أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: د. طالب عمران

       
       
       
       
       

 

الخيال العلمي والتكنولوجيا الحديثة

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

د. طالب عمران

ولد في طرطوس عام 1948.

تلقى تعليمه في المحافظة درس في  جامعة دمشق ، ثم نال الدكتوراه من الهند عام 1984 ويعمل في التعليم الجامعي.

عضو جمعية القصة والرواية.

 

مؤلفاته:

 

دراسات:

1 ـ العالم من حولنا (دمشق 1976)

2 ـ في الخيال العلمي (ابن رشد ـ بيروت 1980)

3 ـ نافذة على كوكب الحياة (دمشق 1980)

4 ـ في العلم والخيال العلمي (دمشق ـ 1989)

5 ـ سحر الأسطورة (دمشق ـ 1990) ترجمت للإنكليزية 1995.

6 ـ الحاسة السادسة (دار المعرفة ـ دمشق 1990 ط1 ـ ط2 1992 ـ ط6 1998) ترجمت للإنكليزية 1997.

7 ـ الكون يكشف أسراره (دار معد ـ دمشق 1992 ـ ط 2 1995)

8 ـ كوكب العاصفة (دار معد ـ دمشق 1993 ـ ط 2 1994).

 

قصص وروايات من الخيال العلمي:

1 ـ كوكب الأحلام (دمشق 1978)

2 ـ العابرون خلف الشمس (دمشق 1979)

3 ـ صوت من القاع (دمشق 1979)

4 ـ ضوء في الدائرة المعتمة (دمشق 1980)

5 ـ ليس في القمر فقراء (دمشق 1983 ـ ط2 دار الفكر 1997 ـ ط3 1999)

6 ـ أسرار من مدينة الحكمة (دمشق 1985 ترجمت للإنكليزية 1992 ونشرت في الهند)

7 ـ محطة الفضاء (دمشق 1987)

8 ـ تلك الليلة الماطرة (دمشق 1991)

9 ـ السبات الجليدي (دمشق 1992)

10 ـ ثقب في جدار الزمن (هيئة الكتاب ـ القاهرة 1992)

11 ـ الخروج من الجحيم (دمشق 1993)

12 ـ خفايا النفس البشرية (الكتاب العربي ـ دمشق 1994)

13 ـ بئر العتمة (دار علا ـ دمشق 1995)

14 ـ مساحات للظلمة (دمشق 1995).

15 ـ الذي أرعب القرية الآمنة (دمشق 1996)

16 ـ شحنة الدماغ (دمشق 1996)

17 ـ عوالم من الأمساخ (دار الفكر 1997)

18 ـ رجل من القارة المفقودة (دار الفكر 1997)

19 ـ فضاء واسع كالحلم. (دار الفكر 1997)

20 ـ مدينة خارج الزمن (دمشق 1999)

21 ـ الزمن الصعب (دار الفكر 1999) ط 2 (2002)

22 ـ رواد الكوكب الأحمر (دار الفكر 1999) ط 2 (2002)

23 ـ زمن القبعات المنتفخة. (دار الفكر 1999) ط2 (2002)

24 ـ شفافية أشبه بالصدى (دار الفكر 1999) ط2 (2002)

25 ـ التحول الكبير (دار الفكر 1999 ط 2 (2002)

26 ـ ابن الغابة (دار الفكر 1999 ط 2 (2002)

27 ـ بوابة خان الخليلي (دار الفكر 1999 ط2 (2002)

28 ـ النفق (دار الفكر 1999 ط 2 (2002)

29 ـ البعد الخامس (دمشق 2000)

30 ـ الظلال الأخرى (دار الفكر 2003)

31 ـ في كوكب شبيه بالأرض (ط 1 (1985) دمشق ط 2 دار الفكر 2003)

32 ـ البدائل المذهلة (دار الفكر 2003)

33 ـ مثلث الأسرار (دار الفكر 2003)

34 ـ امرأة من عالم مختلف (دار الفكر2003)

35 ـ البحث عن عوالم أخرى (دار الفكر 2003)

36 ـ أحزان السندباد (دمشق 2002)

37 ـ الأزمان المظلمة. (دار الفكر 2003)

38 ـ الأصابع السحرية (دار الفكر 2004)

39 ـ حورية البحر (دار الفكر 2004)

40 ـ في ليل الصحراء الغامض (دار الفكر 2004)

41 ـ أمومة لا تعرف اليأس (دار الفكر 2004)

42 ـ أنفاق العوالم الأخرى (دار الفكر 2004)

43 ـ طيور الليل (دار الفكر 2004)

44 ـ فوضى الزمن القادم (دمشق 2005)

45 ـ مزون (ملحمة روائية) (دار الفكر 2005)

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

القادمون من المستقبل

 طيور الأبابيل

 

طيور الأبابيل

 

كان يخضع لضغوط نفسية كبيرة، بعد وفاة والدته، بسبب الخلافات التي ظهرت بينه وبين إخوته على الإرث، كانت والدته قد ورثت عن أهلها شققاً سكنية في مناطق مهمة من المدينة، إضافة لنحو (50) دونماً من أخصب المناطق الزراعية..‏

وأتت هذه التركة قبل وفاتها بشهر، وحين عرف أولادها بها، بدأت المشاحنات منذ ذلك التاريخ بينهم، ولم يكتب لها القدر أن تعطي رأيها بالتوزيع قبل وفاتها..‏

وقد رأى عادل وهو الابن الأكبر، أن تقسم التركة حسب الشرع، وعارض بعض إخوته وأخواته هذا التقسيم، فبعضهم كان ثرياً وبعضهم كان موظفاً بسيطاً يرى أنه أحق بالنصيب الأكبر من أخيه الثري..‏

واستقبل عادل المعزين بوفاة والدته، وتحمل كل قسط مجالس العزاء من المجاملة والجلوس المتواصل مع الناس الذين يتدفقون للتعزية، وأغلبهم يأتي من أجله، فهو رجل معروف وطبيب ناجح.‏

تطور خلاف الأخوة، حتى بدأ كل منهم يفكر برفع دعوى يطعن فيها تقسيم التركة، ولم ينجح عادل أن يصلح بينهم، كان التكالب على الحصص ومحاولة توسيعها على حساب الآخرين، هو الشعل الشاغل للجميع..‏

وبعد ثلاثة أشهر على وفاة الأم، ورغم محاولاته التي لم تتوقف لتهدئة الوضع رأى حلماً مزعجاً..‏

***‏

رأى عادل نفسه في مدينة ضخمة مزدحمة وقد تكاثرت فيها الطيور وهي تحلق بين الأبنية العالية.. ثم رأى كأنَّ تلك الطيور تحمل حجارة في أرجلها وهي تحوم فوق الشوارع المزدحمة والبنايات الشاهقة..‏

رأى منظراً مرعباً لحجارة تنطلق من الطيور كالقذائف وتصيب الأبنية وتخترق الجدران وتزيد الناس، الذين يتراكضون في كل اتجاه، رعباً..‏

-من أين أتت هذه الطيور المخيفة؟.. عددها يزداد باستمرار.‏

-كأنها تتجمع من كل الجهات، تتدفق من الشرق والغرب والشمال والجنوب..‏

-أمعقول؟ إنها تقذف الأبنية العالية بالحجارة؟‏

-حجارة صغيرة.. تخترق النوافذ والجدران..‏

ورأى عادل مجموعات جديدة من الطيور وهي تتّجه بأسرابها صوب المدينة كانت طيور أشدّ ضخامة من الطيور الأولى، وبحجوم تقارب حجوم طائرات الركاب الصغيرة.. وهي تحمل بمناقيرها حجارة ضخمة أخذت بإلقائها..‏

رأى الأبنية، تدك.. الناس يركضون خائفين.. ثمّ بدأ انهيار الأبنية الكبيرة، والطيور تحوم دون توقف..‏

وسمع عادل صراخاً يردّد اسمه كانت أمه تلوّح له ملهوفة:‏

-عادل، ابتعد يا بني.. ستصيبك الحجارة.. ابتعد.. ابتعد.. ابتعد يا حبيبي..‏

-أماه.. كيف ابتعد؟ أنا محاصر..‏

-تعال يا بني، سأخرجك من هذا الحصار..‏

رآها تشير لطير كبير وهي في ساحة صغيرة خلف البناء، فيهبط الطير محوّماً ثم يتوقف قربها، كان طيراً ضخماً يطلق صوته الشبيه بصوت الحمام..‏

أشارت لعادل أن يسرع، ثم اعتلت ظهر الطير الذي أحنى جناحيه لها، فتسلق عادل جناح الطير مثلها، وخلال لحظات ارتفع الطير محلقاً فوق سماء المدينة..‏

ورأى نفسه والطير بين الطيور الأخرى وقد اختفت أمه كانت الطيور المحوّمة ما زالت تلقي الحجارة فوق المدينة..‏

الحرائق تشتعل وتنطلق سحب الدخان، لتختلط، بالسحب التي تتجمع فوقه، وقد اشتد البرق والرعد.. وفجأة رأى كأن الطير يرتفع به في السماء فيخترق السحب المتراكمة ثم استيقظ وهو يلهث وقلبه يخفق بعنف.. كانت علياء إلى جانبه..‏

***‏

-كنت تشهد كابوساً.. اشرب الماء تفضل..‏

تناول منها كأس الماء وحكى لها عما رآه في الحلم:‏

-كانت الطيور الضخمة تقذف المدينة بالحجارة.. وضعتني أمي على ظهر طير، طار بي في الأعالي مخترقاً السحب التي لم تنته..‏

-عاود النوم.. تبدو منهكاً..‏

-لا أستطيع أن أنام.. مازالت أشكال الطيور البيضاء الضخمة، بعيونها المتقدة تطغى على كل المشاهد أمامي.. آه يا علياء.. قلبي يحدثني أن شيئاً هائلاً مخيفاً سيحدث في العالم.. أنا أخاف من أحلامي.. تعلمين كم يتحقق الكثير منها..‏

-أوشك الفجر أن يطلع.. أمامك عمل كثير اليوم.. حاول أن تنام يا حبيبي.. أتعلم؟‏

زارتني أمك في المنام اليوم، كانت تبتسم لي وتوصيني أن أعتني بك جيداً..‏

قال بحزن: -: ألا يرونها في أحلامهم أيضاً؟ هم أبناؤها، لماذا نسوها وأساؤوا إليها.. إنهم يتقاتلون على المال بوضاعة لم أتصورها..‏

سمعا صوت حركة ثم فتح الباب واندفعت الابنة الكبرى بخوف:‏

-أمي.. أمي.. كان يقترب من الخزانة.. سمعت صوته، وصوت تنفسه البطيء، فضغطت على زر المصباح، فهرب من النافذة المفتوحة..‏

-لم لم تصرخي ياابنتي؟.‏

-لا أريد أن أسبب لكم الرعب وإخوتي..‏

-بارك الله فيك يا ابنتي..‏

كانت النافذة مفتوحة فعلاً يتلاعب الهواء بستائرها..‏

سألها عادل: -كيف كان شكله؟.‏

-يضع كوفية على وجهه.. لم أستطع التعرف عليه، مرَ الوقت سريعاً بين إشعال المصباح وهربه..‏

-ولماذا تسلل إلى غرفتك؟ وعن ماذا كان يبحث في الخزانة؟..‏

-رددت علياء بخوف وهي تهرع مندفعة صوب غرفة خلود:‏

-يا إلهي.. الأوراق خلف الدرج في خزانة خلود..‏

أخرجت الدرج من مكانه ثمّ تنفّست بعمق:‏

-الحمد لله ما زالت الأوراق في مكانها..‏

قال لها معاتباً: -أمعقول يا علياء أن تضعي هذه الوثائق وسندات الملكية هنا في خزانة خلود؟..‏

-إنه المكان الأكثر أمناً..‏

-ولماذا ليس في خزانتنا؟ لا أحد يفتحها سوى أنا وأنت..‏

-الصبيان يفتحونها، ويفتشون عن بعض ألبستهم بين ألبستك، تعلم أن حامد وطاهر يرتديان ألبسة لها نفس مقاسك..‏

قال مستسلماً لمنطقها: -معك حق.. عودي إلى النوم يا خلود، وأغلقي النافذة جيداً.. هل أنت خائفة يا حبيبتي؟‏

-أنا بخير يا أبي.. لست خائفة..‏

أغلقت الفتاة غرفتها بهدوء.. وعاد عادل وعلياء إلى غرفتهما.. وهما يتبادلان الحديث:‏

-ما الذي جعل هذا الطارئ يأتي إلينا ويبحث عن أوراق ومستندات؟ ومن تراه يكون؟ هل أرسله بعض إخوتي؟‏

-لماذا لا يكون لصاً عادياً؟ لا أحد يعرف أنني أخفي شيئاً في غرفة خلود.. ربما رأى نافذة مفتوحة فقفز منها إلى الداخل وحاول السرقة..‏

-معقول؟.. يبدو أنني ربطت بين لهفتك على الأوراق المخفية في خزانة خلود، وبين محاولة سرقتها، وبين إخوتي أيضاً.. استغفر الله العظيم.. هل نبلغ الشرطة؟‏

-بالتأكيد.. بلاغ عادي عن تسلل لص إلى منزلنا في الليل، ولكن اكتشافنا له جعلنا نحرمه من متعة السرقة، لم نفقد أي شيء في المنزل..‏

-هذا منطقي.. مثل هذا البلاغ يجب أن يصل للشرطة أسمع أصوات حركة.. يبدو أن الأولاد استيقظوا.. جهزي لي فنجان قهوة..‏

-في الحال يا عادل..‏

كان بيت عادل بشكل فيلا مسورة، داخلها حديقة مزروعة بالورد والشجر، وزرعت علياء بعض الخضراوات في الجانب الخلفي منها.. ورغم أن سورها كان عالياً، فيبدو أن اللص تمكن من تسلقه وقد رفض عادل فكرة وضع مسننات من الحديد عليه.‏

كانت تحيط به بعض البيوت الأخرى التي تشبهه.. وكان جيرانه يحترمونه ويحبونه.. وأغلبهم من موظفي الدولة أو المعلمين أو أساتذة الجامعات أو الأطباء، اختاروا أن يبنوا بيوتهم خارج المدينة بعيداً عن الصخب..‏

كان سعر الأرض في هذه المنطقة قليلاً أمام أسعار الأرض داخل المدينة، وكلفة البناء لم تكن كبيرة جداً وهذا ما أخرج أولئك الناس من دائرة الاحتكار والغش في تعهد الأبنية والجمعيات السكنية التي تكاثرت دون انقطاع..‏

كانوا يطلقون على مجموعة تلك البيوت اسم (الضاحية الغربية الجديدة) وكان هناك سير منظم إليها، ومالبثت أن فتحت الدكاكين والمحلات التجارية والمطاعم، وهذا ما جعل سعر المنزل يقفز إلى عدة أضعاف...‏

ورغم كل العروض التي قدمت لسكان هذه الضاحية لبيع بعض بيوتهم، فقد رفضوا جميعاً، متحدين في القرار، حتى لا يدخل حيّهم الجديد غريب يعطل عليهم تماسكهم وهذا ما جعل المتعهدين يزيدون بعرض الأسعار المغرية على أصحاب البيوت دون فائدة.. فلم يستجب أحد لإغراء المال، رغم أنهم جميعاً كانوا بحاجة له..‏

وربما لأول مرة في حياته، بل وحتى في قراءاته يصادف عادل مثل هذا التماسك بين سكان الضاحية الجديدة.. فلقد شاركوا بعضهم الأفراح والأتراح ومساعدة المحتاج، حتى أعادوا العلامات الإنسانية التي اشتهر بها أجدادهم إلى سابق عهدها..‏

وعندما توفيت والدته، وكانت تقيم عنده، لم يتركه الجيران لحظة، وقد ساهموا معه في استقبال الناس وتقديم القهوة، وإحضار قارئي القرآن الذين يجوّدون بأصواتهم سوره الكريمة..‏

وحتى ينبه الناس إلى تسلل اللص إلى بيته، تكلم مع الدكتور (حمدي) الذي تقاعد من مهنة الطب وقد بلغ به الكبر حدّاً لم يستطع معه مزاولة المهنة، وهو يحمل اختصاصاً في طب العيون..‏

حكى للدكتور (حمدي) ما جرى في الليل، فأطرق الشيخ رأسه ثم قال بعد لحظات..‏

-أعتقد يا عادل أن تسلل لص إلى منزلك المحاط بالمنازل، ومحاولة سرقة شيء من خزانة ابنتك اليافعة، أمر عادي، رغم أنك تقول إن غالبية نوافذ بيتك مفتوحة ونحن في شهر الحر.. آب اللهّاب كما يسمونه.. ربما وجد الغرفة التي فيها سرير واحد، أكثر أمناً بالنسبة للغرف الأخرى.. أقصد غرف النوم..‏

-النوافذ الأخرى في الصالة وغرف الاستقبال والضيوف مغلقة، ولم نضع حواجز حديدية إلا على نافذتي المطبخ.. هكذا ارتأى المهندس الذي صمم البناء.‏

-على كل حال أبلغ المخفر القريب بالحادثة، وحاول أن لا تقحم اسم ابنتك بالقضية، بلاغ عادي فقط.. أنت المبلغ، وأنت من رأى هرب اللص..‏

-معك حق يا دكتور حمدي..‏

-ربما كان اللص من عمال المزارع القريبة، هذه المزارع التي يمتلكها التجار الأثرياء وعلية القوم، وبعض المسؤولين.. هي مزارع واسعة فيها أبنية مترفة وأحواض للسباحة، ويعمل فيها الكثير من الخدم، وهي محصنة جيداً، حتى إن بعض أسوارها مكهربة كما سمعت..‏

-لأن كل الاجتماعات الفاجرة تحدث فيها، فهي مغلقة على أسرارها.. على كل حال.. أخبر الجميع عما حدث عندي ليأخذوا احتياطاتهم..‏

-لا حول ولا قوة إلا بالله.. اعتقدنا أنفسنا في منأى عن تدخل الناس في شؤوننا ويبدو أن العملية مستحيلة..‏

-على فكرة يا دكتور حمدي.. رأيت أمس حلماً آخر من أحلامي.. كان حلماً مخيفاً..‏

وحكى له تفاصيل حلمه.. وسط صيحات الاستغراب منه.. ثم ودعه واتجه صوب القصر العدلي للاطلاع على آخر أخبار دعاوي إخوته ضد بعضهم..‏

قابلته المحامية وكانت قلقة عن كثرة الدعاوي وتنوعها..‏

-تصور لم يترك الواحد منهم تهمة إلا وحاول أن يلصقها بالآخر.. حتى أنت يا دكتور لم تسلم من دعاو أقاموها ضدك..‏

-هذه مفاجأة اعتقدت أنهم لن يقتربوا مني.. تنازلت لهم عن كثير من الأشياء..‏

-أرادوا مني وثيقة موقعة منك حول هذه التنازلات ولكنني طردتهم..‏

-طردتهم؟.. لماذا لم تقدمي لهم وثيقة تنازلاتي تلك إنها هنا؟‏

-ولن أقدمها لهم، وسأطالب بكافة حقوقك دون أي تنازل.. لأن إخوتك جشعون إلى حد بعيد.. ولا يستحقون منك أي تنازل..‏

-ولكن أنا؟‏

قاطعته: -أعلم أنك وعدتهم، وتريد أن تفي بوعدك مهما كانت النتائج ولكن ليس مع هؤلاء.. لم أر في حياتي المهنية أشد وضاعة منهم.. اتهموا والدتك بأشياء كثيرة، ونعتوها بأقبح الألفاظ..‏

-ماذا تقولين؟‏

-أعلم أنك كنت الأقرب إليها، رحمها الله، وقد استغلوا قربك منها لاتهامك بالتستر على تهتكها في علاقاتها مع الرجال..‏

-استغفر الله العظيم، ماذا تقولين يا أستاذة؟ إخوتي قالوا ذلك عن أمي؟ معقول؟ هذا أمر لا أستطيع تصديقه.. إخوتي؟ أولادها؟‏

-هذا ما جرى حقيقة وفي مكتبي هنا مع الأسف.. وكلهم دون استثناء.‏

-يا إلهي. معقول؟ كيف وصل بهم الشر إلى هذا الحد؟ يتهمون أمي؟ أمي؟‏

-اهدأ يا دكتور.. أنا آسفة. ولكنهم أخرجوني عن صبري عليهم.. تعلم كم كنت أحاول احتواءهم واحتواء تفكيرهم الأناني، والصبر على ما يفعلونه..‏

-اعلم يا أستاذة.. اعلم.. قبل أن أنسى. تعرضت أمس لمحاولة سرقة في منزلي..‏

وحكى لها ما جرى في الليل، فطلبت منه تصوير الوثائق والمستندات التي تملكها زوجته فربما كانت العملية مدبرة من قبل أحد إخوته لسرقة سندات الملكية التي سلمتها له أمه قبل وفاتها..‏

لم يستبعد هذا الاحتمال بعد أن رأى الدعاوى الجديدة التي رفعها إخوته.. وهكذا غادر مكتب المحامية واتجه إلى عيادته الصغيرة في ذلك الحي الشعبي الذي نشأ وترعرع فيه.. استغرب وجود ذلك العدد الكبير من المرضى.. سأل الممرضة:‏

-ما الذي يجري يا منال؟ الازدحام يبدو شديداً في العيادة، أكثر من المعتاد..‏

-آلام في البطن، يبدو أنها حالة تسمم عامة..‏

-صنفت الحالات الصعبة من بينهم؟‏

-نعم.. وسأبدأ بإدخال المريض الأول.. جاهز يا دكتور؟..‏

-نعم.. نعم..‏

دخل المريض كان رجلاً في عقده الخامس.. يتأوّه وهو يضع يده على بطنه وإلى جانبه ابنته الشابّة:‏

-كأن أمعائي تتقطع يا دكتور، أرجو أن تسعفني..‏

-لم لم تذهب إلى المستشفى الأهلي، كحالة إسعافية؟‏

قالت ابنته: -أخذته إلى هناك، أعطوه دواءاً زاد من سوء حالته.‏

-مدديه هنا.. هه.. قل لي ماذا أكلت اليوم، أو أمس؟‏

-لم آكل شيئاً، وهذا الذي استغربه..‏

قالت ابنته موضّحة: -أمس كنا في حفل عشاء، ولم يتناول أبي شيئاً..‏

-ولم تشرب شيئاً؟‏

-شربنا عصير طازج كما قيل ربما شربت ثلاثة كؤوس خلال السهرة..‏

-لم تتقيأ؟‏

-لا يا دكتور.. آه..‏

استدعى الممرضة: -جهزي الشراب الخاص، سنجري غسيل معدة..‏

-في الحال يا دكتور..‏

-واحتفظي بالسوائل التي سيطرحها في إقيائه.. احتاجها في التحليل.‏

وتتالت الحالات المتشابهة، وعرف الدكتور عادل أن جميع المرضى كانوا في حفلة أحد أثرياء الحي، بمناسبة خطبة ابنه، وكلهم أكلوا وشربوا، وبعضهم رقص وغنّى.. وظلوا يتسامرون ويتبادلون الأحاديث حتى الفجر..‏

أجرى عادل إسعافات أولية لهم وأعطاهم حقن مهدئة في انتظار نتيجة التحليل الذي لم يتأخر صديقه كامل عن إحضاره له.. كان مدهوشاً من تطابق العيّنات المرسلة، كان العصير يحتوي مواد حافظة بها كيماويات تفاعلت مع محتويات العصير وشكلت مركباً سمياً أثر على من شربه فيما بعد..‏

لم تكن نسبة السمية قاتلة، وإنما كانت مؤثرة في الغدد والمعدة والأمعاء. وتأثيرها يزداد مع مرور الوقت، وهذا ما أرعب عادل وكامل..‏

-يجب أخذ ازدياد خطورة المركب، بعين الاعتبار في وصف الدواء..‏

-لا أستطيع أن أصف دواءً يا كامل. يجب أن يشرب المرضى من المياه الفاترة لعشر ساعات على الأقل، قد تخفف هذه المياه من نسبة السمية في الدم، إلى درجة كبيرة...‏

-حل معقول، المياه النظيفة الفاترة قد تطرح المواد الخطرة عن طريق الكلية، أو حتى المستقيم.. ألم يصب ذلك الثري وعائلته بهذه المواد؟ ألم تراجعك أية حالة خاصة من أفراد عائلة ذلك الثري؟‏

-لا.. ولقد سألت عن الوضع بعد الحفلة لم يبلغ بإصابة خارجة من هناك.. حتى خدم القصر سلموا من الإصابة..‏

-إذن لم يشرب سوى المدعويين الفقراء من ذلك العصير.. سكان الحي الشعبي الذين حضروا حفلة لنائبهم في البرلمان.. إنه يمثلهم، كيف غامر بطرح شراب فاسد عليهم؟‏

-وماذا نستطيع أن نفعل؟ لا نستطيع أن نرفع دعوى ضده.. حتى المصابين لن يرضوا برفع هذه الدعوى..‏

-أسألت أحداً منهم؟‏

-لم أسأل، لم أكن أعرف المسبب للمرض، أما الآن فسأسألهم وأحاول إقناعهم.. وإن كنت واثقاً إنهم لن يفعلوا..‏

-لا حول ولا قوة إلا بالله.. ستمر الحادثة هكذا دون عقاب..‏

-والله لا أدري يا كامل..‏

ودخلت الممرضة تستفهم:‏

-ماذا ستفعل بالمرضى الآن يادكتور.. طلبت منهم الانتظار لتعرف نتيجة التحليل..‏

-سأجتمع بهم يا منال وأحكي لهم عن العلاج المناسب.. دقائق فقط..‏

قال كامل وهو يهز رأسه:‏

-سأكون معك يا دكتور.. يجب أن أتعرف على وجهات نظرهم.‏

- لا بأس يا كامل..‏

وهكذا اجتمع بهم عادل بوجود كامل ونصحهم بشرب الماء الفاتر بشكل مستمر، وشرح لهم أثره على الجسم، وقدرته في تخليصه من السموم.. ثم طلب منهم أن يحكوا له عن حفلة الليل الماضي..‏

وعرف بشكل غير مباشر أن العصير وزع عليهم بكميات كبيرة، ولم يتناول أحد من المدعويين الكبار سوى المشروبات الكحولية، بينما شبان الحي ورجاله أصروا على عدم شرب الكحول فوضعت أمامهم صناديق من علب العصير.‏

وصمم أن يزور ذلك النائب فور إغلاق العيادة.. وهذا اتجه وكامل صوب منزل ذلك النائب على حافة الحي، المنزل الذي يلقبه الناس بالقصر لفخامته وحديقته الغناء وكثرة خدمه وحشمه..‏

كان الوقت يقارب الثانية والنصف وقد أمل عادل أن يتسع صدر النائب لاستقباله فالقضية تتعلق بخطر مستفحل قد يؤدي لموت بعض الناس..‏

أوقف السيارة قرب الباب الرئيسي للحديقة، ثم ضغط على زر الجرس، فخرج البواب يعتذر أن سيده لم يعد بعد.. وبينما كان يتهيأ للعودة وقد أدار سيارته، رأى سيارة فخمة تقترب وخلفها سيارة أخرى أقل فخامة..‏

أشار للسيارة واندفع نحوها قبل أن تلج باب الحديقة..‏

-دقيقة من فضلك.. انتظر..‏

صرخ به البوّاب محذراً: ابتعد يا سيد..‏

قال موجّهاً كلامه إلى الرجل في السيّارة:‏

-أنا الدكتور عادل، هذا صديقي المخبري الدكتور كامل.. دقيقة من فضلك..‏

-اتركهما.. لا بأس.. ماذا تريدان؟‏

-أمس كانت لديكم حفلة عامرة، وقد تدفق المرضى صباح اليوم إلى عيادتي، وقد أصيبوا بالتسمم، وكلهم كانوا من حضور هذه الحفلة؟‏

نظر نحوه مندهشاً: -تفضلا.. تفضلا.. سنتحادث في الداخل..‏

دخلا خلف السيارة التي توقفت أمام باب الفيلا.. وبعد لحظات وجدا نفسيهما في صالة واسعة فخمة الرياش.. أشار إليهما ليجلسا ثمّ جلس باستعلاء وهو يرمقهما باحتقار:‏

-وما علاقتي بهذه الأمور؟.. أتعتقد أنني المسؤول عن مرضهم؟‏

-أنت تمثلهم في البرلمان، وهم قد جاؤوا إليك ليحتفلوا معك بخطبة ابنك.. هم أعضاء دائرتك الانتخابية..‏

-وماهو الدليل على أن إصابتهم نتجت عن حفل عشاء ليلة أمس؟‏

-العصير الذي قدمته لهم، فاسد، ربما لأنه قديم، أدى لحدوث حالات تسمم، قد تصل حد الخطر..‏

-هم يشهدون على ذلك؟‏

-استمع إلي جيداً، الناس في دائرتك الانتخابية لا يريدون لك سوى الخير ولكن إن وصل الخبر للصحف ستكون هناك فضيحة...‏

-سأجري تحقيقاً وأعرف من المسؤول؟ ربما أحضر الخدم هذا العصير دون قصد، التاجر الذي باعه هو المسؤول.. سأحقق في الأمر يا دكتور وإن لزم المال لعلاج حالات التسمم سأساهم بقسط كبير منه..‏

-أليست هناك علب عصير فارغة، يمكننا التحقق من ذلك، أو ربما كان بعض هذا العصير ما زال موجوداً..‏

-حسناً..‏

ضغط على زر جرس إلى جانبه فحضر أحد الخدم.. قال له آمراً:‏

-أحضر (أبا اسحق) مسؤول الطعام.. وبعض علب عصير أمس. إن كانت متوفرة..‏

-في الحال يا سيّدي..‏

ثمّ قال هازّاً رأسه: -أرجو أن يكون الموضوع في غير هذا الاتجاه..‏

وحضر أبو اسحاق ومعه الخادم وكانا يحملان بعض علب العصير..‏

-لديك ضيوف يا سيدي؟ أحضرت بعض علب العصير كما طلبت..‏

أمسك عادل إحدى العلب وأشار إلى كامل: -انظر يا كامل.‏

قال أبو اسحاق مرتبكاً:‏

-هل أحضر لكم عصيراً طازجاً؟‏

سأله عادل متهكماً:‏

-أليس هذا العصير طازجاً ويمكنك تقديمه لسيدك أيضاً؟‏

اندفع يقول:‏

-لا... لا.. سيدي لا يشرب من هذا العصير..‏

استمرّ عادل في هجومه:‏

-تفضل العصير أيها النائب المحترم، سنشرب منه جميعنا..‏

ولكنّ أبو اسحاق اعترض بقوّة واندفع صوب سيّده:‏

-أعطني علبتك يا سيدي، سأحضر لك عصيراً طازجاً بنفسي...‏

وعاد عادل يقول:‏

-ونحن أيضاً نريد أن نهيئ لنا عصيراً طازجاً، لأن علب العصير هذه فاسدة..‏

أسقط في يد أبي اسحق:‏

-لماذا طلبت مني يا سيدي إحضارها، ظننت أن هؤلاء من الضيوف غير المرغوب فيهم..‏

صرخ النائب المترفّع بغضب:‏

-ماذا تقول أيها المخبول، اخرج من هنا..‏

-خرج أبو اسحاق مرتبكاً يكاد يتعثر.. قال عادل هازّاً رأسه بثقة أزعجت الثري:‏

-الأمر يبدو واضحاً، يبدو أن مدير مطبخك قدم العصير للناس البسطاء الذين حضروا حفلتك عن إصرار وعمد..‏

صرخ بهم بغضب وقد رأى أنّهم يستعدون للذهاب ومعهم بعض علب العصير:‏

-ضعا علب العصير هذه على الطاولة وبعد ذلك يمكنكما الذهاب..‏

قال عادل مستسلماً وقد لحظ أنّ الشرّ قد بدا في عيني الرجل:‏

-لا بأس..‏

همس كامل: -هل نستسلم بسهولة هكذا؟‏

أجابه عادل بصوت منخفض:‏

-لنخرج من هنا بسلام أفضل..‏

وقف النائب وهو يرتعش من الغضب ومدّ سبّابته مهدّداً:‏

-أنا أحذركما إن وصل شيء من هذا للصحافة، سأعرف كيف أعاقبكما..العملية كلها خطأ بخطأ، سأعاقب من قام بهذه العملية وجلب العصير ووزعه على الناس، لا يمكن أن أضر أبناء حيي، هذا مستحيل..‏

خرج عادل يائساً يتمتم بانزعاج:‏

-ذهب منا الدليل يا كامل..‏

لم ينبس كامل بكلمة حتى ابتعدا عن البيت الفاخر مسافة آمنة وقال كامل فجأة وهو يبتسم:‏

-لم يذهب الدليل، أخفيت علبة في جيب معطفي، تفضل..‏

لم يشعر عادل إلاَّ وهو يضمّ صديقه إليه وهو يطلق ضحكة جذلى:‏

-بارك الله بك..‏

أفاد شرب الماء الفاتر بشكل مستمر من تخفيف نسبة السم، وعدم استفحالها في أجسام المرضى، وهذا ما أراح عادل الذي تأكد أن علب العصير الفاسدة هي السبب في كل تلك الإصابات.. ولم يرغب في فتح معركة مع صاحب القصر، فأمامه معارك كثيرة مع إخوته، الذين وصلت بهم الجرأة حداً ليوجهوا تهمة أخلاقية لأمّهم، دون احترام، لتلك المرأة الصالحة، التي كانت مثالاً للطيبة والطهر..‏

عند عودته للبيت، أخبرته علياء أن الدكتور حمدي اتصل به عدة مرات، وحين رفع السماعة يطلب رقمه، سمع صوته وهو يقول بسرعة:‏

-تمكنت من معرفة دوافع اللص، كان يسعى لسرقة وثائق ملكية، يبدو أن زوجتك دون أن تنتبه ذكرت مكانها في حجرة الصغيرة.. في الخزانة.. وقد أرسل اللص.. وهو مدرب تماماً –للحصول على الوثائق الأصلية ولتسليمها لأحد أخوتك عرفت ذلك، من أحد أصدقاء أخيك المقربين، ولو لم يكن الرجل مخلصاً لي، لما باح لي بهذا السر، فلقد أجريت له منذ زمن عملية جراحية صعبة في عينه أعادت له الرؤية..خذ حذرك يا دكتور عادل.. الوضع ليس سهلاً مع السلامة..‏

سألته علياء:‏

-ماذا كان يريد؟‏

-السرقة أمس كانت مخططة للحصول على الوثائق والسندات، يبدو أنهم عرفوا أنها في خزانة ابنتنا...‏

-معقول؟ وكيف؟ لم يعرف بذلك أحد..‏

-لا أدري كيف وصل إليهم الخبر.. ربما رأوك، وبيتنا تحت المراقبة من أعوانهم، تضعين الأوراق في الخزانة.. أو ربما ذكرت عرضاً كلمة أمام أحد صديقاتك..‏

-عرفت، إنها أمي.. أخفيت الوثائق أمامها.. يا إلهي أمي عجوز طيبة من السهل الإيقاع بها وأخذ كل الأسرار منها..‏

-لا بأس يا علياء.. سأحتفظ بصور هذه الوثائق في مكتب المحامية ونخفي الأصل بعيداً عن كل الاحتمالات.. إنها هامة جداً لنا ولأولادنا..‏

-معك حق.. آه يا أمي سامحك الله..‏

لم يرض أحد من أهالي الحيّ رفع دعوى ضدّ ذلك النائب في حيّهم... وتلقى عادل تهديداً سافراً من ذلك الرجل من أنّه سيمسح به الأرض وسيدمّر أسرته الصغيرة إن تابع الكلام عنه أمام الناس الذين يعرفونه..‏

وتفاقمت الكراهية والأنانية بين الناس، ولم يعد أحد يفكر سوى بنفسه إلا قلة قليلة ما زالت محافظة على تماسك قيمها... واستمرت لعبة المحاكمة بين الأخوة، وقدم شهود الزور، والمزورون شهاداتهم لدعم الأحكام الباطلة..‏

وكثرت أحلام عادل بالطيور الضخمة التي تقذف المدينة با لحجارة. وازداد انتشار أوبئة جديدة مصدرها علب فاسدة مستوردة، مضى وقتها، وأغذية مصنّعة في داخلها يكمن الموت البطيء..‏

وانتشرت شركات تصنيع أغذية الأطفال والعلكة والبطاطا والحلويات المصنعة بمواد تدخل فيها الكيماويات.. وخلال أشهر تحولت المدينة الضخمة إلى سوق مفتوح يباع فيه كل شيء حتى المبادئ والأحلام المجنحة..‏

وبينما كان عادل في بيته في المساء، وقد وصل فيه الهمّ إلى ضيق في الصدر، وصعوبة في التنفس، فخرج إلى الشرفة المطلة على الحديقة، وإحساس القهر ينتابه، فلقد تمكنوا من حرمانه من تركة أمه.. وتوزع أخوته الميراث بشكل عدواني، وشهدت قاعات المحاكم سباباً وشتائم اشترك فيها المحامون والمدعون.. حاولت علياء تهدئته ولكنه كان يشعر بكآبة شديدة، فكل تركة أمه الطيبة ذهبت إلى أبنائها الذين أساؤوا إليها وإلى ذكراها.. وقد حرمت نفسها من كل متع الحياة من أجلهم.. ورفضت كل عروض الزواج بعد وفاة والدهم.. من أجل أن تتفرّغ لتربيتهم.. وهاهم يسيئون إليها، في زمن ليس فيه سوى انهيار القيم.. والأخلاق..‏

سمع جرس الباب يرن، ثم دخل الدكتور حمدي ومعه بعض وجهاء الحي يطلبون مقابلته.. اعتذر من زوجته عن استقبالهم، ولكن حمدي خرج إليه في الشرفة..‏

-اهدأ يا دكتور عادل.. أولادك يحتاجونك.. قد يقتلك الهمّ.. ثم إننا نحتاجك أيضاً.. بدأت تصلهم أصوات حفيف أجنحة.. كانت الأصوات تتكاثر قال حمدي مشيراً إلى الجهة البعيدة فوق المدينة:‏

-انظروا أسراب الطيور إنها تتحرك في الليل، نحو المدينة يبدو الأمر غريباً .. معقول؟‏

قالت علياء:‏

-منذ نحو الساعة ونحن نشعر بحركة الطيور، ولكن أعدادها ازدادت، لأول مرة أرى حركة الطيور في الليل، أسراب من الطيور الغريبة الضخمة.. حاولت أن أنبّهك يا عادل ولكنّك كنت في صمتك وشرودك الحزين..‏

قال عادل وهو يحدّق بأسرابها البعيدة:‏

-ليتني أميزها، وأرى إن كانت تحمل حجارة أم لا؟ الظلام الكثيف يغطي تحركاتها..‏

قالت علياء:‏

-ولماذا تحمل الحجارة؟.. آه تعني أن لذلك علاقة بأحلامك؟ معقول؟‏

-لم لا؟ ألسنا نشهد عصر الفساد والاستلاب والقهر وجبروت القوة الوحشية الطاغية، وقد تركنا قيمنا ومبادئنا، وصفاتنا التي ورثنا فيها كل العزة والكبرياء والشجاعة، لتحل محلها الأنانية والبغض والكراهية؟..‏

قال حمدي متنهداً:‏

-معك حق.. يا إلهي أعداد الطيور في ازدياد..‏

***‏

وبهدوء غريب اتخذت الطيور أمكنتها فوق الأبنية العالية والقمم الترابية.. وأعالي الأشجار.. حول المدينة.. ومع الفجر الذي شهده الناس في الضاحية جميعهم وكأنهم يتوقعون الكارثة التي قد تحل بمدينتهم.. سهروا شاخصي الأبصار، لا يستطيعون الكلام..‏

وعند الفجر بدأت الطيور تضرب المدينة بالحجارة التي تحملها، تضرب القصور والبيوت والصدور المليئة بالحقد والأنانية والفساد..‏

وانتشرت الحرائق، والدمار، والغريب أن أوكار الفساد في المدينة والجمعيات السرية التي تخطط لاستلاب الإنسان، قد دمرت تماماً. واختفت الجثث وخلت من الشوارع والبيوت، وقد حملتها الطيور بعيداً لتلقيها في الحريق الضخم الذي شب في مستودعات الشركات التي استوردت كل ما يضر الإنسان وتقتله ببطء، من مصانع دول متطورة.. تعتبر الفقراء عينات للاختبار، أو فئران أنابيب..‏

تجرب عليهم الغذاء والدواء والمرض وتسرق أعضاءهم وأفكارهم وتنفحهم بأدوات دمارها دون اكتراث بإنسانيتهم..‏

 

أضيفت في 06/01/2009/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية