أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتبة: رجاء محمد عالم-السعودية

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتبة

بطاقة تعريف الكاتبة

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتبة

 

أديبة وكاتبة قصة ورواية من السعودية

روائية سعودية من مواليد مكة يضرب لها الفضل في توثيق البيئة المكية/الحجازية في رواياتها .

تختص رواياتها بسردية رمزية صوفية / غنوصية عميقة، وفق رؤى كونية مفتوحة

تنتمي الكاتبة السعودية إلى أحدث جيل من الروائيات السعوديات منذ ظهور الرواية في السعودية في النصف الثاني من القرن العشرين.

فازت رجاء عالم بجائزة الإبداع العربي لعام 2007

 

من أعمالها الروائية الشهيرة

-سِتر .

-حَبَى .

-موقد الطير .

-خاتم .

-سيدي وحدانة .

-نهر الحيوان .

-الرقص على سن الشوكة.

-الموت الأخير للممثل .

-ثقوب في الظهر. نص مسرحي .

-أربعة - صفر.

-طريق الحرير.

-مسرى يا رقيب

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتبة

الأصلة 

 

 

الأصلة

 

 

الكل يعرفونني باسم ( فاطمة المكّيّة ). والحقيقة - التي أحسنت إخفاءها سنوات وجودي الإحدى عشرة - هي أنني لم أولد في مكة, وإنما سنة 500 هجرية الموافق 1061 ميلادية, في وادي-آش قرب غرناطة. والمتبحر في التواريخ كان سيدرك أن هذا التاريخ يطابق تاريخ ولادة أبي بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي, المعروف اختصارا بابن طفيل. وهذا التوافق في الولادة ليس بصدفة, ذلك لأننا - أنا وهو - قرينان ولدنا من برزخ واحد. وكنت ألازمه عندما أشتغل بمداواة الناس, ثم كحاجب في غرناطة أي كوزير, ثم بعثني في أمه الغزالة أثناء تجسيدنا لحى بن يقظان, وسماني البخار الذي إليه يكون انبعاث الأحياء, والذي بارتحاله يصير الجسد خسيسا ولا يزيد عن العصي التي أتخذها لقتال الوحوش. ونظرا لتجاربي وترقّيَّ في علوم الطبيعة ووصولي لوحدة ذات واجب الوجود فلقد أعنت ابن طفيل حتى ضمه بلاط الموحدين وأصبح طبيبا لأبي يعقوب يوسف المنصور خليفة الموحدين ( 1163 - 1184 ميلادية ) وغدت له حظوة عظيمة عنده.

 

وعندما توفي ابن طفيل 1185 حملته وتشردت روحي على غير هدى, ووجدتني أنساق للطرق المتجهة شرقا, صوب مكة, وحين دخلتها كانت امرأة تلد في ديوان بسوق الصغير المفضي للحرم المكي. وكانت القابلة مع عمات الوليدة يجلسن على طست نحاس, وتحت الطست أستار مخاط وتحت الأستار عزرائيل يناغي الوليدة: ( كان يجب أن تجيء ذكرا ).

 

وانسقت للطست, وتزينت بالمخاط ورضعت إصبع عزرائيل وتقويت على ثقل النسوة فوق صدري. تسع مرات نصبن الطست وقشعنه, وأنا ألاحقهن ببكائي, بصقت كل مياه الرحم الراكدة بصدري, وانتظرت يأسهن. حتى لففنني في الأقمطة وتركنني لثدي غارق في دمع المرأة التي ستتعهدني. وبين دمع ولبن أقمت في سوق الصغير تحت مآذن الحرم, وعرفوني عندما بدأت أعلم جسدي المشي باسم ( فاطمة ).

 

وحين تسألونني عن خط حياتي القديم, أصارحكم بأنني قد تنقلت بين الأحياء والرموز متجنبا الألفاظ وأجسادها, وذلك ليقيني بأن ( التحكّم بالألفاظ على أمر ليس من شأنه أن يُلفظ به, خطر ). فلقد عشت مع ابن طفيل مربيا ما يتفاعل في أعماقه من سكنات وآراء ومجردات, وانتقلت لشخصية روايته حي بن يقظان, وتركت له توليدي من الأرض: ( من طينة تخمرت في بطن من أرض جزيرة منسية ) حتى امتزج في الطين الحار بالبارد والرطب باليابس, امتزاج تكافؤ وتعادل في القوى... وحدث في الوسط منها لزوجة ونفاخة صغيرة جدا... ممتلئة بجسم لطيف هوائي في غاية من الاعتدال اللائق به, فتعلق به عند ذلك نَفَسي الدائم الفيضان من الله عز وجل.

 

وخضعت لي جميع القوى وسجدت وسُخِّرت في كمالي... فلما كملت حلقة الطينة وتمت أعضاؤها انشقت عني تلك الأغطية بما يشبه المخاض... ثم استغثت وأنا وليد صغير عندما فنيت مادة غذائي واشتد جوعي فلبتني ظبية فقدت طلاها, ورعتني حتى تدرجت في مراقي جسد حي بن يقظان... ثم نقلني موت أمي الغزالة للتدرج في التأمل والمعرفة بما حولي من عالم المادة حتى نفذت لحقيقة أن لا ذات تغاير ذات واجب الوجود. واتصلت بالأجسام السماوية النورانية, في نورها وتنزهها عن الكدر وضروب الرجس, والتحرك بالاستدارة على مركز ذاتي أو ذات الجزيرة حتى لم أدع بين الذوات حدا. وقللت من علاقتي بالمحسوسات حتى تعذر على أقرب المقربين لابن طفيل رؤيتي, وظللت على حالتي من التقصي حتى اطلعت على ما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر, وأذنت للخفايا والأسرار التي تحيط الكون وتتفاعل في أعماق الوجود والموجودات, وملكت قدرة التناهي والتنقل في الأزمان والأجسام, ونقلت لقريني حقيقة أن للنجوم نفوسا منا, وأن جسده هو المركز وما فيه من ضروب الأفلاك المتصل بعضها ببعض هو بمنزلة أطرافه القصية...

والآن في جسد ( فاطمة المكّيّة ) كنت أستجم من معارفي, وأمعن في حلاوة الطفولة حتى بلغت نسياني الحادي عشر من حساب المكيين.

 

بدأت مشاكلي في المجتمع المكي عندما فاجأ المخاض جارتنا ( عائشة السبكية ) وكانت قد ترملت حديثا وهي مبذورة في شهر حملها السابع.

 

تلك الليلة نزل القمر حتى ملأ حنفية الماء في الخارجة أمام ديوان دارنا. وحتى تلك الليلة كنت أخفي جيدا صلاتي القديمة بالأندلس وابن طفيل وأعالج نسيانها. وكنت أنام في دكة الروشن, وتسندني أمي بمسند أحمر, حتى لا أقع من على الدكة وأكسر عنقي. ذاك المسند كان يعرف الكثير من حكايتي, الدمقس الأحمر هو ذاته المتصنِّت من أيام الخلافة العربية, هو ذاته الخارج من أحلامي. نعود لنومتي تلك الليلة. كنت في الحلم أعود دائما لقرطبة وبلاط الموحدين. وكانت خيالاتهم تستقبلني وتعيد تمثيل أدوارهم الغابرة, فتفسح لي مكانا بين قنوات الماء والنرجس. عند تلك القنوات كانت تنضج أقمار الأندلس, وأصحاب الحاجات يغنون ويزرعون قصائدهم, وتنصب موائد للقاصي والداني, ونحن ( الحكايات وأنا وقريني ) نتصدرها مع الخليفة أبي يعقوب ثم خليفته ابنه أبي يوسف.

 

موشَّحات الجواري ترشح على صدور رجال الديوان وتتسلق زهر لحاهم الفوّاح, وأبو يوسف يستقبل وفدا من البربر: عيونهم بحيرات من الذهب الوحشي تنسكب على الجدران المنقوشة بالآيات القرآنية. الموشحات تحبل ببدائيتهم وأنا مسلوب لتلك الفطرة الفائقة. ثم فجأة... صراخ امرأة برية... قطع حناجر الجواري وذهب البربر الوحشي... بقبق الصراخ كثيفا لدرجة أغلقت قصبتي, واختنقت طافيا من الحلم عنوة, ولم أجد وقتا لخلع هيئتي الأندلسية... وعرفت أنه صراخ جارتنا عائشة السبكية.

خرجت من النوم لأجد أمي وأبي ( اللذين يعرفان بأمي وأبي ) يتخبطان بحثا عن باب بيتنا. هبطنا السلالم الحجرية الشامخة, للدهليز المنور بدانتيلا الخشب المورق, للباب بضبته النحاسية, للزقاق الضيق, لباب جارتنا: كانت ساقطة تحت الباب, وسيول الصراخ تدوم حولها وتدفعنا. فلك صدريتها يطرز ثدييها بأزرار نجمية, ويشد معلقا على الكوزين, بينما ( دكة ) سراويلها تدور على حوضها بأقلامها, قلم حرير يتبعه قلم قطن, أطراف سراويلها أخطبوط يحتضر في سائل ليلي وبروائح مدوخة. اقتربت رغم محاولات أمي لدفعي بعيدا... وحولي أمي الغزالة وحيوانات الغابة التي شققتها بحثا عن النار المحركة. ومن طول اقتراني بالحيوان مع حي بن يقظان كنت أعرف تماما ما يحدث في زير عائشة. لقد انشق رحمها لافظا ماءه, وبقي الجنين يتصحر في الداخل. وكانت مجاري عائشة ضيقة من عظامها التي من خشب الأبنوس, والمتعرشة على حوضها. وما كان للجنين من أمل في النفاذ.

 

كنت أفحصها وأمي وأبي يقذفانني بعيدا, ثم انشقت الأرض عن أناس كثر ومعهم القابلة وثرثرات الفزع. أعلنت القابلة أن الأم اختنقت ببذرتها, وتركوها مسجاة بديوان استقبال الرجال, لأنه الأقرب من الطريق وأقصر الطرق لسلوك جنازتها للزقاق فالمقبرة. وانحسروا يرثونها بينما تحجرت صرخاتها في شبكة حولها وشلتها حتى عن الاستغاثة والنفس.

 

أنا لم أستطع مشاركتهم. كيف وأنا من أنا في علم التشريح, وبوسعي الشق عن البذرة!! وحين بدأت المرأة تخضر وخذروف عزرائيل يلف مساند الديوان حولها, أمسكت بمدية مطهرة وشققت بطنها و... قبل أن تمس نافذتي بطانة الرحم المجعدة هبطت حولي شبكة مولولة... مغزولة بالتشنجات. أمسكتني شبكتهم. وقيدوني.

ثم تسمدت بمجاورين كثر, ومنهم المعروفان بأبي وأمي, حيث نسيت في ذاك المخلوان.

 

حتى تأكدت أنه لم يعد أحد ممن يعرفونني حيا أو ذاكرا. وكانت توسعة الحرم المكي قد ابتلعت سوق الصغير, فسرحت بين حمامات مكة من قوس قزح. وكنا نقضي الصلاة في الهديل على ميزاب الكعبة المطل على حجر إسماعيل عليه السلام, حيث كل الدعوات مستجابة تحته لوجود مسرى من هناك للسماء السابعة. ولقد نبذت وجودي البشري وصورتي العامة والبعيدة عن الذات الفائقة. تمثلت قرونا من الصلوات مع سربي الرمادي, حتى إذا عمت السكينة بهديلنا انطوينا لنتعرق على الأقواس بين الآيات القرآنية وأذرعها, وهي ما إن يهبط ليل مكة حتى تتجسد فينا وتنقلها لرياضها الخفية على حوافّ ذاك المسرى المخبّأ.

 

جاء انتقالي لنزلة القرارة بمحض الصدفة, حسب علمي, فلقد دخلت سربنا حمامة بيضاء, وكنت المكلف بنقلها لرياضنا عبر طوافات وأذكار مضنية, وهي تتعثر في بياضها.

وكنت أطوف بها مستقبلا الركن اليماني عندما مرت ( عابدة ), وكانت في أواخر شهرها التاسع تسوقها أمها في الطواف لتُسَهِّل تسعاتُ البيت ولادتها.

 

وفي الشوط السابع بدأت الكتابة من عمود عابدة الفقري تهبط, تتعرج لافتة خاصرتها, مندفعة لبرزخ الساقين... وللمحة ضربتني لفحة شوق لرائحة البشر ولأنماط معيشتهم, زلزلة عابدة حنَّنتني للعبور بمخاض امرأة, فتقدمت. وجاءت الولادة عسيرة كخروج كائن من جلده, وترقش جلدي بكل تقلصاتها وزلاقتها, ووجدتني تحت خيمة زوج وزوجة حديثي عهد بالحياة ( عابدة وصالح )... ووسموني بالزهراء.

 

أقمت في محيطهما أعواما خمسة, وفي تلك المدة كانت مكة قد بدلت جلدها للمرة الثالثة, خلعت رواشنها ودمقسها الأحمر وهيئة عبد الله بن الزبير المعلقة خيالاتها على الكعبة, وملأتها شرفات الزجاج والألمنيوم. أنا كنت أغتم لمساحات الزجاج تلك التي تذكرني ببركة عزرائيل تحت الطست ثم حول عائشة السبكية وقبلها في أمي الغزالة. لكنني بالنهاية توصلت لمهادنة برك الموت المتكررة تلك, مستعينة بالحالات التي عالجتها مع ابن طفيل وفلسفته.

 

وبصفتي الزهراء انشغلت بطفولتي في ذلك الوسط الراكد بالماورائيات, مستعيدة الأعماق التي بلغناها أنا وابن طفيل في قرطبة وجزيرة حي بن يقظان, ووجدت فرصتي للتوحد.

 

كنت أشعر بأنفاس خفية ترافقني في عزلتي, حتى جاء يوم انكشفت لي سارية بين قدمي... إنها نار ريانة كما لو أنها رضيعة بعد. ولقد أنست لتظرفها واحتملتها بين كفي, كفي اللتين كانتا مدربتين على الارتقاء لموافقة أمزجة شتى الكائنات...

وقضيت أياما أحاول إطعامها مما أهربه لها من زادي, وهي تمتنع, حتى جاءتني في المنام شجرة, قالت: أنا طوبى من شجر الجنة, والأصلة التي تربينها هي من بناتي الرضع, حضنتها لآلاف الأعوام ولم تتم حضانتها, ولقد غادرتني مستجيبة لوحدتك ولم أصدها, فلا تحرمني رضاعتها... وعندما أفقت إذ بوسادتي مبطنة بأوراق خضر على هيئة ورق الزيتون. فلما أقبلت به على الأصلة سال إليها سيل ورواها...

وكنت أطعمها من ورق طوبى حينا وحينا أجوعها بالصوم لتكبر على الصبر... نسيت أن أذكر أنها كانت تحمل وجه إنسي, وتزهو لرفقتي وتتلون حدقتها الباردة والحاملة للموت فيها... حتى خطر لي سبكها في أصنام تؤنسنا, الأصلة مدت لي - كمن تقرأ دخيلتي - طرفا من أطرافها لأبدأ... حين تحركت يدي لنحتها تمردت واستلمت الزمام: أفلتت لي في القبو أمي الغزالة, خرجت تلك مضطربة وارتطمت بجدران القبو في محاولة لتحرير قوائمها. أكلت من وجهه نتفا ومن وجهي, حتى خشيت أن تعظم جثتها فتفوح لعابدة وصالح. فاستعدت قدرتي على وصلها, فكنت أحكي نغمتها كما أحكي أصوات الطير وسائر الحيوان, فعرفتني من نغمتي فحنَّت عليَّ لترضعني لبنها حارا, وشرخ جوفي بلذة خرافية.

 

كل يوم أفرغ لتوليد الأصلة مخلوقات صغيرة وشفافة, تتداخل بعضها في بعض بمرح وتتلاقح...

ودبت في بيتنا بنزلة القرارة حركة غير عادية, فقد انفلت فيه نهر الحيوان, يصعد من القبو ويغافل الناس ويعود فيجري في ظلمته: فترى الحمام الناري على الأسطح والأفاريز يقرأ الطالع لحمام البيت والحجاج بلغاتها الشتى... وترى الخنافس الحكيمة تحت الأغطية توزع هياكلها السود المحشوة بالأسرار... وأينما تحركت عثرت قدمك بسر... حتى أحاطتني إثارة ذات شرر, واجتمع عليَّ صالح وعابدة لمداواتي من الحُمَّى...

حدثني جُعْلٌ وجدته واقفا على أنفي ذات غفوة قال: لا يولد النار إلا شهيد... واحذر النار ولو طالت عشرتها... وأضاف: إن بنات الليل وقعن في عشق أصلتك, فيختلسن غفوتك لتوليدها طيور سراج, يطيرنها في صدورهن وشعورهن, حتى ينعسن في اللذة...

وبادرت الفئران النارية بقرض تلك الرؤيا, لطمأنتي لخلوص الأصلة لطاعتي. أنا كنت مفتونا بصليل القنافذ, قنافذ نارية بأشواك برؤوس مدببة صلبة, تسمع صليلها حين تتبارز أو تشحذها على حجارة القبو... وكان قرد أشهب يصعد الأفاريز تحت أبصار المكيين المضببة ويمسك برأس الأصلة في حجره, ويأخذ في شحذ عينيها القتالتين بالرازيانج الأخضر, فتتفتح في حدقتها ألف عين جوفية, فإذا أرسلت بنظرة منها لبيت من بيوت مكة مات صاحبه لفوره, فكانت الجنائز تخرج من إفريزنا كلما حلا للقرد أن يفلي الأصلة... وحينا كان بصره يكبو فيتسلى بفت خبزه للحمام, وكانت أسراب الناري تجتمع حوله كذيل طاووس, وحين تنضم حمامة من حمام البيت الرمادي وتلقط ذاك الفتات كانت تصعق لفورها لهول حيويته... فترى أسراب الحمام تجيء لتموت بالصعقة, وبشكل فاتن...

نهر الحيوان في كل ثنية, وخلف كل ستار, فإذا ما دبت قدم إنسي على السلالم للقبو هرعت كائناته للاختباء في كفّي, في لمحة بصر تجمع الأصلة جسدها بنهره الهدار وتتكور في كفّي, فلا يستشعر المارة غير حرارة في الموضع لا يعرف مصدرها. عابدة كانت هلعة لحكاية إدماني للحمى!

وكانت الأصلة تتسلى بخلع جلودها, الآن قاتم الآن ضحاك والآن جنائزي, ثم طبقة من كبرياء البنفسج, جمعت تلك الجلود ونسجتها أسورة لمعصمي... وحين رأتها عابدة تدافعت مع صالح لتطبيبها بالمراهم واللبخات, حتى كبت لمعة الأسورة, وتحولت لختم فاحم يدور على معصمي... ولمعاينتي لعظم انزعاجهما حمدت حظي على عدم معرفتهما بما يجري في القبو من نهر الحيوان المحمول في جلد أصلتي...

تعكرت كل تلك الحركة العلوية في الدار فجأة, عندما فاجأتني ( عابدة ) في القبو أخاطب القرد بأصواته وشراسة شياطينه. ومما زاد في فزعها الزي الذي كنت أرتديه, وكانت تلك كسوة حي بن يقظان التي استعارها من جسد نسر نافق: وكان الجلد نصفه على ظهري ونصفه على سرتي وما تحتها, بينما الجناحان على عضدي, والذنب معلق على مؤخرتي. ولا أدري ما الذي أفزعها في مظهري المحصن بالدفء والهيبة بشهادة جميع الحيوانات!

بعدها سورني صالح وعابدة بيرقات قلقهما, وكانت تفقس حولي بلا هوادة: يرطبني بالماء, حتى خاط لي ثوبا من رطوبة الزهر الصباحية, كل ذلك حتى لا تعود أصلية تنبثق من كفي. وأبعد كل ما له طبيعة القدح, حتى عيني كان يضببها كل شروق ببخور لا ينقطع ضبابه حتى الغروب...

اكتملت دهشة تجسدي بحملي! وكنت أعلم أنه حمل يليق بسيرتي اللانهائية, لا سيما وأن صالح عاد لترطيبي بالثياب المائية. وكاد أهل المرحوم يغفرون كل آثامي ويقبلون غرائبي لبشارة بصبي يبعث فقيدهم.

 

يوم ولادتي انقصمت ظهور, ومنها ظهر صالح آخر آبائي, وهو الذي ظل يحملنا طويلا: أطل مولودي على صورة أصلتي النارية... برتقالية زرقاء تعشي الأعين وحين يغلبها خبثها تتلبس في الأسود...

ومذ شققت عنها رحمي طارت وارتطمت بالوجوه فوسمتها جميعا, ثم اتجهت في حركة علوية وتوارت عن الأعين. وأعلن الطبيب, ووسمه يفوح, أن الحمل كان كاذبا وإنذار الولادة كذلك! وأن آثار الكي بين ساقي كانت عدوى مؤسية ويمكن مع الوقت تداركها...

أما أنا فنفذت من تلك المفاتيح السود, مفاتيح الكي, نفذت من ألم عظيم وواصل حتى قلب اللذة, نفقت من ذاك الدهر لوجودي.

 

هأنذا أربّي على شجرة مرحة, تقف في جزيرة موغلة في القدم من أصفى صلصال حي بن يقظان, دائما هي متنقلة وفي كل مكان طرية بين شماريخ الشجرة تلاعب الأصلات الجبارة. حتى إذا جئتها ودخلنا إحدانا في الأخرى, سرت جدتها في قدمي وحفزتني على الدخول في دورات جديدة. بين الواحد وواحده يمتد اللانهائي, بيني وبين أصلتي لا تكف تتبرعم الأرواح الشاردة, حتى ساحت منا أقوام ومجرات وتقلبات, وامتد عمران لملايين الملايين من ثنيات النهر الخفية...

كل هذا بينما أهل مكة يزدادون غربة عن حمام البيت ولغاته الشجية, وأصلتي ماضية في أعناق الحمام تهزمه فيغرس مناقيره في لغات وأرواح, ثم ينثر حوله من حيوانها البري, حيوان ما إن يمس وجها مكيا حتى يقلبه في حركة علوية, فينزلق للنهر أبدا.

 

أضيفت في 10/05/2005/ خاص القصة السورية

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية