الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 20/01/2009

دراسات أدبية - أدب الرسائل / نماذج في أدب الرسائل3

مراسلة الكاتبنماذج في أدب الرسائل3

 

 

لقراءة المشاركات

 

 

المشاركات

أفي الوردة.. الخطيئة؟ مراسلة الكاتب

سيكون هذا الليل لك.. يا أم الأدباء المساكين مراسلة الكاتب

رسالة شكر مراسلة الكاتب

رسالة عبد الباسط الصوفي إلى حبيبته -س مراسلة الكاتب

مراسلة الكاتب رحلة إسماعيل، رواية قصيرة من خلال رسائل

من يوميات نازك الملائكة مراسلة الكاتب

 من رسائل حسيب كيالي مراسلة الكاتب

 حنا مينة يكتب رسالة إلى نصف مجنون مراسلة الكاتب

ثلاث رسائل حب استثنائية مراسلة الكاتب

 رسالة غير منشورة من نزار قباني إلى سميح القاسم مراسلة الكاتب

 مراسلة الكاتب

 مراسلة الكاتب

 

 

رسالة شكر

 

مراسلة الكاتب بقلم الكاتبة: هناء كرم 

                                                                                         

 

السيدة هيفا المحترمة

تحية طيبة وبعد،

أنا مريم ، عمري عشر سنوات، كنت مع أهلي عندكم في المدرسة منذ الأيام الأولى لحرب تموز الاسرائيلية على لبنان، أود أن أرسل لكم رسالة شكر لأنكم استقبلتمونا في مدرستكم حين هربنا من بيوتنا.

أرجو ألا تزعلوا لأننا غادرنا أول يوم توقف فيه القصف فهذا لا يعني أننا لم نكن مرتاحين عندكم بل لقد اشتقنا الى قريتنا وبيتنا.

ماما تقول ربما لن نجد بيتنا فقد هدموا أكثر البيوت، كنت سأبكي حين قالت ذلك لكنها أفهمتني أن هذا غير مهم جداً، ما هو مهم أن المقاومة انتصرت وبيتنا سنبنيه سريعاً ان شاء الله، سنسكن في خيمة أو في أي مكان ريثما نبني بيتنا، فمثلنا كثيرون وسنفعل مثلما يفعلون، المهم أن نكون معاً.

ربما لن تتذكروني لأننا كنا كثر، لكني أريد أن أشكركم على كل محاولاتكم لتأمين الراحة لنا.

حين كنت أنزعج من شيء أو أحس بحاجة الى شيء كنت أستاء وأقول لماما لماذا ليس عندنا هذا، أو لماذا لا يعطونا ذاك؟ كانت تقول لي دائماً :" كلا يا حبيبتي ، يجب أن تشكريهم لأنهم يقومون بكل ما في وسعهم وحين أخبرتها أنهم أحياناً يعطون أشياء لباقي الأولاد ولا يعطوني كانت تؤكد لي أن الآخرين يحتاجونها أكثر مني، فأنا أكبُرُ، وأنا أصدق ماما بكل ما تقول وقد أكدت لي ذلك الأخت كارولين، المعلمة التي كانت تعتني بنا أحياناً وتحب أن نسميها "الأخت كارولين".

قبل أن يذهب بابا أوصاني أن أطيعها وأنا أنتظر عودته لأخبره بأنني حاولت ذلك في معظم الأحيان. وعندما أسألها عنه وعن موعد عودته كانت تقول : قريباً، قريباً.

 

كنت أحس أن ماما تبكي في السر أحياناً لكنها ترفض أن تخبرني بأي شيء.

تقول أن علينا أن نبقى مبتسمين  من أجل أخوتي الصغار ومن أجل الجيران فنحن نعيش في غرفة واحدة واذا حزنا أو زعلنا فذلك سيؤثر على  الجميع.

كانت تحاول دائماً أن تحكي لنا حكايات حلوة حتى نتسلى، والشابات كنَّ يدعونها لمساعدتهم على تسليتنا عندما ينشغلون بتحضير الطعام.

مدام هيفا،

أريد أن أعتذر عن جارتنا وعن كل ما فعلته وقالته، قالت ماما أن أعصابها كانت تعبانة لأنها قلقة على  زوجها وأبنائها وبيتها ونحن جميعاً يجب أن نفهم ذلك ونقدره ولا نزعل منها. فأرجو ألا تكونوا قد زعلتم منها أيضاً وأشكركم لأن ماما قالت أنكم تفهمتم هذا ولم تجيبوها وتجعلوا القضية كبيرة. مع أنني لا أعرف كيف تتحول الأمور الى قضية كبيرة لكني أصدق ماما.

كما أود أن أخبر الأخت مها التي ساعدت ابنة جارتنا في ولادتها أنني ما زلت أعتني بالطفلة الصغيرة مها التي سموها على اسمها، وطوال الطريق كنت أساعد أمها وأحمل لها زجاجة الحليب وأساعدها في كل ما تطلبه مني. وحين توقف الباص آخر مرة سارعت الى حملها بين ذراعي لساعة كاملة لتتمكن والدتها من أن تنزل وتتمشى قليلاً لتريض أقدامها.

فأنا كما عهدتني صبية كبيرة وسأكون كذلك عند وصولنا الى ضيعتنا.

عندما أرى كلبي فهد سأعرّفه عليها وأدربه على العناية بها معي. فربما سننام في الخيمة ويجب أن يحمينا من الضباع.

وأخيراً أود أن أخبرك أنني احتفظت بكل الرسوم التي رسمناها ونحن في مدرستكم وسأريها لمعلمتي وأخبرها عن كل رسم.

لا أعرف متى سنذهب الى المدرسة وان كانت مدرستنا موجودة أو لا، لكن ماما أكدت لي أن المدرسة ستفتح قريباًوأنا كما قلت لك أصدقها.

 

قبل أن أودعكم أحب أن أدعوكم لزيارتنا ، وأريد أن أوكد لكم أنكم يجب ألا تخافوا لأنكم لم تزوروا ضيعتنا من قبل، ماما قالت عندما كنا آتين لزيارتكم وسألتها ألا نخشى من الاقامة في منطقة لم نذهب اليها قبلاً، وأهلها لم نزرهم من قبل؟

قالت : لا، فنحن في بلدنا ويجب ألا نخاف لأننا كلنا أهل وأبناء بلد واحد.

اذن أنتم أيضاً باستطاعتكم زيارتنا بلا خوف فنحن أبناء بلد واحد.

 

أودعكم الآن وأرسل لكم قبلاتي الحارة وأعدكم أنني سأكتب لكم رسائل أخرى عندما نصل الى ضيعتنا .

أشكركم والى اللقاء

مريم

آب 2006 هناء كرم

أضيفت في 13/02/2008/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتبة (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة بأدب الرسائل)

  

 

سيكون هذا الليل لك.. يا أم الأدباء المساكين

مقطع من روايتي أوزار أهل السامرة

 

مراسلة الكاتب بقلم الكاتب: بشيري طيب مروان 

 

وكالعادة.. عندما يجيء الليل.. يبدأ انقباض القلب وتخبثه.. يستلقي على قفاه.. ويبدأ في قتال الروح بلا مكابح.. لكنه قاوم النوبة وتناول كتابا وبدأ يقرأ فيه .. وجده شبيها بنفسه .. قرأه بنهم وعشق ونفس مطمئنة..

"ذاكرة الجسد" تأمل العنوان مليا وتنهد بحرارة.. كأنما أثار فيه الكتاب حنينا لذاكرة الروح ورغبة في استعادة الذكريات الجميلة من كتاب حياته الماضية.. ثم تأمل اسم صاحبة الكتاب ومرر عليه أصابعه في حنان بالغ.. وبدأ يحدثها بصوت مرتفع:

 

-سيكون هذا الليل لك.. يا أم الأدباء المساكين.. الأطفال الجدد على أرض الحروف والكلمات.. سأرفع هذا السواد لكل مل كتبت وما لم تكتبي.. وهل بقي شيء يكتب؟.. نفذ البحر قبل أن تنفذ الكلمات.. يا لحماقتنا ونحن نغوص بأقلامنا اليابسة.. أجيبي يا أم الكلام.. لماذا لم تنصحي صغيرك بعدم الإبحار؟.. وهو الضعيف بلا زاد.. وأنت بما كتبت .. تدفعين به نحو التيار الجارف .. رميت بصندوق أحلامه في اليم .. ولم يكن قلبك فارغا كأم موسى.. أغريتنا بجسد الكلام الفاضح .. وتركتنا بين قتيل وجريح .. لولا أن تصفيني بسوء الأدب لقلت لا سلام معك ولا هم يحزنون.. ولو لم أكن بارا بوالدتي لعزمت القدوم إليك حاملا سبعين عتاب قبيح.. لكن رحمة الله خليقة بجعلي أقرئك سلام المتعب الذي غمطه سوء الحظ.. وهده القعود.. "فسلام".. تحية من قلب رحيم .. منهك.. متصدع.. وبدل القدوم إليك خذيها سبعين رسالة حب وامتنان من بعيد لبعيد..

 

قد تضنيني معتوها .. سفيها أو ضعيفا يعاتب جسدك المدثر بجنون الذاكرة.. أنت لا تعرفيني.. ومن أين لك أن تسمعي بأقلام الأقزام وخربشاتهم.. أما أنا فأعرفك.. الابن الذي لم تلديه يعرفك من رائحتك على بعد ملايين السنين الضوئية.. يعرف بالضبط ماذا تفعلين الآن.. وكيف تجلسين .. ولماذا تبتسمين هذه اللحظة.. يعرف عيونك المريمية وهما ترنوان على جسد المسيح .. الواسعة كالمدن المخبأة بين الجسور.. غير أن علمي بلهيب قلمك يا ابنة الحروف الحارقة من شجعني على إهدائك هذا الليل خالصا لك من دون النساء. فإذا رأيت نور شهاب يضيء سماءك .. فاعلمي أنه ضوء حنيني لكل حواسك.. بفوضاها وسكونها . وتلك منة تمنها يد الله علي أن أسافر نحوك بضوء النجوم وأنوار السماء يا أمي.. اعذريني متى كان النور خافتا .. لأني في ساعة موت من اليأس والغضب وزفير العجز الحيرة ابتسمي للنجوم بنظرتك الحانية حتى أنام ولا أستيقظ.. لا تلومي ابنك على الأحلام السخيفة.. وهل يلام موصول بتيار الكتابة الجارف؟.. ولا يجد العون والنصير؟ .. إنما أشكو إليك بثي .. وسحاب حزني على مدينتنا الذاوية.. مدينة تصفع فيها شرطية المرور شاعرا أمام الغانيات .. يموت فيها الكاتب جوعا وكمدا .. مدينة تحول كتاباتنا إلى أكياس ورقية لبيع الفول السوداني.. ومسح زجاج النوافذ .. أنت اقدر على فهم الأبناء ..  بؤساء يصيحون كالمجانين في ساحة الشهداء " أقلام للبيع.. أقلام للبيع.." .. ولكن من يحفل ببضاعة مزجاة؟؟

أحملك مسؤولية الغواية .. والدفع بنا لشارع اللغة الخطير.. رميت بنا يا أمي فلم يحتضنا احد.. لا الشعب ولا الحكومة .. لا الشجر ولا الحجر.. ولا المزابل حتى..

 

أين صدرك حتى أضع رأسي وأطفأ عنف سنيني؟ .. ضميني .. أنا بغريزة شاعر مهزوم.. أحس برحابة صدرك للحكاية.. اسمعيها من البداية.. "بكبدة ساخنة" وقلب أم حنون.. لتعي أن الطفل الباكي بين يديك.. أي حمل ينوء به .. وأي ألام تعظ عظامه ولحمه..

 

ابنك لا يفلح في عمل شيء سوى معاركة الصفحة البيضاء بقلم قديم.. حاولت تعلم شيئا لكن اليد لا تحسن إلا الكتابة .. ثم الكتابة.. ثم الكتابة.. كمن يمنح ثروته لعابث..وقلت لما لا تأكل الخبز بهذا الكلام.. كالذي "يبيع الريح ويقبض الصحيح".. أنظري لمبلغ اليأس حتى صرنا نرى في الكتابة حرفة.. كالاسكافي أو اللحام .. نأكل من عرق الجبين.. لكن الحرف ينبض من جبين أخرى .. جبين لا تنحني أمام قلة ذات اليد والفقر المدقع..

 

"كن صحفيا".. هكذا بزغت الفكرة من غبش الأفكار.. ولكن لسذاجتي.. كنت اضن أن الأخذ والعطاء مع رؤساء التحرير أمر وارد في مدينة المناخ المضطرب .. والنظام المضطرب.. والشعب المضطرب.. فبدخولي مباني العديد من الجرائد.. تحول تصوري عن أشرس خلق الله أولئك .. إلى أنهم طينة تنتفخ من رهاب سلطوي .. ينزع احدهم إلى التأله والربوبية.. فيوحد الآخرون فيه الأسماء والصفات كلما دخل مكتبه أو خرج.. كأنما استعص على الواحد منهم أن يتعلم بساطة الحياة دون توصيفها بالعلو والدنو.. علوهم علينا كونهم يقبعون في مكتب مكيف..  يتغوطون على الرأي العام بشتى الترهات من مراحيض افتتاحياتهم المغلقة على كل الحقائق .. ودنونا عنهم ونحن نحرث الأرض بحثا عن خبر يقين ثم نتحين الفرصة للحديث معهم دقيقة زمن فنعجز. .

 

لا أنسى ذاك السبت الكئيب.. عندما هممت طرق باب جريدة من الجرائد.. وفي الضن ألا خيبة لمن يدق باب الصحافة.. لعل النزر القليل الذي نملكه من زاد الكتابة يمنحنا فسحة الاشتغال بالعمل الصحفي.. لكن خلف الأكمة  ما خلفها..

كشر البواب في وجهي . وسألني في عنجهية.. -ربما كنت أتطفل على داره من حيث لا ادري-..

- ماذا تريد؟..

أجبته ببساطة:

- اسأل عن فلان بن فلان .. رئيس تحرير الجريدة..

فعاودني بالسؤال وقد ازدادت ملامح وجهه انقباضا:

- ومن أنت ؟

فأجبته أني أريده في موضوع خاص وأكون شاكرا لو يتكرم بإبلاغه أني " فلان" من مدينة " كذا "

- انتظر

نطقها بلهجة آمرة ومضى في رواق طويل ثم استدار على يمينه ليعود إلي سريعا..

- ليس هنا

قال في صلف..

انقلبت عجلا على عقبي لا ألوي على شيء.. سرعان ما اهتديت إلى وجوب العودة مساء..لكن عاد " عمك "  البواب يكشر في وجهي :

- هو لا يعرفك.. فكيف تريدني أن أدخلك عليه..

قلت موضحا:

- اخبر رئيسك أني من بعيد .. فلو يتكرم بالحديث إلي نصف دقيقة.. لن يخسر شيئا..

لكن العبد المأمور عجل في رفض طلبي قائلا:

- الله غالب..

 

"الله غالب على أمره.. أدخلتني إلى فرعونك أم أبقيتني.." قلت ذلك في سري .. وودت أن أضحك في وجهه.. هل أنا اطلب رئيس البلاد أم رئيس جريدة.. لكن لعنت إبليس ومشيت و دارت الأيام دون أن تهدا سوسة الصحافة في عقلي.

 

بذلت جهدا مضنيا في تنقيح ديوان شعر.. ودرت به على دور النشر دارا دار .. يريدون شعرا حداثيا على موضة الغموض والخبل .. رفضوا نشر "معلقاتي" كما قال عنها احدهم.. اسودت الدنيا في وجهي .. حتى رحت لأسبوعية نكرة وأنا أتعذب من التنازلات والحضيض الذي أؤول إليه .. أسبوعية رغم قلة الموارد والخبرة.. وعدني صاحبها بالعمل .. لكن بعد العدد الرابع توقفت عن الإصدار.. رفعوا الراية السوداء .. المسودة المدودة ..  سواد أيامنا العرجاء مع صحافة النحس ودعوات الشر و الشنار يا أمي ..

 

أنا احكي لك مضحكات مبكيات وقعت لي ولغيري بسبب " نظام اللعبة " الذي غاب عنا ذاك الحين.. لا أخفيك سرا أني كتبت بأسماء مستعارة .. وبأسماء صحفيين كان حضهم أنهم يتمتعون بحق النشر .. رفعت هذا ..  وخفضت ذاك .. لكن اللعبة لم تستهوني واعتذرت باكيا لضمير الأدب الناعق في صحراء لغتي..تبت من هذا العهر وصمت دهرا عن الكتابة ..

 

"انك لا تأكل من القلم علكة .. فأبقه على طهره" لكنه فاض على جيب قميص "الشيفون".. بقعة زرقاء كبيرة على الجيب الأيسر .. فوق القلب .. كأنما يناجيه ويواسيه .. يعلم انه يستمد حبره من عضلة القلب.. فتباكيا على طريقتهما الأولى .. القلم يتوق للانطلاق.. والقلب يلجمه لجاما.

 

اتصلت بجريدة أخرى.. ووجدت رئيس تحريرها "ابن البلاد". استقبلني بحرارة.. لكن بمجرد أن سمع بغيتي تبدلت لهجته وأنبأني انه يخاف على مكانه .. اعتذر بلباقة وقال لي رغم ذلك سأبذل جهدي كي تكون معي وذراعي الأيمن وفق الشروط.. لكن قضى الله أمرا كان مفعولا.. لم يأخذ بيميني ولا بشمالي..  بقيت لي جولة أخيرة للتسلية لا غير.. رحت إلى جريدة تصف نفسها بالكبيرة .. جالست رئيس التحرير هذه المرة.. قال " نحن نصدر الصحفيين للجرائد الأخرى.. عندنا فائض.. وإذا كنت يا بن الناس الطيبين قادما بدون وساطات فعد أدراجك .. والله لن تكون ولو كنت همنغواي".. شكرته جزيل الشكر ورجعت لداري. عدت لسابق عهدي.. تحاورني كائنات غريبة.. أكتب .. أكتب لمجرد الكتابة.. انتظر أن تحصل معجزة.. أو ينزل مسيح الصحافة ليخلصنا من أدران الجرائد الجائرة.. ويهدم بعدله جدارها العازل..

 

عندما يتنفس الصبح يا ثورية العينين.. استيقظ قبل نوم.. أنا لا اعرف النوم.. مهبول بالسهر.. استقبل النهار وأنا ممتن لما تكتبين .. ارغب في رؤيتك .. ومعابثة نصوصك ومروياتك الحبلى بأمل العشاق وراحة المتعبين .. أتخيلني طفلا يتوق لسريرك العابر سبيل اللغة المزدحم.. طفل يليق به السواد لأنه ابن الليل.. وحده الليل من يسمح لنا بالتنفس دون رقابة من احد.. تنطلق فيه حواسنا بالفوضى.. وتبكي هذا الجسد. أنا احسد جسدك على ذاكرته المؤلمة وذكرياته الساخنة.. ليس كجسد لا يمتلك ذاكرة .. لا اعلم أي مارد يزاحمني إياه.. أي وحوش سلبتني ذاكرته.. أي كائنات تتكاثف في رأسه وظهره وقلبه ويديه..

 

معذرة -كرز الأمومة- على البلل الذي أحدثته دموعي على صدرك واكتمي أسراري في قرارات الجب كي لا يلتقطها شامت.. ولا تنبئي أحدا بلحظات ضعفي وهوان أمري.. وضياع قصيدتي.. لا ادري لما احبك.. ليس يحدوني الأمل في معرفتك مدى وثاق بنوتي بك.. بقدر ما يستفزني أمل البوح لك بالذي يختلج في ذوات الأقلام التي تولد في صمت.. وتموت في صمت.. وعندما تكتشفها الأجيال القادمة في موسم جني التمور.. -آه يا محني-تخسر عليها دقيقة صمت ..  في بلاد العراجين الصامتة.

أضيفت في 17/02/2008/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة بأدب الرسائل)

  

 

أفي الوردة.. الخطيئة؟!.

 

مراسلة الكاتب بقلم الكاتبة: فاديا سعد

 

 

حبيبتي

بعد كل لقاء معك يطير جسدي كالعصافير في سماء دمشق، فأنت بوحي الذي لا أرغب الشفاء منه، وأنت المرأة التي استطيع التحدث معها في أكثر الأمور خطورة، لأنك على درجة عالية من الذكاء يغني عاشق مثلي عن مشاركة أفكاره مع آخرين غيرك إذ لستِ ممن سيفتكون بأفكاري.

 

مع ذلك يدهشني أنك تحدثت يوم أمس بلغة قريبك ذي النفوذ، الذي عمّم على الفضائيات وتقدم بطلب رسمي لجهات مسؤولة، كي يلغى يوم 14 شباط من قائمة الأعياد.

 

فأنا بحق لم أفهم أن للوردة الحمراء كل تلك التفسيرات.

 

كان تفسيرك في تحويل العيد: إلى مشاريع استثمارية رابحة من قبل التجار تفسير ذكي، وقد اعتبرت الأمر شخصياً: أنك ستساهمين بكنز جيوبهم حين تتّبعين هذا التقليد، وأردفتِ جملتك بنظرة تداهمني كلما شعرت بالتعب، فأنجز أعمالي بقوة لا يعرفها إلا أنا.

 

لكن وردتي المهداة لا تحمل أكثر من تفسير واحد: أني أهيم بك.

 

أخذ قريبك على هذا العيد استيراده من حضارة غير التي نعيش، وبرر طلبه: أن عيد الحب مخصص للنصارى، وأن مظاهره تدفع بالشباب لممارسات غير أخلاقية.

 

نحن أيضاً كمسلمين نعرف الحب في أكثر تجلياته جمالاً وأناقة، حتى رسولنا لم يخجل بمشاعره تجاه أم المؤمنين عائشة، ولو نزل نبينا في منطقة غير الصحراء ألا تعتقدين أنه كان من الذكاء الشديد ليقدم لها وردة؟ أنا أعتقد ذلك..

 

وجد أجدادنا في بيئة عرفنا منها القيظ والجفاف وسباق الجِمال، وأنا أعيش اليوم بالمدينة وفيها: علو الأبنية متلاصق مع الواطئ منها والأسواق الشعبية تجانب نظيرتها من الأغنياء و دور الترفيه تقابل دور العبادة، وسكة الحديد متلاصقة مع الشوارع العريضة المخصصة للسيارات، وقريباُ من الاثنتين مهبط للطائرات، فهل يريد قريبك ذي النفوذ أن أقدم لحبيبتي جملاً لأعبّر عن مشاعري؟ أو أقدم جلباباً صوفياً لأكشف درجة توقي للقياك.

 

في عيد الحب لن أقدم لك ذهباً كي تجمعيه، فهذه إحدى فضائحنا السّرّية، لأن جمع هذا المعدن تعبير ضمني عن عدم الأمان الذي تعيشه المرأة في كنف زوجها، وهو الفضيحة التي علينا أن نخجل منها في مجتمعاتنا، فجمع الذهب يعني أن النساء ستستخدمنه يوم يركلهن رجالهن خارج البيت من غير قانون يحميهن -كما عند النصارى في الغرب أو مؤسسات يلجأن إليها فيما لو شعرت إحداهن بعدم الأمان-  ألم يكن جديراً بذي النفوذ أن يتقدم بطلب لإلغاء الإجحاف في بلادنا عمن أحببن أزواجهن وشاركنه الكدح  سنوات طوال ثم في لحظة لا يبقى لديهن من تفاعل الحياة سوى التفاعل مع المعدن!!

 

آخرون كقريبك ليس لديهم من يتوحدون معه فماذا أفعل لهم؟

 

أنا لديّ أنت، وقد أحببتك قبل أن أسمع عن الذي يدعى فالنتاين، فأي ذنب ارتكبه هذا الرجل وقد جمع قلبين كقلبينا؟ ألانه نصراني كما يقول؟

 

أليس في الأمر سبباً آخر يتعلق بالعنصرية تجاه ما ينتجه الفكر الإنساني؟ ماذا لو كان فالنتاين هذا من ديننا لكنه من مذهب آخر؟ ألن يجد قريبك ذي النفوذ مبرراً جديداً ليمنع العيد.

 

جرّبت مع شخص يشبه قريبك، هذا المقلب:  فالنتاين بوذي؟!

 

وكان جوابه جاهزاً: لدينا ما يكفينا من تجارب الحب لنفخر بها، ولسنا بحاجة لبوذيين يعلموننا كيف نحب، وماذا نهدي نساؤنا!

 

لكن يا امرأتي الاستثنائية.. الوردة كما أراها كائنة جميلة وهبها الله سر رحمته بالبشر وتستحقها أنثى مثلك، وأنا أعرف كيف أقدمها ولمن.

 

إن الوردة نمت في بلاد الشرق كما الغرب وفي السند كما في الهند، لكن قوماً من هذه البلدان يتمتعون بذكاء في التعبير عن مشاعرهم، وعليّ أن أنظر في تجربتهم، وإن كان يرى أن تقديم الوردة لحبيبتي يقضي على حضارتي فهذه مشكلته، ففي داخلي ذكر يثق بنفسه، وبعقله وقلبه، وحبي لك هو رشاقة الحياة نفسها، وهو بيتي الذي أنطلق منه صباحاً لأمارس تفاصيل عملي بشرف لا يعرفه الكثيرون، وحبي لك هو بيتي الدافئ الذي سأعود إليه وأدفن فيه تعبي.

 

حبي لك هو عمقي ووعيي بك كأنثى، كامرأة تجعلني معها ثنائية منسجمة مع ثنائيات الطبيعة في الأرض، ولذلك سأرفض وجهة نظر قريبك ذي النفوذ، وأحتفل بعيد الحب، من غير أن أتوه عن بقعتي التي أقف عليها.

أضيفت في 23/02/2008/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتبة (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة بأدب الرسائل)

  

 

 من يوميات نازك الملائكة

 

مراسلة الكاتب  بقلم الكاتب: إحسان الملائكة

 

يوم ممطر لم تشرق فيه الشمس عند الظهر راحت السماء تمطر بغزارة واستمرار حتى الساعة الخامسة عصراً حيث اشرقت الشمس فلونت الغيوم باحمرار عميق فاتن. ليلاً اشتغلت مع جون كيتس. لحظت ان له ولعاً غريباً بالالفاظ المبتكرة، واحسبه مثلي قد كان في اول حياته الشعرية لفظياً جداً، قرأت بعد ذلك سيرته بقلم "لورد هاوتون" وهي سيرة ملذة، وتهمني فيها رسائل كيتس التي اجد فيها كثيراً من افكاري، كما اجد في حياته صورة ثابتة من حياتي! لكني لا اريد ان اموت مثله. بعد ذلك كتبت رسالة الى الصديقة ديزي الامير.

21/12/1949

 

حاولت، ليلاً، الكتابة في "مأساة الحياة" فأضفت اليها ابياتاً قالت احسان عنها: انها جميلة

من المعهد استعرت كتاباً ملخصاً عن "الف ليلة وليلة"، رغبة مني في العثور على اقصوصة شعرية الموضوع، اكتب حولها مسرحية إن امكن، فراعني ان الكتاب لا يقل قذارة عن النسخة العربية! ان هؤلاء القدماء كانوا لا يفهمون من الحب الا العلاقة الجنسية الغليظة.

22/12/1949

 

هجوم جديد في احدى الصحف على ديوان شظايا ورماد، وانا رغم ثقتي بنفسي ومعرفتي بقيمة شاعريتي انزعج لهذه المهاجمات وقد عزمت منذ اليوم على ألا أقرأ ما يكتب عني في بغداد، فها انا منذ شهرين اتلقى سيلاً من الشتائم في الصحف العراقية، حتى لم اعد احتمل أأنا حجر؟! انا شاعرة بمواهبي الشعرية رغم كل شيء... لا لا!! سوف أتم رسالتي فانا ما زلت في اول الطريق لقد دفعت حياتي ثمناً للشعر، فلأكمل اغنيتي قبل ان اغادر الوجود الم اهجر لهو الحياة ومتع الشباب كلها قانعة بزاوية من زوايا الفكر تكفي لأن ارسل منها نشيدي، لا!! ها انا ذي مملوءة شعراً.

ويا صديقتي نازك! دعيني اهمس في سمعك.. الا تعلمين ان طريق المجد محفوف بالاشواك؟ أيمكن ان يمر شظايا ورماد دون ان يحدث دوياً؟! هيا خففي من توترك وانظري الى المستقبل، واحذري الاصغاء الى هذر "الفضلاء" فهم يلعنون كل فضيلة كما يقول نيتشه.

23/12/1949

 

أمس شاهدت في السينما شريط (قاعة كارنيغي) وسمعنا خلال الفيلم مقاطع من السمفونية الخامسة لبيتهوفن والسينما الخامسة لتشايكوفسكي، وكثيراً من الحان شويان وشومان، وسان سانس، وشومرت ورحمانينون وسواهم، وقد بكيت وانا اصغي الى موسيقى سان سانس. ما اروع الموسيقى! لقد بعثت هذه الالحان في دمي الحياة.

عصراً أمطرت السماء الا انني ذهبت الى المعهد الثقافي، ودخلت المكتبة مبللةً، وبعد استراحة قصيرة سرت الى البيانو ورحت انقر بأصابعي افتتاحية السمفونية السادسة الحزينة لتشايكوفسكي، وقد احسست لها وقعاً غريباً وقطرات المطر تضرب الزجاج خارج البناية، فجأة دخل مدرسنا الاستاذ ستيورات واقترب منا، وسلّم علينا.

بعد الدرس الاول نزلنا الى المكتبة، انا واحسان ورأينا الاستاذ ستيورات واقفاً يشرب الشاي، فذهبت احسان اليه، تسأله عن كلمة اغريقية، فسألها اين عثرت على هذه الكلمة؟ وكنتُ واقفة على مبعدة، فتقدمت اليها وقلت (في التوراة) فاعتذر وقال انه لا يعرف الاغريقية جيداً.

 

 

بعد ذلك سألني: اتكتبين النثر ايضاً؟ فقلتُ له: انني استعد لمستقبل في النثر، واعتقد انه يحتاج الى ثقافة عميقة اكثر من الشعر، ومضيتُ انقل اليه مهاجمات النقاد في بغداد لديواني شظايا ورماد فابتسم وقال: لكن هذه المهاجمات العلنية تعني الشهرة لكٍ.

ثم اردف "وبما يتهمونك؟" طبعاً كنا هو وانا نتحدث بالانجليزية وانا اترجم الحوار هنا الى العربية.

اجبت: مثلاً يزعمون انني اقلد ت.س. اليوت مع انني لم اقرأ اليوت الا بعد طبع شظايا ورماد، وبعد اتهامهم لي بتقليده!!

قال: يجب الا تشعري بالمرارة من النقد الجارح، جون كيتس لم ينل الشهرة الا بعد هجمات النقاد على شعره في المجلات الانجليزية. ان القدح افضل للمبدع من المدح بالتأكيد الم يُتهم شيللي وكيتس دبايرون بالتقليد، وبأن كلاً منهم يقلد الآخر وما الى ذلك؟ مع اننا الان نميز تماماً بين شخصياتهم واساليبهم ولا نشعر بوجود تشابه او تطابق بين اشعارهم، فلكل من اولئك المبدعين اسلوبه الخاص المتميز. ولما اخبرته ان اكثر كتاب تلك المقالات عني، ليسوا من النقاد الذين يُعتد بآرائهم، قال: "قد يكونون مغرضين او حاسدين او انهم لا يصدقون ان تكون بينهم شاعرة مبدعة مثلك، تذكري هذا دائماً.

الواقع ان كلام الاستاذ ستيورات بثّ الشجاعة في نفسي، خصوصاً قوله "ان المهاجمات تعني أن شعري يُقرأ باهتمام، ويثير في نفس القراء صدىً عميقاً.

بعد ذلك تشعب الحديث، ومضى الاستاذ يبدي اراءه بالشعراء قال ان لغة "روبرت بروك" ضعيفة وفي شعره عيوب، ولما سألته عن ادجار الن بو، قال ان شعره ضحل على الرغم من جمال اسلوبه.

ومن الذين يُعجب بشعرهم: الشاعر الاميركي "والت ويتمان"، وان كان احياناً يبالغ في عرض عواطفه، ومن الشعراء المعاصرين الذين يعجب بهم: الشاعر الانجليزي "ييتس" yeats اما ت. س. اليوت فيراه بارداً جامد العاطفة وعقلياً، ويكره نقولات ابليوت الذكية من النصوص الاغريقية والالمانية وغيرهما لا سيما في مطولته: "الارض الخراب" واتفق معي على الاعجاب بالفيلسوف نيشتة، لا سيما بكتابه "هكذا تكلم زرادشت".

تحدث الاستاذ ستيورات ايضاً عن نفسه قال انه نشر ديوان شعر في العشرين من عمره، لكنه ندم فيما بعد على ذلك، وانه يكتب الان رواية سيطبعها في اميركا لاحقاً.

27/12/1949

 

في مجلة الرسالة قرأت قصيدة عنوانها "قلب يتعذب" لفدوى طوقان، وقد كتبت عليها "هدية الى صديقتي الشاعرة الرقيقة نازك الملائكة" لفدوى طوقان قصائد جميلة في كثير من الاحيان وفي حياتها وحدة وانسجام ظاهران ومن اجلها احيي شاعريتها وأحبها.

31/12/1949

 

آخر ايام عام 1949 وها هو ينطوي ويودعنا الا يستاهل مني قصيدة؟ يا لي من جامدة.

عصراً حضرت لرؤيتي عائلة فلسطينية لا أعرف اسماء افرادها ومعها فتاة اسمها "سميرة عزام" قالوا عنها انها اديبة، وما كاد رب العائلة يجلس بعد مصافحتي حتى قال لي "ينبغي للانسان ان لا يحد تفكيره بناحية واحدة، فهذا يضرّهُ كشاعر" سألته مندهشة "تعنيني؟ اية ناحية تقصد؟" وجاء جوابه: "التشاؤم" قلت له: "انا لست متشائمة"

ما اضخم هذه الاسطورة التي "يعرفها" عني كل انسان في العراق وخارجه انا مشهورة الان ولا يقوى انسان على تغيير فكرة الجمهور عني يا لهم مضحكين! لو علموا اية فتاة متمردة تختفي وراء تشاؤمي المزعوم.

الحلقة الثانية

الاحد 1/1/1950

 

اول ايام السنة الجديدة. ولا اشعر برغبة في تسجيل حياتي هنا مع انني متفائلة وأُحسُ أن السنة تحمل لي سعادة من نوع ما.. كل ما صنعته اليوم انني اشتريت كتباً من المكتبة العصرية سجلتُ أسماءها في المفكرة، ولا اظنني سأجد وقتاً حتى لألقاء نظرة عليها حالياً. المهم عندي هو شراء الكتب.. أليست هذه رغبة عمياء؟!

ليلاً.. كتبتُ قصيدة وجهتها الى عام 1950 منها:

يا عام لا تقرب مساكننا فنحن هنا طيوفْ

من عالم الاشباح ينكرنا البشرْ

ويفر منا الليل والماضي ويجهلنا القدرْ

ونعيشُ أشباحاً تطوفْ

نحن الذين نسيرُ لا ذكرى لنا

لا حلم لا أشواق تصرخ لا منى

نحن العراةُ من الشعور ذوو الشفاه الباهتة

الهاربون من الزمان الى العدم

الجاهلون أسى الندوم

1/2/1950

 

استيقظت في العاشرة صباحاً، وفي رأسي صداع، وتذكرت بمرارة انني كتبت امس قصيدة جديدة، فقرأتها وشعرت انها جميلة الى حد ما، فيما بعد انقبض صدري وعاودتني الافكار القلقة حول شاعريتي من يعلم أي صراع يدور في نفسي؟ وهؤلاء الذين يكتبون عني عشرات المقالات، ماذا يقولون لو عرفوا؟ من يدريهم بالسبب الذي جعل "شظايا" يصبح "رماداً" كيف يعلمون الآلام التي عانيتها خلال كتابة هذا الديوان؟

3/1/1950

 

ابرز حوادث اليوم محاضرة القيتها في الصف الرابع "أ" عن سبب كآبة الشعراء العراقيين المعاصرين، وقد رددتُها الى الخيبة في نتائج الحرب العالمية الثانية، واختلال النظم السياسية في العراق، وشبهتها بحالة الشباب الاوروبي في اوائل القرن التاسع عشر.

كانت التلميذات في حالة استمتاع كبير، واقتناع بما اقول..

في الليل اتصلت تلفونياً بأميرة نور الدين، بعد ان كلمتني هي عصراً طالبةً قصائد لي او لوالدتي مما نشر في هذا الشهر.

وأنبأتني انها كتبت عن "شظايا ورماد" مقالاً ألقته في محطة "اذاعة الشرق الادنى" في الشهر الماضي، وقالت فيه ما معناه ان الديوان قوبل مقابلتين في بغداد، واتفق الكل على انني فيه شاعرة مجددة، الا ان البعض رأى في هذا التجديد جمالاً مطلقاً، ورفعني الى مرتبة عالية من الشاعرية، والبعض الاخر رأى انني قد خرجت عن المقاييس كلياً، حتى لم يعد يربطني بالشعر العربي رابط!

ولما سألتها عن رأيها هي في "شظايا ورماد" قالت: (اعجبتني قصائد معينة هي التي لم تخرجي فيها على حدود اوزاننا، الا انني لم استسغ الاخرى، فانا ولا اكتمل كلاسيكية في كل شيء واحرص على التقديم) ويظهر من كلامها انها لا ترى في "شظايا ورماد" تجديداً غير تجديد الاوزان والقوافي!! مع ان هذا التجديد الاخير كان اهون ما أحدثت في الديوان في رأيي وان كانت هذه النقطة قد ضاعت في غمار مهاجمة تجديد الاوزان، فلم يهاجمني من اجلها احد!!

5/1/1950

 

ما اسعدني اليوم!! أكاد أطير.. واود لو كانت ايامي كلها لا اقل سعادة من هذا.

غادرت المدرسة مبكرة وهذا من صفات يوم الخميس الذي احبه.

وفي البيت اندغمت ساعتين في قراءة كتاب (هولدرلن لستيفان زفايك ما اروع هذا الكتاب وما اروع مؤلفه! كلاهما يفتنني ويلهمني، ويسرني أنني احيا معهما الان.

كان "هولدرلن" يؤمن بالحماسة، ويراها اروع الحالات النفسية التي يمر بها البشر، حتى انه يقول "تموت الالهة حين يموت الالهام" والالهام عنده حالة عليا من حالات الحماسة اما الشقاء فهو فقدان الحماسة اذ ذاك يعود الحالم المحلق الى رتابة الواقع البشري، ويصبح عرضة للالم والشيخوخة والمرض.

ويتحدث زفايكك عن خيبة "هولدرلن" في "كوته" و"شيلر" اللذين كانا اذ ذاك في شيخوختهما، وقد فقدا المقدرة على الحماسة في هذا الباب لمست تجاربي الخاصة احياناً يبدو لي التشابه بيني وبين الشعراء والادباء، الذي عاشوا منذ عشرات السنين، في بلاد بعيدة تختلف عن بلادي كثيراً الى درجة لا تصدق فنحن كلنا نشعر شعوراً واحداً، ونمر بالظروف نفسها، ونعاني تجارب الشباب والسذاجة وذاتها، ثم نتعلم ببطء ما تعلمه السابقون ونموت.

في الساعة الثالثة شعرت بالشعر يتدافع في روحي فأحضرت قصيدتي المطلولة "مأساة الحياة" ورحت اكملها وقد استقر عزمي اخيراً على انني يجب ان امضي في كتابة نسخة جديدة منها لا علاقة لها بالقديمة الا بالخطوط العريضة اما الشعر والصور والافكار فكلها جديدة.

وفي سكون الغرفة ودفئها وانعزالها عادت اليَّ شاعريتي الهاربة وملأتني يقيناً بانني ما زلت نازك الملائكة التي كتبت "عاشقة الليل" و"شظايا ورماد" واحدثت بهما ذلك الدوي، فكتبت ما يزيد على ثلاثين بيتاً بعثت الجمر في رمادي أيقنت ان شاعريتي قد اتسعت وتعمقت خلال الفترة الماضية، ووثقت من ان سبب ركودي فراغ حياتي من العواطف التي اعتدت ان استمد منها موضوعات قصائدي القصيرة، وهذا هو الدليل الاكيد.. ها انا انطلق حال وجود موضوع اتحدث فيه القصيدة تتحدث الان عن الحرب وشرورها، وانسخ الان بضعة مقاطع مما كتبت اليوم:

والشفاه العذراء اطبقها الموت على لحن حبها المبتور

والجباه لتي ذوت قبل ان يلمسها اصبع الهوى المسحور

والخدود التي تعير مغبت الشمس الوانها وتسقي الشروقا

غار فيها جرحُ التراب عميقاً وذوت قبل ان تذوق رحيقا

انا اعجبُ للشاعرية ما هي؟ وكيف استطيع ان اتبدع الجمال حين اكتب شعراً، بينما يعز علي ربعه وانا أنثر؟ لماذا؟ لماذا؟ لكن لماذا أسأل؟ هذا "ستيفان زفايكك" ينصح الا يقرأ الشاعر كتب الفلسفة قراءة عميقة، فما يلوح للشاعر شعراً صافياً قد يتحول تحت ضغط اصابع الفلسفة الباردة الى واقع ملموس له اسبابه ونتائجه وهذا اخطر اعداء الشاعرية المتفجرة.

في الليل كنت في حالة نشوة، وقد عاودني الشعور بانني شاعرة مبدعة، خاصة بعد ان قالت احسان "تعيش بيننا في هذا البيت مخلوقة عبقرية ونحن لا نشعر.." هذه مبالغة طبعاً، الا ان شيئاً في نفسي يجعلني اصدق جزءً منها بعد تجريده من التورم!

بعد ذلك قرأت الفصول المتعلقة بهولدرلن وزفايكك في كتاب "العبقرية والموت" لعبد الرحمن بدوي.

6/1/1950

 

صباحاً ذهبت مع احسان الى السينما وشاهدنا شريط "منزل الغرباء" تمثيل "سوزان هيوارد"، و"ادوارد.ج روبنسون" ثم ذهبنا الى السوق واشتريت بنطلوناً جاهزاً ازرق اللون، وشعرت بسعادة اعرفها كلما حققت نزوة من نزواتي، وانا اعلم انها نزوة تافهة احياناً الا انني اراها هي الشعر في حياتي، ولذلك احترمها.

7/1/1950

 

بعد الظهر واصلت الكتابة في مأساة الحياة، ولا اظنني ساسميها بهذا الاسم، فهذا اسم ملحمة كتبتها سنة 1945 ولا معنى لتكراره.. والارجح ان خطة القصيدة نفسها ستحيد عن الاصل.

وخلال الكتابة لاحظت الحالة الانفعالية التي تعتريني في مثل هذه الحالات الشعرية، وقلما انتبهت اليها من قبل.. القلب اذ ذاك يضطرب ويضرب بقوة غريبة، وكأنه يؤدي طاقة مضاعفة، واليد ترتعش بعصبية، والشفتان تتحركان في رجفة لا ارادية، والعينان تغيمان فلا تريان ما امامهما، وانما تبصران شيئاً وراءهما، ان استمرار هذه الحالة يقتل صاحبها ولذلك اتهرب دائماً منها واجد المهرب غالباً في التخيلات المريحة.

انني اتطور واحس اندفاع ديوان جديد في حياتي بعد الفترة التي كتبت خلالها "شظايا ورماد" والاحظ حساً لفظياً جديداً يدخل الى حياتي ويلهمني تعابير سحرية غريبة من امثال "صوت السكون" و"لغز الجمال" و"تراث الذهول" و"السنين الصفر" الخ الا ان الاهم من التعابير ذلك الامتزاج الغريب بين الحواس في ذهني حتى اكاد ابلغ مرحلة الرمزية العميقة وهذا نموذج: من اغان مرت باعمدة الابهاء غرقى بالدفء والاحلام ناعمات تغوص في رجعها الاهات سكرى الخطوط والانغام ان احساسي بان الاغاني دافئة حالمة ناعمة ذات خطوط ملساء صافية غريب على شعري، وانا ارقب موكبه مبهورة مفتونة كيف يحدث هذا داخل النفس؟ ما الشاعر؟ ما الشاعرية؟ ما القوة التي تبدع هذا التغير؟ انني امجد هذا الجزء الشاعر في نفسي، لانه من عالم اسمى مني واطهر، واشعر بسعادة مجنونة لا تعادلها سعادة، سعادة اليقظة بعد نوم سنة كاملة لم اكتب خلالها قصيدة واحدة مندفعة. الان قد بدات حياتي الشعرية، الان احني رأسي لمقولة "نيشة" العظيم "ايها الانسان.. تفوق على ذاتك"

تلقيت اليوم رسالة رقيقة من روز غريب تقول فيها انها معجبة بشخصيتي الى جانب اعجابها بشاعريتي، وان مقالها عن "شظايا ورماد" كان قاصراً، لانها كانت تعلم ان سينشر في مجلة سطحية كصوت المرأة، وان ديواني يستحق دراسة اعمق ثم قالت ان انتاجها الادبي لا يرضيها لانها لا تستطيع ان تتفرغ للادب كلياً.

9/1/1950

 

صباحاً كتبت مقالاً بالانجليزية عنوانه "قصائد كيتس القصيرة والطويلة" وبينت رأيي فيها واشتغلت به ساعتين كاملتين، وبذلك اضعت فرصة اتمام "مأساة الحياة" عصراً ذهبت الى المعهد الثقافي كيتس قد جمدت شاعريته في اواخر عام 1819 وهذا يعزيني ويشجعني على فهم خمودي خلال السنة الفائتة التي احمد السماء على انها انتهت.

11/1/1950

 

كيف تنسج الحياة احداثها؟ انني كلما حدقت في سجل امامي عجبت من اندماج الاحداث السعيدة والمؤلمة معاً في نوع من الانسجام وانما نميل الى عزل العناصر السعيدة عن العناصر الباكية، واعتبارها منفصلة بفترات زمانية كبيرة ولذلك يحدث حين اراجع مذكراتي ان الاحظ ان الحادث الشقي الفلاني قد حدث خلال اسبوع واحد مع الحادث السعيد الفلاني، فاستغرب ان تحتمل الحياة تناقضاً كهذا ولا اصدقه، واكاد اشك في صحة السجل لولا انني انا التي كتبته.

عصراً في طريقي الى المعهد الثقافي بسيارة الامانة شغلت نفسي باستظهار قصيدة كيتس "الى الاناء الاغريقي"

في المعهد اعاد الينا المستر ستيورات اوراق الامتحان اليومي السابق. وقد كانت درجتي على السؤال الاول 9/10 وعلى السؤال الثالث 10/10 ممتاز، وهذا السؤال يتعملق بسبب خوف كيتس من التفكير، لانه يؤدي الى الكآبة، وقد قرأ الاستاذ اجابتي على طلبة الصف.

في البيت ليلاً.. ترجمت قصيدتي "يُحكى ان حفارين" الى الانجليزية.

12/1/1950

 

بعد الظهر ذهبنا الى السينما لمشاهدة شريط "ذهب مع الريح" وخرجت منه مبهورة، الفلم عمل بديع وفيه فصول انسانية رائعة كناظر الاف الجرحى، وجثث القتلى والحرائق المخيفة، والجوع، والتشرد..

18/1/1950

 

في دار الاذاعة اللاسلكية القيت مختارات من القسم الاول من ملحمة "مأساة الحياة" وهو يقع في مائة بيت (هذه هي الصورة الجديدة من الملحمة وقد كتبتها سنة 1948) وقد نال القائي للقصيدة اعجاب اهلي الشديد وعلقت احسان قائلة "لقد كتب تلقين القصيدة بصوت راكز عميق يوحي الى السامع بثقتك المطلقة بنفسك وبشعرك" وعند دخولي البيت تلقاني اهلي بتصفيق حاد!

25/1/1950

 

اكاد انتهي من اعداد اسئلة امتحان نصف السنة لتلميذاتي في دار المعلمات الابتدائية "هند محمد علي" تلميذتي الذكية قد نسخت لي كل مقال كُتب عن "عاشقة الليل" و"شظايا ورماد" طيلة حياتي الادبية، نسخاً منظماً حسب التواريخ يا لها من فتاة كريمة.

في مكتبة المعهد الثقافي البريطاني جلست مع الشاعرة "فطينة النائب" والرسامة البريطانية "مس بياتريس يلين" وعدد من الفتيات ورحنا نستمع الى تسجيل لقصائد "شكيسبير" و"جون كيتس" بصوت ممثلة انجليزية عجوز، وكان القاؤها متكلفاً ثم استعضنا عنها بصوت "مس بلين" الجميل، والقائها العذب، وتلاها المستر ديزموند ستيورات، فالقى قصيدة لشيكسبير والتفتت "مس بلين" فقالت للمستر ستيورات: (تجلس الى يميني الان شاعرتان.. افليس مؤسفاً الا نسمع شعرهما؟) وقد قرأت ستة مقاطع من مرثية "توماس كري" ثم قرأتُ قصيدتي "ثورة على الشمس".

26/1/1950

 

اكتب هذا تحت اشعة الشمس البديعة التي ارتفع حبي لها الى نشوة سحرية هذا العام ان اشعتها تدغدغ روحي واحس كان وسادة ناعمة تلفني، والدفء يتغلغل في احلامي ويغلف عروقي وكم انا سعيدة اليوم بالشمس وبالشعر ان روحي ممتلئة بالشعر والجمال والانغام.

احد اسباب سعادتي اليوم انني اكتشفت شاعراً استطيع ان اشرب قصائده لقد وجدت "محمد الهمشري" اول مرة واعجبت كيف كنتُ عمياء عنه، وهو اعظم عبقرية شعرية عربية في القرن العشرين؟ ومنذ اسبوع كتبتُ الى الشاعرة فدوى طوقان، اسألها لماذا مات هذا العبقري، واي فجر كان ينتظر الشعر العربي على يديه؟! في الصف الاول من دار المعلمات الابتدائية قرأت مختارات من قصائده: "التاريخة الذابلة" و"تأملات في حياة شاعر" و"اليمامة" و"شاطيء الاعراف" ما اشد حساسية هذا الشاعر الذي لم يغز الادب العربي بمثله! وكنتُ وانا اقرأ قصائده، ارتشف كل بيت متأثرة بروعتها، مما جعلني أجيدُ الالقاء الى حد اثر في التلميذات تأثيراً كبيراً حتى دمعت اعينهن حباً له، وقلن لي انه اروع شعر سمعته طيلة حياتهن، وقالت احداهن "ان القاءك يملأ شعر الهمشري معاني سحرية واظنك لو قرأت اتفه الشعر لجعلته يبدو إلهيا!"

يبدو لي الهمشري شبيهاً بشاعري المحبوب جون كيتس اود لو كنت حرة بحث اكتب قصيدة الآن، فانا في حالة غير اعتيادية، إلا ان زيارة صديقتنا فوزية" تقص جناحي، هذه المسكينة التي فقدت اختها فجاة منذ شهر قد لقيت مني الاهمال، مما يجعلني افضل الذهاب الى رؤيتها حالاً. وقد ذهبنا اليها عصراً وبقينا معها ساعتين. وهي ما زالت في شبه ذهول. وقد حاولنا ان نصرف ذهنها عن التفكير في وفاة اختها بالحديث عن تفاصيل الحياة اليومية، وعن اساتذة الكليات، وعن طه حسين الخ

في البيت اتممتُ المقال الذي كتبته عن قصيدة "اهواء" لبدر السياب. ثم قرأتُ قليلاً ونمت.

28/1/1950

 

تبلغ احياناً السعادة بي قمتها العليا فاحس الحياة منسجمة رائعة، واعجب لنفسي كيف اعمى عن هذا النبع من السعادة في سائر الايام؟ وقد كان اليوم من هذه الايام فطفحت الساعات بعسل مسكر، وكدت اذوب رقة وترفاً واطمئناناً!

غادرت المدرسة بعد الدرس الاول برخصة خاصة، وكان البرد قارصا، والسواقي متجمدة وما كدتُ ابلغ البيت حتى حملت كتبي وصعدت الى السطح على نية القراءة، الا انني حملتُ معي، احتياطاً النسخة الخطية من "مأساة الحياة" وديوان كيتس، وكتاباً عن حياة كيتس ودفتر مذكراتي هذا واستلقيت على السرير في الشمس التي أدفاتني رغم برودة الرياح اللاسعة، وسرعان ما دب الدفء المترف في جسمي، وعدت احسٌّ الاشعة توسدني وتلامس جبيني) وانبعثت في ذهني قصيدة سميتها "اغنية شتائية" اهديتها الى الشمس، ولم اكتب هذه القصيدة مرة واحدة، وانما عشتها طيلة خمس ساعات كاملة لم اغادر فيها مكاني الا عندما جعتُ جوعاً شديداً فارسلت اليِّ والدتي غداء مكوناً من الحساء والكباب والبيض والبطاطة المقلية.. وفي الثالثة بعد الظهر ارسلت اليَّ والدتي الصبي الخادم "شكر الله" تطلب اليَّ النزول لان الموقد قد برد.

هبطت السلم قفزاً، شاعرة بأنني قد كتبتُ قصيدة من اروع شعري، وان يقظة جديدة قد اذن فجرها في حياتي الادبية. ولذلك سمحتُ لنفسي بان اضيع النهار بعد ذلك في لا شيء فلم ازد على الكلام والضحك، وكنت طيلة النهار في شبه طفولة!

وحضرت احسان مساء، فما كادت تراني حتى قالت: (مالك اليوم؟ لقد تغير فيك شيء) فردت عليها

أمي: (لقد احرقت وجهها في الشمس طيلة النهار) ولما قرأت احسان القصيدة احبتها جداً وقالت: (هذه قصيدة مبتكرة في شعرك لقد تطورت فجأة تطوراً صاعقاً، انك لاول مرة في حياتك قد تحررت من (الكآبة) وكتبت قصيدة مرحة تحب الجمال حباً ايجابياً ان القصيدة كلها اغنية لجمال الشمس، وفيها حياة من نوع غريب على ادبنا العربي) ثم طلبت مني ان انشر القصيدة.

لقد ادركت احسان مفتاح القصيدة بهذه العبارات القليلة ادراكاً كلياً على ان القصيدة لم تتم بعد، وتنقصها الان المقاطع الاخيرة، ولذلك سأرجئ الكلام حولها.

1/2/1950

 

لم يكن هذا يوماً ناجحاً واشعر انني قد اضعتُ وقتي اشتغلت قليلاً في قصيدة "هايبريون" لجون كيتس، وكتبتُ مقالاً تحليلياً لقصيدتي "الخيط المشدود في شجرة السرد" باللغة الانجليزية لالقائه في جمعية الادب بكلية الاداب، واظنني سأختصره، وسأختصره، وساختار للقراءة قصائدي: "ذكريات" و"الافعوان" و"صراع".

في الليل اضفتُ صفحتين الى سيرة حياتي آه.. انني احتاج الى غرفة خاصة هادئة ومريحة وفكرة مرور الزمن تضايقني.

2/2/1950

 

انا سعيدة واود ان اعيش طويلاً على الاقل ريثما اكتب ديوان شعر جديد مرتعش بحب الحياة وعشق الجمال وبفرحة كبيرة بالوجود والذي يبعث في دمي الحياة امران مندغمان، يصعب عليَّ التفريق بينهما، احدهما شعور الغبطة الذي يملأ نفسي، والاخر استيقاظ حماستي وشاعريتي، ولا ادري من الذي يُسبب الاخر، الغبطة تثير حماستي وشاعريتي؟ ام الشاعرية تثير الغبطة وتهزها من مهدها المسحور؟

في الليل رأيت وجه القمر يطل عليَّ من النافذة، فتركتُ كتبي حالاً واطفأت الضوء، ورحت اراقبه وهو يعبر نافذتي ببطء شديد، كانت غصون شجرة الكنار العارية تتخلل ضوءه وتبدد ساحرة الجمال وبدا القمر شبيهاً بثمرة كبيرة براقة معلقة في الشجرة تذكرت "شجرة القمر" والقصيدة التي قراتها حولها في "ضهور الشوبر" في الصيف المنصرم وافتتنتُ بها.

ما اروع القمر! ان نفسي ممتلئة بشعر غير متجسد وينبغي لي ان ابحث عن صورة لفظية لهذه القصائد الصامتة في اعماقي.

ان روحي تلتهب بحرارتها كما تلتهب ارض بركانية تكفنها الثلوج عصر اليوم حمل أبي اليَّ جريدة وقال "اقرئي هذا المقال لعل فيه ما يهمك" واشار الى مقال فيها بعنوان "شعر وشعراء" للكاتب محمود العبطة، والجريدة هي "الانقاذ"عدد السبت الماضي.

الكاتب حمل حملة شديدة على من يسمون انفسهم شعراء اليوم، وفي نهاية المقال ورد ما يلي: (ولا احاول ان اصف كل الشعراء العراقيين بالتقليد والجمود حاشا لله، ففي العراق من الشعراء من نفاخر بهم الاقطار العربية مثل الرصافي والزهاوي والجواهري ونازك الملائكة والسياب وبلند الحيدري، لكن هذه الحفنة الممتازة لم تنبغ ولم تتدفق الا بعد ان حطمت القيود وابعدت الشكليات فاجرت دماء جديدة في الشعر العراقي، وابقت اشلاء المقلدين من المدرسة القديمة تنتظر ساعتها الاخيرة)

وفي مكان اخر من الجريدة ورد الخبر التالي: (في نية الشاعرة الاستاذة نازك الملائكة اصدار مجموعة شعرية جديدة، ولا شك ان ديوانها الثالث سيحدث نفس الحركة التي احدثها ديواناها الاولان: عاشقة الليل، وشظايا ورماد)

والواقع انني لا املك الان أي ديوان جديد) فالديوان ليس مجموعة قصائد فحسب، وانما هو في اعتقادي، وحدة كاملة تضم قصائد فترة معينة من حياة الشاعر، وتوحدها فلسفة شعرية واحدة واتجاه عاطفي واحد. وقد كان ايسر في نجاح "عاشقة الليل" انه ديوان موحد منسجم تسيطر عليه قصة حب واحدة وروح رومانسية واحدة قوامها حب الليل والكآبة وحرارة العواطف وسذاجة الحس واما "شظايا ورماد" فهو صورة لفترة فلسفية من حياتي، بدأتُ فيها بالتفكير لاول مرة. فاحسست افكاري، وفكرتُ احاسيسي، وكانت تسيطر عليه ايضاً قصة حب واحدة غير الاولى، وهي تختلف عنها كل الاختلاف، واما الديوان غير الاولى، وهي تختلف عنها كل الاختلاف واما الديوان الثالث فمن يدري كيف سيكون؟! من المؤكد انه لم يكون كئيباً ولا حزيناً، وانما سيكون لاول مرة في حياتي ديواناً هادئاً ووديعاً، تتجلى فيه غبطة الروح الفرحة بالحياة، الباحثة عن الجمال، فهذا هو اتجاهي الآن.

أضيفت في 23/02/2008/ خاص القصة السورية / المصدر: المدى الثقافي (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة بأدب الرسائل)

  

 

رحلة إسماعيل

رواية قصيرة من خلال رسائل

 

مراسلة الكاتب بقلم الكاتب: نزار ب. الزين

 

صديقي وأخي إسماعيل

هذه أول مرة أقول فيها "كل عام و أنت بخير" لشاهدك و ليس لك ، أقولها و الدمع يتجمع للإنطلاق ، قاومته في بداية الأمر و لكنه كان يتمرد على إرادتي ، أما الآن و قد مضت أشهر على رحيلك فإنني أفلح غالبا في ضبطه و لكن على حساب قلبي الذي يعتصره الألم و يكاد يخنقه .

إنني أسرّي عن نفسي هذه الأيام بتصفح رسائلك ، تصور ، لقد أحصيتها فوجدتها تناهز المائة رسالة ؛ كل واحدة منها كانت وصلة جديدة تشد روحي إلى روحك ، أما إذا ضمت جميعا إلى بعضها بعضا فسوف تشكل موسوعة في العواطف البشرية بشتى ألوانها و مختلف درجاتها ، المظلم منها و المشرق ، الجامح منها و المعتدل ، المفرط منها بتشاؤمها أو المبالغ منها بتفاؤلها ، الساخر منها أو الناقم ، المحبط منها أو المتحدي .

عواطف دائمة التوتر ، دائما مشدودة ، أي خطل كان يستفزك و أي جنوح يستنفلر أعصابك .

مشكلنك أنك كنت تقرأ ما بين السطور و تبحث تحت الظلال ، فتكشف و تكتشف ما يعجز غيرك عن إكتشافه أو كشفه .

لطالما قلت لي أن حياتك أقصوصة تصلح لكتاب ، و لكنك كتبت الكتاب دون أن تدري يا إسماعيل . 

30/12/1966

 

صديقي وأخي. أبو وضاح....

بعد أقل من أربعين ساعة ، سوف يغتسل الزمن من قاذورات عام ليغطس في قاذورات عام جديد ، ذلك أنه إبتلي بكائن قذر إسمه الإنسان، الذي قال عنه أحد الفلاسفة " الإنسان حيوان ناطق " و قال آخر : " بل هو حيوان ضاحك " ، أما أنا فأصفه بإنه " حيوان خائف "     ومن صفات الخائف أنه يلوث نفسه من شدة الخوف .

ولكي أكون دقيقا في تعبيري فلا أغضب سكان الهند أو الهند الصينية ،أهالي جزر الكاريبي أوالمجاهل الأفريقيه ، سأدخل بعض التعديل لتصبح العبارة : " الإنسان العربي حيوان خائف " .

فالعربي المقود مذعور من بطش العربي القائد ، و العربي القائد متوجس خيفة من أن يتمرد عليه العربي المقود ، و العربي الجار يخشى  العربي الجار ، بحيث لم يبق من العروبة غير إطارها اللغوي .

الخوف- مثلا - هو الذي دفع الناس إلى النزوح من فلسطين .

أذكر جيدا والدي عند دخوله البيت ذات يوم مذعورا : (( مالنا قعاد ها هنا )) ، الحامية العربية غادرت في الليل الفائت ، و سرية جيش الإتقاذ مرتبكة بسبب غياب قائدها ، و تعزيزات صهيونية تقترب منا ؛ يجب الإبتعاد حالا ريثما تنجلي الأمور !

وحتى اليوم يا صاحبي لم تنجل الأمور ، فمازلنا حيوانات مذعورة ، و المذعور يسهل إبقاؤه تحت السيطرة حتى يحين موعد إفتراسه .

لقد طردوني من أمارة ( بتروليييت ) لأنهم خافوا مني ؛ أنا- المسكين – إسماعيل بن إبراهيم ، الذي لا يملك غير جسده النحيل ، و راتبه الضئيل ، خافوا مني  و بالأحرى خافوا من لساني الطويل !

كل ذنبي أنني ( حيوان عربي غير مذعور ) فاعتبروني نغما ناشزا و بناء على قانون ( من خاف سلم ) و البند العاشر من نظام الطوارئ الذي ينص على أن ( الشباك الذي يأتيك منه ريح ، سده و استريح ) و البند الخامس من القرار العرفي المسمى (قانون الوقاية خير من العلاج ) و الذي ينص في بنده الأول : ( لا تناموا بين القبور و لا تشوفوا المنامات الموحشة ) بناء على الحيثيات السابقة كلها أو بعضها ؛ جروني من بيتي إلى الطائر الميمون.

لهم الحق ، فقد تكلمت كثيرا عن كارثة الإنفصال ، و أطلقت لساني عن حرب اليمن و مهازلها ، و مع أنني لست صحافيا يخشون قلمه أو حزبيا يخشون تعاونه مع جهات أجنبية ، و أنني لست سوى إنسان عادي يتحسس مشكلات قومه ، فقط إنسان غير مذعور ؛ فاعتبروني منحرفا و من ثم طردوني .

1/7/1967

 

أخي وعزيزي أبو الوضاح

قال فريد الأطرش مواسيا : "الوغى كر وفر" ولما قلّبت قاموسنا المعاصر إكتشفت أن أن العبارة الصحيحة هي : "الوغى فر و فر و فر و فر"

ولكنهم إعتادوا – أقصد المطربين والساسة – أن يدخلوا بعض التعديلات على بعض التعبيرات ، فالمطربون إعتادوا بأصواتهم الحنونة على تحويل الإستجداء والإستعطاف والاستذلال إلى عاطفة أسموها الحب !! أما الآخرون – أقصد الساسة – فقد برعوا بتمويه الهزائم بمصطلحات مثل:

(خسرنا جولة و لم نخسر حربا)

(إنها نكسة و ليست هزيمة)

(الوغى كر و فر)

ثمت مجذوب مشهور في دمشق، وفي الحقيقة هو من عقلاء المجانين، إعتاد صعود الحافلات متسولا ولكن بأسلوب مبتكر؛ كان يحمل كوبا من الماء ثبّت على حافته عصفورا صغيرا من الإسفنج ، كان ينظر إليه كأنما يخاطبه ثم يزجل قائلا:

يا عصفوري يا عصفور

يا أحلى طير بين الطيور

يا عصفوري ليش بتتحرش

بفضايح فريد الأطرش

وفاتن حمامه بتتنغرش

لأنها طير من الطيور

ويا عصفوري يا عصفور

----

يا عصفوري فين الدين

وفين عهد صلاح الدين

حتى يرجع فلسطين

ويرمي اليهود في البحور

ويا عصفوري يا عصفور

( الوغى كر و فر) في رأيي المتواضع فضيحة جديدة من فضائح فريد الأطرش ، أما صلاح الدين فقد بعث فعلا و لكن أفراد بطانته خذلوه !

14/10/1970

 

كلي أسف لعدم قدومك إلى دمشق في الصيف الفائت ، و لقد أصبحت أعاني من حالة مزمنة من الأسف بسبب إستمرارك بعدم القدوم ، معاناتي من حالة مزمنة أخرى تجاه ما يجري عندنا و حولنا ، إنه تمزيق لعرب ناصر بعد أن مزقوا ناصر ، و هكذا ينقلب هتاف أحمد سعيد - كبقية الإنقلابات – ليصبح : " إخفض رأسك يا أخي " لأن   ( من يرفع راسه  لفوق تنقصف رقبته )

هل سمعت بما قاله رئيس أركان الصهاينة في أعقاب المأساة الجديدة : " إن عدد القتلى العرب في هذه الحرب العربية العربية يفوق عددهم في حروبهم العربية الإسرائيلية كافة "     ألا يا لشماتتهم و يا لخيبتنا !

دعنا من السياسة و خزيها و لنلتفت إلى شؤوننا الخاصة ، فبلقيس إبنتي لا زالت تذكركم فردا فردا ، أما أنيس ، فبدأ ينساكم لأن فكره مشغول بجدول الضرب خوفا من الضرب – أقصد ضرب المعلمين - مع العلم أن الكل في بلادنا ينضرب بسوط الخوف و التخويف ، الأب يخوّف ابنه ، المعلم يخوف تلميذه ، المفتش يخوف المعلم و المدير ، مدير الإدارة يخوف موظفيه ، رجل الدين يخوف المتعبدين ؛ ،و هكذ1ا يا صاحبي حياتنا كلها خوف بخوف !

لا أدري  كيف تتشتت أفكاري أ و يستطرد قلمي، فقد كنت أتحدث عن أولادي ، حدثتك عن بلقيس وأنيس ؛ أما لميس فهي مثل زعمائنا تحكي قصصا كثيرة معظمها غير مفهوم ، أما أدونيس – آخر العنقود – فهو في هذه المرحلة من العمر أشبه ببغاء ؛ ترى أي من أعمار أولادي يماثل عمر شعبنا ؟

وعلى ذكر الببغاوات قال فقهاؤنا : " السفور السفور علة هزائمنا " فرددت الببغاوات " الحجاب الحجاب سوف ينصرنا " ، المحجبات أثقلن تحجبهن و نصف المحجبات أكملن تحجبهن ، و السافرات أصبحن تحت الضغوط حائرات ، و هكذا - يا صاحبي – عادت صراعات الثلاثينيات ، مؤامرة جديدة هدفها إلهاء الناس عن قضيتهم الكبرى و هزائمهم الأكبر .

18/12/1971

 

أخي الحبيب أبو وضاح

أما عن العمل- يا صاحبي - فينمو وتنمو معه المسؤوليات وتتعاظم الواجبات وتتراكم فوق رأسي الشائب ؛ هكذا الحياة يا عزيزي، فهي فترة تفكير و تدبير ، ثم تفكير و تدبير، تفكير و تدبير يمتد من لحظة اشتعال الوعي إلى لحظة الإنطفاء، البعض يفكر بعقله و البعض بقلبه وبالبعض بقدميه أو يديه .

خذ مثلا مشكلة البيت، فقد إشتريته هيكلا ( على العظم ) و بدأنا فورا بإكسائه باللحم حيث إبتدأت – منذئذ - متاعبنا مع المهنيين من نجارين وبلاطين ودهانين، وعود تجر وعود ومماطلات تتبعها مماطلات، أشبه بوعود الأمم المتحدة ومماطلات جامعة الدول العربية (16-17)؛ يرمي أحدهم بعض المعدات ثم يغيب وإن عثرت عليه وطالبته بتنفيذ وعده أرغى وأزبد وقد يستخدم قدميه أو يديه – كما حصل لي مع أحدهم – أما إذا لجأت إلى القضاء فهناك إهدار الوقت و المال بلا طائل ، فأتفه الدعاوى الضائية  تستغرق عقدا من الزمن على الأقل.

فرانكفورت التي هدمتها الحرب العالمية الثانية بالكامل ، بعثوها خلال خمس سنوات ، و شقتي المتواضعة مضى على وضع حجر أساسها خمس سنوات و ربما إحتاجت لخمس أخر ليتم إنجازها . يومهم بشهر من أيامنا، وشهرهم بسنة من سنيّنا،  وسنتهم بعشر؛ أما المسافة الحضارية بيننا و بينهم فقد باتت – وا أسفاه - تقدر بالقرون !

15/5/1973

 

أخي أبو وضاح

كلنا إليها، حزنا جدا أنا و أفراد أسرتي لوفاة والدتك، والكلمات تعجز عن مواساتك ولا نملك سوى أن نتمنى لها الرحمة ولكم الصبر والسلوان، اليوم هي وغدا أحدنا، قطار يلفظ البعض ويستقبل البعض في رحلة مجهولة البداية والنهاية !

18/12/1973

 

أخي وصديقي أبو وضاح

حربنا هذه المرة كانت مشرفة وإيجابياتها تفوق سلبياتها ، عنصر المباغتة ، الدفاع الجوي الرائع ضد الهجمات الجوية، الدفاع المدني، التجهيز المدني من حيث توفير الماء والغذاء و الوقود. ولولا ضعف جارتنا في الغرب لما تمكنت طائراتهم من إلحاق الأذى بمصانعنا و بنيتنا التحتية في الشمال .

شَعر – محسوبك – لم تبق منه شعرة واحدة سوداء ، أما قلبي فإنني أشعر بضعفه و خاصة إذا اضطرتني الظروف إلى صعود السلالم عند توقف المصعد و ما أكثر ما يتوقف ، لقد بدأت أشعر بوطأة السن، مع أنني ا في مطلع الأربعينيات من عمري، فهل يعزى ذلك إلى إرهاق العمل أم إلى وطأة الأحداث ؟

أعجب ما قرأته هو ما قاله العم كسينجر : "يجب إخراج مصر من المعركة و إبعادها عن مشكلة الشرق الأوسط". العجيب في الأمر هذه الصراحة المطلقة غير المعتادة ، ترى هل بلغت به القدرة على صنع الأحداث هذا الحد ؟ ترى هل هو جاد ؟ ترى هل يجد من يطيعه ؟

صوت المدفعية لا زلنا نسمعه ، فالجبهة اقتربت وأصبحنا على مرمى مدفعيتهم ، و لكننا هنا جميعا غير مكترثين حتى لو إقتحموا دمشق ، كل الناس يدركون الآن أنهم في مواجهة أمريكا و من ورائها حلف الأطلسي و ليس إسرائيل و حسب .

نسيت – في زحمة الأحداث – أن أتمنى لك و لأسرتك عاما جديدا سعيدا و عمرا مديدا ، أما أنا فمنذ عودتي من جنيف عدت إلى إحتراقي البطيء بنار  المصطلحات الجديدة:

- الثغرة

– الكيلو 101

– فك الإشتباك –

- حرب التحريك

– جميع الأوراق بيد العم سام

– الأرض مقابل السلام

التي إنضمت إلى شقيقاتها :

- النكسة

– العدوان الثلاثي

– رودس

– الهدنة رقم 1

– الهدنة رقم 2

مصطلحات نجترها ثم نهضمها ، في انتظار ظهور مصطلحات جديدة !!!! .

16/1/1974

 

أخي وعزيزي أبو وضاح

أما عن إبني أنيس ، فما زلت في حيرة من أمره و أمر معاملته ، فهو متقلب الأطوار ، تارة أراه ضاحكا بشوشا ودودا و تارة أخرى عصبيا إنطوائيا سريع الإستثارة سهل الإدماع ، فهل لك بإرشادي إلى وسيلة تحد من مزاجيته المتعبة هذه ؟

البيت الجديد امتص كل شيء حتى راحتنا و أعصابنا ، تماما كالحرب الأخيرة التي استنزفت دباباتنا و مصانعنا و شبابنا و معظم بنيتنا التحتية ؛ فمنه العوض و عليه   العوض !

ربما اسافر إلى الولايات المتحدة في الصيف القادم حيث يعيش هناك أحد أخوال أولادي، وذلك للسياحة والإستجمام وكذلك العمل إن أمكن، فلا بد لحجري من أن يصيب عدة عصافير في الوقت ذاته، وسترافقني أم أنيس و أنيس وبلقيس، أما لميس وأدونيس فسيبقيان برعاية جدتهما؛ وسأبذل جهدي للبحث عن جامعة تناسب إبنك وضاح .

19/5/1975

 

أخي وعزيزي أبو وضاح

رسالاتك الأخيرة كانت مختزلة، فإما أنك كنت مشغولا جدا أو أنك (( قرفان)) جدا من آخر التطورات والمهازل.

ألف شكر لإهتمامك بشقيقي، وهنيئا له فقد أصبح له أخ سادس، إنه يكتب لنا عن نجاحات كثيرة غير أنه لم يذكر شيئا عن القرض أو عن شريكه الجديد و عما إذا وثّق عقده معه أم لا، أرجو أن تستمر بمراقبته عن كثب، حتى إذا تعثر أنجدناه في الوقت المناسب، فتعثره متوقع لأنه – يا حبة عيني – آخر العنقود .

أما أعمالي هنا فتتحرك بسرعة نحو الأفضل، فلم لا تفكر بالعودة فتضع يدك بيد أخيك أبو أنيس ؟

أولادي كالعادة من الأوائل، وقد استطاع أنيس أن يتخلص من معظم عيوبه المزاجية، فلم يبق منها سوى ثمانين أو سبعين، وفعلا أفادتني نصائحك، فقد تقربت إليه وخصصت له بعض وقتي، أستمع إلى الغث من من كلامه وبفرح شديد إلى الثمين، وأناقشه حول تساؤلاته الكثيرة، وبدأت أدربه على الحوار بدل الشجار، والإبتعاد عن مصادر الإستفزار بدلا من التحدي، وعلى ضبط النفس بدل الصياح والبكاء.

حتى معلميه الذين كانوا دائبي الشكوى والتذمر من سلوكه، أخذوا يلاحظون إنحسار سلبياته، وإحدى المعلمات أوكلت إليه بعض المهام تشجيعا لمواهبه الفنية ، فأوكلت إليه مسؤولية صحيفة الجدار، وقيادة فريق الطلائع (الكشافة)، وقد ذهب في مهام صحافية إلى بيوت ذوي الشهداء، وهو يطلب مني حاليا تعلم قيادة السيارة و لكنني في هذا متردد فما هو رأيك ؟ و على العموم يمكنني القول بكل ثقة أن إنقلابا مس صميم شخصيته، وآخر تعليق لمدير المدرسة على صحيفة أعماله الفترية كان " إنه يحب القيادة وناجح فيها، ولديه ميل للتضحية وإنكار الذات، إضافة إلى الذكاء والجدية .

أما بلقيس ، فكما عهدتها (عايشة على مهلها)، متأنية جدا، خجولة جدا، ولكنها جادة مجتهدة جدا جدا.

أما لميس فهي شيطانة في ثياب طفلة ، بينما بدأت مواهب أدونيس بالظهور  وهي متعددة موسيقية غنائية تمثيلية، وهو مرتبط جدا بمعلمته ومتعلق بها.

لم تذكر لي شيئا عن حياة إبنك الجامعية، هل لا زال يراها مملة ؟

16/6/1975

 

صديقي وأخي

أرجو أن تستمر في محاولتك إنقاذ أخي إسحق من ورطته وألا تحسب أبدا للمادة أي حساب، إنه يبرر فشله بسوء حالته الصحية فلِمَ لا تكون تلك حجة لإقناعه بأن يترك كل شيء ويعود حالا، إشتر له تذكرة باتجاه واحد إلى دمشق، قبل أن يزداد غرقا.

20/2/1976

 

عزيزي أبو وضاح

مللت السياسة والخوض في مستنقعها ، أنعشني نصر تشرين لفترة وجيزة و ما لبثت الأحداث أن أعادتني إلى اليأس ، هذا الذي يجري في لبنان ألا يدعو إلى الدهشة والإرتياب والأسى ؟ هل بلغ بنا الحمق أن نندمج في دور عرائس المسرح ؟ اللعبة الإقليمية مستمرة وكذلك إبنة عمها الطائفية وابنة أختها الشعوبية وابنة عمتها العشائرية ، ألم اقل لك ذات يوم أن مناخ الثلاثينيات قد عاد ؟!

على العموم دعنا من السياسة فقد بدأت أحاجيها تستعصي على فهمي، كما يستعصي على فهمي هذا النزاع المستمر بين بين أنيس وبلقيس، وبين بلقيس ولميس. بلقيس كما عهدتها ذكية و دائما من الأوائل في مدرستها ولكنها عنيدة و تميل إلى الدكتاتورية بصفتها الأكبر بين إخوتها، بينما تجد أنيس مفرطا في حساسيته ولا يتقبل على الإطلاق محاولاتها السيطرة عليه، وهكذا تنشب المنازعات ، أرجو أن تسعفني برأيك.

أهنئك بسلامة الوصول وتجاوزك جميع تلك الصعوبات التي اعترضت رحلتك، أما عن غدر الصديق فهو صعب فعلا و يدعو إلى المرارة، ربما أهضم أن يربح منك ماديا، أما أن يغشك ويعرض حياتك وحياة أطفالك للخطر فهذا غير مقبول على الإطلاق ، صداقة خمسة عشر عاما أضاعها بفورة جشع ونزوة طمع.

ولكن كيف تسنى له استبدال المقطورة التي اشتريتها من نسيبه على أنها مستعملة مرة واحدة بمقطورته المتهالكة ؟ أين كنت عندما تم التبديل ؟. ولِمَ  لم تستلم ما اشتريته في الحال، ولكن لن ألومك فالمفروض أنك كنت تتعامل مع صديق.

الطقس معتدل والشمس تسطع صافية فوق الفيحاء فتضفي عليها جمالا فوق جمال، لولا الصخب الذي نعانيه من ضجيج السيارات و زحمة الناس وفوضى المرور وصراخ جهاز التسجيل عند جاري ليل نهار مروجا لبضائعه الفنية، لدرجة أفقدتني أعصابي وحواسي وخاصة منها حاسة التذوق الموسيقي، حتى أني بدأت أكره أم كلثوم وعبد الوهاب وفيروز وحتى صباح فخري لأجله.

26/11/1977

 

أعددت عدة السفر إلى مصر لبعض الأعمال، واشتريت التذاكر وحجزت الأماكن، ثم علمت أن مصر السادات تعيد الفلسطينيين من مطارها لأسباب غير واضحة، وكما تعلم فقد أفلح (الدكتور كيسنجر) بإخراج مصر من ساحة الصراع و (فانس عليه السلام) يتمم حاليا خطته ،.فهم يخططون وينفذون أما نحن فمتخبطون ومستنفذون .

حضر خال الأولاد من الولايات المتحدة الأمريكية، وكان لحضوره صدى في غاية البهجة بعد غياب سبعة عشر عاما، وقد أغراني بوجود فرص عمل جيدة هناك وجعلني أفكر جديا بالأمر، بل بدأت فعلا بالتفكير بالهجرة.

10/1/1978

 

تهاني القلبية بالعام الجديد وبالمناسبة فإن الأعوام الجديدة لم تعد تثيرني كما في السابق فكل عام جديد على أمتنا العربية أسوأ من أخيه المغادر ، فلعل التغيير الجذري الذي عزمت عليه يقلب هذه الصورة المملة.

فلسفتك حول مضار الهجرة منطقية ولكنك تغالي بها، فأنا شخصيا أجد نفسي قادرا على العمل لخمسين سنة أخرى، فأنا لا أدخن ولا أشرب الكحوليات ، و لدي استعداد للتأقلم مع أية بيئة، فأنا اسماعيل وإسمي مقرون بالمتاعب والترحيل. اسماعيل الذي ارتحل على أكتاف أمه هاجر فرارا من إضطهاد ساره زوجة أبيه، اسماعيل الذي تخلى عنه أبوه إبراهيم ، يكرر نفسه في شخصي الضعيف؛ ولكنني أحاول أن أصنع قدري بيدي هذه المرة.

كانت رحلتي الأولى غصبا عني على ظهر ( حمارة عرجاء ) فرارا من بغي سارة القرن العشرين، وبعد أن عجز أبو يعرب عن حمايتي و حماية أهلي. وكانت رحلتي الثانية إلى بلاد بترولييت التي لم يعجبها كلامي الكثير وعقلي المستنير، فطردتني مخابراتها كما طردتني ساره من قبل.؛ أما الآن فإنني أخطط للإرتحال الثالث بمحض إرادتي.

28/3/1978

 

منذ أسبوعين وبينما كنت على أهبة الإستعداد لمغادرة المنزل إلى العمل ، إذا بألم يمتد من الصدر إلى الرقبة فالكتف، ألم يداهمني فيشل حركتي، فنقلتني أم أنيس في الحال إلى المستشفى حيث مكثت أربعة أيام في غرفة العناية المركزة .

إنها الجلطة يا صاحبي !

عمري بالضبط خمس وعشرون يوما وشهران وسبعة وأربعون عاما، أفليس مبكرا أن أصاب بأزمة قلبية ؟

3/8/1978

 

أخي أبو وضاح

ساءني جدا عدم حضورك إلى دمشق هذا الصيف، فقد كنت أخطط لقضاء فترة ترويحية برفقتك لا سيما بعد سفر بلقيس وأنيس إلى الولايات المتحدة لزيارة خالهما .

حالتي الصحية لا بأس بها و كما تقول جدتي : (( عمر الشقي بقي)).

أنا معك يا أخي أن عليّ تخفيف الأعباء و التقيد بعلاج و نصائح الطبيب، ولكن هدفي بتأمين مستقبل أولادي ينسيني نفسي أحيانا، وكما قلت لك سابقا فإنني لن أرضَ باقل من مليون ليرة سورية لكل ولد من أولادي كي يبدأ به حياة ناجحة، وهذا الهدف يأضعه فوق كل إعتبار.

وأما عن عصبيتي وتوتري الدائم فهو أمر من الصعب التخلص منه لأنه جزء من شخصيتي، فأنا لا أطيق الإعوجاج وكل ما هو حولي للأسف أعوج.

إنني ضجر ومتبرم من كل ما هو حولي، وكل غلطة يرتكبها قادتنا تستفزني وكل سلوك تخلفي يتورط به  مواطنيَّّ يثير أعصابي، وأملي في رحلة طويلة للإستجمام والعلاج .

13/9/1978

 

أخي وصديقي أبو الوضاح

أكتب إليك من فندق هلتن في شيكاغو، بعد استراحة قصيرة من سفرة طويلة شملت  الوسط  الغربي  للولايات المتحدة.

الجالية العربية في هذه المنطقة كبيرة والكثير منهم من الخريجين الذين يرفضون العودة إلى البلاد.

لقد أصبحت بلادنا منفرة يا صاحبي، فعندما يتذوق أحدهم طعم الحرية والحضارة يرفض العودة إلى غياهب التخلف ومجاهل الإستبداد .

صادفت هنا في أمريكا إبن صديقك النصّاب، ويبدو أنه نصب عليك وعلى غيرك ليعلِّم أولاده في بلاد العم سام.

الناس هنا في أمريكا لا يهتمون بالسياسة أو الساسة، ولا يعرفون شيئا عن بلادنا و مآسيها، لا يعرفون سوى أننا بدائيون نتنقل فوق الجمال، وأننا ملكنا ثروة لا نعرف كيف نديرها، وأننا دمويون و هواة حروب. ويشبهوننا بالهنود الحمر.

من ضمن المشاريع التي أبحثها هنا، تأسيس شركة مع بعض العرب الأمريكيين، تمارس أعمال بيع وشراء وتعمير العقارات، إضافة إلى الإستيراد والتصدير. أما طموحاتي السياسية فهي إنشاء لوبي عربي، يقف في وجه اللوبي الصهيوني، ترى هل أنجح.؟

كل شيء هنا – في أمريكا – مبني على أعمدة ثلاثة: العلم والجهد والأرقام، أنت تعمل إذا أنت موجود، أنت تملك المال إذا أنت موجود، أنت متعلم إذا أنت موجود، أنت متعلم وتعمل و تملك رأس المال إذا أنت نصف الوجود.

قابلت هنا عربا محافظين و متزمتين ، وعربا باعوا كل شيء حتى المبادئ والأخلاق، قابلت السعداء منهم في حياتهم الزوجية و قابلت التعساء والمطلقين، قابلت القادر على رعاية أبنائه و كذلك الذي تخلى عن مسؤولياته تجاههم، قابلت أبناء ظلوا على ولائهم لأهلهم وأبناء تمادوا في عقوقهم، شاهدت الناجحين منهم والساقطين.

فالهجرة – يا عزيزي – تحتاج إلى بنيان أخلاقي وعلمي وتخطيط مدروس وإلا ضاع كل شيء، ترى هل أقوى وأولادي على مواجهة ظروف الهجرة ؟ هذا ما يحيرني .

شكرا لتعزيتنا بوفاة والد زوجتي وتهاني الحارة بسلامة ابنك وضاح ، السيارة – يا أخي – تعوض ولكن الإنسان لا تعوضه أموال قارون، ولقد تعرضت لحادث مماثل حيث دفعني أحد مجانين قيادة السيارات من الخلف فحطم نصف سيارتي الخلفي وقد نجا ولديّ بلقيس وأنيس من الحادث بأعجوبة.

أسباب يأسي تتفاقم وتتعاظم، ففي السياسة تخبط وتعقيدات، وجريمة حلب المروعة لا زلنا نعاني من مضاعفاتها؛ وفي حياتنا اليومية يتعمق الفساد الإداري وتنتشر الرشاوى علنا وتتفاقم الفوضى المرورية وازدحام الشوارع والضجيج الذي يصم الآذان ، كل شيء من حولي منفر منفر حتى الأعماق.

أما بخصوص الهجرة فقد قدمت كافة الأوراق اللازمة و نحن بانتظار الحصول على البطاقة الخضراء .

وهكذا تراني ماض في مخططي لهجرة جديدة إلا أنها - كما قلت لك سابقا -ستكون بمحض إرادتي هذه المرة، إسماعيل لن يرحل على ذراع أمه هاجر هروبا من طغيان زوجة أبيه و غفلة أبيه أبو يعرب، ولن يهاجر إلى أمارة بترولييت طلبا للرزق ثم يطرد منها طرد الكلاب، اسماعيل سيهاجر هذه المرة على حصان فولاذي من صنع يديه.

الوطن يا عزيزي ليس خبزا وماء بل هو كرامة وشعور بالآدمية.

أنا معك بأن الفساد والإنحطاط الأخلاقي سببهما توالي الحروب ووطأة الضغوط الإقتصادية، فالحروب تدمر العمران وتستنفذ  الموارد وتحطم القيم.

نجحت بلقيس في الثانوية العامة أما أنيس فسيحصل عليها في العام القادم ولميس أصبحت في المرحلة الإعدادية أما أدونيس فقد أنهى المرحلة الإبتدائية وودع زمن المرايل.

تم للأسف بتر ساق محمد شقيق زوجتي ولك أن تتصور مدى معاناتنا ومعاناته

 20/6/1979

 

أخي أبو وضاح

(داب التلج وبان المرج) وأخيرا كشف أنور الصاجات ( 16-17) قناعه مظهرا وجهه الحقيقي فبدا قبيحا، لقد  باع القضية، وبال على بني يعرب وبني يََجرب كذلك، متناسيا شلالات الدم التي سفكت طوال أربعين عاما ، فضاعت مع خطوته ( التاريخية !!! )  أحلام الوحدة والحرية  إلى الأبد.

أما مشروع  صهيون  بإيجاد دويلات عربية ضعيفة -  يمكن السيطرة عليها - حول إسرائيل، فقد بدأ يتحقق بفضله وبفضل من دفعه من بني بترول إلى هذه الخيانة.

20/10/1980

 

فتحت صندوق البريد

ليس فيه غير مغلف وحيد

إنه من مغلفاته

حمّله بطرفاته وغمزاته

وبأعمق الأفكار

وأحدث الأخبار

وبلوذ عياته

****

فضضته متمهلا

ولوجهه الصبوح

وخفة الروح

متمثلا

لمحت الرسالة، أخرجتها

ومن ثم بسطتها

فصفعتني حروفها السوداء

كما تصفع الأفنانَ بوادر الشتاء

****

لقد حملت في طياتها خبر إسماعيل

إنه الرحيل ... الرحيل... الرحيل

فقط تغير المسار

نحو مجاهل الأقدار

فتراقص الكلام المحزون

وراء دمعي الهتون

فلا العزيمة صمدت

ولا الإرادة بقيت

ولا من يريدون.

أضيفت في 25/02/2008/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة بأدب الرسائل)

 

 

رسالة عبد الباسط الصوفي إلى حبيبته -س-

 

مراسلة الكاتب بقلم الكاتب الكبير: عبد الباسط الصوفي 

 

ومنها:‏

 

«عزيزتي - س- حينما تنطلق العاصفة من الأفق البعيد أو يسرع الراعي بقطيعه الى كهفه المظلم , تسرع نفسي كذلك الى كهفها السحيق وتنزوي في ركن بعيد تناجي أشباحها الثائرة .‏

 

حينما تنطلق العاصفة تختفي تحت أجنحتها ذكرياتي خائفة مذعورة , حاملة قصة حياتي الى الأجيال .. لقد حملت ذاتي أفتش لها عن وجود عميق وانطلقت باحثة عن الأبدية , هناك لم أجد في مخيلة الزمن إلا صورتك تنطبع على صفحات روحي فتملؤه كما تملأ الألحان أرواح الهائمين .‏

 

منذ سنوات أربع بينما كنت أسير هارباً من نفسي , والوحشة المخفية تعصف بكياني الضعيف إذ برزت فتاة صغيرة نحيلة , تمشي بهدوء وفي وجهها الرقيق كل معاني الألم والشقاء .. نظرت إلي نظرة عابرة بريئة ثم تابعت طريقها .‏

 

لم أدر لماذا انحدرت دمعتان حارتان على وجهي الشاحب الصغير واضطربت نفسي لعل ذلك من تأثير الصدمة التي تلقيتها في ذلك اليوم , أو لعله منظر تلك الفتاة الغريبة .. أو لعله شيء مجهول لم أدر معناه أم لعله جميع هذه الأشياء ... لا تصمت أيها الطائر سوف أفتح دوماً نافذتي .. لأسمع أناشيدك السحرية لا تطبقي أيتها الأزهار أجفانك بفتور , سوف أصلي وسوف تسيل صلاتي حلماً رائعاً بين أهدابك ينبض طيوفاً بيضاء , وها أنذا أسير اليك أيها الغدير .»...

أضيفت في 28/02/2008/ خاص القصة السورية / المصدر: صفحة الكاتب (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة بأدب الرسائل)

  

 

حنا مينة يكتب رسالة إلى نصف مجنون

 

 

مراسلة الكاتب بقلم الكاتب: حنا مينه  

 

 

حين كنت، يا حنا، في العشرين من عمرك، كنت حلاقاً غير ملتزم، في دكان على باب ثكنة في مدينة اللاذقية، بابها من اخشاب عتيقة، لا تمنع ريحاً ولا تحجب ضوءاً. نعم! هذا ما كنته يا حنا، يوم كانت الحرب العالمية الثانية تتضرّى، وكنت تتساءل، كما غوركي: «يا نفس ماذا ستكونين، وماذا يخبئ لك الغد!؟».

 

لم يكن لديك سوى الشهادة الابتدائية، المنسية الآن في قاع البحر الأحمر، وقد حصلت عليها من المدرسة الرشدية في مدينة اسكندرونة، قبل الهجرة من اللواء، السليب نهائياً، وقد اضعت طفولتك في الشقاء، وشبابك في السياسة، سعياً وراء العدالة الاجتماعية، هذه التي تتحسر الآن عليها، لأنها لم تتحقق، لكنك غير يائس من تحقيقها، لأنها حلم البشرية أزلاً ابداً.

 

كنت، أيها المأفون، ترغب في تغيير العالم، ودون ان تعرف ما هي الكتابة، كتبت خربشات اسميتها مسرحية، انت بطلها، وفيها تغير العالم في ستة ايام، وفي اليوم السابع تستريح، وقد ضاعت هذه المسرحية، وأنت غير آسف عليها، لأنك لا تأسف على ما فات، وتتطلع ابداً الى ما هو آت!

 

الفقر نوعان: أبيض كالذي تعيشه الآن، وأسود كالذي عشته منذ وعيت الوجود، حين كنت عرياناً الا من خروق تستر لحمك، وكنت حافياً، جائعاً، تبحث عن اللقمة، وفي سبيلها عملت اجيراً عند مؤجر دراجات، وأجيراً في صيدلية، وأجيراً مربياً للأطفال، وأجيراً عند حلاق، تعلمت لديه مبادئ المهنة، وحمالاً في المرفأ، وبحاراً، او اجير بحار، على مركب شراعي، لمدة قصيرة، رأيت فيها الموت يحدق فيك، بعيون باردة، خلال العواصف، وما اشدها في الشتاء!

 

انني أكرهك يا حنا مينة، وبسبب من هذا الكره، ارفض، الا مرغماً، ان ارى وجهك في المرآة او التلفاز، لكنك، في أرذل العمر، صرت مشهوراً، والشهرة جهنم، فماذا تفعل، وانت عنيد، وعنُدك عندُ بغل!؟ حسناً! ترفض الدعوات، لا تجيب على الرسائل، لا تتكلم على الأدب، لا تحضر الندوات الأدبية، لا طاقة لك على سماع المحاضرات، والخطابات السياسية خصوصاً، لا ترتاح الى كلمة عطاء، تضحك من الذين يقولون علينا ان نعطي، يقشعر بدنك كله من كلمة رواية، تعاقب نفسك لأنك اول من تنبأ، عام 1982، بأن الرواية ستكون ديوان العرب، وعنك اخذها الآخرون ثم جحدوك، وهذا لا يهم طبعاً، لأن درب الرواية واسع، وفيه يسير جميع الكتبة تقريباً، ومن هذا الكم سيكون النوع، وعندئذ تكون لنا الرواية العربية التي تخترق جدار الصوت، وهذا جيد جداً، وجيد ايضاً ان تكون هناك ظاهرة ايجابية، مفادها ان الكثرة من الفتيات والسيدات يرغبن في الكتابة، وفي كتابة الرواية على العموم، وعليك، يا حنا، ان تعطي رأياً، ان تقدم ملاحظة، نصيحة، موعظة، او، وهذا هو الأسوأ، ان تكتب مقدمة، وأنت تلعن النصائح، والمواعظ، والمقدمات، عائداً الى العشرين من عمرك، يوم كنت حلاقاً، وفي بدايتك بالحلاقة، لم تكن الكتابة تخطر على بالك، وقد تعلمتها، من بعد، بكتابة الرسائل للجيران، والعرائض للحكومة، بغية إصلاح هذا الرصيف، او تزفيت هذا الطريق، او تأمين الرغيف وتحسينه، او الدفاع عن المظلومين، والفقراء، والمعذبين في الارض، واسماع المسؤولين صوت الذين لا صوت لهم، متقبلاً اسفنجة الخل من اجلهم جميعاً!

 

لقد كنت، أيها الشقي، تُسر بالشقاء، والشيطان يعرف لماذا، كنت في العشرين، وأنت حلاق، خريج سجون بامتياز، ايام الانتداب الفرنسي، وزمن الإقطاع بعد الاستقلال، تسع مرات سجنت، في اللاذقية ودمشق، وفي السجون تعلمت بعض الاشياء، وفي المنافي، لأسباب قاهرة، اكتسبت بعض التجارب، وكنت تفرح، ايام الانتداب، وأنت تقود المظاهرات ضده، والرصاص من فوق رأسك، ومن على جانبيك، يئز، دون ان يطالك، حتى نفد صبر الزبائن منك ومن حلاقتك، وجاءت الطامة الكبرى، عندما قبض رجال الامن على من وجدوا من زبائنك، فكان الإفلاس تاماً، وكان اغلاق دكان الحلاقة لا بد منه، والتشرد الطويل قد دقت ساعته، فودعت أمك العجوز، التي لم تعرف لأي سبب ترحل، فقد كانت تريدك ان تكون كاهناً او شرطياً، ولا توسط بينهما، فلم تكن أنت لا هذا ولا ذاك، وبعد ذلك، أيام السجون والمنافي، تواضع حلمها فتمنّت لو كنت راعياً، وأسفت لأنها ارسلتك الى المدرسة، بينما هي وأخواتك البنات، كنّ خادمات في بيوت الناس، وقبل خروجك من اللاذقية، ودعت امرأة القبو، جارتك، التي زودتك بهذه النصيحة قائلة: «اسمع يا حنا، الرجل لا تذله إلا شهوته، فلا تدع شهوتك، تذلك» وقد حفظت هذه الوصية، هذه الحكمة، وانتفعت بها في مشوارك الطويل، مقيماً ومرتحلاً، وعندما صار التشرد مهنتك، التي مارستها وانت تحمل صليبك على كتفيك، في اوروبا وفي الصين، قبضت على هذه الوصية، قبضك على جمر الغربة، ورمح الحراس، في الجلجلة، يطعن في خاصرتك، فينُز الدم، بينما هم على قميصك يقترعون!

 

وفي العشرين من عمرك، انت البائس الذي ينافح عن البؤساء، غادرت اللاذقية الى بيروت مرغماً، باحثاً عمن يتخذك أجيراً من الحلاقين، لكن بحثك، إياماً طوالاً، لم يُجدِ، رفضوك وانت تحمل قليلاً من الثياب، والاقل الاقل من النقود، في الصرّة التي على كتفك، فكرهت أميرة المدن، عاصمة لبنان «الأخضر حلو»، ووجدت نفسك ضائعاً فيها، ولا يزال هذا الشعور، منغرساً في تربة نفسك، يتمظهر كلما زرتها، فتفر من هذا الإثم، معتذراً لشاعر «طفولة نهد» الذي تعده ظاهرة لن تتكرر، والذي قال ان بيروت أميرة المدن في الشرق كله.

 

الحجر الذي رفضه البنّاؤون سيصير، في ضربة حظ، رأس الزاوية، لكن ليس قبل ان يدفع الثمن غالياً، في بحثه عن الامل، في اجتراحه لعبة صنع الاحلام حتى لا يسقط في العدم، ودمشق التي تقصدها، بعد ان خيبت رجاءك بيروت، لم تكن ابيض يداً، ولا أندى كرماً، وقد طوفت، يا حنا، في شوارعها وأزقتها، عساك تُحظى بمن يقبلك اجيراً من الحلاقين، فلم تفز بما تنشد، فالحلاق الذي كنته، رفضه الحلاقون الذين كانوا، والسبب انهم ليسوا بحاجة الى اجراء، لأن لديهم الفائض منهم، ولأن شكلك الناحل، العليل بغير مرض، الأصفر الوجه من جوع، جعلهم ينفرون منك، وكان هذا، من حسن حظك هذه المرة!

أضيفت في 20/03/2008/ خاص القصة السورية (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة بأدب الرسائل)

  

 

من رسائل حسيب كيالي

 

 

مراسلة الكاتب بقلم الكاتب: عبد الكريم الأشتر

 

 

ـ أ ـ

عرفته في السنوات السبع الأخيرة من حياته، ابتداء أول سنة 1986. فإني في أواخر السنة التي سبقتها حضرت سوق الكتاب التي أقيمت في إمارة الشارقة، وكان حسيب يسكن بيتاً صغيراً في إمارة دبي الملاصقة لها، إذ كان يعمل في مؤسساتها الإعلامية.

 

كنت أقرأ، وأنا فتيّ، بعض قصصه وحكاياته، واجتذبني أسلوبه اللطيف الساخر في تصوير الناس، واختيار زوايا الضوء الناطقة في صوره، وكلفه، في كتابته، بلغة الناس الجارية، من حوله. وكان علّق تعليقات صغيرة على بعض ما كنت أكتبه في الصحافة، في أواخر السبعينيات.

 

زرته في بيته في دبي. في صحبة صديق ثالث بدا لي آنذاك شديد الإعجاب بحسيب. وتعشينا عنده تلك الليلة. كان بالغ الأنس، فيّاض الحديث، يحكي الحكايات الضاحكة بلغته ذات النزعة الإدلبية، ويخلطها بطرائف من قراءاته الواسعة بالعربية والفرنسية. وبدونا تلك الليلة كما لو أننا استأنفنا صداقة قديمة اعترضها انقطاع طويل.

 

فلما عدت أرسلت إليه كتابين من كتبي، فكتب إلي (25/1/1986) يشكرني ويقول: إنه كتب ثلاثين حلقة صحفية مستوحاة من أحد الكتابين، في زاوية يومية كان يكتبها لجريدة الفجر التي تصدر في دبي. وجاء في الرسالة قوله:« أنطون تشيخوف قال مرة: قدري أن أكتب، وأكتب، ثم أكتب. يا حبذا يا أخي لو استطعت ألا يُلهيك تدريس أو أسرة أو بنون عن أن تكتب وتكتب ثم تكتب».

 

ـ ب ـ

كانت هذه الرسالة فاتحة مراسلة طويلة أحتفظ منها لحسيب بست وعشرين رسالة، بينها بطاقة واحدة إليّ من ميونيخ (12/7/1987) حيث كان يستشفي.

 ففي رسالته الثانية(5/3/1986) أخذ، على طريقته الضاحكة، يحكي عما سماه « خضة آل الكيالي » التي هي « حكرة الأسرة في حلب »، وكرماتهم التي منها أن أحد أجداده صرخ بإحدى الحيّات « فإذا هي تُمسخ حية من حديد. وكان الخَلْف الذين أضاعوا الصلاة وعادوا لا يثقون بمعجزات السلف، قد جعلوها أداة لركش الحديقة في الدارـ الأم ـ!».

في رسالته الثالثة (24/4/1986) لمستُ، تحت قناع الضحك، حزناً دفيناً كان حسيب يستعلي عليه « بالفرفشة »  كما يقول. وفيها يخبرني أنه منذ عودته إلى دبي، في مطلع سنة (1981) وجد في الكتابة « عزاءه الوحيد » فقام بعدد كبير من التجارب الشعرية والنثرية بلغت نحواً من عشرين دفتراً مبججاً: وبينها سبع مسرحيات كان اتحاد الكتّاب في سورية رفض نشرها!.

 

وفي رسالته الرابعة (1/6/1986) قال: إنه أدار في تلفزة أبو ظبي سلسلة ندوات من سبع عشرة حلقة موضوعها « الفكاهة في الصحافة والأدب ». وقال، في تعليقه عليها: «... وأما محسوبك، المدير، فقد ظل طوال الحلقات السبع عشرة يحاول أن يرتفع عن مستوى النكات المحفوظة، إلى التنقير  عن روح الفكاهة عند العرب، فكنت أقاطع دونما رحمة، ولله الأمر».

 

في رسالته الخامسة (10/6/1986) عاد يذكر المقامات وكلّفه آنذاك بأن ينحو نحوها في بعض ما يكتب، يتلمس فيها طريقاً للإبداع من خلال تطويعه قيود السجع، وينشد الإطراف. وكان رجل الجزائر الكبير الشيخ محمد البشير الإبراهيمي  نحا هذا النحو أيضاً في بعض ما كتب في السياسة والاجتماع زمن الاحتلال. فكتب حسيب في رسالته يقول « من الغريب أنّ رأيك في مقامات محمد البشير الإبراهيمي  كنت أقوله لرفاقنا هنا منذ أن قرأته في الإحدى والثمانين، فلم يكن أحد منهم يشاركني الرأي أو يبرّد قلبي بقراءة الرجل مع أنه سحرني... وليس بتواضع كاذب إذا قلت لك: أين أنا من صرحه المنيع؟ ».

 

ويبدو أنه شارك بمقاماته في بعض الحلقات التلفزيونية فلقيت، كما يقول، « شعبية لا بأس بها، وإن كان الإخراج سيئاً، إذ طوقني المخرج بثلاث كاميرات كنت أضابح  بينهن مثل الصوص المشوب »

ثم تلقيت من حسيب، خلال هذا العام نفسه (1986) أربع رسائل أخرى يقول في الأولى منها (15/6) إنه يعد مسرحيته المسماة «حكاية ما جرى للسجناء في مهجع أحد سجون السلطان » أجمل مسرحياته.

 

ووردتني الثانية إثر رجوعه إلى دبي من بانكوك (تايلند) بتاريخ 1/7 يقول فيها: إنه جرت معه في الطائرة حوادث تضحك الثكالى، وتحتاج روايتها إلى رسالة مطولة. ولكنه، في الرسالة الثالثة التي تلتها (9/10) يقول: إنه ذهب إلى بانكوك لعله يكمل ما بقي من نصف دينه من بوذية يكسبها لديننا الحنيف.

ولكن هنا أيضاً رجعت بخفّي خادم الغرفة وحدها! والسبب أني أنا الذي جلبت الدب إلى كرمي، إذ اصطحبت أختاً تجاوزت السبعين ومرضت هناك، وإبناً في الرابعة والعشرين مثل زر الورد، قطع رزقي، وأهاب، حتى بموظفات الاستقبال العجائز، أن يندهنني: بابا، ولله الأمر!

ويقول في الرسالة: « انظر هذه العجيبة، أنا لم أدرس إلا أشهراًلا تبلغ العام، ومع ذلك أصابتني حرفة المعلمين ... سامحني الله وإياك! ».

 

ـ ج ـ

أما العام التالي (1987) فكان أخصب من العام السابق برسائل حسيب. فقد تلقيت منه خمس عشرة رسالة يقول في أولاها(14/1): إنه على أهبة السفر إلى الفيليبين « مع أخوين من أولاد آدو »  أما رحلته إلى الهند فكانت « بائسة كالهند التي قال فيها المرحوم مالك حداد  مرة: إن كل شيء فيها مقدس إلا الإنسان!»

ولكنه في الرسالة التالية(9/2) عاد يشكو من افتقاد الناشرين لما يكتب، وهو  مع ذلك لا يقف عن الكتابة، ويقول في نفسه: « بُس يدك وجهاً وقفا يا ولد على هذه النعمة ، فلولاها لكنت الآن مكاحل ، يرحمك الله!» ثم يعزّي نفسه قائلاً: « ألم يكتب محمد شكري المغربي  رواية ويعرضها على دور النشر العربية كافة فترفض وتقبع في أدراجه، حتى يتاح لها طاهر بن جلّون  الذي يترجمها إلى الفرنسية وإذا طبعتها

الأولى  بعشرات الألوف؟ وأقول في نفسي أيضاً مواسياً: كم طنّاً من الكتب أحرق هولاكو! »

وفي رسالته السادسة لهذا العام(11/5) يقول: « لم أعثر طوال رحلاتي الكثيرة وضربي في المشارق والمغارب على مناخ أخصب  من مناخنا. أي سقف في الدنيا يُظلُّ أباً وإبناً: الأول يؤمن بأن الأرض يحملها قرن ثور؟ والآخر عالم نووي! »

ثم كتب إليّ من ميونيخ يقول: إنه سافر إلى باريس وأقام فيها شهراُ أو بعض شهر، عاودته فيها الفكرة القديمة: أن باريس مثل (فاوست) باعت روحها للشيطان فقد وجد فيها ساحتين من أهم ساحاتها: الأولى تحمل اسم (غورو)  والثانية اسم (إسرائيل)!.

 

ـ د ـ

ثم أخذت الحال تسوء بيننا شيئاً فشيئاً. واندست خيوط من الشك تعذرت معها معاودة الوصل. واختلفت بيننا رسالتان: واحدة مني لا أغتفرها لنفسي، والأخرى منه يدعوني إلى التلاقي، وصلت بعد رسالتي إليه.

 

وا أسفاه أن نفتقد هذه الروح اللطيفة الحلوة البالغة الحرارة، القوية الموهبة، وواحسرتاه أن يخلو الميدان ممن يخلفه في مثل أصالته ومزاياه!.

البحث والتفتيش.

(1889-1965) من علماء الجزائر وأدبائها المرموقين. كوّن مع عبد الحميد بن باديس جمعية العلماء المسلمين التي قادت نضال الجزائريين ضد المحتل الفرنسي، وتخرّج فيها المناضلون من قادة جيش التحرير، وأصدرت مجلة البصائر. ومما نشره فيها، كان كتابه (عيون البصائر) في أربعة مجلدات. ولمحمد مهداوي: البشير الإبراهيمي، نضال وأدب ـ دمشق (دون تاريخ).

أتنفس نفساً قوياً

يقصد: حرفة النقد

أولاد آدو: تشيع التسمية في دمشق، في الأوساط الشعبية: للأولاد المنحرفين، ورفاق السوء. وربما كانت تعود إلى رجل بعينه.

الكاتب الجزائري، وكان يكتب بالفرنسية.

لعلّه يريد: ترددهم في نشر ما يكتبه.

الانشغال بالكتابة.

كناية عن الموت الطويل:«صارت عظامه مكاحل(من المكحلة)»

كاتب من المغرب، كتب بالعربية(ت 2004).

روائي مغربي. يكتب بالفرنسية.

أدبياً.

فاوست faust  للشاعر الألماني جوته Goethe (ت 1932)

غورو h. gouraud (ت 1946) أحد الجنرالات الفرنسيين، وقائد الجيش الرابع في حملة الدردنيل، في الحرب العالمية الأولى، والمندوب السامي لسوريا ولبنان 1919 ـ 1923. وهو الذي احتل دمشق بعد موقعة ميسلون(1920).

أضيفت في 20/03/2008/ خاص القصة السورية (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة بأدب الرسائل)

  

رسالة غير منشورة

من نزار قباني إلى سميح القاسم

 

مراسلة الكاتب بقلم الكاتب: نزار قباني  

 

في ملف مميز خصته صحيفة " المستقبل" اللبنانية للشاعر الراحل الكبير نزار قباني بمناسبة مرور 10 سنوات على رحيله ونشرته أمس الثلاثاء واليوم الأربعاء كشفت عن رسالة لم تنشر لقباني أرسلها من مقره في جنيف إلى الشاعر الفلسطيني سميح القاسم هنا نصها :

 

الحبيب الغالي سميح ،

هزتني رسالتُك الرائعة.. القادمة من هناك ، حيث تُعلمُنا الأيدي الصغيرة مبادئ القراءة والكتابة بعدما تحوّلنا جميعاً إلى أمّيين..

واخجلة الشعر يا سميح ، من هؤلاء الأنبياء الذين كسروا بحجارتهم زُجاج أبجدياتنا.. واغتصبونا حرفاً حرفاً.. وكلمة كلمة.. وحوّلوا دواويننا إلى أحذية عتيقة... وشعراءنا إلى بغايا...

صدّقني يا سميح، إنني أشعر بالخجل أمام هؤلاء المبدعين الذين أقالونا جميعاً، كتَّاباً، وشعراء، ومفكرين، ومنظرين، ومنافقين، ومنجّرين، واستلموا السلطة.

نحن ملوك مخلوعون .. والملوك الحقيقيون هم هذه السلالة الفلسطينية الطالعة من رحم الحجر..

نحن ملوك "الكُوتشينة".. الذين يمضغون القات.. ويمضغون لحم النساء بالجملة.. ولحم الشعوب بالجملة.. ويغتالون القصائد بالجملة..

نحن ملوك بني عثمان الذين دخلوا الحروب بالطرابيش الحمراء.. والسراويل المقصّبة. وسماورات الشاي.. حتى غرقوا جميعاً في مياه الدردنيل..

نحن " الأنتينات " المرفوعة .. لا السيوف المرفوعة.. من المحيط إلى الخليج...

نتوضأ بالأكاذيب.. ونمتطي خيولنا الإعلامية والديماغوجية والإيديولوجية.. على جميع الموجات الطويلة.. والقصيرة.. والح.ئ

أنا لم أكتب في الحقيقة شيئاً..

فقصيدتي " أطفال الحجارة " ليست سوى محاولة صغيرة لملامسة قامات هؤلاء الأنبياء..

فليعذروني ، إذا لم أكن على مستوى بنوّتهم ...

أخوك

نزار قباني

جنيف 16/1/1988

نقلاً عن صحيفة القدس العربي ــ الأربعاء 3 / 9 / 2008

أضيفت في 20/10/2008/ خاص القصة السورية (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة بأدب الرسائل)

 

 

كيفية المشاركة

 

Hit Counter

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية