النسق، بحيث تحاول أن تلح على القضية بحد ذاتها، سواء تعلق الأمر بمطلق الجرح أو الخديعة من الصديقة أم بمطلق التعلق بالخصوصية والتمسك برأيها وبحرية الاختيار دون وصاية من أحد.

إن تأمل قصص المجموعة سوف يجعلنا ننحاز إلى الاختيار الثاني، وفي هذه الحالة سوف تعود تلك التقنية إلى طبيعة الكاتبة التي تلح على مطلق الرفض، ومطلق الخصوصية، وتلح على حقها في الاختيار بعيدا عن سلطة تمارس سطوة معينة، حتى لو كانت هذه الخصوصية تؤدي إلى زلزلة القيم، والوقوف في منتصف الدرب، بعد وفاة صاحب السطوة، كما في قصة "الراحل"، فبعد وفاة صاحب السطوة كان هناك إحساس بفقد المظلة أو السماء...

ففي قصة "ضنى" تبدو ملامح التغييب واضحة من خلال الإلماح إلى وجود تعب كبير في المخ، وبعد الفحوصات يتأكد أنه ليس هناك ورم أو أي شيء، ولكن الساردة تجيب على الطبيبة أنه ليس ورما وإنما حلم كبير... فالإجابة بهذا الشكل لا تفض الإجابات المتعلقة برأس المتلقي، لأن الحلم الكبير تتوزعه الانحناءات العديدة، ومنها ما يرتبط بالرجل، ومنها ما يرتبط بصورة المرأة المتخيلة، ومنها ما يرتبط بالنحت في القادم والتلوين في تضاريسه، وكلها في النهاية جزئيات تتعلق بالنموذج المتخيل.

وربما يأتي موضوع النزوع إلى الحرية بوصفها موضوعاً أثيريا في كتابات المرأة، جزئية أساسية في تشكيل طبيعة هذه المجموعة القصصية، وفي تشكيل آليات السرد الخاص بها. ويتجلى ذلك في قصص عديدة. ففي قصة "الراحل" تتجلى قضية الحرية في صراعها الطويل مع الرجل بحيث يشعر المتلقي أن هناك نفورا من سطوة الأخ والمرتبطة بإصدار الأوامر وتقييد الحرية، وإعداد سيناريو الحركة واليوم بالنسبة لهن. ولكن هذا النفور يتحول بعد موت صاحب السطوة إلى إحساس خاص بفقد المظلة أو الحارس أو السماء التي تظل النساء.

وهنا يمكن أن يتساءل المتلقي عن سبب ذلك الإحساس الذي ينافي الإحساس بالنفور السابق، أهو نابع من شموخ الموت وجلاله، أم نابع من سلطة النفوذ التي تحتاج إلى مدى زمني لتنسم هواء الحرية والتعود عليه دون وصاية أو سطوة من أحد؟. إن المرأة الساردة - أو كل النساء الموجودات بالقصة - تظل بعد أن تحققت لها الحرية بالموت مشدودة إلى حنين ما، إلى عهد سابق، إلى كنف سطوة تظل متشبثة بها.

أما إذا انتقلنا إلى آليات السرد والضمائر المستخدمة، فإنه تجب الإشارة إلى أن استخدام الضمائر في السرد القصصي وثيق الصلة بوجهة النظر، وبالرؤية المقدمة في العمل القصصي. والمتأمل للمجموعة القصصية التي بين أيدينا يدرك أن معظم القصص جاءت في إطار سردي قائم على ضمير المتكلم، باستثناء قصة "طوايا القلب"، التي تعتمد على ضمير الغائب وقصة "جمرات تأكل العتمة" التي تنتهج تقنية الرسائل. ولضمير المتكلم مقدرة كبرى في إحداث التداخل بين السارد والشخصية، وكأن ضمير المتكلم يحيل إلى الذات، بينما ضمير الغياب يحيل إلى الموضوع. وهذا يشير إلى أن أغلب قصص المجموعة وثيقة الصلة بالذات المبدعة، بوصفها فرداً من جهة، وبوصفها علامة أو رمزاً لجنس تدخل في إطاره من جهة أخرى.

وفي إطار هذا الترابط بين السارد والشخصية تتعدد التقنيات الفنية بين الحلم وتيار الوعي، والتداعي. ففي قصة "طوايا القلب" يبدو تداعي الذاكرة أوضح ما يكون في جزئية البناء السردي للقصة، ففي بقايا الصوت المرتج من حفيد الحبيب، تبدأ دفقة الذكرى بالنسبة للجدة التي تسرد القصة حكايتها، للرجوع إلى الوراء ليلم المتلقي بقصة "حب"، عصف الزمان بها، فلم تتم، ولكنها ظلت ساكنة في العقل الباطن واللاشعور، تقاوم الموت والضعف الذي ألقى بظلاله على كل شيء، وكأن كل شيء - في منطق القصة يضعف وينتهي غير هذه الثلوج التي تتراكم بين حنايا القلب. وتطفو على السطح ذكريات المنع، فالأب اختار رجلاً آخر لابنته (الجدة) هل تلمح القصة - ولو من طرف خفي - إلى طبيعة المرأة الساكنة التي تسيرها الحياة كالريشة في مهب الريح، فلم يعد لها إلا الذكرى التي تصحو على عبق السنين؟.

إن السكون الذي أصبح علامة على الجدة - التي تشير إلى مدى زمني خاص بالماضي - أثر بالضرورة على توجه الساردة في قصة (جمرات تأكل العتمة)، تلك القصة التي جاءت في إطار الرسائل، ومن خلال تكامل هذه الرسائل وتكامل دلالاتها، تتكامل آليات السرد، وقد جاءت روايات عديدة في ذلك النسق الكتابي الخاص أهمها "بريد بيروت" لحنان الشيخ.

أقول إن توجه الساردة جاء مغايرا لتوجه الجدة، فقد انحازت للمكابرة والعناد، لأن زوجها اختصرها من لحظة خاصة ترتبط بعامها السادس عشر كما قال حجازي، ونتيجة لهذه المكابرة وذلك العناد لم تشعر بالحب الذي بدأ ينمو تدريجيا، وحدث الفراق، وظلت على الجانب الآخر تلعق جرحها.

أضيفت في20/05/2005/ * خاص القصة السورية/ عن الوطن ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

أدب العواطف

 

بقلم: منيرة الديلمي

 

مع ان الادب ليس له جنس، والمشاعر الانسانية ليس لها خريطة الا ان التقسيمات مستمرة حول ادب المرأة وادب الرجل، ولم يبق الا ان يقال عن اي حرف تخطيه امرأة إنه «كلام نسوان» مع ان تاريخ الادب العربي والآداب العالمية يحفل باسماء اديبات لا يشق لهن غبار، وللدخول الى العالم الادبي للمرأة كانت هذه الدراسة، التي قدمها الاديب والناقد المصري محمود فوزي تحت عنوان «ادب الاظافر الطويلة» ووضعت تحت مجهر النقد الادبي ابداعات ستين كاتبة عربية في المواجهة.

من «الخربشة» الى دفء العواطف:

ولان الادب دون جنس ينتمي إليه، ولانه يجتاز حدود الاقليمية الفكرية فقد قدم الكاتب ابداعات اديبات عربيات ينتمين الى بلدان متعددة ابتداء من مي زيادة وحتى نعمات البحيري، مروراً بالرائدات وجيل الوسط وحتى كاتبات الجيل المعاصر الذي يملأ ساحة الكتابة والقصة والمسرح ابداعاً وضجيجاً!.

يقول المؤلف محمود فوزي: تطور التعبير عن المرأة تطوراً كبيراً ومع ازدياد عدد الاديبات العربيات الشهيرات بدأ سؤال يطرح نفسه، وامامه علامة استفهام كبيرة «هل لدينا ادب نسائي» والحقيقة ان هذا السؤال يقوم على غير فهم صحيح لطبيعة الادب من ناحية، وعلى تأثر واضح بوضع المرأة القديم في المجتمع فالادب من حيث مقوماته الفنية لا يمكن ان يختلف عند الرجل او المرأة، ولا يمكن ان نسمي غير الادب ادباً لمجرد ان كاتبه امرأة او رجل ويقول الكاتب: شاعت ـ خطأ ـ مقولة «الادب النسائي» رغم ان الكبار لا يحبذون هذا التعبير، فالعقاد يرى ان الانوثة من حيث هي انوثة ليست معبرة عن عواطف المرأة بل هي ادنى الى كتمان العاطفة واخفائها، فاين اذن الخاصية التي تجعلنا نحدد ان ادباً ما هو ادب نسائي؟.. ويدلل الكاتب على تفوق رجال كتبوا وعبروا عن احاسيس المرأة وكانوا اكثر جرأة وحساسية من حواء ذاتها، والنماذج متعددة اعمال إحسان عبدالقدوس، ومدام بوفاري لـ«فلوبير» واندرماك لـ«راسين» والأم شجاعة لـ«بريخت» وغيرها.

ما احلى الرجوع

ويقول الكاتب محمود فوزي: المرأة العربية بشكل عام تحاول ان تثور على الرجل ثم تعود اليه لكي تحتمي به، تحاول ان تسقط  تمثال المهيب، ثم يتبين لها فراغ العالم من حولها، فتبحث عنه ثانية، ورغم ذلك عبرت الكاتبة العربية سواء في القصة او الرواية في شتى اصقاع الوطن العربي عن معاناتها، ظهر ذلك في ابداعات مي زيادة وامنية السعيد، وكوليت خوري، وعائشة ابو النور، ولطيفة الزيات، وفتحية العسال، وسلوى الرافعي وغيرهن، وارتفعت اصوات نسائية عديدة انتجت ما يعرف بادب الرفض، ومن اكثر هذه الاصوات تميزاً الاديبة المغربية جنانة بنونة التي تقول :(ما افظع ان اكون انثى بين قوم لم تتحد قيمهم لكأنني اريد ان اختصر كل النساء في و احدة لاحطم فيها ظلم العصور» وتلخص ليلى بعلبكي وظيفة المرأة العربية في روايتها (أنا أحيا).. في عبارة واحدة تقول ام لابنتها وقد كشفت فيها وظيفتها الحقيقية: (انت مثلي، مهمتك الوحيدة ان تلتقي بالرجل، وان تهدهدي سرير الطفل».

عندما تكتب سيدة تحت تهديد السلاح!

ويقول  المؤلف محمود فوزي يخطئ من يظن ان الكتابة عند الاديبات كلهن مجرد ترف ففي بعض الاحايين تكون ضرورية جداً جداً، واحياناً تتم تحت تهديد السلاح! فالكاتبة أليفة رفعت كان لابد ان تكتب، حتى عندما ارغمها زوجها ضابط البوليس برتبة اللواء على عدم الكتابة، وقال لها «الامتناع عن التكابة او مغادرة البيت» هنا استشارت الاديبة احسان عبدالقدوس والورداني وغيرهما فقالوا لها : لا الكتابة لكن دافع الامومة جعلها تحافظ على بيتها، وتقنع زوجها بانها اقلعت ظاهرياً عن تعاطي الادب، وانتابتها حالة نفسية فسمح لها زوجها بعد سنوات بكتابة الادب ونشره باسمها الحقيقي.. وكانت المفاجأة ترجمة اعمالها الى عدة لغات، وصدور قصص لها في لندن باسم «منظر بعيد لمئذنة» مترجما الى الانجليزية.

مي ادبها انقى وابقى من مجرد حكايات

اما الاديبة الكبيرة مي زيادة فحكايتها مع الادب حكاية فهي اعظم كاتبة على حد قول المؤلف ـ عرفتها العربية، وصاحبة اكبر ندوة ادبية في القرن العشرين في القاهرة وهي ايضاً تعرضت للظلم عندما اسرف الادباء والنقاد في الحديث عن حياتها الخاصة، اكبر من الحديث عن ادبها وفكرها المستنير واسألوا اي قارئ أو قارئة عن  ابداعات «مي» الاجابة طبعاً في غير صالحها، اما كان الاجدى والابقى الحديث عن كتابات تلك التي فرضت نفسها على حياتها الفكرية رغم رحيلها منذ عشرات السنين؟

شهادة من الرجل

ويتناول المؤلف كتابات الروائية كوليت خوري فيقول ان كتاباتها من دمائها فهي بمثابة الشعر المنثور في روايتها «ايام معه» تقدم شهادة من الرجل والمجتمع بان المرأة منزوية مقهورة ملوية الارادة لكنها غير راضية بواقعها، وتصرخ وتستجير وطبعا صرخاتها لن تستمر دخانا في الهواء.. اما رحلة زينب صادق مع الادب فقد تأكدت من خطواتها في دروب الصحافة فور تخرجها في اول دفعة بقسم الصحافة، جامعة القاهرة عام 8591م و من ايامها الاولى وهي تنحت في دروب الادب تصور احلام القراء اسبوعيا في كتاباتها الصحفية الادبية وفي ادبها الذي عرفه القراء «لا تسرف الاحلام» و«عندما يقرب الحب» و«هذا النوع من النساء» وإنقذني من احلامي» تؤكد على عدم احساس الرجل بالحالة النفسية للمرأة، وانه لابد ان تكون الصرخة صادرة منها هي كوثيقة احتجاج، واذا كانت دراسة محمود فوزي اضاءة حول ابداعات حواء في مصر ولبنان وسوريا والمغرب فاننا احوج ما نكون لكاتب وناقد صادق يرصد ابداعات المرأة اليمنية ويدرسها وينصفها، لا ان تطالعنا بعض صحف المعارضة ببعض الاقلام الهزيلة والتي تتهم المرأة اليمنية المبدعة بانها مدعية موهبة ويسفه ما تكتب ولا يكفي صوت وقلم الاستاذ الدكتور عبدالعزيز المقال الشاعر والانسان والأب الروحي لكل المبدعات والمنصف والداعم لما تكتبه المرأة في اليمن فالابداع في حاجة الى مشاعر كثيرة اخرى تضيء عوالمه.

أضيفت في20/05/2005/ * خاص القصة السورية/ عن الواحة ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

تساؤلات حول إبداع المرأة:

الكاتبات يرفضن مصطلح الأدب الأنثوي ويدافعن عن دورالمرأة في الكتابة!!

 

 

بقلم: احمد عبد الفتاح

 

ابداع المرأة..  من الامور  التي تطرح العديد من  التساؤلات في اللحظة الراهنة..، خاصة ان الظرف  التاريخي  يؤكد حضور المرأة بشكل ملحوظ  وملح في حركة الحياة  اليومية ومن هنا كان  لطرح  هذه التساؤلات اهميته الخاصة وقد حاولنا  من قبل  ان نطرح بعض  الاسئلة خاصة فيما يتعلق بالآخر  في كتابة المرأة..، اما اليوم فالطرح مختلف حيث يقف عند مصطلح "الكتابة" النسائية ومفردات  هذا  المصطلح ان صح تعبيره..، ولذلك كان علينا البحث في عوالم ابداع المرأة  عن  اجابات.. فكان هذا التحقيق.

اشكاليات

ترفض  الكاتبة ابتهال سالم المصطلح مؤكدة ان الابداع ابداع دون النظر الى نوع  كاتبه  وتقول: الادب له  اصوله ومفرداته وادواته الفنية التي تختلف في  تميزها من اديب الى الآخر سواء كان ذكراً او انثى، لكن اشكاليات الابداع الذي تكتبه  المرأة  في المرحلة الراهنة اعتقد  انه بحاجة الى اثارة التساؤلات باعتباره ابداعاً يفتح افاقاً جديدة... والكاتبة/ المرأة اليوم اثبتت وجودها كأديبة لها رؤية ولعل اهم  ما يميز  هذه الكتابة الكثافة في  المعنى والروح الشعرية التي تبدو  غير منفصلة عن الواقع.

ابداع فقط

بينما  لا تنظر  مطلقا  الكاتبة عفاف السيد الى  مثل هذه المصطلحات باعتبارها تتعامل مع الكتابة كابداع لا علاقة له بفكرة النوع،  تتحدث عن نفسها وعن الآخرين وتقول: انا  اكتب ذاتي، مفرداتي، ومفردات الاخرين الذين أهيئهم  بداخلي  واصدرهم  عبر ذاتي ثم اكتبهم من جديد لاني  لا اعرف تفاصيلهم جيداً  فانا دائماً في  حالة تواز معهم بعدها حذفتهم من فردانيتي الى عراء اكوانهم، اراهم جميعاً ولا استطيع التماس معهم لكنهم  في كتاباتي يحملون في النهاية بعضاً من ملامحي.. هكذا اتعامل مع الابداع بعيداً عن  فكرة ادب نسائي  وادب  ذكوري!!

كتابة

ومن جانبها تأخذ  الكاتبة نورا امين الموضوع الى مسار آخر  حيث  تشير  الى ان ثمة اختلافاً بين  كتابات المرأة من قبل  وكتاباتها اليوم وتقول: ربما لا تبدو الكتابات النسائية المتزايدة اليوم بوصفها  استمراراً  لكتابات العقود  التي سبقتها بقدر ما  تبدو كما لو كانت انسلاخا عن زمن الكتابة الملتزمة بالدفاع عن قضية اجتماعية او سياسية.. وربما  كانت كتابتنا اليوم افضل تعبير عن تفتت المجتمع العالمي وتشتت الافراد  والقضايا فيه، هذا في الوقت الذي يتطلع  فيه الجميع الى وحدة انسانية عالمية وتراث  متحد متعدد الهويات  ففي هذا السياق ومثلما يحدث كلما كنا في بداية عصر جديد يتساءل الناس ومن بينهم الكاتبات عن موقعهن الجديد وبالذات عن  هويتهن  الانثوية الانسانية  في عالم تلاشت فيه المسلمات.

لذلك تسعى المرأة الكاتبة الى ارساء معان انسانية جديدة تنطلق من إعادة بناء آرائها الخاصة بالكتابة.

تحفظ

وتتحفظ الكاتبة  صفاء عبدالمنعم على مقولة ادب  نسائي حيث  تقول: رغم  شيوع هذا المصطلح ووجود  مساحات كثيرة تدعم  هذه  المقولة فمازال عندي تحفظ تجاهها.. فهل هناك ادب نسائي وادب ذكوري؟ ما اراه  ان هناك عالما خاصا بالمرأة اصبحت تعبر  عنه من خلال تجربتها ولغتها بعد ان  كان الرجل قديما هو المكلف بذلك.

وفي الفترة الاخيرة  ظهرت بعض الاصوات  النسائية التي تبعد عن ذاتها متمردة علي هذا الوضع الذي كان.. حتى اصبح للمرأة  لغتها الخاصة وادواتها الخاصة التي تثري الابداع عامة وليس معنى ذلك ان نطلق مصطلحات الادب النسائي والادب الذكوري..  فهو امور تخلط  الاوراق وكثيرا الازمات الوهمية!!

أضيفت في20/05/2005/ * خاص القصة السورية/ عن الوطن الكويتية ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

الادب النسائي يفرض نفسه في ندوة بالقاهرة

الناقدة زينب العسال: يجب الاعتراف بوجود أدب نسائي.. ونقد نسائي أيضا!

بقلم: شوقي حافظ

 

هل هناك ادب نسائي يختلف عن ادب الرجال، وماهي مواصفات ادب النصوص الناعمة التي تجعل له سمات تميزه عن ادب النصوص الخشنة؟ تساؤل فرض نفسه على ندوة نظمتها وزارة الاعلام المصرية حول كتاب (تقاسيم نقدية) للناقدة زينب العسال. شارك في الندوة لفيف من الكتاب والشعراء والنقاد والفنانين التشكيليين، منهم محمد جبريل ود. صلاح ترك واحمد الجنايني وايهاب الورداني واحمد عزت سليم وفريد معوض وغيرهم.

 

وفي ورقة بحثية حول الكتاب قدمها الفنان التشكيلي احمد الجنايني يقول: دفعتني تلك التقاسيم النقدية للبحث عن الدلالات الاجتماعية وشكل الادب الذي تفرزه ـ مجازا ـ تلك الجماعات التي عبرت عن زمانها ومكانها، لهذا كان السؤال الذي لابد ان يتصدر هذا البحث: هل يمكن ان يكون الخط الرؤيوي المتجسد في علاقة المكان والجماعة بطبيعة الابداع الادبي والتشكيلي، هو الاساس الذي دفع زينب العسال لاختيار بعض النماذج الادبية التي تبرهن على تلك الافتراضية من خلال ثلاثية الزمان والمكان والموضوع؟ ان الاختبار بمثابة تفسير اجتماعي ونفسي للادب، بدءا من عودة الروح وانتهاء بارتحالات اللؤلؤ لنعمان البحيري.

 

ضاف قوله: ازعم ان الناقدة قد ارتكزت على هذا الطرح في تقاسيمها النقدية فنغمات البحيري تقدم رؤية خاصة بأدب الاظافر الطويلة او ادب النصوص الناعمة التي تتمرد على الذات في صورة تمردها على المجتمع، لترسم في ارتحالات اللؤلؤ صورة لادب جمعي يحمل سمات شريحة من المجتمع الانثوي، الذي يعلن ان المسافة بين صراخه اليومي والكتابة الابداعية الانثوية، كتلك المسافة التي بين الحلم حين يكون اسطورة الفرد، والاسطورة حين تكون حلما للجماعة.. لكنها كشفت النقاب عن ادب جمعي يرسم خارطة للعلاقة بين ادب الاظافر الطويلة، ومجتمع يتجسد فيه الانفصال بين الفكر والشعور، فأشعل المسافة بين الذات المبدعة واللاوعي الجمعي.. واعتقد ان هذا ماجسدته ـ عن قناعة ـ الناقدة زينب العسال، حين تنهي الكتابة عن ارتحالات اللؤلؤ قائلة: قد لا يستهوينا تعبير الادب النسائي ولعلنا نرفضه، لكن هذه المجموعة تعبير عن مشاعر امرأة بكل ما تعتمل به من عوامل الاحباط والتطلع والامل والمشاركة للآخر والرفض له ايضا!

وفي مداخلة حول التصنيف الجنسي للابداع والنقد الادبي، تساءلت القاصة ميرفت الغروني: هل كتابة الناقدة المرأة عن العمل الادبي تختلف عن كتابة الناقد الرجل حول نفس العمل؟ وتجيب المؤلفة زينب العسال قائلة: يجب الاعتراف بوجود ادب نسائي رغم اعتراض كثير من الكاتبات على هذا التصنيف، باعتبار ان الابداع والكتاب رؤية انسانية لا علاقة لها بالمذكر والمؤنث، ومن هؤلاء الدكتورة نوال السعداوي التي ترفض تصنيف كتاباتها كابداع نسوي. ونفس الامر ينسحب على النقد حيث تختلف رؤية الناقدة عن الناقد للفروق متعددة الاوجه بين الرجل والمرأة، وهناك مدارس نقدية تميل الى هذا التصنيف في الابداع بين رجالي ونسائي.

 

كما ناقش المشاركون والحضور مختلف فصول كتاب تقاسيم نقدية، التي تحمل عناوين: عودة الروح، فتحي غانم في الجبل، يوسف الشاروني ناقدا، امرأة يونيو والكلمة المقاومة، رماد على وجه القمر لفاطمة العلي، ارتحالات اللؤلؤ لنعمات البحيري، الكتابة كفعل مقاومة، عندما يمتزج الفن والسياسة، زمن النغم النشاز، قصيدة اشرف صباغ السرمدية.

أضيفت في20/05/2005/ * خاص القصة السورية/ عن الوطن ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

 

مذكرات هدى شعراوي في

منظور الأدب النسائي

 

بقلم: فاتنة صالح الكردي*  

 

هدى شعراوي غنية عن التعريف ، عاشت وماتت في القاهرة،أسست الاتحاد  المصري النسائي عام1932وهو أول  اتحاد يطالب بحقوق المرأة، وانشأت مدرسة ومشغلا مهنيا لتعليم البنات مجانا، ومثلت المرأة المصرية طوال ربع قرن في المؤتمرات الدولية،ثم ساهمت بتأسيس الاتحاد النسائي العربي 1944 وطالبت بمساواة الجنسين في التعليم والحقوق والسياسة وطالبت بتعديل قوانين الطلاق وتعدد الزوجات وحضانة الأولاد. (عصر الحريم) كتاب لهدى شعراوي ،يحكي مذكرات المرأة المصرية بين 1880 ـ 1924 ترجمته إلى الإنجليزية الصحفية  البريطانية (مار غوت بدران) بدأت الحركة النسائية للشرق العربي  ناشطة في بواكير سنوات القرن العشرين،فقد قام بعض الدارسين قبل ذلك بخمسين عاما كالشيخ محمد عبده بمناقشة الضرورة الملحة للعودة إلى تطبيق مبادئ الإسلام فيما إذا أردنا أن نسير بمصاف الدول الغربية المتحضرة،واهم هذه المبادئ إعطاء المرأة حقوقها كما جاءت  في القرآن الكريم ،كانت هدى شعراوي في مقدمة النساء التي ناضلت لنيل حقوقها في التعليم والزواج والسياسة، أمام القانون، وبما أنها ذات شخصية مرموقة وضليعة في حركة التحرر النسائي المصرية ،وشغلت رئيسة  الاتحاد  النسائي المصري وقد كرمتها مصر بعد وفاتها بعامين ،لكن الأهمية الكبرى لهذه المذكرات لاتكمن في السرد المقتضب لما قامت به من أعمال أثناء حياتها المبكرة والبيئة التي نمت وترعرعت بين جنباتها والضغوط التي خضعت لها  والتي كشفت عنها بسرد أفكارها العميقة ومشاعرها المرهفة التي تصفها مار غوت بأنها عمل هدى شعراوي النسائي الأخير والذي جعل للكتاب هذه القيمة العالية  والأهمية الكبرى، بحيث يجب على كل مطلع ومهتم بحضارة الشرق الأوسط أن يقرأ الكتاب لما  له من تأثير كبير على حياة الأفراد والمجتمع ككل ،لم تقتصر المذكرات على شرح مفصل لحياة نساء الطبقة العليا في أيامها عن طريق الوصف اليومي الدقيق للحياة المنزلية التي نمت وترعرعت فيها مع أخيها الأصغر بل أعطت وميضا عن الأسباب التي أوصلتها إلى ترؤس وريادة أول منظمة نسائية مصرية.

 

كانت هدى شعراوي تخضع لممارسات وضغوط شديدة في طفولتها نتيجة الاهتمام المفرط بأخيها الأصغر ، مما سبب لها أزمات نفسية تؤرقها من نومها، فكانت تصحو من النوم مذعورة وتصرخ بصوت عال وتقول لامها: (أنا لست بطفلتك، أليس كذلك، قولي الحقيقة ) وكانت تعزي النفس بتفكير طفولي بأن أخيها سيقوم مقام أبيها في تحمل المسؤولية ،هذا ما كان يرددونه على أسماعها عندما كانت تحتج على التمييز في المعاملة بينها وبين أخيها ،كما كانوا يبررون تصرفاتهم هذه لان أخيها سيحمل اسم العائلة فيما بعد، بينما ستنتقل هي  إلى بيت زوجها وتحمل اسمه ومع الأيام استسلمت لهذا التفسير فبدأت تكن الحب والتقدير لهذا الأخ الذي اصبح فيما بعد الكتف الذي ألقت عليه أعباءها،ولكن لم يغير ذلك من حال كونها أنثى وخاصة فيما يتعلق بحرية التصرف في حركتها الحياتية، كل ذلك رسخ في ذاكرتها و مخيلتها  .ما يحمله من ألم وحرارة إلى هذه الأيام.

 

قامت ( مار غوت) بدران بتقديم هذه المذكرات الشخصية بالتفصيل ضمن مقدمتها الرائعة والشاملة وذلك لاعطاء القارئ خلفية تاريخية ضرورية لتقييم أهمية تطور حياة هدى شعراوي وأهمية جرأتها في تحدي العادات البالية القديمة على الملأ،دون أي خوف  أو وجل ولم تكن حياتها غير نموذجية أو غير عادية،بل كالكثير من بنات طبقتها ،كانت طفلة لاسرة ثرية،وقد نشأت في عائلة تفتقد الأب الذي يرعاها فوقع العبء على شقيقها الذي لعب دورا هاما في توسيع مدى آفاقها الفكرية،وبخاصة بعد طلاقها من زوجها المسن وهي لاتزال يانعة في الرابعة عشرة من عمرها ،ولم تتابع تجربة الزواج إلا بعد مرور سبعة أعوام مما أتاح لها فترة من الراحة من أعباء الزواج والتزامات الأمومة،كل ذلك ساعد في تطور حياتها الشخصية ،ورغم طول الانفصال عن زوجها لم يسمع أي همس أو تلميح في حق أنوثتها ،وانما زاد من ثقل حملها في تحرر المرأة فيما بعد.

 

إن أعوام التسعينيات من القرن الماضي  كانت السنوات الخطرة في تطور حياة هدى شعراوي الفكرية وفترة ذات أهمية كبرى لظروف المرأة المصرية. بدأ الحوار الشيخ محمد عبده، عميد الإصلاح في جامعة الأزهر والذي دعا إلى نظرة منطقية للمشاكل الاجتماعية ودعا إلى استعادة حقوق المرأة تحت لواء الإسلام للوصول إلى التحرر والتعليم وذلك كضرورة ملحة لتطوير المجتمع المصري ، وفتح أول صالون لمناقشة تحرر المرأة أبوابه أمام النساء المناضلات لنيل حريتهم الشخصية بقيادة امرأة فرنسية متزوجة من رجل مصري ومسلمة في آن واحد،وقد كانت هدى شعراوي صديقة زوجها كما كانت اصغر مترددة  إلى هذا الصالون، رغم ذلك كانت هناك امرأة تستشيرها حول كتاب تقدمه عن محاكم الطلاق في مصر وما تتعرض له المرأة المصرية من ظلم واستعباد في تلك الحقبة الزمنية وخاصة المطلقات وما يعانين من وضع مترد وذلك نتيجة الانفصال الزوجي.

 

قامت هدى شعراوي بتأسيس ناد نسائي باسم (مبارات محمد علي) تتجمع فيه النساء لاول مرة خارج نطاق الاجتماع الحريمي ،وقد ساهم هذا النادي في تطوير حركة مجتمع للنساء واصبحت فيما بعد رئيسة حزب الوفد النسائي، مما أتاح لها فيما بعد فرصة النشاط السياسي.

 

سقط عصر الحريم تحت ثقل متطلبات الحضارة والتطور وخاصة مركز المرأة الاجتماعية للنهوض السياسي الطبقي في مصر، بل اتخذت لنفسها شكلا أيدلوجيا تخطت الطبقية واصبحت تهدد النظام القديم في الحكم . كانت هدى شعراوي امرأة ذات امتيازات، فقد أسست الاتحاد النسائي لاول مرة وبدأت تدافع عن حقوق المرأة، وكان دورها أساسيا في النضال للاستقلال من قيود الرجل وللمجتمع في تلك الفترة وقد ساعد في ذلك وضعها الاجتماعي وثروتها وسمعتها الطيبة ، رغم ذلك كله بقيت متأثرة في الأعماق للظلم الذي يحيق المرأة من المجتمع، ونقرأ في آخر قسم من مذكراتها أقوى تعبير لها في هذا الخصوص تقول فيه : أمام لحظات الخطر ، عندما تقف المرأة إلى جانب الرجل لا يستطيع أن يرفض وجودها وكيانها.

 

رغم كل ما تقدمه المرأة من أعمال وتضحيات لاحد لها،لم يغير ذلك من نظرة الرجل تجاهها فقد  جردوها من إمكانياتها اللا متناهية حتى لا يعترفوا بحقوقها، لقد شعرت المرأة ذلك في أعماقها واثر ذلك على كرامتها وتقديرها الشخصي مما حدا بها إلى التصميم على اعتراف الرجل بإمكانياتها وذلك بمشاركته في جميع مجالات العمل وشؤون الحياة السياسية  والفكرية وقد وصلت إلى مشاركة عضوية البرلمان، تم ذلك بعد وفاة هدى شعراوي  بعامين وبعد أن أصبحت معروفة على مستوى عالمي في نضالها لنيل حقوق المرأة في ترؤسها للتحالف النسائي العالمي في نيويورك والاتحاد النسائي العربي،لقد وصلت إلى ما تصبو إليه بنضال مرير مستميت وقدمت للحركة النسائية أقصى ما تملك من قدرات لخدمة الحركة النسائية التحررية.

*فاتنة صالح الكردي صحفية من سوريا  

أضيفت في20/05/2005/ * خاص القصة السورية ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية