الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 26/01/2009

دراسات أدبية - أدب المرأة

دراسات في أدب المرأة في العالم العربي6

 

 

لقراءة الدراسات

 

 

الدراسات

حصاد الرماد قراءة أدبية في أعمال نسائية

نثارُ عطر وتوق.. قراءة في المجموعة القصصية ذاكرة من ورق

مائة عام من الرواية النسائية العربية

إشكالية المصطلح النقدي الأدب النسوي

 

 

 

نثارُ عطر وتوق..

قراءة في المجموعة القصصية "ذاكرة من ورق(1)" للأديبة: سوزان خواتمي

 

بقلم الكاتب: غسان كامل ونوس

 

"ذاكرة من ورق"، أم نثار أمان،ٍ أو وقع توقٍ، أو أصداء خفق لجناح يهمّ وقلب يهيم؟! أم زفرات أسى، وتلهف أو حنين، أم رجع أنين؟!

الحب؛ أطيافه، وأوهامه..

والغربة؛ أوزارها وحصارها..

العمل؛ شروطه وظروفه..

والوحدة؛ اتساعها وضيقها..

والزواج؛ سعادته وشقاؤه..

والطلاق؛ شره وجدواه..

إنها إنسانية الرغبة في العيش، والتوق للشريك الذي يليق، والعلاقة التي تستحق.

البراءة في البحث عن الآخر، وانتظاره، والحبور بحضوره، والعتب من برودته، أو لا مبالاته، أو انشغاله، والمرارة من الوقوف على حقيقته، أو الخيبة من صعوبة الوصول إليه أو استحالته، والندم على اقتراف اصطياده من عشه!

انسانية التطهر من أدران الغربة بالمطر الأليف المفتقد منذ سنين، المطر الذي يتغلغل حتى مسامات الروح فينعشها، وأي حماقة هو التفكير بمظلة؟! ألا تكفي المظلات الكثيرة بل الجدران التي كانت تحجب شمس الوطن وصباحاته وسماواته، وتحول دون النظر صوبه من أية نافذة تهفو إليها.. إلا نوافذ اللهفة والتوق والبوح والمآقي؟!

ألا تكفي مظلات الواقع، أو ستارات الغفلة، أو أشراك الليل، أو أشواك الوخز أواخر الظلام / أوائل الأيام؟!

الحياة بمبتداها الذي يغل بعيداً: ذلك الصباح الشقي خطواً إلى المدرسة، أو تلك الأمسيات الموشاة بحكايا الجدات التي تهدل /كانت؛ أو فيض ابتسامة تشع رضى من زميل أو جار أو صديق أو حبيب، أو وشوشة كلمات عبر الأسلاك أو عبر أوتار الروح.

إنها الحياة بمتنها المترنح.. علاقات تخيب وغربة تتطاول، وتناقضات يمكن أن تترك ظلالاً قاتمة على الكائن البشري..

هل هو كائن بشري حقاً أو من جنس الأحياء الأخرى؟! بل الجمادات ربما؟!

الحياة بمنتهاها.. شيخوخةً وفقداً للأعزاء الذين بعدوا، أو غابوا دون رجعة، ولا شيء يُنتظر إلا الخلاص بأقل الخسائر، وأية كارثة أكبر من الحلم يتهاوى، واللهفة تتبخر نحو أفق يسودّ باطراد؟!

الحياة بقلقها، وخصوبة أوقات عشقها الذي يؤمل أن يبقى عشقاً، كيلا يتحول إلى فصول علاقة تبترد، أو تنفصل عراها، تاركة حنيناً أو أمنية قارسة، أو رؤى متناقضة، أو أفعالاً غير متوازنة..

أتراها بشرى (الحمامة) تهلل وتتدلل للآخر الذي هو هيكل أو مجسم ليس غير؟!

أم تراها لجلجة العاجز نداءً للأنثى التي لصوتها وقع مؤثر، لم يكن يسمعه، كان مشغولاً بجبروته، هذا الذي تنشغل صاحبته عنه الآن هو الذي يكاد يُغص في الحال الأقصى من الحاجة إليه، إليها .. إلى أية إلفة أو حنان..!

أم هي دعوة إلى التحليق لكائن يتجلد وعلاقة تتجمد؟! أم هي حرية النورس الذي يتوهم أن بمقدوره أن يرقص وحيداً؟!

أم أنفة الصياد الذي يعف عن الصيد الذي يرتمي بين أقدامه دون سعي أو كمنٍ أو إطلاق!

أم غبطة الكائن الذي يعيش مع أصداء إلفة ووداد ودفء!

أم تراها حشرجة الحدس بقلق من مصير غائم معلق؟!

أم هسهسة التوق للخلود عبر كتابات تنشر أخيراً بعد طول اصطبار!

هل هي مذكرات من ورق لكائن كان.. يكون؛ قد يكون؟!

كائن مترع بالحياة، مثقل بأعبائها، حائر جراء احتمالاتها.. قلق منها، عليها!

من قال "إن إظهار الشغف يفسد النساء"؟! (ص83).

إن هذه الكتابات محاولة تمني الهدوء من صخب الأفكار المتقافزة عفاريت بأنصاف ملامح إلى ذهن الكاتبة (ص39).. لكن لا أظن أنها "من دون فائدة"؟!

إذا كانت قيمة النص، أي نص، تتجلّى بالأثر الذي يتركه لدى المتلقي / الكائن البشري/ على الأقل، فإن أصداء الوقع الشفيف لهمسات نصوص المجموعة أو زفراتها، للاحتراق الدفين الذي يمكن أن تظهر بروقه أو وميض أو دخانه، للوجع المزمن والحزن الناصع، والأرق الممض، أو أثر الحزن على أوتار الروح لا يني يوقّع اللحن فتصدى الجوارح..

إنها موجة عطر أو خصوبة أو أنوثة أو إلفة أو رغبة أو توق..

لا تبخل بشآبيبها على الحيّز الذي يتسع ويضيق بشفافية تعذُب وتنبه، وتدعو للمشاركة التي لا بد منها لخوض هذا المسار الطويل على قصره، الغامض على حيويته، الصامت رغم ضجيجه وصخب المهرولين فيه!

هل عوّض ذلك عن حركة القص المرجوة في النصوص الموسومة قصصاً، والتي غاب بعض منها، رغم أن أصداءها ممكنة؟! وهل عوض ذلك عن تباين إيقاع النبض من نص لآخر؟! وهل خفف ذلك أيضاً من مباشرة معظم العنوانات وتقريرية غالبية النهايات؟!

وهل ساعد في ذلك أيضاً رقة الأداء وأناقة اللفظ وتخييل العبارة، وبراءة الأسئلة ونبل الغاية..؟!

وهل لدى النصوص الأخرى في الكتابات التالية للأديبة سوزان خواتمي، ما يفترق عن هذه الباقة المنوعة من الأغصان الطرية هذه التي يفترض ألا تقصَّف خارج جذوعها، حديقتها، بيئتها، كيلا تذبل..؟!

وهل سيكون لدى القاصة فيما بعد نصوص متلبسة بالقص أكثر..؟ !

***

(1) " ذاكرة من ورق" المجموعة القصصية الأولى للأديبة السورية "سوزان خواتمي" الصادرة عن دار سعاد الصباح،ط1 كانون الثاني_ 1999ـ/ 35/ نصاً، /98/ صفحة من القطع المتوسط. وصدر للأديبة أيضاً مجموعتان قصصيتان: "كل شيء عن الحب" و "فسيفساء امرأة".

أضيفت في04/02/2006/ خاص القصة السورية/ المصدر / الكاتب:غسان كامل ونوس ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

حصاد الرماد قراءة أدبية في أعمال نسائية

بقلم الكاتب: منير عتيبة

 

لم تبدأ "حركة تحرير المرأة" (هذا الاسم نفسه يحتاج إلى مراجعات) مع قاسم أمين بكتابيه "تحرير المرأة" و " المرأة الجديدة" ولكن سبقه رفاعة الطهطاوي إلى هذه الدعوة بعد عودته من باريس..

ولكن هذه الدعوة شابها ما جعلها لا تتحرك خطوة حقيقية إلى الأمام؛ وإن كانت قد تحركت في اتجاهات مختلفة -ليست كلها صحيحة بالقطع.. والمفارقة أنه رغم أن أول وأعلى الأصوات في هذه الحركة كانت من الرجال؛ إلا أن الدعوة أخذت شكل تحرير المرأة من استعباد الرجل لها، كما أن الدعوة اتخذت نموذجها في الحرية المرأة الأوروبية عمومًا، والمرأة الفرنسية بصفة خاصة.. وتطورت الحركة في الاتجاه الخاطئ حتى وصلت إلى ذروتها فيما عبر عنه "إحسان عبد القدوس" في روايته الدالة "أنا حرة" التي توضح أن مفهوم الحرية أو التحرر عند الكثيرات من الفتيات كان يعنى الرقص، ومصاحبة الفتيان، والسهر حتى أوقات متأخرة خارج البيت، وعدم طاعة الأهل، وقد اتخذت بطلة الرواية نموذجها ومثلها الأعلى أسرة يهودية مصرية !!

فاتخاذ الحركة اتجاه التحرر "من" الرجل، وليس التحرر "مع" الرجل في دول تعانى من الاستعمار والجهل، واتخاذ الحركة من المجتمع الأوروبي والمرأة الأوروبية مثلها الأعلى ونموذجها، وليس المرأة المسلمة والمجتمع الإسلامي؛ هذا ما جعلها تتشعب في طرق غير مجدية..

وهذا هو البعد الهام الغائب منذ البداية في هذه الحركة، أن المثل الأعلى لم يكن السيدة "خديجة" زوجة النبي -صلى الله عليه وسلم- التي كانت تعمل بالتجارة، ولا "زبيدة" زوجة الخليفة التي كان لها رأى في السياسة، ولا "نفيسة" حفيدة الرسول-صلى الله عليه وسلم- التي كانت تُعلِّم الأئمة.. لو أن هذا البعد كان موجوداً منذ البداية لتغير الوضع تماماً، ولأصبح الهدف هو حرية المرأة والرجل من العادات والتقاليد غير الإسلامية التي أُلصقت بالإسلام، ولنال كل منهما حريته التي تعني حقوقه وواجباته في إطار المرجعية الإسلامية وليس في إطار المرجعية الغربية..

 وكتاب "القصة النسائية العربية" الذي أعدته "يمنى العيد" وصدر في سلسلة كتاب في جريدة، وطبع مرة أخرى من خلال مهرجان القراءة للجميع في مصر سنة 1999 قد يكون دليلاً على ما سبق وأشرت إليه..

يحتوى الكتاب على 17 قصة قصيرة لـ 17 كاتبة عربية من 15 دولة، والكاتبات من أجيال مختلفة واتجاهات فكرية وفنية متباينة، لكن قراءة القصص التي يضمها الكتاب تشعرك بأن كل ما استطاعت المرأة العربية أن تصل إليه أو تحصل عليه هو حق الصراخ على الملأ كتابة، وحق التعبير عن الإحباط واللا جدوى فناً، وحق التشظِّي إبداعاً !!

فقصة الكاتبة العراقية " ديزى الأمير" " عمة رفيق " تبين كيف يطالب المجتمع المرأة بأن تكون لها شخصيتها لتشارك في النضال، لكنه في نفس الوقت لا يحترم خصوصية هذه الشخصية، ولا يساوي بين المناضلة والمناضل بل يعتبرها مضافة إليه..

وفى قصة " العزلة الموقوتة " للكاتبة المغربية " خناثة بنونة " نرى المرأة الراديكالية التي ترفض أنصاف الحلول، وترى أنه لا بد من تقويض البناء الفاسد أولاً ثم إعادة البناء، لكنها تنتهي بالهزيمة هي ورفاقها اللائي يهربن إلى التدخين أو الانتحار أو الجنون..

وفى قصة الكاتبة العراقية "عفاف عبد الله" "أصابعي" نرى الكاتبة نفسها تتخفى خلف قناع فلا نعرف هل الراوي رجل أم امرأة؟! والأبطال يريدون فقدان كياناتهم التي لم تعد ذات معنى، فينفخهم الوهم فيصبحون أفيالاً، ويسخطهم الفزع فئراناً..

وتصبح التماثيل القديمة أكثر حياة من البشر في قصة الكاتبة الفلسطينية " ليانة بدر" " جارة "، حيث تحيا البطلة في رعب من الآخرين الذين يعيشون بدورهم في رعب منها ولا أحد منهم يعرف الآخر أو حتى يحاول..

وفى قصة الكاتبة الأردنية " سهير سلطى التل " " تجليات حادث عابر " تصبح المرأة بلا قيمة سوى جمالها الذي قد يثير اهتماماً سطحياً عابراً لكنه يؤدى إلى قتلها، ولا أحد يهتم بحياتها أو موتها، بل وتُهان حتى وهى ميتة حيث يغتصب الطبيب الشرعي جثتها، وهى تنسى في النهاية كشيء مهمل بلا قيمة، ولا تجد من يسمعها رغم أنها قد تذكر ما يفيد الجميع؛ وذلك على شريط الكاسيت الذي ألقاه الحارس في الغابة ظناً منه بوجود شياطين بداخله تتكلم..

والمرأة تحاصرها الجدران والسجن والصمت في قصة الكاتبة التونسية "تافلة ذهب" "حديث حول الصمت" فكل هذا الحصار يقتل المواهب بلا مبالاة بسبب طغيان الأب، ولكن بعد أن يموت الأب لا يسعى الابن لتحقيق الحرية التي كان ينشدها في قصائده، بل يحرق القصائد ويحتل مكان الأب ليستمر السجن جيلاً بعد جيل..

وقصة الكاتبة السورية " اعتدال رافع " "حكمة جدي التي ذهبت مثلاً" تتناول خوف الرجال من المجهول والرضا بالكائن مهما تكن دمامته وقبحه، فإذا كان هذا حال الرجل في مجتمع هو فيه السيد، فما بالك بالمرأة التي تقايض على شرفها بحفنة شعير بسبب المجاعة؟!

وتقدم لنا قصة "القمر" للكاتبة البحرينية "فوزية رشيد" فتاة محاصرة ممنوعة من كل شيء حتى الجلوس في ظل القمر، وإلا حبلت منه كما يردد المأثور الشعبى، لكنها تتمرد وتتجرد وتجلس على السطوح كلما اكتمل القمر، وتتخيله شاباً وسيماً يضاجعها حتى تحبل منه.. إنه الهروب من واقع آسن إلى خيال خصيب تحاول المرأة أن تحقق فيه كينونتها..

أما قسوة مجتمع الرجال مع المرأة فنراها في قصة الكاتبة الإماراتية "سلمى مطر سيف" "النشيد"، هذا المجتمع الذي يستعبد المرأة ويحولها إلى مجنونة ويذبح ابنها، ثم يضربها بالسياط ليخرج من جسدها الجني الذي يدفعها إلى الاحتجاج الصامت على قسوته !!

أما ضبابية الرؤية واختلاط الحلم بالواقع والممكن بالمستحيل، والإحساس بوجود الأمل والسعي خلفه بلا جدوى حتى يصبح الموت أمنية، ثم يصبح الوجود كله عبثاً بلا معنى وحتى الموت نفسه يصبح بلا معنى.. فهذا ما نجده في قصة "في البدء كان السقوط" للكاتبة القطرية "نورة السعيد"..

وفى قصة "المقعد الساخن" للكاتبة اللبنانية "حنان الشيخ" يعاقب المجتمع رجلاً على أفكاره..

والمرأة مؤجلة الأحلام في قصة "تقرير السيدة راء" للكاتبة المصرية "رضوى عاشور"، وهى مضطهدة في العمل، وحيدة بلا حبيب، لا تشعر بمتع الحياة، يسرقها العمر حتى تنقلب حياتها إلى قصة ميلودرامية تثير الرثاء حتى عندما تحاول كتابتها لا ترضى عنها، وتحاول أن تهرب من القصة/حياتها بالنوم والحبوب المهدئة وتأجيل النظر في مشروع القصة..

و" الأصلة " قصة الكاتبة السعودية " رجاء العالم " تقدم لنا نوعاً من تناسخ الأرواح، فالبطلة كانت قرين ابن طفيل وحي بن يقظان معاً، ثم تجسدت في أنواع مختلفة من النساء عبر العصور لتحكي مأساة المرأة العربية الدمية التي تحاول السمو أو التعلم فيتهمونها بالجنون، أو بأنها مخاوية ويتم إبعادها، ثم مطاردتها حتى في عزلتها الجنونية، فتتلبس بشجرة فتعثر على السلام النهائي..

وحافة الجنون تلك هي التي وصلت إليها بطلة قصة الكاتبة المصرية " اعتدال عثمان " " موال الشوق "، فالفتاة التي كانت مثالاً للطهر والبراءة والجمال يتزوجها العمدة بحجة أنه يستر عليها لأنها يتيمة ولا أحد من الشباب ينفعها..

وفى قصة " لا خبر ..لا " للكاتبة الكويتية " ليلى العثمان " نرى البنت السجينة في قصر الأب، المحاطة بالتقاليد، المتأخرة عن الذكور، تشرب من لبن النوق بعد إخوتها، تقبل يد أبيها بعد إخوتها، تعيش محرومة من الحب والحرية والحلم لدرجة أنها تتمنى أن يأتي يوماً الرجل الذي يسقيها السم لا لبن النوق، وكأن الموت أصبح بديلاً للحلم الضائع والحب الموءود ..

وتبرز لنا قصة "الوسيط" للكاتبة الليبية "نادرة العويثى" الهروب من الواقع القاسي إلى دنيا الذهول، ومحاولة الالتقاء بروح أخرى تمثل كل ما تتمناه الكاتبة عن طريق وسيط متمكن، والكاتبة تهرب من عالمها بلغة تقترب من لغة الصوفية لكنها هنا صوفية منهزمة مكسورة بلا أمل في الوصول..

وكما يضيع كل شئ في الفراغ ضاعت بطلة قصة "نهايات متشابهة" للكاتبة الجزائرية "زهور ونيس"، فقد ظلت تشعر بالحصار والفقدان والوحدة في كل المدن المغلقة والمفتوحة فهربت من كل ذلك بالانتحار !!

تشعر المرأة بكل هذا الحصار والفقدان والإحباط، وتتهم الرجل أولاً والمجتمع ثانيًا بأنه السبب، وتنسى أن نفس هذا الرجل في ذات المجتمع يعانى من تلك المشاعر ذاتها، وتنسى أن الحرية التي تنشدها ليست حريتها "من" الرجل، بل حريتها "مع" الرجل من كل الظروف التي توصلهما معاً إلى هذه الحالة.

لكي لا نحصد الرماد ولا نتشظى لا بد من وقفة متأنية لمراجعة الخطوات التي تمت لنصحح المسار، ولنحدد الخطوات التي يجب أن تتم في المستقبل لكي نجني جميعًا شهد الحرية ولا نحصد رماد التخبط !!

أضيفت في11/05/2005/خاص القصة السورية/ عن إسلام اونلاين ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

مائة عام من الرواية النسائية العربية

 والرجل يراوح مكانه..!

 

بقلم الكاتب: وحيد تاجا

 

يندرج كتاب الدكتورة بثينة شعبان "مائة عام من الرواية النسائية العربية" (منشورات دار الآداب بيروت 1999) ضمن قائمة الكتب القيّمة والمدروسة، والتي تكتب كي تسد نقصًا واضحًا في المكتبة العربية من ناحية التوثيق، وهو ما يدفعنا لعرض الكتاب هنا ، ليكون مادة متاحة للإتفاق مع أهميته، أو نقد ما جاء فيه من أفكار. فرغم وجود مقالات هنا وأخرى هناك إلا أنه لم تصدر باللغة العربية حتى اليوم دراسة شاملة تغطي الرواية النسائية العربية منذ أول رواية كتبت بالعربية وحتى اليوم، وتتناول الإنتاج الروائي النسائي العربي في جميع الأقطار العربية، ليكون عملاً عربيًا يرفض الحدود القُطرية التي يتبناها البعض في دراساتهم، ويكرّس وحدة المنشأ والهدف والمصير لهذا الأدب العربي العريق الذي يمثل أحد أهم سمات الوحدة بين الناطقين بالضاد.

وأول ما يميز هذه الدراسة هو أن الكاتبة لا تقارب الرواية النسائية العربية خجلي أو معتذرة كما درجت الكثيرات من بنات جنسها على القيام بهذا، ولا تأخذ بالمعايير التقليدية التي أصرّت -دون بحث أو تمحيص- أن المرأة تتعلم فنون الأدب من الرجل، وأن النادرات منهن قد يصلن إلى المنزلة التي وصل إليها هو. بل تقرأ إنتاج النساء العربيات وتكتشف أن المكانة الدونية التي نسبت إليهن في الأدب ناتجة عن جهل أو تمييز النقاد، أو تمييز لا شعوري والذي هو في النهاية أسوأ أنواع التمييز وأكثرها استعصاء على التغيير.

تبدأ بثينة شعبان كتابها بمحاولة إجراء مسح للتهميش الذي أصاب شعر المرأة وأدب المرأة منذ الجاهلية وفجر الإسلام. وترى -استنادًا إلى المصادر الواردة في الدراسة- أن نسبة كبيرة من شعر النساء لم يسجل أصلاً، وما سجل منه كان بسيطًا ويعالج مسألتي الرثاء والحب العذري أحيانًا، ولكن بعض ما صادفته أيدي الباحثين من نماذج شعرية نسائية ترى أن اهتمامات المرأة كانت أشمل وأعمق مما تم ادعاؤه من قِبَل مَن كانوا قائمين على اختيار نماذج شعرية نسائية، وإدراجها في الموسوعات الأدبية وكأنها الإنتاج الأدبي الوحيد. وترى المصادر التي راجعتها المؤلفة أن أغلبية الشعر الذي كتبته النساء العربيات ضاع أو فقد، وقد يكون من المتعذر على أي باحث بعد اليوم إنقاذه.

ولولا هذا الجهد المضني الذي استغرق منها عشر سنوات، والذي قامت به بثينة شعبان خلال عقد التسعينات بأكمله، لربما كان مصير المرأة في الرواية العربية مشابهًا لمصيرها في الشعر العربي. إذ أن جميع المدارس العربية وفي كافة أنحاء الوطن العربي تدرس أن الرواية العربية الأولى في الأدب العربي هي رواية زينب لـ "حسـين هيكل" الصادرة عام 1914، ولكن بثينة شعبان تبرهن في الفصل الثاني من الكتاب وبما لا يقبل الشك أن الرواية العربية الأولى هي رواية "حسن العواقب" أو "غادة الزهراء" للكاتبة اللبنانية "زينب فواز" وأن هذه الرواية قد نشرت عام 1899، أي قبل خمسة عشر عامًا من صدور رواية "زينب" لحسين هيكل، وبالإضافة إلى رواية "حسن العواقب" لـ "زينب فواز"، صدرت رواية "قلب الرجل" للكاتبة "لبيبة هاشم"، "وحسناء سالونيك" للكاتبة "لبيبة ميخائيل صوايا"، وأكثر من ست روايات للكاتبة "عفيفة كرم" من أشهرها "بديعة وفؤاد" و"غادة عمشيت"، وكل هذه الروايات صدرت قبل صدور رواية "زينب" لحسين هيكل عام 1914، وبهذا يصبح من المتوجب على الجهات المعنية أن تأخذ نتاج هذا البحث بعين الاعتبار وتعيد صياغة ما يدرَّس لتلاميذ وطلاب المدارس عن نشأة الرواية العربية وأصولها.

كما تتحدى بثينة شعبان المقولة الدارجة بأن سبب إهمال أدب المرأة هو عدم ارتقائه إلى مستوى الهمّ العام، وتثبت من خلال أعمال روائية نسائية شتى أن المرأة العربية مغروسة بعمق في هموم وطنها ومجتمعها، وأنها قادت المظاهرات ضد الاحتلال الأجنبي وتقسيم فلسطين تمامًا كما ناهضت التقاليد والقوانين التي تنتقص من حق المرأة وكرامتها. ولكن سبب كيل هذه التهمة لأعمال النساء هو أنّ رؤية المرأة للمشاكل الاجتماعية والسياسية وحلولها المقترحة كانت تختلف في الكثير من المواقع والأوجه عن رؤية الرجل وحلوله المقترحة، وبما أن الرجال يشكلون التيار العام في الأدب والسياسة على حدّ سواء فقد تمّ تجاهل نظرة النساء ومواقفهن.

يتابع الكتاب في فصوله التسعة الرواية النسائية العربية منذ ولادتها، ويتخذ منهجي الزمن والموضوع دليلاً لتصنيفه وترتيب مادة ضخمة ومكثفة.

فالفصل الأول: يستعرض تاريخ تهميش الكتابات النسائية منذ عصر ما قبل الإسلام، وكيف أن إهمال ما تكتبه النساء أمر يبدو طبيعيًا بل وبدهيًا للجميع، بل قد لا يفكر البعض بأهمية توثيقه أو دراسته، ليس عن تعصب ضد المرأة، ولكن ببساطة لأن الموضوع لم يخطر لهم على بال.

وفي الفصل الثاني: تبرهن بثينة شعبان على أن إسهام المرأة يفوق إسهام الرجل بكثير في تأسيس الرواية العربية، وتأسيس الكثير من التوجهات الفكرية والعناصر الفنية التي شكلت فيما بعد تواؤم الرؤية العربية. وفي هذا الفصل بالذات تغيّر بثينة شعبان فكرتنا عن تاريخ الرواية العربية، وتؤرخ مساهمات المرأة الهامة في هذا الصدد. ومن ثم تدرس روايات عربية من أقطار عربية مختلفة منذ مطلع هذا القرن وحتى يومنا هذا.

ويبرز في هذا السبر الشامل والعميق الفصلان الخامس والسادس اللذان يعالجان الروايات النسائية قبيل حرب 1967، ومن ثم روايات الحرب النسائية بشكل عام حيث تحاول الكاتبة أن تغيّر تعريف أدب الحرب الدارج كي يحتضن الإنتاج الجديد والجميل والمختلف للنساء، ففي الوقت الذي درج فيه البعض على تعريف أدب الحرب بأنه الأدب الذي يصف الأحداث على خط النار، ويتعامل مع تفاصيل المعارك والقتل والدماء ترى بثينة شعبان أن المرأة قد كتبت عن الآثار الاجتماعية والنفسية للحرب ووصفت تأثير الحرب والدمار على النفس الإنسانية، والعلاقات الأسرية والروابط الاجتماعية والدينية والانتماءات السياسية، وبهذا فقد وسَّعت المرأة الكاتبة مفهوم أدب الحرب، وعمَّقته وجعلته أكثر ارتباطًا بحياة النساء بما فيها من حزن وفرح وتشوه ومآسٍ ونكبات، وبهذا يصبح أدب الحرب أقل مباشرة وأبعد أثرًا في حياة الناس وتفكيرهم.

وتتغير لهجة بثينة شعبان مع التغيير الذي طرأ على إنتاج النساء الأدبي، والذي أصبح أكثر شعبية وأبعد أثرًا في الحركة الأدبية العربية؛ بحيث أخذت النساء العربيات منذ السبعينات يكتبن بثقة، ويسبرن أغوار الذات في محاولة للوصول إلى العالمية. إنها الثقة بالنفس، والتخلص من ترسُّبات الماضي، ومحاولات إثبات الذات أو التشابه أو المساواة. وأخذت الروائيات العربيات في الثمانينات والتسعينات ينلن الجوائز، ويخترقن السوق الأساسية للكتاب، ويصبحن موضوع دراسة نقاد كبار في ملتقيات أدبية، بينما لم يكن هذا الحدث أبدًا منذ عقدين من الزمن.

ولهذا فإن الدكتور "محيي الدين صبحي" قد عبَّر خير تعبير عن طبيعة وأهمية هذا الكتاب حين قال في المقدمة:

إن هذا الكتاب ليس موسوعة عن الرواية النسوية العربية فقط، وإنما تاريخ للوعي النسائي العربي بالفن والمجتمع؛ لهذا تحسّ وأنت تقرؤه بتفتح الوعي واتساعه وتطور الفن وتعقده، وتحس بالرواية العربية تنمو وتتفتح وتتقدم على كل المستويات.

يسجل هذا الكتاب نقطة تحول في تأريخ الأدب العربي المعاصر، ويكمل نظرتنا إلى الرواية العربية شريطة أن نجد سفرًا مماثلاً له في دراسة الرواية التي كتبها الرجال، ففيما أعلم لا يوجد كتاب شامل كهذا في ذلك الموضوع.

(مائة عام من الرواية النسائية العربية، تأليف د. بثينة شعبان منشورات دار الآداب، بيروت، تقديم محيي الدين صبحي والغلاف لنجاح طال)

أضيفت في11/05/2005/خاص القصة السورية/ عن إسلام اونلاين ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

إشكالية المصطلح النقدي "الأدب النسوي"

 

بقلم الكاتب: نايف الخرابشة*

 

امل ان اجد صدرا رحبا لما ساطرحه هنا, فلا مجاملات في النقد: لا احد يستطيع القبول او الرفض لمجرد ذلك. النقد الادبي اعمق من الاراء الشخصية و القراءات السطحية. يجب الرجوع الى النظريات النقدية و العلوم الانسانية قبل اصدار الاحكام في بحر رفيع الشأن مثل بحر النقد الادبي. انا اختلف مع العدبد من الاراء التي وردت في الدراسة المنشورة. اعتقد ان الكاتبة دلال حاتم اصابت. فعندما تزخر الاعمال الادبية التي تقوم المرأة على انتاجها بالهموم النسوية و الشخصيات الادبية الانثوية, جميعه يؤدي الى بقاء الكاتبة حبيسة غرفة الكتابة النسوية. و مع مرور الوقت لا تجد الكاتبة مادة جديدة لطرحها, فما هي النتيجة لذلك؟ النتيجة هي السقوط في حبائل تكرار الذات و تكرار الطرح النسوي و لكن باشكال جديدة. فاين الابداع؟ و هل حققنا شمولية الرسالة التي يقوم الادب على افرازها؟ د.ناديا خوست تقول: برأيي هناك مدارس أدبية في العالم، وبين تلك المدارس لا يوجد مدرسة تدعى الأدب النسائي، وبالتالي يصنف الأدب الذي تكتبه المرأة في مدرسة من هذه المدارس الأدبية التي يشترك فيها النساء والرجال على حد سواء، لأن المرأة إنسان ذو موقع اجتماعي واقتصادي، وذو علاقات إنسانية بالمجتمع الذي نعيش فيه، ومن هذا الأساس تعبر عن مبادئها وعن رؤيتها إلى الحياة، وهي في ذلك تتفق مع بعض الكتّاب، وتختلف مع بعضهم الآخر، لذلك وعلمياً لا نستطيع أن نطلق اصطلاح أدب نسائي نجمع فيه كاتبات مختلفات تماماً في الأسلوب والاتجاه والرؤية الفكرية. هنا لا اجد مفرا من مخالفتي لما طرحته د. ناديا خوست. فالمرأة لديها هي- و انا هنا اقتبس من مفردات الكاتبة- "تعبر عن مبادئها وعن رؤيتها إلى الحياة، وهي في ذلك تتفق مع بعض الكتّاب، وتختلف مع بعضهم الآخر" بيد ان كاتبتنا هنا نسيت ان كتابات المرأة و في احيان عديدة تتسم بطابع خاص و طرح نسوي خالص و شخصيات انثوية و يتم تهميش الثيمة الانسانية الشمولية و عرض ثيمة فرعية و هي الثيمة النسوية-قضايا المرأة مطروحة منذ الازل و حالها كحال باقي القضايا التي تزخر بها السيرة الانسانية- و عليه, لا نستطيع ان نعمم ان القضية قضية اختلاف في الاراء. فهي ليست كذلك, هناك ادب سردي ذو سمات نسوية بحته تنفرد به بعض الكاتبات حيث يبقيهن ضمن امدية ضيقة عوضا عن الانطلاق نحو فضاءات أوسع لتلج الى بحور و عواصف الادب. و تقول الكاتبة ان المرأة " تعبر عن مبادئها وعن رؤيتها إلى الحياة،" . ليس دقيقا! فالعديد من الكاتبات يقمن بتوجيه رسالة الى العالم اجمع فحواها الظلم الذي وقع و يقع كل يوم على المرأة, أما ان كانت تعبر عن اراء تصب في بوتقة الانسانية و تتناول ما نحياه فوق خشبة مسرح الحياة, فانها هنا تشترك مع الرجل أو الكاتب في الطرح الشمولي الازلي و بهذا فهي تخرج من نطاق سلطة نسوية الكتابة. و بهذا نجد ان الحكم يعتمد على النص ذاته الذي انتجته الكاتبة. مثال: فاحيانا نجد اختلافا في مستوى و نوع الطرح لدي كاتبة ما في نفس المجموعة القصصية لديها. فنجد قصة اتسمت بالطرح الانساني الشمولي و قصة اخرى اتسمت بالثيمة النسوية في نفس المجموعة القصصية. و تكمل د. ناديا "وهذا ما أقبله أنا، أما مفهوم الأدب النسائي فأنا أرفضه تماماً،" النقد نظرية و ليس رأي, فالقبول و الرفض يتم باسقاط النظريات على النص و ليس العكس. القاصة لبنى ياسين تقول "نحن لا نخلع شخصيتنا جانبا أثناء الكتابة مهما حاولنا أن نكون حياديين," ليست الشخصية التي تنتج العمل بل تيار اللاوعي اللارادي الغير مدروس او مخطط له. أم الأصح ان نقول ان فن الفعل الابداعي لا يعدو مجرد مناجات للذات الانسانية في محاولة للتصالح معها. الكاتب أو الكاتبة لا يقوم اي منهما بالحكم و توجيه اراء الاخرين أو المتلقي للنص. تخيل ان الكاتبة تجلس لتكتب كل يوم من الساعة السابعة مساء و حتى العاشرة ليلا و في كل يوم تقوم بمراجعة خطة انتاج العمل الادبي للوقوف على سير العمل؟!!! لا يستقيم هذا مع الابداع. النص يولد عندما تنضج بذاره و لا احد يستطيع تشخيصها لحد الان. او التنبؤ بوقت الولادة. "وطالما أن المعيار لهذا التصنيف ليس بقصد الإقلال من شأن المرأة بل بقصد إظهار خصوصيتها واختلاف رؤيتها فلم لا اقبله بل وارحب به أيضا؟!." الادب اسمى و ارقى من فكرة المهاجمة للاخر و التقليل من شأن المرأة. أما من يتعرضون للتقليل من شأن النص لا لشيء سوى ان كاتبة انتجته, فهؤولاء بعيدون كل البعد عن الوسط الثقافي الحقيقي. فالتناول يكون للنص و الحكم يكون لصالح أو ضد النص أولا و علية تتحد مكانة مفرزه الثقافية. تقول الروائية د. هيفاء بيطار "إضافة إلى أن المرأة تفهم العالم بصورة مغايرة لما يراه الرجل، فالمرأة لديها قدرة أكثر على الاحتضان والاستيعاب والتعمق في تفاصيل الأمور،". هل هذا صحيح؟ هل هذه مثبت علميا؟ "تفاصيل الامور" اية امور؟ هل هي الطروحات العاطفية أم السياسية أم الاجتماعية أم الدينية أم الاخلاقية أم الفكرية أم العلمية أم....الى مالا نهاية؟ فحسب ما اعلم ان الادب مساحات شاسعة و من كل الضروب و العلوم ايضا. أم ان هذه الامور هي امور المرأة, فاذا كانت كذلك فاننا نقع من جديد في حبائل غرفة نسوية الكتابة. فلم يثبت ان المرأة تجيد الكتابة اكثر من الرجل او العكس من ذلك. مرة اخرى: هناك نص جيد و نص رديء و هو المقياس. و تكمل الروائية " أنا مع أن يوجد مصطلح أدب نسائي ولكنني ضد أن يطرح هذا المصطلح على أساس أنه أدنى مستوى من أدب الرجل،" القاريء وحده هو صاحب الحق في تقييم مدى اقتراب العمل من محاكات ذاته عن طريق طرح قضية انسانية تمسه و ترتبط به بشكل وثيق مما يدفعه و بلاوعي للاشتراك في عملية بناء النص من جديد و تسلمه من الراوي. الناقدة الأدبية د.ماجدة حمود تقول: "مع أن المقصود من استخدام النسوية التعرف على الإبداع الذي تكتبه المرأة، وتلمّس مدى خصوصيته ". ماذا لو كتب الرجل ابداعا يتناول قضية معينة من قضايا المرأة كثيمة رئيسية لعمله الادبي؟ فهل نطلق عليه مسمى ابداع ذكوري, فقط لان كاتبه رجل؟ أين ذهب النص؟ و ايضا "النسوية تعني جملة ما تكتبه المرأة من أدب،" و هل جميع الكاتبات يكتبن فقط الطروحات النسوية في معظم اعمالهن؟ و هل هناك كاتبات يتقن فن التحليق في فضاءات ازلية ما انفك الانسان يتساءل عن ماهيتها؟ و تضيف الناقدة "فإن استخدام مصطلح النسوية مثله مثل أي مصطلح لا يحمل دلالات تفضيلية، إذن لا يُقصد من استخدام هذا المصطلح الإشادة بتفوق جنس على جنس أو عزل الإبداع النسوي عن الإبداع الذكوري، " هل يستطيع النص المتسم بالسرد النسوي الخروج من نطاق غرفة نسوية الكتابة و التحليق فيكون المتلقي له هو الانسان بغض النظر ذكر أو انثى, كهل أو يافع, ابيض أو اسود, عربي أو غربي, أو صيني...مستويات النجاح للنص تعتمد كما اسلفنا على مدى القبول و التلقي له من الاخر, اذا: نص لكل البشر و متقن و فيه سحر ادبي هو العمل الادبي الناجح و الذي ما انفك غالبية المبدعين ملاحقته علهم يوما ما يصطادونه! أرجو الاطلاع على الدراسة المتواضعة التالية لمزيد من الايضاح, حول هذه القضية الشائكة: ليس المهم "لغة أنثوية" أم "لغة ذكورية" بل المهم هي "اللغة الإنسانية" لتكون بوتقة ينصهر فيها الجميع، لغة مستحدثة وموضوعية لا تميز ولا تأخذ بعين الاعتبار مفهوم الجنس. فليس هناك "إبداع ذكوري" و"إبداع أنثوي" ، فلننطلق جميعا إلى تلك الفضاءات الشاسعة التي تنير الروح الإنسانية الجمعية. وما نجده من خصوصية تحملها الكتابات السردية الابداعية للمرأة هي نتيجة عزوف الرجل عن الولوج إلى تلك المساحات من الكتابة التي تهتم بتجسيد التفاصيل الدقيقة والمهمشة التي تحياها المرأة في المجتمعات الذكورية المتسلطة، فكان لا بد من وقوف المرأة للتصدي لهذا التغييب –وهذا مأخذ يؤخذ على الأعمال التي ينتجها الرجل التي تغيب عن مساحاته تناول شؤون وقضايا المرأة، ناهيك عن حب السيطرة والقهر الذي أوقع على المرأة منذ عصور التاريخ الأولى ، بالإضافة إلى رفض كتابات المرأة وابتعاد النقاد عن تناول نصوصها، فلا تعدو إشكالية المصطلح النقدي و"نظرية الأدب النسوي" سوى مجرد خطيئة ذكورية. لم تعد الكتابة الأدبية مقتصرة على أنماط معينة تتسم بعموميتها وتتبع عصورا أو حقبا زمنية محددة فحسب، حيث نستطيع أن نلحظ وجود أدب خاص بشرائح وقطاعات معينة في المجتمعات، حيث تقوم تلك الطبقات بإنتاج وإفراز أنماط معينة لها سماتها من الكتابة الأدبية يكون المحمول والمضمون فيها معبرا ومصورا لما يعايشون في كل صباح من صباحات الحياة. وتتجلى إحدى غابات هذا النمط السردي من الأدب في ترجمة حال هذه الشريحة المعينة من فئات المجتمع وطبيعة المصاعب والمشاكل التي يواجهون. وفي أغلب الأحيان يتم توجيه هذه الرسائل إلى العالم أجمع لتنصب في بوتقة الإنسانية. ومن الأمثلة على ذلك، إفراز أدب قائم بحد ذاته في الولايات المتحدة يدعى "Black Literature" أو "الأدب الأسود" حيث يقوم الزنوج على كتابته وإنتاجه ليطرح قضيتهم وما يواجهون من تمييز عنصري وهمومهم. فتغدو كتاباتهم ذات صبفة تجسدها لوحات شكلتها مساحات ملونة بألوان القضايا والممارسات السلوكية التي يواجهونها ويعايشونها في واقعهم اليومي لتستحيل عملية الكتابة ضربا من ضروب المواجهة. بيد أن الطرح الضيق الذي يحده نطاق معين يكون سبيله الفناء والزوال بزوال القضايا التي يتناولها النص المعني حصرا بثيمات تلك القضايا. أو تكرار ذات كاتبه بنفاذ القضايا المطروحة واللجوء إلى تناولها من جديد، ولكن بأسلوب وشكل جديدين مع بقاء المضمون واحدا. سنحاول الآن تناول بعض النظريات النقدية التي تسلط الضوء فوق مساحات ماهية الكتابة والإبداع الأدبي وشروطه التي لا بد لاي نص من استيفائها. يقول كانت ‘Kant’ أن الفن – والأدب ضرب من ضروب الفن- لا يعدو سوى مساحة من الخيال وليس ضربا من ضروب التفكير الصرفة، وأن الفنان أو الكاتب هو إنسان الرؤيا، وشرط نجاح العمل الأدبي الأساسي هو منحه المتلقي السعادة والمتعة. ومن هنا يصل مفكرنا إلى عالمية الفن وعموميته. فالكاتب لا ينصح أو يوجه القارئ ولا يغذيه بأية أفكار أيا كان مصدرها، وإنما عليه فقط أن ينصت للجمال ويستمتع به متخذا إياه زادا لحبره. حيث يجب عليك قبل أن تباشر فعل الكتابة الإبداعي أن تتجرد مما تحمله من أفكار وطروحات، و تكتب تأثير المتعة التي تمنحك إياها جمالية الموضوع المتناول. وهنا، سيتسم عملك بالعالمية والإبداع. وعليه، يكون Kant قد أوجد لغة مشتركة لجميع البشر لتغدو لغة عالمية دون قيود أو سمات تميزها عن غيرها من اللغات السردية التي تختص بشعوب معينة. وربما نستطيع تسميتها بلغة الروح أو مناجاة الذات الإنسانية من خلال التواصل بين ذات الكاتب والتي تمثل في الوقت نفسه ذات القارئ فيكون هذا التطابق، ومن ثم نخرج بلغة لكل البشر. وتستوقفنا بعض الأسئلة بناء على ما سبق: إن كان الأسلوب الجمالي هو الأهم في فعل الكتابة الإبداعي، فأين الرسالة التي يقدمها العمل الأدبي؟ وهل نحن نحيا في عصر مترف وخال من اللون الرمادي؟ وفي ظل حضور كل هذا القهر الذي بات يعايشه الإنسان، هل نستطيع تغييب همومنا وقضايانا وطروحانتنا وما نطمح إليه عن مساحات النص؟ وإذا أراد Kant أن يقول: لا تكتب، بل دع الجمال يكتب عنك! فأين الجمال في عصر القبح والبشاعة الذي نحياه؟ وعليه، يبرز هذا التصادم بين ما يطرحه Kant وما يسمى بـ "نظرية الأدب النسوي" الذي تقوم على تناول قضايا المرأة والدفاع عن حقوقها وحمل الهم الأنثوي عبر مساحات النص. لننتقل الآن إلى يونج الذي بنى نظريته النقدية والتي تتناول ماهية الإبداع وفعل الكتابة على ما أسماه بـ "" اللاشعور" أو تيار اللاوعي الجمعي والذي يمثل مصدر الإبداع الغني، وأن الأديب المبدع يستقي إبداعه من التجربة الأزلية للبشرية. وتولد حالة الوعي مع ولادة الإنسان، أما تيار اللاشعور أو اللاوعي فإنه قديم قدم الإنسانية، وقد كشف العلم الحديث عن وجود جينات معينة تقوم بتوريث الإنسان المادة الخام لعلم النفس، وهذا المستوى من اللاشعور تفرزه حصيلة التجربة الإنسانية الجمعية الي يتوارثها معظم البشر عند ولادتهم (عن طريق انتقال تلك الجينات الموروثة ليشترك البشر جميعا فيها) وهذا هو سبب عدم استطاعتنا في أحيان عديدة الوصول إلى كينونة الاضطرابات النفسية والحالات التي نلج إليها في أحلامنا أو حتى في لحظات الصحو والصفاء. مثل رؤيتنا لمشاهد أو صور وأمور تعرضنا لها فقط ضمن مساحات الحلم ولم نرى تلك الصور قط قبل ذلك، ولكننا بطريقة أو بأخرى نستشعر أنها كانت موجودة في أذهاننا ضمن مستوى ذهني نجهله. وعليه، فإن الإنسان يستطيع بطريقة ما الولوج إلى تلك المساحات الأزلية – ذهنيا على مستوى الفكر والروح- فلا يكون هناك سيطرة من قبل الكاتب على عمله الإبداعي لأنه وببساطة لا يستطيع أن يسيطر على تيار اللاوعي ومستوى اللاشعور اللاإرادي. وبذلك، فإن – يونج- يقوم بالقضاء على الشخصية الفردية للكاتب وصولا إلى الذات الجمعية فلا يتناول العمل الأدبي لدى يونج شخصا واحدا، بل يتناول جميع البشر من خلال طرحه لثيمة إنسانية شمولية. وبهذا يعد تقوقع بعض الكاتبات ضمن مساحات ضيقة عن طريق الاكتفاء بتناول قضايا المرأة مثل اقتصار بعض الكاتبات على تناول الثيمة النسوية في جميع أعمالها السردية القصصية لمجموعاتها القصصية إلغاء لشرط الإبداع الكتابي الإنساني الشمولي لديهن. فقضية الظلم الذي يقع على المرأة قضية أزلية قديمة وقد طرأ عليها تغييرات مع مرور الزمن وحالها كحال أي قضية أخرى تزخر بها السيرة الإنسانية حيث تتنامى القضايا وتتغير بمرور عجلة الوقت. ويجب على أي نص أن يستوفي شرطا أساسيا ليتسم بالإبداع وهو أن تكون الرؤية لهذا النص مستقاة من مجموع مساحات اللاشعور الكلية التي وفرتها لنا حصيلة التجربة الإنسانية إلى يومنا هذا بغض النظر عن جنس كاتبه. وهنا تتضح ضرورة طرح الأسئلة التالية: 1- لماذا تنحصر جميع الأعمال السردية ذات الطابع النسوي ضمن المجموعات القصصية أو الأعمال الأدبية التي تنتجها المرأة؟ 2- ولماذا لا يكون هناك بعض الأعمال السردية التي تتسم بطابع ومحمول نسوي تتضمنها مجموعة قصصية يقوم الرجل على كتابتها؟ وخصوصا أنها ثيمة إنسانية صرفة. وهل يعد هذا خروجا عن النص؟ هذه الاستفسارات بحاجة إلى إجابات من الطرفين. المرأة بحاجة ماسة إلى الخروج من نطاق زوايا وجدران غرفة نسوية الكتابة والولوج إلى مساحات وأمدية الثيمة الإنسانية مع إفراد مساحة للسرد الذي يتبنى قضايا المرأة ويتناول شؤونها المختلفة والتأكيد على عدم التخلي عن هذا النمط من الكتابة السردية، ولكن أن لا يكون هذا التناول على حساب الإبداع وشمولية رسالة وجمالية هذا السحر المسمى بالأدب. فتقع الكاتبة التي تتناول الثيمة النسوية في أعمالها بشكل حصري في حبائل تكرار الذات وتكرار الطرح والمحمول لأعمالها. ويتضح مما سبق أن ما يسمى بنظرية الأدب النسوي في عالم الكتابة والإبداع لا يعدو سوى خطيئة ذكوري أفرزتها مجموعة من الظروف والقوالب التي وضعت المرأة ضمنها، مثل حب السيطرة والقهر لدى الرجل والتعسف النقدي الذي تعرضت له نصوص المرأة وإبداعاتها و عدم منحها حق مشروعية الكتابة برفض الرجل لكتابات المرأة لغايات استمرار السيطرة والهيمنة الذكورية، ومنذ ذلك اليوم والمرأة أصبحت تحمل داخلها هواجس قضيتها. والأملثة على ذلك عديدة ومنها حياة الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف. يبدو أنه من الضروري على الدارس الأخذ بعين الاعتبار معطيات العصر الذي عاشت فيه السيدة وولف بكامل حيثياته وموجوداته من معطيات اجتماعية بالنسبة للتقاليد التي كانت سائدة آنذاك، والقيم والحالة الاجتماعية لعائلة السيد لزلي ستيفن (والدها) مما أدى إلى توفر معطيات عديدة كان لها أكبر الأثر في خلق وتشكيل النص الأدبي المشبع بقضايا وهموم المرأة بمختلف حيثياته لدى الكاتبة. وهنا يبرز أثر المجتمع الذكوري المهيمن في شتى جوابنه الاجتماعية والاقتصادية والدينية وغيرها لتلعب دورا جوهريا، فلكل فعل ردة فعل مساوية له في المقدار ومعاكسة له في الاتجاه – وهذا ما يقره علم الفيزياء- غير أن الأمر مختلف في تناولنا للأدب، فنحن نتعامل مع عقول بشرية ذات تجارب شخصية متفاوتة الدرجات بين أفراد البشر. إحدى مسلمات ذلك العصر هو التحاق الفتية بمدارس لينالوا قدرا من العلم ومن ثم يتجهون إلى الجامعات وبالأخص "كامبرج" حيث أن هذا الأمر هو حق مشروع ومكتسب لهم. أما الفتيات وفي أغلب الأحيان لا يسمح لهن بالالتحاق بالجامعات حيث يتوجب على الفتاة أن تتقن في الطبخ والغزل وأساليب الحياة الاجتماعية السائدة لأنها تصلح لشيء واحد وهو الزواج نسبة إلى السائد آنذاك. وكان لدى فرجينيا أخ يدعى جورج دوكوودث وهو من أب آخر غير لزلي ستيفن، حول حياة فرجينيا إلى جحيم من خلال تحرشه بها. فتحرشات جورج بها قد حطمت عالمها مما حذا بها إلى اتخاذ موقف دفاعي ضد الرجال. وبهذا يتضح أن حياتها كانت زاخرة بالمعاناة جراء وجود أب طاغية وأخ كجوج دوكووودث، وحرمان أكاديمي وقع عليها وحاولت جاهدة التخلص منه باتجاهها إلى القراءة واعتمادها على ذاتها لحصيل المعرفة حيث عرفت بنهمها الشديد للقراءة. وعرفت فرجينيا أيضا بكرهها للعنف الذي يدل على التسلط الذكوري، وكان العالم مزدحما بالحروب ومتخما بالجبهات في تلك الأثناء: اجتياح ألمانيا للنمسا وغزو إيطاليا للحبشة عام 1935، وحرب أهلية أسبانية عام 1936 واستيلاء اليابانيون على بكين عام 1937 مما أدى بها إلى تجنب الطرح السياسي في كتابتها. واتصفت أيضا بحساسية بالغة تجاه النقد، وخاصة كلما شارفت على إصدار أحد أعمالها الأدبية. فكلما انتهت من كتابة أحد أعمالها انتابتها حالة من الذعر والقلق المزمن، ويعود ذلك إلى تجربتها مع النقاد الذين كانوا ينتقدون أسلوبها وانتاجها الإبداعي لمجرد أن مؤلف تلك الأعمال هي امرأة، لا لشيء سواه. ومما سبق، يتضح أنه بوجود هذه العوامل والظروف التي أحاطت عالمها وشكلته وهدمته في الآن نفسه، ومجموع القيود التي فرضها المجتمع والأدباء والنقاد في ذلك العصر مما ولد لديها كما هائلا من النوبات العصبية وحالات الانتكاسات الصحية، وأيضا شعور فرجينيا بالحرمان الأكاديمي وحصول رجال كامبرج على الامتنيازات وتحرشات جورج أدى إلى ولوج الكاتبة إلى مساحات "نظرية الأدب النسوي" من دون قصد وبشكل لا إرادي وغير متعمد منها، فكانت الكتابة لديها محاولة للتصالح مع الذات عن طريق محاولة رفع الظلم الذي وقع عليها. وهذا التعسف الذكوري هو ما أحال المساحات البيضاء لديها ساحة للسجال. سنحاول الآن تناول عدد من الأعمال القصصية السردية لعدد من الكاتبات الأردنيات ضمن محاولة للوقوف على مدى خروج الكاتبة من نطاق دائرة الكتابة النسوية أو عدمه أو انتقال الكاتبة من مساحات الثيمة ذات الطابع النسوي إلى مساحات الثيمة الإنسانية الجمعية أو المزج بينهما. ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى الغاية المرجو بلوغها من هذا التناول، وهو العرض التشريحي لتلك الأعمال بما تحمله من قضايا وهموم وطروحات تمحورت حول قضية المرأة أو انطلقت نحو فضاءات أوسع، ومع التركيز على ضرورة استمرار إنتاج هذا النمط من السرد الذي يتسم بطابع نسوي لمواصلة رفع الظلم عن المرأة وتعزيز مكانتها في المجتمع أينما كانت. ولكن، مع الأخذ بعين الاعتبار أن لا يطغى هذا الطرح على مجمل المساحات السردية القصصية لدى الكاتبات فلا تعدو عملية السرد حينها سوى تكرارا لذات القاصة، بعد أن يتم استنزاف القضايا المطروحة ويتم الاتجاه إلى تناولها مرات عديدة أخرى، ولكن بأشكال جديدة بيد أن المضمون يبقى واحدا مكررا. يستطيع القارئ ملاحظة اتسام قصة "ارتباك" من مجموعة "سيدة الخريف" للقاصة جميلة عمايرة بالثيمة النسوية لما تتناوله من تجسيد وتصوير لعلاقة تشوبها الكراهية والحقد ما بين طرفين هما الرجل والمرأة (هي و هو) حيث تصور القصة حياة صبية يتم استغلالها من قبل رجل مسن – وهذا الرجل هو صديق والدها المتوفى- ولطيبة هذا الرجل المسن وما أظهره من حسن النية فإن الصبية تقبل بالزواج منه وبمجرد ما أن يتم الزواج يتحول هذا الزوج إلى مفترس شرس نسي كيف تكون الرحمة فيحيل حياتها إلى جحيم متسما بالتسلط والهيمنة في سلوكياته تجاهها لإلغاء وجودها وفرض وجوده هو. ويتضح ذلك من خلال رواية المرأة لأحداث ومجريات القصة: "كان يريدني أن أبقى أسيرة عالمه وصوره" "حضوره الذي لم يكن بغير إلغائي، لاشيء غير قابل للنسيان مثل أن نكون ضحايا الإلغاء" وتمر الأيام ويموت العجوز غير أن المرأة لا تستطيع التخلص منه لما كان له من أثر سيء في حياتها "كنت أضع الصور أمامي لأقول له: "أنت مجرد صور على ورق. خيالات" وبالمقابل أؤكد لنفسي: "أنا الحاضرة الآن" ثم أحرقته صورة إثر صورة" وبهذا تتضح العدائية التي تكنها هي له، أما مصدرها فهو الظلم الذي ألحقه بها الزوج. وتكتمل الشخصية الرئيسية سردها لمأساتها ومحاولتها التطهر والانعتاق من الذكرى السيئة والألم الذي سببه لها. وبهذا تكون القاصة قد قامت بتصوير هذه المشكلة الاجتماعية التي تذهب ضحيتها النساء. ومن ثم تقوم القاصة بمحاولة رد الظلم عن الشخصية الرئيسية في القصة لتقوم المرأة بوصف وصايا الزوج بالحكايات الخرفة وتتساءل حول إمكانية اتصافه بالإنسانية وتلقي بثيابه بعيدا بيد أنها تدرك أخيرا أنها مازالت أسيرته مع أنه مات وتركها لخياراتها. مما يدل على حجم التخوف والهلع اللذان تعيشانه "وصاياه التي أسماها حكمة العمر – حكايات خرفه يحفظها العجائز... أكان يملك روحا حينذاك؟... ألقيت بثياته التي أوصى بأن تبقى في خزانته، في حاوية القمامة، كانت أنانيته بشعة إلى هذا الحد، لم أرد له أن يتكرر، ولو بثيابه... أدركت بأنني أسيرته وهو ميت" وتزخر المساحة السردية بمثل هذا النمط من العبارات اللفظية. وحب السيطرة لدى الزوج يحذو به إلى تغييب ذات زوجته ومصادرة كينونتها "كان يرديني ظلا له أو خيالا يلازمه... كنت أدور في فلكه كما أرادني منذ أول يوم قدمت فيه لمنزله.. ليس الموت معه ماكان يخيفني، بل الموت داخل ذاتي أنا" أما موت العجوز فقد ألحق بها هذا "الارتباك" فتقول: "ولم أحزن لموته قط بل ربما أحسست بمقت له أشد عمقا. لم أذرف دمعة واحدة، إذ أنني لم أستطع جلبها إلا للبكاء علي" وحتى رمزية العنوان تصب في بوتقة الثيمة النسوية "فالإرتباك" ماهو إلا هذه الثيمة التي تجسدها الكلمات الأخيرة في القصة بوضوح "وجسد يخشى انطلاقة حريته الوليدة" فهي تشعر بالارتباك الناتح عن خشيتها وخوفها من انطلاقة جديدة نحو الحياة بأن يتكرر ماحدث في الماضي "صرت حرة أخيرا. لكنني مازلت مكبلة بعجزي عن أن أغفر له.. أبدا.. لقد تحررت لكنني، مع هذا، أحتار في كيف أتحكم بهذه المساحة الكبيرة التي انفك عنها القيد... أقع في الحيرة والارتباك.. لكني أخاف خوفي من مجهول ما سوف تحمله الأيام القادمة". و عليه, نجد ان القاصة العمايرة كتبت قصة نسوية بحته. سنحاول الآن تسليط الضوء فوق مساحات قصة أخرى وهي قصة "النافذة" حيث تحاول العمايرة هذه المرة تغييب ذات الكاتبة والوصول إلى ذات القارئ أو الذات الإنسانية من خلال توظيف أسلوب السرد الحداثوي وإبراز المحمول الحداثوي أيضا الذي ينصهر في بوتقة الثيمة الإنسانية. وقد أصبح الولوج إلى سيكولوجية الشخصية في الأعمال القصصية من السمات البارزة التي تتسم بها الآلية السردية الحداثوية. ويستطيع القارئ ملاحظة وجود نوعان من الحبكة تضمنتهما القصة، هما: حبكة الحدث والتي تستمد أحداثها من الأفعال اليومية والسلوكيات الحياتية في هذا العصر –عصر الحداثة، "كنت قد صرخت في وجه أمي.. ركبنا السيارة... أخذت أغني وأحث أخي على القيادة بسرعة .. وصلنا ساحة كبيرة... صفعني أخي على وجهي... ،نهضت بصعوبة ... صحت بصوتي.... تردد قليلا قبل أن يسارع إلى الخزانة ويفتحها.. سارع إليه ثلاثة رجال... الخ..." . وحبكة الشخصية كذلك والتي تصف الحالة النفسية والذهنية لشخصيات العمل السردي وما يختلجها من صراعات مع الآخر والذات أيضا. فتقوم الكاتبة بتصوير الحالة السيكولوجية التي تعايشها الشخصية الرئيسية في القصة التي تقوم بعملية السرد. وتسجل الكاتبة ثيمة إنسانية وهي الحق المشروع للأم بأن ترعى أبناءها وحرمانها من الأمومة هي صفة بربرية لا تمت للإنسانية بصلة، ونتائجها وخيمة "وكنت قد صرخت في وجه أمي: أين طفلي؟ أني ذهبت بهما، لماذا أخفيتهما عني؟ أنا الأم، أمهما" ويؤدي هذا الحرمان إلى ولوج الشخصية لمساحات الحالة السيكولوجية المتمثلة بالاضطرابات التي تعانيها سواء أكانت صحية أم ذهنية. وتصف الشخصية الرئيسية في العمل حالتها الصحية الناتجة عن تعاطي العقاقير في المصح النفسي قائلة "صباح اليوم التالي هممت بالنهوض، إلا أنني لم أستطع، شعرت بالإنهاك، لم أفعل شيئا، يداي تؤلمانني، قدماي ثقيلتان مخدرتان. ماذا حدث؟ أنا عاجزة عن القيام بأية حركة كغسل وجهي مثلا، أو القيام بأداء تمارين الصباح الخفيفة التي اعتدت القيام بها في السابق؟". أما مساحات الحالة الذهنية، فهما مساحة الوعي والتي تكون الشخصية فيها مدركة تماما لما يدور حولها من أحداث والمتمثل بإيمانها بأنها لا تعاني من أي مرض أو اضرابات نفسية "أنا منتبهة تماما، صافية الذهن.." وأيضا: " صحت بصوتي: من وضعها، ولماذا؟ لست مريضة، أنا لست مريضة". ومستوى اللاوعي، وهنا يتدخل العقل الباطني للشخصية الرافضة لصفة المرض ليؤكد على وجود الاضطرابات النفسية التي تعاني منها الشخصة الرئيسية "الكلمات، كلماتي أنا، فقدتها هي أيضا، كلماتي لم تعد لي، لحقت هي الأخرى بهم وانضمت إلى كلماتهم. لم يتبقى لي شيء. لم يتبقى لي أحد. حتى علاقتي بي أصبح يشوبها الخوف، والقلق، والكوابيس، ولم أعد أعرفني" . حتى أنها لم تعد قادرة على إدراك كم من الوقت مضى على وجودها في المصح "بعد زمن – لا أعرف- أطويل هو أم قصير على وجودي هنا وحيدة..". وابتعاد العمايرة عن استخدام أسماء لشخصاتها بحيث اعتمدت المسميات لها مما ساهم في منح القارئ فرصة المشاركة في بناء العمل السردي من خلال تقمصه لدور ما ينتقيه بناء على المطابقة والتوافق بينه وبين شخصية معينة لاشتراك كلاهما في حبكة الحدث أو الشخصية عن طريق معايشة القارئ لنفس التجربة في مرحلة زمنية سابقة أو إمكانية ولوجه إلى مساحة مشابهة في المستبقل. فشخصياتها هي الأم التي تعاني من الاضطرابات النفسية والتي تعرف عن نفسها باستخدام ضمير المتكلم "أنا" في بداية السرد وأخاها ووالدتها والممرض العجوز وثلاثة رجال وطفلاها، دون استخدام أسماء. وقامت الكاتبة أيضا بتوظيف عملية الجمع بين الأضداد على المستوى الرمزي للعنوان والمستوى البنيوي للقصة – فهي نافذة، ولكنها في الواقع ليست نافذة، وهي قصة حداثوية ولكنها في الواقع ليست كذلك. فرمزية العنوان توحي بتوفير مساحات شاسعة يستخدمها القارئ لبناء العمل السردي. فالنافذة هي مجرد مدخل لأشياء أخرى عديدة حيث يتم توظيف مفردات ذات دلالات مماثلة (باب، درب، طريق، مفترق طرق) وجميعها توحي ببدايات تمنح القارئ مساحة للتخيل وآفاق واسعة – على الأقل لمحاولة التنبؤ بماهية العمل وحداثيوته- أما نافذتنا هنا فهي معبر تنفذ منه خيوط الشمس المنسلة إلى المساحة المكانية التي تحيا ضمنها الشخصية الرئيسية في العمل "من النافذة المشرعة رأيت خيوط شمس العاشرة تتسلل إلى الغرفة" وما تلبث إلى أن تتحول إلى جدار لتضيف مايزيد عزلتها ووحدتها، حيث تغطيها الاتربة فتغدو الأم حبيسة جدران الغرفة الموصدة، ولتخدم تصاعد الحبكة في العمل "الغبار والأتربة بنيا سماكة قاتمة حجبت الرؤية عن زجاج النافذة: نافذتي إلى العالم وصلتي الوحيدة به" . وحتى ثقتها بكلماتها تضعف مع التقدم في عملية السرد لتصل إلى مرحلة تعلن فيها فقدانها لكلماتها التي لم تعد تجدي نفعا، مما يشير إلى سوء حالتها النفسية. وتسجل القاصة أيضا تحولا في البنية السردية للعمل، من سرد حداثوي سيكولوجي وصولا إلى النهاية المقفلة التي تحققها كاتبتنا بإنهاء حياة شخصيتها عندما تقوم بالانتحار الغير مقصود واللاإرادي مما يسلب القارئ الفرصة لمحاولة متابعة القصة ما بعد السطر الأخير، حيث تتميز الأعمال الحداثوية بنهايات مفتوحة- في أغلب الأحيان- ليقوم القارئ بمحاولة إقفال. وبذلك تسجل الكاتبة هذا التحول من الإيجابي إلى السلبي ضمن مستويات توحي بدلالات مختلفة، مثل (النافذة الجدار). فتغدو قصة "النافذة" مزيجا من ثيمة سيكولوجية الشخصية وثيمة الأمومة، ويبدو واضحا أن السرد السكولوجي هو المسيطر على المساحات السردية للقصة. ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى ثيمة ثالثة تضمنها العمل، وهي ثيمة الطبيعة أو "Nature" وهي ثيمة ذات طابع إنساني شمولي تم توظيفها منذ بدايات الكتابة السردية ببساطة لأنها قديمة قدم الإنسانية، أما العمارة والمجتمعات الحديثة فهي مولود حديث العهد. وقد قام العديد من الكتاب العالميين بتوظيف عناصر الطبيعة في أعمالهم لتكون مساحة يهرب إليها الإنسان المعاصر لينشد الصفاء والخلاص من الماكينة المدنية التي يحيا ضمن مسنناتها الحادة، والأمثلة عديدة ونذكر منها: مسرحية "Death of Salesman" أو "موت رجل المبيعات" للكاتب الأمريكي آرثر ملر. وتدور أحداث المسرحية حول "Willy Loman" الشخصية الرئيسية، وهو رجل مبيعات يحيا في عالم تحكمه المادية ويتم الاستغناء عن خدماته ويقوم الكاتب بطرح وتصوير المشكلات الاجتماعية الناتجة عن تحكم المذهب المادي في المجتمع الأمريكي وزيف ما يسمى بـ "الحلم الأمريكي" . وعليه، يلجأ Willy إلى الريف للهروب وبلوغ الخلاص (على طريقته) حيث ترمز الطبيعة هنا إلى الماضي بجميع أبعاده والانعتاق من سلطة المادية، فكان لا بد لـ ًWilly أن يتجه إلى الريف ليهجر حاضره المؤلم ويتجنب غده المعتم. ويسجل الكاتب الإنجليزي "George Orwell" توظيف لثيمة الطبيعة في روايته الشهيرة "Coming up for Air" أو "تنفس الصعداء" والتي يلعب "George" دور الشخصية الرئيسية في الرواية، وهو موظف لدى شركة تأمين يسعى جاهدا إلى الذهاب في إجازة إلى منطقة "Lower Binfield" الريفية هروبا مما أحدثته مخرجات الثورة الصناعية من آفات وكوارث لحقت بالطبيعة وأوجدت مجتمعا مدنيا يدعي التحضر والإنسانية. أما George ، فإن الطبيعة تمنحه شعورا غامرا طافرا بالسعادة والصفاء فيشعر أنه مازال على قيد الحياة، على عكس ما تمنحه المجتمعات المتحضرة من مزاجية سوداوية متشائمة وقاتمة، فيقرر التوجه إلى بلدة Lower Binfield، لبلوغ السكينة والخلاص ولكنه يفاجئ عند بلوغها بأن الصناعيين قد حولوها هي أيضا إلى منطقة صناعية تملوها المصانع والآليات، وهنا يبكي حاضره ويستشعر الرماد القادم في المستقبل، وهذه الرؤية التي أراد الكاتب إيصالها إلى البشر والمتمثلة بأنهم موتى حتى ولو كانوا واقفين على أقدامهم لأنهم يحيون في عالم من التدهور المطرد، ولا سبيل لنجاتهم إلا ببلوغ الطبيعة والرجوع إلى الماضي الذي يمثل العالم المثالي. ومن هنا تتضح أهمية هذه الثيمة الإنسانية التي توصل صاحبها إلى عالمية الخطاب وشمولية الطرح. وبعودة إلى قصة "النافذة" نجد أن العمايرة قد قامت بتوظيف هذه الثيمة والمتمثلة بوجود المصح في بيئة ريفية تدعو إلى السكينة، حيث يؤخذ المصابون باضطرابات نفسية إلى تلك الأمكنة لمساعدتهم على التماثل للشفاء. تقول الأم واصفة المصح "وصلنا ساحة كبيرة مبلطة، لامعة ونظيفة، تظللها أشجار الحور والسرو الخضراء، داخلها مبنى بطابقين اثنين.." . وباتضاح الاختلاف والتباين في المحمول والرؤية المطروحة ما بين قصة "النافذة" وقصة "ارتباك" نجد أن العمايرة تسجل خروجا من نطاق دائرة الكتابة ذات الطابع النسوي وولوجا إلى مساحات الثيمة الإنسانية المبنية على المحصلة الكلية للتجربة البشرية ضمن المساحات السردية للقصة "النافذة". لنحاول الآن الانتقال إلى مساحة سردية أخرى بتناولنا للقصة القصيرة "ثوب"، للقاصة جواهر الرفايعة. ربما يتبادر إلى ذهن القارئ لأعمال الرفايعة أنها تكتب القصة القصيرة بيد أن الرفايعة استطاعت أن تستغل مجمل المساحة السردية لتكون القصة لديها بمثابة رواية طويلة تروي حكاية أزلية عهدتها البشرية منذ القدم وعايشها الإنسان مع ولادة أولى الأزمان بتصويرها الوضع الاجتماعي القاتم الذي تغدو فيه المرأة على قيد الحياة في المجتمعات الذكورية المهيمنة، فالفرق شاسع بين أن نحيا وأن نكون على قيد الحياة. يجسد العمل السردي لديها ذاك الاستلاب لحقوق ورغبات وطموحات وحتى أحلام المرأة وصولا إلى تغييب ذاتها ومصادرة كينونتها وعوالمها الداخلية وحتى إن تطلب الأمر محوا لذاكرة الجسد لتمحى الروح ويبقى الجسد. ونلاحظ أيضا أن هناك مزيجا من الألوان تراشقت فوق المساحات البيضاء لتمنح الحياة للنص، حياة زاهية ومفعمة وحياة أخرى معتمة يملؤها الموت المتمثل بموت الذات للأنثى في القصة وتغييبها عن مساحات السرد. حيث تبدأ القاصة برسم لوحتها باستخدام ألوان زاهية لتعبر الفتاة عن فرحها وحيويتها المفعمة بالحياة، فتقول في أول سطر سردي "كنت أهيم في مد من الخضار" واللون الأخضر هو رمز السكينة والتصالح مع الذات ولون الجمال الهادئ ثم تصف الفتاة تحليق روحها في الفضاء على شكل فراشة ملونة ضمن مساحات الحلم والتي توفرها السهول الخضراء وما تمنحها من سكينة. والفراشة تجمع بين جناحيها مزيجا خلابا من الألوان الزاهية التي تستثير فينا الحياة" "روحي غزالة ترمح في الحلم أن سأتشكل فراشة ملونة.. وأواصل ركضي في الخضار الذي يلف البيت" والفتاة تغمرها السعادة وما أن تهم بالضحك لاستشراقها حياة يملؤها النور- والنور دلالة رمزية لونية ذات بعد إيجابي- حتى يقتل تلك الضحكة صوت ذكوري، فأحلامها هدمت وباتت أطلالا بحضور الكوابيس الذكورية "وحين أهم بإفلات ضحكة لافق واعد بالنور يخنق ضحكتي الجنينية صوت ذكري، إنه والدي! لماذا ياترى يناديني بهذه الحدة!". وهنا نصل إلى المساحة الحاسمة ونقطة التحول في السرد والتي ترمز لها المساحة البيضاء "اركض بسرعة من خضاري إلى بياض البيت..." فاللون الأبيض لون نقي سريع التأثير ينم عن صفاء وبراءة. وما قبل هذه المساحة السردية هي مساحة زاخرة بألوان الحياة والمساحة البيضاء هي المساحة الفاصلة والانتقالية حيث يتغير كل شيء بعد هذا السطر ليغدو السرد سلبيا ومعتما بسواد يغطي جميع الألوان السابقة بما فيها الأبيض. ونلاحظ ذلك من خلال الألوان والمفردات التي تم توظيفها وصولا إلى نهاية القصة والتي تشير إلى هذا الواقع السلبي والقهري الذي تحياه الفتاة، "والدي وأخواتي الغلاظ يتكومون بانتظاري، ووالدتي وأختاي يغسلن أكواما هائلة من ملابس قذرة.. غمز والدي أحد أخوتي الشداد... عرتني حينها حيرة يشوبها خوف أنثوي... وضع أخي الغليط كيسا أمام والدي.. صوت والدي يفجر الصمت: تعالي!..."وتستمر السوداوية "جاءت أختاي بإشارة من والدي ونزعتا عن جسدي الصغير ثوبا قصيرا ملونا بألوان الفراش. حزنت كثيرا وبكبت بمرارة، ذاك ثوبي الجميل أحبه كثيرا. لكن أمي التي لا حول لها ولا طول همست في أذني بجزع: لقد كبرت! أخرج والدي ما في الكيس... ثوبا أسود طويلا وشال أبيض. مرة أخرى يعاودني ذات الإحساس بأنني ممثلة على خشبة المسرح، أو شاهد صامت وسط رقصة جنائزية. ألبستني أمي الثوب ولفت رأسي بالشال فدهمني شعور غامض بأني لست أنا وأني كبرت سنينا. أمسكتني والدتي من يدي ومشت إلي خافضة الرأس والعينيني كلتانا، حيث أشار والدي بصوت حازم: إلى هناك! في الغرفة الضيقة حيث جلست وسط أخوتي". وعليه، تكون القاصة قد قامت بتوظيف الرمزية المرتكزة على توظيف الألوان المستمدة لدلالاتها من إيحاءات ومدلولات تمنحنا إياها الألوان، ونجد هذا البعد الرمزي لدى العديد من الكتاب، ومنهم الكاتب الأمريكي "نياثنيل هوثورن" صاحب الرواية الشهيرة "The Scarlet letter" أو "الحرف القرمزي،" والتي بنيت على المستوى الرمزي المستند إلى إيحاءات الألوان. مما يساهم في تفسير حالة القهر والسيطرة الذكورية والواقع الاجتماعي ليصب في بوتقة الثيمة ذات الطابع النسوي. أما الأفعال فقد تم توظيفها بما يتناسب مع رمزية الألوان والمساحات السردية التي تقوم الألوان بفصلها حيث نلاحظ أن أغلب الأفعال التي وردت في بداية القصة هي أفعال تقوم بها الشخصية الرئيسية في العمل، وبهذا فهي أفعال تجسد الإدارة الحرة للأنثى لقيامها بالفعل وكونها المؤثر في عملية الفعل، "كنت أهيم، سأتشكل فراشة ملونة، وأظل تتلقطني احضان النائم، أواصل ركضي في الخضار، أهم بإفلات ضحكة لأفق واعد بالنور، ...الخ.." وحتى لو وقع عليها الفعل وكانت هي المتأثر به، فإن هذه الأفعال ذات دلالة إيجابية، مثل "وروحي غزالة ترمح، ترشقني العيون بالإعجاب، ربما تخطفني أصابع عاشق ولهان ويهديني لحبيبته". ومن ثم نصل إلى المساحة الانتقالية والتي تقوم القاصة بالفصل مابين الأفعال التي تمنح الأنثى الإرادة الحرة والأفعال التي تسلبها كينونتها وتحيلها إلى مساحات معتمة، وهي أفعال مؤثرة يقع تأثيرها السلبي على الشخصية الرئيسية في العمل. حيث وظفت القاصة الفعل وعدت، من جملة "عدت بسرعة من خضاري إلى بياض البيت" ومرة أخرى تتفتح المساحة البيضاء الفاصلة مابين الألوان الزاهية المفعمة بالحياة والتي تجسد ذات الأنثى وحياتها والألوان القاتمة المغيبة لذات الشخصية التي يرسم بها والدها لوحة القهر والاستلاب. أما الفعل "عدت" فهو وليد الفعل "يخنق" الذي يعود على (صوت ذكوري) فعودتها إلى البيت جاءت نتيجة مناداة والدها عليها بحدة خنقت ضحكتها الواعدة بالنور. ومن الأمثلة على الأفعال ذات المحمول السلبي والمؤثرة في الشخصة "والدي وأخواتي الغلاظ يتكومون بانتظاري، ووالدتي وأختاي يغسلن أكواما هائلة من ملابس قذرة، غمز والدي أحد أخوتي الشداد، تطلع والدي في جسدي الصغير، صوت والدي يفجر الصمت: تعالي!، جاءت أختاي بإشارة من والدي ونزعتا عن جسدي الصغير ثوبا قصيرا ملونا بألوان الفراش، أخرج والدي ما في الكيس: ثوبا أسود طويلا..، ألبستني أمي الثوب، أمسكتني والدتي من يدي ومشت، الخ..." وبهذا نستطيع تقسيم القصة إلى ثلاث مساحات سردية: المساحة أ: وهي مساحة الألوان المتنوعة الزاهية والمفعمة بالحياة، والأفعال التي تمنح الأنثى الإدارة الحرة وفرصة الاختيار. والمساحة ب وهي المساحة البيضاء التي تتسم بالصفاء فتغدو سكينة وهدوء يسبقان التحول في نمط السرد. والمساحة ج، وهي المساحة السوداء المظلمة والأفعال الذكورية المحضة التي تنتج فعل القهر والسيطرة ومصادرة الذات. و بهذا نرى ان القاصة قد اثرت البقاء حبيسة جدران غرفة نسوية الكتابة على التحليق في امدية لا يحدها نطاق. في شوارع الكتابة وأزقتها، وضمن أحياء القصة القصيرة الواقعية نستطيع تناول القاصة حزامة حبايب لما تتسم بها الآلية السردية لديها من حداثوية تجسد صور الفعل الاعتيادي الذي نمارسه ونحياه فوق خشبة مسرح الحياة، كما لو أن الكاتبة تكتب قصة عنوانها "الحياة" فلا تعدو المساحات السردية لديها سوى اجتزاءات واقتطاعات من الحياة الاعتيادية غلفتها قطع من المرايا الزجاجية المتقنة الصقل فتكون المساحة السردية هي مجرد انعكاس غاية في الدقة للمشهد المواجه لها، فعندما يقف الشخص أمام المرآة فإنه يرى صورته فوق مساحاتها المصقولة. أما مجموع هذه المرايا، فإنه يشكل اللوحة الكلية التي تجسد الواقعية "Realism" أو المرآة الكلية التي تعكس الصور الاعتيادية اليومية للحياة. كزائر للمتحف السردي الحداثوي، أرى "انعكاسي" في المرايا وبالتالي أحاول "قراءة نفسي" من خلال رحلة تذوق النص لدى حزامة حبايب. بهذا نلاحظ أن الثيمة الإنسانية أو الذات الجمعية لدى حزاما حبايب هي من الثيمات الرئيسية في العديد من أعمالها الأدبية. سنحاول تناول قصة "حلم واقعي... إلا قليلا" من مجموعة "ليل أحلى" حيث يستطيع القارئ الوصول إلى ثيمة القصة بيسر وسهولة وهي قضية الفقر وآثاره التي يلحقها بحياة البشر لتصور القاصة الجوانب الاجتماعية لهذه الآفة، فتغدو هذه القصة أشبه ما تكون بمرافقة قانونية تدافع فيها قاصتنا عن حق الإنسان في العيش الكريم بيد أن محاميتنا تجد نفسها وحيدة في ساحة المحكمة الخالية من الناس والقضاة على حد سواء، وهذا ما يعلل الاستسلام السردي بانصياع الشخصيات للتعايش مع الوضع السائد من دون أدنى محاولة للمقاومة والتمسك بالحياة. فحتى الحلم لديها يضيق بمساحاته ويغشل فيفقد السحر الذي تتم به الأحلام وتتحول غرائبية الحدث في الحلم إلى حدث اعتيادي منطقي وواقعي في حلمها لتصور هذه القصة درجة المأسواية ولتمس جابنا من جوانب حياتنا... نحن البشر. وتسجل حزاما هذا الامتزاج بين الحلم والواقع ضمن المساحة السردية للقصة، والواقع الذي تحياه الشخصيات هو ما يحفزها على استحضار أحلامها، بل واحتضانها أيضا. وتجيء مساحة الحلم رتيبة منطقية واقعية وحياتية مبتذلة كما لو أن هذا الواقع المرير الذي تحياه شخصيات القصة قد قرر مصادرة أحلامها وملاحقتهم حتى في الحلم لثقل هذا الهم الذي يطاردهم ليلا نهارا. ونجد ذلك بشكل صريح من خلال كلمات الشخصية الرئيسية (صاحب الحلم)، وهو الرجل الذي يكابد مع زوجته تلك المعاناة "رأيتني في المنام أسير في شارع فرعي... والحق أن الشارع لم يكن كشارع المنامات المعهودة، إذ يفترض في الشارع الذي ترتاده في الحلم أن يكون غريبا ومختلفا عن الشوارع التي ترتادها في الصحو، أي في الحياة الحقيقية... لكن الشارع الذي رأيتني أسير فيه في المنام كان شارعا عاديا، عادينا بصورة مبتذلة. كان شديد الشبه بالشوراع الواقعية التي نقطن فيها... كان مألوفا جدا... حياني صاحب الدكان الذي تطابقت سحنته الواهنة والمهرئة مع سحن سابقة اختزنتها ذاكرتي... البيوت الواطئة المتلازة التي كحلت جانبيه أعرفها... والأطفال أشباه العراة الذين استغلو البركة التي تشكلت حول الماسورة للاستحمام... ولعل الحقيقة بأن أحداث الحلم كانت تسير بصورة منطقية، ووفق نمط تدريجي مألوف بالنسبة لي ساهمت أكثر فأكثر في إذابة الخط الواهي بين القناعتين: قناعة الحلم وقناعة الحقيقة... كانت معالم الأشياء مكتملة وأصواتها كانت مسموعة، وأصحابها وردوا إلى في منامي حقيقيين... حقيقيين تماما. كل شيء كان يسير بسلاسة واقعية... كان وجهها مألوفا...الخ..." ونجد القاصة أيضا مثقلة بالهم الإنساني المتمثل بمعاناة البشر في كل زمان ومكان نتيجة عوامل عديدة ومنها الفقر والتي تختلف مسبباته، ومنها غياب العدالة الاجتماعية وسقوط الإنسان ضحية سيطرة وتحكم المادية في حياته وتأثيرها السلبي، وغيره الكثير مما لا يتسع مجال لذكره هنا. فتصور القصة الحياة الشعبية بعفويتها وبساطة اشخاصها ذوي السحن المهترئة "ومشيت ابتسمت لناس، وناس ابتسموا لي. ومعظمهم ناس أعرفهم أو عرفتهم، ناس أطلوا داخل رأسي معشقين بوجود يومي متكرر وروائح دارجة، رائحة خليط الليمون والملح والكمون التي تفوح فوق عربة الفول والبليلة لبائع أربعيني يشير لي بضمة بقدونس مرحبا... داريت لقيتي بسرعة مخافة أن يلحظني أحدهم، وطويتها في جيب البنطال الكالح ثم تحسست الانتفاخ المثني بحبور واطمئنان... دثرت قدمي بجورب... ثم أودعتهما في بسطار عتيق تكاثرت مساحاته وشقوقه فبات الماء يرشح خلالها بسهولة...". أما آلية السرد القصصي فهي في مجملها عملية استحضار من الماضي "Flashback" سواء أكانت مساحة الحلم أو مساحة السرد الواقعي التي تبدأ لحظة استيقاظ الرجل من الحلم بإيقاظ زوجته له. فيكون حال الراوي (وهو الرجل) كحال الحكواتي الذي يجلس فوق كرسيه ويباشر استرجاع الأحداث من الماضي ليسردها في الحاضر أو الزمن السردي الآني المتمثل بقراءة النص من قبل القارئ فتتزامن عملية السرد مع عملية القراءة. أما المساحة الزمنية لحدث الحلم فهي تسبق المساحة الزمنية للحدث الواقعي الذي يقع ما بعد الحلم (أي ما بعد استيقاظ الرجل). فعملية استرجاع الحلم وعملية استرجاع الواقع يتمان بشكل متزامن مع عملية السرد ومن جهة أخرى مع عملية القراءة. ومما سبق، نلاحظ أن بتوظيف القاصة لثيمة إنسانية وإظهار الذات الجمعية وهي ذات القارئ عوضا عن ذات القاصة كإمرأة وابتعادها عن الثيمة ذات الطابع النسوي، وتوظيف شخصية ذكورية لتغدو الشخصية الرئيسية في العمل، نجد أن القاصة تسجل خروجا من نطاق دائرة الكتابة ذات الطابع النسوي ضمن المساحات السردية للقصة المتناولة.

* نايف الخرابشة ناقد أردني مقيم في الصين. درس الأدب الإنجليزي في جامعة فيلادلفيا وتخرج منها في تاريخ 5-07 عام 2003 , ثم عمل في وزارة التربية مدرسا للغة الانجليزية لمدة عامين. عمل في الصحافة وكان قد نشر عددا من المقالات والدراسات النقدية والترجمات الثقافية في صحيفة الرأي الأردنية ومجلة تايكي للأدب النسوي  ومجلة نيشان وصحيفة الراية القطرية ومجلة مال وأعمال القطرية ومجلة الأمل القطرية التي تصدر عن الجمعية القطرية لمكافحة السرطان حيث كان يشرف على تحرير وكتابة استراحة ثقافية شهرية بمعدل 7 مقالات.

الصين Email: meyouandearth2006@yahoo.com

أضيفت في30/05/2006/ خاص القصة السورية/ المصدر الكاتب ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

كيفية المشاركة

 

Hit Counter

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية