أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: موفق نادر

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

ولد في الغارية سنة 1956.

عضو جمعية أدب الأطفال.

يجيد اللغة الإنكليزية.

مدرس لمادة اللغة العربية.

 

مؤلفاته:

1-الغيمة تمرح. شعر للأطفال-.

2-نائل يلتقي أباه. شعر للأطفال-.

3-أنشودة المطر. شعر للأطفال-.

4- عصفور الثلج، شعر للأطفال، اتحاد الكتّاب العرب.

5- حكاية المهر دحنون، قصص للأطفال، اتحاد الكتاب العرب.

6- أغنيات بطعم الليمون، شعر للأطفال، اتحاد الكتاب العرب.

7- طيور الكلام، شعر، اتحاد الكتاب العرب.

8- مشاغبات صغيرة، شعر، وزارة الثقافة.

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

قصة ليست للكبار

من ذكريات الصيف

شاعر من القرية

حكاية المهر دحنون 

 

 

حكاية المهر"دحنون"

 

منذ أن ولد المهر الأحمر امتلأت الدار بالفرحة وكأنَّ عرساً يدور فيها، فكنت ترى الناس يروحون ويجيئون، وكلهم يريدون أن يروا هذا المهر الذي يشبه لون زهر"الدحنون" فعلاً ذلك الزهر المعروف جداً في سهول فلسطين، حتى أن الشمس لحظة شروقها على تلك السهول تبدو واحدة من زهور الدحنون الحمراء!

قال أبي: نسميه دحنون

ومن يومها كلما سمع اسمه رفع أذنيه، وأرهف السمع، شاعراً بمحبة الناس له وبخاصة الصغار، فكان يقترب منهم ويبدأ يشم أصابعهم الصغيرة بفمه الدافئ. وهم يربّتون على غرة بيضاء في جبينه، ويمسحون شعر عرفه الأشقر.

مرة، حينما رأى أخي الصغير يتدحرج فوق المرج الأخضر جاء المهر"دحنون" وانبطح إلى جانبه وهو يصهل وكأنه يقول: هيا نكمل اللعبة!

هكذا بدا لنا جميعاً أن المهر أليف وقريب إلى قلوبنا جميعاً حتى أننا أحسسنا بغيابه حين كان يرافق أمه إلى الحقل أيام الحراثة فننتظر عودته بشوق ولهفة!

كنا نراه يمرق من أمامنا مثل سهم ثم يعود ليتوقف قليلاً بالقرب منا، وقد ينحني ليقضم خصلة من العشب النامي قرب الجدار، ثم يرفع رأسه فجأة وينطلق راكضاً وكأنه يرقص منقّلاً قوائمه بأسلوب غريب لا تتقنه إلاّ الخيول الأصيلة!

وقد سمعت أبي يشهد أن هذا المهر الرائع ينتمي إلى سلالة أصيلة فعلاً ثم راح يسمّي عدداً من أجداد"دحنون" ويذكر أسماء الفرسان الذين خاضوا حروباً قاسية على صهوات تلك الخيول الرائعة ضد العدو التركي ثم الإنجليزي أيام الثورات التي مضت.

لكن، يا بني-قال أبي- كم تغيّرت الأحوال: وظروف العمل فرضت علينا أن نروّض هذه الخيول الأصيلة لتساعدنا في أعمالنا الزراعية، هذا محزن حقا ولكن أعتقد أنه لا حيلة لنا!

وروى أبي كيف أن فرساً من هذه الخيول، بيضاء مثل حمامة، حين سقط فارسها في مواجهة مع المحتلين الإنجليز عند إحدى قرى الجليل، حاولت أن تنهضه، فراحت تلمس صدره بفمها، وحين شعرت أن حرارة الروح قد فارقت جسده، وأنه لن ينهض بعد وقفت عند رأسه وبدأت تذرف الدمع!

نعم، حين وصل الناس رأوا ثياب الشهيد مبللة بالدم ثم بدموع فرسه الأصيلة.

شيء واحد كان يبدو غريباً لنا هو أن هذا المهر تتغير ملامحه سريعاً، فقد بدأ وبره الناعم كالزغب يتساقط بعد شهور قليلة من ولادته ويظهر تحته شعر خشن لامع يجعل لونه أكثر سطوعاً.

وصارت قوائمه تطول حتى صار صعباً على بعضنا أن نلمس ظهره الممتلئ، وما عدنا نتجرّأ على أن نقترب منه كثيراً، فقد صار لعبه أكثر خشونة من قبل، وكنا نخشى أن يدوس أرجلنا بحوافره التي غدت قاسية جداً.

لكن هذا كله لم ينقص من حبنا له وتعلّقنا به، وهو يشعر بذلك حتى أنه صار يترك أمه فلا يبقى ملتصقاً بها كظلها، ويتبعنا إذا ناديناه حين نذهب إلى الكرم القريب أو البيدر فيبدأ ركضه وإظهار براعته ذهاباً وإياباً، وكلما مرَّ بنا صهل وحمحم وكأنه يقول: هل ترون قوتي؟!

وأكثر ما كان يبهج"دحنون" على ما يبدو هو موسم الحراثة وبخاصة أرضنا التي في سفح التل، فما إن يصل الموكب المؤلف من أمه وعدة الحراثة إلى هناك، ويرى الأرض الممتدة حوله حتى يبدو في أقصى فرحته ونشاطه، فيبدأ الركض في كل اتجاه، وكم يفرحه أن يرى الكلب يهرب أمامه فيزيد من سرعته حتى يوشك أن يدوسه فيملأ قلبه بالرعب ويعوي مذعوراً وهو يقذف بنفسه خلف شجيرة أو صخرة.

وسألت أبي مرة:

ألا يتعب"دحنون" من كل هذا الركض؟!

فابتسم.. : يا بني، الخيول العربية مخلوقات قوية، وهي تحتاج إلى الحركة والنشاط لتنمو أجسادها جيداً، فيظل عندها رغبة للانطلاق والجموح!

حين جلس أبي عند المصطبة في المساء قال لأمي:

أنا سعيد جداً بهذا المهر، إنه يبدو قوياً متين البنية وأريده أن يحلّ قريباً مكان أمه التي بدأت تهرم ويحب أن ترتاح، إنَّ أرضنا العالية تحتاج حراثتها إلى حصان قوي وأعتقد أن"دحنون" هو ذلك البطل!

- ولكن، هل تعتقد أن ترويضه سيكون سهلاً؟

إنه يبدو متوحشاً جامحاً مثل حصان برّي!

- طبعاً، ليس الأمر سهلاً: أتنسين كم صبرنا على عناد أمه يوم بدأت الحراثة؟ أتذكرين كم من المحاريث حطّمت؟! فلابد من الصبر على كل حال.

منذ الموسم القادم سأبدأ تدريبه، لكن ليس هذا ما يشغل بالي إنني مستعدّ أن أروّض كل خيول الأرض، نعم، كلها، أهون عليّ من أن يحدث ذلك الذي أخشاه!

- لقد أقلقتني، قالت أمي، هل حدث مكروه؟

- ومن غيرهم، أبناء الشياطين.؟! بالأمس وصلوا بسياراتهم المصفحة حتى حدود كرمنا. ثم جرّوا أسلحتهم حتى قمة التلة وهم يتلفتون مثل المجانين ويسألون كلّ واحد من أصحاب الأراضي أن يريهم أوراق ملكيته لأرضه.

- هكذا إذاً؟!

- وأنت تعرفين بقيّة الحكاية، يأتون بجرّافاتهم، ثم المواجهات والدم!

- لكن ألم يكفهم ما نهبوه من البيوت والأراضي، أين قرانا التي كانت بالأمس فقط تملأ السفوح؟ وفجأة صارت مستوطنات لهم ولنا فقط فوّهات الرشاشات والتعذيب.. يا إلهي..!

- الحمد لله على كل حال، أيّ يوم يمرّ فلا نشيّع فيه شهيداً؟

حتى صارت قبور الشهداء أكثر من أشجار البرتقال في جبال الجليل وسفوح يافا!

لم يكن"دحنون"، الذي كبر ورغم ذلك ظللنا ندعوه مهراً، لم يكن مشاكساً وعنيداً جداً، كما توقعنا، عندما شُدَّ إلى المحراث أول مرة، صحيح أنه رفس الأرض بقائمته حين وضعنا النير حول عنقه، وهزّه بقوة يريد أن يسقطه ليظل حرّاً كما اعتاد لكن أبي ربّت على عنقه. ومسح جبينه وراح يقبلّه بين عينيه وهو يقول له مثلما يهمس لصديق حميم:

إهدأ يا مبارك، هُسْ يا أصيل!

أتعتقدون أن"دحنون" يفهم كلامنا؟! فقد راح المهر ينقل بصره بيننا وبين أمه التي كانت ترعى العشب في طرف الحقل القريب، وحينما صهلت ونظرت إليه، حمحم واستكان سائراً وراء أبي، بينما أمسك عمّي بالمحراث وراح يسنده بخفّة ويوجهه محاولاً منع السكة أن تنغرس عميقة في الأرض.

لقد كان أبي سعيداً جداً بهذا الحصان الفتيّ القوي وهو يرى عضلات صدره تكشف عن بنيته الصلبة وقدرته الأكيدة!

لكن الحصان رغم هذا المظهر لم ينس ميله إلى اللعب، فقد ظلّ إلى الآن كلما رأى طفلاً صغيراً مدَّ عنقه الطويل وراح يتمسّح به ويداعبه، فكان الصغار لا يخافونه أبداً، ويحبّون جداً الاقتراب منه، حتى كان أبي يضطر أحياناً إلى أن يبعدهم عنه صائحاً:

احذر يا ولد! هيه أنت ابتعد دع الحصان يأكل ألا ترى أنه متعب؟ الآن فقط انتهى من الحرث!.

شيء واحد كنّا نخشاه، ونحسب له ألف حساب، رغم أنه كان متوقعاً في أية لحظة، هو أن يجيء الصهاينة الجنود إلى كرمنا بينما"دحنون" موجود هناك!

لقد كان هذا المهر منذ صغره يذعر كلما رأى أحداً منهم أو لمح واحدة من سياراتهم فيبدأ الركض حتى يغيب عن الأنظار، ولا يعود إلاّ بعد ذهاب الجنود الأعداء، ولكننا لم نفطن إلى أنه ينفر منهم كل هذا النفور إلاّ بعد أن كبر فصار يجنّ جنونه عند رؤيتهم فيبدأ ينخر ويحمحم، ثم يدور في مكانه أو يقف على قائمتيه الخلفيتين صاهلاً صهيلاً مخيفاً، حتى أن جندياً صهيونياً شاباً، يضع نظارة سميكة حينما رأى الحصان هكذا ما عاد يفعل شيئاً وقد جمد في مكانه لحظات ثم قفل عائداً إلى السيارة المصفحة وهو يقول: عربي!!

كلما مرّ الجنود بكرمنا في سفح التل كان لابدّ أن تحدث مشكلة، ولهذا فقد كان أبي دائماً يحذر أن يحدث ذلك بينما"دحنون" مشدود إلى المحراث، فأوصانا أن نخبره قبل وصول الجنود ليسارع  إلى حلّ المحراث عن الحصان وأخذه بعيداً عن الأنظار إلى زاوية من زوايا الكرم حيث تنمو الأعشاب البرّية التي يحبّها جداً، ويبدأ بقضمها بشهية واضحة منذ وصوله إليها، فلا يرفع رأسه إلاّ إذا سمع صوتاً مباغتاً كأنْ يزقزق عصفور في الشجرة القريبة، أو ينبح كلب في الكرم المجاور، فيرهف الحصان أذنيه لحظة ثم  يعود ليأكل من العشب مطمئناً.

كل هذه الأشياء تبدو بسيطة، بل عادية، أما أن يجعلنا"دحنون" نذهب إلى قيادة"البوليس" وأن نتعرّض للسجن وزمجرة رجال الشرطة وتهديداتهم الوقحة، فهذا لم يخطر لنا ببال! وأكثر من ذلك أن أبي أمضى شهوراً طويلة في السجن قبل أن يستطيع المحامي أن يجعلهم يفرجون عنه بعد دفع مبلغاً كبيراً من المال كل ذلك يبدو قريباً إلى الخيال رغم أن الصهاينة يسجنون العرب بسبب ومن غير سبب، ومع ذلك يبقى الذي حدث غريباً جداً!

كان صباحاً رائعاً من أيام الربيع، رطباً حتى أن غمامات راحت تنتشر قريبة من الأرض، فتملأ زوايا الكروم والبيارات بجوّ منعش من برودة الصباح، راحت هذه الغيمات، تنثّ رذاذاً ناعماً كان يلمس وجوهنا وأيدينا برقة قبل أن تصعد الشمس من مخبئها وراء الأفق فتغسل الأرض والأشجار بنورها البهيّ.

وكان أبي منذ الفجر قد خرج بالحصان، فشدّ إليه المحراث وبدأت الخطوط الحمراء الزاهية تزداد سريعاً بين أشجار البرتقال والزيتون، ومن بعيد كنت تسمع صوت أبي وهو يوجّه الحصان: "دحنون" ثلمك! أو عشت دحنون، الله يعينك" ثم تسمعه ينشد مقاطع من أهزوجته المحبوبة التي يغنيها بصوته القاسي دائماً كلما راح يحصد الغلال أو يحرث الأرض أي حينما يشعر أنه يتحد بهذه الطبيعة الرائعة، طبيعة أرض الآباء والأجداد. وحينما كان يصلنا صوته وهو يردد:

" يا ديرتي ما لكْ علينا لومْ.. لا تعتبي لومكْ على من خانْ"

نشعر أن الحقول تردد صدى صوته الحزين دفعة واحدة.

لم يستطع أبي ذلك اليوم أن يميّز وسط الضباب أو يرى الجنود القادمين، ولم يسمع كذلك هدير السيارة المصفحة التي تركوها عند أول السفح، وما كان أحد منّا قادراً على أن يصل إلى أبي ليحذره ليسارع إلى حلّ عُدّة الحرث عن الحصان!

فما أحسّ إلاّ والجنود يحيطون به وهم يتمنطقون برشاشاتهم، بينما اعتمروا خوذاً مكسوّة بقماش مموّه بألوان كثيرة تشبه أرضاً مفروشة بزهر مهروس، فبدوا وكأنهم ذاهبون لاحتلال جبهة من جبهات القتال:

ارتعش قلب أبي فجأة حين رآهم، وشدّ بكلتا يديه على الحبل الذي يوجّه به الحصان علّه ينقذ الموقف!

لكن الوقت على ذلك كان قد انتهى، ففي لحظة كرفّة الجفن كان"دحنون" قد قفز إلى الأعلى واقفاً على قائمتيه الخلفيتين ثم بدأ يرفس الهواء، ثم يهبط ويرمح مرةً، مرتين.. فإذا المحراث يتفكك ويتطاير قطعاً رغم أنه من الخشب القوي!

كان صوت صهيله يملأ البرية فيبدو مخيفاً مثل ذئب ضخم شرس حتى أن الجنود سارعوا إلى الاختباء خلف الأشجار البعيدة لكن هذا لم يُرضِ الحصان الغاضب فانفلت يركض بين الأشجار، يدور ويدور وكأنه يطارد أشباحاً لا نراها..

ثم غاب فجأة حتى أن قائد الدورية تجرّأ وتقدّم من أبي ثم راح يسأله أسئلته المعتادة وهو يشير ببندقيته نحوه، لكن عينيّ الضابط الصهيوني ظلّتا تنظران إلى الجهة التي غاب فيها الحصان وكأنه يخشى شيئاً لا يعرفه.

وقد كان ظنّه صادقاً فقد ظهر "دحنون" قادماً مثل السهم، وقبل أن يهمّ الضابط بالعودة إلى مخبئه خلف الشجرة كان يعلو في الهواء ويطير الرشاش من يده حين صدمه الحصان برأسه وكأنه أحسّ الخطر الذي يتهدد صاحبه.

سقط الصهيوني مرتطماً بالأرض بلا حراك فبدا وكأنه كيس من القنّب، وسمعنا صوت تلقيم الرشاشات من خلف الأشجار لكن الحصان طار مثل عاصفة حمراء وغاب خلف الربوة، ولم يستطع أحد من الجنود أن يصيبه ولو بطلقة من رصاصاتهم الكثيرة التي صُوّبت إليه، ومعها انخلعت قلوبنا خوفاً!

وهكذا انتهت الحفلة، غاب الحصان، واقتيد أبي إلى السجن بتهمة أنه علّم الحصان أن يكره الصهاينة، وصار المحراث حزمة من عصيّ عدنا بها إلى البيت مساءً.

ومن يومها أُضيفت مهمة جديدة إلى جنود الدوريات فصاروا، إضافة إلى بحثهم عن الفدائيين وعن الأطفال من راجمي الحجارة، صاروا اليوم يسألون عن الحصان حتى أنهم حفظوا اسمه فكانوا كلما جاؤوا يبدؤون بسؤال غريب مضحك:

هيا قولوا أين"دخنون"! ثم يروحون يقلبون الأثاث ويبحثون كما لو أنه قطعة حلوى يسهل إخفاؤها.

ولكن الحصان لم يعد حتى الآن، وأبي بعد أن عاد من سجنه الطويل حدّثنا إنه في ليالي الشتاء المظلمة كان كلُّ مَنْ في السجن يسمعون صهيلاً يملأ الجوّ. فيتراكض السّجانون والجنود، ولكنهم لا يجدون شيئاً، أما نحن فلا نزال حتى اليوم، وكلّما حلَّ الربيع، وامتلأت السفوح بزهور الدحنون الحمراء نهمّ لنجمع منه باقات كثيرة لكن دوريات العدد المنتشرة كانت تصادرها منا ونحن نسمعهم يقولون: "دخنون" ممنوع!

 

 

 شاعر من القرية

 

ليس  سرّاً أنني منذ زمن بعيد أحاول أن أكتب قصة ذلك الطفل الذي لا يشبه كثيرين ممن نعرفهم من الأولاد الأشقياء ومحبّي اللعب والشغب والفوضى، وحتى بعض المجتهدين الذين ينالون صحائفهم المدرسية آخر كل عام وقد كتب عليها: نجح إلى الصف الخامس أو السادس..

ولكن الغريب أنني كلما أوشكت أن أنجح في رواية قصتي هربت ملامح ذلك الطفل العجيب فلا أعود قادراً على تذكّر شيء منها بوضوح وكما يجب لتأليف قصة جميلة يحبها الأولاد الكبار والصغار!

أما اليوم فأنا سعيد جداً، لأنني وجدت طفلي الحبيب، هكذا فجأة من غير أي مقدمات، فإذا الحلم يتحقق مثل تفتّح زهرة من زهور الربيع!

ومع أنني أدرك شوقكم ولهفتكم لتعرفوا هذا الولد المختلف سريعاً لكنني أخبركم أنني لن أصفه مثلما يفعل بعض رواة الحكايات فأقول مثلاً: "إنه طفل في نحو العاشرة، يتطاير شعره الأشقر النظيف كقصاصات من الذهب، كانت عيناه الواسعتان تحتلان مساحة كبيرة من وجهه.. كل هذا مهم أمّا الأهمّ فهو أنه ولد قليل الكلام جداً، جداً..! " هل يعجبكم هذا؟!

أما أنا فأكتفي الآن بوصفه بأنه ولد مختلف.. والسلام! ولكم أن تعرفوه من خلال تصرفاته في القصة ولكنني أحذّركم، يجب أن تمعنوا النظر جيداً لتحسنوا معرفته لأن كلماته دائماً تمتاز بالعمق والمعاني الكبيرة، وأعتقد أن بعضكم سينفر منه ويجده هادئاً أكثر مما يلزم وهؤلاء طبعاً هم الذين يزعجهم البقاء في مكان واحد أكثر من لحظات قليلة فيظلّون يتحركون ويثبون.

وسيبدو غريباً لكم أنني لم أختر له اسماً كبقية الأولاد في قصصي. وطبعاً هذا حق! والسبب أن كل الأسماء التي اقترحتها له لم أجدها مناسبة أبداً فهي لا تدل على شكله ولا على تصرفاته.. فحينما فكرت أن أسميه(خلدون) تذكرت ابن جيراننا الشقي الذي يحمل هذا الاسم وهو لا يتقن البقاء هادئاً أبداً بل تسلق الجدران وكل الأماكن العالية فيكون دائماً أول من يصل إلى السطوح ومعرّشات العنب وأعمدة الهاتف، رغم أنه سقط مراراً كثيرة ونزف دماً إلاّ أنه لم يكن يبكي أبداً، ويقال أنه عاد مرة إلى البيت فلم تعرفه أمه لأنه كان مطلياً بالكلس فبدا مثل شبح هارب من إحدى الحكايات القديمة!

وحينما همّت بأن تطرده بعصا طويلة صرخ:

أمي أنا خلدون! أنا ابنك!

فجمدت في مكانها بينما لسانها يهمس بغضب:

خلدون؟ أظنك تشبه القرد أكثر!

ومن يومها صار الناس جميعاً ينادونه: خلدون القرد، وهو لا يغضب بل يبتسم ببلاهة، ويعود إلى تسلق الجدران والأشجار، دارت في ذهني أسماء كثيرة أخرى لكن اسماً واحداً منها لم يعجبني لأطلقه على بطل قصتي هذه وفي النهاية قررت أن أترك الأمر لكم لتسموه بأي اسم ترونه مناسباً!

أما أنا فسأكتفي أن أناديه بالشاعر، فمن هنا تبدأ قصتي أي منذ أن كان هذا الولد صغيراً كإبهام تلميذ في الصف الأول لاحظ أهله تعلقه بالحكايات والقصص أكثر من كل رفاقه! وأولها تلك الحكايات التي تجري في الريف حيث الخراف والدجاج وأغاني الحصادين التي تملأ الفضاء نهاراً، فإذا خيّم الليل وامتلأت السماء بالنجوم مثل قلائد لامعة راح صرصار الحقل يطلق أنشودته عبر سهرات فصل الصيف والغريب أن هذا الولد لم يعرف القرية إلاّ في زيارات قصيرة حينما يرافق أهله لزيارة مريض أو للتهنئة بالمواليد الجدد وزواج الأقارب والأصدقاء.

ومع أنه ولد في المدينة أصلاً، في شقة صغيرة، ضيقة الغرف، لكنه دائماً أحب الفضاء الواسع والحقول الممتدة حتى الأفق، وشعر دائماً برغبة جامحة في الركض وسط هذه الحقول حافياً، ليمس الزرع والأعشاب الطرية وهي تلامس قدميه ببرودة منعشة.

كان الوقت في القرية ينتهي سريعاً كحلم سعيد، فكان لابدَّ لصاحبنا الشاعر أن يجعل هذا الحلم يمتدّ زمناً أطول وأخيراً وجد الحلّ.. فمنذ أن تعلّم القراءة راح يطالع بشغف شديد كل الكتب التي تتحدث عن الريف وأجوائه، قصصاً كانت أو قصائد وأغاني، وصار بمجّرد أن يلمح في واجهة إحدى المكتبات كتاباً يعجبه يضحّي بكل النقود التي جمعها ليرة فوق ليرة دفعة واحدة، حتى صار معروفاً عند أصحاب هذه المكتبات جميعاً!

نعم، لقد صار الكتاب صديقه الحميم فكان كلما وجد متسعاً في وقته راحت عيناه ترافقان السطور إلى عوالم الخيال الرائعة والمجهولة بكل ما فيها من غرابة ومتعة!

وبهذا فقد أصبح هذا الفتى ميّالاً إلى الهدوء والصمت، وفضّل دائماً أن يصغي أكثر مما يتحدث، ولم يكن ذلك لأنه لا يتقن الحديث، أبداً أبداً، ففي المرات القليلة التي كان يتكلم فيها ينصت الجميع إليه بدهشة وذهول، وهم يتساءلون:

من أين يأتي بكل هذا الكلام اللذيذ؟! إنه كلام حلو كالعسل يدخل القلب مباشرة، وتحس حينما تسمعه أن أسراباً من الفراشات الملونة والطيور الرقيقة تختبئ خلف تلك الكلمات سرعان ما تطير لتملأ الجو برفيف أجنحتها ونبضات قلوبها الدافئة!

ها لقد بدأتم تحسدونه على هذه الرقة والرهافة في حديثه وطباعه أليس كذلك، وتظنون أنه كان أسعد ولد في المدينة؟ لا، لا تتسرعوا في الحكم..

فكم من مرة شعر أن دموعه توشك أن تنهمر وهو يسمع بعض الأشقياء يسخرون من نحوله:

انظروا إليه، إن كتابه لا يفارقه أبداً! كتب؟ ما ستفيده كل هذه الكتب؟ مسكين أبوه!! بماذا يمكن أن ينفعه هذا الوليد النحيل؟!

تخيل لو أنه اضطر إلى أن يعمل حداداً أو نجاراً! ثم تنطلق الضحكات - حداد؟! إنه لن يقوى على حمل مطرقة صغيرة، وماذا لو سقطت على قدميه؟ حتماً ستهشمهما في لحظة!

كل هذا لم يكن سوى حسد أعمى لصاحبنا الهادئ المتّزن. وهم يرونه يعبر أمامهم بهيئة الحالمة ونظراته الذكية، ثم أضيف إلى سجّل المعلومات عنه خبر جديد يقول:

منذ مدة، نرى نافذته المزدحمة بالزهور والخضرة تظل مضاءة حتى ساعة متأخرة كل ليلة.

كم كان صديقنا الشاعر يحسّ المرارة والأسف حين يعامله بعض الناس بقسوة لا حاجة إليها، ممّا يجرح مشاعره كأن يدفعه بعض الأشقياء من زملاء الصف من كتفه ويأخذوا مكانه في الطابور الصباحي! ولم يكن يردّ على مثل تلك الحركات بعنف بل ينزاح جانباً ريثما يتأكد من انصراف أولئك المتحرّشين الذين كانوا يحسدونه دائماً على تقدّمه في الدراسة ولأنهم كسالى لا يتقنون شيئاً غير الفوضى وإثارة الضجيج، بينما هو يتقن كل ما يطلب المعلمون فإذا به ينال ثناءهم وهم يرّبتون على كتفه ويتمنّون له المستقبل العظيم على مسمع زملائه كلهم. ففي دروس الفنّ تفوز لوحته دائماً باستحسان المعلم فما إن يقع نظره عليها حتى يرفعها ليراها التلاميذ جميعاً وهو يقول:

انظروا يا أحبائي، هذا فنان ستسمعون عنه في المستقبل حتماً!

أما أكثر ما ملأ قلوب رفاقه في الصفّ بمشاعر الإعجاب هنا والحسد والغيرة هناك فهي موضوعات الإنشاء التي كان صاحبنا يبدعها، يكتبها ببساطة شديدة رغم أن ثلاثة أرباع التلاميذ كانوا يرهبون دروس التعبير ويحسبون لها ألف حساب!

بينما هو كان يحصي الدقائق منتظراً درسه المفضّل حيث يعتلي المنبر ويبدأ ينثر ذلك العالم البهيّ حوله!

كانت كلماته تدخل القلب فوراً لطراوتها وعذوبتها فتهضمها كل النفوس مثل الثمرات اليانعة الحلوة بينما رفاقه يرددون كلمات فارغة كرروها عشرات المرات على شكل حكايات باردة سخيفة لا روح فيها ولا حرارة، وكثيراً ما كان يلفت نظر المعلم إلى ضرورة اجتناب زملائه للتعبيرات الجوفاء كما كان يسميها.

وحتى هذا أثار غيرة بعض الرفاق فامتنع واحد من الأشقياء عن صعود منبر الصف لقراءة موضوعه أمام رفاقه وسماع نقدهم عليه وكانت حجته في ذلك حين هتف بصوت سمعه كل من في الصف:

"أعتقد أن لغة موضوعي لن تعجبكم، إنها جوفاء!" ثم ضحك! ولكن هذا التحدّي لم يؤثر في حزم صاحبنا الشاعر فصعد المنبر وراح صوته يتدفق بنبر معبّر كأنه ممثل على خشبة المسرح، فنسمع كلمات السحابة وهي تبوح للأرض العطشى برسالة البحر مطراً غزيراً منغّماً، ونرى الغروب وهو يلوّن بفرشاته السحرية قمم الجبال ويخبّئ في كهوف الأفق حزماً من نور الشمس الراحلة!

وما أرقّ تلك الأسرار التي باح بها مقعد الدراسة وهو يروي مذكراته منذ أن كان شجرة صفصاف على ضفة النهر إلى أن اكتملت سعادته بصحبة التلاميذ، يخبّئون في أدراجه كتبهم وأوراقهم وذكريات أجمل أيام المدرسة التي لولاها تفقد الحياة لذتها ومعناها وتصير جهلاً وفراغاً مملّين.

وتذكّر رفاق الصف بدهشةٍ تلك الحكايات الرائعة التي تخيّلوا سماعها عندما قرّبوا من آذانهم أصدافاً وقواقع كبيرة قذفتها الأمواج إلى الشاطئ، ويا لها من أنغام ساحرة انطلقت فجأة وكأنها رحلة مذهلة إلى أعماق المحيطات الكبرى!.

كل هذه الصفات جعلت المدرّسين جميعاً يمنحون هذا الفتى مكافأة أكثر من أي واحد من التلاميذ فسمحوا له بأن يتلو كل ما يكتبه من إنشاء ليكون مثلاً يقتدي به رفاقه الذين ما كان يلقى منهم سوى الخشونة فبعد كل موضوع يقرؤه عليهم كان الإعجاب المفرط يجعلهم في هرج ومرج مثل خلية نحل أُثيرت فجأة، فلا يهدؤون إلاّ بعد أن يكتب لأحدهم مقدّمة لموضوع في الإنشاء ويعدّل للآخر رسم شجرة أو يضبط حركة جناح طائر يرفرف فوق بيوت ريفية مال أحدها حتى بدا موشكاً على السقوط وبلمسة واحدة يعيد صاحبنا البيت إلى استقراره.

لم تكن الصورة قد اكتملت قبل ذلك اليوم العظيم! فمنذ الصباح دخل مدير المدرسة بنفسه إلى الصف وابتسامة كبيرة تملأ وجهه الوقور وقبل أن يأذن لنا بالجلوس هتف:

بكل الفخر أعلن لكم أن شاعراً قد ولد اليوم بينكم! فالتفت التلاميذ بحركة واحدة إلى الجهة التي يقف فيها صاحبنا بينما راح المدير يفرد صحيفة كانت مطوية بعناية وبدأ يقر قصيدة عن طيور لا ترحل عن أوطانها مهما جاعت أو عطشت، وعن طيور تطعم صغارها من دم صدرها حين لا تجد سواه طعاماً!

طيور ترفض أن تبني أعشاشها على السفح فلا تقبل سوى القمم مسكناً لها. قصيدة منغّمة ورقيقة تدافع التلاميذ عند انتهاء المدير من تلاوتها ليروا اسم رفيقهم مطبوعاً أسفلها، وقد سمّاها"طيور الوطن" وما هي إلاّ لحظة حتى رددت المدرسة الكبيرة صدى التصفيق الذي انطلق من غرفة الصف، حتى أن بعض التلاميذ شرع يهتف بحماسة وعفوية:

"يحيا الشاعر، تحيا طيور الوطن!"

منذ تلك الساعة صار"الشاعر" لقباً ثابتاً يسمعه أينما ذهب، في المدرسة والحارة وحتى أمام الفرن، نعم شاعر تنشر الصحف قصائده، وتكتب اسمه مطبوعاً بخطّ رسمي كما تكتب أسماء المشهورين من الزعماء والقادة.

أما أبوه العامل البسيط الطيّب فقد بادره أحد التلاميذ وقد رآه عائداً ذلك اليوم من عمله:

يا عم، هل عرفت؟

- ماذا يا بني؟!

- ابنك، لقد صار شاعراً!

- شاعر..؟ لا بأس! شكراً لأنك أخبرتني!

- ولكنك لم تندهش.. ألا يعجبك ذلك؟!

- بلى طبعاً، أنني أراه يوفر مصروفه القليل ويشتري به كتباً يقرؤها باهتمام، ويدوّن على أوراقه سطوراً كثيرة!

إنه يستمتع بذلك، ولكن قل لي يا بني، ألا يزال مثابراً على اجتهاده في المدرسة؟ هل يحبه رفاقه ومعلموه؟!

- جداً، جداً يا عمي، إنه يقرأ كل موضوعات التعبير التي يكتبها، ونحن نحبه، كلنا صرنا نحبه جداً، لقد قلت لك إنه شاعر، دعه يسمعك قصيدته التي سمّاها"طيور الوطن".

- طيور؟ نعم سأفعل شكراً لك يا بني.

- عفواً يا عمي.

لم تمرّ هذه الحادثة ببساطة أبداً بل كانت سبباً لانشغال المدرسة بكاملها وآخر ذلك أن الإدارة علقت للفتى صورة كبيرة ملوّنة في لوحة الشرف وإلى جانبها نشرت القصيدة، وأضاء عنوان مكتوب بخط جميل" شاعر بين الطيور"

وليست المدرسة وحدها التي احتفلت بهذا الشاعر الجديد، بل الحارة أيضاً، فصار كلما مرّ من أمام المحلات والبيوت سمع الناس يتهامسون ويشيرون إليه، ويسمع من كلماتهم:

"إنه شاعر! أتعرفون؟ إن الصحف تنشر قصائده.. حقيقة!" وكم كانت سعادته كبيرة! ومن يومها لم يعد يتعثر في سيره أو يسقط الأشياء التي يحملها فأحس أن حياته الرائعة قد بدأت الآن، فكافأ نفسه بالذهاب إلى قرية جده واستأذن والديه بأن يكون ذلك منذ أول يوم في العطلة الصيفية.

كان الحصاد قد بدأ، والقرية تبدو مثل خلية النحل.. فمنذ الفجر يبدأ اللغط، وتمتلئ الطرقات بالذاهبين إلى الحقول فهناك تنتظرهم أغمار السنابل الذهبية، يضمّونها إلى قلوبهم فيمتزج عرقهم بالتراب الغالي وتنطلق أغانيهم الريفية الرائعة لتملأ الفضاء بصداها العذب.

حتى الأطفال كانوا يجدون ما يفعلونه، فتراهم يتراكضون وسط الحقل، يلتقطون السنابل التي وقعت من أيدي الحصادين ويعيدونها إلى الأغمار، وكم كانوا يفرحون حين يجدون واحداً من الأعشاش المخبأة تحت الشجيرات، فيسرعون لمداعبة البيوض أو الفراخ التي تبدأ تفتح أفواهها الجائعة وقد ظنّت أن أمهاتها جاءت لتطعمها وبالفعل فقد كانت تلك العصافير ترفرف قريبة فوق رؤوس الأطفال ثم تنقضّ باتجاههم وكأنها تفهمهم أن هذه الأعشاش لها وحدها، فيفطن الأولاد إلى ذلك ويبتعدون عنها.

ما أشدّ فرح صديقنا بهذه اللحظات التي كان يعيشها في أحضان القرية! أياً كان الفصل، فهو يرى في كل فصل أشياءه الجميلة ولكثرة ولعه بهذا العالم الريفي الساحر كتب في دفتره:

"القرية قصيدة كتبتها الطبيعة الفاتنة، فمهما حاول المبدعون من الشعراء أن يقلّدوها فإنهم عاجزون لا محالة! وهكذا راحوا ينهلون من ينبوعها العذب ليتعلموا منها معنى براءة الحياة ورقّة الطفولة وسحرها!"

فابتسم له الأصدقاء وهتفوا: ليس شاعراً فحسب! بل يمكن أن يكون فيلسوفاً أيضاً.

ومن جهتي أيها الأحباء أعتقد أن قصتي عن هذا الولد الغريب قد انتهت فعلاً ولكن بقي أن أنهيها بشكل ترضون عنه. ولكم أرجو أن تشاركوني البحث عن خاتمة تناسب الأولاد الأذكياء أمثالكم من الصبيان والبنات. أما الكبار، فأبوح لكم بسرّ وهو أنني قلّما آبه بهم فهم مهما اقترحت عليهم من أفكار تصلح لاختتام قصة جميلة تراهم يقلبون شفاههم رافضين وكأنهم أصحاب معجزات..

وبما أن الأمر بقي بيننا فأنا أقترح الخاتمة التالية:

في إحدى الأمسيات اللطيفة يجلس صاحبنا مع دفتره الأنيق ليخطّ واحدة أخرى من يومياته، فتبدأ الأفكار تنهمر ندية كطراوة هذه الأمسية، وتروح الصور الرقيقة تزين السطور فتفوح في الغرفة الهادئة روائح الذكريات الطيبة حتى طالت الساعات.. وضمنّا الليل أنا وصديقي الشاعر، عندها سمعته يقول وهو يبتسم لي: لقد طالت سهرتنا، فهيا لننهِ عملنا فأختتم أنا مذكراتي وأنت قصتك قبل أن تصل أمي لتعاتبني على إطالة السهر..

وها أنا أسمع وقع خطواتها على الدرج..

ورأيته يلملم أوراقه سريعاً، يطفئ مصباحه، ومثل طيف ناعم يلوّح لي بيده الرقيقة ثم يندسّ في فراشه.

 

 

من ذكريات الصيف

 

عرفتُ  حينما عدت إلى البيت أنَّ الشمس قد لوّحتني فصرت أشبه زنجياً صغيراً شبهاً تاماً، حتى أن أمي، حين وقع نظرها علي، نسيتْ كل أشواقها لحظة ورغم أنني غبتُ عنها ثلاثة أسابيع كاملة، فبدلاً من أن تهرع لتعانقني وتقبّلني كعادتها كلما رأتني مقبلاً، اكتفت الآن بأن تسمّرتْ في مكانها لحظاتٍ وهي تقول:

ما أشدَّ سوادك يا ولدي! ماذا فعلتَ بنفسك؟!

ومع كلّ هذا، فأنا لستُ آسفاً!

لقد كانت أياماً رائعة تلك التي مضتْ، والآن عندما أنزلتني السيارة عند باب دارنا، ثم رحلتْ تبتلع هديرها المكتوم راح رفاقي يلوّحون لي هاتفين: إلى اللقاء.. إلى اللقاء.

وأحسست أنني أودّع شيئاً غالياً على قلبي، شاعراً بالحزن لأنه مضى ولن يعود.

مثلَ الحلم"كرجت" تلك الأيام التي ظنناها طويلة عندما ضمّنا صباحٌ رطب منعش قبل ثلاثة أسابيع..

"إياكم أن تتأخروا.. سننطلق في السادسة تماماً!"

كان صوتُ المدرب الودود يتردد صداه في رؤوسنا..

- لا، لا كيف نتأخر؟! "هتفنا بصوت واحد" ليلتها لم أكد أغفو أكثر من ساعتين، وكلّ بضع دقائق كنت أتسلل إلى النافذة، أزيح الستارة وأنظر شرقاً علَّ بهاءَ الفجر يكشط الظلمة المنسدلة على الأفق، ولكن ما من أمل لكم يتأخر هذا الفجر حينما ننتظره!

فجلست في الفراش أحصي الدقائق، ثم-أخيراً- ها هي حمرة الشفق تنثر لونها الحبيب على سفح التلة، وكأنني رأيت عصفوراً مرَّ كالسهم فوق شجرة اللوز القريبة فتأكد الديكُ عندها أن الصباح قد حلَّ حقاً.. تنحنح قليلاً، ثم أطلق لنفسه العنان يصيح ويصيح..

ولشدة ابتهاجي رحتُ أقلده وأنا أجمع ما أحتاج من لوازم خلال معسكري الصيفي، فما أحسست إلا وأمي تقف خلفي وهي تضحك وتقول:

نعم يحقُّ لك أن تلقّد صياح الديك، فأنت أكثر نشاطاً منه هذا الصباح!

كانت ساحة المعسكر تبدو مثل سجّادة خضراء من العشب الطري اصطفت حولها عشراتُ الخيام الملونة بلوحات رسمها أولادٌ كثيرون جاؤوا قبلنا فبدتْ مثل معرض أنيق للرسوم!

فها هنا رفٌّ من طيور النورس البيضاء يفصل زرقة السماء عن زرقة البحر. بينما رسم أطفال آخرون على خيمتهم أعرابياً يقود جملاً له لونُ الصحراء، فيبدو وسطها مثل سفينة حقيقية تشقُّ بحراً من الرمال!

وهكذا عرفنا أن أطفال الوطن جميعاً يلتقون هنا، من الساحل، من الريف، أو حتى من البادية البعيدة..

يعيشون معاً ثلاثة أسابيع من النشاط والفرح. ثم يعودون إلى بيوتهم لتأتي أسراب جديدة من الأولاد، فيبقى المعسكر مثل خليّة نحل لا تهدأ طوال أشهر الصيف ولا تسكن لها حركة، حتى الجنادب وفئران الحقل التي تغريها أعشاب المرج الطرية وظلال الأشجار الرطبة لا تجرؤ على أن تقترب من هذا المكان الذي يضجُّ بالأغاني والموسيقا ليلاً ونهاراً..!

منذ مطلع الفجر كان النور يفتح باب الخيمة، ويغسل وجوهنا برطوبة الصباح المنعشة.

إنها المرة الأولى في حياتي التي يتسنّى لي فيها أن أقضي أياماً طويلة خارج البيت، وكنت أسّجل في ذاكرتي كلَّ لحظة أعيشها هنا، وأتخيل أفراد الأسرة وهم يتحلّقون حولي لأروي لهم ذكرياتي مثلما كان أخوتي الكبار يفعلون وأنا أقول في سرّي: متى أصبح مثلكم وأذهب إلى المعسكر الصيفي؟!

متى أقصُّ على الآخرين مثل هذه الحكايات الرائعة؟!

حين عزف البوق لحنه العذب أول مرة ركضت مع رفاقي نحو قيادة المعسكر، ورحنا نصطفُّ أرتالاً منتظمة ثم يأتي صوت القائد مليئاً بالمحبة والثقة:

انتبه، استعد!

فارتعدتِ الأرض تحت أقدامنا الصغيرة كما لم يتوقع أحد من المدربين المنتشرين أمام الصفوف ورأينا ابتسامات الرضا عنّا والإعجاب بنا ترتسم على وجوههم!

ثم هتف القائد بمكبّر الصوت:

رفاق، إلى العلم!

ما أروعَ تلك اللحظة حينما انخطفتْ أيدينا في حركة واحدة ترتفع إلى جباهنا، نحيي علم بلادنا الحبيبة وهو يخفق هناك على ساريته في أعلى المبنى فخوراً بألوانه الزاهية وبالنجمين اللذين يتوسطانه بكل اعتزاز، بينما نحن جميعاً نردد كلماتِ النشيد الوطني:

حماة الديار عليكم سلام

أبت أن تذل النفوس الكرام

حتى الركضُ يصير ممتعاً في المعسكر حيث ننقسم زمراً ننغّم على وقع خطواتنا هتافاتٍ وأناشيد حماسية نرددها مع مدرّبينا الأقوياء، فتسمع الأولاد يهتفون مثل جنود مدرّبين أحسن تدريب..

يقول المدرب: أحد، اثنان

فنرد عليه: صاعقة.

- ثلاثة

- وطني

- أربع، خمس

- نحو الشمس!

فإذا انتهت فترة الرياضة تراكضنا إلى مياه المسبح العذبة، حيث انسكبت زرقة السماء كلها فيه فبدا يغرينا بالنزول إليه، وعندها يرتفع رذاذ الماء فيغمر وجوهنا ونحن نلهو ونستمتع..

ومع كل هذا المرح والنشاط الذي يملأ كل دقيقة من يومنا كنا ننتظر المساء بكل شوق ولهفة فما أن يحلّ الظلام حتى تضاء المنصّة بعشرات المصابيح الملونة فترحل العتمة عن كل باحة المعسكر لتبدأ حفلات السمر المُمتعة حيث ينقضي الوقت بأسرعَ من رفّة الجفن، فمن الموسيقا والأغاني التي يؤديها الأولاد في المعسكر إلى المشاهد الفكاهية فلا تسمع إلاّ الضحكاتِ تنطلق من هنا وهناك!

وحتى الآن لا أزال أذكر كم ابتهج الحضور حين نفّذ الأولادُ مسابقةً فريدة في نوعها فراحوا يتبارَون في التهام أكبر عدد من الكعكات المغموسة باللبن وقد تدّلتْ من سقف المسرح بارتفاع يفوق قاماتِهم بعد أن قيّدوا أيديهم، فكانوا يقفزون واللبنُ يقطر من ذقونهم!

لقد قصصتُ هذه الحوادث وغيرها عشراتِ المرّات على أفراد أسرتي، وفي كل مرة كانوا يضحكون ويرّبتون على كتفي، ودائماً كانت أختي الصغيرة" لمى" أكثرهم فرحاً وحينما كنت أصل إلى مسابقة الكعك واللبن تمسك يدي وتسألني:

هل تظن أنه بقي شيءٌ من ذلك الكعك اللذيذ؟!

فأنا سأذهب إلى المعسكر قريباً!

أم أن رفاقك الأولاد قد التهموه كلّه

فأضحك وأطمئنها أن هناك كثيراً جداً من الكعك واللبن

عندها تبتسم لي وتقول:

هيّا أكملْ حكايتك الحلوة!. 

 

 

قصة... ليست للكبار

 

في  الحقيقة لا أريد أن يقرأ قصتي هذه أحدٌ من الكبار، فأنا أعرفهم جميعاً، إنهم غريبون جداً، فهم عبوسون لا يضحكون إلا عند الضرورة، ويكرهون أن يروا الأطفال يلعبون ويضحكون كما يحلو لهم.

وأنا حتى الآن، وقد صرتُ على حدود السنة التاسعة من عمري، لكني لا أفهم لماذا يمنعني الكبار من عمل ما أحبّه وهذا يزعجني جداً... جداً.

فمثلاً إذا امتدت يدي إلى أحد الرفوف لأعرف ما فوقه، وقبل أن تصله يدي أسمعهم يهتفون بي: يا ولد! انزل، ماذا تفعل عندك؟!

أعد الكرسي كما كان.....

فأسرع لأعيد الكرسي الثقيل بعد أن تعبت في سحبه. وليت هذا وحده يحدث، فأنا كلما جلست أمام التلفاز لأشاهد أفلام الرسوم المتحركة التي أحبّها، تبدأ الأصوات تصل إلي بسرعة الريح: حسام، حبيبي، ألا يكفيك ما شاهدت؟!

أو: كفاك هذا اليوم يا حسام، هيا لتكمل دراستك....

وانهض متثاقلاً إلى كتبي، فأرى((توم)) يسخر مني ويهزأ وهو يمدّ لي لسانه الأحمر مثل قطعة من اللفت المخلل وكأنه يقول: حسام عد إلى التلفاز لترى كيف سأغلب((جيري)) الفأر الشقي، وأنتقم منه، وأهمّ أن أسرع ملبيّاً لكن صوت أمي يعيدني إلى انتباهي من جديد:

هل بدأت تدرس؟ فأقول: نعم يا أمي، بدأتُ منذ زمن، هل تريدين أن تَري بنفسك؟

- نعم بعد قليل، ريثما أتمّ تنظيف الصحون وترتيب المطبخ.

أنتم تعرفون كم أحبّ مشاهدة أفلام الرسوم المتحركة، فأنا أعتبر شخصياتها أصدقائي، وهم يعرفونني مثلما أعرفهم، لذلك فأنا أجلس أمام التلفاز، وأضع كتبي إلى جانبي وبالقرب منها دفاتري وأقلامي، فإذا كان أبي يقرأ صحيفة كالمعتاد بعد عودته من العمل، انظر إليه وأعجب كيف إنه يجلس بهدوء تام كل هذه الفترة، منشغلاً تماماً بهذه الصحيفة التي لا يملّ من قراءتها.. فأسأله:

بابا، متى تبدأ الرسوم المتحركة؟ فيجيبني دون أن ينظر إلي: اكتب واجباتك الآن. لكنني ألحّ: بابا، يعني نصف ساعة، صحيح؟

- نعم، اكتب يا بني

- افتحُ الكتاب، وأنظر إلى صفحاته، فأرى الكلمات المكتوبة مثلما ودّعتها بالأمس، لا تزال تبتسم... وأقرأ بصوت مسموع: الدرس قراءة... في السوق...

"ذهب محمد وأخته هيفاء إلى السوق. كان الوقت صباحاً، والشارع مزدحماً بالمارّة والدواب، ويرتفع صوتي أكثر، لكن أبي يقاطعني:

حسام... ألا ترى أنني أقرأ؟ أخفض صوتك يا بني...

- نعم أبي... ثم أعود لأسأل سريعاً: بابا، ما معنى كلمة دواب؟

- تعني كل الحيوانات التي تدبّ، أي تسير على أربع مثل الخيول والحمير...

- لكن أليست هذه هي المواشي؟

لا المواشي هي الأغنام والماعز، وما شابه.

- أف، ما أصعب اللغة العربية! غريب!

- لا يا حسام، يقول أبي وهو يبتسم، لغتنا من أوضح اللغات مع أنها غنية ورقيقة، غداً عندما تكبر أكثر ستعرف هذا جيداً، وأظنك ستحب كثيراً أن تقرأ القصائد والقصص المكتوبة باللغة العربية فتعرف براعتها وعذوبة معانيها.

- نعم شكراً لك يا أبي... وأعود لأقرأ:

"وقف محمد وهيفاء عند محلّ لبيع الخضار.." فأشم رائحة الجزر والبندورة والقرنبيط تفوح من بين صفحات الكتاب فأسأل أمي:

- ماما، هل لا يزال عندنا جزر؟ وقبل أن أسمع جوابها، يأتيني صوت أبي: حسام، عدنا نرفع صوتنا؟ اقرأ بهدوء.

ألم أقل لكم؟! إنهم الكبار دائماً! لماذا لا يتركوننا نقرأ ونتكلم بصوت عال؟ فلا تسمعهم إلا وهم يوزّعون الأوامر:

اهدأْ يا ولد. دعْ لعبة أختك. كم صرفتَ من النقود؟ ثم ألم تنمْ بعد؟!

هيا أطفئ النور، وإلا فإنك سوف تتأخر في النهوض باكراً صباح الغد... وأنتم تعرفون البقيّة.

كلّ هذا يظلُّ بسيطاً لو أنهم لا يتهموننا-نحن الصغار- بكثرة الكلام وزيادة المطاليب! بالأمس قلت لأبي: بابا ماذا تعمل أنت؟

- هذه عاشر مرة تسألني هذا السؤال يا حسام، لا أظن أنك نسيت أنني معلّم.

- لا، فقط نسيتُ ماذا تعلّم

- كيف تنسى ذلك وأنت ولد ذكي وتلميذ مجدّ؟ إنني أعلّم اللغة الإنجليزية.

- للبنات أم للصبيان؟

- لكليهما...

- بابا، أنت محظوظ.

- لماذا يا ترى؟!

- لأنه ليس لديك واجبات للكتابة ثم أن لديك وقتاً كافياً لمشاهدة الرسوم المتحركة.

- لا، أنت مخطئ.. فأنا لديّ دائماً كثير من الواجبات ألا تراني أحضّر الدروس التي ألقيها على الطلاب كلّ يوم؟ ثم أنت ترى كم من الدفاتر أجلب معي إلى البيت لأصحّح وظائف الطلاب، ولكن يا حسام أنت تعلم أنني لا أشاهد برامج التلفاز إلا في أوقات الفراغ والراحة....

- أبي هل تسمح لي بسؤال؟

- نعم، تفضّل

- هل صحيح أن والد صديقي عدنان رائد فضاء؟

- من قال لك ذلك؟

- عدنان هو الذي أخبرني أمس أن أباه خبر أشكالاً وأنواعاً مختلفة من المراكب الفضائية حتى أن إحداها تشبه شبهاً غريباً قطعة شوكولا محشوّة بالبندق، وعلى ظهرها خطوط بيضاء مثل الحليب...

ورأيت أبي يخبّئ وجهه خلف الجريدة ويضحك... فأعود لأسأله:

- بابا، لماذا تقرأ الصحيفة كل يوم؟

وأسمع صوت أمي يناديني من الغرفة الأخرى.

- حسام، دع أباك يرتحْ، وكفاك أسئلة، ألا ترى أن أباك متعب.

- متعب، ويقرأ؟! أمر غريب حقاً!

أنا متعب لأنني أقرأ، المتعب، حسب ما أعرف، يجب أن يرتاح، فيصغي إلى الموسيقا، يشاهد التلفاز، يروي قصصاً عن عالم الفضاء المدهش، أو حتى يسمع آخر النكات! ... وأنا أيضاً متعب يا أمي، هل يمكنني أن أرتاح قليلاً؟ لم تسمعني، كنت لا أزال أرى((توم وجيري)) يركضان على صفحة كتابي المفتوح، بينما اختفى محمد واختفت أخته هيفاء، ولم تعد أكوام الجزر والبطاطا موجودة.........

وأخيراً سمعت أمي تدعوني إليها: حسام تعال... فأسرعت إليها في المطبخ حيث كانت رغوة الصابون تغمر يديها حتى المرفقين، وقبل أن أعرف ماذا تريد مني سألتها:

- ماما، أتسمحين لي باللعب معك؟

- أية لعبة تقصد؟

- برغوة الصابون

- لكني لا ألعب، أنت ترى أنني أنظّف الصحون

- إذاً دعيني أساعدك

- إذا أردت أن تساعدني حقاً فاذهب وانظرْ هل لا تزال أختك نائمة.

- حاضر يا أمي.

وحين عبرتُ مسرعاً مثل الزوبعة اصطدمتُ بصحيفة أبي التي كان لا يزال ينشرها أمامه، فأصدرتْ صوتاً خشناً، وفتحتُ باب الغرفة التي كانت أختي تنام فيها بكل هدوء ولكن رغم ذلك اعتقد أنني سمعت فرقعة وصريراً مزعجاً حتى أن أختي فتحت عينيها فجأة مثل عيني فأر مذعور، وحين لمحتْني راحت تجهّز نفسها للبكاء وهي تضم فمها حتى صار قريب الشبه بالرقم(4) مقلوباً إلى الأسفل عدتُ لأخبر أمي، فاصطدمتُ، بصحيفة أبي مرة ثانية، وسمعته وأنا أمرق كالسهم ينتهرني: انتبه يا ولد!

كانت أمي قد فرغت من تنظيف الصحون، وراحت تجفف يديها، تناولتهما، وبدأت أقبّلهما قبلاتٍ سريعةً، وأشرت لها أن تقرّب وجهها مني ففعلتْ، فهمستُ في أذنها:

- ماما، لقد استيقظت أختي.

- آه ياله من خبر مفرح حقاً! ماذا تريد مكافأة لك؟!

- لا حاجة للمكافأة يا أمي.

فابتسمتْ وقالت: تعال معي.

وقادتني إلى غرفة النوم حيث بدأت أختي الصغيرة تزحف باتجاه الباب، وعندما سمعت صوت أمي راحت ترتل: أمّا، أمّا، كغّي.

فانحنت أمي وأجلستها في حجرها وقبّلتها وأنا لا أزال أتعلّق بثيابها ثم فاجأتُها بسؤالي

- ماما، لماذا عينا أختي مثل عيني الفأر؟

- اسكت الآن، واذهب لتجلب كتابك.

خطوتُ ببطء نحو غرفة الجلوس، وكأن أبي مستغرقاً في مشاهدة الأخبار على شاشة التلفاز، وقد طوى الصحيفة إلى جانبه، توقفتُ خلفه دون أن يشعر بوجودي ثم سألته:

- أبي، لماذا تشاهد الأخبار دائماً؟ إنها ليست ممتعة.

- آه يا بني! كم مرة قلت لك لا تتحرك في الخفاء، لقد أزعجتني!

- كنت أريد أن أمرّ من أمامك ولكنني خفتُ أن أسقط صحيفتك، ومثل عادته دائماً راح أبي يضحك وهو يغمغم: ولد شقي حقاً! فطوّقتُ عنقه وأنا أضحك محتجّاً.

لماذا الأخبار وليس أفلام الكرتون؟! أنا لا أحبّ الأخبار. فهل تحب أنت ما تعرضه من حروب وقتل ودمار؟! أنا أكره الأخبار! فيقول أبي:

- صحيح يا بني، ولكن لابد لنا أن نعرف ماذا يحدث في العالم الكبير حولنا، إنه واجب علينا، نحن الكبار، وإلا فإننا سنكون جاهلين!

- الكبار؟ إن أمرهم غريب! أما أنا فمن جهتي يكفيني أن أعرف أن محمداً وأخته هيفاء قد ذهبا إلى سوق الخضار، واشتريا كثيراً من الجزر والبطاطا والفول عدت بالكتاب فرأيت أمي قد انحنت فوق سرير أختي، وراحت تهدهدها وتغني بصوت عذب، طالما أحببته لما فيه من رقة وحنان وبخاصة هذه الأغنية:

[[ عند الصبح....... العصفورةْ

هدّتْ عَ الشباكْ

لمّا الساعة المسحورة

غنّت تك تك تاك

هذي البنت الأمّورة

صحيتْ ع بكّير

قالت: ياللّه يا حلوه

لنرَفرفْ ونطيرْ....]]

بقيتُ واقفاً ساكناً ريثما انتهت الأغنية، وأطبقت أختي جفنيها وهي تبتسم، فتناولتْ أمي يدي وقادتني قائلة: هل جلبتَ الكتاب؟ حسناً تعال لنرى كيف حفظت درس القراءة.

- نعم يا أمي، حفظته جيداً، ومعلمتي تقول دائماً إنني سأظلّ الأوّل بين تلاميذ صفّي، فأنا أقرأ جيداً، حتى أنني حفظت بعض الدروس غيباً، هل تريدين أن تتأكدي؟ ها أنا أغلق الكتاب، وتفضلي اسمعي:

[[في السوق، ذهب محمد وأخته هيفاء إلى السوق.. كان الوقت صباحاً....]]

لكن يا أمي متى سنذهب نحن إلى السوق؟ ضحكت أمي وقالت:

قريباً إن شاء الله، وما دمتَ مجتهداً ومتفوقاً، فهيا بنا نقرأ شيئاً آخر غير الكتاب المدرسي، لقد جلبتُ مؤخراً بعض الكتب الثقافية، وأريد أن تساعدني في قراءة بعضها.

- أمي، ما معنى ثقافية؟

- إنها غير الكتب التي ندرسها في المدارس وهي تساعدنا في زيادة معارفنا وعلومنا، ثم إنها ترهف حواسنا وتجعلنا نحب الخير وننفر من الشر والقبح، هل تفهمني؟

- طبعاً يا أمي!

- ويجب أن تعرف كذلك أن حياتنا هذه لا مكان فيها إلا للمتعلمين والأذكياء ومن غير القراءة لا يمكننا أن نحقق أهدافنا وطموحنا، أليس كذلك؟

- نعم يا أمي، أنا هدفي في الحياة أن أكون رائد فضاء، لكن أمي، بماذا يتسلّى روّاد الفضاء في أوقات فراغهم؟ هل في المركبة الفضائية جهاز تلفاز؟

ويا لها من كلمات قالتها أمي، إن صداها لا يزال يرنّ في أذني، فقد كانت خارجة من القلب تماماً مثلما أغنياتها الرقيقة لأختي:

- يا بنيّ، لا يمكن لأحد أن يصير عالماً أو طبيباً أو رائد فضاء إلا بالتعلّم الجيد والمثابرة على قراءة الكتب الكثيرة، وليس بقضاء الوقت في مشاهد التلفاز.....

حتى هذا الجهاز العجيب الذي تحب، هل فكّرت يوماً من الذي اخترعه؟ إنه ليس شخصاً جاهلاً حتماً من ابتدع ذلك الجهاز المعقّد والعظيم!

إنه العلم يا ولدي طريقنا الوحيد للاكتشاف واختراع كل ما هو جديد ومفيد ولا سبيل إلى العلم إلا بالقراءة، القراءة الدائمة التي سريعاً سنكتشف لذّتها الرائعة، وهذا لا يتحقق إلا بعد أن نتّخذ الكتاب صديقاً حميماً، ومن هنا فالواجب يقتضي أن نعامل معلمينا باحترام لأنهم يرشدوننا إلى طريق الحياة العظيمة، وأنت تعرف كم يحبّ الناسُ أباك ويحترمونه لأنه معلّم مخلص.

- وأنا أحبّه وأحترمه يا أمي رغم أنه لم يعطني مصروف العطلة

- حسام، العطلة لم تأتِ بعد، فلا تكن لجوجاً، ثم إن النقود موضوعة في درجك منذ يومين!

- صحيح؟ عن إذنك يا أمي، سأسقطها في حصّالتي وأعود إليك سريعاً.

وأثناء مروري بالمكتب كان أبي ينثر أوراقه ويدوّن عليها بخطّه الأنيق كلمات يكتب بعضها من اليمين وبعضها الآخر من اليسار، فسعلتُ سعلة خفيفة ثم اقتربت منه وقبّلته قبلةً على خدّه الأيمن وقبلةً على خدّه الأيسر، فقبّلني وهو يقول: مصروفك في درج المكتب.

- نعم شكراً لك يا أبي، ولكن إذا أنا ادّخرت كلَّ مصروفي حتى نهاية العام فهل سيتجمّع لديّ مبلغٌ كبير من النقود؟

- مبلغ كبير؟ وما حاجتك إليه يا ترى؟!

- قل لي يا أبي هل هذا ممكن؟

- ربما إذا لم تسرف في الإنفاق وشراء الحلوى.

- لن أشتري شيئاً من ذلك بعد اليوم وسأحتفظ بكل فلس

- ولكن لم تقل لي سبب هذا الحرص! هل تفكر بمشروع ما؟!

- نعم لقد عرفت اليوم أن هناك ما هو أثمن من كلّ شيء فقررت أن أشتري كثيراً من الكتب، ليكون عندي مكتبتي الخاصة فأنت تعرف يا أبي رائد الفضاء يجب أن يكون مثقفاً، ومن غير قراءة الكتب كيف يمكنه أن يحقق هدفه؟!

كما أنني أعتقد أن التلفاز يؤذي العينين، وشاشته تبث أنواراً ضارة جداً، أليس كذلك يا أبي؟ لكنه لم يجبني لأنه راح يضحك بصوت مرتفع، بينما وقفت أمي إلى جانبه تشاركه الضحك، والدموع تتساقط من عينيها. لكن أتراني قلت شيئاً غير صحيح؟ ربما...

إن الكبار لا يقولون كل شيء بصراحة، بل يكتفون بإخفاء وجوههم والاستغراق في الضحك. وهكذا رحت أضحك مع أمي وأبي وأضمّهما وأنا أراهما في غاية الفرح والسعادة.

لقد كان مجرد الحديث عن الكتب والقراءة يجعل الفرحة ترفرف في بيتنا مثل طائر أبيض أليف يحطّ على أيدينا وأكتافنا ولا غرابة في ذلك أبداً، فلقد عرف أبي وأمي على السواء معنى العلم والثقافة وعاشا لذاتهما، فكان كل منهما ناجحاً في دراسته ثم عمله، حيث اصطفّت الشهادات فوق جدران بيتنا مؤطّرة بأُطرٍ ذهبية وفضّية لامعة، وممهورة بأختام تحمل أسماء وزارات وإدارات عُليا.

بينما ترى فوق أحد الرفوف صورة لأبي وهو يتسلّم إجازته الجامعية ويرتدي الزيّ في احتفال كبير، ورجل ذو نظارتين يصافحه ويبتسم.

وتفخر أمي بجائزة نالتها عندما صممت نموذجاً لمدرسة حديثة تحيط بها حديقة غنّاء.

ولا يزال نموذج مصغّر لهذا المشروع يعلو أحد الأدراج يشهد ببراعة أمي ومهارتها، فكانت حتى اليوم تهتّم به جداً فتمسح عنه الغبار بفرشاة كبيرة من ريش ناعم، وأراها تقف أحياناً لتتأمل هذه التحفة البديعة.

وأذكر الآن أنني حين طلبت من أمي أن تعيرني هذه الدمية، وكنت لا أزال بحجم الفرخ الصغير، قالت أمي بحزم: آسفة يا حبيبي، هذا ليس لعبة!

وقتها حزنتُ قليلاً، ولم أعرف لماذا تقول أمي ذلك، بينما تلك الدار الصغيرة التي بَنتْها تشبه اللعبة حقاً. أما الآن فقد نسيت كل ذلك ولم أعد أحتاج إلاّ شيئاً واحداً.

نعم أن تصنع أمي مركبة الفضاء التي سأقودها أنا والذين سيرافقونني في رحلتي إلى الكواكب. وفي الحقيقة سألت أمي مرة:

هل ستصنعين مركبتي يا أمي؟

فقالت وهي تبتسم:

أنا يا بني مهندسة، أصمم المباني والجسور والإنشاءات أما مراكب الفضاء فإن مهندسين صناعيين وفنّيين يقومون بذلك، ولكن يا حسام لماذا اخترتَ مهنة رائد الفضاء؟

- لأن بذلته تعجبني!

- فقط؟!

- لا، ليس فقط، بل يعجبني كذلك الصعود إلى الفضاء والهبوط على كواكب غريبة من أجل اكتشافها، وتخليص الأرض من خطر الأعداء الذين يأتون لتخريبها.

- ومن قال لك إن الأعداء يأتون من خارج كوكب الأرض؟

فيجيب أبي وقد انتبه إلى حديثنا: رأى ذلك في أفلام الرسوم المتحركة ربما!

- نعم يا أبي، طبعاً

- آه يا بني! متى ستقول لي: قد قرأت ذلك في كتاب؟ متى سيحين ذلك اليوم؟!

تقول أمي: إنه لا يزال صغيراً!

- لا إنه كبير بما يكفي ليبدأ باتخاذ القرارت المهمة. وفي الحقيقة حينما سمعت هذه الكلمات، أحسست أن قامتي طالت عدة سنتمترات، وصارت أطول في اليوم التالي عندما دخلتْ المعلمة غرفة الصف، وأعلمتنا أن صباحنا سيكون ممتعاً كما نحب لأننا سنبدأ يومنا بالرسم.

وراحت تنثر بين أيدينا الألوان والورق المقوّى ثم رأينا بسمتها العذبة وهي تخاطبنا برقّة وحنان: أحبائي، هل تعرفون ماذا سترسمون؟

- ماذا يا معلمتي؟ - هتفنا بصوت واحد

- أريد أن يرسم كل واحد منكم لوحة تعبّر عن أمنيته في المستقبل، وماذا يحب أن يكون

- ولكن يا معلمتي، هذا صعب!

- اهدؤوا.. لا يهمّ، جربّوا على الأقل، ومن يجد ذلك صعباً فليقل، أم أنكم لا تعرفون ماذا تريدون أن تكونوا عندما تكبرون؟!

وقبل أن تنهي المعلمة كلامها، كان خطّان متوازيان قد احتلا لوحتي ثم جعلتُهما يلتقيان برأس حادّ مثل قلم الرصاص المبريّ جيداً، ورحتُ أقسّمه قطعاً متساوية ثم رسمت بجانبه عموداً يشبه السلم، ووصلت بينهما وأنا ألتقط أنفاسي واثقاً من أنني سأنجح.

ورحت أتأمل لوحات رفاقي المنتشرين حولي، كان أحمد لا يزال ينسى نفسه، فحينما يبدأ الكتابة أو الرسم يقرّب وجهه من الورقة حتى يكاد يلتصق بها، مما حجب لوحته فقلت له فجأة:

- أحمد، ارفع رأسك قليلاً من فضلك، إن هذا يضرّ بعينيك! فانتبه، وشكرني، بل تقدم ليرى ماذا رسمت بينما بدا في لوحته جنديٌّ بعينين كبيرتين مدورتين تشبهان عيني عمي سلطان المحارب العتيق الذي حارب الفرنسيين بالعصا. أما الجندي الذي رسمه أحمد فقد علّق على كتفه بندقية حديثة وحوله تناثرت طائرات حربية ودبابات، وبعضها بدأ يطلق النار فعلاً من مدافعه، حيث انتثرت حزمة من خطوط سوداء متصلة بفوّهات المدافع مثل انفجار القذيفة، قلت:

أحمد، ما هذه اللوحة الحربية؟ أنت تحب القتال؟

- نعم، هذا ما أحلم به، سأصير ضابطاً كبيراً في جيش الوطن، أحمل السلاح وأدافع عن أهلي وأخوتي.

فاجأني كلامه حقاً، فبالأمس فقط كان أحمد يبدو رفيعاً مثل قلم الرصاص، بشعره الأسود المنسدل على جبينه، وثوبه المدرسي الواسع الذي يبدو وكأنه أُعدّ لولد أكبر منه بكثير رأيته الآن كبيراً حتى أن ثوبه قد ضاق عليه...

كانت المعلمة تراقبنا عن قرب، وتوزع ملاحظاتها وتعليماتها، وحين سمعت همسنا اقتربت منا أكثر، وهتفت حينما رأت لوحتي:

منصّة إطلاق الصواريخ؟! حسام، هذه لوحة جميلة، ثم جلست بجانبي وأخذت تسألني بينما صديقي أحمد يصغي إلينا:

- هل تعرف أين تقع المركبة الفضائية؟

- طبعاً يا معلمتي! إنها في مقدمة الصاروخ.

- صحيح تماماً، وما فائدة الصاروخ إذاً.......؟

- إنه يحمل المركبة إلى مدارها في الفضاء الخارجي حيث تبدأ الدوران حول الأرض.

- آه، أنا الآن مطمئنة إلى أنك ستصبح رائد فضاء ناجحاً ولكن هل يمكنني أن أرافقك في رحلتك الأولى؟ إني أحب اكتشاف العوالم الجديدة.

- لا أعتقد يا معلمتي، فروّاد الفضاء يخضعون لتدريب قاس يبدأ في مراحل العمر الباكرة، ويمكنك أن تسألي أحمد على كل حال.

كان أحمد قد لوّن المساحات كلّها في لوحته حيث صبغ الطائرات المحترقة بلون أسود فبدتْ لوحته كاملة مما جعل المعلمة تربّتُ على كتفه وهي تقول:

وهذا فنان آخر يعرف كيف يرسم، وكيف يدافع عن الوطن. ورأيت أحمد كبيراً بما يكفي ليبدأ باتخاذ القرارات المهمة، لقد صدق أبي، فنحن لم نعد صغاراً.

نسيت أن أخبركم أنني أحب مدرستي جداً، وأحترم معلمتي الغالية، وبما أنكم لا تعرفونها فسأروي لكم قليلاً عنها:

إنها رقيقة وطيبة القلب أكثر مما تتصورون والأهم أن لها صوتاً عذباً يذكّرني دائماً بصوت أمي، ولهذا فكثيراً ما رجوناها أن تغنّي لنا من أناشيد الكتاب المدرسي حتى خارج حصص الموسيقا، كانت أحياناً تعتذر فتقول برقة إن صوتي متعب يا أحبائي فاعذروني، ولكننا نلحّ كالعادة دائماً: لا بأس، غنّي لنا أغنية واحدة.

- طيّب، ماذا تريدون؟

- طبعاً أغنية((وطن العصفور))

ويبدأ صوتها ينساب مثل جدول رقراق ينثر رذاذه على أوراق العشب، فتتلامعُ القطرات وتزهو الأوراق مثل سيوف خضراء صغيرة، وهي تشير بيديها مثل جناحي العصفور العائد إلى وطنه البعيد ليبني عشّه بين أكمام الزهر والخضرة، بينما كنا نصغي إليها ونرى في خيالنا رفّاً من العصافير الملونة كرهتِ الغربة والعيش بعيداً عن وطنها، فقررت أخيراً العودة مهما زادت الأخطار، ومهما قاست من البرد العذاب، لأنهم دائماً يقولون:

إنّ من لا وطن له ليس له حياة ولا كرامة! فإذا انتهت معلمتنا من الغناء رحنا نصفّق لها تصفيقاً منغّماً ونشكرها شكراً جزيلاً.

رفعت يدي مستأذناً بالسؤال.

- تفضل يا حسام ما بك؟

- معلمتي، هل صغار العصافير زغاليل؟

- نعم، أحسنت، ابن العصفور زُغلول وابن الدجاجة فرخ وهو ما ندعوه بالكتكوت، وفي هذا المجال، من يعرف ما اسم صغير الخيل؟ فسكتنا لحظة، بينما دار في ذهني شريط طويل من الرسوم المتحركة، ثم بزغت الكلمة فجأة، لكن قبل أن أرفع يدي مستأذناً بالإجابة، كان طفل يجلس آخر الفصل يهتف بصوته الرفيع كصوت المزمار: إنه المهر

- نعم صحيح، لكن أرجو أن تستأذن قبل الإجابة يا نزار.

- آسف يا معلمتي، قال الولد، ثم سأل:

- هل تعرفون ماذا نسمّي صغار الغزلان والذئاب والحمير؟

فرفعت المعلمة يدها وهي تضحك لأنها فعلتْ مثلنا حينما نستأذن بالإجابة وقالت:

- هل أجيب؟ صحنا بصوت واحد: نعم، نعم،

- إن صغير الغزلان هو الرشا، ويسمى صغير الذئب الدغفل ولكن يا أولاد هل بينكم من لا يعرف الجحش؟

- لا، لا، كلنا نعرفه.

- وما دمتم تعرفون كل هذه المعلومات فهيا نكمل لعبتنا بتذكر أصوات هذه الحيوانات اللطيفة منها والمتوحشة، ونبدأ بالسؤال عن صوت العصفور، ارتفعت الأيدي....

- نعم

- زقزقة

- البلبل؟ نعم

- تغريد

- أحسنتم، الأسد؟ هيا أحمد

- يزأر زئيراً

- شكراً لك، الذئب؟

- يعوي عواءً.

- أجل، الحمار ينهق فصوته هو النهيق لكن ما صوت الكلب؟

- الكلب ينبح فصوته(عو، عو) هكذا قال أحد التلاميذ وهو يضحك. فقالت المعلمة نعم هذا هو النباح! وشكراً لكم أيها الأحباء لأنكم تعرفون كل ذلك ولا ننس أن صوت أوراق الشجر حفيف، وصوت الأفاعي فحيح، ولكن في رأيكم ما أجمل حيوانات الغابة؟

- إنه النمر طبعاً.

- لا أقصد من الحيوانات الكاسرة، أو التي تأكل اللحوم، بل من الحيوانات العاشبة!

- إنه الغزال، أليس كذلك؟!

- صحيح هل تعرفون ماذا يسمى صوت الغزال؟ أعتقد أنكم لم تسمعوا به من قبل، إنه النزيب. فالظبي ينزب عندما يدعو رفاقه للرعي في المرج المعشب، وصوته لا يقل رقّة وجمالاً عن شكله. وخطر لي أن أسأل:

معلمتي، هل يمكن للظبي أن يتعلم الغناء؟ فضحكتْ وضحكنا بينما كان جرس المدرسة يقرع معلناً انتهاء وقت الدرس. إنه وقت الانصراف، وها نحن نشدّ حقائبنا إلى ظهورنا ونقف بانتظام لنحيّ معلمتنا ونخرج من القاعة واحداً واحداً كما عودتنا، فتعود أصواتنا تعلو ونحن نتحدث جميعاً في وقت واحد، فلا يعرف أحدنا ماذا يريد الآخر أن يقول، لكننا نعرف جميعاً أننا سعداء وأننا نحب معلمتنا ذات الخلق الطيب والصوت الرقيق، والتي تعرف كل أسماء أبناء الحيوانات وأصواتها بل كل شيء عنها! فخطر لي أنها لابد قد قرأتْ عدداً من الكتب، وربما تكون لديها مكتبة تحتلّ رفوفَها كتبٌ كبيرة وصغيرة، فإذا جلست في المساء تبدأ هذه الكتب تنزل وتشاركها جلستها لتؤنسها فتبدأ البلابل تغرد وسط حفيف أوراق الأشجار وخرير جداول الماء العذب، فتنزب الغزلان وهي تتسابق إلى الشرب، عندها تهمس معلمتي في سرّها:

ما أعظم الخالق! وما أرقى هذا الكون الذي خلقه منتظماً وحلواً، حلواً!

حين وصلتُ بيتنا، أحسست شيئاً غير عادي، فخشيتُ قليلاً حينما لم أرَ أمي تسرع لتفتح لي الباب وتطبع على جبيني قبلة ناعمة، فأسرع لأقبّل يدها ثم أسرد على مسمعها آخر أخبار المدرسة، وأروي لها عن معلمتي التي يشبه غناؤها غناء العصفور في الغابة.

ولا رأيت أختي تدفع عربتها، وتلهث باتجاهي فأقبّلها وأداعب ذؤابة شعرها المتدلية على عنقها. لقد كان الباب مفتوحاً مواربة، بينما اختفت أمي وأختي الصغيرة فلم يسرع أحد منهما لاستقبالي.. فناديت: ماما، لقد عدت.

وتوقعتُ أن تخرج من المطبخ مسرعة تجفف يديها بمئزرها، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، فقط ما لفت نظري بالون أحمر كبير راح يتدحرج أمامي في الممر، فاستغربت وجوده في مثل هذه الساعة!

أعندنا ضيوف؟ أم أنها ابنة خالتي الشقية رباب نسيته هنا وراحت تبحث بين ألعابي عمّا يعجبها أكثر؟!

وهممت بأن أمسك البالون الأحمر لكنه قفز متجهاً إلى داخل البيت حاولت مرة ثانية وثالثة ولكنه كل مرة كان يقفز قفزة سريعة كأنّ أحداً يشدّه إلى داخل البيت، لكن كيف؟ هل هو بالون سحري؟ فاشتقت إلى أكثر إلى أن أمسك به وأعرف سرّ هروبه منّي حتى أنني ركضت بسرعة فائقة نحوه ورغم ذلك لم أدركه بل قفز باتجاه غرفة الضيوف واختفى هناك. وحين خطوت وراءه كم كانت المفاجأة كبيرة حين رأيت أمي وأبي وكل أعمامي وأخوالي ينتظرونني حتى دخلت الغرفة فأخذوا يصفّقون بحرارة وهم يهتفون:

عيد ميلاد سعيد يا حسام......

مبارك ميلادك يا حسام الحبيب..

كل عام وأنت بخير أيها التلميذ المجتهد والحبيب..

عندها لمحت ابنة خالتي قد ربطتْ البالون الأحمر بخيط طويل شفاف أما الآن وقد نفّذتْ حيلتها، أخذت تضحك وتركل البالون الأحمر الكبير فيصدر صريراً حاداً ومزعجاً.

صافحتُ أهلي فرداً فرداً وشكرتهم من صميم قلبي على هذه الحفلة المفاجئة، حقاً إنه عيد ميلادي! ولا أدري كيف غاب كلُّ ذلك عن بالي! اليوم إذاً أخطو نحو العاشرة!

أحسست أن قامتي طالت أكثر قليلاً، وإن ابنة خالتي رباب بدت أصغر مما كانت قبل اليوم، نظرت إليها كانت لا تزال تداعب البالون الأحمر وتملأ القاعة بالصخب.

شخص واحد كان غائباً، ويحزنني غيابه جداً، إنها جدتي الغالية رحلت بعد شهر فقط من عيد ميلادي السابق ورحلتْ معها أجمل الحكايات التي كانت تقصّها علي، حكايات مدهشة، للغيوم فيها دموع من لؤلؤ تملأ جيوب الفلاحين، ولأشجارها قلوب تنبض فتدفئ العصافير القادمة لتبني أعشاشها بين الأغصان.

آه لكم، أفتقد جدتي الحبيبة! وقد اعتادت أن تهديني كلَّ عام حكاية جديدة ساحرة! سمعت أبي يعيدني من تخيلاتي: تعال يا حسام لقد حان وقت تلقي الهدايا، فتقدمت لتتساقط بين يدي أكوام من العلب والرزم المغلّفة بأناقة، وبينما كنت أمزّق الأربطة وأفتح العلب قفزتْ منها قمصان ملونة وألعاب مختلفة الأشكال والأحجام، وراحت القبلات تنهمر فوق وجنتي والدعاء بالعمر الطويل والصحة والسعادة، وأنا أردّ: شكراً خالي، شكراً عمي، شكراً يا عمتي شكراً لكم جميعاً.

أبي وحده كان لا يزال يقف بعيداً، وبعد ما هنّأني الجميع، مشى نحوي ثم أمسك يدي، وقادني باتجاه غرفة المكتب.

كان الباب مفتوحاً، وما إن دخلنا حتى سرّحت نظري باحثاً عن ذلك الشيء الجديد الذي يريد أبي أن يجعلني أراه. وسريعاً استقرّ نظري على خزانة أنيقة لامعة، توشّح لونها البّني برسوم ونقوش ذهبية، اصطفّتْ خلف زجاجها النظيف أعداد من الكتب المختلفة، وتدلّت فوق أحد الأدراج لوحة كتب أبي عليها بخطّه الأنيق:

[[ مكتبة حسام، مبارك عيد ميلادك ]]

بدأتُ أقفز مثل جدي صغير وأصيح شكراً بابا، شكراً ماما، شكراً لكم جميعاً!.

مضى ذلك اليوم الجميل، وأنا الآن أجلس قريباً من مكتبتي الحبيبة، أكتب لكم قصة، وأتمنى أَلاّ يقرأها أحد من الكبار، الكبار... أجل!

إنهم يعرفون كيف يقدمون الهدايا ولكنهم كذلك يزعجون الصغار دائماً وهم يأمرون:

افعل هذا، ولا تفعل ذاك.

 

أضيفت في 10/03/2006/ خاص القصة السورية

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية