أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتبة: لمياء خلفان سيف الحراصي-سلطنة عمان

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتبة

بطاقة تعريف الكاتبة

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتبة

 

تاريخ الولادة 30 / 3/ 1982 م  

الجنسية: عُمانية

المهنة: موظفة تسويق في مجموعة سعود بهوان للسيارات

 

سيرة إبداعية مختصرة:  

لقد بدأت الكتابة الأدبية منذ صغري مذ كنت في الحادية عشر تقريبا من عمري.. بدأت بكتابة القصص القصيرة ثم توجهت إلى المطولة.. بعد ذلك اكتشفت أنني أميل إلى كتابة الرواية .. وأنا اعمل على الروايات بصفة مركزة ومكثفة.. واضع القصص القصيرة في الاختيار الثاني.

لقد فزت بالمركز الأول في مسابقة المنتدى الأدبي (مسابقة محلية) في مجال الرواية.. وراويتي الفائزة تحمل عنوان (مرايا الذاكرة).

مجال كتابتي الرواية أولا ثم القصة ثانياً !

 

ثانيا- الكتابة الإبداعية والنشر الورقي أو الرقمي

لم يتم إلى الآن نشر أي قصص  أو روايات لي مطبعياً ..

لكني أقوم بالنشر منذ فترة طويلة في المنتديات الأدبية والثقافية العربية والخليجية..

منها موقع القصة العربية.. هذا بالنسبة إلى النشر الرقمي ...

أما النشر الورقي قد قمت بنشر العديد من القصص القصيرة لدي في الجرائد المحلية العمانية والمجلات.. 

كما أنني بصدد نشر رواية لي بعنوان (مرايا الذاكرة) على أواخر العام بإذن الله ...

ولدي روايتين اعمل عليهما حاليا .. واحدة بعنوان (شواطئ) والتي سأشارك بها في إحدى المسابقات الكبيرة بدولة الإمارات العربية المتحدة ..

والأخرى (حنين وحنان) لا زلت اعمل عليها وستكون أيضاً للمشاركة في مسابقة أخرى بدولة الإمارات أيضاً ..

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتبة

 بقايا امرأة

 كلنا أنانيون

  أربـع غلطـات لرجـل

قصة غير مكتملة 

شيطان الحق

اللقاء الكارثة

الرجل الطويل

كهولة

 

قصة غير مكتملة

 

ابتسم لنفسه وهو ينزل من سيارة الأجرة إلى  المكان الذي أراد أن يتعشى فيه منذ لحظة وصوله إلى ارض ويلز .. إلا انه لم يستطع أبداً أن يحضر سابقاً لقلة ذات اليد وتقشفه المعيشي والفقر المدقع الذي يعيشه ، ابتسم مرة أخرى حين دخل إلى المطعم الكبير الفخم ..لم تكن ابتسامته لمن حوله من ناس .. إنما كانت ابتسامة انتصار وغرور لأنه اثبت لنفسه انه قادر على فعل المستحيل حتى لو اضطره ذلك إلى العيش بتقشف إلى آخر العمر .. والله وحده يعلم انه تقشف امتد لشهور طويلة في حياته وطعامه وملبسه كي يوفر ثمن هذه الوجبة ..

وسيتفاخر بذلك ، سيقول لكل أصدقائه انه تعشى في هذا المطعم .. وسيردد ذلك أمام صديقاته البريطانيات اللاتي سيتخذهن بعد ذلك .. وأيضا لن ينسى زملائه في العمل وكل من سيلتقي به !

سيستغربون بالتأكيد ..سيضحكون وربما سيغارون !! فليفعلوا وليقولوا ما يحلو لهم وليذهبوا إلى الجحيم انه رجل بمعنى الكلمة .. رجل يحقق أحلامه دائماً وينفذ ما يعد نفسه حتى لو طالت المدة !!!

جلس على إحدى الطاولات الثنائية الكراسي اللامعة .. طاولة مربعة يفترشها مفرش  بدرجات اللون البني ، يتناثر فوقها صحنين مع أداوت الأكل ..انتقل نظره هذه المرة إلى منتصف الطاولة حيث  يتوسطها مزهرية بيضاء اللون صغيرة في داخلها وردة حمراء طبيعية  طازجة..حينما انتهى من استكشاف المكان بلذة عاد إلى واقعه ليقرأ قائمة الطعام أمامه وكأنما شعر به النادل فظهر أمامه فوراً بابتسامة جوفاء .. وليتدارك الاضطراب الذي اعتراه طلب قهوة حلوة .. وانصرف النادل !

وعادت إليه روحه !! وبدأ يقلب قائمة الطعام بغباء وسرعة كي يجد شيئاً ما يستطيع أن يأكله بدون أن يقلق من تسديد ثمنه فهو لا ينوي أن يفتح فمه كالمعتوه إذا أتت الفاتورة متجاوزة المبلغ الذي بحوزته ... وأخيراً اختار الطبق المناسب ..شهي ويناسب المبلغ الذي في جيبه ولن ينسى أن يضع بعض المال ليدفع به أجرة سيارة الأجرة .. لعن الله الغربة !!

إنها اكبر ذل يتعرض له الإنسان في حياته !!

أن تتضور جوعاً وتموت عطشاً ..وتزهد في معيشتك أمر لا يطاق ..أن لا تستطيع أن ترى والدتك كل صباح تبارك لك يومك أمر مبكي .. أن لا تستطيع أن ترى جيرانك يلوحون لك حينما يروك في الشارع متوجهاً إلى عملك أو لقضاء حاجة أمر محزن !!

أنه أمر مضن حقاً !!

وقطع صوتها الرقيق تلاشيه في أفكاره البائسة ..رفع رأسه إلى مصدر الصوت فإذا بها شقراء رائعة الجمال تقول له بلكنة بريطانية :

-هل استطيع الجلوس معك ؟؟ لقد اكتظ المطعم بالزائرين ويبدو انك شاب طيب !

للحظات ظن أنها من صنع خياله ..وما هي إلا تجسيد لخيالاته الخصبة .. إلا إن ابتسامتها أثبتت له أنها حقيقية ...دقات قلبه تسارعت وعن جموحها أعلنت !! بالكاد استطاع أن يقول :

-بالطبع تفضلي !!

 وكاد أن يصفق فرحاً بالدخيلة الجميلة .. والآن هناك شيئاً آخر سيتباهى به أمام أولئك الأصدقاء البائسين !!

ابتسمت له ولأنها امرأة ما كادت تقلب قائمة الطعام حتى سارع إليها النادل ليسألها بأدب عن طلبها ..طلبت ما أرادته بسرعة وانصرف النادل ونسيه !! لقد أتى إلى هنا أولاً ولكنه بكل بساطة نسيه ولكنه تدارك موقفه وعاد إليه سائلاً إياه بابتسامة جافة عن طلبه ..طلب عشاء خفيف وما هي إلا دقائق حتى وصلت القهوة الحلوة التي طلبها قبل فترة ..بدأت الفتاة بشرب الماء ثم سألته وهي تزيح بعض الخصلات المتمردة عن جبينها الأبيض :

-هل أنت عربي ؟؟

-نعم ... ادرس هنا .

-جيد .. ادعى جين !

-تشرفت بمعرفتكِ .. وأنا فيصل !

وليداري ارتباكه بدأ يرتشف قهوته .. هذه هي المرة الأولى التي يتناول عشائه فيها مع امرأة ..ولا يعرف كيف يجب أن يتصرف برقي أو كلاسيكية ..ماذا يقول لها وكيف يقنعها بالتواصل معه ؟!!

يبدو أن جين هذه تود الكلام أكثر لكنه يقتل كل محاولاتها فهو يقلب نظره شمالاً ويميناً حين تحدثه بل انه لا ينظر إليها إلا بالخطأ !! كاد أن يصرخ بنفسه " هل هناك مغفل أكثر تغفيلاً منه؟؟!" وكلما تلاقت عيونهما كان يشعر بالاختناق . إن مجرد تواجدها بالقرب منه يرسل حريقاً في جسده .ما به إنها مجرد فتاة أجنبية .. إنها عادية كغيرها من الفتيات !!

بعد فترة جاء العشاء الفخم ..وابتسمت حدقتاه قبل شفتاه .. وهم بتناول عشائه ناسياً أن يطلب من الفتاة الانضمام إليه من باب الأدب والرقي في التعامل رغم أنها طلبت منه أن يشاركها عشائها من باب التهذيب إلا انه لم يفعل !! وهذا خطأ آخر يضيفه إلى قائمة عيوبه الطويلة !!

بصوت يفيض أنوثة سألته مجدداً :

-أنا آتي إلى هنا دائماً ...هل تأتي  أنت ؟؟

-بالطبع !! .......... وكانت هذه كذبة كبيرة !

ابتسم لها للمرة الأولى وبدآ تبادل الأحاديث رويداً رويداً .. حتى انفجرا ضاحكين فجأة .. انه يتقدم !! انه يحرز تقدماً .. لقد استطاع جعلها تضحك بقوة .. لقد استطاع جعل السعادة تلمع في زرقة عينيها القاتمتين !! كم هو فخور بنفسه .. وهذا شيئ آخر سيقوله لأصدقائه الذين سيغتاظون بالطبع !!

إيه يا فيصل منذ الآن سيغار منك كل أصدقائك خصوصاً حين يعلمون ما جرى .. ومن يعلم ربما سيمن عليه القدر بشيء اكبر عند نهاية العشاء !!

فتح فمه ليطلب منها موعداً خاصاً  يلتقيان فيه إلا أن ظهور رجل بريطاني من العدم أمامهما جعله يطبق فمه بقوة بينما قفزت جين من مقعدها لتتعلق بعنقه قائلة :

-لقد تأخرت حبيبي !!

فغر فيصل فمه كمغفل ..لا سيما حين ابتسم له الرجل ومده يده ليصافحه ..اخذ فيصل يده وابتسامة متكلفة مرسومة على شفتيه .. صاحت جين :

-هذا فيصل ..صديق تعرفت عليه للتو !!

ابتسم له مرة أخرى صديقها وشكره على تسلية جين في غيابه .. ودعته جين متمنية أن تراه مرة أخرى هنا ..دفعت حسابها وانصرفت !!

زفر بحدة ثم صاح بيأس : والآن كيف سأنهي القصة لأصدقائي المغفلين ؟؟!!

لمياء الحراصي تمت بتاريخ :11/6/2006 س: 20:40

 

 

أربـع غلطـات لرجـل

 

 

مرحباً يا مذكرتي ...أتيتك مبكراً هذه المرة فلدي اعترافات كثيرة وخطيرة ...هل أنت مستعدة؟؟

ابتسمت لي المذكرة فالتقطت قلمي وبدأت اكتب ...

استيقظت هذا الصباح وفي رأسي أفكار غريبة ....وتخاريف عجيبة ..

كما أنني نظرت الى المرآة مطولاً ..كالنساء ...كدت أصاب بجلطة!!

 

مرت نساء كثيرات على قوافل حبي ..وكثيرات احتمين بصدري و لكنني علقت بين أربع نساء فقط في حياتي ...و لم اسأل نفسي يوماً لم؟؟ وكيف؟؟

فكما يقول نزار إن السفينة في البحر لا تتساءل كيف أحاط بها الماء؟!!

 

قالت لي سناء يوم تخليت عنها ودمعها يخالط لهجتها الحاقدة ((ستندم!!!))

كما قالت منى يوم هجرتها ((بعد أيام الفراق ... ستنكشف أوهامك !!!))

ووافقتهما زينة قائلة بعجرفة ((عند أوقات الغسق الذهبية ... ستنتهي كل أحلامك !!!))

وختمت ليلى الحكاية بقولها ((كما تشاء ..!!!))

مذكرتي ...   (...إذا كان هذا حلماً ...فلا توقظيني...  )

يومها ضحكت كثيراً وأنا أتخيل كلامهن يتحول واقعاً ...يا له من كابوس مرعب،،هــــــه! ..ويا لهن من نساء غبيات !!

أنا مازن العظيم ..الذي لا يُهزم ولا يتقهقر أبداً !

يقول صديقي الحميم هناك نوعان من الحمقى نوع يقول يجب التمسك بكل فكرة قديمة ونوع يقول يجب التمسك بكل فكرة حديثة...بينما أقول أنا هناك نوعان من النساء، امرأة تتعلق بعنقك وهذه مغفلة ..وامرأة تتعلق برجلك وهذه أشد تغفيلاً من الأولى !!

سألت يوماً سناء لم أحببتني ؟؟

فردت : الرجل الذي يجيد حماية المرأة والاهتمام بها يثير فيها أحاسيس كثيرة ومتنوعة ..لهذا أحببتك ! 

فسألتُ منى وأجابت : لأنك حينما تعانقني توشك على تجريدي ..من روحي وجسدي!

أعجبتني لعبة الأسئلة والأجوبة المرضية لغروري فأكملت المشوار مع زينة التي بدورها قالت : لأن هزيمتي أمامك أسطورية !

أما الإجابة التي أعجبتني كثيراً فانطلقت من فم ليلى لتقول :

لأنك تشعرني بأنني مجنونة وفي قمة العقل ...لأن أضلعك هي مأواي الدائم ..ولأن ابتسامتك مدينتي وصدرك المساحة التي تحتويني !

ولأكون صريحاً معك يا مذكرتي ..زينة هي أكثر النساء التي أحببتهن واستمتعت برفقتهن ..لم اعرف يوماً لم أحببتها.

لأنني أحببت غيرها الكثير من الجميلات ...

اعتقد بأنني انجذبت  إليها لأنها الشخص الوحيد القادر على لملمة القطع المتناثرة  والفوضى التي خلفتها حولي في مروري العاصف.

قالت لي صديقة مرة :

((الرجال الذين بقوتك ورجولتك يجب ان يسجنوا فهم يسببون الكثير من الأذى والضرر لقلوب النساء!!!)) ...

ان كنتُ نار تحرق ..فلماذا تتهافت عليّ النساء؟؟ فعلاً غريب أمر هولاء النساء يا مذكرتي ...أو لأنهن فراشات لا يستطعن مقاومة النار على الرغم من معرفتهن التامة ان المغامرة قد تكون مميتة وحارقة فينتهي بهن الأمر فراشات ميتة بجانب النار!!

وبعد الموت ...يبدأن بالتذمر وكيل الشتائم ..وأحياناً يصل الأمر عند المتحررات لأن توّقع على خدك بكفها !!

 

الآن سأحدثكِ عن اليوم الذي تغيرت فيه حياتي إلى الأبد ،،حيث نهضتُ ونصفي ميت ..وبعد ساعات من التفكير اهتديت إلى ما يطلبه مني قلبي كي يعيد إليّ نصفي الآخر الميت ..

آآآآآآآآه من لسعة الحنين الى أجمل أربع غلطات في حياتي.

يلسعني الحنين إليهن جميعاً ،فجميعهن قد أثرن في ..وجميعهن تركن أثراً جميلاً في قلبي إذاً يا مذكرتي سأتصل بهن جميعاً ...سأطلب منهن جميعاً موعداً لتغذية الحنين ...

 الغلطة الأولى (سناء ):

حين رأيتها تقبل علي  أحسست وكأنني  مُنعطف قرية مهجورة يتكأّ على أسوارها ضيف غريب ، و ما أنْ يتهادى على مسمعه أنينها وعذابها حتى يفزع ويهرب منها متجاوزا كل شوارعها وطرقاتها ونسائها ..

فابتعدتُ.

 

الغلطة الثانية (منى) :

منى حنون ومميزة  ذات ابتسامة لا تضاهيها الابتسامات الشهيرة للعارضات على صفحات المجلات ..جميلة جداً وبهية جداً ورقيقة جداً..تشعرك بالخجل من جمالها.

هي مثل دائرة اللهب لا تستطيع أن تحدد أي جزء بها بدأ بالاحتراق فهي حيوية ومشرقة، تبعث الفرح في المكان، حتى يخيل إليك أن الدنيا تحبها ... لكن ما أن صافحتني حتى أحسست بأني مجبور على إسعادها،في سواد عينيها  شعرت بأنيّ مُسافر عبر  البرود المُتهدّج بـ أنفاسٍ حُزنٍ مُتقطِّع وزفرات فرحٍ غير آت .

فرحلت.

 

الغلطة الثالثة (زينة):

كانت تشرب قهوتها برقة كما عهدتها...بالطبع هي التي ستسعدني فهي شفافة جميلة، ما أن أضمها حتى أنسى لم هجرتها..بعد يومين أخذت الأفكار تلهث مُتعبة في أوردتي، البحث الذي بات شريعة مُقننة لأختيار الأزمنة الخطأ والأحضان الخطأ والقلوب الخطأ تشربني تماماً، شعرت بأنني أعانق جنائز من وهم في زرقة عينيها فباغتني صوت خفي في رأسي "لا تناسبك هذه القبعة،هل ستقلص راسك؟"

آه يا أنا..آه أيها الشعور المتسلل إلى دمي، دعني وشاني ادعي السعادة معها..آه يا صوت ضميري اللعين!

تقهقرت.

الغلطة الرابعة (هنوف ):

لروحها قطعة من الجنة ،عادية ولكن أمامها  أتجندل دمعاً يائساً لا يختلط وكينونة الـ ( أنْا ) ،أرقبني من بعيد وكأنني لا أشبهني ..هي من تفقه وجعي وهي خليلة الهم المستوطن عروقي ،هي التي  تقبع رائحتها وعطرها في جو روحي..في زواياه تتبختر جزيئات محيطي على وقع روحها ورقصاتها وضحكتها العالية..قربتها من قلبي وقلت لها " لا عليكِ من زمناً لم يتحالف مع إنتفاضاتي وثوراتي .. ولا عليكِ من أماكن أكلها الزمن وشاخت لحاجاتي الغير منطقية .. لكِ و أشجاني المُزعجة التي تعكر صفو تجاعيدها التي باتت لا تحتمل صراخ طفل ..لا عليكِ .. يا أنت .. يا أنا من كل تلك الأزمنة والأمكنة الشاهدة على هزائمي ، لا عليكِ من إختناقاتي  وضياعي ولامبالاتي ..انسي شتاتي ولا تهتمي إلا بقلبي الذي أضعته فوجد طريقه إليك..هيا لتوقعي بأصابعك الملائكية على مذكرتي وتعلني موتها".

 

 

أنا أنانية ..أنت أناني ..كلنا أنانيون !

 

 

أنانية ...أنانية ...أنانية ...أنانية !!!

 

مذ قالت لي صديقتي ( نجلاء ) مؤمنة برأي أختها الكبرى المتزوجة بأن كل الأعمال الـخيـَّرة تحمل في حناياها أنانية مبطنة أعلنت احتجاجي ورفضي لمبدئها الغريب ...

وبتُ أقضي أيامي أبحث عن عمل خير لا يكون أنانياً ...ولكن للأسف كانت كل الأعمال الخيرة أنانية فعلاً.

 

اليوم الأول : أشبعت المعلمة عدوتي اللدودة(جواهر) توبيخاً ..وللأسف كنت أستمتع بذلك!

اليوم الثاني : كرَّمتني الأستاذة أمام كل الطالبات في طابور الصباح ...وكنت أنظر إلى عدوتي باستعلاء ...ومشيت أتبختر أمامها لأغيظها ...وأدركت متأخرة بأن ذلك كان عملاً أنانياً أيضاً!

 

كنت أحاول أن أثبت العكس لصديقتي التي تقول بأن كل الأعمال الخيرية هي أنانية،ولكني لم أستطع ذلك حيث أنه مع كل يوم يمر كنت أتأكد بأن كلامها صحيح وكل شيء أفعله تقريباً ينم عن أنانيتي حتى حينما أثبت شطارتي في الفصل أكتشفت أنني ارتكب عملاً أنانياً ..فرغم أنني لا أتباهى بذلك إلا أنني اكتشفت أني اضحك بداخلي وأفرح لأنني أثبتت أنني كذا وكذا وكذا .....ويا للصدمة هذا عمل أناني !!!

حتى عندما أقبل أمي وأسعدها أفعل ذلك لأسعد نفسي وهذا عمل أناني آخر.

حتى عندما أقرأ فأنا اقرأ طمعاً في زيادة معرفتي وتطوير قدراتي وهذا يعتبر طمع وغش تحت ستار المعرفة والعلم .. وللأسف هذا عمل أناني آخر ..أرتسمت علامات الامتعاض على وجهي الأسمر .

بين زحمة كتبي وبالي المشغول بالبحث عن عمل غير أناني طفت إلى سطح ذاكرتي فكرة "قررت أن أتبرع من مالي الخاص للفقراء"، لا يمكن أن يكون هذا عملاً أنانياً.

ركضت منتشية بالفرح غالى الهاتف واتصلت بصديقتي ( نجلاء ):

-           وجدت عملاً غير أنانياً

-           ما هو؟

-           تبرعت لجيراني الفقراء

-           تصرف أناني

-           كيف؟

-           ها أنتِ ذي تسرعين إلى إخباري بذلك !! لم تتبرعي لتساعدي جيرانكِ ،إنما لتتباهي بذلك أمامي!

 

أغلقت السماعة يملؤني غضب وإحباط  تفجر على وجهي ..ربما يجب أن أنفض هذا التوجس عني،ربما يجب أن لا تهتم فتاة صغيرة مثلي بتفاهات الكبار،فشقيقة "نجلاء" لسانها يطلق التفاهات كرشاش عشوائي وفتاك.

أضيفت في 11/02/2009/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتبة

 

 

بقايا امرأة

 

تك تك .. دقات الساعة الخشبية تعلن عن وجودها .. تخترق الصمت بهدوء .. ملل رتيب ..

 

 هاتف نقال في زاوية الطاولة.. أوراق مبعثرة .. والقلم في يدها ترسم تارة به دوائر وتارة أشياء غريبة وهي شاردة الفكر وتارة خطوط تتحد مع بعضها لتعطي  أشكال غير معروفة ..

 

وببطء شديد بدأ الحزن يتسلل لقلبها المتعب فازداد وجعها واشتدت يدها على القلم لتكمل خربشتها الطفولية على الورقة ...مع ازدياد غضبها زاد حنقها على قلمها وبدأت تخربش بقوة حتى أن القلم اخترق الورقة ومزقها فطفرت الدموع من عينيها بقوة .. لو قدر للورقة أن تتألم الآن لتألمت مثلما تتألم هي فالوجع مشترك بينهما .. تمزق قلبهما ..سقطت دموعها السخية على الورقة وبللتها ..وسقط القلم من يدها  .. تحول البكاء إلى نحيب فأحنت رأسها على الورقة وبدأت بالبكاء المر ..

 

خيل إليها للحظة بأنها ستبكي لساعات طوال ولكنها سرعان ما رفعت رأسها عن ورقتها وصرخت بنفسها كفى كفى .. مسحت دموعها بطرف أناملها بعصبية ورتبت شعرها.

 

اختصر الموعد ببضع كلمات ينهي فيها علاقتهما التي استمرت لسنوات واعتذارات كثيرة وبأن الزمن لا يرحم و القدر لا يمهله ليحقق حلمه الجميل بالزواج بها .. فهمت من حديثه المتقطع بأنه سيسافر طلبا للقمة العيش الرغدة .. ولكن ما ذنبها هي لتتورط في كل هذا وليرحل من دنياها بهكذا طريقة وبهكذا سبب ..

 

اختتم حديثه معها بدموع تعرف بأنها حقيقية ولكنها لم تشفع له وطوال ذلك اللقاء القصير لم تنبس ببنت شفة ودموعها كانت كلامها الوحيد .. لم تحاول ثنيه ولماذا تحاول ردعه فقد قرر هو كل شيء بدون حتى أن يشركها في القرار .. همشها بطريقة محكمة .. ظلت تنظر لعينيه  وقدا بدا الذهول على ملامحها الغضة ..لماذا القدر دائما يرسم طريقنا بغير ما نأمل ونحلم ؟؟؟ أرادت الصراخ أرادت هز كتفيه وأرادت أن تكسر كل ما تراه .. أرادت حتى أن ... لكنها تمالكت أعصابها بحكمة وظلت تستمع لكلامه المتلو المعد جيدا والذي بدا  من الواضح بأنه كان يعده جيدا البارحة .. سمعت وسمعت وسأمت من تكراره للكلام والاعتذارات فحاولت الصراخ به ولكن لسانها خانها وقلبها بالتأكيد لن يسمح لها بان تسبب له أي ضيق.. دائما ما تحاملت على نفسها لكي ترضي رجولته وتحملت بعض طباعه السيئة لحبها الشديد له ولمحاولته التغير أيضا .. ولا تنكر بأنه رجل رائع ..

 

رفع حاجبه بقوه ناشدا منها الرد على سؤاله .. أي سؤال لا تعرف فتفكيرها شرد بعيدا جدا .. تفكر في المستقبل ... وفكرت في غدا .. كيف ستتحمل فراقه وكيف ستمضي حياتها بدونه .. بدون رقة حديثة .. بدون عذوبة غزله .. بدون صوته الأجش الآمر الناهي .. ابتسمت بفتور وهي تفكر في كل هذا ..

 

ارتعشت شفتاها حينما أردفت باقتضاب :  حتما لا استطيع  .. رفعت عيناها لتعاتب عيناه بحنان فابتسم بألم .. لن يفهم احد حديث عينيها الصامت سواه .. لن يتكرر ذلك مع رجل آخر أبدا .. أبدا .. تمتم ببضع كلمات لم تفهمها حتى فذهنها مشتت ولا تستطيع التركيز إطلاقا  واحتضن يديها ليواسيها   . دقات قلبها تزايدت وعن جموحها أعلنت .. داعب شعرها الجميل النسيم فهزت رأسها بعنف وكأنما تحاول طرد تلك الأفكار التي تحتل ذهنها مسببة لها الجنون .. حدق إليها  فتجاهلت عينيه العسليتين بغضب  وآثرت الرحيل فلا شي سيتغير والفراق أرخى ستائره معلنا نهاية المسرحية الجميلة التي عاشتها .. للمرة الألف يخونها لسانها فتكتفي بأن تنظر إلى عينيه لآخر مره وأطالت  النظر .. للمرة الأخيرة تتعانق عيناهما .. حدثت نفسها بذلك . 

 

إلتوت شفتاها بابتسامة ساخرة وتمكنت بطريقة ما من أن تودعه وتتمنى له الحظ والتوفيق في حياته الجديدة .. نظرت بفضول إلى تكشيرة وجهه .. و لكن سرعان ما رقت ملامحه وابتسم بجاذبية وبضيق .. نظرت له للمرة الأخيرة تستنكر ما يحدث وسرعان ما احتلت الدموع عينيها مجددا ..إغرورقت الدموع في عينيه أيضا ولكنها ترجته بان لا يبكي فذلك حتما سيقتلها .. لن تستطيع أن ترى دموعا أخرى في عينيه ... امتثل لكلامها .. والآن حان وقت الوداع ..  بقبلة على الجبين ودعها .. ورحل ..

 

 ظلت هناك لفترة ليست بالقصيرة تصارع طيفه وتحاول إقناع نفسها بأنه قد رحل فعلا .. وحينما لم يعد نهرت نفسها قائلة قلت لكي بأنه قد رحل والى الأبد !

 

غالبت دموعها حينما مر شريط الذكريات هذا .. احتضنت نفسها بعذاب وامتدت يدها لهاتفها النقال الملقى بإهمال على طرف الطاولة لتتأكد بأنه قد هاتفها قبل ساعة تقريبا .. لقد عاد ويريد لقائها والوفاء بوعده القديم كما لمح لها ..ماذا حدث ليست تدري ولماذا عاد ؟ لقد تحرر من وعده كما تذكر .. ظلت هنا قرابة الساعة تفكر وتفكر هل تذهب للقائه أم لا .. هل ترمي بطلبه عرض الحائط .. إن أرادت الحقيقة فهو يستحق ذلك ..

 

بعد فترة نهضت .. مسحت دموعها بقسوة  سرحت شعرها بإتقان  ووضعت ماكياج خفيف وعمدت إلى وضع احمر شفاه غامق .. لماذا فعلت ذلك أيضا لا تعلم .. باغتها صوت خفي تعلمين لماذا . لأنه يكره هذا اللون . ربما بدأت بالتمرد ربما لم يعد يهمها رضاؤه .. رغم امتلاكه لقلبها حتى الآن فهي لم تنسى الليالي الطوال التي قضتها في نحيب طويل و صباحاتها البائسة .. ورقصاتها المذبوحة على أنغام أغنيتهما المفضلة .. وتساءلت كثيرا هل لا تزال أغنيته  المفضلة أم انه قد نسيها أيضا ؟؟؟ .. طردت هذه الأفكار من رأسها ووضعت هاتفها في حقيبتها وخرجت مسرعة إلى المكان الذي حدده على عجل ..

 

صحيح بان الشجاعة لا تباع في زجاجات .. فهي لم تقوى على التقدم خطوة واحدة  وعاجلها الشوق بإصرار .. وتسارعت خفقات قلبها بجنون وسعادة .. ولكن نظرة الخوف غلفت عينيها بقوة .. و ظلت لفترة تنظر إليه من بعيد وهو يقلب نظره شمالا ويمينا ينظر للمارة تارة  وللبحر تارة ..  قررت التقدم وتقدمت بخطوات مهتزة .. ابتسمت بثقة لم تكن تشعر بها إطلاقا حينما لمحها وابتسم لها .. أذهلتها ابتسامته الفتاكة .. تلعثمت في التحية ولكنه احتوى اضطرابها بابتسامة أخرى هادئة . تمعنت فيه جيدا .. لقد تغير كثيرا .. وبد ا أكثر وسامة وأكثر نحافة  ولكن أجمل ما فيه حفاظه على الزي العماني التقليدي وهذا ما قدرته فيه كثيرا .. احترقت يدها بين يده حينما صافحها .. سحبت يدها بسرعة و اعترت عيناها فجأة نظرة غريبة .. وسألت خفقات قلبها هل ما تعيشه الآن حقيقة أم أنها سرعان ما ستستفيق من هذا الحلم .. صوته أعادها إلى الواقع وأكد لها بأنه فعلا قد عاد .. سألها بسرعة عن حياتها وعملها فأجابته باقتضاب وضيق.. للحظة ظنت بأنه سيغضب ولكنه تفهم تغير مزاجها فجأة .. ليس من العدل بأن يبدو في قمة الهدوء والوسامة فيما هي ترتسم كل علامات الحزن والضيق في وجهها .. وليس من الإنصاف أن يطلب لقاؤها بعد كل ما حدث وبعد كل هذه السنوات، نعم هي تعلم بأنه تعذب بقدر ما تعذبت ولكنه لم يعلم بأنها رأته في عيون كل رجل صادفها ورأت عينيه في كل مكان .. وابتسامته المهلكة في كل صفحات كتبها وفي أوراقها أيضا وكم كم رسمت عينيه بوجل .. ولم يعلم بأنها أعلنت تحجر قلبها بعده فلا شخص بنظرها يستحقه سواه .

 

لن تبكي .. أمرت نفسها بغضب ولن تنحني .. ولن تسامحه .. لقد اختصر هو ذاك اليوم بسرعة وستفعل هي ذلك أيضا ستختصر كل أحلامه فليتألم مثل ما جعلها تتألم وسط لياليها الموحشة .. طفق يتحدث عن السنوات التي قضاها بعيدا وكيف قضاها  وفهمت من حديثه الطويل بأنه قد حقق هدفه وعاد إلى بلده حاملا الشهادات والطموح ومتأكدا بان مستقبلا واعدا مشرقا ينتظره .. ومع كثرة كلامه شعرت بالضجر فرفعت يدها تمنعه من مواصلة حديثه .. صمت فتجاهلت نظرة التساؤل في عينيه واكتفت بالقول بأنها على عجلة و سعدت لرؤيته وتود الرحيل كما أنها تتمنى له مستقبلا مشرقا واعدا .. لم تخطئ الصدمة في عينيه ولا التوتر في ارتعاش يده حينما مررها على جبينه العريض .. طالبها بتفسير .. فغضبت بشدة لماذا التفسير .. لم تطالبه هي بتفسير حينما قرر الرحيل .. هل يظن بأنه سيذهب دائما وحينما يعود سيجدها بانتظاره !!!!

حطم قلبها ويطالبها بتفسير !! عجبا !!

 

سألها لماذا؟؟؟

أجابت بسخرية ووقاحة : - من يزرع الرياح يحصد العواصف !  .. قطب جبينه وحاجبيه بشدة معبرا  عن غضبه .. تنهدت .. ثم أعطته كتفيها لتحتضن دموعها التي باغتتها فجأة .. بحركة رشيقة ذكية تمكنت من مسح دموعها بدون أن يلاحظ . ابتسمت بزيف والتفتت إليه .. ودمرتها ابتسامته مرة أخرى !

 

شحذت عزيمتها وقررت أن تنهي هذه اللحظة بأسرع ما يمكن .. التمست القوة من ربها  أغمضت عينيها لبرهة من ثم فتحتمها و تنفست بعمق وقالت ببطء: لا جدوى من دق الماء !

 

هز رأسه بعنف ثم قال والدهشة تكتسح  وجهه بألم : تعرفين بأنك الوحيدة التي استطاعت أن تسرق قلبي !

حاصرتها عيناه فتجاهلت رده وهمست وهي تطرق رأسها أرضا : الضربات المؤلمة لا تسدد بالأيدي !

واستطاعت هذه المرة أن ترفع أهدابها وتنظر في عينيه بثبات كما أنها استشفت غضبه المكتوم ويمكنها رؤية عذابه بكل تأكيد ولكن ماذا بيدها أن تفعل .. فكل شيء قد انتهى .. ولا جدوى الآن من نبش الماضي أو محاولة إحياءه ..

رقت ملامحها قليلا لحالته البائسة ولكن ألا يستحق ذلك ؟؟؟ .. والآن بالذات قد حانت ساعة الصفر رفعت قامتها واستطردت قائلة بحزن : المسرحية انتهت !

 

اخترق صوته صمتها قائلا بلطف محاولا أن يهدأ الوضع :  ولكني لم اسمع التصفيق بعد !!َ

 

هزت كتفيها : ربما لأننا ممثلين فاشلين !

 

نظر إلى عينيها بعمق وكانت تعلم تماما بأن نظرنه العميقة تلك تخترق روحها ولو بقيت للحظة أخرى فحتما سترمي بجميع قراراتها عرض الحائط وسيصبح عذابها رمادا تذروه الرياح !

 

نظرت إليه للمرة الأخيرة وتكلمت بصوت بالكاد سمعه هو إياك أن تطرق الباب دون أن تتوقع سماع الجواب !

أعطته ظهرها وليست بحاجة لترى خيبة الأمل في عينيه فذلك سيقتلها حتما ..همت بالرحيل ولكن صوته عاجلها كيف يمكنك أن تكوني بهذه القسوة .. باغتته بإجابة قوية وكيف يمكنك أن تكون بهذا الصمم ؟

 

سيمضي بقية حياته يرى نادما في المرآة  إنها متا كده من ذلك .. رحلت بصمت تجر أحزانها خلفها ولم تنظر إلى الخلف مرة واحدة  .. وستواصل حياتها بكل ثقة وسعادة إياه أن يفكر بأنها محطمة و وإياه أن يفكر بأنها منهارة وتبكي في المساء لا أبدا فهي فقط تتألم عندما تتنفس ..  قلبها ينفطر فقط حينما يخفق .. أحلامها تموت فقط حينما تحلم !! لذا فأنها  تمسك أنفاسها .. حتى تنساه !!!! ليست محطمة هي ... فقط.... بقايا امرأة !

 

 

 

شيطان الحق

 

آه ما أجملها وهي خاضعة .. ظلت هذه العبارة المريرة تتكرر دائما وأبدا أمامه وخلفه .. حقروا المرأة وجعلوها تابعة ..لم يقدروا فيها الأم أو الزوجة .. ففي قريتهم كان المستحيل ممكنا والمعقول حرام .. والشيء الجنوني مقدسا .. وكما تتلمذوا على يد شيخ القرية تعلموا بذات الوقت أن المرأة لا بد بان تكون تابعة وتابعة فقط .. لا يحق لها أن تفتح فمها ، لا يحق لها أن تحتج ، لا يحق لها حتى أن تتنفس ذات الهواء الذي يتنفسه رجال القرية.. وحرام أن ترفض شيء لا تعتبره إلا إجحافا في حقها .. بينما هو بالنسبة لرجال القرية عدل لا تستحقه المرأة.

 

كل نساء تلك القرية النائية تعلمن الصمت في بداية حياتهن كمجرد فتيات وتجرعن مرارة القهر مع كل قطرة ماء تنساب إلى حلقهن ، والويل كل الويل لمن تفكر بأن تسلك طريق مغايرا للطريق الذي حدده رجال القرية أو تفعل شيئا غير ما حدده رجال القرية كعمل لهن أو كسبب لوجودهن  وإلا فإنها ستكون ابنة عاق أو امرأة فاسدة ..

 

رغم معارضته لكل تلك الأفكار المحقرة لشخص المرأة لم يستطع فعل شي.. أنى له أن يغير شيئا بقوم تربوا عليه سنينا وسنينا ..وكيف له أن يفتح موضوعا كهذا يعتبر حراما وعيبا كبيرا ..

 

وحينما تجرأ أخيرا وقال لا أرى سوى التحقير للمرأة وعظمتها .. لا أرى سوى السخرية والضحك عليها .. قوبل بعاصفة من الشتائم  والتصرفات الهمجية لأنه وعلى حسب تفكير رجال القرية يسيء لنسائها ويريد تحريرهن من واجبهن الذي سنوه لهن !!!

 

حتى تحية السلام لم تعد واجبا إذا مر هذا الشاب العاق بنظر الجميع والذي غادر القرية لسنين ليدرس بعيدا عن قريته المتخلفة وآرائهم السطحية في كل شي ..

 

وبمرور الزمن فوجئ الشاب بان لا أحدا يكترث لأمره وبالكاد يسأل عنه أحد ولا أحد يستطيع أن يقترب منه لأنه مجنون كما يقال عنه وفي رأسه مخططات جهنمية وأفكار لعينة تتلاعب بدماغه المريض للنساء كي يعلن تمردهن وعصيانهن لرجال القرية العظماء !!!

 

بسبب أفكاره المتحضرة وبسبب إيمانه العميق بحق المرأة والذي ورد في القرآن اعتبر جاهلا وسفيها وابتعد الكل عنه سوى أمه التي لا تزال تراعيه وتحبه ولكنها أيضا بدأت بالحذر منه لم تعد أمه التي يعرفها لم تعد تبتسم له تلك الابتسامة التي تعيد الروح إليه كلما أتاها هاربا من شقاء الدراسة ،فكر أن يسألها ولكنه تراجع لأنها كثيرا ما تنظر إليه وكأن مسا ما أصابه .. يا لسخرية القدر حتى والدته والتي تعرفه حق المعرفة تشكك فيه وفي ما تعلمه بعيدا عن ناظريها . ولم يتوقع إطلاقا أن تكبر تلك الفجوة بينه وبين أمه وتمتد لشقيقاته اللاتي يخجلن منه ومن ما يحاول نشره بين رجال وفتيان القرية ..والفاجعة الكبرى حينما رفضت شقيقته الفضلى والمقربة منه أن تبقى معه لوحدها كما تعودا أن يفعلا في الماضي البعيد .. وحين سألها عن السبب فجعته بإجابة هزت كيانه .. يا أخي بت أخشى على نفسي منك لماذا تحاول جعل فتياتنا ونسائنا أن يتمردن على واقع الحياة !! .. فكر بسخرية  أي واقع هذا .. الذل والمهانة .. والقهر وكتم النفس وذبح الصرخة في الحلق .. هل هذا ما تطالبينني به يا أختي العزيزة .. هل ترضيك هذه الحياة البائسة المزرية ؟؟؟

 

انصرف عن أخته لفتية القرية وخصوصا المقربين منه وأصدقائه وبدأ بنشر فكاره حول المرأة وحقوقها المشروعة في القران والسنة ..والحقوق التي ثبتتها في رأسه دراسته الطويلة ..قابله البعض بردات فعل عنيفة وبعض منهم أبدى له إصغاء لم يسفر عن نتيجة بالتأكيد والبعض الآخر ضحك عليه  بهستيرية وكأنهم يشاهدون مسرحية كوميدية ..

 

عجيبون هولاء القوم .. وهذه العشيرة بحالها دمار في دمار ، العادات ، التقاليد، الواجبات الإجبارية التي لا تمت للواجب بصلة ، ونظرتهم المستهترة والمستحقرة للمرأة والتي لا يؤمنون فيها بنفع المرأة إلا كخادمة في البيوت وامرأة تلد رجالا عقيمي التفكير كحال بقية رجال القرية .

تألم كثيرا من حالة قريته المزرية .. وحاول جاهدا أن يشعرهم بالفرق في النظرة المتدنية للمرأة والنظرة الحكيمة  للمرأة  والمنصفة لشخصها.. وفشل وفشلا مجددا .. وكان كل ما يتفوه به يعتبر حماقات أو زلة لسان كما يدافع عنه بعض الأصدقاء .

 

لما يدافعون عنه وهم أصحاب العقول المريضة ؟؟ ..

 

سكت وتجاهل كل الملاحظات المؤلمة التي يتفوه بها الفتيان الصغار كل ما مر بهم .. مجنون مجنون أنه مجنون !

 

في نفس اللحظة التي كان يتجرع فيها مرارة الرفض من القرية بأسرها توقفت فتاة تحمل وعاء صغير لنقل الماء من البئر  تدل ملامحها على سن صغيرة .. ربما السبعة عشر عاما ..نظر إليها بوجه معدوم الملامح ،استطاع أن يستشف الحذر في صوتها : يقال بأنك مجنون .. وتملك فكرا عقيما !

 

ابتسم عندما سمع تصريحها الجريء والوقح في ذات الوقت ،واكتفى بالقول :لنقل بأن العقل المريض  والمجنون هو ما يؤمن بأن المرأة آلة وأداة فقط .

عقدت الفتاة حاجبيها وقالت : هل تحاول أن تغير شيئا يعتبر تقاليد مقدسة.. هل تحاول أن تشوه المرأة ؟

 

أفلتت ضحكة صغيرة منه وقال : كنت اعرف بأنك تملكين نفس العقل والتفكير !

باغتته الفتاة بإجابة قوية لم يتوقعها: لا، أنا لا اعتبرك مجنونا .. بل اعتبرك بطلا .. ولكن زمن الأبطال ولى ومضى!

 

رد الشاب ببساطة: لا أسعى للبطولة كل ما أريده هو أن تنعمن بحقوق طبيعية كبقية نساء البلد ، هل هذا جرم؟

هزت الفتاة رأسها : لا ، لكنك لن تنجح أبدا في هذا ، لأنهم يتوعدون لك !

مرة اخرى غلفت الابتسامة محياه: شعرت بذلك وأشكرك لتحذيري ..ما اسمك،، أراك للمرة الأولى !

هزت الفتاة كتفيها: ما فائدة الاسم إذا كانت هذه أول وآخر مرة أتكلم فيها معك أو اسمح لنفسي بالوقوف هنا للتحدث معك .

اكتسح الذهول ملامحه وسألها: وهل يعدها رجال قبيلتك جريمة شنيعة؟

 

الفتاة: بالتأكيد هم يعتبرونك مرضا خبيثا يجب استئصاله لأنك تهدد القيم والأخلاق كما سمعت هذه الثرثرة من نساء القبيلة !

الشاب بتعجب: حقا؟؟.. أتعلمين ؟ للمرة الأولى أرى فتاة حرة الفكر مثلك واعتبر هذه معجزة!

للمرة الأولى ضحكت الفتاة واستطردت بلطف: لا أنوي فعلا إتباع قوانينك وسننك التي تناهض بها وتطالب بها لان في ذلك موتي !

الشاب: أنتي الآن ميتة صدقيني ، وبلا كرامة وبلا غاية وبلا هدف وكأنك عدم !!، كيف تشعرين بالرضا عن نفسك؟؟؟

تهربت الفتاة من مواصلة الحديث : ليكن الله في عونك ، انتبه لنفسك، سعدت بلقائك !

 

ورحلت حتى قبل أن يودعها .. ذهبت عدوا وربما خوفا فطوال فترة الحديث القصيرة تلك كانت عيناها ترتعدان خوفا من أن يراها احد رجال القرية و يتهمونها بالانحلال والضياع ،ابتسم حينما اختفت عن ناظريه ولكنه قال بتصميم لنفسه: لأجلك يا فتاة الغد سأحارب بكل قوتي وطاقتي !

 

حسب نفسه سيخرج بنتيجة من الفوضى التي تعم القرية البدائية ذات المعتقدات البالية والمستعبدة للمرأة التي يسكنها وجاهد في قول كلمته جهادا قويا ولكنه لم يعلم بأن رجال القرية كان يخططون لشيء آخر...يخططون لاقتلاعه من أرضهم القاحلة بلا عودة فهو بات يشكل خطر محدقا بقوانين القرية وكل ما يعتبر شاذا يجب استئصاله ورميه بعيدا  ..

 

قتلوه ..نعم قتلوه ببرود أعصاب وكأنما يؤدون واجبا وطنيا .. وحينما أطلق الروح تنفسوا الصعداء لأن عقولهم المريضة ابتهجت أخيرا لرحيل الشيطان عن ديارهم ، ما هو إلا شيطان يعمل لتخريب أمنهم واستقرار سلطتهم المجحفة في حق المرأة ..

 

لم يكتفوا بقتله فقط .. بل سجنوا أمه المسكينة لأنها هي أساس الشر فهي من ربته ورعته طوال سنين عمره القصير الذي قرر رجال القرية البائسة بأنه يجب أن يتوقف عند هذا الحد وعقوبة الموت هي الأفضل لكي لا تختل موازين السيطرة والتحكم في مشاعر المرأة البسيطة التي في نظرهم لا تستحق أي حق .. فهي آلة وأداه وستبقى كذلك ما حييت !!

 

 

 

اللقاء الكارثة

 

بعد لحظات انتشلت ريماس نفسها من أحلامها وأمانيها المجنونة ونهضت ونظرت إليه كالمصدومة.. أعطته ظهرها لتمسح دمعة طفرت من عينها .. لماذا لا يكون كل ذلك حقيقة وواقعا.. لماذا لا يحق لها بأن تحبه إلى الأبد..

 

صعقت ريماس حينما أدركت ما تفوهت به منذ لحظات لنفسها .. تحبه !! ،  انهارت على اقرب كرسي وأجهشت بالبكاء .. فزع خالد فقفز إليها بسرعة : - ريماس،ماذا حدث ؟! ، نظرت إليه بألم ثم تابعت إجهاشها بالبكاء  فيما كاد هو أن يصاب بالجنون فصاح والغضب باد على وجهه الجميل : - ريماس .. أرجوك ماذا حدث؟ ، لا تجعليني أصاب بالجنون!!

نظرت إليه مجددا ثم غطت وجهها بيديها  وأجهشت مرة أخرى بالبكاء المر .. بكاء يبكيه كل جزء من جسدها.. لا يمكن لهذا أن يحدث !!

تأوه خالد بقوه وهمس : - ريماس .. أرجوك .. هل أنا السبب؟؟ قولي بأنني .. لست السبب !

صرخت بفزع : - لا .. أرجوك ! ...  هزت رأسها بعنف ثم همست شفتاها بدون كلام لماذا احتللت قلبي بالقوة !

مررت أصابعها الطويلة البيضاء في شعرها الطويل الأسود الفاحم ثم همست بصوت ضعيف جدا : - أنت السبب ! وصمتت !

 

نظرت إلى عيناه بشوق ولهفة ثم أردفت بعد صمت طويل تأملت فيه عينيه الملتهبتين : - أنا .. صمتت مرة أخرى فصاح هو بخوف :- أرجوك .. لا تذليني أكثر .. تكلمي .. لا أستطيع تحمل فكرة بأنني آذيتك بدون أن اشعر !

 

ابتسمت بألم .. فليذهب الانتقام إلى الجحيم !..  ستخبره كل الحقيقة كل ما تحتاج إليه هو القوة .. فقط . ابتلعت ريقها ثم همست بعد صمت طويل طويل : - أنا .. احبك !

 

نظرت إلى عينيه بكل تحدي وثقة .. اتسعت عيناه وجمدتا ثم التهبت عيناه ببريق غامض : - هل هذا ما يبكيك ؟؟؟ اعلم بأنك تحبينني ! طفرت الدموع من عينيها بقوة حينما صرح لها : - عرفت نساء كثيرات .. كثيرات .. لكن لم أحب فتاة مثلما أحببتك ! .. أنت جوهرة ! ،، لا تحرميني منك أرجوك .. اقبلي بعرضي . أرجوك بكل ذل !!

أغلقت باب المنزل الذي تتقاسمه مع صديقاتها الاثنتين وشقيقتها نهى واتكأت عليه بعذاب تبكي بشدة وسرعان ما خارت قواها وتهالكت أرضا مستندة على الباب .. أسرعت البنات إليها وصيحات الدهشة تملأهن .. تكلمت نهى بخوف : ريماس !! ماذا حدث ؟ ..تجاهلت ريماس نظرات الفزع في أزواج العيون المحدقة إليها وأجبرت نفسها على النهوض  متجاهلة أسئلتهن اللحوحة وتمكنت بجهد جهيد من ارتقاء درجات السلم والصعود إلى غرفتها وهي مدركة تماما بان الفتيات يتهامسن  وربما يفكرن بأنها قد جنت ! ،، ارتمت على سريرها بغضب وألم . ماذا ستقول لهن الآن؟؟ بأنها أغرمت بالرجل الذي خططن لنفيه من الوجود.. كم سيكون موقفها مشرفا !

 

وسمعت طرقات على الباب تبعت بهجوم الحشد إلى الداخل .. التف الجميع حول سريرها ،مريم وهدى جلسن على أطراف السرير فيما ظلت نهى واقفة وتكلمت بلهجة خطيرة: - ريما !! أريد تفسيرا لكل هذا !

 

صمتت الفتيات بانتظار ردها فنهضت وهي تحاول لملمة بقايا شجاعتها .. تنفست بعمق ثم نظرت إلى نهى وقالت بوهن : - أنا بائسة .. يائسة لحد الموت !

 

شهقت نهى وسارعت إلى احتضانها وهي تقول بلطف: - أرجوك لا تقولي ذلك . بدت ملامح الذهول على وجوه بقية الفتيات وخصوصا هدى التي هزت رأسها نفيا قائلة بغضب: قلت لكن بأن هذه اللعبة لن تطول ! .. أجهشت ريماس بالبكاء فتبعتها نهى فورا .. صرخت مريم وهي ترجع بعض الخصلات المتمردة إلى ما وراء أذنيها : - هلا أخبرتنا ماذا يحدث ريما .. رجاء !

بعد لحظات مشحونة بالتوتر والترقب همست ريماس بضعف يحتل كل أوصالها : من  يتحرش بالقطط .. تخدش يداه ! .. تأوهت مريم : - عزيزتي .. ماذا حريا بهذا أن يفهمنا ؟؟

مسحت ريماس دموعها .. تنهدت بألم ثم قالت بضيق وعذاب : - وقعت في غرامه!

 

جمد الجميع عند سماع هذا التصريح المؤلم .. نظرت الفتيات إلى بعضهن بألم

 

إغرورقت عينا ريماس مرة أخرى بالدموع حينما رمقها الجميع بنظرات مندهشة متألمة .. أجهشت بالبكاء مرة أخرى فالتفت الفتيات حولها يهدئن من روعها .. أردفت مريم بحنان:-  اهدئي سنجد حلا لذلك .. أضافت هدى وهي تحاول أن تهون عليها : - لا تقلقي حبيبتي .. لا يمكن أن يكون الأمر بهذا السوء ..

 

استطردت مريم بابتسامة جميلة : نحن هنا وسنساندك للأبد ..

بعد لحظات استسلمن جميعهن للبكاء  ..  بعد صمت طويل قالت ريماس بضيق وتوتر: لا اعلم كيف حصل هذا .. ولكنني ضائعة ! .. امتدت أيديهن ليدها بقوة فأمسكت بهن بقوة ثم أضافت والحزن العميق ينغرس عميقا فيها : أنا خائفة جدا ..ماذا لو علم بأنني كنت أتلاعب بمشاعره كل هذا الفترة ؟! .. قالت هدى: صارحيه بالحقيقة! ..  ردت ريماس بعد تنهيدة طويلة : فعلت ذلك ،، نصف الحقيقة ! علم بأنني أحبه ولكنه لم يعلم بأنني شقيقتك يا نهى ! .. أخفضت نهى بصرها وهمست لنفسها أنا السبب في كل ما يحدث الآن. أنا من فكرت في الانتقام من خالد لأنه تركني محطمة .. أنا من ضغطت عليها لتفعل ذلك ! .. سحبت نهى نفسها من أفكارها حينما ألقت ريماس بكارثة على مسامعهن جميعا : - طلب مني الزواج ! ارتعشت شفتا نهى فتراجعت للخلف مصدومة ..وتعالت شهقات البقية .. صرخت هدى بذهول وعدم تصديق: وماذا قلت؟ ... أردفت ريماس : رفضت ! .. وتحججت بالدراسة والجامعة !

 

عاجلتها مريم قائلة بألم مرير يطغى على قسمات وجهها : - إذا كنت مغرمة به فاقبلي .. اخبريه كل الحقيقة .. سيثور وسيغضب ولكنه سيتفهم في النهاية !

 

قاطعتها نهى بغضب:  لا .. لن يتفهم .. أنا اعرفه جيدا .. سيقتلها إذا عرف بأنه كان ضحية مخطط نسائي ! ..... عاودت مريم حديثها بكل ثقة: - لقد خسرت أنا احمد للأبد .. فلماذا تخطئين أنت نفس خطئي !!

صاحت نهى بدهشة : لا لن تفعلي ذلك يا ريماس ..

 

صرخت مريم بقسوة في وجه نهى وهدى : - بل ستفعل .. نحن من يتحمل المسؤولية كاملة .. نحن من دفعناها للتورط في مخطط الانتقام هذا .. لن تنكرن ذلك الآن رجاء !

أضافت هدى بلهجة غريبة : صحيح .. نحن من زرعنا هذه الفكرة في رأسها

تكلمت ريماس بصوت بالكاد مسموع : كلنا أخطئنا .. ليس هناك أي ملامة وحيدة في الموضوع .. ما كان ينبغي أن أورط نفسي في هذا المخطط الشرير ..

 

ترجلت ريماس عن سريرها واتجهت لمريم  واحتضنتها بقوة . وقالت وهي تضغط عليها بشدة : أنا آسفة .. مريم اعلم بأنني لم أكن منصفة معك .. لم أكن بجانبك حينما احتجت لذلك ! .. همست مريم وهي تجتذب نفسها من حضن ريماس لتنظر في عينيها قائلة بابتسامة مزيفة لم تفت ريماس التي لاذت بالصمت : لا عليك !

 

ناداها لكن ريماس  تجاهلت نداء خالد متظاهرة بالصمم وأسرعت إلى قاعة المحاضرات.. طوال فترة تلك المحاضرة لم تركز للحظة .. وكانت تفكر بخالد وكيف لها بأن تصارحه بالحقيقة .. يجب عليها أن تتحرك قبل أن يعرف من أي شخص آخر .. حتى لو غضب منها أو تركها فعلى الأقل سيقدر موقفها واعترافها بالحقيقة المرة التي تؤرقها وتقض مضجعها ليلا ..همست بسخرية لنفسها الجبن لا يعرف عنوان ! متى ستتحلين يا ريماس بالشجاعة لتواجهيه بالحقيقة .. لتقفي مرة واحدة فقط وقفة شجاعة وتقولي كل ما تحتاجينه قوله لإنهاء هذا المهزلة !

 

أغلقت ريماس الباب خلفها بقوة ورمت كتبها بعيدا عنها بكل ما أوتيت من قوة واتكأت عليه بتهالك وألم  وانهارت أرضا حينما خانتها ركبتاها فاخفت رأسها بين ركبتيها وشهقت بالبكاء  الذي تحول إلى نحيب بالتأكيد .. رفعت رأسها بقوة فزعا حينما سمعت أصوات غريبة ففوجئت بالشلة تطالعها بحزن واسى .. أوه لا ! لا ينقصها هذا الآن .. ليست بحاجة للشفقة فحالتها جدا مزرية وبائسة بدرجة مؤلمة ...خبئت رأسها بين ركبتيها من جديد هاربة من مواجهتهن .. جثت نهى على ركبتيها أمامها  وتبعتها هدى ومريم ..أخذت  نهى  تمسح على شعر شقيقتها بحنان  ونظرة الحنان تتجسد في عينيها .. همست ريماس بعذاب يقطع كل جزء من جسدها بقسوة وبلا رحمة :- أنا أحبه لدرجة الجنون .. وأجهشت ثانية بالبكاء .. احتضنتها نهى بألم وأجهشت بالبكاء  أيضا .. أشاحت مريم رأسها بعيدا تخبئ دموعا تهدد بالانهمار  فيما نهضت هدى والدموع تترقرق في مقلتيها السوداوين .. صاحت هدى اللعنة عليك يا خالد .. حطمت نهى ثم ريماس .. ساعدت نهى شقيقتها على النهوض وأجلستها على أقرب كرسي فانهارت فيه ومسحت الدموع التي بللت خديها ثم قالت وهي تبتسم ابتسامة كئيبة لم تصل لعينيها : - أبدو كالمغفلة .. أليس كذلك ؟؟ ..أنا من خططت لإيقاعه ولكنه أوقع بي !  سارعت مريم للتخفيف عنها : وهو أيضا مغرم بك لدرجة الجنون !

اطل الصباح و ريماس مستيقظة تفكر بخالد .. استعرضت ذاكرتها من أول لقاء مدبر جمعهما  إلى آخر لقاء لها به والى الآن ..  أطلت نهى برأسها وقالت  بمرح :صباح الخير يا كسول ! .. ردت ريماس بابتسامة فاتنة : بل قولي مساء صباح الخير !

 

ضحكت نهى ضحكة نابعة من القلب ثم قالت بمكر:  لا بد بأنك لم تنامي.. ولكن لا بأس .. مهما كان الذي تفكرين به فقد قررنا أنا والفتيات إضافة جو المرح إلى حياتك ..هيا انهضي .. سنخرج ..كل شي معد ونحن جاهزات للخروج.. ما عليك سوى غسل هذا الوجه الفاتن والنزول فالجميع بانتظارك !

 

تمطت ريماس بكسل  وتعب فجسدها مرهق مرهق جدا ولا يقوى على حملها ولكنها لا تستطيع رفض ذلك .. في الحقيقة أنها تشعر بأن هذا اليوم مميز للغاية .. أطلت مريم برأسها وصاحت بنفاد صبر ريماس .. تأخرنا !! صاحت ريماس : حسنا .. آتيه!!

اتخذن مكانا منعزلا في الحديقة العامة وتكلمن بأشياء كثيرة .. انتهت بخالد طبعا !

ارتسمت الجدية على وجه ريماس التي قالت بصوت حميم : أحبه ..جدا ولكنني .. اخسره ! لكن أتعلمن شيئا .. لن أبالي أكثر ولن اذبل بانتظار أن يرويني هو .. سأتركه قبل أن يكتشف الحقيقة!

 

نظرن الفتيات إليها بغرابة ونظرات أعينهن تصرخ إنها مجنونة! نظرت إليهن بالمقابل ثم صاحت بعصبية : -ماذا ؟؟

كتمت الفتيات الضحكات وردت مريم : طبعا لن أهنئك على خالد .. لأنه سيئ بكل ما للكلمة من معنى! ..  قاطعتها هدى وهي تسرح حالمة : آه خالد.. انه كامل لدرجة الإفراط ..وسامة ..هيبة .. طلة مميزة وحضور طاغ ولكنه .. أردفت نهى باقتضاب : بربري .. متوحش .. ولن يسامحنا أبدا إذا علم الحقيقة ! تعالى رنين هاتف ريماس النقال فصرخت ورمته فزعا : انه هو !

 

ضحكت مريم ثم قالت وهي تعيده إليها : لا تكوني جبانة ..

ابتسمت ريماس ثم قالت : أعلم بأنني عنوان للجبن ! ... أخذت هاتفها ثم ردت قائلة بصوت متهدج : أهلا خالد .. ونهضت وذهبت بعيدا  فيما ارتسمت علامات الخيبة في وجوههن وضحكن بعنف .. 

عادت وابتسامة أمل تحتل محياها وجلست بينهن والفتيات ينظرن إليها بسعادة .. صاحت هدى : ماذا حدث .. تبدين سعيدة .. نظرت ريماس إليها ثم تجاهلتها قائلة : ماذا .. لماذا تنظرين إلي هكذا هل أصبت في دماغك ؟ ..تعالت الضحكات وقطعتها مريم : نريد الحقيقة يا فتاة ..كوني فتاة طيبة .. واخبرينا ماذا حدث .. هيا !

 

أغمضت ريماس  عيناها بقوة وصرت من بين أسنانها: ربي .. امنحني القوة ! ،، ضحكت نهى بقوة ثم قالت من بين ضحكاتها : قولي الحقيقة كاملة .  تأففت ريماس ونهضت : لقد أصبتن بالجنون .. فتحت هدى فمها للتكلم ولكنها هددتها قائلة بمرح :  اختفي قبل أن ينتفخ وجهك بالكدمات !

اخترق ضحكاتهن صوتا غاية في الروعة : مرحبا ريماس !!! ... صوت لا تخطئه أبدا ..خالد !! التفتت الفتيات جميعهن إليه وقد انقطعت ضحكاتهن بفزع وقد أدركن بأنهن انتهين ! ومات الكلام على شفاههن حينما تجسد خالد أمامهن .. اقشعر بدنهن حينما بدأ يدرك الموقف أو بالأحرى بدا باستيعابه .. تكلم بعد صمت خيل إليهن دهرا : نهى .. ريماس .. انتن صديقات !

 

بدا الغضب جليا على محياه نظرت ريماس لشقيقتها نهى التي تقف عاجزة عن الكلام أو حتى الحركة فيما ريماس عاجزة عن التنفس !! صرخ بهما : أريد أن اعرف ما الذي يحدث هنا ؟؟

 

تجمعت الدموع في عيني ريماس التي استطاعت القول بصوت مبحوح مرتجف : خالد .. أرجوك سأشرح لك كل شيء !  ونظرت مرة أخرى إلى شقيقتها حينما أطال خالد النظر إليها ونهى تكتفي بالصمت والمشاعر تتضارب بداخلها .

حاولت هدى الكلام لكنه منعها بحركة من يده كانت كافية لدب الرعب في قلوبهن .

تضرعت ريماس إلى ربها ثم استجمعت شجاعتها وابتلعت غصة في حلقها ثم قالت بفزع : شقيقتان يا خالد ! ارتفع حاجباه بتعجب : ماذا ..آه .. يا للروعة ! صمت محاولا السيطرة على نفسه  لكنه زأر كالأسد بعد ثوان : أنت يا نهى من خطط لذلك ! حاولت نهى الرد ولكن لسانها خانها بقوة فأجهشت بالبكاء .

 

 فكرت ريماس بصوت عال تبا له .. لن يبكي شقيقتها بعد اليوم .. يكفيها ما سببه لها من ألم وعذاب حينما هجرها بكل وقاحة .. وتركها محطمة .. واتتها شجاعة غريبة لتصرخ في وجهه بالحقيقة : أنا شقيقتها .. لقد خططنا لإيقاعك كان كل شي مخططا له يا خالد ! .. صمتت لحظات لترى ردة فعله التي لا تبشر بخير أبدا  لقد عرف الحقيقة وعرف بأن كل شي كان مفبركا .. أجفل حينما استوعب الحقيقة .. إذا هي مكيدة ..لقد استغلتا غباءه لمصلحتهما .. انفجر قائلا بغضب زلزل الأرض تحت أقدامهن : إذا هي خدعة .. لقد غششتماني .. لا بد بأنكما استمتعتما جيدا .. وضحكتما مطولا علي !

 

صاحت مريم بشجاعة : لا خالد لم يكن الأمر كذلك أبدا .. لقد وددنا إخبارك لكن ..

صرخ خالد بها بقسوة : لا تنطقي بكلمة فأنتي أيضا غشاشة محتالة مثلهن تماما . صمتت مريم مصدومة .. ما بال هذا الرجل لا يحترم أحدا!

بدا الألم يزداد في قلب ريماس التي بدت منهارة تماما .. استطردت ريماس بأسى يملأها حتى العمق : أرجوك .. ارحل الآن فالمارة ينظرون إلينا .. سأتصل بك وسأقول لك الحقيقة كاملة .. أرجوك سيتجمعون الناس حولنا ...

رد مكشرا والغضب يغلي في مقلتيه: أبدا .. ستشرحين لي كل شي يا .. وكتم كلمة كاد أن ينطقها تجرأت نهى على الكلام أخيرا ثم  قالت بخشونة : أنا من سيوضح لك !  أنا من ورطتها في كل ذلك !!

 

بدا الاحتقار في صوته : ورطتها ؟؟ .. وهل هي مغفلة برأس كبير ! الم تعرف بان ما اقترفتماه يعد عملا فظيعا و تضليلا من الدرجة الأولى .. واستهزاء بمشاعر رجل كن لريماس كل الحب والاحترام ..ولكن أهنئك يا ريماس بدلتي المشاعر إلى بغض، كره، تقزز واشمئزاز مما قد تفعله شقيقتان بحياة رجل !

 

لن تصمت أكثر ولن تتحمل أهانته أكثر فصرخت به بحقد وهي تصفق له  : أهنئك .. لقد كنت دائما تلميذا في الغباء ! تدخلت هدى بقوة قائلة لن نشرح أي شي سنرحل أرجوكم الناس ينظرون إلينا !ضحك بسخرية ثم صر من بين أسنانه البيضاء : حسابها سيكون عسير .. ولكن حسابك أيضا يا نهى لن يقل عن ذلك .. مهما كانت وظيفتك قولي لها وداعا ..وسأعمل على أن لا تتوظفي مرة أخرى طوال حياتك !

توترت شفتا ريماس وضاقتا حينما صرخت بحدة : لا يمكنك فعل ذلك !

صاحت به مريم : أهنئك لأنك تتمتع بفضيلة الانتهازية !

 

ضحك مرة أخرى ملء شدقيه حينما نظر إلى نهى التي بدا وجهها خاليا من الملامح من شدة الصدمة .. همس بحقد واضح جدا في صوته : وأنتي يا ريماس .. سأهتم بأن تقعي وتصطدمي بالأرض !  لا تنكر ريماس بأن الخوف جعلها ترتجف ما يحدث أسوأ من كل ما توقعته لماذا ورطت نفسها في كل هذا ..  ولكنها لن ترضى بأن يراها ضعيفة .. يريد الحرب إذا فليكن ! .. تقدمت منه قليلا ثم قالت متجاهلة نظرات المارة : دعك من اللعب في الخفاء .. واجهني !

 

أتاها صوت ساخرا : أوه يا حبيبتي الصغيرة المنافقة !

قالت ببرودة وهي تحملق فيه بغباء : لا تدعني بهذا الاسم إذا كنت تريد أن تعيش ! . تحدت عيناه حينما قال بسخرية جعلتها تجن وتود قتله :

تعرفين بأنني استطيع تشويه  وجهك الجميل هذا يا .. يا ريماس .. كرهته بشدة لطريقته المقززة في نطق اسمها ولكنها لم تعير ذلك أهمية بل صاحت فيه : لماذا كل الرجال أغبياء ؟

 

تجاهلها بمنتهى البرود .. ابتسم بجاذبية دمرتها .. لكنها تجاهلت ذلك بغضب .. وكرهت نفسها لتيقنها بأنها لا تستطيع أبدا أن تتجاهله ... وان تظاهرت بذلك فهو يعلم مدى تأثيره عليها وهذا ما يذلها ويشعرها بالخزي الآن .. توقفت أفكارها فجأة حينما قال ببطء متعمدا أهانتها:

 

أتعلمين ما أنتي .. مجرد حشرة استطيع أن أدوسها بقدمي واسحقها بكل بساطة .. صدقيني لن أتوانى عن ذلك ! ..  ضغطت على نفسها كي لا يرى الصدمة في عينيها .. تحدت نفسها بأن تنجح في ذلك ونجحت حينما استطاعت أن تبدو جدا هادئة وتقول بابتسامة عريضة ساخرة:

 

أكون شاكرة لك لو تكف عن السخافات !! .. صمتت ثم عاودت كلامها بثقة اكبر قد بدأت فعلا تشعر بها : كي تستطيع النيل مني .. تحتاج لكثير من الخبث ..كثير من الخبث ! وابتسمت له بتحدي  .. حينما قال بخشونة : استطيع أن امحيك من الوجود ..

 

ضحكت بشدة وهي تضيف: ردة فعل عادية من طفل مدلل .. مشكلتك يا عزيزي بان أمك قد دللتك كثيرا ..كثيرا جدا ..لدرجة انك لا تستطيع أن ترى ابعد من انفك !

 

أصابت كبد الحقيقة وأصابته في الصميم فقد بدا فعلا مصدوم وغاضبا بشكل مخيف وصرخ بها بقوة : لم لا تموتين وتريحينني ! ...  ابتسمت عيناها حينما أدركت بأنها بدأت تكسب الحرب فاكتفت بالقول ببرود وهي تعي تماما بأنه قد فقد أعصابه : اقتلني . تعمل كثيرا ولكن النتيجة قليلة ! ... غبار كثير يا خالد وحصاد قليل.... أتعلم ذلك ؟؟؟... وضعت يديها على خاصرتيها بتحدي ... حينما أدرك بانه يبدو كالمغفل بغضبه الذي وصل لحنجرته اكتفى بإهانتها قائلا: أتعلمين ماذا ؟؟؟ لم اعرف السخافة إلا عندما عرفتك !

 

تأوهت ريماس بحركة مسرحية قائلة وهي تضحك بعنف: وهل اصدق انك لم تنظر إلى المرآة يوما ؟؟؟ زم شفتيه بقوة معبرا عن غضبه الشديد : كفى كفى .. من فضلك.. صدقيني لا استطيع

السيطرة على أعصابي سأضع يدي حول عنقك واعدك بأنني ...

قاطعته وهي ترسم دائرة في الهواء : وعود كاذبة يا عزيزي ! .. عاجلها بنبرة وقحة ومهلكة:

 

 لماذا لم أخنقك حتى الآن؟؟ لا اعترف بوجودك أنت ميتة لا أراك لا أسمعك ولا أعرفك .. هنا فقط عرف كيف يضربها في الصميم .. فعلا هو يستحق التهنئة في كل حياتها لم تر شخصا بغيضا مثله .. تراه لأول مرة على حقيقته الأخرى البغيضة البعيدة عن كل الجماليات والشكليات المحترمة  .. ورويدا رويدا بدأت النيران تضطرم في جوفها ولكنها فضلت أن تحفظ ماء وجهها وتتظاهر بالقوة فضحكت ملء شدقيها ثم همست وأساريرها تنفرج عن ابتسامة رائعة : اخفض صوتك رجاءا .. شردت لحظه في عينيه ولكنها حولت انتباهها بعيدا عنه حفظا لماء الوجه كما سبق وقررت .. فوجئت به يقول : أنت كارثة !! .. تجاهلت خفقات قلبها العنيفة والتي تطن في أذنيها وسارعت للقول بمرح زائف: وأنت كلمة أحمق مكتوبة على جبينك بالخط العريض مع بعض الزينة وكل شيء .. وضحكت بخفة .. والآن ارحل قبل أن اقتلع شعرك من جذوره ..  ارتفعت يده تلقائيا إلى ( الكمه) التي يرتديها ثم ابتسم بوقاحة : ارتجف صدقيني! .. نزلت يده إلى جانبه ثم قال بعدوانية : سنرى من سيبكي مطولا يا ريما !!.. رحل !! ظلت تنظر إليه وهو يبتعد ثم صاحت : انتهى كل شي !

 

ردت نهى: لا يا ريماس لقد بدأنا للتو .. سترين ما سيفعله بنا ! ... رفعت ريماس رأسها غرورا وقالت : لا يهمني .. لا تخافي لن يفعل شيئا صدقيني ..

 

قاطعتها مريم بيأس ولكنه هدد وتوعد .. أم انك لم تدركي خطورة الوضع بعد يا ريماس ..

 

تدخلت هدى بصوت ضعيف ومهتز: ردة فعل عادية من رجل عماني وشرقي ! .. الآن فقط بدا الخوف الحقيقي يتسرب إلى نفس ريماس .. فعلا أن ما يحدث خطير .. والدليل بأنها لأول مرة ترى مريم ضعيفة وهي معروفة بأنها مثالا للقوة والتصدي للمشاكل والأزمات .. ولكن عندما رأتها خائفة أدركت بان المصائب قد حلت فعلا .. لماذا حدث كل هذا ولماذا شاءت الصدف أن يلتقيهن صدفة هنا ؟؟  اهتز شيئ في نفس ريماس .. في الحقيقة ليس شيئا واحدا فقط بل أشياء كثيرة أهمها حبها لخالد .. تسارعت دقات قلبها وازداد ألمها بشكل لا يصدق .. لقد رحل .. خالد رحل من حياتها للأبد ..حسنا لن يهزمها الآن .. فليرحل فما عادت تبالي .. قلبها أطهر من أن يستحقه حقود كهذا ..تكلمت بصوت عال : اتركني .. وارحل !! امض بعيدا .. ولا تسأل !عني أبدا لا تسأل !! مزق بقايا الحب الجميل واسحق البقايا تحت قدميك !! أعدك بأنني لن أبكي .. ولن أنهار !!

 

 

 

الرجل الطويل

 

ارتدت معطفها الطويل وقبعتها البيضاء المزهرة واحتمت بمظلتها وخرجت إلى الشارع المزدحم المكتظ بالناس وصرخات الأطفال السعيدة بالجو الماطر والبارد .. تبسمت بدفء ثم مضت في طريقها ونسمات الجو البارد الممزوجة بقطرات المطر الخفيفة تلفح وجهها .. وفجأة مر من أمامها رجل طويل.. رجل طويل جذاب .. به سحر غريب . انتفضت بشدة وكأنما شعر بانبهارها به فنظر إليها .وقتلتها عيناه..وابتسم فيما لفها الخجل بجنون .خفق قلبها حينما أطال النظر إليها ..يا الهي جاذبية خطيرة وابتسامة منيرة ونظرة مثيرة.. وفجأة مضى! ترنحت خطواتها وتعثرت ..لقد ذهب ..لقد رحل ! ..تتبعته من بعيد والانبهار يحرق قلبها.. صادفتها جارتها فابتسمت لها بحنان فردت الجارة الابتسامة بمثلها ثم قالت لها:ما بك يا ريم؟؟

 

ردت عليها قائلة بحماس: هذا الرجل !! ،، وأشارت إليه برأسها وهو يمشي أمامها..نظرت إليها الأخرى تستنكر ذلك ثم أردفت: ما بك؟

ابتسمت ريم وأضافت: لنمشي في طريقنا. و مضيتا خلف الرجل الطويل ..لكن سرعان ما ضاقت الأخرى ذرعا فاستطردت قائلة:الآن قولي لي لم تتبعين هذا الرجل؟؟

 

أردفت ريم بعد تنهيدة طويلة: قتلتني ثقة خطاه..بعثرتني بسمة شفتيه.. ألجمتني النظرة الخبيثة في عينيه

صمتت الأخرى ثم ما لبثت أن أردفت بابتسامة نصف ساخرة وهي تراقب اتساع عيني ريم بدهشة: آه وما أسعدني ابتسمت لي عيناه !

 

هزت الجارة رأسها باستنكار : أنتِ مجنونة بالكامل  ..وضحكت ..فجأة سقطت جريدته فانحنى والتقطها فهمست ريم للبنى : آه يا ليتني تلك الجريدة في يديه!

كتمت لبنى ضحكة مخنوقة ثم قالت: ماذا كنت ستفعلين أيتها المجنونة ؟

 

عاجلتها ريم بنبرة واثقة: كنت سأعشقه وأعشق الهوى في هواه !!  ضحكت لبنى بعفوية وأردفت قائلة: ريــم ، هل أنت بكامل قواك العقلية ؟؟

ردت ريم بثقة: نعم نعم ، ثم واصلت المسير ثم شهقت : لبنى !! لقد اختفى ..لقد اختفى يا لبنى !

 

هزت لبنى رأسها : وما عساي أفعل يا ريم .. هذا رجل صدفة ..صدفة ساقتها لك الأقدار يا ريم!

-يا الهــي ! . رددت ريم عبارة صديقتها: رجل صدفة ! اغرورقت الدموع في عيني ريم ثم تنهدت بعمق: رجل صدفة ! ...

 

أضافت لبنى : هناك بعض الأشياء يا ريم ننظر إليها فقط ولكن لا نستطيع أن نلمسها ! .. زمت ريم شفتيها ثم ابتسمت ولكن ابتسامتها لم تمسح الحزن الذي غلف نظرة عينيها العسليتان.. ثم قالت ببطء: حسنا ، لنصعد القطار.

 

وصعدتا بحذر إلى القطار وهما تثرثران في مواضيع مختلفة.. اتخذتا مقاعدهما بجانب نوافذ القطار في مقطورة صغيرة .

 

صمتتا حينما تصاعد ضجيج القطار الذي بدأ المسير .. تاهت ريم في أفكارها ..وبدأ التفكير العميق في ذلك الرجل الغريب جليا على ملامحها البريئة .

 

أصدرت مكابح القطار صريرا شديدا فأفاقت ريم من أفكارها المتعبة.. ابتسمت بحنان ثم نهضت وترجلت من القطار بعد دفع الأجرة .. واصلتا الطريق بخطوات سريعة .. سألت ريم: ماذا تريدين من المدينة؟

 

أجابت لبنى بمرح: بعض الكتب التي لم استطع الحصول عليها من القرية..

 

قالت ريم بسرعة: إذا سنفترق .. أنت تذهبين لشراء الكتب وأنا سأذهب لشراء بعض الحاجيات من المتجر المقابل للمكتبة ..

 

كانت ريم تقف قبالة البائع وتنظر إلى لا مكان ريثما ينتهي البائع من حساب كلفة الأغراض التي قامت بشرائها ..دفعت له بابتسامة جميلة ثم خرجت وهي تحمل الكيس ، تنفست الصعداء أمام بوابة المتجر .. ومر من أمامها .. رجل طويل ، الرجل الطويل بذاته مجددا!! ،شعرت بقلبها يقفز في صدرها فانقبضت أساريرها بألم وسعادة في نفس الوقت .. فيما انفرجت أساريره عن ابتسامة ساحرة حينما لمحها! .. وبينما كانت تستجمع أشلائها التي شتتها ابتسامته  اختفى مرة أخرى ! ..

 

 

كهولة

 

قرر البلبل الحبيس انه سأم من عيشة الكهولة مع مالكيه الكهلين ( التسعينيين) واللذين لا ينقطع لهما شجار طوال الليل والنهار ..فقرر الهرب فور أن تفتح له العجوز النصف عمياء القفص لتطعمه .. سرعان ما واتته الفرصة فما أن وضعت العجوز يدها البيضاء المتجعدة الممتلئة بالحبوب داخل القفص حتى تمرد عليها البلبل ونقرها وهرب من القفص ومن العجوز الدميمة التي أخذت تصفع الهواء بيديها محاولة التقاطه لكنه هرب منها ومن صراخها وشتائمها ...

 

ولأنه هرب بحثا عن شباب أكثر وحرية اكبر فقرر فجأة البلبل أن يحط على نافذة الشقة المجاورة ليتنصت على ساكنيها ..ليجد شقيقتين مراهقتين تتراشقان بالوسائد والألفاظ النابية واللعنات مع تهديدات واضحة لكشف كل منهما لسر الأخرى إمام والدتهما !

 

شعر بالسأم  من صبا هاتين الفتاتين الغبيتين وسأم أيضا من طفولتيهما ورعونتيهما فقرر أن يبحث عن صبا اكبر وحرية أوسع .. حط على نافذة الشقة الثالثة المجاورة حيث يقطن رجل عشريني غريب الملامح يضرب زوجته بكل قسوة وهي تولول بحرقة ..

 

شعر بالسأم أيضا فقرر أن يواصل رحلته الطويلة بحثا عن صبا أكثر حكمة وحرية واسعة كالفضاء ..ليجد رجل ثلاثيني يعلوه دخان سيجارته يلقي محاضرة على مسامع طفله الوحيد الذي ضبطه متلبسا بجريمة التقليد الأعمى للتدخين من باب أن الابن سر أبيه !!

 

وقرر البلبل الرحيل فورا من هذا الوضع المتأزم وفي طريق بحثه  عن صبا اكبر حجما وعقل أوسع أفقا  حط على نافذة مجاورة للشقة السابقة وشعر بقليل من الراحة حين وجد سيدة أربعينية ترفع رأسها بغرور وترفع  تلقي الأوامر لخادمتها العشرينية وتلك تطأطئ رأسها المثقل بالخزي والقهر...

 

وكعادته لم يعجبه الحال فقرر هذه المرة الابتعاد عن هذا الجو السفلي الموبوء إلى الأعلى حيث يسود النقاء والصفاء دائما – حسب تفكيره الضيق -.. فحط على نافذة الشقة الأولى ليجد هذه المرة امرأة خمسينية تضرب فتى صغير لا يتجاوز عمره السابعة وفكر بقرف كيف لها  أن تضرب طفلا بهذه القسوة ؟؟!! ولأنه يعجز دائما عن فهم حال الإنسان فأن أسئلته ستظل دائما مجهولة الأجوبة وعديمة الهوية ..

 

حط على نافذة الشقة الثانية ليفاجأ هذه المرة بعجوز ستينية تحيك الدسائس لزوجة ابنها المسكينة .. وتلك لاهية في عملها الصباحي المعتاد في المنزل ..تزايد شعوره بالقرف من حال الإنسان فآثر أن يرحل قبل أن يصاب بالغثيان .. ولأن شيئا في داخله طلب منه أن لا ييأس في رحلته ضم جناحيه الصغيران إليه ثم كاد أن يصدق أن الإنسان سيتغير إلا أن دخول سيد سبعيني على عكاز

 

ولأن بصيص الأمل لا زال موجودا بداخله ويتمسك به بقوة قرر أن يحط رحاله الأخير عند نافذة الشقة الرابعة .. هناك اخذ ينظر إلى شاب مراهق تبدو كل تعاسة العالم في وجهه المصفر والخالي من الملامح ..نظر إليه ووجده يبتسم ابتسامة صفراوية قبل أن يحقن نفسه بإبرة ويغلق عينيه بغية الراحة الأبدية المغلوطة ...

 

حينها قرر البلبل وباشمئزاز أن حال مالكيه القديمين أفضل بكثير .. رغم إنهما كهلين ويفقدانه حماسه للحياة وحيوية الشباب إلا أنهما أفضل من كل العائلات المجاورة عاد إليهما بحب وغضب ... عاد إليهما ناقما على بني البشر وكل ما يخصهم !!

تمت بتاريخ : 20/5/2006 س : 13:51

 

أضيفت في 01/07/2006/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتبة

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية