أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: عبد الواحد كفيح-المغرب

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

من مواليد 1961 بالفقيه بن صالح /المغرب

صدرت له مجموعة من النصوص القصصية بمنابر محلية وعربية

البيان - بيان اليوم ، الاتحاد الاشتراكي – الصحيفة –‏ المنعطف الثقافي – البيضاوي - ألواح‏

وستصدر له قريبا مجموعة قصصية عن وزارة الثقافة المغربية ضمن سلسلة الكتاب الأول

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

مسعودة

المقبرة

النحل

تابوت طائر 

 

تابوت طائر



من حين لآخر كان يظهر لها من الود والحب والحنان ما يجعلها تهفو إليه .حسناء قبيلته ‏تسر الناظرين . اختار هذه المرة أن يظهر لها بزي الفارس المغوار، متقمصا شخصيات أجدادها ‏الأشاوس الذين طالما حدثته عنهم، تماما كما يحلو لجدتها من أبيها، وصفهم . لهذا الغرض، ‏ارتدى جلبابا أبيض قديما و سلهاما وامتطى صهوة فكرة "الحريگ" وشرع صدره وأفكاره على ‏مصراعيها للرياح الأربع تدفع به جهة الشمال. .يلف العالم لفا ويجوب الآفاق . قد يظفر بها ‏ويصبح فارس أحلامها، ولو في المنام ، سيعود منتصرا على كل الحواجز الضاربة جذورها ‏بأعماق العرف والتقاليد : المال والنسب و السمعة والفقر والآباء والأجداد وشجرة الأنساب . ‏أصابه الدوار ، كيف باستطاعة، بل من أين لهذا الحارس الأمين القدرة على ترك أيقونته بين ‏أحضان وغدر المتربصين سيموت ببلاد الغربة هما و غما ونكدا . تراءت له عروسا تتهادى، ‏بالحناء مخضبة البنان، موشومة مطرزة بالعقيق والموزون اللماع والودع واللوبان والنقرة ‏الحسنية. من على ظهر فرس مطهم أصيل يعود ربما لملكية أحد الأجداد ورثوه، بالسيف، من ‏عهد السيبة ..فارسة شامخة تطوف بها غيد حسان تزفها عصافير مرفرفة كما حواء، الجدة، ‏يوم أغواها الشيطان فأرسلت إلى هذه الأرض على وجه السرعة لتذيقنا من صنوف العذاب ما لا ‏يتسع له مجال . بيدها سلة كرز وعنب وأزهار .. يعدو باتجاهها فائزا للهرب بها لوحده وسط ‏اعزارى الدوار، كما هي تقاليد القبيلة ويطلق أب العريس كما هي تقاليد القبيلة طلقات البارود ‏من بندقية "بوحبة" إيذانا بانطلاق الأفراح إلى متم الأسبوع، كما هي عادة القبيلة ،لكن إحدى ‏هذه الطلقات تصيب العروس في مقتل، تخر بين أحضانه مدرجة بالدماء. أحس بالسائل دافئا ‏يتدفق بين النحر والصدر، سمع صوت قنبلة يدوي برأسه، يرج جمجمته اشتم رائحة البارود ‏تعفرت مناخيره عطس، بزق، ، تفل،داخ، لعن اليوم الذي ولد فيه . الحاصل من هذا نسي كل ‏شيء واستعد لـ شيئ واحد ووحيد : أن يكتب لها رسالة : ليخبرها بمغامرته إلى بلاد الثلج ‏والضباب، يذكرها بطارق بن زياد. من هناك سيكتب لها خطبة كتلك التي أحرق على إثرها جدها ‏طارق أوراق وقوارب مرافقيه . المصيبة أنه ليس بكاتب رسائل ، لم يكتب طول حياته رسالة قط ‏ولم يتلق رسالة ، عفوا فهو لا يعرف خربشات تلك الحروف الأبجدية ، رآها مرة واحدة من خلال ‏نافذة القسم الوحيد الموجود بالدوار .شدته فكرة كتابة الرسالة، حار في الأمر، فهي مثله لا ‏تعرف القراءة والكتابة . الرسالة لا تكتسب قيمتها إلا من هناك ، هكذا عاوده الإصرار على كتابة ‏الرسالة، وماذا تحمل الرسائل؟ كل الناس يكتبون رسائل. ماذا بهذه الأغلفة المغلّقة ؟ المهم ‏سيكتب لها رسالة من هناك من على قوارب الموت ..من تحت ماء اليم ...من بطون سمك ‏القرش....المهم رسالة من هناك، قد تحملها عروس البحر أو جنياته أو فيروز الشطآن لا يهم ‏فللبحر سعاة بريده . غاب عن الأنظار، طار الخبر في الدوار، ااستفاقت هذا الصباح على الخبر ‏السار.لم تكتب له رسالة ولكن من طول انتظار..تعجل السارد وقال: ‏
‏« صبنتُ كل صوف القرية بأدمعي وغزلته على مغزل الأماني و برموش الأعين خطتُ ‏لأحلامي فراء دافئا يتسع لصدر حبيبي .‏
‏ كل ساعات الناس وساعتي سواء إنما ساعتي رعناء لا تضبط الوقت بانتظام ، ولا لتقطع ‏الزمن إلى دقائق وثواني بل إلى موعد مع خفقان قلبه ودقات قلبي .»‏
علقت آمالها على مشجب العودة ، سوت آهاتها ولواعجها على تيار دبدبات كل نسمة ‏صباح، تبعثها عبر الأثير ، تتحول في مخيالها إلى معسول الكلام ، تذكرها بالحمص المالح زاده ، ‏مكرها، في قوارب الموت.‏
اهتزت القرية لعودة الغائب ، لم تنبس ببنت شفة، لا أحد يعلم .وصلت قافلة التوابيت ‏الطائرة ، وكان نصيب القرية منها واحد . فتحوه ، وعوض أن يجدوه ، حاروا في الأمر، فبداخل ‏التابوت عثروا على مظروف وسع رسالة مكتوبة ببياض ناصع البياض .‏

 

 

النحل

 

في السهل, في أعلى الجبل، في المرج، في جوف الوادي, انتشرت أمواج من النحل, لو ما كانت في السماء طائرة لقلنا ذاك بحر أمواجه النحل.
أسراب كثيفة تجوب المنطقة وكأنما جميع سلالات النحل حاضرها وغابرها ضربت موعدها في هذا اليوم, وفي هذا المكان, وكان متوحشا كما كان "بطش" متوحشا . كل أطفال قريتنا يهابون شاربه المفتول ومقلاعه الذي لا يبارح ذراعه, لا بشر ولا حيوان غير التي يملكها تصل إلى حدود حظيرته.

داهمه اليوم هذا الجيش الجرار من النحل فكان اللقاء, هذا اصطاده بأزيزه المذهل وذاك اصطاده بسلاحه الذي لا يمهل ولا يهمل, أوقع الفيالق في شراكه, رصده كما نعرف بفعل انعكاس أشعة الشمس ب... نعم بالمرآة, أسره في يوم مشمس حار, فرخ النحل وتربى في أحضان حرارة الطقس وسخونة الدم داخل السجن القاتل والكبت والظلم والظلام, كانت زوجة بطش غير مطمئنة لهذا العمل الشنيع, والاعتداء السافر على النحل, فظلت دائما حذرة في دخولها وخروجها تنظر إلى الخلية بعين العطف والرحمة, والخوف, كانت الخلية شبحا مخيفا يتبعها وهي عند الفرن عند البئر قرب الخم في البيدر, في غدوها ورواحها, ما فكرت يوما في نفسها ولا زوجها بل دوما في ابنها الوحيد الذي قد يكون يوما كبش الفداء وهدفا للانتقام . تعاقبت الفصول ودارت الأيام دورات واسعة, والخلية خلف البيت, ملكة, وخدم وحرس وحجاب و... و... الله أعلم, مملكة بأكملها لا يعيرها أدنى اهتمام . الخدم يبحث عن القوت يكسبه من تعبه لا ليصنع الشهد بل لإنتاج الغذاء الملكي سما من عرق جبينه, لأن بطشا ليس بمرب للنحل ولا عالما بتغذيته ولا مهتما بخليته .

أخبرته زوجته ذات مساء باختفاء النحل فهز رأسه مجيبا كعالم حشرات وإيكولوجيا " إنه منهمك في إعداد العسل الذي سأبيعه أنا وبالسعر الذي أحدده أنا يوم العيد الذي أحدده ... لا ... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ".

أوقد مدخنة قديمة وتوجه ليغزو قصر الملكة نعم ... صحيح كنيرون وروما, أدارها بيده اليمنى فوق الخلية بحركات دائرية متجانسة مستعدا في أي لحظة لإحراقها, متنحنحا متمتما بفمه المهترئ بكلمات لا معنى لها, فراح يتخطى الخلية يمينا وشمالا أماما وخلفا واضعا يده اليسرى بين فخديه، شادا بسرواله الفضفاض وأسماله البالية يهزها البرد فتظهر عظامه كفزاعة وسط موجات من الدخان, أو عفريت من الجان, وأمامه وقفت الزوجة تراقب طقوسه الغرائبية وحركاته الصبيانية بعدما أعدت، كما أمرها، كل ما يلزم من أواني مستبشرة بغنيمة ومحصول وافرين .مملكة النحل كانت على موعد هذا اليوم, وقفت مستعدة في حالة تأهب واستنفار بكل فطنة وحزم وحكمة, نعم صحيح, كأهل أثينا وقوة وجبروت جيشها, كأهل إسبرطة.

ارخبيل من الفيالق شمرت على ساعد الجد, فراحت تغازله بلسعاتها وتموت بالجملة, لكنها تتلذذ في لسعة قبل الموات، ليس بالغازات المسيلة للدموع ولا الأسلحة الكيماوية ولا الدخان كما يعتقد بطش، ولكنها تموت وفق الخطيئة الأولى للنحل، وذلك يوم أن طلبت جدتهم المسكينة من ربها طلبها الوحيد، فعوض أن تقول: " لي قرصتو يموت " قالت " لي قرصتو انموت ", يا لفلتات اللسان القاتلة- نعم ...نعم كل هذا حسب مرجع الحكايات الخرافية التي طالما أتحفتني بها جدتي في الليالي الباردة0 وللنجاة بالنفس يهرب بطش حافي القدمين, يجري, يلهث دونما هدف بأمر من زوجته إلى الماء, نعم الماء! الماء ! فيلقي بنفسه في البئر ليتخلص من النحل واللسع والعسل. فينجو من السم, لكنه لم ينج من الماء. ما كان يدرك أن النحل سينتقم, لكن زوجته المتشائمة, والعياذ بالله, كانت تعرف, " نعم كنت أعرف " .وهكذا تنعيه على مرأى ابنهما الوحيد بكلمات مقتضبة قائلة " أرحتنا منه وأراحنا منك " وهي تتأمل الجثة تغوص والعمامة تطفو فوق الماء, بادرها ابنها بالسؤال القاتل : " وماذا سنقول لرجال..." قبل أن يكملها خبطت بجمع كفيها على فخديها صائحة "يا ويلنا ! فما لسعنا أهون من لسعه, إنها كائنات تلسع يا بني ولا تموت ".
 

 

المقبرة

 

لعل أول عالم مدهش ولجته في حياتي, كان هو المقبرة, يرجع عهدي بأول زيارة إلى أيام الصبا, حيث فقدت أمي وليدها الرضيع, وكنت أصحبها في كل مناسبة وبدون مناسبة للترحم على روحه .

كلما دخلتها إلا وحضرني العالمان المتناقضان : الجنة والنار, فيستولي على الذعر والخوف الرهيب, لكن مع مرور الأيام وتعدد الزيارات, آنست هذا العالم الصامت, وأدركت آنذاك أن لا خوف وأن عالم المساواة والعدالة لا يوجد إلا تحت هذه الأرض, الكل بجانب الكل, لا فرق هنا بين الغني والفقير, والكافر والمومنوالعاهرة والمحصنة, والزنديق والإمام والكبير والصغير .لهذا, على ما أظن جعل منها بعض العشاق مسرحا لخلواتهم الحميمية ومغامراتهم الغرامية, وبعض السكارى مكانا للمسامرة ومعاقرة الخمرة ووجد فهيا اللصوص مكانا آمنا لتربصاتهم واقتسام غنائهم. دخلت مع والدتي, رحت أتجول بين القبور وأقرأ الأسماء المكتوبة على صفائح الجبس والمنقوشة على ألواح من رخام, وكثيرا ما كانت تسترعي انتباهي تلك التي ألصقت, عن سهو أو قصد, مقلوبة رأسا على عقب, الاسم منكس والتاريخ منكس. فكان لا يفوت أمي بين الفينةوالاخرى أن تنهاني عن قراءة أسماء ساكني القبور وتواريخ ميلادهم ووفاتهم, لأن ذلك حسب زعمها, يطمس العقل ويذهب الذكاء وينقص من حدة البصر, ومع ذلك كنت أختلس النظرة تلو الأخرى وأرنو لقراءة الأسماء والتواريخ, إذ كنت معجبا بعملية جمع وطرح السنين فأحبها لعبة مسلية, لأن التاريخ هنا فعلا مضحك, عملاق مارد يحاول أن يكسي نفسه بلباس رضيع, يقول كل شيء لكنه أخرس أصم ولا فائدة من وجوده هنا, فمكانه دهاليز المكاتب وسجلات الحالة المدنية .


كنت أرى هؤلاء راقدين منبطحين على ظهورهم, لا على جنبهم, عيونهم تحدق في عيوني, أضع لهم في خيالي صورا وسحنات حسب الأعمار والأجناس .نادرا ما كنت أجلس بجانب والدتي عند قبر أخي, لم يكن يثير اهتمامي إذ أنه لا يشبه القبور الأخرى, بل كان عبارة عن كومة أحجار صغيرة قد لا توحي للزائر بأنه قبر لطفل صغير . تأمرني والدتي بقراءة ما تيسر من الذكر الحكيم على روح أخي, فأجد لذة في استظهار سورة الفاتحة, فأقرأها وأكرر القراءة على مسامعها مرات عديدة جيئة وذهابا, إلا أنها كانت على ما يبدو غير مقتنعة بسورة الفاتحة, لأنها كانت تختم لي قائلة : صدق الله العظيم, ولكن مع ذلك سأحفظك آية الكرسي عند الفقيه, إيه آية الكرسي, فهي الضامنة يا ولدي للجنة وحجاب يسترك من عين الحسود وتحرسك من كل شر ومكروه, أما أخوك فهو في غنى عنك, إنه عصفور من عصافير الجنة. لحظتئذ فهمت اللغز, ولماذا, كانت المسكينة كلما عدت من المدرسة, وألقيت بمحفظتي بادرتني بسؤالها الروتيني الممل "وصلتوا لآية الكرسي" حتى استحال الكرسي هذا, في مخيلتي إلى الكرسي الذي يجلس عليه المعلم في مقدمة الفصل. تجلس القرفصاء, تنتحب في صمت وكأنها تسأله عن نصيبه من الجنة فتخاطبه بصوت مخنوق :" كون احفظ غير القرآن في الجامع أفضل ليه من السكويلة ". مسكينة تتمنى لي أن أكون من حفظة وحملة القرآن حتى أمر يوم الحساب من على الصراط الذي هو عبارة عن شعرة رقيقة كطائر خفيف أحملها, على ظهري, هي وإحدى جاراتها إن أمكن, وألج بها أبواب الجنة دون عناء, ودون صك آية الكرسي على ما اعتقد لن يتأتى لنا ذلك .


تجتمع نساء الحي وقد نشرن حصر القمح والشعير فيجلس بعضهن على الطوار والبعض الآخر على قارعة الطريق أو في وسطها أحيانا غير عابئات وقتئذ بقانون المرور والسير على الطرقات, وقد انحنين الساعات الطوال واعتكفن على استخلاص الحبوب الطفيلية والحجارة التي علقت بالقمح بسرعة ودقة لا متناهية لا يضاهيهن فيها إلا الدجاج والعصافير .


أرملة هنا تدندن راثية زوجها بنغمات وترنيمات حزينة تتحول في غالب الأحيان من إيقاعات بكائية إلى أنشودة جميلة ومعزوفة رائعة المقامات كثيرا ما كانت هي السبب في التحاقي بهن كل يوم ربيعي مشمس, وثكلى هناك قد احترفت العويل والتباكي منذ سنين دون أثر للدموع حتى إذا ما رمقتني أو تراءيت لإحداهن سألت أمي " فين وصل العزري " فتجيب بزهو وعزة نفس " هذا الشهر خرج من يس والشهر اجاي ايدخل لطه " فتعلق الأخرى " طه والحولي وراها ", وآية الكرسي إن شاء الله ". وهكذا تتراءى لي صور الكراسي من جديد وبسرعة البرق أغادر" السكتور " خوفا م الإلحاح على استظهار آية الكرسي, منذئذ وأنا أحمل في ذاكرتي أن " السلكة " نهاية القرآن هي سورة طه وآية الكرسي حسب مرجع نساء الحي. رافقتها كل أسبوع إلى المقبرة عند أخي, إن لم يكن بحاجة إلى تلاوة القرآن /الفاتحة على قبره فمن أجل البحث عن حبات النبق المتناثرة هنا وهناك فوق وعلى جنبات القبور, فأترك المسكينة كالعادة باسطة ركبتيها على القبر واضعة يدا على يد موضع الرأس وهي تتمتم بما لا أدري ولا أسمع, وأتوجه بلهفة صوب سور المقبرة أقطف زهرة الأقحوان البرية أرمي بوريقاتها تباعا, في الجنة ؟ في النار ؟ في الجنة ؟ في النار ؟ حتى إذا ما أفنيت ريشها قطفت أخرى إلى أن أحل في نهاية اللعبة بالجنة إذاك أرمي بها وأتوجه إلى جمع حبات النبق .ظلت أمي تتسلح بي في غدوها ورواحها للمقبرة آملة أن أحفظ آية الكرسي وأقرأها في يوم ما على قبر أخي, ولكثرة تخوفي من هذا الامتحان العسير كنت أتحاشى الاقتراب من قبر أخي مخافة أن يسألني مرة هو الآخر هل حفظت " المعلومة " أبتعد هذه المرة عن أمي بحثا عن زهرة الأقحوان البرية والنبق فلم أعثر عليه لأقرب القبور الطرية ولا الصلبة .


كثيرا ما تأملت تلك المقبرة الملأى بالأدمغة المهاجرة إلى الأسفل, نعم ... قبائل دفنت قبائل وقبائل دفنت القبائل التي ... وهكذا أمعن النظر كيف أمكن لهذا الحشد الخلائقي أن يلتزم النظام والصمت المطبق دون أثر للفوضى, الشيء الذي يستحيل في عالم الأحياء, فتتراءى لي ثغورهم الباسمة مستهزئين من لغط وخطل الحياة وتفاهتها, وكنت في كل لحظة وآن أنحني على القبور الطرية أتشمم في سذاجة رائحة الموتى أو علني أسرق السمع لحديث ساكني القبور, حديثي العهد بالموت, في امتحانهم الشفوي مع ناكر ومنكر .صمت رهيب لا يكسر جداره إلا أزيز النحل وأصوات جماعة من " الطلبة " الفقهاء تأتي من بعيد, لا أدري لماذا تمتلئ المقابر بالفقهاء أغلبهم عميان ؟.. علق يوما أحد الظرفاء, إنهم لا يحسنون كتابة التمائم فاكتفوا بالشفوي .


وأنا شارد الذهن غافل عما يجري حولي يأتيني نداء والدتي من بعيد كقطرة ماء باردة تبلل الزاوية الحادة من قلبي, فتسري بين جوانحي قشعريرة ورهبة خوفا من استظهار آية الكرسي التي لم أعثر لها على أثر في المقرر, وعملا بقصيدة المعري المشهورة, فقد كنت أتلوى في مشيتي مع المسالك بين القبور في حذر شديد أتحسس موطئ قدمي وكأنما هذه اللحود استحالت ألغاما .فأعلنت هزيمتي وهاجرت المقبرة لأني ما حفظت آية الكرسي وما أزهرت زهرة الأقحوان ولم تعد تسقط حبات النبق
 

 

مسعودة



اغرورقت عيناه مرة أخرى و هو يهم بالدخول إلى الحارة، و إشفاقا عليه، كلما اقترب من الحشد إلا و تحاشاه الصغار و الكبار، أدرك آنذاك أنها فعلتها مرة أخرى، إنها والدة بوعبيد المسكين التي اعتادت أن تخلع سروالها و تعرض مؤخرتها على كل من هب و دب لسبب أو بدون سبب لدرجة أن كل المارة وأهل الحي بالخصوص وبدون استثناء سبق لهم وأن عاينوا مرة واحدة على الأقل هذا المشهد بالواضح حتى أضحوا يعرفون ملامح عجيزتها التي تآكلت طبعا بفعل الشيخوخة وتوالي السنين . قد يخيل للمرء في أول وهلة أنها مجنونة أو مخبولة أو ما شابه ذلك ولكن كل ما في الأمر أنها كلما شاخت المسكينة كلما تفتقت عبقريتها في عالم الشعوذة وإذكاء نار الفتنة بين سكان الحي, فتراها تجري وتضرب بيديها على صدرها فترن أساورها المعدنية حتى إذا فر منها طفل شقي, وتلقفت الفراغ انحنت على بلغتها فترميه بها, وقد لا تستردها حتى الغد أو بعد الغد أو قد تنساها إلى الأبد, " فإن وجدت نعل بأرض مضلة فهي نعلها ".


كانت دائما وكسائر العجائز تتحايل على تقدمها في السن بطلاء عصارة الحناء لرأسها وصدغيها على الخصوص, حتى إذا ما قدر لك أن اقتربت منها فإن رائحة الحناء والريحان والعرعار تفوح منها كحانوت عطار, رغم ذلك فإن الوشم المتميز على الجبين والذقن والذي يسترسل إلى ما تحت الذقن والعنق و.... إلى أخمص القدمين يوحي بأنها قادمة من أعماق التاريخ أو آخر سلالات منقرضة, وشم أخضر أزرق – من نوع " الدك النيل " شاهد على زمن اكتناز وطراوة السيقان, متقلبة الطباع هي مزاجها حاد إلى درجة الحمق, خاصمت الكل وقاطعت الكل، فرضت على ابنها وأحفادها مقاطعة الجيران الذين سبقوا وأن دخلوا معها في مشادات كلامية حتى وإن كانوا مازحين, أما الصغار فكانوا يثيرون أعصابها للتفرج على هستيريتها وللاستمتاع بلحظة مشاهدة سوأتها, لحظة تاريخية قلما تجود بها الظروف, لحظة مستقطعة من الزمن الغابر, حيث كان عرض السوءات سلوكا احتجاجيا صارخا قل نظيره في عالم النساء, أو نقطة نظام من قبيل غرس سبابة اليد اليمنى في باطن كف اليسرى كما هو الحال في زمنا هذا, بل كان هذا الأسلوب سلاحا تقليديا تصوب فوهته في وجه الأعداء لصد هجماتهم ساعة الإغارة حفاظا على شرف العائلة وتحصينا له وفعلا فثمة مكمن الجمرة الخبيثة, ومن كان مثلي مولعا بالتاريخ فإنه لامحالةسيتذكر ماسورة المدفعيات المتحفية المعروضة على قلاع المدن الشاطئية المغربية, تحسبا لعدو وهمي أو محتمل، وسيسمع لا محالة صليل سيوف البرتقيز في البريجة وموكادور وقعقعة سنابك خيل عقبة بن نافع وهو يطأ شواطئ الأطلسي. وكانت لا تسدل الستار/ السروال على المشهد / العرض وتعتدل واقفة إلا بعد أن يتملى الحضور بطلعتها النيرة والتي إن لم تكن تحكي فهي توحي لك بألف حكاية وحكاية, سلوك تنبأ منذ القدم بعولمة الأجساد وتفاهتها.

وأن تفتقت عبقريتها عن فكرة تعليق حدوة حصان على الجدران مباشرة فوق الباب الحديدي ثم عجلة مطاطية حينها أدركت كلام صديقي عجلات من حسنها لطول الأسفار أصبحت مادة تتلف العقول مباعة عند العطار.. صحيح فعنده جل الأدوية من الأحذية, بعد الانتهاء بدأت الأسطورة تنسج خيوطها في خلد العجوز فجادت قريحتها هذه المرة واستصدرت مرسوما يقضي بوضع الوشاح على صدر الباب وهو من نوع آخر هذه المرة لا هو من الحديد ولا المطاط, إنها زخارف بالحناء وهي النجمة التي ما أن علم أهل البيت بالأمر حتى بدأت تتراأى لهم النجوم أهي الخماسية أم السداسية, ترى ماذا يجول في مخيلتها من أشكال هندسية عجائبية غرائبية, تواضعت الآراء والمواقف أمام جبروت الجهل وسلطة السخط والرضا, استجلب بوعبيد النقاش لإلصاق صفيحة من الجبس بعد نقاش مرير في الثمن والذي احتسب له يوم كامل مؤدى عنه, وهكذا تمت عملية إلصاق النجمة الخماسية على غرة الباب, إلا أن المسألة بقيت على أي حال عالقة, في الصباح الباكر أعدت العدة وجندت أطفال الحي لمساعدتها على الصعود في السلم, وهكذا, وبعد أن غمست يدها بالكامل في صحن من الحناء ختمت بها على الجدران وهي تتنفس الصعداء إنها الخميسة يا ولدي.

 

أضيفت في 25/03/2005/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية