أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: زكريا شريقي

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

ولد في اللاذقية عام 1940.

حائز على إجازة في الحقوق. رئيس فرع اتحاد الكتاب العرب باللاذقية- سابقاً- سفير سوريا لدى جمهورية الصين الشعبية- سابقاً سفير في وزارة الخارجية. عضو هيئة تحرير مجلة الموقف الأدبي.

عضو جمعية القصة والرواية.

 

مؤلفاته:

1- غبار الاسمنت- قصص- دمشق 1977.

2- الضوء من الباب- قصص- اتحاد الكتاب - دمشق 1978.

3- الفراشة لا تحب نبات اللبلاب- قصة للأطفال- جائزة الطلائع - دمشق 1978.

4- آخر أخبار قرية العلّيق- قصص- اتحاد الكتاب- دمشق 1979.

5- قل  يا بحر- قصص- اتحاد الكتاب- دمشق 1981.

6- اليافاوي- قصص- اتحاد الكتاب- دمشق 1983.

7- يقظان... حيا- رواية- دار الحوار- 1987.

8- لأنه مات- قصص - اتحاد الكتاب- دمشق 1988.

9- رسالة عارف المتلوف- قصص- دار المنارة.

10- الرجل والذبابة- قصص- اتحاد الكتاب العرب.

11- مدخل إلى الأدب الصيني- دراسة- دمشق 1993- اتحاد الكتاب العرب.

 

في الفن التشكيلي:

- عضو نقابة الفنون الجميلة في القطر العربي السوري.

- عضو اتحاد الفنانين التشكيليين العرب.

- رئيس مركز الفنون التشكيلية باللاذقية- سابقاً.

- شارك في المعارض الموسمية التي أقامتها النقابة.

- شارك في مهرجان كوبا العالمي عام 1978 وحصل على دبلوم شرف بالرسم الزيتي.

- أقام ثمانية معارض شخصية- آخرها : رؤية من الصين الشعبية- دمشق صالة الشعب 1989.

5- الترجـُّل عن صهـــوة الخوف - لزكريا شريقي

 

زكريا شريقي قاص سوري معروف ولد في اللاذقية عام 1940.

وهو يحمل إجازة في الحقوق، وقد عمل سفيراً لسورية في الصين وبولونيا. وكان عضواً في هيئة تحرير مجلة الموقف الأدبي. ومارس كتابة القصة والرواية. ومن مجموعاته القصصية "غبار الإسمنت"، دمشق 1977، و"الضوء من الباب" دمشق 1978، و"آخر أخبار قرية العُلَّيق"، دمشق 1979، و"قل يا بحر"، دمشق 1981،.... الخ. ومن رواياته "يقظان حياً"، اللاذقية 1987. وكانت مجموعته الأخيرة هي هذه التي نقف عندها "الترجُّل عن صهوة الخوف". وقد صدرت عن اتحاد الكتاب العرب عام 1995.‏

 

والمعروف أيضاً عن هذا الكاتب أنه فنّان تشكيلي، أقام ثمانية معارض شخصية، كان آخرها بدمشق عام 1989، وعنوانه: رؤية من الصين.‏

وقارئ مجموعة (زكريا الشريقي) "الترجُّل عن صهوة الخوف"، المكوّنة من عشر قصص، يشعر للوهلة الأولى بأن صاحبها مسكونٌ بهاجسِ الجرأةِ والانتفاضة، بل والثورة على البالي والمهترئ والمغلوط في الوطن والحياة. فهو كاتب يقدّس الكرامة الإنسانية ويعشق الحقيقة والمعرفة والقدوة الحسنة، ويبشر بالمستقبل المشرق، ويتبنَّى مفاهيم العدل، واحترام القانون، والإخلاص للوطن، والانحياز إلى الفقراء.... فهذه هي القيم التي رسمت للقصص مسارها، وشكلَّتْ الأضواء الهادية لاتِّساق تصميمها، وأطّرت مساعي شخوصها، وأفكار أبطالها وأقوالهم.‏

 

وقد كان الراوي في قصص المجموعة، باستثناء اثنتين منها، هما: (هجرة السنونو) و(الزمن الآخر)، هو ضمير المتكلم، ولعل ضمير (الأنا) يدل، فيما يدل، على حميميّة خاصة مابين الكاتب وشخوصه التي تتقمَّص أفكاره. فكأن هناك شيئاً يؤرّق الكاتب ويريد قوله، والتصريح به، فيدفعه إلى أن يماهي مابينه وبين أبطال قصصه.‏

 

وعلى الرغم من مداراة الكاتب لخطر التصريح والتبشير والمباشرة، فقد بدا (الراوي) عنده عارفاً بكل شيء، وظهر في بعض الأحيان، كأنه أستاذ في قاعة درس يشرح ويخطب، أو يعظ ويأمر... وها هو ذا بطل قصّة (قصة حب) يقول مخاطباً البحر: "اقتل الأشرار الذين يزرعون الفقر في عيون الناس، والجوع في بطون الأطفال، انتصِبْ ضدّ القوانين التي تحمي الأغنياء، والسَّفلة والأوغاد". ـ (ص79).وإذا كانت (قصة حب) تقوم على مناجاة مدينة الكاتب (اللاذقية) وتنهض على ذكريات الماضي وحوار الحاضر، وأماني المستقبل، فإن القصص الأخرى شكَّلها العديد من النقائض، وتفاعل الكثير من العناصر المتنافرة: كالفقر والغنى، والخنوع والانتفاضة، والجهل والعلم، والعبودية والحرية، والاستبداد والديمقراطية... وبإيجاز، فإن الخطاب السائد في فترة مابعد نكسة الخامس من حزيران 1967 وإعلامه، وثقافته، هو الذي استبدَّ بمضامين المجموعة الفكرية والسياسية والاجتماعية. ولا غرو في ذلك فإن آثار نكسة حزيران، ومعالم التخلف العربي، ومناخ القهر والاستبداد، ما زالت سمات هذه المرحلة التي نحياها اليوم.

آ ـ العنوان والمضمون:‏

ولا أدلَّ على ما أقول من عنوان المجموعة ذاتها، "الترجُّل عن صهوة الخوف"، فقد أراد الكاتب أن يكافح الحياة ونتنها وأمراضها وعيوبها بالجرأة والجسارة.... وإذا كان مضمون المجموعة لا ينسجم انسجاماً كاملاً مع هذا الهدف، فإن المَيْسَم الغالب عليها هو كُرْه الخوف وتمجيد الجرأة. وقد ظهر هذا بوضوح في قصة (شمس منتصف الليل)، فالشمس هنا بنورها ترمز للثورة التي تبدد الظلمة، وبنارها تقضي على النتن المنبعث من أرض الوطن الهامدة والباردة... وقد رأى الكاتب أن رائحة النتن الكريهة تنتج عن العبث بمقومات الحياة، فهو يقول عن الوطن الذي يريده ناهضاً نقياً نظيفاً: "هو كل شيء بالنسبة للإنسان، ولا يجوز السكوت عن الذين يقايضون بمقومات الحياة فيه" ـ (ص34). وفي هذه القصة يطلعنا الكاتب على أن بطلها قد تعلم من جدِّه أن الرمادي مرفوض، "فإما أحمر أو اسود"، وإذا فَكَكْنا الرموز هنا، قلنا: "إِمَّا الثورة أو الموت".‏

 

أما قصة (هجرة السنونو) فتومئ إلى فكرة فحواها: أن سماء الوطن لا ترحب بالنماء والتكاثر والتوالد في ظروف الموت والعدوان والجريمة. فقد هاجرت طيور السنونو من البلاد حاملة بيوضها معها، لأن طقس القتل صار شائعاً فيها. وقد رمز الكاتب إلى ذلك بمقتل بغل لرجلٍ بائسٍ وسط المدينة، فهاجرت السنونو احتجاجاً على ذلك... وقد أوقع الكاتب القتل على البغل، في عملية إزاحة واضحة، فهو يريد القول، إن القتل أصاب الناس لا البغال في وطنه...‏

وفي قصة (انتباه)، يرمز الكاتب إلى غياب الأمل والجهل بالحقيقة بموت طيور النوارس، والنوارس، كما يعرف الناس، هي رموز الهداية، ورموز الأمل بالوصول إلى مرفأ الأمان، فهي التي تهدي البحارة في عرض اليم إلى الشاطئ، ومرَّ ذكر النوارس في قصة (قصة حب)، وكانت تؤدي غرضاً مشابهاً. وقد ظهر في هذه القصة الأخيرة هجوم الكاتب بوضوح على ظاهرة التردد والخوف فهو يقول: "فهمت وأنا أشعر بالخجل ماكان قد استعصى عليَّ فهمه، المسؤولية في الخطأ حينما ينأى الحب، هي ذلك الخوف الذي يجرف كل شيء إلى وهاد الصمت" ـ (ص95).‏

 

ونقرأ في قصة (الزمن الآخر) بيتاً من القصيدة التي كتبها (عارف المدني)ـ بطل القصة يقول: "وهكذا تظّل زوارقنا تخبط ضد التيار". وفي القصة ذاتها نطالع على لسان البطل قوله: "ومع ذلك لن أومن إلا بإله يرفض" ـ (ص110). أما (الصليب) وهو عنوان إحدى القصص فهو يوحي، دون ريب، بمقاومة السائد الفاسد وبعذاب أصحاب الرسالات، ويؤكّد ذلك ما فاهَ به بطل هذه القصة من قول مؤدَّاه: "وكانت ذاكرتي في اللحظة ذاتها تنتصب وجهاً لوجه أمام الخوف، لتستخلص منه الأبعاد الحقيقية لمعنى الوجود ومفهوم أن يكون الإنسان حيَّاً" ـ (ص114). وتتمثَّل الجرأة المدعو إليها هنا في معرفة الحقيقة، هذه القيمة التي ضحى الكثيرون بحيواتهم على مذابحها، لأنهم ساروا ضد التيار، وحملوا (صلبانهم)، وبسطوا أيديهم عليها، ليكونوا شهداء في سبيل ما اعتقدوه صواباً. وفي هذه الفكرة يقول راوي القصة: "عرفت أن النبوءة التي حملت قوة الحقيقة إلى نفسي تكمن في أنني حملت صليبي، ومجّدت الحقيقة من أجل الإنسان" ـ (ص119). وهكذا يبدو (زكريا شريقي) مؤمناً بما قاله (بللوتيه)، ومآله: "ينبغي للفن أن يصنع المتمردين".‏

 

وفي قصة (حكاية لم تنته) يتمنى الكاتب أن يتحول وطنه إلى فرن كبير تصهر حرارته العالية إيمان غالبية أبنائه بالمستقبل الأفضل للجميع.... فيتوحد فيهم الأمل وفي خطواتهم الطريق بعد أن تستبعد عنه الشوائب، وتُنَقَّى الأشواك، كما يفعل الفرن العالي في كتلة المعدن الخام ـ (ص141).‏

أما القصة الأخيرة (بلا عنوان) فليس فيها إشارة إلى الخوف أو نقيضه (الجرأة)، إلا إذا فهمْنا من تعرية مهنة التهريب وجمع المال الحرام، وكشف تجاوزات أولي الأمر، لوناً من ألوان الجرأة في الكتابة. (فحاتم زمانه)ـ محور القصة، ولا أقول بطلها، رجل مُهرِّب يخشى افتضاح أموره. وقد شكل دولة داخل دولة، وراحت عيونه وجلاوزته ينكلّون بجيرانه على الشاطئ ممن عرفوا أسرار عمله، فقتل (أبا ذر)، ثم عَذَّبَ عذاباً مبرحاً راوي القصّة ـ (ضمير المتكلم) لأنه عرف سرَّ موت (أبا ذر). فكلتا المعرفتين اسْتوجبت العقوبة هنا.... وإذا كان معنى الجرأة بعيداً، نسبياً، عن مجريات أحداث القصة العاشرة (بلا عنوان)، فإنه كان بعيداً أيضاً عن مجريات القصة الأولى (مخاض في الشارع)، فراوي القصة هنا يجلد ذاته لأنها لجأت إلى ممارسة الصَّدَقة وفعْلَ الإحسان نحو امرأة بائسة تحمل وليدها وتسير في الشارع وتستصرخ أهل الخير.... وفي نظر الكاتب لا يحلُّ الإحسان المسألة، بل ينبغي أن تكافح هذه الظاهرة من جذورها.‏

 

وإذا كانت معالجة التسوّل والفقر مهماز هذه القصة، فإنَّ الفقر أيضاً كان خيطاً واضحاً في نسيج القصة التي حملت المجموعة عنوانها. ففيها يبوح الراوي: بأن السؤال المِلْحاح الذي يهاجم ذاكرته دوماً هو: "متى يأتي الزمن الذي يرتاح فيه الفقراء؟".. ونرجئ الخوض في تفاصيل هذه القصة التي يوجهنا الكاتب إلى الاهتمام بها، بوصفها عنواناً للمجموعة، إلى مكان آخر، وذلك لتكون نموذجاً من النماذج المدروسة بعمق وشمول.‏

 

وإذا كنت أحاول فَهْمَ تغليب الأعمّ على الأندر في عنوان المجموعة، أعني تعميم مفهوم الخوف والجرأة على ما عداه من المفاهيم، فإني لا أرى في عبارة العنوان اتّساقاً مع مرامي الكاتب ومقاصده. فلست أسيغ إضافة الصهوة إلى الخوف في هذه العبارة: "الترجُّل عن صهوة الخوف". فالصهوة تقترن غالباً بالجياد وعزِّها ورهافتها، ولا بأس باستعارتها لغيرها، ولكن شرط أن يكون المستعار لـه مشاكلاً للمستعار منه، فـ(الصهوة) أو أطيافها، تقترن بمعاني الأنفة والعزة والفخار، ولكنها إذا أضيفت إلى الخوف غادرت هذه المعاني إلى معاني الذل والقهر والاحتقار، فبينما كانت (صهوة الجياد) توحي بأَطْياف إيجابية، إذا بها تصير مع (صهوة الخوف) توحي بأطياف سلبية. وهذا مما لا يريده الكاتب من وراء إبداعه القصصي... ولو أنه بدّل عنوانه إلى ما يفيد امتطاء صهوة الجرأة، لكان أكثر انسجاماً مع مرامي كتابته وأدبه، ولاسيما أنه من دعاة الحرية والعدل والأمل والكرامة والنقاء... وهذه كلها قيم إيجابية تحتاج إلى فعل إيجابي، وإلى عمل ونضال وانطلاقة وفروسية، ولا ينهض بها عملٌ سلبي يتمثل بالترجُّل أو التردُّد أو النزول عن صهوة الخوف إلى موقف لا نعرف ما بعده...!.‏

 

وكذلك لا نجد في (مخاض في الشارع)، وهو عنوان القصة الأولى، شيئاً من المخاض، وليس في الإحسان، ولا في الندم عليه، ولا في تقريع مَنْ يمارسونه شيء من معاني المخاض. ولكن التوفيق إذا خالف الكاتب في عنوان القصة الأولى، فقد حالفه في عنوان القصة الأخيرة (بلا عنوان). فهذا عنوان مراوغ وذاهب في الفن إلى مداه... وهو كثير الإيحاء لأنه يشير إلى دولة بلا عَلَمْ وبلا قِيَم، أقامها المهرّبون والخارجون عن القانون في وطنٍ له علم وله قِيمَ، ومن الصواب القول أنَّ مَنْ لا قِيَمَ لـه، لا عنوان له.‏

 

ب ـ السمات العامة:‏

وقد يلوح مما تقدّم، ومن المقبوسات التي استشهدنا بها، أننا أمام قاسم مشترك في القصص جميعها، يتمثل بسيطرة الفكرة على قصص (زكريا شريقي). وسيطرة الفكرة على القصة القصيرة، واستبدادها بثناياها وحواراتها وأقوال شخوصها قد تفقدها حيويتها وحرارتها وتدفّقها وإمتاعها، فمع الجدل النظرى والمناقشات المنطقية والمماحكات الفلسفية يخبو الصراع الدرامي في القصة أو يكاد...‏

وقد لاحظنا ارتفاع صوت المفكر، والعاقل، والعالم، والراوي العارف بكل شيء. وثمة بطلان لقصّتين سُمِّيا بـ(عارف). وسمعنا بِنَبْرة الراوي في السرد والحوار والتعليق، على حساب الحدث، وقرأنا العبارة التي تذكّر بالمقالة الصحفية والبيان السياسي. وقد بدا الراوي، وهو صنو الكاتب، في إهاب خطيب جماهيري، يقف أمام جَمْعٍ جاهل من الناس ويرى من واجبهِ توعيته وتثويره، وها هو ذا يقول مرة: "أراكم ولا أسمع صوتاً، نأمة، حركة، كأنني وإياكم كومة هَمِّ مُخبّأة في قمقم فولاذي، وكأني بكم لا ترون أبعد من أنوفكم، وكأن الخوف والتردُّد والاستسلام شكَّل سدادة محكمة لفوهة القمقم الذي حشرتم أنفسكم طوعاً في داخله، يجب أن تعرفوا حقيقتكم: جبناء، اتّكاليون، عميان، وأوغاد، وأن تعرفوا أكثر من ذلك أني أمقتكم"ـ (ص18).‏

 

وهذا خطاب موجه إلى الذين يُحْسِنون ويتصَّدقون، ولا يجدون حلاً لظاهرة التسوُّل والفقر والوطن، وللذين يرون أن الصدقة تجلو صدأ النفوس، في حين أن الحل كامن في غير هذا السلوك.‏

 

ولم يكتفِ الكاتب بهذه الخطابية، بل راح في بعض مطالع قصصه يُكثْر من الشرح والمناقشات المنطقية والفلسفية التي تثقل فن القصة، وتشكّل نغماً نشازاً في (سمفونيتها) الجميلة، ففي بداية قصة (حكاية لم تنتهِ). يقول:‏

"تلك ملاحظة لابد من ذِكْرها مادامت المسألة لا تمُّس أحداً على نحو مباشر. وهي أننا عندما نستأنف الحديث عن زمن في الزمن الذي يليه، لن نجد من يحاسبنا، أو يقول لنا أن نكف عن الكلام" ـ (ص122).‏

 

والحقيقة أن هذه المقدمة تبدو واهية الصلة بما بعدها، وما كان شيء يضير القصة لو حُذِفَتْ. وحبَّذا لو آثر الكاتب الاختزالَ على الإطالة، والحذفَ على الإثبات، فقد أرهق تطويل القصة الفنَّ فيها، وكاد يدفع بقارئِها إلى حافة الملل والضَّجر، لأنه لم يجد، أحياناً، قوة التحام بين الأجزاء، ولا شدة اتساق، فانخفضت درجة الإيهام فيها. وقد كان (يحيى حقي)، وهو من هو في فَنِّ القصة، يرى أن القصة الجيدة هي ذات مقدمة جيّدة محذوفة، لأن هذا الحذف يدفع القارئ إلى الإحساس منذ السطر الأول بأنه إزاء عمل حَيٍّ، وجوٍّ فني متكامل(مقدمة عنترة وجولييت ص4)، ومقدمة القصة المذكورة سابقاً ليست موفقة، فالكاتب يروم إسقاط اختصاص زميلٍ له بالأفران العالمية على حاضرِ بلادهِ المشوَّه، لعلَّ إيمان المواطنين بوطنهم يصهر آلام الشعب وآماله وينقيها من الشوائب... فما العلاقة بين فكرة الحديث عن الماضي وعدم المسؤولية عنه، وفكرة القصة التي بدا الحدث فيها أيضاً حدثاً تركيبياً أثارته فكرة الإسقاط وفكرة الصهر؟... فالأفران العالية هنا تستعار لصهر مشاعر الشعب، وتُُسَخَّر لتطهير أخلاقه وليس لصهر المعادن وتنقيتها من الشوائب. إن نُبْلَ المقصد لم يشفع لشرود القص وتشتُّت الحكاية، فإذا تأمَّلنا، بعمق في القصة لا نرى مسؤولية على الراوي، لأن حديثه عن الماضي ليس فيه اقتداح، بل فيه امتداح، ولا خوف عليه، لأن حُرَّاسَ الماضي قد وَلَّوا... وبالتالي لا وَجْهَ لهذا المطلع في نظرنا. ولاسيما أن الكاتب يتحدث هنا عن المجتمع الفاسد، وليس عن سلطة المجتمع الفاسدة.‏

 

ونظير ذلك، لم نعثر على صلة قوية مابين مقدمة قصة (مخاض في الشارع)، ومجمل أحداث القصة وفنِّ السرد فيها. ولكن القاص بدا وكأنه تذكَّر هذه الحقيقة، فراح في القصة الأخيرة من المجموعة يكتب في السطور الأولى ما يلي: "حتى لا تأخذ أحدكم الأفكار بعيداً، سأكون واضحاً منذ البداية، فأقول: إن (حاتم زمانه) المقصود هنا، إنَّما هو النزيل الجديد في البناء الضخم الذي يفصله عن بيتي عرض الطريق العام فقط.... الخ"ـ (ص177).‏

 

فالكاتب إذاً يخشى أن نشرد أو نذهب بعيداً، دون أن تكون يدُهُ في أيدِيْنا، فهو يرى أنه يحمل البوصلة التي تدل على الطريق، وتشير إلى الاتجاه. وهذا ما نراه نحن أيضاً، مع الأخذ بعين الاعتبار ثراء الأثر الفني وتعدّد قراءاته. ولكن ما نراه هو أن يقوم الكاتب بهذه المهمّة دون إفصاح منه عن ذلك، لأنّ بيننا وبينه عقداً مضمراً، بأننا سنقرأ فنَّاً له مضمونه، أو لنقل بيننا وبين أدبه أُفْقَ التوقُّع الذي يمليه تاريخ الجنس الأدبي وخصائصه، حسبما تقول نظرية التلقي المعاصرة.‏

 

وإذا ما تركنا مقدمات القصص وانتقلنا إلى خواتيمها، فإننا نراها تتمثل، أحياناً، بسؤال تحريضي أو تنويري، كما في القصة الأولى، وأحياناً بعبارة رامزة لا تخطئ العين البصيرة دلالتها، لأنها تنسجم مع اتجاه الحدث في القصة ولا تخالفه، وقد تتمثل بعبارة فيها وعد بمتابعة السير للبطل رغم العقبات والعوارض، رغم العذاب والمعاناة اللذين يلقاهما المناضل، كما في قصة (الترجُّل عن صهوة الخوف). أو قد تنتهي، أحياناً، بعبارة ساخرة وكاشفة تثير الهزء والسخرية ممن يقولون عكس ما يفعلون، فدُعاة العدل والحقوق هم ذاتهم الجلاّدون والمجرمون، كما في قصة (بلا عنوان).‏

 

وقد مازج الرمز، أحياناً، نهايات قصص المجموعة، كما في قصة (شمس منتصف الليل)، وكان ذلك الرمز مُتَّسِقاً مع اللغة الرمزية التي شاعت في القصة، وهذا ما نلاحظه بوضوح في ختام قصة (انتباه)، فكل شيء أخيراً يأخذ مكانه بين الأصفر والأحمر، أو بعبارة أحرى بين الموت والثورة.‏

 

وإذا تركْنا البديات والنهايات، ووقفنا عند الصراع في هذه المجموعة وجدناه نوعَيْن: صراعاً داخلياً وصراعاً خارجياً. والمعروف أن الصراع، بما ينطوي عليه من حوار أيضاً، يكشف عن صفات الأبطال، ويعرِّي نفوسهم، ويفضح ممارساتهم، وذلك لأنه يتيح للقارئ أن يرى الأمور من أكثر من وجه: من الأمام ومن الخلف، من الأعلى ومن الأسفل، من اليمين ومن اليسار، فالصراع هو العمود الفقري للقصة لِمَا يُضْفِيْه عليها من حيوية وحرارة، وعلى الحدث من واقعية ودرامية.‏

ويتجلَّى الصراع الداخلي في ما بين الراوي وذاته. وقد لاحظنا ذلك عند زكريا شريقي في قصة (انتباه) و(قصة حب) و(الصليب)، فالكاتب يقول مثلاً في قصة الصليب (ص119): "ودار نقاش داخلي أسجّل بعض فقراته، وأنا أحاول أن أحفر خنادق في الماضي من أجل دعائم الحاضر وبناء المستقبل:‏

قالوا: إنك وُجُوْدِي الضائع (كذا). (ولعلََّّها: ضائع).‏

قلت: لماذا؟...‏

قالوا: لأنك تُشكِّك بإمكانية وجود السعادة.‏

قلت: أنا لا أُشكّك بإمكانية وجودها، بل أشكك بوجودها الآن".وهذا الحوار، أو الصراع الداخلي، يكشف عن رؤية الكاتب، ويحدِّدها، ويوضِّحها، ويربطها بالزمان والمكان، ويجعلها نسبية لا مطلقة. أما الصراع الخارجي، فقد بدا بوضوح في قصة (التّرجُّل عن صهوة الخوف) وقصَّة (بلا عنوان)، ومن خلاله عرفنا صفات أدوات القمع والتعذيب، وملامح عملاء المهرِّب الأكبر في الجرف. وماذا يدور في ذهن الرجل الخفي القابع هناك، والذي يعمل الناس لفائدته بِمَنْ فيهم (حاتم زمانه). فهذا يريد مَسْحَ ما في دماغ الراوي من هلوسات العدالة والديمقراطية، ولكنه يخفق في ذلك.‏

 

وعرفنا من خلال الحوار بين رجال (حاتم زمانه) أن القائمين على لعبة المال الحرام لا يريدون قتل خصومهم، لأن في قتلهم فضيحةً لهم، بل يريدون تأديبهم، فهم يؤدّبون ولا يقتلون. وهذا، بحق، حوار كاشف وماتع وهادف في الوقت نفسه.‏

 

وإذا كان الحوار والصراع قد كشفا شيئاً من جوانب شخصية (الرجل المَكْروش)، و(حاتم زمانه)، فإنهما قدّما أيضاً ملامح شخصيات، محورية أخرى في المجموعة... وقد أشرنا إلى أن (أنا الراوي)، أو ضمير المُتكلِّم، كان بطل ثماني قصص من القصص العشر. وقد بدت تلك (الأنا) شخصية ذات قِيَم تُبّشر بها، ولا تتردد في التضحية من أجلها، وهي تدعو إلى الثبات على المبدأ، كما في القصتين الأخيرتين.‏

 

وثمة شخصيات أخرى حاورها الراوي، فانكشفت بعض صفاتها، فهناك عالم بالأفران العالية، وآخر يمتهن التهريب، ويتحدّى القوانين، ويلعب لعبة المال، وأناس غامضون مثَّلوا الرأي السائد، وعرفنا أفكارهم فحسب، ولعلَّهم الأغنياء الذين يمارسون الصدقة، كما في قصة (مخاض في الشارع). وشخوص أخر، هُمْ: الجدَّ، والأب، والجار، والعامل البائس، والمرأة المُتسوِّلة، والزوجة، والأولاد. ومن الشخصيات غير البشرية طيور السنونو، والنوارس، والبغل، وأشنيات البحر، وهي نباتات هلامية، أرادنا الكاتب أن ننظر إليها بازْدراء، لأنها معادلٌ موضوعي لأدوات القمع والتنكيل.‏

 

ولم تجترح الشخصيات البشرية معجزات كبيرة، بل مثّل بعضها دورَ البطولة المقلوبة، فكانت كالمسيح على الجلجلة، فهي تتألم وتعاني. ومن أولئك المرأة المُتسوّلة، وسائق العربة، وعارف المدني، وراوي قصة (الترجُّل عن صهوة الخوف)، وأبو ذر، وراوي قصة (بلا عنوان).‏

 

وكان بعض تلك الشخصيات مُفْعَماً بالأمل وقادراً على مواصلة السير غير يائس ولا مهزوم، يقول مثلاً بطل قصة (الترجل عن صهوة الخوف): "سوف أرتاح الليلة وسأبدا مع الفجر في الصباح" ـ (ص 176). ومرَّ بنا أن بعض الابطال قد مارس دور الواعظ الناصح أو المُقرِّع أو المُحرِّض على الثورة والانتفاضة.‏

 

واتصف (أنا الراوي) غالباً بظهور الحاسة السادسة لديه، وأعني بها حاسة الشعور بالزمان والمكان، ففي (ص50)، يقول:‏

"المكان خارجنا يحاصر الإنسان والزمان يغتصبه". وفي (ص66)، يقول: "ودفعة واحدة انتفى من بين الأفواه والعيون، مفهوم المكان والزمان". وفي قصة الصليب يقول الراوي(ص112): "وفي تلك اللحظة شعرت أن شيئاً آخر مات في داخلي. وبدأ الزمان والمكان ينزفان من عيني صديداً مُوْحِلاً". والاهتمام بالزمان والإحساس به هو سمة من سمات أدب القرن العشرين، وفي ذلك يقول سمير الحاج شاهين في كتابِهِ (لحظة الأبدية): "إنَّ الزمانَ "حاضر في أدب بروست وجويس ومان وفرجينيا وولف وفولكنر وسارتر. إنه كامِنٌ في شِعْر فاليري وريلكه وريفردي. كما أنه مرتكز جمالية سترافنسكي، إنه القاسم المشترك الذي يجمع بين ممثلي حضارة هذا القرن، مؤكّداً أن عباقرة عصرٍ ما، مهما تباينت آراؤهم واتجاهاتهم وتنوّعت مشاربهم ومذاهبهم، يظّلون أبناء جيل واحد". (لحظة الأبدية، ص64).‏

 

وإذا دَقَّقْنا في الأمكنة التي احتوت الحدث، أو كانت مسرحاً للقصَّة، فإننا نراها تتراوح مابين شارعٍ في المدينة (ق1)، و(ق2)، و(ق3)، وقبو للتعذيب (ق9)، وفيلا على الشاطئ (ق10). وهي أماكن أثّرت في مجرى القصة، كما أثَّر مجرى القصَّة فيها. وهذا ما سنراه بوضوح في وقفتنا عند أحد نماذج القصص وهو (الترجُّل عن صَهْوَةِ الخوف) بعد قليل.‏

 

وتبقى مسألة أخيرة ينبغي أن نلفت النظر إليها، وهي طول القصة وقصرها، فالمجموعة التي بين أيدينا تتألف من عشر قصص، وعدد صفحاتها‏

(222) صفحة، وأَقْصَر قصة فيها هي (12)، صفحة، وهي (الزمن الآخر)، وأطولها (45) صفحة، وهي (بلا عنوان). أما متوسط القصة في المجموعة فهو (22) صفحة من القطع الصغير.‏

وهذه ملاحظة تُظْهِر القاصَّ مؤثراً للقصة الطويلة، نسبياً. ولهذا الإيثار مشكلة، إذ قد ينحرف بالكاتب إلى أن يضحّي بمبدأ التركيز والتكثيف، وعدم استئصال الزوائد. وقد مرَّ بنا نماذج من ذلك.‏

 

ج ـ دراسة النموذج (الترجُّل عن صهوة الخوف):‏

إن قصة (الترجُّل عن صَهْوَةِ الخوف) تبلغ (22) صفحة، فهي من حيث الحجم تمثل نموذج هذه المجموعة. ونحن إِذْ نقف عندها، نكون قد استجبنا لتوجيه الكاتب، الذي يبدو أنه أضمره عندما اختار عنوانَ هذه القصة، عنواناً للمجموعة على ما فيه من قابلية للنقاش كما سبق.‏

 

والحق أن هذه القصة قد حازت مزايا جيدة جعلتها دُر‌َّة التاج في المجموعة، وتمثَّلتْ هذه المزايا بما يلي:‏

أولاً: إنَّها مثلت رؤية الكاتب للحياة، أو لِنقُلْ بؤرة تلك الرؤية، فالهاجس الملحاح على الكاتب هو السؤال التقليدي الذي ما فتئ يهاجم ذاكرته ودماغه، وهو: متى يأتي الزمن الذي يرتاح فيه الفقراء؟ وأن هلوسات الديمقراطية والعدالة الإنسانية هي التي يهذي بها دماغه، الذي انتزعته أدوات القمع من رأسه، وأدوات محو هذه الأفكار منه.‏

ثانياً: إنَّ هذه القصة اكتنزت رموزاً طيبة كان الكاتب فيها يضفي الخارج على الداخل، أو يجعل "الداخل" يتجسَّد "خارجاً" في عملية تناوبية إسقاطية فنية. فالطبيعة كالمجتمع، فيها جرف وصخرة فوقه... أو هبوط وإسفاف من جهة، وقيم رفيعة عالية من جهة أخرى. والجرْف لا يرمز للهبوط فقط، بل للفساد والشرور في العالم. وهو إذ يزوره ذات ليلة يقف أولاً على صخرة فوقه، والصخرة لا ترمز إلى العلو فقط، بل إلى الشرف والرفعة، وما يرافقهما من وَعْي وإِيْمانِ بالحرية والعدل. أما أشنيات البحر، وهي نباتاتٌ هُلامية قليلة النفْع و الفائدة، فهي معادل فنِّي ومَوْضوعي لأدوات تنفيذ الاستبداد والقَهْر... فهي تُطْبِق على الراوي، حين يكون فوقَ الصخرة، لأنها تشك بكشفه لأسرارها، وفَضْحِهِ لأمورها.‏

 

ومن الرموز في القصة أن الكاتب سينقل إلى قرب (الجرف)، في الغدِ، المطرقة والإزميل والأشياء الأخرى، استعداداً للمستقبل، أو للثورة على رموز الشر والجشع وخيانة الوطن.... وهناك الليل والصباح. ففي الليل كان السواد والعذاب في حضرة رجال الرجل المكروش، أما في الصباح، فسيكون الموعد مع بداية الانتفاضة وإقامة العدل وإحْقاق الحق. وفي هذه المقابلة يكمن إيقاع القصة الذي يهبها الجدارة الفنية المتوخَّاة... ومن أشكال الإيقاع بين أحداث القصة علاقة الحدث بالطبيعة... فبعد الإفراج عن راوي القصة أو بطلها، لاَحَظْنا ابتهاج النوارس به، فهي ترقص فرحاً، والفراغ يبدو رائعاً، بعد أن كان ثقيلاً قاسياً وكريهاً‍‍... وكذلك كانت ألوان الشفق شفَّافة جميلة، وكانت أصوات تَتَسَّرب إلى آذان الراوي بحنين وشوق، ما عهدهما من قبل (انظر ص173). فأفراح الحرية تشمل الإنسان والطبيعة بنوارسها، وأمكنتها، وألوانها، وأصواتها.‏

 

ولأنَّ الكاتب فنَّان تشكيلي لم ينسَ أن يؤطّر قصته بابتسامة كانت تُطِلّ من لوحة تشكيلية لتشي غيفارا الثائر البوليفي الذي آمن بإقامة العدل بالقوة، فتخلَّى عن منصب الوزارة في حكومة (كاسترو) ليرافق الثوار في نضالهم في (بوليفيا)، حيث لقي حتفه هناك. وهذه الابتسامة، تتناغم دون ريب، مع أحلام الثورة الرومانسية التي يشنّها الفقراء ضد رجال المال والمستغلِّين والخارجين عن القانون وأعداء الحق والإنسان. وقد تركت تلك الابتسامة أثرها في (راوي القصة) فجعلته يشعر بالسعادة والأمل كلما فتح الباب ليخرج، أو ليدخل، وهذا مما يقوي العزيمة ويؤكد الثبات على المبدأ، في الوقت الذي يشكل إيقاعاً آخر بدأ في أول القصة، ثم غاب ليطالعنا في آخرها.‏

ثالثاً: حفلت هذه القصة بلونٍ من ألوان التجديد في فنِّ القص، ويتمثل بإدماج شيء من معطيات الخيال العلمي فيها، فدماغ الراوي انْتُزِعَ من رأسه ووضع في مَحْلول وكُشِطَ بفرشاة، لعلَّ هلوسات الديمقراطية والعدالة الإنسانية تُمْحَى منه، ولكنَّ النتيجة كانت معكوسة!، وكذلك راح أحد رجال القمع، بعد أن جاءت الأوامر بأن يَبْقى أسيرهم حيَّاً، راح يعيد أجزاء بطل القصة إلى أمكنتها، فقد أمسك بيده المرمية جانباً وبدأ يثبتها بتحريكها قليلاً قليلاً ثم ينظر إليها، كما يفعل المهندس حين يريد أنْ يتأكد من سقوط رأس الشاقول في النقطة التي يريد وعالج الكتْف بإعادته إلى مكانه فوراً... ثم عالج كسور فقرات الرقبة. وقبل أن يعيد الدماغ إلى موضعه قلّبه بين يديه، وهزَّ رأسه عدّة مرَّات، ثم أعاده إلى مكانه في الرأس، وبدأ يضّمد المكان بمزق من القماش" ـ (ص170)، وهذا هو الخيال العلمي الذي يتجاوز فيه الكاتب حدود الإمكان ليصوّر ما هو غَيْر معقول، بغية إثبات موقف إنساني، أو إنكاره.‏

 

وقد ساعد الوصف الموظَّفْ فنيَّاً على الكشف عن ملامح المكان، فغرفة البطل تضمّ رسماً لـ(تشي غيفارا) على أحد جدرانها، وعلى الجدار الثاني نافذةٌ كبيرةٌ بلا ستائر، وثلاثة أصص فيها أزهار وحشائش برّية، وعلى الجدار الثالث قصائد مختلفةِ عن الحب والثورة والقمع والرفض، وعلى الرابع وجانب المدخل تتكدَّس بضعة صناديق محشوَّة بالكتب، وبعض الأوراق الخاصة التي تحرضه ليتخطَّى اللحظة الحاضرة إلى المستقبل.‏

 

إذنْ، نحن في مكان تُسْتَغلُّ أشياؤه لتوحي بصفات بَطَل القصة، فالراوي رجل فنَّان ومثَّقف وفقير وفطري وصادق، فنَّان بدليل أنه يحتفظ بلوحة لـ(تشي غيفارا)، ومثَّقف بدليل صناديق الكتب المسنودة إلى الجدار الرابع في الغرفة، وفقير لأن نوافذ غرفته بلا ستائر، وفطري صادق لم يُفْسِدْهُ زَيْفُ المدينة، بدليل أنَّ الأزهار والحشائش طبيعية وبرية وليست صنعية مزيفة.‏

 

وقد تناغم مع هذا الوصف وثقافة الراوي أن العقوبة التي أُوْقِعت عليه كانت بسبب معرفته أكثر من غيره، أو لأنَّ الأعداء شكّوا بمعرفته أسرارهم. وقد كانت المعرفة ـ كما ذكرنا ـ سبباً للعقوبة التي أوقعت على بطل قصة (بلا عنوان)، وذلك لأنه عرف أن (الرجل ذا الندبة) المجدولة على خدّه الأيمن وتحت الأذن مباشرة هو قاتل (أبي ذ ر).‏

رابعاً: كان البطل هنا مثل بطل قصة (بلا عنوان) بطلاً جُلْجلياً عانى العذاب والتنكيل في سبيل مبادئه وأفكاره، ولكنه مؤمنٌ بفكرةٍ، صَلْبٌ في الدفاع عنها، لا يثنيه شيء عن متابعة السير، وهو بعذابه يكشف جَشَعَ الأغنياء، ويصون كرامة الإنسان، ويعلي شأن العدل، ويفضح أساليب المستبدين، مؤكّداً أنَّ ما قاله من قبل على لسان أبطال القصص الآخرين من أنه لا يؤمن إلا بإله الرفض، وأنَّ زوارقه ستظل تخبط ضدَّ التيار، وأنَّ الخوف الذي يجرف كل شيء إلى وهاد الصمت لا محلَّ له في فكره وقلبه. إنَّ التحريض واجب على الدعاة والثائرين، وقدوة (ابن هرمز)، الذي خرج مع المقاتلين يحمل سيفاً ويده ترتعش لكبر سنّه، وقال: "يراني غيري فيقتدي بي"(ابن هرمز) هذا، هو أيضاً قدوة الكاتب، ويريده قدوةً لقرّاءِ أدبه.‏

 

بيد أن هذه القصة، ولسوء الحظ، شابها زيادات واستطالات ماكان أغناها عنها. وهذه ظاهرة لازمت، بعض قصص الكاتب الذي لاحظنا إيثاره للتطويل على حساب القصر، وتفضيله للاستطراد، على حساب التركيز، وحبَّه للمطمطة على حساب الاختزال والتكثيف.‏

 

خامساً: بقي شيء أخير في لغة الكاتب القصصية، بل شيئان لابدَّ من الإشارة إليهما:‏

الأول: هو إِثْقال هذه اللغة بصور وتشبيهات كثيرة، بدا فيها الكاتب وكأنه يُعْدِي لغة القص بعدوى الفن التشكيلي، فيريدها جميلة مزدانة ملونة. وهي لا تقوى على هذا المسعى، فلغة القصة تراوح بين لغة الإبلاغ ولغة الشعر، وتقع في منطقة وسطى بين السائد والشعري... وها هي ذي هنا تتنازل عن وظيفتها التعبيرية لمصلحة وظيفة شعرية، وهو تنازل لا ينفع القصة دوماً.‏

 

الثاني: هو تَسَلُّل بعض الأخطاء النحوية والإملائية التي شوهت هذه الوجه الذي حرص الكاتب على زينته، بل بالغ فيها، ومن تلك الأخطاء على سبيل المثال لا الحصر:‏

1 ـ جاء في (ص11): (يتسائل). والصواب (يتساءل) فالهمزة على السطر وليست على النبرة.‏

2 ـ جاء في (ص17): (الكأبة) والصوَّاب (الكآبة) بالمد لا بالهمز.‏

3 ـ جاء في (ص40): (في عيني والدي كلاماً)، والصواب (كلامٌ) لأنه مبتدأ مرفوع.‏

4 ـ جاء في (ص51): (هل تبعه لي)، والصواب (تبيعه) إذْ لا وجه لجزم (تبيعه).‏

5 ـ جاء في (ص64): (إنَّ مَنْ يقل: أنا موجوع ينسى الآخرين). والصواب (يقول) فلا وجه للجزم البتَّة.‏

6 ـ جاء في (ص102): (صار بيدر جثث كبير). والصواب (... كبيراً) لأنه صفة لمنصوب، وهو نكرة يجب تنوينها.‏

7 ـ جاء في (ص145): (ها أنذا وحيداً)، والصواب (وحيد) بالرفع، ولا وجه للنصب.‏

8 ـ جاء في (ص164): (كانا ينظران إلى بعضهما)، والصواب (كانا ينظر أحدهما إلى الآخر).‏

9 ـ جاء في (ص168): (يجعلني إمَّا أبلها أو في الطرف الآخر)، والصواب (إمّا ابله)، بدون تنوين لأنه ممنوع من الصرف.‏

10 ـ جاء في (ص174): (تلى ذلك مباشرةً)، والصواب (تلا) بالألف الممدودة.‏

11 ـ جاء في (ص191) : (شعرتُ أنَّ لدى العجوز توق) والصواب. (.. تَوْقاً) لأنها اسم أنَّ، واسم (أنَّ منصوب).‏

 

ورغم ما تقدَّم، فإن هذه المجموعة التي تمثَّلَتْ خَلْقَاً سوّياً كانت "كالحسناء التي لا تعدم ذاما" فهي تشكّل معماراً فنياً صادراً عن كاتب مارس فن القصة نحو عشرين عاماً. ولكن الحركة الأدبية في كل زمان ومكان لا تقوم قطُّ، إلاَّ بجناحيَ الإبداع والنقد معاً، وإذا كان (شريقي) قد صنع الجناح الأول، فإنَّ ما صنعناه نحن هو الجناح الثاني، وماكان غرضنا هنا سوى أن يتمكن طائر الأدب من التحليق بجناحين، مُتحرِّراً من العوائق و الموانع.‏              

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

اعتذار

قصة حب

 تساؤلات إبراهيم العبد

 

 

تسَاؤلات إبراهيم العَبْد

 

(لو أنني أخرجت القارب من الماء.....)‏

تململ (إبراهيم العبد) في فراشه. شيء ما يدفعه للنهوض، ويبعد النوم عن عينيه. تحرك بهدوء... حدق في الظلام بحثاً عن خيط ضوء يهتدي به إلى الباب... كانت العاصفة في بدايتها... الطبيعة تولول كسرب من الغربان يعتدي الأطفال على أفراخها. أمسى العويل بين أضلاعه..‏

(هذه الليلة الملعونة... سترك يا رب. لن تترك لنا العاصفة من قواربنا، إلا بقايا أخشاب مرجبة على الشاطئ. وستكون كارثة تقود الصيادين إلى الجوع... والفاقة والحرمان.)‏

(عادل كان دائماً يصر على إخراج القارب من الماء إلى الشاطئ. أو ربطه بعيداً عن منطقة الصخور على الأقل)‏

أبرقت السماء... أرعدت... شخر الهواء في الخارج، بينما كان يحدث صفيراً متقطعاً، مبحوحاً. لدى دخوله إلى غرفة "إبراهيم العبد". من خلال الفراغات الموزعة بين الجدران، والباب، والنوافذ.‏

(عادل كان على حق.. ليتني أرسيت القارب في الجهة الجنوبية الغربية. إذن لكان بعيداً عن الصخور أولاً... ومحمياً عن عربدة الأمواج وسخطها ثانياً... ولكنه الكسل. هنا أحتاج إلى التخلص من القسم الأسفل من ثيابي للوصول إلى القارب أو العودة منه. بينما قرب الصخور، انتقل من القارب إلى الصخرة الكبيرة... ثم بالتدريج أصل إلى الشاطئ، وقد لا أحتاج لخلع حذائي إذا أردت).‏

تنهد... أصغى السمع، فاجأه الصفير... أيقظه من شروده اصطدام جسم ما بالأرض. كان الجسم هشاً... تبعه أصوات تحطيم أغصان شيئاً فشيئاً. تجمدت أنفاسه لحظة، تذكر شجرة التين: (لقد انكسرت شجرة التين في الباحة، واأسفاه، إنها من النوع البلدي الجيد).‏

انبعث في الغرفة تيار هواء قوي... تلاه تحطيم. جسم زجاجي. (لقد تحطم زجاج النافذة).‏

استرسل القلق في احتلال تفكيره. تمادت الأفكار السيئة تعمل في رأسه دون كلل أو ملل.. تحسس وجهه براحته، أحس بالتجاعيد موزعة في الجهة والخدين وبين فمه وذقنه.‏

(لقد تجاوزت السابعة والستون... سبع وخمسون عاماً قضيتها في صراع دائم مع البحر... البحر، ذلك العدو الحبيب الذي فاق بمزاجيته كل حد... واستعصى على الإنسان مهادنته)‏

وضعت زوجة (إبراهيم العبد.. قطعة من القماش مكان الزجاج المحطم... تظاهر إبراهيم بالرقاد. وعندما عادت إلى الفراش ثانية، رفع رأسه قليلاً وقال:)‏

لا مفر من ذلك.‏

صمت قليلاً وأضاف متسائلاً:‏

أليس كذلك.؟‏

قالت الزوجة بصوت جاد، ولهجة مستغربة:‏

بسم الله... ما هذا الذي لا مفر منه؟‏

ـ تحطيم القارب. أجابها وكأنه يجيب نفسه.‏

قالت بعذوبة الشيخوخة، وحنو الأم... وإيمان المرأة القدرية:‏

ـ (اللي بيريدو الله بيصير) وتابعت قولها: (قل ما يصيبكم إلا ما كتب الله لكم)‏

اندست في الفراش.. التصقت به بحثاً عن الدفء. أما إبراهيم العبد، فقد بدأت الأفكار تستنفر في رأسه. فبدا له منظر القارب تتقاذفه الأمواج... ترتفع به تارة، وترتفع فوقه محاولة دفعه إلى الأسفل، تارة أخرى. صوت الأمواج يتعالى... يشتد في أذنيه.‏

(المياه تحتل قعر القارب... هاهي ترتفع قليلاً في بطنه)‏

استنفرت أعصابه تماماً...‏

(لو كنت في القارب الآن لغمرت المياه ساقي...)‏

صوت الأمواج أشبه بعواء ذئاب جائعة... راودته الرغبة بالصراخ.. لكنه اكتفى بمعالجة تلك الأفكار باحتمالات لونها بصباغ الأمل، كاد يستسلم للرقاد أو فعل، عندما مزق صوت العاصفة سكون الليل، بأصوات وحشرجات ـ بغتة ـ أغمض عينيه.. و صرخ بذعر مخيف:‏

ـ يا إلهي... لقد انتهى كل شيء... تحطم القارب... تحطم كل شيء.‏

صوت العاصفة يشتد... نهض فجأة وصرخ:‏

ـ يا عادل... يا ابني يا عادل، هلم يا ولدي.‏

وقفت الزوجة مذعورة. اقتربت منه بهدوء، تحسست جسمه بيده، وقالت:‏

أبو عادل ماذا تقول... ماذا أصابك؟‏

يتذكر فجأة... عادل هجر المدينة بحثاً عن الرزق... كان ذلك على ظهر إحدى ا لبواخر. وتساءل بطريقة إنسان أفاق فجأة من صدمة أفقدته صوابه لفترة وجيزة:‏

ـ (لماذا هذه الهجرة... الفلاح يهجر القرية والأرض... والمعلم المختص يسعى إلى الهجرة... الطالب المتفوق يذهب إلى بلاد الأجانب ولا يعود... وأولادنا يتركوننا للعمل في البواخر بعيدين عن الوطن وعنا.)‏

تذكر جواب عادل عندما طلب إليه عدم الذهاب، والبقاء في البلد.‏

ـ ولكننا لا نعيش يا أبتي...‏

ـ وغيرك كذلك يا عادل..‏

ـ غير يحاول أن يغادر مثلي، إذا كان مثلي... فما رأيت معلماً، أو موظفاً أو فنياً إلا يتواسط لترك عمله لسبب أو لآخر.. إنهم يدفعون من أجل ذلك يا أبتي...‏

ـ (يا للخسارة) قال ذلك إبراهيم العبد. وأضاف.‏

(ما أعجب هذه الحياة... إننا نفقد معنى وجودنا شيئاً فشيئاً. وإلا ما معنى هذا التوق الأرعن للهجرة... والإلحاح العجيب على الهروب. إنها الفوضى... انتصرت الهزيمة في النفوس... وكم هو مؤلم أن تنتصر)‏

أسند رأسه إلى زاوية السرير الحديدية... (ما أرهبها من لحظات.؟ ذلك الهروب النزيف، عقوبة التاريخ لعدالة أو جور وجودنا).‏

نسي العاصفة والقارب... والصخور، وعادلاً... مجرد شرود ذهني أعاده إلى حادثة شاهدها أول أمس.. كان يتمنى أن ينقذ الرجل. لا لأنه يعرفه ويحبه... ولا لأفعاله الحميدة، وخصاله الحسنة. إنما لأنه إنسان ومن أجل الإنسانية فقط... في الحقيقة ـ قال في نفسه ـ أن مجمل أفعاله وخصاله لا تخولانه أن ينقذه أحد..)‏

تساءل بعناد كأنه التاريخ يريد أن يسجل حادثاً في مذكراته الخاصة.‏

(كان الرجل يصرخ أشبه بالمجنون.... وكان له ما يميزه من ثيابه الخاصة... استجار بالمارة، واستعان بالجالسين... بأصحاب الحوانيت، والذين يطلون من النوافذ... استنجد بالباعة والمتجولين. إلا أن أحدهم لم يلتفت. تجاهله المارة. والجالسون الباعة... وأغلقت النوافذ والأبواب في وجهه... أغمض الجميع عيونهم... الرجل تميزه ثيابه... والدراجة تسرع باتجاهه... خيم الصمت... (لحظة). ومات صاحب الثياب المميزة.. انطلقت الدراجة بأقصى سرعتها... هدأت حركة الشارع. أما أنا... أنا الذي لا تسمح لي سني بالمقاومة، أو تقديم المساعدة. فقد اتجهت إلى اقرب باب وتسلقت درجاته إلى لا مكان محدد.‏

مات الرجل؟!..‏

تساءل إبراهيم العبد، لماذا هرب الجميع... وقال:‏

(يا للجريمة البشعة...؟)‏

اللعنة على أمر ما أفقد الإنسان حس الإنسانية لا بد أن ذلك الأمر هو الذي أفقد الأرض فلاحها... و... وجعل الناس يغضون الطرف عن الجريمة. ما هو ذلك الشيء.. لست أدري؟ صوت العاصفة لا يلبث يعلو من جديد. تخيل المكان.. تساءل إبراهيم العبد:‏

ـ هل كان أمام عادل وأمثاله إلا ذلك الطريق؟‏

وتتسلق أفكاره حادثة القتل من جديد. الناس... أين عيونهم وسواعدهم، وقلوبهم، وتذكر كلمات أحد المارة (حسناً... وكما تراني يا جميل أراك)‏

ارتفع عويل العاصفة...‏

انتفض في فراشه واقفاً... استيقظت زوجة:‏

ـ إلى أين؟‏

ـ إلى ميناء الزجاج.‏

ـ ما هذا الجنون... في هذه العاصفة، وبمثل هذا الوقت من الليل؟‏

ـ أريد أن أنقل القارب إلى المكان الذي كان يربطه فيه عادل.‏

ـ الآن؟!‏

ـ نعم‏

ـ ولكنك لا تستطيع وحدك.!‏

ـ لا تخافي‏

ـ دع الأمر إلى الغد‏

ـ غداً يوم آخر... ويجب أن لا نؤجل عمل اليوم إلى الغد.‏

حضرته كلمات ولده عادل: (حين فكر بالرحيل بكيت مرتين... مرة لأنني سأغادر الوطن وقد لا أعود... ومرة لأنني مضطر أن أترك ذكرياتي... وطفولتي. وهكذا يا أبي.... ما من أحد يغادر إلا مكرهاً... ما من أحد يغادر إلا بعد أن يفقد الأمل بالحياة الشريفة... والأذرع القوية المنقذة... صمت قليلاً وابتسم بحزن: (لقد فقدت الأمل يا أبتي).‏

تساءل إبراهيم العبد في نفسه (وعندما يتم فقدان الأمل؟)‏

أجاب:‏

(تمتد المخالب فتخرج وتمزق كل شيء... بما في ذلك الأشياء الجميلة في وجودنا).‏

قال له عادل:‏

(لو أن الوقت الذي نضيعه في سبيل الأمور التافهة. كان لإبعاد شبح التفاهة، والميوعة والخوف من المستقبل، ووجودنا. إذن، لكانت حياتنا الآن شيئاً آخر.)‏

قالت الزوجة:‏

ولكن؟ الآن؟.‏

قال بلهجة واثقة قوية،‏

سأذهب.‏

هلا انتظرت لتهدأ العاصفة قليلاً.‏

ـ كلا... قد لا تنتظر العاصفة.. فتحطم كل شيء.‏

ـ قد يصيبك مكروه.‏

ـ المهم أن لا أدع العاصفة تدمر وجودي، وما عشت عمري لجمعه... إنه لعادل.. ولنا. أما الزوجة، فقد استسلمت مكرهة جزعة عندما رأت تصميم زوجها.‏

سألها:‏

ـ أين القنديل يا أم عادل؟‏

ـ إنه هناك.‏

تحركت من مكانها باتجاه إحدى زوايا الغرفة وأضافت.‏

ـ هل أشعله من هنا؟‏

ـ أعتقد أنه من الأفضل أن تفعلي ذلك.‏

ـ وأنا أعتقد ذلك أيضاً.‏

لاحظ إبراهيم العبد وجوم زوجه وارتباكها وهي تهيئ القنديل فقال له بحنان:‏

لا يشغلك شيء يا مديحة.. إنه لا بد من ذلك. لا بد من الحفاظ على القارب. إنه يعطينا كل شيء.. كل الأشياء التي نملكها. بما في ذلك حياتنا التي نعيشها إنما هي بعض عطاءاته.‏

ـ .....‏

فتح الباب‏

ـ هل أنت ذاهب فعلاً؟ سألته أم عادل‏

لا أظنني أمزح، أو أتأخر في وقت لا يحتمل المزاح أو التردد.‏

كانت الأمواج في صباح اليوم التالي، هادئة تشبه نسيماً يأتي من البعيد.. تحمله الرياح عبر غابة بعيدة النهاية، عالية الأشجار. كل شيء مشبع بالهدوء، لدرجة أن من أحس بعاصفة الليلة الماضية. وجمال الصباح وهدوئه. لا يصدق بشكل من الأشكال.. أن هذا الفجر هو ابن تلك الليلة الهوجاء العاصفة.‏

قال أحد الصيادين لزميله وهو يشير إلى ميناء الزجاج من الرصيف المرتفع:‏

ـ انظر.. قارب إبراهيم العبد هو الذي نجا من غضب العاصفة وبقي سليماً تماماً.‏

قال الثاني: لقد أحسن صنعاً إذ ربطه في تلك المنطقة.. بعيداً عن الصخور.‏

أما الثالث فقد ردد بصوت حزين:‏

ـ قوارب معظم الصيادين قد تضررت... ومنها ما تحطم تماماً... وأضاف.‏

(انظر هاهي ذي ثلاثة قوارب، قد أصبحت أشلاء حطاماً لا تصلح إلا حطباً للوقود)‏

قال الصياد الأول: لو أننا أتينا ليلة أمس، وغيرنا أماكن القوارب.. لكانت خسارتنا أقل بكثير مما عليه الآن.‏

وأجاب زميله مؤكداً قائلاً:‏

حقاً ما تقول.‏

وانتبه الجميع إلى الوراء... صوت امرأة جعلهم يلتفتون دفعة واحدة إلى مصدر الصوت.‏

قالت المرأة:‏

هل رأيتم إبراهيم العبد.‏

ـ من؟ قال أحدهم‏

وقال الآخر‏

أم عادل؟‏

وسأل الثالث:‏

ـ ولكن.. أين أبو عادل؟‏

أجابت: (لقد خرج ليلاً ليغير مكان القارب.. ليشده بعيداً عن الصخور خوفاً من العاصفة.‏

قال الرجل الثالث: يبدو أنه نجح في ذلك..‏

قالت: ولكنه لم يعد حتى الآن.‏

اتجهت أنظار الجميع إلى الشاطئ... في تلك اللحظة... ثمة ساعدان... أحاطا جسم المرأة من الخلف... وتقابلت نظرات عادل بعيني أمه الحزينة.. وانتقلت العيون الأربع معاً إلى الشاطئ... حيث القارب تداعبه الأمواج.‏

قالت المرأة وهي تحتضن وجه ولدها:‏

ـ إنه الوفاء.‏

ـ نعم إنه الوفاء العظيم يا أماه.‏

سألته بلهفة:‏

ـ طبعاً... فأنت باق؟‏

كان لا مفر من العودة... وبالتالي لا بد من البقاء.‏

ـ هو ذا القارب‏

ـ أعلم ذلك...‏

همست المرأة بصوت تخنقه الدموع.‏

ـ ولكن أبوك؟... أجهشت وقالت: (انظر كم هو رائع عمل أبيك؟)‏

احتضنها عادل من جديد:‏

ـ هل أخبرك بشيء...؟‏

لا أظنه أراد أكثر من عودتك... والحفاظ على القارب.‏      

 

  

 

قصّة حبّ

 

شمس خريفية دافئة تحاول أن تحتضن المكان والزمان، فسربت أشعتها على الطرقات والدروب بين الشوارع والزواريب الصغيرة، فبدت كخيوط شفافة لامعة وهي تنساب خلال أوراق أشجار الخرنوب الهرمة التي تحيط بالمخفر الذي عايشها لسنوات طويلة. إلى اليمين، يمتد شارع مستقيم إلى البحر مباشرة ليبرز في نهاية السور الذي يحيط بالشاطئ كما تحيط السوار بالمعصم... يفصل هذا السور، الرصيف عن المنحدر الصخري الذي يسمى (حمام الحجر)، وهو عبارة عن لسان صغير، تعلوه صخرة مجوفه يصل إليها الأطفال بواسطة ممر ضيق تغطيه مياه ضحلة... في المسافة الفاصلة بين حمام الحجر، وميناء الزجاج تنبسط كتلة صخرية كبيرة، مسطحة، يؤمها فقراء المدينة في الأمسيات الصيفية، والربيعية كمتنزه خاص بهم في الليالي الحارة. عند نهاية هذه الصخرة من جهة الشمال تنتشر قوارب الصيادين فيما يسمى (ميناء الزجاج) الذي هو عبارة عن خليج رملي صغير ورائع في آن واحد.‏

 

... أيام طفولتنا، والمراهقة، كنا نعبر هذا الطريق كل يوم مرات لا تحصى، يشدنا إلى ذلك الرغبة في معانقة البحر، ذلك اللغز الذي كنا نتعامل معه بارتياب... نحبه، ونخشاه، نباغته، ويباغتنا، بجروح صغيرة ونحن نلهو فوق شاطئ ميناء الزجاج الرملي، والصخرة المسطحة.‏

 

وها أنذا.. بعد سنوات من ذلك الماضي أبدأ الرحلة ذاتها... تتسلق مخيلتي صور الذكريات، بكل ما فيها من حنين رائع، عن الطفولة، وقوارب الصيادين، وشباكهم، وعن إبحارهم وعودتهم، وعن البحر بمزاجيته اللا محدودة بين الشفافية المرهفة، والعواصف المرعبة.‏

 

***‏

 

تمزق شيء في داخلي، ألفيت نفسي أتخبط في قاع الحزن بين رعشة الحلم، والوهم، وأنا أحتضن ذكرياتي التي حاول الزمن ابتلاعها. خطوة إثر خطوة، خطوت في مشقة كبيرة... ولكنني لا أعرف فيما إذا كنت أخطو إلى الأمام أم إلى الوراء... أنا العائد من الغربة كنت أشعر أنني غريب وحيد، ومنفرد... كل شيء مات حولي... فالبحر، سرقوه في الليالي التي اعتقلت فيها الغيوم السوداء قمرها، ربما هو الذي استسلم بعد أن أتعبه العيش، وشاطئه قد تعفن، حين احتجزوا مياهه، وشاطئه، وشمسه، وسوروه بالاسمنت والأسلاك الشائكة... ومنعوا عنه أقدام الأطفال الذين أحبهم...‏

 

كانت حبيبات الرذاذ البيضاء تغسل وجوهنا، وتلامس شفاهنا، فنمتصها كما كنا نفعل مع بعض أنواع الحلوى... وكنا سعداء، سعادة المراهق الذي يعيش لحظة لقاء الحب الأول...‏

 

شعرت أن العالم مات من حولي، وأنني الآن أموت معه وأنا أحتضن تلك الذكريات منتصباً أعانق الأفق الأزرق، الماء يغسل أقدامنا الصغيرة وهواء البحر المنعش، يستقبلنا برطوبته، ربما مع قليل من الملوحة، في أبهة الفجر المدهوش، وانطلاقته.‏

 

***‏

 

حزينة مثلي كانت... مفقودة، ضائعة في مهرجان القشريات، والطحالب، وبريد الزبد الهش، خفافيش الليل بدت فجأة، تقتنص روعة الحياة في ربوعها، بلا حب، بلا روح.‏

 

مقهورة مثلي حبيبتي... طرقاتها حزينة، الأمواج والصخور، قناديل الصيادين والقوارب، ومصبات الأنهار، تتطلع حزينة بعيون يتامى، تحمل الهواء رسائل حب وشوق، لأولئك القابعين في الزوايا، يتلوى وجودهم في الأفق البارد، الفارغ، الضبابي بحثاً عن حبهم القديم، عن عشاق، عن عاشق أحب هذه المدينة...‏

 

ومع أن البحر كان شيئاً رهيباً مجهولاً في طفولتنا، وكنا نخشاه ونحبه، وأحياناً كان يفرض على المدينة فدية، يدفعها أبناؤها منزلاً، أو قارباً، أو صياداً... أو ربما عذراء ألقت بجسدها في حضنه واستثارته ليداعبها، وعندما أرادت هجره، كان قد أحبه... قد يكون البحر –أحياناً- قليل التعقل، مزاجياً، له طقوسه الغريبة، يحطم القوارب، يمزق القلوع والأشرعة، ولكنه إلى جانب ذلك، فهو كتلة عواطف وإخلاص، لأنه ما فتئ منذ الأزل يغسل كل يوم، بل كل لحظة أقدام حبيبتي، ويشد على خصرها زناراً من الندى يمنحها الحياة، والجمال، والديمومة.‏

 

أصوات غريبة، صراخ وبكاء، ارتفعت دفعة واحدة.. حبيبتي مغلوبة على أمرها... والبحر الحارس العاشق يتطلع إليها وقد قيد الواقع حلمه، وهو يراها مصلوبة تحت أقدام الزمن العفن.‏

 

أوشكت على البكاء حين فكرت بما أرى. في اللحظات التي رفضت فيها خواء الواقع وظلمه، تمنيت من أجل عيون حبيبتي أن أكون غجرياً، يحمل صورتها الرائعة في مخيلته، واسمها في فؤاده، ويتجول وهو يغني حبها، وجمالها، أينما حل وكيفما رحل... وها أنذا الآن أتمنى أن أكون قاطع طريق لأخوض من أجلها صراعاً مصيرياً مع المسوخ، والأقزام... لأطرد الخفافيش، وأنظف جسدها من اللبلاب، والأشواك. إن روحي تزأر من آلام حبيبتي التي تستباح كل يوم حتى الموت... الكثيرون يعرفون جيداً، أن وجودها هو المقصود. وإلا كيف يبرئ القانون الخارجين على القانون.‏

 

اندفع البحر نوارس تساقط بعضها في غور أحزاني المريرة، احتلني نورس نجا بحياته، وسألني إذا كنت قد متُّ. فقلت: لا. قال: إذن... فلتصلنا الرياح المخبوءة أكثر جنوناً، بل أعاصير كالذكرى منك...‏

 

قلت: كيف يمكنني ذلك؟..‏

 

-حين يلقي الليل بروائه على جسد حبيبتك، نتماسك بأيدينا متحدين، ونهب في فجر صباح ما، كأجساد بعث الله فيها الأرواح بعد أن فارقتها الحياة، ونظل نهتف للبحر وندعوه:‏

 

"أقتل الأشرار الذين يزرعون الفقر في عيون الناس، والجوع في بطون الأطفال... انتصب ضد القوانين التي تحمي الأغنياء، والسفلة والأوغاد... إمحقهم، "ولا تزر وازرة وزر أخرى".‏

 

حين كان الناس يلعقون الملح عن شفاههم قال أحدهم وهو مضطرب:‏

 

-حيث تنتصب القوانين التي تحمي السفلة والأوغاد، يتحالف الظلم والإجرام، مع القمع والفساد والغباء.‏

 

وقال آخر: يجب أن نبحث في أعماق دورة الانتماء، لنصل إلى حقيقة ما يجري ونفهم أبعاد الواقع.‏

 

رد ثالث: من أجل أن نرى النوارس تنعم بالحياة علينا أن نعرف طبيعة القوانين التي تحكم هذه الحياة، ومن ثم نغير ما هو ضروري تغييره.‏

 

قلت أخاطب النورس الذي نجا، وهو يفتح جناحيه للبحر: من أجل أن نرى البحر قد استجاب لنا، علينا أولاً أن نكون الريح التي تزيل كل ما يغطي جسد الحبيبة من أعشاب، وأشواك.‏

 

***‏

 

أغمضت عيني محاولاً الخروج من النفق الذي تنز جوانبه غربة، ثم فتحتهما، ونظرت حولي بلا خوف أو قلق... على مبعدة من اللحظة التي غادرتها، انبعث شيء في داخلي من مخاض ذلك الشعور الذي تجلى لي، وأنا أنظر إلى عيني حبيبتي. اجتازت أحاسيس الزمان والمكان فجأة، كأنما هاتف ناداني فأسرعت إليه... تخطيت الكآبة، والآلام، والواقع الذي انزرعت في كل جوانبه أشباح هشة أشبه برماد غطته المياه... مزقت كل الاحتمالات لأصل حيث نادتني الحبيبة، وأنا في قرارة نفسي أشعر بالدفء، ولحزني، أتمنى أن يستجيب البحر مبكراً.‏

 

الطحالب، والأشواك تشوه جمال حبيبتي... اللبلاب يمتص الحياة من وجهها، والشحوب يجعلها مثل امرأة عجوز مكدودة مرهقة، تنتظر ورموشها المتعبة تداعب أحلاماً تنطلق باحثة عن الدفء، والحب، والحنان... تلاحق بنظراتها الأقدام العارية، والوجوه التي شققها الجوع بصمت.‏

 

بعد خروجي من النفق الذي تنز جوانبه غربة، أشعر أنني أحبها أكثر، وأنها ما زالت تحبني.‏

 

ما أشد سحرك يا حبيبتي، وما أوفاك، وأنت تحملين حقيبة الذكريات كل تلك الأيام بين ضلوعك، والحنين في قلبك، لتستقبلي هذا العائد الذي أضاعته الغربة بعيداً عنك...‏

 

"ما جفت الدموع إلا لقسوة القلوب، وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب".‏

 

حدثت نفسي وأنا أحمل أسفار حبك، عن حبك. وحين رأيت الدمع يغرغر في عينيك، لا يخرج منها، ولا ينقطع عنها، عثرت على حقيقة المأساة... الحقيقة المرمية في الشوارع، والمكتوبة على الجدران... مبعثرة عند أقدامك... وحارسك البحر، يرفض أن يحتويها في جوفه، فتقذفها أمواجه لتقدمها علفاً نتناً للطحالب... وعندما رأيت "الجواكر" الأخطبوطية تحتل شواطئه. أدركت أن العلاقة بينكما -أيضاً- ليس إلا وجهاً آخر للغربة.‏

 

***‏

 

أشعة الشمس الخريفية أرسلت ضوءاً أكثر قليلاً، فجعلت الطحالب واللبلاب، والأعشاب الهمجية المنتشرة هنا وهناك أشد وضوحاً، وقساوة، ووحشية... "الجواكر" تقوم الآن بحركات تحولية لتأخذ أجسامها أشكال الأخطبوط، ووجوهها شكل حبة العدس... بين الفينة والأخرى يحدقون في أجسامهم، ويتلمسون رؤوسهم ووجوههم ليتأكدوا من النتيجة...‏

 

يتمطى الواقع الذي يحاصر حبيبتي... الضباب يغطي كل شيء حولها، ويتسرب الخوف إلى زوايا الصمت حاملاً المرارة والأمل... كل شيء يبدو هادئاً، وأنا مصاغ من الكلمات، وأتنفس عشقاً أفكار حبيبتي. الأعشاب المجنونة تنمو، ونتن القاذورات ينتشر، والخفافيش التافهة تزرع الرعب، وإلى جانب ذلك تماماً، تتحرك أقدام الحقيقة بخوف، يقودها ظل واحد، ومصير واحد، وشقاء واحد، ولكنها لا تسير باتجاه واحد.‏

 

تلك مفارقة عجيبة. لا أحد يريد أن يسمع أو يرى ليكون شاهداً، وإذا سمع أو رأى، فإنه يتقوقع متفادياً الطريق الوعرة، فيلتجئ إلى شواطئ ذاته المهجورة بخطوات ثقيلة، ليتكور في إحدى زواياها تحت عبء خوفه، وصمته.‏

 

هكذا... وأنا أتبارك بجسد حبيبتي، أثناء طوافي حوله، صدمني ما رأيت من تفاوت شاسع بين حياة الصامتين ووجودهم... وعهر الآخرين ببعديه الزماني والمكاني...‏

 

على الجدران، وعبر الهواء، وعلى تقاطع الوجوه... من مشاهد السيارات العجيبة، المنمرة أو غير المنمرة... ومن وقع الأحاديث، والتساؤلات المتكررة بأصوات خافتة، وفي النظرات المذعورة التي تزيد التباس الواقع التباساً وغموضاً.... بدا كل شيء يتضح لي، وينشر أمامي ضوءاً ينير ما حولي، ويزيل غشاوة الضباب الذي لا هو موجود، ولا يجدي عدم الاعتراف بوجوده.‏

 

حبيبتي في غاية الحزن والإرهاق، ولكنها مع ذلك صاحية، واثقة، واعية، وتبتسم، كأنها الفجر الذي لا يصله الظلام أبداً.‏

 

أصوات ترتفع.. تتداخل، ترتفع، ثم تختنق لدرجة النواح.‏

 

قالوا: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.‏

 

تساءلت حبيبتي في حزن: أين هي المعركة؟‏

 

وأعود لأرزح تحت عبء أفكاري.. يسرد وجوع، كذب وتضليل، جهل وسذاجة، وتلك النظرات المسكونة بالخوف، والرؤوس المسورة بالصمت... وحبيبتي شاهدة. فماذا أقول؟‏

 

وببطء وإصرار رددت ما قالته حبيبتي... تساءلت مثلها.. وها أنذا أعيد ذلك الآن بصوت مرتفع.. أين هي المعركة؟.. هكذا أنا مع حبيبتي، لأن حبيبتي مع الحقيقة.‏

 

-أيها القذرون لو أنكم تعرفون معنى الحب؟‏

 

-اللبلاب قاتل..‏

 

-الوطاويط وحوش.‏

 

-لا للمتسلقين، والمتحولين، وذوي الوجوه العدسية.‏

 

-الأزمة، أزمة إنسان، وأزمة الإنسان الديمقراطية.‏

 

-الديمقراطية أولاً..‏

 

-أخب في السير، أقتلع الأشواك، أزيح الأحجار الصوانية، أنتزع الأشنيات والطحالب، واللبلاب الذي يعيق حركة حبيبتي، فتستقبلني بصيحات الحب والفرح. نعيش معاً، اللحظات والأمل الذي من أجله عدت إليها، ومن أجله عاد البريق إلى عينيها.‏

 

***‏

 

في الطرقات المنسية الضيقة، أقدام الأطفال آلمها الطين، وهي تتخطى عارية حفر الماء. في الشوارع الرئيسة، أبناء أولئك القذرين، وقد التهمت التخمة عقولهم، ورقدت الضحالة، والكراهية في نفوسهم، فتكبروا، وتجبروا، وهم يمارسون الأنانية طمعاً بلا حدود.‏

 

حبيبتي، مثلك أنا، ما عدت أثق بعلماء البيئة، ولا بحكمة التاريخ ورجاله، ولا بأبطال الزمن الحاضر.‏

 

من يستطيع في هذا الزمن أن يثق إلا بك؟.‏

 

قالت: الليل يتقدم، والفجر يتقدم.. وصراخ الإنسانية يحيط بنا.. أريد أن أكون المنارة والأمل.. أعدائي هم أصحاب الأقنعة الكاذبة... وأولئك الذين ماتت نفوسهم صمتاً وخوفاً.‏

 

***‏

 

أحس قربك بابتسامات الوجوه الشاحبة الباردة تندفع مع الفجر في الشفق، المنتظر.‏

 

ضميني الآن إلى صدرك بعد أن تعبت روحي من الأحلام، والركض وراء السراب الخادع، معك فقط، أحس أنني إنسان، وقربك فقط، قد وجدت نفسي.‏

 

***‏

 

جئتك أريد أن أصلي معك، ولك.. لأنسج من همومك خلايا وجودي، لألبس من عذاباتك درعاً يعلمني ما لا أعلمه عنك، لأشرب تاريخك خمرة المطلق، وأرد إلى عينيك بريق الحياة.‏

 

رحلتي إليك مغامرة الوجود والحياة المتدرجة بين التاريخ والتقاليد والأمل... وكوني إلى جانبك، كان بالنسبة لي دائماً أمنية الأماني، التي طالما ظهرت لي في الأحلام، وطالما انتظرت أن يصير الحلم حقيقة.‏

 

بكل رفق، نظرت إلى عينيك، وكما توقعت بدأت تتلاشى همومي، ويزول تعبي.. نظراتك كانت أغنية حزينة وجريئة، مخيفة وعطوفة..‏

 

كانت بالنسبة إلي الشاطئ الأمين الذي يطربني أن أصغي إلى ترديد أمواجه. أما أنا فلم أكن بالنسبة إليك سوى فارس تقدم إليك ليستوعب كلماتك عن القهر، والغدر. وأنين الذين نبذتهم الأيام وفصلتهم عن أبعاد الحياة.‏

 

قالت: تعال فأنا أدعوك لتسمع الحقيقة أيها العاشق.‏

 

تلك اللحظة لم أعد أشعر بالغربة... هذه الروح التي تدعوني، كانت حبي.. وتذكرت حينئذ يأتي في حركة المد والجزر عرفت نفسي. والآن في دعوتك، عدت طفلاً بلا آثام، وأنت تحدثينني عن أولئك الذين أغفل الظلم وجودهم، ونسي الزمان أن يحدد مكانهم، على الرغم من أنينهم، هو وجيب قلب الحقيقة.‏

 

***‏

 

عطر اللحظة التالية يحتلني، يذكرني بأنني أعيش من أجل أن ينتشر عطرك. ديدان المستنقعات تقرض لحم بعضها، وعندما حملت فأسي لأردم بيوضها، وأقطع رؤوس الثعابين التي تمرح حولها، داهمتني صورتك في منتصف الطريق غاضبة. تأملتك جيداً، وكانت لهجتك واضحة، ودخلت في ملكوت حكمتك وأنت تقولين:‏

 

-لعلك حقاً تريد الحقيقة.. لندع الديدان تأكل بعضها، والنتن يقضي على العفن، عندئذ، لا نعود نسمع للبوم نعيقاً، ولا للضفادع نقيقاً، ولن تجد الخفافيش لها مأوى، ولا اللبلاب ما يمتصه.‏

 

فقلت لك مؤمناً، إذا كان لا بد من الحياة، فبدونك الموت أروع.‏

 

***‏

 

لماذا لم أعد أرى ابتسامتك؟!‏

 

أي شيء يمكن أن يخلد البريق في عينيك؟..‏

 

أجيبيني، وأنا أسكب نفسي، ربيعاً، خريفاً، صيفاً، شتاء أيتها الرائعة الخلود في ذاتي، الحسناء المبللة بالكبرياء التي تتأجج نار أنينها في قلبي... لتكن قصة حبنا دم يغلي في عروق كل المحبين..‏

 

قلبي تحول إلى كناري، وعيني صارتا نبع حنان يصبان في ساقية الرغبة المجنونة المعرفة، والقيام بما يسعدك.. وأنت تلومين بصمت، تنظرين إلى الطين عاتبة، وتتلفتين متسائلة، إلى متى تظل البهائم المحشوة بالقش، بعيونها الزجاجية الميتة، تصبغ الوجود حزناً دائماً؟.‏

 

أنا مثلك أعرف أن هناك طواويس من قش، ورؤوسها من الأشواك المصبوغة بألوان العهر، والفجور والتخمة، وأعرف أن هذه الطواويس معدومة الذكاء، وأنها تبتاعه من حين إلى حين من سوق النخاسة، كأي تاجر رقيق محتكر نذل... أما أولئك الأدعياء الذين استطاعوا أن يزيلوا أميتهم، ويرددون الآن بعض الجمل والأفكار كالببغاوات، في الأماكن العامة والخاصة، يجلدون الناس بجهلهم، ولكنهم يجهلون بالطبع، أن الشعارات التي يطلقونها، والخطب التي يلقونها، هي مجرد لا شيء بالنسبة إلى المعرفة والفكر... ويجهلون أكثر أن الصور التي تتصدر جدران الغرفة هي صور (ابن سينا) وابن حيان... وغوركي... و...‏

 

***‏

 

في قاع الليل البارد، أحتفظ بوجهك المضيء أبداً، وابتسامتك التي تشبه ابتسامة ما لرسام عظيم. ومع لسعات البرد، أفكر فيك، أغازل أفكاري، أصيغها جملاً، ثم أعيد صياغتها شعراً، أتجول بين أحراش من الكلمات المغتصبة، والشعارات المصبوغة. أبحث عن الحقيقة المحترقة بين أكداس الكذب الفظيع.‏

 

هادئة تراقبين، تشاهدين، وتشهدين. الأنين يختنق بصدرك، أهو الخوف؟ أم الحب الكبير؟.. لا، لا شيء لديك سوى الحب. في صمتك الكبير، قوة أكثر غضباً من كل أعاصير الطبيعة، وأشد احتراماً من بركان ثائر.. وأروع شفافية من عيني طفل صغير.‏

 

تداهمني خلجات شعورك، تتلاقى خواطرنا، أفكارنا، يتحد فينا الزمان والمكان، الفصول، الوقت... المطر والشمس... وعندما أشعر بالوحدة، التجئ إليك.. تأخذين بيدي، فأدخل شرايين وجودك، لأصبح جذراً من جذوره، وتصبحين كل وجودي، ونبض آلامي التي استقرت ذرات حمراء على جسدك، أو تطاير زغباً ناعماً في فضائك.‏

 

يوم عدت إليك، كنت أعرف أنني سأبحر في محيط عاصف. قالوا: يا له من بحار تعس ذلك الذي يبحر بلا مجاذيف ولا أشرعة. ولكنهم لم يدركوا أبداً، معنى الإبحار إليك، بالأمل والحب الذي لا يحد.‏

 

أعتقد أنك رأيت الشوق إليك عبادة في عيني... فتسللت بعض الدموع لتصير قطرات ندى تساقط على جبهتي، وأنت تقولين:‏

 

-روحي تنز صديداً على أولئك الذين لا يعرفون من الوجود سوى العذاب، ولا يجرؤون إلا على الصمت... وترعبهم غالباً، تلك اللحظات التي تتهاوى فيها كآبتهم، وهم يبحثون عن لحظة دفء.‏

 

وحين قلت: أن ما أعرفه، وأريده، هو الرغبة في أن أضيء ثغرك بابتسامة حقيقية، تتناوب لحظات حياتي كما تتناول الأوردة والشرايين ماء الحياة في الجسد.. لعلك تشعرين ما أحس به من حقد إنساني.. وليس هذا كل شيء، ولن يكون لا شيء، لأن النصر الوحيد الذي قد أحققه، هو أن أكون جديراً بحبك، وأن تكوني الحبيبة.‏

 

وقبل أن أودعك مع الغسق الوردي، همست في أذني بصوت مثل شفافية العطر:‏

 

-الحقيقة صافية كالحب، قوية كالقدر، ولذلك برغم الضباب والغربة.. عرفتك.‏

 

***‏

 

حبيبتي عرفتني..‏

 

أذكر أنني أتيت إليها في سواد ليل حالك، اعتقلت الغيوم السوداء قمره، واحتجزت نجومه، بعد أن وضعت أمام كل نجمة غمامة سميكة.. يا إله العطاء، ويا إله الحب. أستطيع الآن أن أتابع طريقي بلا خوف أو قلق. حبيبتي تعرفني، وتحبني، كما أعرفها وأحبها... ينهض فيّ فارس الأمل المصلوب، فتتحطم كل القيود، والمسافات والأبعاد.. وينقلب الغضب إلى عاصفة فجأة، هذا الحب القديم أنعشني، وبعث في نفسي إحساساً حافلاً بالثقة، والإصرار على متابعة الطريق..‏

 

معرفة حبيبتي لي، نشيد الأزمنة المنسية الخالدة، الضائعة في زوايا الأجساد والعقول المتبلدة، الهشة، والملازمة للخوف، ملازمة الدود للخل... ولكني أعرف ذلك النشيد جيداً رددناه معاً أيام الطفولة، وهو الذي حفظ علينا نعمة الحنين أيام الزمن الضائع.‏

 

قالت: هل أنت سعيد الآن؟‏

 

قلت: أنا السعادة المطلقة.‏

 

قالت: وأنا أيضاً، لأنني أحب الإنسان الذي يحمل علم الإنسانية ليرفرف عالياً، حباً وعطاءً، وأملاً.‏

 

***‏

 

أتساءل الآن بلغة العارف.. هذا الإعصار الزاحف شؤماً، هل نحن الذين أردناه لأنفسنا؟.‏

 

وتقولين: لكي يصل الإنسان إلى الحقيقة، يجب أن يكون صادقاً مع نفسه أولاً، وإذا أراد أن يشعر بالدفء، عليه أن يكسر صقيع الثلوج بينه وبين الآخرين.‏

 

كنت أتأمل وجهك الذي أعشق، فلا أرى في عينيك إلا الحب، ولا في كلماتك إلا العطاء، وفي تاريخك كل الأمل. وأنا أستمع إليك، كان صوتك يحتلني كشوق حدوده بلا أبعاد، وأعماقه النفس ذاتها، ولهجته حنين النبوات المنتظر. أتأملك، أتأملك، وأنت تصارعين لؤم الأوغاد بإرادة لا تتعب، في زمن لم نعد نملك فيه القدرة على الكلام. كانت كلماتك مقدسة، بل هي القداسة ذاتها، مع كثرة مدعي الطهارة، والمتشبهين زورا بالقديسين.‏

 

في صمتك، أعرف أنك تمتطين الأمل، وتبحثين عن الوجوه الضائعة، وأنت تستشرفين الزمن الآتي، في الوقت الذي شحت فيه أذهان الأدعياء، محاولين أن يجعلوا من الحق باطلاً، ومن الباطل حقاً، وأن يحولوا كلمة الحق إلى لعنة.‏

 

-من نلوم يا حبيبتي؟‏

 

ابتسامة هادئة بقيت وحدها تضيء شفتيها، وتقاوم أشباح الظلام، وكل الوحوش المفترسة.‏

 

وفي لهجة واثقة جداً، قلت وأنا أستمع إليك: لقد تكاثرت حولنا الأعشاب المتسلقة، والأكثر تعاسة هو أن المجترات، وجدت مكاناً مرموقاً لها!‏

 

قالت وهي تبتسم: هذا لا شيء، لأن الحب لا يعرف الخوف.. هيا يا حبيبي.. كل الأعشاب والأشواك والمتسلقات ليست إلا وجوداً خائباً، ولا يعكس أبداً صورة الحقيقة، وينأى الخوف، حين تقترب أكثر فأكثر مني.‏

 

***‏

 

الغسق زهرة برية تتفتح، وأنا ما أزال أسترجع كلمات حبيبتي بعين العاطفة والحقيقة، قالت:‏

 

-سوداء الأسماء، وأكثر سواداً ممارساتها وتصرفاتها، وحالكة وقائع أيامها.. ومع ذلك، بالنسبة إلينا، يبقى الحب علامة.‏

 

الأسماء الكبيرة تظلل بسوادها الأسماء الصغيرة، وهذه بدورها تحمل الكبيرة، وكل منهم يحمي ويدافع عن وجود الآخر، ليدافع عن وجوده في الوقت ذاته.‏

 

دعوة حبيبتي للعمل ضد الأسماء، كانت من النمط المطلق، ومنها كانت كلماتها عن الأعشاب والمتسلقات، بأنها وجود خائب، ورماد تغمره المياه.‏

 

***‏

 

فهمت، وأنا أشعر بالخجل، ما كان قد استعصى علي فهمه. المسؤولية في الخطأ حينما ينأى الحب، هي ذلك الخوف الذي يجرف كل شيء إلى وهاد الصمت، يتحملها العاشق الذي ينزوي في زاوية أحد تلك الوهاد، ويترك حبيبته وحيدة، حيث الأيادي السوداء تمنع عنها الماء، والهواء، وكل مقومات الحياة، وتزرع في جنباتها ظلال الموت، بينما، هي، تتلفت في حسرة بحثاً عن العاشق الإنسان؟.‏

 

أحبك يا حبيبتي.. وجهك الشاحب نبضات قلبي المتعبة. وأنا معك، أشعر أن ظلي يتسامى منتصباً بين الظلال المنحنية، وأن وقع خطواتي قوي وثابت، بين آلاف الأقدام التي أرهقتها المتاعب اليومية.‏

 

أشعر أنك محور وجودي. وأنني كل ذلك الوجود. من معاناتك بدأ الأمل يزهر في عيوني.. ما بيننا أبعد من مدى النظر، وأعمق مما هو كذلك.‏

 

الخوف، أكثر استسلاماً من الموت... الآن عرفت ذلك، ومنك فقط.. والآن أيضاً، أقول بصوت مرتفع: سأتحداهم باسمك.. وسيبقى لك وحدك خلود الوجود، ممهوراً بالحب وأوراق الغار.‏

 

***‏

 

يستقبلني حضورك الخالد في ذاكرتي، تراتيل عشق توشح أيامي بالفرح الآتي. تتناثر الغيوم السوداء المتلاشية، فأرى وجهك بعين العاشق المبهور بفجر ميلاد جديد رائع، أنا العائد إلى عرسك، أحمل بين ضلوعي فصول الأزمنة يغريني الحنين إلى ابتسامتك المعطرة بالحب المتفرد في ملكوت الوجود، حيث أرى ذاتي.‏

 

أيتها الحبيبة، عودتي إليك، كانت بمثابة اتحاد الجسد بالمطلق، ودخول الإنسان في أوج الرؤيا المقدسة... استقبالك لي، كان أشهى ما حلمت به روحي في سورة عشقك، فلا أ ملك إلا الاهتداء بمنارتك التي لا تنطفئ. وأنت تبوحين بسر مكنون لديك. همست لي:‏

 

-عدالة الشعب قدر محتم، لا يفلت منها مذنب.‏

 

هكذا صمد جسدك الخالد أمام العيون الذئبية، وأقدام الذين أرادوا استلابك طهارتك، وحاولوا شنقك بضفائرك الرائعة.. لتبقي الأصلب في وجودنا، ولنبعث أحياء متجددين فيك.‏

 

وتقولين: "المثابرة تصنع من قضيب الحديد إبرة".‏

 

وأنا أحاول أن أمتلك وجودي من خلال وجودك، وأسعى لتجدي في هذا الوجود بعض وجودك.. قلت لك: ماذا عن الواقع المنفي بين القمع والخوف، والرياء؟‏

 

قلت لي: ما رأيك بعدالة الشعب؟‏

 

-وهؤلاء الذين تبحر في بطونهم بواخر أعالي المحيطات، وتقام فيها مزارع، وتبنى قصور، وطرقات لكل أنواع السيارات؟‏

 

يومها ابتسمت لي بهدوء قائلة: الثمرة التي تتعفن لا بد أن تسقط.‏

 

-من تلقاء نفسها؟‏

 

-تعصف بها رياح العدالة... عدالة الشعب التي لا يفلت منها مذنب.‏

 

***‏

 

يحتلني وجهك مبتسماً، تذوب الوحدة حنيناً فيك.. تتلاشى الغربة عند قدميك، تتلقفها الثلوج، تحولها إلى ذرات ماء، تقدمها للغيوم هدية عطاء للربيع القادم.‏

 

أرسمك عشقاً لا متناه، وأعلن أن غربتي باطلة، وابتعادي عنك ضلال، والخوف الذي سكنني كان زمناً أسود، وكان احتضار لذاتي. حبك المقيم في قلبي، الموغل في وجودي.. بعد خريف الغربة والضياع والخوف، استيقظ وجوداً رائعاً، وظلاله وحدها أعادتني إليك. فأنا اليوم في صدري يوغل قلبك، وشراييني تتغذى من كلماتك.. وشفاهي تخرج كل الحروف منها أغنيات عنك، عن ظمئك، وحبك، والعدالة التي لا يفلت منها مذنب أساء إليك في وطن الضوء، والخيرات، والماء، والشمس... وطن ينقصه فقط، الإصغاء، ومن ثم التصميم على الخطوة التي بدأبها غير مسيرة مليون ميل.‏

 

***‏

 

أتذكر.. أيام الغربة كانت لي درساً، ورسالة.‏

 

حبيبتي، الحب ميراث مقدس.. وحبك حمل إلي شعلة الحقيقة الأبدية.. وأنا الآن بين يديك مستعد للتضحية، لأصنع من قضيب الحديد إبره، لنخيط بها معاً ثياباً لأطفال الحب الذين سيولدون.. فأنت ميلادي، وأنا من ضلوعك واحد، خلافاً لما يقال.‏

 

***‏

 

سبحانك يا حبيبتي.. حبك أعاد إلي وجودي، وأعاد إلي شهادة ميلادي المنسية: إنسان...‏

اللاذقية 1-1992‏

 

 

 

  

 

 

اعتذار

 

لو افترضنا أنني قلت الحقيقة فإن الأمر يحتاج إلى أعصاب لسماعها، أكثر مما يحتاج ذلك إلى قولها. ولكن، على أية حال. أنتم لن تصدقوا، هل تصدقون أنكم لن تصدقوا؟‏

 

ما زال لدي متسع من الوقت للتفكير، ولن أفاجئ أحداً، فقد أعدل عن ذلك آخر لحظة. إنه مجرد تساؤل. فأنا أعتقد ما دام الأمر ما يزال بين أخذ ورد بيني وبين ذاتي. ما دام كذلك فبإمكاني أن أتركه، أو أغض النظر عنه جزئياً، أو كلياً. ولا أحتاج إلى إيجاد مسوغات من الواقع- وهي كثيرة- أقنع بها نفسي. نفسي، أنا فقط، أن لا مجال لما أفكر به الآن. حتى لو كان ذلك مناقضاً للمنطق. وهكذا أجد أعذاراً كافية لتجنب الحقيقة بشكل كامل. وادعاء أن ما قلته، أو أقوله لكم، إنما هو الحقيقة بعينها.‏

 

نظرت إلى الأوراق والكتب المكدسة فوق المنضدة. كوب القهوة إلى جانبي، في متناول يدي. عشرات العناوين الضخمة- الطنانة- تفوح منها تعابير الحب والبغض... الحرب والاقتصاد، النقد والشعر... والأساطير والرسوم... بعضها مسل، وبعضها الآخر متعب. وربما يؤدي وجود بعضها إلى "سين وجيم" وتصرفات،... و... وأكثر من ذلك بكثير.‏

 

أعرف الآن كم كنت متردداً. لأنني في الحقيقة يجب أن أكون كذلك. وها أنذا أحس بالألم. "لأن الحقيقة باعتقادي هي ابنة شرعية للألم." ولكن، من يستطيع أن يتبناها ما دامت شرعية. يعترف بها أمثالنا. وفي أن يتخلى المرء عما يعد شرعياً بالنسبة. هذه الحال، حتى لو أردنا ذلك فمن الصعب والجانب المعاكس للمعادلة مستحيل.‏

 

أحس أنني مسجون، وهذا أسوأ أنواع الألم." تتعب الأمواج، ولا تتعب ذاكرة في بوتقة حسابات لها أول، وليس لها من آخر.‏

 

لا أريد أن أؤطر ما أقوله في علبة محددة الطول والعرض والارتفاع. ولا أرغب بتسمية اللون رغم إمكانية ذلك. بل... لنتحدث هكذا، بلا مقدمات، أو تحديد. ومن غير التعرض إلى نوعية الإحساسات التي شعرت بها. هكذا أنا دائماً... في مثل هذه الحالات تجدني أحاول أن اترك بعض كلماتي بلا حروف... وجملي بلا نهايات.‏

 

قال: سأتحدث إليك.‏

 

ضحكت...‏

 

صمت منقبضاً..‏

 

ابتسمت...‏

 

قال:‏

 

-لماذا أنت هكذا؟!‏

 

-....‏

 

-هل تستمع إلى نهاية حديثي... استمع، دعني أتكلم..‏

 

-إني مصغ تماماً.‏

 

-وفي النتيجة لك الحق في أن تصدق، أو لا تصدق.‏

 

أراد أن يؤكد قوله مرة ثانية. إلا أن صمتي، والجدية التي أخذت مكانها في تقاطيع وجهي. جعلته يمتنع عن ذلك، فهو يعرف جيداً أنني لا أفعل هذا...‏

 

أنا الآن أستطيع أن أتصوره، كيف كان يتكلم- كله- دفعة واحدة، عيناه ولسانه، نظراته وحركات يديه. إذ قال:‏

 

-"كان ضوء الشمس رمادياً... وصارت الأمواج تستقر على الشاطئ الواحدة إلى جانب الأخرى: كجدائل شفافة. أقرب إلى خطوط حراثة أرض رملية في ليلة مقمرة.‏

 

"أمواج البحر." تمتم: "كانت أمواج البحر، مشدوداً بعضها إلى بعض، حين خطر لي أن أستحم ذلك اليوم الأغبش المغبر. إنني متأكد مما رأيت. بل مما حصل لي. لقد اشرأبت الأمواج- فجأة- واقفة كعمد بازلتية بعضها عمودي، والآخر أفقي.. لقد صارت سداً يستحيل بوجوده وصولي إلى الشاطئ... ثم كانت شائكة، ومدببة.. وحادة أيضاً.‏

 

وقفت في مواجهة الشاطئ. عيناي تلوبان... سمعت أصواتاً غريبة. على الرغم من عدم وجود أية حركة حتى تلك اللحظة.‏

 

فجأة.. اصطدمت عيناي بشيء يتحرك. كانت ثمة حيتان تزحف بهدوء غريب. اقتربت.. اتضحت أشكالها، وطبيعة حركتها. لقد كانت تتلاقح.. إنني متأكد من أنها تفعل. وبعضها يلد بعد اللقاح مباشرة. مباشرة. حيوانات صغيرة هي من فصيلتها شكلاً. إلا أن لها آذاناً طويلة. ولكل منها ذيل لوبي يشبه المثقب. انتشرت رائحة العفن، وملأت الجو في تلك اللحظة. كانت كشيء يشبه المخدر. مخدشة مثلما تكون رائحة الأحماض.‏

 

في تلك اللحظة تساءلت: "فيما إذا كانت التماسيح تلد صغاراً، أم تبيض بيضاً..؟" وانتهيت إلى أن تساؤلي لا مسوغ له. ما دامت النتيجة النهائية، تعني وجود تماسيح جديدة.‏

 

كان يدخن.. وكنت أتلهى بتحريك سبابة يدي اليسرى ما بين حاجبي، وأرنبة أنفي. دعك عقب اللفافة في صحن السجائر، وتابع قائلاً:‏

 

-"كنت أنظر- وأنا متشبث بمكاني كالغريق- عيوناً بحجم رأس الرجل، ولون الزنجار المائل إلى الزرقة المخضرة.. انتشرت في كل مكان. وتحركت التماسيح تلتهم كل شيء. الرمل، والحصى والحجارة... الأزهار والحشائش، بما في ذلك قطع الحديد. كانت أجسام تلك الحيتان تنمو بسرعة ملحوظة... كما أن رؤوسها كانت تضمر بشكل ملحوظ أيضاً. أخرجت لفافة من جيبي... اللفافة كانت مشتعلة. أو على الأقل لا أذكر أنني استعملت الثقاب من أجل ذلك. استوقفني الأمر لحظة. ولما كنت بحاجة ماسة إلى التدخين. تناسيت الحادث، واستسلمت لمتعة التدخين بهدوء... شرقت بالدخان.. سعلت... سعلت، حتى جحظت عيناي. حين وصلت إلى (الفلتر)، انزلق إلى فمي طعم لزج، له رائحة كريهة. حاولت أن أبصق... بدأت أتقيأ. لم يكن في أمعائي ما أخرجه- وأنت تفهم السبب- فتدلت أمعائي من فمي إلى جانب لساني. وكانت عيناي تسبحان دخاناً رمادياً قاتماً. له رائحة دخان العظام المحترقة.‏

 

صمت قليلاً... وتابع: "راقبتني التماسيح وهي تضحك. أحسست بالتوتر الذي ينتاب المرء لدى رؤيته المشاهد المقرفة والمخيفة. وفي حالتي الكره، والحقد الشديدين. بصقت في عيونهم، رغم أنني أعرف مدى خطورة ذلك.‏

 

بلا مقدمات.. تلبدت السماء بالغيوم. والذي استرعى انتباهي أكثر، أنها كانت منخفضة جداً لدرجة أن التماسيح بدأت تتلقفها بفمها. تلوكها.. وتحرك رأسها باتجاهات مختلفة، ثم تفرغها ماء من فمها، وهي تضحك... وتضحك، بانفعالات هستيرية. كمية الماء حول التماسيح تزداد، ومساحتها تتسع.. وتتسع. وأنا أحدق بعيني، وأعصابي. لقد شاهدت، وعرفت كيف يتشكل المستنقع. ورأيت لأول مرة كيف يتم اصطياد الغيوم.. وكيف تتكاثر التماسيح وتنمو. كنت أراقب ذلك. فتساءلت: "ترى.. هل المستنقع يجلب التماسيح، أم أن التماسيح هي من يصنع المستنقعات؟!- ضحكت من تفاهة هذه الفكرة. في الوقت الذي بدأ فيه نقيق الضفادع يسمع رتيباً مملاً. وتبعه نعيق الغربان مزعجاً. وأخذت الطفيليات تتسلق كل مكان، وتمتد في كل اتجاه. كنت أرقب ذلك، ورأسي يضج بمئات الأجوبة عن تساؤلي.‏

 

كانت اللحظات التالية لزجة، رجراجة، وراكدة، بدت وكأن الزمن رقد في غفوة طويلة. أو أن أيد حاقدة اغتالت الشمس. فحمل الصمت إلى نفسي شيئاً من السكون العاري، والجاف.‏

 

سألته بلهجة هادئة:‏

 

-هل أنت خائف؟‏

 

أجاب وهو شارد الذهن:‏

 

-كثيراً...‏

 

***‏

 

أما وجهه، فقد ارتسم عليه مزيج من الرعب والخوف. من الحق، والأمل والثقة، حاول أن تتصور وجهاً جمع كل هذه المتناقضات في صمت. "صمت تعبيري، لأفكار سريالية."‏

 

قال:‏

 

-ألا تصدق ذلك؟‏

 

قلت:‏

 

-لا شك أنك في أزمة.‏

 

قال بغضب:‏

 

-أنا؟!...‏

 

-.......‏

 

نهض... نظر إلى الشارع. بصق. وأشعلت أنا لفافة.‏

 

تابع حين رأى نظرتي تحمل انعكاس منظره. وقال:‏

 

-"فكر قليلاً... حجم المستنقع اليوم.. وبأبعاده الآن؟"‏

 

صمت... ثم تابع: "أنا لا أتكلم، فقط عن المستنقع والتماسيح.. فالطحالب والبعوض. وما إلى ذلك من الطفيليات. بل عن البقعة التي بدأت تتسع، ويتوزع ما فيها إلى كل مكان. يتكاثر.. وينمو، ثم ينتشر... وينتشر. وسيأتي اليوم الذي يحتل فيه كل شيء... وغيره لا شيء يذكر. وأضاف.. "في مخيلتي كانت مجموعة من الصور.. كنت أخشى ذلك. وها إني أراها الآن. هذا ليس غريباً.. ولكن؟!.."‏

 

قاطعته بهدوء قائلاً:‏

 

-إني ألاحظ ذلك... وأعيه تماماً.‏

 

قال:‏

 

-والغريب أن تلك التماسيح إنما هي صور مألوفة لدي. ومعروفة شكلاً. أذكرها جيداً.. وباستطاعتي أن أحدد أماكن تواجدها، وانطلاقها.‏

 

ثم أخذ وجهه- فجأة- تعبيراً أقرب إلى الترقب. وأضاف:‏

 

-والأغرب أن انتشارها في كل مكان، يرافقه اختفاء شيء.. وعلامات استفهام حول أشياء؟.. بالإضافة إلى ما يدور في رؤوسها. وما يعتمل في رؤوس بقية الناس. معظم الناس، وفي كل مكان. هنا. أنا وأنت مثلاً... وهناك، كل أولئك الذين يتربص الاستغلال بهم.‏

 

قلت:‏

 

-"لا تناقض في آرائنا.. الكل أكثر من الجزء.. والكل منقسم ومهدد.. التناقض في الكل كتفكير، وكموقف. وليس من تناقض في الشكل والمضمون، إلا من خلال ذلك...‏

 

ساد الصمت...‏

 

كان هو قد خرج قبلي بساعة.‏

 

أدور بأفكاري كفراشة الضوء، ثم أتجه دفعة واحدة نحو كلماته. حيث تتوالد التماسيح جماعات، جماعات بين الرطوبة والعفن. وفي كل مساء تخرج.. تهتدي بالخفافيش التي تقودها إلى أقصر طريق نحو مراميها. وهناك تمارس طقوسها الفاجرة كالريح الأصفر، من تصب تمته، أو يحملها عدوى إلى سواه.‏

 

"لا يعرف العبودية، من لا يعرف القناعة والرضا بالفقر."‏

 

كانت ثمة ثقة موشاة بالحزن في جملته الأخيرة. أما وجهه، فقد كان مهموماً، محتقناً بشيء خفي. حين خرج، فعل ذلك بلا مقدمات، حتى أنه أشعل لفافة قبل ذلك مباشرة. من ناحية أخرى، كان متعباً حتى الإعياء. وكان تصرفي جامداً وبليداً. وينم على برودة، فوجئت حتى أنا بها؟‏

 

 

حين سألني:‏

 

-"لنفرض أن النار تمتد لتلتهم كل شيء، بما في ذلك...‏

 

كانت أجفاني قد اختلست رقدة من التعب. وعندما سكت. فتحت عيني.. نظر إلي بعتاب. وتابع قائلاً: "هل تبادر بحمل دلوك، وتعمل إلى جانب الآخرين؟..‏

 

أجبت باللاشعور:‏

 

-لا...؟‏

 

قال باستغراب:‏

 

-لماذا؟!‏

 

قلت بلهجة بين الجد والهزل:‏

 

-لكي لا أفقد يدي، والدلو معاً.‏

 

لاحظ أنني غير جدي.. وكنت أبتسم. وفي الحالات العادية. لست بحاجة في مثل هذه الأمور للتفكير أو الاختيار. إنما في تلك اللحظة بالذات. لماذا فعلت ذلك؟... وأي اختيار اخترت؟!.. لست أدري.‏

 

فارق الرجل هدوءه. قطب... عقد حاجبيه. نهض ويداه تحتضنان رأسه. ثم قال بصوت عاتب كالحب.. عميق كالصدى:‏

 

-أرجوك... لا تمزح في مثل هذه الأمور. اذكر، لحظة بصقت هناك. أحسست بنظرات غريبة، ومرعبة تحمل التهديد. وبعد ثمة شيء ما يتتبع حركاتي. ويتوعدني حتى الآن. قد لا تصدق. حدث مبهم، يتراءى لي. أتوقعه بين لحظة وأخرى... بين ساعة وساعة. وبين يوم، ويوم. ومع ذلك، فإني خائف.‏

 

كانت عيناه حزينتين حتى البكاء. نظرت إليه بدهشة. أطرقت هارباً من نظراته. وقلت بلهجة المعتذر:‏

 

-إنك على حق... فلو لم أصدقك، لقلت ذلك دون حرج.‏

 

وعندما رفعت رأسي انتبهت إلى أن أحداً سواي: لا يوجد في الغرفة.‏

 

"لا بد من الاعتذار..."‏

 

فكرت قليلاً: "لا بأس. سأفعل ذلك مساء اليوم، أو صباح غد بالأكثر."‏

 

يوم... يومان، ثلاثة. داخل نفسي كنت عارياً.‏

 

أسبوع أسبوعان. لم أجده، ولم أستطع إلى ذلك سبيلاً."‏

 

في بداية الأسبوع الثالث كنت ألهث بحثاً عنه!‏

 

في مطلع الشهر الذي يلي "كانت ثمة مسيرة صامتة. تأكد لي خلال ذلك، أن لقاءه صار مستحيلاً. انخرطت بالمسيرة، وكنت أردد: "إني أعتذر... إني.... أعتذر... أعتذر."‏

  

أضيفت في 14/06/2006/ خاص القصة السورية /

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية