أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 11/02/2009

الكاتب: رياض نصور / 1931-2006

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

ولد في حمص عام 1931.تلقى تعليمه الابتدائي والاعدادي في الكلية الأرثوذكسية- وأما الثانوي فقد درسه دراسة حرة.

بدأ الكتابة والنشر عام 1946.

ترجمت بعض قصصه إلى لغات أجنبية

شارك في مهرجانات أدبية وأمسيات متعددة.

  

مؤلفاته:

1-أشباح المدينة- قصص- دار الأجيال  عام  1969.- دمشق

2- في الغابة قصص - الشام للدراسات والنشر عام 1986 دمشق

3- اللصوص وعروس البحر قصص - اتحاد الكتاب العرب عام 1989 - دمشق

4- الحب الأول قصص -  دار ملهم عام 1994- حمص

5- الأقنعة قصص الأيام - عام 1995- الجزائر

توفي عام 2006

 

اللصوص وعروس البحر - لرياض نصّور

هذه مجموعة قصصية مكونة من ثماني قصص تقع في اثنتين وأربعين ومئة صفحة. وطُبعت في اتحاد الكتاب العرب. وهي المجموعة الرابعة لِـ(رياض نصّور) الذي كتب القصة القصيرة منذ خمسين عاماً. وكانت أولى مجموعاته "أشباح المدينة"، وصدرت في الستينيّات، ثم تلتها مجموعة "في الغابة" وصدرت عام 1986، ثم هذه المجموعة وهي من منشورات عام‏

 

1989. وكان آخر ما أصدره القاص (نصّور) مجموعته "الحب الأول ـ من قصص البديات"، وذلك في العام 1994، وصدرت عن دار ملهم بحمص.‏

 

وكان (رياض نصّور) قد نشر ما يربو على (300) قصّة في صحف ومجلات عربية، ولكنّه لم يجمعها كلّها. بيد أنَّ هذا الحجم الكبير من القصص يدلّ على تمرّس في هذا الفن جدير بوقفتنا هذه.‏

 

وكاتبنا يعد من الرعيل الأول الذي مارس كتابة القصة القصيرة في سورية. وقد كان وُلِدَ في حمص سنة 1931، وانتقل إلى اللاذقية عام 1948، وما زال يحيا فيها حتّى اليوم.‏

 

وانطباعات قارئ هذه المجموعة تدفعه إلى القول بأنَّ هواجس الكاتب فيها تراوحت مابين نقد للمغلوط في حياتنا، وتمجيد للصحيح فيها، ورصدٍ لحالات التأزُّم التي تلبّسها بعض الناس في بلادنا، سواء كانت نفسية، أَمْ اجتماعية أَمْ اقتصادية... وذلك من خلال تقنيات تعتمد على مَزْج الأحلام بالوقائع، وتدمير الأزمنة وخلطها. والاهتمام بعنصر المسرح في القصّة للكشف عمّا يدور في النفوس والأذهان من أحلام ورؤى.‏

 

بَيْدَ أن نَقْدَ الزَّيْف والخداع والانحراف، وهي رذائل سلوكية شائنة، كان الطابع الأبرز في هذه المجموعة. وقد تمثَّلَ ذلك في قصص (البطل) و(الطبل) و(صراخ) و(الصياد وليالي الفراق الطويلة)، و(اللصوص وعروس البحر).‏

 

ففي قصة (البطل) نرى الكاتب مُنْحازاً، وهو على صواب، إلى الجهد المخلص في سبيل نيل العلم وتحقيق الرفعة، وإلى الدرب الذي يسير فيه المُجِدّ المتفوّق الذي يرمي إلى خدمة وطنه ومواطنيه. ويمثل هذا الجانب الطبيب (إياد)، في حين يمثل الجانب المعاكس زميله (معين) الذي راح يمتهن الاتجار بالمهربات، ويعقد الصفقات المشبوهة، فيغتني بغيرِ وجهِ حقّ، هاهو ذا يمتلك السيارات الفارهة، ويتجبّر ويتعجرف ويتبهنس، ويسافر إلى أوربا، ويبحث عن تعدّد الزوجات، حتى إذا ما عَنَّ لإياد أن يزور (معين) ذات مرّة، وجدناه يرفض عرضه عليه أنْ يوظِّف مالَهُ لديه، ويخرج من عنده مغضباً، ويأبى أن يركب إحدى سياراته، ويُؤْثر السير على قَدَمَيْهِ على طريق طويل طويل، ولكنه صحيح صحيح... إذن نحن مع هذه القصة أمام نموذجين من الشباب: شاب طبيب ناجح وغير ثري، ولكنه قويّ جدَّاً، وقد لُقّب بالبطل، لأنَّه كان متفوّقاً في المدرسة، وشاب تاجر ثري متعجرف يعب من ملذات الحياة، لا يهمّه وطن ولا ناس ولا قيم. إذن هناك قوتان، قوة نُسِيْغها ونحييها ونُجلُّها، وقوة نَمُجُّها وننكرها ونزدريها.‏

 

وإذا كانت هذه القصة قد قامت على عرض طَرَفَيْن متناقضَيْن، فإن قصة (الطبل) تصوّر طرفاً واحداً هو (آغا) لا نعرف اسمه، له ثلاث زوجات، ويفكر بالزواج من الرابعة، واسمها (سعدى). و(سعدى) شابّة مخطوبة لابن خالتها (مروان)، ولكن لا قِبَل لمروان الفقير أن يقف في وجه (الآغا) الثري الجموح الطاغي، وهيهات لأبي سعدى أن يرد طلب (الآغا) أن يتزوّج من ابنته الغضّة (سعدى)، لذا نرى الأب يزفّ ابنته، ذات يوم، لتكون الزوجة الرابعة للآغا، الذي يغتصبها كثور متوحش، ولكن الصبية تهرب منه في الصباح، لتشارك في حلبة رقص أقامها شبان القرية الذين يهرع إليهم الآغا بسوطه. ولكن الشباب يستمرون في قرع الطبل ليحدث إيقاعاً للرقص، ويحمون (سعدى)، إلى أن يأتي حبيبها (مروان)، الذي كان يحمل بيده سكّيناً، وبدلاً من أن يغتال مروان (الآغا) الذي كان يحمل (سوطاً) يسوط به الشبيبة، المبتهجة، نراه يمزق (الطبل) الذي يشكل معادلا فنياً للآغا، قائلاً لزملائه المحتفلين: "اقتربوا لا تخافوا، انظروا إليه إنه طبل أجوف" ـ (ص 53)، ويسقط (الآغا) متهاوياً، وتحرّر منه (سعدى).‏

 

وحقارة الآغاوات لم تكن موضوع هذه القصّة فقط، بل كانت موضوع تشهير في قصة للكاتب بعنوان (أصدقاء طيبون) نشرها في مجموعته: ((الحب الأول))ـ (ص99-103)، مما يدل على أننا مع أديب يعبّر عن أصوات الفلاحين والفقراء والنزهاء. وقصته (الأقنعة) تثبت ذلك، ففيها يعرض الكاتب لوجهين من وجوه الحياة والناس ـ وجه مقنّع يغطّي، بقناعِهِ، زيفَهُ وغشَّه ومروقَهُ، فيصفّق للمارق المجرم الذي في عنقه أكثر من قتيل، وللجبَّار المتربّع على عرشٍ من جماجم الآخرين، ووجه سافر يعشق الحقيقة ويتطلع بعيونه إلى المصابيح المُتوهِّجه بعيداً عن الأرض الوسخة، وتعرض القصة ملامح (أخطبوطٍ) صارت البلد كلها لقمة سائغة في فمه، فجعل الناس كالصراصير تردد (عاش عاش، ويسقط يسقط)، ويبقى حلم الكاتب في حالة صراع مع الواقع، فهو يتمنّى أنْ ترفع الأقنعة عن الوجوه لتكون مضيئة كالنجوم في القبَّةِ الزرقاء (ص65).‏

 

وفي القصة الخامسة وعنوانها (صراخ)، يرصد الكاتب مظاهر الانحراف في الحياة، وسلوك الناس، ويخصّ هنا بالرفض لهوَ الشباب وطيشه، فثمة علاقة حب مرفوضة في مجتمعنا تسفر عن حملٍ لفتاةٍ لا يقبل حبيبها الزواج منها، بل يطلب منها إسقاط الجنين! وتتم الجريمة في حضوره، وتخرج الفتاة إلى دروب الضياع، في الوقت الذي يروح هو يلعق جراح روحه.‏

 

أما الانحراف الآخر الذي يُصَوّره في قصّته السَّادسة فتتمثّل بانصياع صيادٍ من صيادي الميناءِ لإغراءِ رئيس الميناء بتعاطي المهربات، وذلك طمعاً في غِنَى سريع، حتَّى إذا ما ألقى عليه خفر السواحل القبض، أُوْدِعَ السجنَ تاركاً وراءه زوجاً وأولاداً. وبعد أن يخرج الصيَّاد من سجنه الذي قضى فيه سنوات طويلة، يجد العالم قد تغيَّر، فقد صار بيته بناية، وتغيرت معالم المدينة ولم يستطع اللقاء بزوجته وولديه، وراح يبحث عن لقمة خبز يتبلّغ بها، ولكن الشرطة ظنت ـ خطأ ـ أنه يحاول السرقة، فألقت القبض عليه من جديد، في الوقت الذي كان فيه يروم الحصول على رغيف خبز من بائع متجول، فيلاحقه ليحصل عليه، ولكن هذا البائع اتّهمه بمحاولة سرقة سوار ذهبي اشتراه لابنته في عيد ميلادها.. وتنتهي القصة بأنْ يُوْدَعَ الصياد السجن من جديد!.. ويصل بائع الخبز المتجوّل إلى بيته ليحتفل بعيد ميلاد ابنته، وبهذه المفارقة بين الرجلين تبدو قيمة العمل النظيف وسموّ الموقف الشريف.‏

 

والحقيقة أن عرض الوجه والوجه الآخر، في الحياة لم يَرِدْ في قصة (البطل) وقصة (الصياد وليالي الفراق الطويلة ) فقط، بل وجدناه يتكرر أيضاً في القصة السابعة، وهي القصّة الّتي عُنْوِنَتِ المجموعة بعنوانها "اللصوص وعروس البحر"، فهذه القصة في الوقت الذي تدين الواقع إدانةً قويّةً لحيلولته دون تحقيق الأحلام، ودون إنضاج تجربة حب نقي صافٍ لم يشوّهه مال أو حاجة، تعرض صورتين لتجربة الحب، بوصفه ممارسة عملية في الحياة. وعلى الرغم من أن في ثناياها ما يدين الشاب المُحِبّ بعض الإدانة، إلا أن الكاتب، في عرضه وصوره وعباراته، وجَّه الإدانة لواقعه المرّ القاسي، متّخذاً من حبيبته (ليلى) أداة لذلك، فقد تعرّف ذلك الشاب على ليلى، ودعاها إلى قضاء ليلة حبّ وحنّان ولذّة معه، فلبّت النداء، وبعد أنْ أشبعا الشهوة، طلبت الفتاة الزواج منه، فقال لها: "وهل يتزوج مَنْ كان مشرّداً مثلي فارغاً من عطاءات الحياة، ضائعاً في منعطفات الخيبة، متخبطاً على الأرض العارية"؟. وعندما تقول له: تزوّجني، فأُخْلِص لك، أحبك أيها العفريت الغارق في أتون الفلسفة"، يجيبها: "أخاف منك.... أيتها الشمس الساطعة في حياتي أحبّك وارتجف خوفاً من ألسنة المغيب القادمة إليك" ـ (ص 113).‏

 

وقد كانت عبارة "الارتجاف من ألسنة المغيب القادمة"، إرْهاصاً بما سيقع لليلى، فقد انزلقت هذه المرأة إلى مهاوي الرذيلة، وراحت تبيع الهوى لكل عابر طريق، للصوص والأنذال والسماسرة، ولمديرها البليد الخمول... وكانت براثن الحاجة هي التي تدفعها إلى ذلك، مقابل حفنة من المال يتركها كل واحد.. لهذا عندما زارها الحبيب الأول، الذي قضت معه أول ليلة حبّ وحنان ولذّة، غادرها مُسْرعاً، ولحقت به رغم العاصفة والسيول، ولكنه رفض استقبالها في بيته قائلاً لها: "قدماك مُعبَّأتان بالطين وعتبتي نظيفة لامعة". وعندما عاتبها على مقايضة جسدها بالمال، بكتْ وخرجت، في حين ترامى هو على فراشه الخالي، في الوقت الذي كانت العاصفة في أقسى درجاتها، وانتهى حلمه الكبير وراءه بابه المغلق (ص122). وكما كان الشاب وحيداً ومُتْعَباً يمضغ واقعه القاسي في مطلع القصة، بقي وحيداً ومتعباً ومحبطاً يشكو موت أحلامه في نهاية القصة، فبين البداية والنهاية، إذن علاقة وثقى، فالأخيرة تعيدنا إلى الأولى، والإيحاء فيهما واحد، فالكاتب يريد أن يركز اهتمامنا على قسوة الواقع وبؤس الشباب، لذا يجتهد في أن يحرف إدانتنا لهم، إذ يفهمون الحبّ ممارسة عملية حياتية، لتنصب على الزمن الأعجف الذي قال فيه الكاتب وفي وَقْعِه على حبيب (ليلى): "يودّ التملّص منه فلا يستطيع، ويتمادى الواقع مُتلذّذاً بِسحقه، ويتركه هباءً منثوراً على الأرصفة البالية بقايا إنسان شِبْه مَيْت"-‏

 

(ص 109)، فالواقع المرّ الجافي الباعث للخوف والخيبة هو الذي أفسد الحب وحطّم الأحلام، وحال دون الزواج، وهذا بالضبط ما حدث لصاحب ليلى، ولليلى في الوقت ذاته، فالشاب رفض (ليلى)، لأنها لم تلتزم بعلاقته البريئة من المال والحاجة، وهي اندفعت في حمأة الرذيلة، ومزالق الملذات تحت ضغط الحاجة، ولأن حبيبها الأول لم يكن قادراً على الزواج منها، فهذه إذاً مأساة مزدوجة التأثير، ضحاياها شابٌّ وفتاة عاجزان، والواقع المرّ القاسي هو الذي سبَّبها وحاك خيوطها. وقد عزَّز الكاتب من وقع المأساة بإشراك الطبيعة فيها، فجعل العاصفة تقع في أقسى درجاتها بعد أن تَخْرج ليلى من بيت حبيبها باكيةً خائبةً مهزومة...‏

 

وفي القصة الثامنة نجد الكاتب يرصد حالة الضيق والتأزّم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في أواخر الثمانينيات في قطرنا. والقصة تحكي ظاهرياً قصة رجل فقد زوجته، ولكنها في الحقيقة ترصد واقعاً أليَمَاً مُزْرِياً مأزوماً، كان يُلمّ بالناس والأشياء عند كتابتها، فالزوجة هربت من بيت زوجها منذ شهرين، وراح هو يبحث عنها، وكان سبب اختفائها انعدام المواد التموينية في البيت، وقد قدّم الكاتب لمحة عن العائلة التي تكونت منذ ثلاثين عاماً، وفيها ثلاثة أولاد ورجل وامرأة وكان أحد الأولاد طبيباً. أما اسم الرجل فهو (عبد الله الحافي)، واسم المرأة (بحرية). وقد خرجت (بحرية) ومعها أساورها الذهبية... ويستغل الكاتب بحث الرجل عن المرأة ليصور لنا حالة الناس والأسواق في مدينته وفي كل المدن آنئذٍ، فالأفران تزدحم بطالبي الخبز الذين يمتدّ طابورهم أمتاراً، وعندما يُسْأَل طبيب العائلة عن (بحرية) يشير إلى إمكانية فقدانها للذاكرة، وهذا يفسّر نسيانها لمكان بيتها، وحينما تسأل (أم إياد) عن صديقتها (بحرية) تذكر أن آخر عَهْدٍ لها بها هو رؤيتها لها ترقص في عرس (فياض العامر)، الرجل الثري جدّاً، ولكن رقصها ينتهي بدموع غزيرة على خدَّيْها... وإذا تساءلنا عن رقص (بحرية) الغريب المفاجئ، وعن هروبها من حلم إلى حلم، وعن سرّ تفتيشها عن شيء ضائع تجهل حقيقته، وجدنا الفقر والحاجة والتأزم والضيق هي التي كانت وراء ذلك... والدليل أنَّ زوجها (عبدالله الحافي) قد انتهى في آخر المطاف إلى حاوية للقمامة يفتّش فيها عن قطعة خبز حاف تقيم أَوَدَه، وهو أب لطبيبٍ ولثلاثِ بنات أخْريات، وينتهي به الأمر إلى أنْ يضرب هامته بجدار استند إليه، ويتهاوى ساقطاً، حتى إذا لمحه صديق قديم له اقترب منه وأنهضه، وراحا يبحثان من جديد عن الزوجة المفقودة (من زقاق متربٍ إلى زقاق مترب آخر)، (ص139).‏

 

دراسة النموذج – (بائع التوابيت):‏

أما القصة الأولى، وهي بعنوان (بائع التوابيت) وقد أخرنا الحديث عنها لتكون القصة النموذج والمدروسة بعمق هنا، فهي قصة لا تدخل في مجال الرصد والنقد، ورفض السلوك الخاطئ والنهج المنحرف، بل تحكي قصة انطفاء الحلم في عَيْنَي رجلٍ يدعى (عبد الله) يعمل في بيع التوابيت، وعبد الله هذا مثله مثل بعض عبيد الله الذين يشكلون شريحة من شرائح المجتمع، إنه وحيد، وبائس لا بيت لـه ولا زوجة ولا أطفال، بل هو (وحيد منبوذ كقطٍّ أسود)، وفي هذا كله إرهاص وتمهيد لما سيقع له فيما بعد، ولكن عبد الله، رغم مآسيه، له قلب يحبّ وله روح تحلم، فهو يعشق جارته (هُدَى) هذه التي كان يعرف عنها كل شيء، والتي صارت عنده كل شيء؛ فهي (كالهواء الذي يتنفسه والحياة التي يعيشها) (ص19).‏

 

ولكن (عبد الله) يُفاجأَ ذات يوم بموت رجل يُدْعَى (إلياس خليل إلياس)، وهو رجل فقير بائس، ولكنه طويل بإفراط، إلى درجة لم يجد فيها (عبد الله) تابوتاً بطولـه، فرأى أن حلَّ هذه المشكلة هو أن يفتح مؤخرة أحد التوابيت لتتدلّى قدما (إلياس) منها، ويمشي عبد الله في جنازة إلياس، ويحزن كثيراً ويبكي لأول مرَّة، بعد أن كان يؤدي عمله هذا دون بكاء في مرات عديدة سابقة....‏

 

وقد جعل الكاتب المقطعَيْنِ الأوّلين من القصة مناخاً مناسباً لحزن بائع التوابيت، بيد أن هذا الجو النفسي الذي صوّره الكاتب قد طُوِّر في المقطع الثالث، فقد تفجَّرت كل أحزان (عبد الله) في اللحظة التي رأى فيها حبيبته (هدى)، من خلال نافذته، تناجي خطيباً جديداً، ضاربة عرض الحائط بحُبِّ عبدالله لها... عندئذٍ عمَّتْ الكآبة المكان، كما عمَّت كآبة الموت نفس عبد الله بعد قليل، إثر مشاركته في دفن (إلياس خليل إلياس)، ولا يكون من عبد الله إلاَّ أن يختار تابوتاً من توابيت الفقراء، ويخلع سترته، ويرسم إشارة الصليب، ويتمدَّد في التابوت الأسود، ويحلم أنه يموت، وفي حلمه هذا يلتقي هدى، ويضع يدها في يده ويضمَّها وتضمّه... ثم يبكي للمرة الثانية في هذا اليوم، ويصرخ ثم يصمت... و"يمدّ يده المرتجفة لتغلق غطاء التابوت"- (ص21).‏

 

والحقيقة أن هذه القصة فيما أرى قد استوفت عَناصر القصة الفنية بقوة، وحققتها؛ ففيها حسن العرض، وفيها نمو الحدث، وفيها العنصر المسرحي... وقد برزت فيها مجموعة من الثنائيات التي قاد بعضها إلى بعض، فالحزن والحب ثنائيان عالج أحدهما الآخر، فبالحب كان عبد الله ينتصر على أحزانه، وكآبة الموت الحقيقي، قادت من خلال موقف نفسي إلى كآبة المحبّ، فكآبة المكان ككآبة الموت تماماً، خاصة بعد أن انصرفت (هدى) إلى رجل آخر، وقتلت بُرْعُم الحب في قلب (عبد الله)، وكذلك قاد إغلاق نافذة كوخ عبد الله، التي شكّلت متنفّساً لضيقه وبؤسه بالتداعي، إلى أنْ يفكر عبد الله بإغلاق التابوت على نفسه في ختام القصة...! فقد تحوّلت بهجته بالحب إلى خيبة، وصار صراخه صمتاً، والنور ظلاماً... ولكنّه أراد أن ينتصر على هذه الوقائع القاسية بالحلم، لذا فإن إغلاق التابوت هنا أدَّى غرضين اثنين؛ فهو من زاوية يمثّل رغبة في الموت، ومن زاوية أخرى يمثّل رغبة في القبض على الحلم الجميل، فعبد الله في حُلْمِهِ التقى هدى وضمَّها وضمّته، ورتَّلت لهما الملائكة أناشيدها الجميلة المتهادية في سماء لا نهاية لها. إذاً كان إغلاق التابوت ظاهرياً يشكّل تجسيداً لرغبة الموت والدفن والانطفاء، وبالعمق يجسّد حرْصاً على الحياة الهانئة وأحلامها الوردية الجميلة. وكما كان الواقع قاتِلاً للأحلام في قصة "اللصوص وعروس البحر" فإن الأحلام هنا شكّلت نقيض الواقع وَوَجْهَهُ الآخر. وبذلك ظهر الصراع بين الأماني الرقيقة الشفّافة، والوقائع القاتمة السوداء، خيطاً واضحاً في نسيج الإبداع القصصي عند (رياض نصّور)، وهو دون ريب خيط خطير في كل أدب عظيم، لأن الإنسانية لا تكفُّ عن ممارسة أَحْلاَمها، في الوقت الذي تعيش وقائع حياتها. وكم سيكون الأمر رهيباً لو تصوّرنا حياةً لا حُلْمَ فيها؟ إن الأحلام والأماني هي الزاد الذي نتبلّغ لنتمكّن من تقطيع أيامنا بارتياح، ونستطيع مجابهة حدثان الدهور والأزمان.‏

 

وقد نما الحدث من خلال الجو النفسي الذي صنعه الكاتب، فبطل القصة بائعُ توابيت، وبين التابوت والموت علاقة قوية، فالتابوت هو سرير الجثة الهامدة ووسيلتها لتنقل إلى القبر. وعدم وجود تابوت لـ(إلياس) الطويل جداً، يُفجِّر تعاطُفاً حزيناً معه، فقد لاحقه البؤس من حياته إلى مماته، وانكشفت قدماه للناس من مؤخرة تابوته، وهذه مشكلة مأساوية سببت لعبد الله الحزنَ، فبكا لأول مرة. والحقيقة أنَّ المشاعر المتجاورة يُعْدي بعضها بعضاً، فيفجر النظير منها نظيره...‏

 

وكما تَفاعَلتِ المشاعر، تداخلت الأزمنة في سرد القصّة ورواية أحداثها، فعبد الله محبّ منذ زمن، وحبُّهُ مُحْبَط لا يمكن تحقيقه، لذا فإن اليوم الذي دُفِنَ فيه إلياس، أعاد بطل القصة إلى ماضيه، فها هي ذي صورة هدى تُوْقِظُ في نفس عبد الله مشاعر الحب من جديد، فيستعيد ماضيه، ويقوده تفكيره من خلال تجربة الموت الحاضرة إلى التفكير بالموت وتنفيذه فعلاً. وهكذا فإن الحاضر ابتعث الماضي والماضي استبدَّ بالحاضر، وأطفأ شمعة المستقبل، فوقع اليأس فالقنوط فالموت...‏

 

أما العنصر المسرحي فقد تمثّل، بالمشاهد الآتية المتتالية: عبد الله يسير واحداً في الشارع يضرب يداً بيد، مُفتِّشاً عن شخص يبثُّ لهُ هُمُومَه. تُطِلّ عليه امرأة من باب بيتها، هي (أم جميل)، فيحاورها ويخبرها بموت (إلياس خليل إلياس)؛ وبما أنَّ طول هذا الرجل المُفرِط يجعل إيجاد تابوت له ملائمٍ مُتَعذَّراً، تبكي العجوز، وتتذكر هي موتها، وتغطي عَيْنَيْها بيدها المعروقة، وهذا الموقف يتكرر شبيهه في ختام القصة، مع تبادل الفاعل، إذ يبكي عبد الله ويغطي تابوته بيديه.‏

 

وفي مشهد جديد يلتقي عبد الله بزوج الفقيد، ويتحاوران، ثم يعود عبد الله إلى القبو، حيث التوابيت يعلو أحدها الآخر. يحمل واحداً منها ويضعه في سيارة ويجلس إلى جانب السائق، ويبدأ بالثرثرة وكأنه وحيد، لأن السائق لا يُصْغِي إليه. أما المشهد الآخر فهو عند وصول التابوت إلى البيت، حيث يتعالى الصياح والعويل، ويدخل أناسٌ ويخرجون، ويوضع الميت في التابوت الذي كُسرت مؤخرته ليتسع لجسد الميت. ويبكي عبد الله في الجنازة في الوقت الذي يرقب منظر التابوت على أيدي العمال مُتّجهاً إلى مثواه الأخير.‏

 

وفي المقطع الثالث من القصة يعود عبد الله إلى بيته، حزيناً كئيباً، يفتح نافذته ليرى (هدى) تناجي خطيبها الجديد، فيصرخ عبد الله ويتأوَّهُ، تغلق (هدى) النافذة، وتتوارى عن الأنظار. وعندئذٍ ينزل عبد الله من غرفته إلى قبره، ويختار تابوتاً أسودَ، ويمارس بعض طقوس ما قبل الموت ويتمدد في التابوت، فتتوارد عليه الأحلام ويحاول القبض عليها من خلال حركة يده المرتجفة التي تغلق الغطاء... إننا أمام قصة مرشحة إلى أن تتحول، في نظري، إلى مشاهد تلفازية، وها نحن قد قدّمنا ملخصاً عن (السيناريو) الذي نظن أنه يمكن لمخرج مسرحي أو تلفازي، أن يُحَوِّلَه من كلامٍ مطبوعٍ على ورقٍ، إلى حوار ومشاهد حركية على الشاشة، مصحوبة بتأثيرات صوتية ومشهدية أخرى.‏

 

وإذا كان عبد الله يمثّل شخصية انسحابية حالمة، فإنَّ شخصيات أخرى في قصص (رياض نصّور) كانت شخصيات فاعلة وإيجابية. إن قِيَمَ السلْب والإيجاب قد تُدُوْلِت بين شخصيات القصص ودلالاتها. فكما صوَّر الصياد بعض القيم السلبية في قصصة (الصياد وليالي الفراق الطويلة)، إذِ امتهن التهريب وانتهى إلى السجن، مثَّل مروان في قصة (الطبل) قيمةٌ إيجابية، إذ مزَّق الطبل، وكأنه يمزّق الآغا، ونادى رفاقه وفي ذهنه شَبَحُ الآغا قائلاً: "اقتربوا لاتخافوا، إنه طبل أجوف".‏

 

وكذلك حاول الكاتب، فيما أرى، أنْ يُعمِّم النموذج الذي اختاره من الحياة، وذلك من خلال إغفال تسمية أبطاله، فهو وإنْ سمَّى بعض الشخصيات: (عبد الله)، و(إياد)، و(معين)، و(عبد القادر الريان)، و(مروان)، فإنَّه ترك بعضها دون تحديد. وفي هذا تَعْميم للحالة وإِطْلاق للقيمة المبثوثة في القصة، فنحن لم نعرف اسم (الآغا)، ويمكننا أن نفهم من سلوكه الشاذ الكريه أنه يمثّل الآغاوات جميعهم... ونحن لم نعرف اسم (الأخطبوط) الذي قد يكون أيَّ صاحب سلطان أو نفوذ أوجاه أو غنى، يسلك المسلك المغلوط والمدان، وفي ذلك تنديد بأي مسلك يشبه مسلك (الأخطبوط)، وفي قصة (صراخ) التي أجهضت فيها فتاةٌ حَمْلَها غير الشرعي، لم يذكر الكاتب اسم الشاب ولا اسم الفتاة، وذلك ليعمّم أمثولة هذه الحادثة المأساوية الراشحة بالحزن والغضب والاستنكار معاً.‏

 

ولكن الكاتب سَمَّى الصياد المهرب (سعيداً)، وهي تسمية ساخرة فالسعادة لم تكن بين كفَّيْ هذا الصياد لحظة. أما الرجل الذي فقد زوجته، فاسمُهُ (عبد الله الحافي). وفي هذا الوصف لذاك الرجل ـ (الحافي)ـ اتساقٌ مع شقاء (عبد الله)، وعذابه، ومحنه، حين كان مع زوجته (بحرية) يبحثان عن المواد التموينية، فلا يجدانها، فيُساطان بسياط العذاب واللوعة....‏

 

وقد مرَّ بنا بوضوح استثمار الكاتب لعنصر الأحلام في فنّه القصصي، وخاصّة في قصتيِه (بائع التوابيت)، و(اللصوص وعروس البحر)، بيد أنَّ الأحلام لم تكن وحدها التي حملت عبء هذا الفن، فثمَّة الوصف الدقيق والحاذق والهادف معاً، والذي تخلله شيءٌ من الرمزية أيضاً، وشيءٌ آخر من إِشْراك الطبيعة الحيَّة والصامتة في إِحداث الأثر المرجّو، فعندما أغلق عَبْد الله تابوته بيده "عَمَّ الظلام، وخرجت الصراصير والعناكب من جحورها المظلمة باتجاه التابوت الساكن في منتصف القبو المظلم". وعندما غادرت ليلى بَيْتَ حبيبها، وكانت قدماها معبّأتين بالطين، كانت العاصفة في أقصى درجاتها. وفي ذكْر الكاتب للطين الذي وسخ قدَمْي ليلى وذكر نظافة عتبته، إشارتان رمزيتان للفرق بينهما، فليلى انحرفت في نظر صاحبها، وبقي هو على حبّه دونما انحراف كما يرى الكاتب.‏

 

وكذلك حَضَرَ الحوار في مكانه وَوُزِّعَ بحكمة وحنكة عَلَى جسم القصة، فلا إفراط ولا تفريط، وكان حواراً مركزاً هادفاً يُؤَدِّي غرضه بنجاح، ويُتْرَكَ عندما يجب تَرْكَه، لمصلحة الوصف أو المناجاة، اللذين هما أيضاً شكّلا لونَيْنِ من ألوان النسيج اللغوي للقصّة عند الكاتب، فبدت غالباً حائزة مزيداً من الرشاقة وقوة الالتحام.‏

 

والحقيقة أن المفردات المختارة والعبارات المؤلفة نَمَّتْ عَلَى لغةِ سرد لا تقعّر فيها ولا ابتذال،ولا تعقيد ولا تسطُّح، ففيها من البساطة قَدْرٌ، ومن الشاعرية قَدْرٌ آخر، وبين هذين الحدَّيْنِ تراوح لغة القَصّ التي نروم أن نقرأها عند كتاب القصّة في أيامنا هذه. وقد قرأناها فعلاً في مجموعة (اللصوص وعروس البحر) لرياض نصّور.‏

 

نماذج من أعمال الكاتب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضيفت في 14/12/2008/ خاص القصة السورية

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية