أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: مصطفى لغتيري-المغرب

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

من مواليد1965 بالدار البيضاء

عضو اتحاد كتاب المغرب

 

الإصدارات

هواجس امرأة -مجموعة قصصية2001

شيء من الوجل2004

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

الإمبراطور

 غجرية

 اللوحة

على أعتاب المكاشفة 

 

على أعتاب المكاشفة

 

 

حين حط الرحال بالمدينة، لم يتباطأ في التوجه نحو الآثار المحاذية لها. شغف بالأبنية القديمة اكتسحه من حيث لا يدري، فإلى عهد قريب أبدا لم يحفل بوجودها، لم تكن – بالنسبة له – سوى حجارة صماء لا معنى لها، بل هي تافهة وزائدة عن اللزوم. في المدة الأخيرة، ونتيجة لعملية كميائية ما، حدثت في دواخله، لمس ميلا غامضا نحو هذه المعالم الأثرية، نظرته نحوها ما فتئت تتغير.. شيئا فشيئا استبد به عشقها، فانبثق له المعنى من ثناياها. هكذا، أصبح كلما زار إحداها، أصاخ السمع برهافة، ليلتقط ذبذباتها الصامتة، حينها تنكشف له أسرار من ماض، يأبى أن يظل طي الكتمان.. لا يدري كيف حدث ذلك ؟ فقط, هو متأكد، أنه بشكل ما نطق الحجر، تلقف بوحه، فانتسجت علاقة حميمية بينهما.. لم يكن بد – حينئذ – من أن يفقد حياده نحو الآثار، بشتى أنواعها.

 

حين أشرف على البقايا المتناثرة، لاحت له غافية في رحاب التلال.. هبت على سحنته بعض من نسائهما، فاختلج الفرح في أعماقه .. كان حريصا أن يكون المكان خاليا من البشر، فاختار اللقاء قبيل الغروب .. الشمس أضحت برتقالة كبيرة معلقة في الفراغ، ظلال كابية تنتشر على امتداد البصر، تمازجها حمرة أرجوانية ، تكلل ذرى النجود، وتستلقي في بعض الفجاج والفجوات.. شيء من الرهبة داهمه، وهو يطأ أرض المدينـة المنسية .. السواري المتبقية والخلفية – من ورائها – تقدمان نفسيهما كلوحة ولا أجمل .. طفق يخطر بين الجدران والأعمدة، يتطلع في الفجوات، يترصد بقايا الأرصفة، يستحضر أقداما بلا حصر، من الزمن الغابر، وطأت هذا المكان.

 

بعد لحظات من التجوال، اختار موقعا مناسبا، يسعفه في احتضان المشهد، كل المشهد بعينيه المتعطشتين.. أبدا لم يكتف بالنظرة العامة، الشاملة، التقط بصره أدق التفاصيل: الخطوط الدقيقة المنتشرة عبر الأبنية، أنواع الحجارة وأشكالها، تنوع هندستها.. الأقواس الدارس أكثرها .. كل ذلك أشعره بانتشاء لا يقارن .. حينها فقط، أحس أنه على أعتاب المكاشفة، هسهسة الريح وطدت لديه اليقين، بأنه حثيثا يدنو من مبتغاه، مدد أطرافه في ارتخاء تام، الخدر أخذ يتسلل إلى كيانه، لم يقاومه، بل تماهى معه إلى أقصى الحدود .. فجأة لاحت له أطياف ملتبسة، تدريجيا راحت تحتل المكان من حوله، لم يرعبه ذلك، بل فاجأه .. برباطه جأش حافظ علـى هدوئه .. فقط اكتفى باختلاس النظر.. إحساس قوي تبرعم داخله، بأن أي نأمة قد تطيح بكل شيء.. ابتسامة خفرة احتلت شفتيه.. ها هو ذا الوعد السري يتحقق من جديد، الآثار تكشف له أسرارها دون مواربة.. بمرور الزمن أخذت ملامح الأطياف تتضح، البنايات المهدمة تكتسب أجزاءها الضائعة، والأقواس في أتم اكتمالها، إنها في أبهى عنفوانها، الجدران، كل الجدران تنتصب قائمة، كأنها بنيت منذ زمن قريب ..طازجة لم تزل تفوح طراوة وبأسا .. هاهي الصور تتدفق جلية. أول ما ميز منها حراسا .. على رؤوسهم خودات صقيلة، يمتشقون رماحا مسننة، سيقانهم عارية، ينتظمون في طابور صغير، محافظين على تناسق حركاتهم .. أبهجه المشهد إلى أبعد الحدود، التزم الصمت وهو يرنو إليهم، بغتة توجه أحدهم نحوه، خفق قلبه .. تحفزت أعصابه، مستعدا لكل طارئ .. مر الجندي أمامه، لم يحفل بوجوده. حينذاك تيقن أن وجوده ليس مؤكدا، فما علي إلا أن يلزم مكانه دون أن يخدش هذا العالم، الذي يقدم له نفسه دون تحفظ .. بحرص، استرق النظر نحو الجهة الشرقية من موقعه، امرأة ترتدي ملابس مختلفة، لم يلمس قاسما مشتركا يجمعهما بالجنود.. على رأسها تحمل سلة ممتلئة، قدر أن فيها خضرا أو فواكه .. إنها بلا شك، امرأة محلية.. لفتت انتباهه ضفيرتاها المستلقيتان على كتفيها، أنواع من الحلي تتوزع على امتداد الجسد، حين أمعن النظر، راعه كثرة الوشم على وجهها ويديها.. كانت ترطن بكلمات مبهمة، تتوجه بها نحو الجنود لإثارة انتباههم .. بائعة هي، بلا ريب، تعرض بضاعتها، جمالها لافت، وإن كانت الأسمال على جسدها لا تفي بالمطلوب.. خلفها كلب من فصيلة محلية، يقتفي خطواتها.. حين مرت بجانبه، تطلع إليها بكل جسارة. لم تحفل بوجوده. بحسرة تذكر أن وجوده زئبقي، مخاتل، فاكتفى بالمشاهدة، هي أكثر ما يصبو إليه. تجاوزته المرأة مستمرة في ندائها .. لم يمض زمن طويل على عبورها حتى ارتفع ضجيج في الأجواء.. فزعا التفت نحو مصدره، التقطت عيناه مشهدا استفزه، جنديان يسحبان رجلا، يبدو أنه من السكان المحليين، يستغيث بلا جدوى، هكذا قدر كلماته التي لم يفهم منها شيئا. كان الجنديان فظين، متسلطين.. فكر أنه باسم قانون ما يفرضان على الرجل سطوتهما. إحساس بالمرارة اكتسحه، إنه عاجز عن فعل أي شيء. فقط تألم وهو يتابع خطوات الرجل المرتبكة.. لا يدري كيف استقر في خلده لحظتها أن الأمور لم تتغير، وأن العالم – منذ الأزل – محكوم بنفس المنطق، الأشكال تتبدل، أما العمق فواحد.

 في تلك الأثناء، وهو يتماهى مع أحاسيسه، رّّجه صوت مختلف لا ينتمي إلى العالم الذي يكشف له نفسه.

" أسي محمد، آسي محمد "

بشدة انتشل نفسه مما هو فيه، فإذا برجل من زمانه الآني يناديه. كان يبعد عنه بأمتار قليلة. تدريجيا لملم شتات ذهنه، أحس وكأنه يستفيق من نوم عميق، لم يفسح الرجل له المجال حتى يرتب العالم من حوله، خاطبه بشئ من الغلظة:

-ممنوع الجلوس في هذا المكان بعد غروب الشمس.

اعتذر من الرجل، مسح الأبنية بنظرة وديعة، ثم حمل كيانه، غادر المكان، وعلى ملامح وجهه يستلقي شرود، لم يقو على انتزاع نفسه منه، إلا وهو في أحضان المدينة التي حط بهاالرحال صبيحة ذلك اليوم.

هامش

* في المغرب كل رجل يجهل إسمه ينادى بهذا النداء.

أضيفت في 01/02/2006/ خاص القصة السورية

 

 

اللـوحـة

 

       

 

في زيارتي الأخيرة لأحد المعارض, لوحة واحدة دون سواها استوقفتني. لم أكد أخطو بعض الخطوات داخله, حتى وجدت نفسي أنتصب أمامها. عبثا حاولت تجاوزها, وكأن قوة خفية تسحبني نحوها. لم تكن اللوحة تحتل مكانا مميزا. بل وضعت في موقع مهمل. وكأن الذي خصها بذلك الحيز, يود أن يعتذر بهذه الطريقة عن تواجدها, أصلا, بالمعرض. اللوحة تشع بياضا. في أعماقها صورة سوداء لما يشبه إنسانا. ملامحه مبهمة. لاستجلائها يحتاج المرء إلى كثير من التركيز. انشغلت باستشفاف معنى معين لهذه اللوحة الغريبة. لم أظفر بشيء. ومع ذلك لم أنفلت من سطوتها, حتى أنني عجزت عن مبارحتها. الغريب أن كل من مروا أمامها, لم يتوقف منهم أحد. بل كانوا يحثون السير مبتعدين, وكأنهم أمام مسخ يستوجب إشاحة النظر..وأنا مستغرق في تفاصيل اللوحة, محاولا أن أبرر لنفسي طول مكوثي إزاءها, فاجأني مالا يمكن توقعه. صورة الإنسان في أعماق اللوحة أخذت تتحرك. فركت عيني جيدا. أمعنت النظر أكثر, فإذا الصورة – حقا – تتحرك. بانبهار اقتربت منها, حتى كدت ألامسها. بغتة نط الإنسان / الصورة من اللوحة. المفاجأة كادت تشل دماغي.فغرت فمي عن آخره, وأنا أتتبع حركاته. كان ضئيلا, لا يكاد يرى. سرت خلفه, وهو يمر بين أقدام رواد المعرض. لا أحد انتبه لوجوده. وحدي كنت أنقب بين الأقدام, محاولا رصد سيره. بين لحظة وأخرى يظهر ويختفي. اصطدمت بالكثيرين, وأنا أحاول احتواءه ببصري. الناس, في تلك الأثناء, أخذوا يرشقونني بنظرات قاسية, علامات الاستغراب والاحتجاج تتضح من حركاتهم. أحسست أنه يمارس معي لعبة ما. اهتمامي به, أذكى لديه حب المشاكسة. ما إن تحتضنه عيناي حتى ينفلت من قبضتهما.فجأة, توجه نحو بوابة القاعة. كاد قلبي يتوقف نبضه. قلت في نفسي " إن خرج حتما, سيتيه". لم أتوان في اقتفاء أثره. لا أدري كيف أصبحت أحس بالمسؤولية تجاهه. يراودني أمل في القبض عليه وإعادته إلى مكانه الطبيعي. خرج من المعرض, وأنا خلفه..الانبهار والقلق متربعان على سحنتي. بالقرب من المعرض حديقة, قدرت أنه, لابد, سيختفي في جنباتها. هكذا, كالمجنون طفقت أبحث عنه خلف الأشجار وبين النباتات..لم يمض زمن طويل حتى لاح لي, يتوسط مساحة من العشب. ابتهجت برؤيته. في نفسي رددت أنه, أخيرا, وقع بين يدي. وبالتأكيد لن أفلته..بخطى حازمة تقدمت نحوه. متمنطقا بالصمت والحذر دنوت منه. خاتلته, ثم ارتميت عليه بكل جسدي. بيد أني لم أمسك سوى الفراغ. على بعد خطوات كان يتطلع إلي شامتا..لحظتها, فكرت أن أدعه وشأنه, لم أمتلك الجرأة الكافية لفعل ذلك..مرة أخرى, قلت في نفسي محاولا التخفيف عنها  "خسرت معركة ولكنني لم أخسر الحرب, سأحاول ثانية ".

 توجهت صوبه. هذه المرة لم يمهلني. انطلق مسرعا. هرولت خلفه, حين أدركت وجهته, أسقط في يدي..إنه يتجه نحو الشارع. انخرطت في الركض, لعلني أتفادى ما يمكن حدوثه. فعلا تحقق ما استشرفته, إنه الآن يقف على الطوار..ضئيلا ولا معنى له بدا لي من موقعي. أسرعت نحوه محاولا إمساكه. حين دنوت منه, غاص في الإسفلت. كدت أصرخ لأنبهه من حركة المرور المجنونة. لاحظت – بأسف – بعض الناس يحملقون في خلقتي, بطريقة غريبة, فتمالكت نفسي, لجمت الكلمات داخلي. عيناي تسمرتا عليه. ولأن الإسفلت أسود, غذا من الصعب تمييزه. بعد جهد تبينته. حاولت اللحاق به. انسياب السيارات منعني من ذلك, فاكتفيت بتتبعه من بعيد. العجلات تمرق بمحاذاته, وأنا في حالة من التوتر. في كل لحظة أظنه اندهس. وبالفعل لم يمض كثير من الزمن حتى سمعت صرخة ألم قوية. فإذا به ملقى على الإسفلت, لا يحرك ساكنا..حين خفت حركة المرور, دلفت نحوه بخطى مرتعشة. وقفت وسط الشارع. مددت بيدي نحوه, كان مستويا بالأرض, ولا يزال به رمق من حياة. حملته في راحتي, وعدت به نحو المعرض. في طريقي انسلت دموع بئيسة من محاجري. حين لاحظت الناس ينظرون إلي مستغربين وأنا أبسط راحتي, وضعته في جيب معطفي. حثثت السير نحو قاعة العرض. ولكم كان خيبتي كبيرة حين ألفيتها مغلقة. متحسرا, جلت بنظري في كل الاتجاهات. اخترت مكانا متواريا عن الأنظار. أخرجته من جيبي. بخشوع, وضعته هناك, ثم انسحبت بكثير من الوقار. ابتعدت قليلا, التفت نحوه. لوحت له بيدي. التأثر منبث في دواخلي..بعد هنيهة انتشلت نفسي من ذهولها. استأنفت المسير, متمنيا أن يتمكن صبح الغد من العودة إلى لوحته.          

أضيفت في 14/01/2006/ خاص القصة السورية

 

 

غجرية

 

حائرة نظرت إلي..في حضن عينيها تمدد خجل طفولي .السيجارة ترتجف بين أصابعها وابتسامة خفرة تداعب شفتيها القرمزيتين.. لمحت التردد يختلج على سحنتها ،فتركت مقعدي ،وبخطوات واثقة دلفت نحوها.. حين انتصبت بجانبها ،لم تنبس ببنت شفة..فقط علقت على مبسمها تلك الإبتسامة الخجلى.مددت يدي بالقداحة نحو سيجارتها ،قدحتها فتأججت شعلة باهتة..اشتعلت سيجارتها، فهمهمت شاكرة صنيعي..عدت إلى مقعدي، وقد تمدد بعض شرودها إلى نفسي.من مكاني ،تتبعت خيط الدخان المنبعث من سيجارتها.. بدا لي واهنا..متعبا،وبلا أمل..متهالكا كان يشق طريقه نحو النافذة..كان بالكاد يصل نحو وجهته..حين تمج الدخان من فمها، تنغمض عيناها للحظة،ثم تنفتحان على مصراعيهما، فتكتسبان دعجة محببة للنفس..بين الفينة والأخرى،يظهر النادل حاملا بعض المشروبات ..ما إن يقع بصرها عليه، حتى تطلب منه شيئا ..هذه المرة أمرته بإحضار كأس ماء.. أحسست أنها متوترة ،قلقة ،تريد التمسك بإي قشة ،مهما كانت واهية، وكأن أشباحا تطاردها.. تعمدت النظر إليه بنوع من التمعن والإصرار..لم تبد أي اعتراض تجاه وقاحتي، بل رشقتني بنظرة متحدية..فكرت أن في دواخلها عنادا وصلابة..شعرت وكأنها تخاطبني قائلة ..أي لعبة تفكر فيها مستعدة لألعبها ،فلن أخسر سوى شرودي.. قبلت التحدي..أخذت مقعدي ودنوت منها..ظلت على حيادها ، وكأن اقتحامي لوحدتها لا يعني لها شيئا..صامتة كانت،لاتقول شيئا..فقط شفتاها افترتا على ابتسامة أكثر رحابة ، وعيناها تراقصتا ببريق ناعم..تأملتها عن كثب، فإذا بها أجمل وأرق..حين أمعنت النظر أكثر،لمحت حزنا ما يستوطن قسماتها..لحظتئذ كان المذياع يبث أغنية حزينة الإيقاع لإحدى المغنيات العربيات..المقهى شبه فارغ..مددت بصري عبر النافذة..بعض السيارات تنثال مارقة..بدت لي مذعورة، و كأنها تهرب من خطر موشك على الوقوع..التفت إليها..سيجارتها لازالت ترتعش بين أصابعها..بلطف تضعها بين شفتيها..تسحب قليلا من الدخان، ثم تمجه ببطء، فينتظم ذلك الخيط الواهن من الدخان،ليقوم برحلته الفاقدة للمعنىنحو النافذة. دون تردد سألتها

ـ هل تنتظرين أحدا؟

صمتت برهة من الزمن ،ثم أجابت

ـ لا،لاشيء مهم.

سحبت سيجارة من علبتي..أشعلتها..الفضول يضرب بجذوره في تربة نفسي ..أي نوع من النساء هي ؟ لا مبالية تبدو ،وكأنها غجرية شاردة خرجت لتوها منلوحة فنان بوهيمي.. لم أدع الوهم يتملكني ..لا يمكن أنتكون بهذا الشكل الذي انطبع في ذهني ..أ ليست تمثل دورا ربما حفظته عن ظهر قلب ؟ اعتدلت في جلستي، محاولا ترتيب أفكاري ..ارتشفت قطرات من المشروب الذي أمامي..فجأة وكأنني ألقي حجرا في بركة آسنة سألتها:

ـ لم أنت حزينة؟

لاذت بصمتها ،و كأنها لم تسمع شيئا ..كان فضولي أقوى من تمنعها ..فكرت لحظة ثم خاطبتها قائلا:

ـ لا بد للإنسان أن يتحدث، فالكلام بلسم شاف ،تكلمي..

أعدت عليها السؤال:

قولي ،لم أنت حزينةصمتت قليلا، ثم أجابت:

ـ لا لست حزينة إنما أشعر بالقرف.

لم أترك الفرصة للصمت ليفصل بيننا، فأسرعت بسؤالها:

ـ وما سبب ذلك ؟

لم تفكر لحظة ..على الفور أجابت:

ـ أبي يريد تزويجي.

تصنعت الدهشة..وبلهجة منفعلة أردفت مستفسرا:

ـ وما العيب في ذلك؟

بعض الحماس التمع في عينيها ،جعلني أحس بدرجة صدقها..قالت:

ـالعيب أن لي طموحات أهفو إلى تحقيقها.

أردت امتصاص حماسها ،فأجبتهابنوع من البرود:

ـ يمكن أن تحققي طموحاتك وأنت متزوجة.

استولى الإنفعال على حركاتها..سحبت كتلة من الدخان،وبعصبية مجتها، وكأنها تلفظ غضبها،ثم قالت:

ـ لا ،لايمكن أن تفهمني.

بنفس البرود تابعت:

ـ بل أنت تعقدين الأمور..المرأة مصيرها الزواج..إذن فلم تؤخره؟

رشقتني بنظرة حانقة،ثم أشاحت بوجهها عني،ثم قالت:

ـ أنت تفكر مثل أبي.

واصلت مشاكستها بنفس اللهجة:

ـ وما العيب في ذلك؟

وكأنها استنفدت كل صبرها،ردت علي بغضب:

ـ لا عيب فيه سوى أنه يصيبني بالقرف.

قالت ذلك ،ثم انتفضت واقفة..جلدتني بنظرة شرسة ..حملت حقيبتها ،وتوجهت نحو النادل، ثم غادرت المقهى. في أعماق نفسي رددت {حقا إنها غجرية شاردة } قلت ذلك و ابتسامة بلهاء ارتسمت على شفتي..هممت أن أغادر المقهى ..توجهت نحو النادل لأؤدي له ثمن المشروب،ففاجأني قائلا لقد دفعت الفتاة عنك. بخطى متكاسلة تابعت طريقي، أنوس بين الحلم واليقظة ..شبح الفتاة يطاردني، وقد استقر في وجداني إحساس بأنها فعلا غجرية شاردة.

أضيفت في 25/12/2005/ خاص القصة السورية

 

 

الإمبراطور

 

 

حقا إنها ليلة ليلاء، لم يعش الإمبراطور ما يماثلها. وأبدا لن تذروها ريح النسيان، بل ستغدو مع الزمن علامة بارزة في حياته، يسترجعها كلما عن له أن يتذكر حقيقته ... انفض مجلس جلا لته في وقت متأخر ، بعد أن سمع أغرب الحكايات و أطرفها .  لذ له السمر، فقاوم رغبته في النوم.. لم يبخل ندماؤه بأبهى ما يملكون من حوادث وغرائب.

 

سلطان النوم أخيرا تمكن منه، التجأ إلى سريره، لم يمض زمن طويل حتى غرق في نوم عميق، و سرعان ما انسابت الأحداث، قوية في إقناعها وكأنها امتداد لما يعيشه. رأى نفسه في حديقة قصيرة، يتمدد على أرجوحته المفضلة، تظلله شجرة سامقة،  وارفة الظلال، صنفها مستورد خصيصا لحديقة جلالته. على مرمى البصر أزهار من كل صنف و لون. أمامه تستقلي في هدوء، بركة صافية. في أوقات متباعدة تتجعد صفحتها. ثم لا تلبث أن تستعيد سكينتها، حين تخفت حركة النسيم .. ممتلئا بالاعتزاز يرنو إلى الصبايا، يتقدمن متتاليات بمشي يضارع الرقص .. حين أشرفن على البركة، ارتمين في أحضانها، متجردات من كل ما يخدش البصر، وكأنهن من عالم آخر .. في الناحية الشرقية من البركة يتربع أسد قد من حجر، تفاصيله توحي بشراسة لا تلين، افتر فم الإمبراطور عن ابتسامة وهو يتأمله، بدا له أن الأسد رمز موفق، إلى أبعد الحدود، لسطوته، فتعاظم داخله إحساس بالجبروت. كان التأرجح لذة لا توازى، حتى إن إغفاءة داهمته، استسلم لها بإنشاء لذيذ.فجأة و بشكل لا يمكن توقعه، هدر صوت رعد مفاجئ، أيقظه من غفوته، حملق فيما حوله، فإذا الصبايا قد غزاهن الذعر، أخذن يتلفتن وجلات في كل الاتجاهات، رفع رأسه نحو الأعلى، لم ير ما يدل على أن سحبا تحجب زرقة السماء، استغرب أمر هذا الرعد، فيما كانت الصبايا قد شردن نحو بناية القصر.. مستجمعا قوته، حاول أن يغادر أرجوحته، فلمس ثقلا في أعضائه، وكأنها تجمدت تضاعف الذعر في قلبه، حين انقصف الرعد للمرة الثانية، أراد أن يستغيث فلم يسعفه لسانه، تخشب ما داهمه، حانت منه التفاهة نحو الأسد، فكاد يفقد رشده. الأسد يبكي، ومن عينيه تسح دموع بل حصر. كثيفة في سيلانها. ماؤها يناسب نحو البركة بسرعة مذهلة. الرعد يقصف للمرة الثالثة، قوته مضاعفة، أغصان الأشجار، في تلك اللحظة، ارتجت بقوة. أوراقها تناثرت على امتداد أرض الحديقة. الغريب أنها أوراق بلا حصر.. الهلع شق طريقه نحو قلب الإمبراطور. الأسد لا يكف عن البكاء.. الماء غمر البركة، فأخذ يتدفق على حواسيها. ثم سرعان ما امتد إلى عشب الحديقة. الإمبراطور متجمد في مكانه، لا يقوى على الحركة، فقط عيناه طاوعتا رعبه، فسحتا دموعا بئيسة.. لم تغن عنه شيئا. وما هي إلا لحظات حتى امتلأت الحديقة بالمياه. انغمر الأسد، فلم يعد يرى منه إلا الرأس. الإمبراطور لم يسلم من الغمر، لكن ما ضاعف حيرته وزاد استغرابه، أن المياه دافئة، لم تلسعه برودتها كما توقع. إنها دافئة ولطيفة، الماء لا يتوقف، بل تزداد قوة انسكابه، الغريب أن ذعر الإمبراطور أخذ يتحول شيئا فشيئا إلى اطمئنان، أحس وكأن حضنا دافئا يضمه، بيد أنه ما أن بلغت المياه رأسه حتى أحس بالاختناق، حينها فقط استجمع كل قواه، محاولا انقاد حياته. انتفض من أرجوحته فإذا به يفتح عينيه، ليجد نفسه متمددا على سريره.. ولكم كانت دهشته كبيرة، يمازحها بعض الخجل، حين أحس بالبلل قد اكتسح ملابسه.

 

أضيفت في 19/12/2005/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية