أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: د. موفق أبو طوق

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

ولد في حماة 1950.

إجازة دكتور في طب الأسنان وجراحتها-  جامعة دمشق 1975.

مدرس في كلية طب الأسنان بمدينة حماة- جامعة البعث.

مشارك في اتحاد الصحفيين في سورية.

عضو مجلس فرع نقابة أطباء الأسنان (مسؤول الإعلام- ورئيس اللجنة العلمية).

عضو لجنة تعديل المناهج المدرسية المنبثقة عن وزارة التربية والنقابة المركزية لأطباء الأسنان في سورية.

عضو جمعية أدب الأطفال.

 

مؤلفاته:

1- وللأسنان عالمها الخاص- 1975.

2- الرحلة الطويلة - قصص للأطفال-  1979.

3- الهجوم الكبير - قصص للأطفال- 1981.

4- اعترافات علاء الدين - قصة للأطفال- 1982- إصدار وزارة الثقافة.

5- الأمل الضائع- قصص للكبار- 1982.

6- مروان والألوان - قصص للأطفال- 1994- إصدار اتحاد الكتاب العرب.

7- الورد يبتسم دائماً- قصص للأطفال- 1995- إصدار اتحاد الكتاب العرب.

8- يوميات دموع (قصص للأطفال)

 

المخطوط:

1- الدوامة (رواية للكبار)

2- الأمير المزيّف (رواية مترجمة للناشئة)

3- قراءة في دفتر طبيب

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

ذبابة مغرورة

من مفكرتي

يوميات دموع

الأقوى 

طبيبنا الصغير

 أيهم أفضل؟

 

الأقـوى

 

أربع سمكات ذهبية، وثلاث وردية، واثنتان حمراوان، وواحدة زرقاء..

جميعهنّ يسْبَحْنَ في حوض كبير، مياهه نقية لا تشوبها شائبة، وهواؤه دائم التبديل.. تغذّيه فقاعة هنا وفقاعات هناك!.

وعلى قاعٍ مفروشٍ بالحصى؛ استقّرت قوقعة جميلة، تفتح فاها بين حين وآخر، وإلى جانبها ناعورة لطيفة.. تدور وتدور من غير توقّف!..

*      *      *

كانت السمكات العشر يعشْنَ في هدوء وأمان، فلا شيء يعكّر صفوهنّ، أو ينغص حياتهنّ... كنّ متفاهمات في كل أمر، لا يتخاطَفْنَ الطعام الذي يُلقى إليهنّ، ولا يتزاحَمْنَ على الأماكن القريبة من الزجاج الشفّاف، ولا تعتدي إحداهن على الأخرى مهما يكن الخلاف في وجهات النظر!.

كل شيء على ما يرام.. بل؛ كان على ما يرام!. إلى أن جاء صاحبهّن (عماد) ذات يوم، وألقى سمكةً جديدةً في الحوض؛ أتمّت عددهن إلى إحدى عشرة.

كانت السمكة الجديدة سوداء اللون، كبيرة الحجم، تفوق في حجمها حجم اثنتين معاً!. وكانت شرسة الطباع، تهوى الإيذاء والاعتداء، لا تقنع بالقليل؛ ولا ترضى إلا بأكبر حصّة من كل شيء!!.

يُلقى الطعام.. فتسبق الأخريات إلى التهامه، ولا تُبقي لتلك السمكات المسكينات غير النزر اليسير!.

ولا تكتفي بذلك؛ بل تحول بينهنّ وبين مواضعَ تستأثر بها وتحرّمها على غيرها.. ثم لا تنفكّ تلطمهنّ بذيلها القوي، وتدفعهن بزعانفها الكبيرة، وتخدش أجسادهنّ بتلك النتوءات التي تملأ فمها المستدير!!.

وعلى الرغم من أن السمكات أحسنّ ضيافتها، وحاولنَ إكرامها وإسعادها.. إلا أنها أصرّت على مواقفها المزعجة وتعاملها السيء.. وهي تردد على مسامعهن دائماً وبكل وقاحة:

- ابتَعدْنَ عن طريقي.. أنا الأكبر والأقوى.

- دعْنَ الطعام لي.. أنا الأكبر والأقوى.

 

- إياكنّ وغضبي.. فأنا الأقوى، الأقوى، الأقوى!!.

***

ومرت الأيام، والسمكة السوداء تزداد صلافة وشراسة، والسمكات الأخريات يزدَدْنَ ضعفاً وخوفاً.. وكنّ كثيراً ما يلجأن إلى السمكة الزرقاء... لأنها أقدمهنّ عهداً وأكثرهنّ حكمة.. كنّ يطلبْنَ منها المساعدة والنصيحة، فتنظر إليهنّ بإشفاق، وتتمتم بكلمات قليلة لا تزيد ولا تنقص:

- انتظرْنَ يوم التبديل.

ولم تدرك السمكات الصغيرات ما تقصده الزرقاء!!.. مع ذلك لم يتوقّفْنَ عن استعطافها، خاصة عندما تمعن تلك الكبيرة في إيذائهن، فتكرّر قولها نفسه:

- ترقّبْنَ يوم التبديل!.

وعندما أصرّت السمكات على معرفة ما تعنيه هذه الكلمات؛ أضافت:

- يومئذ.. يعرف كلٌّ منا حجمَه وقوّتَه!!.

***

جميعهنّ ينتظرنَ ذلك اليوم، وهنّ -في الوقت نفسه- لا يعرفْنَ ماذا سيجري!!.

وجاء يوم الجمعة، وأقبل عماد كعادته كي يبدّل الماء القديم..

فتح مصرفاً في أسفل الحوض، فتدفق الماء خارجاً، وبدأ مستواه يهبط شيئاً فشيئاً.

السمكات جميعاً -باستثناء السوداء- اعتدْنَ هذا الأمر، فهو يتكرر كل أسبوع، وعماد يترك لهن في أسفل الحوض ما يكفي من الماء، ريثما يمسح -هو- الزجاج، وينظف الحصى، ويدلك القوقعة والناعورة.

ينخفض الماء أكثر فأكثر، والسمكات الصغيرات لا يأْبَهْنَ لذلك.. السمكة السوداء وحدها بدأت تشعر بالقلق!.

أدركت أن أمراً غير طبيعي يجري هنا... أمراً لم تعتد عليه ولم تره من قبل!!. لقد هبط الماء حتى وصل إلى زعنفتها الظهرية، بل ها هو ذا ينزل وينزل حتى يلامس ظهرها المقوّس، آه.. ضحالة الماء لا تليق بحجمها الكبير، غلاصمها لا تجد كفايتها فيما يغمرها منه!.. تكاد تختنق، تجد صعوبة بالغة في التنفس، تميل بجسمها علّها تبقى تحت سطح الماء، تشعر بالخوف الشديد!!. أنقذْنَني أيتها السمكات العزيزات.. أنْقذْنَني!. تلطم بذيلها القاع، تضرب بزعانفها الحصى، ارتطامها يزداد أكثر فأكثر.. أنقذنني، أنقذْنَني.. إني أختنق!!!..

***

السمكات الأخريات يسبَحْنَ بحريّة، يتنفّسْنَ بيسْر، فالماء المتبقي ملائم لأحجامهن الصغيرة!!. لكنهن عندما أحسَسْنَ بما تعانيه زميلتهن الكبيرة، نسين كل ما فعلته، وتغاضين عن إساءتها، وأسرعن إلى فتحة المصرف يحاولنّ سدّها بأجسامهن الصغيرة!. لكن محاولتهن باءت بالفشل، فالماء يتسرّب بسرعة، ويكاد يلحق بهنّ أذى.

وطال الوقت، وعماد منهمك في تنظيف الحوض، غير آبه بالسمكة التي أشرفت على الهلاك.. في اللحظات الأخيرة؛ فطن إليها.. أسرع في سكب الماء، فارتفع مستواه وعادت السمكة ثانية إلى حركتها الطبيعية، وهي تلهث.. بعد أن أعياها التعب، وهدّ قواها الخوف.

***

ومنذ ذلك الحين، والسمكة الكبيرة تعامل الأخريات أطيبَ معاملة، فقد تلقّت درساً لن تنساه، درساً علّمها حقائق الحياة..

فهل عرفتم هذه الحقائق.. أيها الأصدقاء الصغار!!

 

 

يوميات دموع

 

 

اســمي: دموع

وينادونني أحياناً: (عبرات).. يعرفني الناس جميعاً، فليس ثمة إنسان لم يبكِ وتذرفني عيناه!.

أقيم في حجرة متواضعة قرب جارتي (العين).. وأنا أكره أن أبقى حبيسة غرفتي هذه؛ بل أحبّ أن أروّح عن نفسي بين حين وآخر.. فأخرج كلما سنحت الفرصة، أتجول عبر طريق دمعية جميلة، تنتهي بي عند العين، فأجعلها مغرورقة بي.. وليس هناك ما هو أمتع من دخولي الأنف أيضاً، وتحسس أشعاره ودهاليزه.. أو وصولي إلى رابية الوجنة، والانزلاق على بشرتها الناعمة.

لي حكايات كثيرة، أعيشها كل يوم، بعضها يرسم البسمة على الشفاه، وبعضها يزرع الحزن في النفوس..

وأنا أدونها دائماً في كراستي الخاصة، وقد أحببت اليوم أن أرويها لكم، لعلكم تجدون فيها متعة وفائدة.

*

- الحكايـــــة الأولـــى :

في بيت (مَزْيَد) عصفور جميل، يحبه حباً جماً، ويد لله دلالاً لا مثيل له.. إنه يطعمه حبوباً منوعة، وفاكهة لذيذة الطعم.. وهو لا يتوانى عن تقديم أية خدمة له؛ صغيرة كانت أم كبيرة!.

وذات مرة؛ نسي (مزيد) باب القفص مفتوحاً، فتسلل العصفور منه، وطفق يقفز هنا وهناك، من غير انتباهٍ إلى خطر قد يلحقه، أو حذرٍ من عدو قد يدهمه.. وما زال العصفور يسرح ويمرح، إلى أن لمحته القطة (بسبس)، يا له من صيد ثمين!!. حدثت نفسها؛ ثم تبعته على حذر، تخطو مرة وتقف أخرى.. حتى إذا اطمأنت إلى غفلته، قوست ظهرها، واستجمعت قواها، ثم قفزت قفزة واحدة، وسرعان ما كان في فمها يزقزق ويرفرف.. لا؛ لن يفلت منها أبداً، ولن ينفعه الندم بعد فوات الأوان!!.

وعندما عاد مزيد إلى الغرفة، فوجئ بالقفص مفتوحاً، وعصفوره الغالي غير موجود.. تلفت حوله؛ فوجد بضع ريشات ملقاة على الأرض.. انفجر (مزيد) باكياً، وذرّف الكثير مني.. لقد أحسّ بالذنب، وأدرك أنه السبب فيما جرى لعصفوره الجميل!.

*

- الحكايـــة الثانيـــة:

اقترب الامتحان، وأغلق مزيد الباب على نفسه، لقد قرر أن يلزم البيت: لا نزهة، لا رحلة، لا لعب، لا إضاعة وقت.. بل الجدّ الجدّ، والعمل العمل.. ووضع برنامجاً خاصاً؛ يحدد وقت دراسته، وطعامه، ونومه، واستيقاظه..

وعندما جاء يوم الامتحان؛ ذهب إلى قاعة الفحص بخطوات واثقة.. إنه معتد بنفسه، متقن لدراسته، متمكن من معلوماته.. ولن يجد صعوبة في أي سؤال.

وحين أُعلنت النتائج؛ بشّروه بأنه الأول في صفه.. وفي حفل بهيج ضم الطلاب وذويهم، استُدعي مزيد إلى المنصة، صافحه المدير بحرارة، وقلده وسام التفوق الفضي.. هنا انهمرتُ من عينيه، لأن (مَزْيَد) لم يخفِ تأثره، فبكى من شدة الفرح.                  ***

- الحكايــــة الثالثـــة:

قالت أم مزيد:

- لقد تداركني الوقت، والغداء بات وشيكاً، ومايزال أمامي الكثير قبل مجيء أبيك!. فتعال يا مزيد؛ وساعدني قليلاً..

احتج مزيد قائلاً:

- لكنني لا أعرف شأناً من شؤون الطبخ!!.

قالت:

- لا بأس.. قشّر البصل فقط، لا أظنّه يحتاج إلى تعليم!.

وأمسك (مزيد) بالسكين، وشرع يقشر البصل ويقطعه قطعاً صغيرة.. بعد قليل، أحسّ بعينيه تحرقانه، فرائحة البصل تزعج العين، وبخاره يخرشها..... وكان لابد لي، وهو على هذه الحال، من أن أسيلَ على وجنتيه!.

-  الحكايـــة الرابعــــة:

ذات يوم؛ هبّت رياح شديدة، أثارت الغبار في كل مكان.. بعض الناس التزم بيته، وامتنع عن الخروج في ذلك اليوم العاصف.. وبعضهم تجرّأ وخرج لقضاء حاجاته الضرورية، ولكنه حمى عينيه بنظارة واقية.. وبعضهم استخفّ بالأمر، فمشى في الطريق مكشوف العينين، دون أن يحسبَ حساباً لأذى يلحق بهما!.

وكان مزيد ممن استهتروا بأنفسهم؛ فقد سار مع أصدقائه، والرياح تلطم وجهه بقوة.. مع ذلك لم يرفّ له جفن، أو تغمض له عين!. فدخلت ذرات الغبار إلى عينيه، وأحسّ بآلام لا تطاق.. وكان عليّ أن أنهمر بسرعة، وأدفع عنهما شرّ هذه الشوائب.

سامح الله (مزيد).. لقد أتعبني ذلك اليوم كثيراً!!.

- الحكايـــة الخامســـة:

استيقظ مزيد في الصباح الباكر.. تلمّس عينَه؛ ليست على ما يرام!!.

حدق إلى المرآة، فراعه منظرها.. كانت ملتهبة التهاباً شديداً، وأنا.. أسيلُ بغزارة.

وهُرع إلى أبويه، وهو يشير إليها.. الأمر لا يحتمل الانتظار، فلْيراجعوا الطبيب بأقصى سرعة.

وفي العيادة، فحص الطبيب عينيه بدقة.. ثم قال:

- ام م م م م .. القناة الدمعية مسدودة.. يبدو أن شيئاً يعيق سير الدموع..

قال والده:

- وما الحل يا دكتور؟!

ابتسم الطبيب قائلاً:

- لا تخف.. الحل في متناول أيدينا.. عملية بسيطة، وتُفتح هذه القناة.

- افعل ما تراه مناسباً.. يا دكتور.

وربت الطبيب على كتف مزيد وهو يقول:

- اطمئن.. ليس الأمر صعباً.. والتخدير لن يشعرك بأي ألم.

وسرعان ما بدأ الطبيب عمله، خدّر(مزيد)، وفتح القناة المسدودة بسلك معقم..

وتوقفَ تدفقي من عين مزيد، لأني وجدت الطريق مفتوحة أمامي، بعد أن كانت أبوابه مغلقة، وتحول دون الوصول إلى الأنف، إلى أشعاره، إلى دهاليزه..

*      *      *

وهكذا تنتهي حكاياتي يا أحبائي الصغار، وأظنكم الآن عرفتم: متى تذرفني عيونكم..

***

أودعكم.. على أمل اللقاء بكم، في حكايات أخرى.. مفيدة وممتعة..

دموع.

 

 

من مفكّرتي

 

كنت صغيراً مثلكم، في سن الثامنة أو دونها بقليل، وكنت تلميذاً في مدرسة ابتدائية اسمها: نور الدين الشهيد.. بين بيتي ومدرستي هناك: زقاق ضيق هو زقاق المئذنة، وسوق مسقوف يسمونه سوق الطويل، ثم ساحة مترامية الأطراف يدعونها ساحة جورة حوّا... عليّ إذن أن أقطع على الأقدام مسافة شاسعة، ففي أيامنا تلك.. لم نكن نعرف سيارات مخصصة لنقل التلاميذ، ولم يكن في مقدور آبائنا تحمل مصاريفها الباهظة!..

صباح كل يوم.. أستيقظ باكراً؛ أغسل وجهي، وأرتدي ثيابي، وأتناول فطوري.. ثم أتأبط محفظتي؛ وأهرع إلى تلك المدرسة الغالية.

وذات يوم من أيام شباط الباردة.. استيقظت كعادتي؛ فوجئت بأن ضوء النهار يملأ الغرفة!.. وتلفتّ حولي فلم أجد أحداً!. أخي الكبير (سهل) لم يكن يذاكر.. كعادته في ذلك الوقت، أختي الصغرى (هنا) لم تكن أمام المرآة تسرح شعرها.. كما تفعل كل يوم، وبقية أخوتي وأخواتي لم أسمع لهم حسّاً ولا حركة، ولم أعرف في أي مكان هم؟!!

- أين ذهبوا جميعاً؟!.

تساءلت بيني وبين نفسي، ثم تسلّلت من فراشي، وقد انتابني شيء من القلق.. تناهى إليّ أصوات قادمة من غرفة مجاورة، سرتُ بخفة حتى وصلت بابها، فتحته قليلاً.. فوجدتهم جميعاً متحلّقين حول (المذياع)، وقد علا البشر وجوههم، وارتسمت البسمة على شفاههم.. وكان صوت المذيع يطل بين حين وآخر، يهنئ المستمعين، ويزفّ إليهم بشائر لم أدرك ما هي!!. وقفتُ دقائق أنظر من شقّ الباب، دون أن ينتبه أحد إلى وجودي.. وعندما فتحتُه على مصراعيه، نظروا إلي باستغراب، ثم صاحوا بصوت واحد:

- صحّ النوم يا (موفق).. تعال.

قلتُ وأنا أدلك عيني:

- لماذا لم توقظوني؟! ألا ترونَ أن موعد المدرسة قد فاتني؟!.

قالوا: لقد تركناك نائماً.. فاليوم عطلة.

توقفتُ عن دلك عيني، قلت دهشاً:

- عطلة!!. وما المناسبة؟!.

قال أخي (وليد) وهو يضمّني إليه:

- اليوم عيد.. والمدارس تغلق أبوابها في العيد.. أليس كذلك؟.

سألته والدهشة ماتزال تتملكني:

- وأي عيد هذا ؟!!.

أجاب؛ وهو يضع في كفي قطعة نقدية كبيرة:

- إنه عيد الوحدة يا موفق، أتريد (عيديتك) أم أسترجعها؟.

تلمّست النقود بين مصدق ومكذب، أطبقت عليها كفي الصغيرة، وأنا أنظر إليه واجماً وكأنني أقول: أي عيد، وأية وحدة؟!!!.

أردف أخي:

- أصبحنا و(مصر) دولة واحدة.. أليس هذا عيداً؟!.

لم أفهم معنى هذا الكلام، ولكنني تذكرت -وقتئذ- حكاية قرأتُها في كتاب (قراءتنا): الشيخ الذي جمع أولاده حوله، وأمرهم أن يكسروا حزمة عصي.. فلم يتمكنوا!. وعندما أعطاهم كل واحدة على حدة؛ كسروها بسهولة.. فقال لهم:

- الوحدة قوة، والتفرقة ضعف!!.

*      *      *

أواه.. ما أحلى اجتماعَنا ذلك اليوم!.

وما أشهى فطورَنا الذي بُسط أمامنا!!.

مع ذلك.. تناولتُه على عجل، وهُرعت إلى الشارع القريب، وقد جذبتني الأغاريد والأهازيج والموسيقا العسكرية.

حلقاتٌ للدبكة، ألعابٌ للسيف، أعلامٌ ترفرف، أقواسٌ تُقام، حلوى تُوَزّع، رصاصٌ يلعلع، حناجرُ تردد:

- شعبٌ واحد لا شعبان، علم واحد لا علمان..

عرسٌ حقيقي، جموعٌ مندفعة من غير إجبار، وقد امتلأت نفوسها بآمال عظيمة!.

يومئذ استغربت هذا الاندفاع، ودهشت لهذه الحماسة.. ولكن -مع مرور الأيام- أدركت سرّ فرحتهم وبهجتهم، وعرفت قيمة عيدهم واحتفالهم.. وشيئاً فشيئاً غدت أحلامهم أحلامي، وآمالهم آمالي.. فما أرقَّها وأعذبَها وقد ملأت كياني!!.

*      *      *

لقد مر على ذلك اليوم أربعون عاماً، وماتزال صوره ماثلة في خيالي، لا أستطيع لها دفعاً!. أذكرها وقلبي يكاد يتفطّر، لأن هذه الوحدة لم تبق، ولأن وحدة مثلها لم تأت بعد!!!!..

 

 

ذبابة مغرورة!

 

قالت الذبابة للنحلة:

- صحيح أن جناحَك جميل، وحجَمك كبير، ولونَك زاه.. إلا أنك لا تفوقينني في شيء!. فأنا أملك جناحاً مثلك، ولوني -يا نحلة- أزهى من لونك، ثم إن حجمي الصغير لا يضيرني؛ بل يعينني على الطيران السريع، ويمكّنني من الانقضاض حين أريد، والانطلاق متى أشاءُ..

 

ولم تجب النحلة... إنها مشغولة بامتصاص الرحيق...

وتضايقت الذبابة من تجاهلها... فعادت إلى المباهاة ثانية:

- لا أنكر أن لديك إبرة دقيقة تلسعين بها، لكنني أذكّرك بخرطومي... الدقيق أيضاً، والذي أرتشف به القاذورات.

وأصرّت النحلة على التزام الصمت، لديها الآن عمل يجب إنجازه، وهي تحبّ إذا عملت عملاً أن تتقنه.

***

لا مبالاة...

هذا ما يمكن أن تفسّره الذبابة، وهي تتابع ما تقوم به النحلة لكنها.. لن تيأس، ستحاول من جديد، ستحاول استفزاز النحلة، ولفت

انتباهها بأية وسيلة!

تبدأ بالطيران... تدور حول النحلة مرة، مرتين، ثلاث مرات.. وهي تطنّ طنيناً مزعجاً: ز ز ز ز ز ز ز .....

أخيراً.. لعلّ النجاحَ تحقق، والهدفَ قد أصابته.. فها هي ذي النحلة تلتفت إليها....

ولكن؛ لم ترمقها باحتقار؟. لِمَ تقول بلهجة قاسية:

- لا أحبّ أن أضيّع وقتي مع اللاهين، ولكنّ غرورَك لا يطاق!!!

وصمتت قليلاً، ثم تابعت حديثها:

- هل تظنين يا ثرثارة، أن ما ترددينه، يرفع من منزلتك، ويجعلك موضع حب ومحطّ احترام؟!

قالت الذبابة:

- وماذا يهمني من الحب والاحترام؟!. فما دمت سعيدة.. أحقق ما أريد، وأعيش كما أرغب.. فلن أسمع آراء الآخرين عني!.

قالت النحلة:

- عجباً!. وهل هذه سعادة!!. سعادتك الحقيقية يا ذبابة في خدمة الآخرين، وليست في ايذائهم!.

قالت الذابابة؛ وهي تلعق بقايا نتنة:

- وماذا تقدّمين أنت للآخرين؟؟ إنني أراك -طوال النهار- تطيرين من زهرة إلى زهرة.. تلعبين وتمرحين، ثم تعودين أدراجك دون أن تقدمي شيئاً يفيد!.

حركت النحلة قرنيها دهشة.. صاحت بنزق:

- ماذا أقدم للآخرين!!. إنك جاهلة؛ بل في منتهى الجهل!. ألم تسمعي بعسلٍ فيه شفاء للناس؟ هو طعام حلو لذيذ المذاق، يحتاج إلى خبرة في الصنع، وصبر في العمل.. أوه!. ما أكثرَ الأزهار التي نمتصّ رحيقها، كي نصنع العسل داخل خلايانا.

وضحكت الذبابة قائلة:.

- العسل، العسل... يا سلام!. كم طردوني وأنا أتذوّقه! حقاً إنه لذيذ، أهنئك على مهارتك في صنعه...

لكنك يا مسكينة؛ تتعبين وتتعذبين، كي يقطف الآخرون ثمار أتعابك!!..

ابتسمت النحلة وهي تقول:

- ولكن كما ترين.. أنا أخدم الآخرين وأفيدهم، أنا لا أفعل ما تفعلينه أنت.. فكم من نائم أيقظته بدغدغةٍ مفاجئة، وكم من مريض أزعجته بمزاحٍ لا يُحتمل، وكم من معافى نقلت إليه المرض بجراثيم تحملينها!!..

طارت الذبابة قليلاً، ثم حطّت على كومة من الأقذار، وأنشأت تتمرغ فيها مردّدة:

هكذا أريد أن أعيش، لا يهمني أمر الآخرين: أَستاؤوا أم غضبوا، مرضوا أم قلقوا... كل هذا لا يعنيني، ولا ألقي له بالاً!.

وقاطعتها النحلة:

- ولكن الإنسان لن يدعك حرة طليقة... تفعلين الأفاعيل، وتعيثين في الأرض فساداً.. لا؛ سيأتي يوم تخسرين فيه كل شيء، أسمعت: كل شيء!. ربما يكون هذا اليوم غداً، وربما بعد غد...

قالت الذبابة متهكمة:

- الإنسان!. هه!! مسكين، لقد حاول قتلي مرات ومرات... حاول بـ (المذبّة)؛ لكنّ خفّتي حالت دون وصولها إلي، حاول بالمبيدات، غير أني هربت حين رأيت دخانها من بعيد... حاول بشريط لاصق، لكنني لست ممن يُخدَعون بتلك الحيل.. حاول المسكين، وحاول.. وكل محاولاته باءت بالفشل... لا، لن أمكنّه منّي، فأنا أفوقه ذكاءً!. وسأبقى دائماً.. على الرغم من أنفه... قريبة من طعامه، من شرابه، من جسده.. أمتع نفسي بتلويث غذائه، وإقلاق راحته.

***

واحتد النقاش، وعلت الأصوات.. والنحلة الحكيمة تجادل الذبابة المغرورة، ولكن لا فائدة!. فالذبابة مصّرة على التمسك بموقفها، وقد أخذتها العزّة بالخطأ!!

وبينما هما على هذه الحال، اقترب طفل من مكانهما، وشرع يلعب بين الأزهار، يقفز هنا ويركض هناك، ويحاول الإمساك

بفراشة جميلة تحوم حوله.

حين لمحته الذبابة، قطعت الحديث بقولها:

- ألا تَرَيْنَ هذا الطفل الوسيم، ما رأيك لو أزعجناه؟ إنه سعيد على ما يبدو، ولا أحبّ أن أرى أحداً سعيداً.

أجابت النحلة: لا؛ لن أزعج الآخرين.

وسخرت الذبابة منها وهي تطير نحو الطفل: إنك تحرمين نفسك من اللهو واللعب.

وصاحت النحلة: توقفي أيتها الحمقاء، دعي الطفل وشأنه.

ولم تصغ الذبابة... بل سارعت إلى وجه الطفل، وحطّت عليه.

وتضايق الطفل من دغدغة الدبابة، تحرك يده وهو يقول:

-كش!.

فطارت وهي تراوغه؛ ثم عادت فحطّت هذه المرة على أذنه.. فضربها بغضب، لكنها استطاعت تفادي ضربته.

ولم تكتف الذبابة، فهي مصممة على المضي في الإزعاج، شرعت تدور وتدور ثم هبطت على كفّه الصغيرة... هنا؛ توقف الطفل تماماً عن الحركة.. أغلق فمه، وكتم أنفاسه... ثم مدّ يده الأخرى بهدوء؛ وفجأة.. طاخ!! وتحولت الذبابة أشلاء متناثرة...

***

نظرت النحلة إليها طويلاً، ثم هزت رأسها، وطارت إلى زهرة قريبة متفتحة.

 

 

طبيبنا الصغير

 

-1-

عندما انصرف (سامر) من المدرسة، وولّى وجهه نحو بيته النائي.. لم يكن يتصور أن مغامرة مثيرة تنتظره!.

فقد اعتاد سامر منذ طفولته، أن يحيا حياة خالية من التجديد، محرومة من المفاجآت والمغامرات!.

لكنّ هذا اليوم؛ خالف الأيام الأخرى.. فقد جاءت معه مشكلة هزّته هزاً!. وكما يقول المثل: (الشدائد تصنع الرجال).. فقد أمسى سامر - بفضل ماجرى- رجلاً.. ولا كلّ الرجال!!.

***

كان هذا اليوم.. يوماً جميلاً مشرقاً؛ فالطقس معتدل، والشمس الذهبية تدغدغ وجوه المارة، والعصافير الملونة تزقزق وتطير هنا وهناك، أما النسمات العليلة؛ فقد كانت تداعب أوراق الأشجار، فيُسمع لها حفيف لطيف يطرب الآذان..

وكان سامر سعيداً للغاية، يتنسّم الهواء النقي، ويمتع عينيه بمشاهد الطبيعة الخلابة.. والمسكين لا يعلم ماذا يخبئ القدر!.

وعندما وصل إلى البيت، طرق بابه طرقات خفيفة، لم تفتح والدته بسرعة.. كعادتها!. فانتظر قليلاً، ثم عاد إلى الطرق وهو يظن أمَّه نائمةً، أو مشغولةً بعمل ما.. لكن الوقت مرّ ببطء، ولم يفتح أحد!!!

- ما الخبر؟!.

تساءل سامر، ومن حقه أن يتساءل!. فوالدته لا تخرج في هذا الوقت.. وقت عودته من المدرسة، منذ وفاة والده.. وهي تحاول أن تجالسه دائماً، ولولا قوانين المدرسة لرافقته إليها، كي تطمئن عليه، وتحظى برؤيته بين حصة وأخرى!.

- أين هي! هل أصابها مكروه؟!

وارتعش خوفاً حين ورد هذا الهاجس، أراد إبعاده... لكنه لم يستطع له دفعاً، بل أخذ يكبر ويكبر حتى ملأ رأسه كله!!!

- ماذا يفعل؟

سؤال محير فعلاً!!

- أيطلب النجدة... أم يحاول أولاً معرفة ما جرى؟.

ودار حول المنزل.. يتفحص نوافذه، فلمح واحدة وقد فُتح أحد مصراعيها.. تسلّق إليها بخفة، ثم تسلل منها بهدوء، وما كادت قدماه تلمسان الأرض، حتى جرى نحو غرفة أمه.

قرع الباب... فلم يرد أحد!. حرك المغلاق ودفعه ببطء.. وعندما نظر إلى الداخل، لم يستطع تمالك نفسه، فأَفْلَتَ من بين شفتيه صرخةً مدويةً:

- أماه، أماه!!

-2-

كانت والدته مستلقية على السرير، وقد وضعت كفها اليمنى على ساعدها الأيسر... وجهها شاحب، وأنينها يمزق القلوب!..

وهُرع سامر إليها، يسألها بلهفة وحرقة:

- ماذا جرى.. ماذا جرى؟؟!.

لم تستطع الإجابة، فآلامها ألجمت لسانها!!..

لكنها أشارت إلى إحدى الزوايا.. وعندما التفت سامر؛ فوجئ بثعبان يفوق طوله المتر!. راقد من غير حراك، وقد تكوّم على نفسه.. اقترب منه، وحدّق إليه بحذر.. أدرك أن رأسه مهشم بضربة عصا.

اتضحت ملامح القصة، وتخيل سامر ماحدث.. يبدو أن الأمر جرى قبل قليل، فهذا ما فهمه من حركات أمه...

انهمرت الدموع من عينيه، أحسّ بالعذاب يكوي قلبه.. ولكن.. كل هذا لن يفيد!.

ماذا يفعل لإنقاذها؟. فسم الأفاعي قد يقتل، واللدغة تحتاج إلى علاج سريع؟

لا هاتف يصله بالطبيب...

ولا دراجة تحمله إلى أقرب مشفى..

ومنزله متطرف.. ناء، والوقت يمرّ... يمرّ سريعاً!!.

***

ركبتاه تصطكان، الخوف والقلق يركبانه!.

- يجب أن أتمالك أعصابي..

قال سامر لنفسه.

- سأواجه الأمر بشجاعة.

عاد إلى محادثتها...

- لكن علي أن أفكر بسرعة.. بسرعة!!

-3-

ما أجمل أن يستفيد المرء من دراسته!.

وما أحلى تحوّل الكلمات عملاً يُعمل!!

وسامر.. طالبٌ مجّد في صفّه.. يستوعبُ دروسَه، وقلّما تخونُه ذاكرتُه...

في حصة (العلوم)... قرأ يوماً عن لدغ الأفاعي، وحفظ طريقة لإنقاذ المصاب.

لماذا لا يكرر معلوماته؟.

- فكرة معقولة.. بل معقولة جداً!.

والآن.. لا مجال للتردد، فالوقت يمضي، وهو بحاجة إلى كل دقيقة، بل كل ثانية!.

***

ربط ساعدها ربطاً محكماً...

ثم أتى بسكين.. ارتجفت يده عندما همّ بجرح مكان اللدغ، كيف يجرح يد أمه؟. كيف يدع دمها يسيل؟؟ لا، لا.. إنها أمه، لا يريد إيلامها... قلبه خائف، يده مرتجفة... لكن، حياتها أثمن من كل شيء.. لا مجال للتردد.

ونظر إلى وجهها الشاحب، رأى ابتسامة ساحرة تشجعه.. عادت ثقته بنفسه، وبحذر شديد شق مكان اللدغ، وترك الدم الملوث يسيل ويسيل، ثم أدنى فمه، وشرع يمص الدم من الجرح ويبصقه..

بعد قليل؛ توقف..

- آه... ماذا سأفعل الآن؟. أوه؛ لا بد من تطهير الجرح.

أين المادة المطهرة... حسناً... ها هي ذي.

***

بعد تطهير الجرح، غطاه بشاش نظيف مبلل.. ولما اطمأن إلى حسن إسعافه.. ودع أمه قائلاً:

- لا تتحركي يا أماه.. سأعود بعد قليل.

-4-

ركض سامر كالمجنون في الطرقات المقفرة... فالوقت ظهيرة، والناس في بيوتها تنشد الراحة!. حاول إيقاف سيارة؛ لم يوفق... قرر متابعة طريقه جرياً، جرى وجرى، حتى كادت أنفاسه تنقطع، لم يأبه لتعبه وإرهاقه، فأمه ماتزال في خطر، أمه الحبيبة قد تموت، يجب إنقاذها بأية وسيلة.

ولاح  المستوصف من بعيد... ضاعف من سرعته حتى بلغه، دخل والعرق يغمر كل جسده!. اقتحم غرفة الطبيب؛ قائلاً بصوت متقطع:

- أ... أ.. أمي، في.. في خطر، أدركها يا.. يا.. دكتور.

فوجئ الطبيب بدخوله... قال بهدوء:

- هدئ من روعك.. ما القصة؟!.

وأشار إلى كرسي.. تابع كلامه:

- استرح... استرح قليلاً.. أنت مرهق!.

صاح سامر، وشفتاه تختلجان من التأثر والانفعال:

- لا.. لن أجلس، المهم أن تنقذها.. هيا، هيا.. بسرعة...

ترك الطبيب مكتبه، اقترب من سامر، ربت على كتفه بحنان قائلاً:

- اطمئن... سأبذل قصارى جهدي... ولكن أخبرني أولاً، ماذا حدث؟!.

قال سامر وهو يغالب غصته:

- لقد لدغها.. ثعبان.

ابتسم الطبيب وقال:

- لاتخف.. سآتي معك حالاً.

وتناول محفظته الطبية، وضع على عجل بعض الحقن والأدوية، ثم أمسك بيد سامر، وأسرع به نحو سيارة الإسعاف..

***

ما أثمن الوقت!.

لحظاته تُشْتَرى أحياناً بالذهب..

هيا أيتها السيارة، أسرعي، أسرعي.. فأمي في انتظاري... احفظ أمي يا رب.

هل ننقذها، أم نصل بعد فوات الأوان؟!

أسرعي يا سيارة، أسرعي.. فها هو ذات البيت يلوح من بعيد...

- هنا يادكتور.

وتوقفت السيارة، وترجل منها سامر أولاً:

- هيا.. يا دكتور، سأسبقك إلى الباب

وركض... فتح الباب وهو يلهث.. صاح:

- أماه، أماه.. ها نحن قد جئنا.

وحاول دخول الغرفة، لكن الطبيب أمسكه برفق، ثم دلفا معاً... وأسرعا إلى الأم الراقدة، نظر الطبيب إليها وهو يتنهد بارتياح:

- الحمد لله... ماتزال على قيد الحياة!.

-5-

في الحفل الساهر، الذي أقامته المدرسة تكريماً لسامر.. قال المدير وهو يشدّ على يده:

- بوركت يا طبيبنا الصغير.. بوركت، نحن فخورون بك وبأمثالك من الطلاب النجباء، حقاً.. نِعْمَ الفتى أنت!.

وصمت قليلاً، ثم تابع حديثه:

- والآن.. يسرّني أن أقدّم -باسم زملائك ومدرّسيك- هذا الوسام الرفيع، زيّن به صدرك، وارفع به رأسك، عسى أن يحذو الآخرون حذوك في المواقف الصعبة.

وعندما قلده المدير وسام الشجاعة، وسط هتاف وتشجيع أصدقائه ومدّرسيه... ترقرقت الدموع في عينيه، لكن دموعه هذه المرة؛ كانت... دموع فرح....

 

 

أيّهم أفضل؟.

 

مرحباً زيدون؛ كيف حالك هذه الأيام؟. أراكَ على عجلة من أمرك!. تقولُ: حان موعدُ المدرسة... وكيف عرفتَ؟. من ساعتِك!. أيةُ ساعة؟ ام م م م م م هذه التي تزّين معصمك؟. ما أجملَها!. ليتني أملكُ مثلها...

ماذا تقول أيضاً؟. ليست للزينة فقط، بل تحدّد مواعيدك، وتنظّم أعمالك، وتشعرك بأن الوقت ثمين!. حقاً؛ فالوقت من ذهب، وحبذا

لو نصون هذا الذهب!.

مالك ترفعها إلى أذنك؟! أوه؛ هل تصغي إليها؟. ماذا؟. الساعة تتكلم!. كيف؟!!!. أعرف أنها تردّد فقط: تِكْ تاك، تِكْ تاك، تِكْ تاك.. لا؛ ليس هذا ما تقوله!!. إذن ما الأمر؟. إيه!!! هناك حوار يجري!. حوار بين من؟. بين عقاربها الثلاثة!!. أي حوار هذا، أخبرني، أرجوك، أريد أن أعرف ما تسمعه...

تبتسمُ في وجهي، تقول: أنصتْ، أنصتْ جيداً..

حسناً.. سأنصت، ولأَسْمعْ ما تسمعه:

***

عقرب الدقائق: أنا عقرب سريع، بل سريع جداً... ألا ترونني أدور دورة كاملة في ساعة واحدة؟!.

عقرب الثواني: لكنني أسرع منك. أيها الجار العزيز، فأنا أدور الدورة نفسها في دقيقة.. فقط!!.

عقرب الساعات ينبري: رويداً، رويداً.. أيها الصديقان، لا تفخرا كثيراً، هناك من هو أفضل منكما.

العقربان الآخران بصوت واحد: أفضل منا.. نحن؟!.

عقرب الساعات: أجل.

العقربان: ومن يجرؤ على قول ذلك؟

عقرب الساعات: أنا..

العقربان: أنت.. هذا مستحيل!.

عقرب الساعات: لم يا صديقيّ العزيزين؟

العقربان: يا جارنا... نحن لا ننكر فضلك، ولكن انظر إلى نفسك جيداً؛ ألا ترى أنك أقصرنا... وأبطؤنا!. ألا تدور الدورة ذاتها في اثنتي عشرة ساعة؟؟!!!

عقرب الساعات ضاحكاً: العبرة ليست بالسرعة ولا بالطول.. أيها العزيزان..

العقربان: إذن.. العبرة بماذا؟. أيها الصديق الحكيم؟:

عقرب الساعات: بماذا؟! ام م م، اسمعاني جيداً وافهما ما أقوله: صحيح أن عصرنا عصر السرعة، ولكن التأنّي لابد منه، فوصولك متأخراً خير من أن لا تصل أبداً.

العقربان: وماذا بعد؟ لقد كاد صبرنا ينفد!.

عقرب الساعات... متابعاً، والطول - أيضاً- ليس مزيّة في كل الأحوال، فكم من شجرة عالية تقصمها ريح عاتية!. وكم من نبتة قصيرة تتحدّى أعتى الرياح!!.

العقربان: أدهشتنا والله.. ما الذي تريد قوله، بعد هذا كله؟.

عقرب الساعات مبتسماً: حسناً يا صديقيّ... لا تكونا عجولين!. على كل حال؛ سأكتفي بهذا القدر، ولن أطيل أكثر.. لكنني أسألكما سؤالاً: لو تمّ إلغاؤكما، أو الاستغناء عنكما، فهل سيعرف زيدون في أية ساعة هو؟.

العقربان يجيبان بسرعة: سيعرف حتماً، ما دمتَ موجوداً.

عقرب الساعات يرفع صوته، وكأنه يُسمِع كلَّ من حوله:

- فلنفترض أن الإلغاء من نصيبي... كُسِرْتُ أنا، أو نُزِعْتُ، أو استُغْنِيَ عنّي منذ البداية، بينما بقيتما أنتما متشبّثين بمكانيكما، مصرّين على دورانكما المعهود.. فهل سيعرف الوقت؟!.

العقربان يكتفيان بالصمت المطبق!!.

***

وأكتفي أنا بالنظر إلى زيدون..

وقد أذهلني ما سمعت!!!.

 

أضيفت في 10/03/2006/ خاص القصة السورية

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية