أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتبة: حسيبة موساوي-الجزائر

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتبة

بطاقة تعريف الكاتبة

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتبة

 

من مواليد 23/05/1973 بسطيف الجزائر

صحفية وكاتبة من الجزائر

 

لي أعمال عدة في مجال الإبداع

رواية بعنوان حلم على الضفاف

 

بالإضافة إلى مجموعات قصصية

لغة الحجر

رجل من قماش وغيرها

 

أهتم كثيرا بأدب الطفل وأكتب كثيرا في هذا المجال

 

ولي مخطوطات عدة:

عروس البحر

العم سلمان والكنز العجيب

فلة وصاحب السقاء

مغامرات الأشبال الثلاث وغيرها من قصص التراث ...

كنت رئيس تحرير جريدة غاردينيا

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتبة

الشجرة الملعونة

لعنة الباب21

الجميلة والمارد

ليلى وبائعو الجسد 

لغة الحجر

أم السعد

عربية داخل زنزانة

حب داخل تيمة

 

 

ليلى وبائعو الجسد والكبريت

 

لا تحلو لي الخلوة مع ذاتي إلا عندما تخمد الشوارع من المارة، فتطوي السماء الحي الذي لفني في برنسه منذ أن كنت يرقة، يانعة... أجلس قابعة على سريري، مسندة ظهري على وسادة طفولتي التي طالما أيقنت أنها ستصبح حقيقة جميلة ذات يوم أعيشها مع من اخترته في أحلامي يشاركني إياها ولكن سرعان ما تختطفني مرارة الألم فتتبعثر أحلامي داخل كومة من النسيان لأعود أحسبها من جديد..  تخطفني خطفة العمر.. أكسر مقلة عيني على ثمرة هذه الأحلام التي نسجتها في شرنقتي كما ينسج العصفور عشه الصغير في كل تفان تحضيرا لاستقبال مجيء فراخه الصغيرة، أرفع يدي ذات الأصابع النحيفة لأمدها بعضا من الدفء المفقود، أمررها على فلذة كبدي أتحسسه وأجس فيه طعم الأمومة بينما يدي اليسرى فكنت أحاول بقدر المستطاع أن أحافظ على ثباتها وإبعادها عن تلك الرعشة التي طالما تساءلت عن سببها، أهم الخوف أم القلق أم الحزن والكآبة نحتها الزمن ..كانت تمر على محور البطن حتى تتحسس تلك الخفاقات الغير عادية ... توحي باكتمال الجنين ورغبته في الخروج ليمارس إنسانيته مع المحيط، وبعيني المتحجرتي الدموع كنت أتحدث إليهما وأنا أحس مرارة الغد التي لم أكن أتوقعها بعد كل هذه التضحيات، هكذا أضحت ليالي تمر كالسيل الدالف أوحاله، كل ليلة تمر إلا وتمنيت أن تعود بي سفينة الزمن إلى مرفئي الذي نضجت فيه أنوثتي، أستمد حياتها من أقراني، تمنيت أن تكون فجيعتي كابوسا سرعان ما أستيقظ منه... لكنها وللأسف الشديد تلك الحقيقة التي لا مفر منها غير مسند من حجارة وبطانية من تراب تحت حراسة السماء.   كانت الثواني تتشابه والساعات تتقارب وأنا داخل فجوة عميقة من المتاهات في هذا الليل الحالك فلم أجد غير ذاتي أتقمصها لأرحل بها عبر مخيلتي إلى تلك الأيام التي قضيتها معه.. كثيرا ما كان  يؤكد لي استحالة الحياة من دوني .

   - ما الذي تغير الآن؟ ؟كنت أسأل ذاتي، أنيستي وصديقتي المفضلة التي اخترتها أقاسمها أسراري داخل جوف من الأنا فلا أحد يشاركنا حديثنا، صداقة من نوع آخر يميزها الصمت الداكن والنظرة الحادة إلى المجهول .

ألقيت البطانية مرة أخرى على ابني ثامر الذي كان لا يتحملها وكأن باطنه يعبر عن رفضه لهذا النوع من الدفء المصطنع فهو بحاجة إلى دفء آخر يتفجر من وجدان إنسانية افتقده لا إلى بطانية.  انتفضت  من سريري وبخطى متثاقلة أجرها كما تجر النملة مخزون شتاءها بينما أنا أجر مخزون المرارة في أحشائي أردت أن أعكس ذاتي عبر الزجاج حتى تتراءى لي هذه الذات .. أستعيد  معها ذكرياتي.. .أحلى الكلمات المعسولة برحيق الحلم الذي كان يضفي علي شيء من الأنوثة المفقودة ، كم كانت كلمة شقرائي تدغدغ جسمي ليتخلل مهجتي.. أذوب في شطآن الهوى فأتجرد من كل ما كان يميزني عن غيري، كم كان يذكرني بجمال عيني الساحرتين اللتين أبهرتاه داخل ذلك الهجين المتجانس من طيف الشمس وخضرة الأرض وفمي المتحرر من قيد الحزن الذي لا يعرف غير الابتسامة المورقة بربيع أيامنا وشعري المرسل المتساقط على كتفي  بألوانه المتلألئة تحت ضوء الشمس، كنت أدقق النظر في المرآة.. أتلمس جفني، خدي.. فمي.. عيني لا شيء تغير، الكل قابع في مكانه في الشوق لهاته الكلمات، فجأة يتحول الحب الطاهر المقدس بعقد فريد إلى همجية متوحشة مصطنعة لا أكاد أصدقها... ما يزال المهج يصلني به فيتوقف العقل عن النبض، كل ما كان يرغبه قد ناله وماذا بعد أن ارتشف آخر قطرة من حياتي وأنا أنتظر إطفاء شمعتي الثلاثين، شأني شأن ريم كانت تتلهف إلى الحياة برشاقتها وجمالها وما إن سهت ثانية داخل تلك السهوب حتى انكب عليها الأسد ليمزقها ويبعثرها هنا وهناك ولا يترك غير العظام تتناهش عليها النسور .

أحسست بالاختناق، بألم فظيع يعصر صدري المتخم بالأشجان، أريد أن أرحل بعيدا، بعيدا حتى أصل أعلى قمة جبل "افرست " أصرخ بكل قواي عساي أتخلص من كل الأيام التي عشتها سجينة، بليدة، دمية متحركة، مطيعة للجميع  يبقى صراعها مع الجوف الذي يتخللها، رفعت يدي اليمنى وأنا أحاول أن أضغط بها على عروق رقبتي، لعلني أستطيع أن أخرج ما تبقى من روح الشرنقة وهي تتلفظ أنفاسها الأخيرة مودعة ماضيها التعيس ولكن واأسفاه على هذه الأنامل !! التي لا تستطيع حتى الدفاع عن نفسها و أعود من جديد أتحدث إليك يا صديقتي لعلني أجد عندك دواء هذا العلقم المرير ؟! لماذا تركني ؟، لماذا أسقط قدسيتي ليضعها تاجا مرصعا لامرأة أخرى؟ أهو الحب !!، هذه الأحرف المزيفة التي سئمت نطقها أو التفوه بها، ما هي إلا كلمات وضعتها الإنسانية لإشباع شهواتها ليس إلا، هكذا بدأت حياتنا بحياكة أكذوبة نسجتها البشرية، أي حب هذا الذي تتحدثين عنه؟ أسئلة كثيرة تحيرني، ولكن لا مجيب عنها غير الهمس الذي كان يتردد في أذني :

  - لماذا تخادعين نفسك؟ أنت ما تزالين تحبينه رغم كل شيء، أنت تقدسين هذا الحب وتكللينه بنبض الدموع التي تنهمر على وجهك الجميل، تتمنين أن يعود الساعة يطلب منك الصفح.

  - ولكنه خدعني، مزق إنسانيتي، هشمني جعلني غبار امرأة لا تسأل إلا عن راحتها التي هدرت في بيتها، في عشها الجميل الذي ضحت من أجله سبع سنوات، قضتها مبعثرة، هائمة في المجهول، تحملت عناء أمه التي صنعت مني آلة للغسل والشطف ليس إلا .

كنت بحاجة إلى أحد يضمني، يمنحني قليلا من الدفء.. رفعت يدي وأنا أقترب أكثر فأكثر نحو المرآة حتى تطابقا الأنا وبحرارة وغضب ميت داخلي رحت أضرب بكفي ذلك الوراء وأنا أصدر آهة من العمق :

  - حرام على إنسانية تمحي بهمجيتها ووحشيتها كيان امرأة أحبت، فضحت، تألمت فبكت .

  - ولكن ماذا بعد؟ أجيبي يا ليلى ماذا بعد؟ ماذا جنيت؟ أعلم أنك لا تودين تذكر أي شيء، أنت تحاصرين الحب فقط وتبحثين عنه في كل مكان .

  - آه لو أجد تلك المرأة التي خلعتني من على عرش مملكتي التي أفنيت من أجلها جمالي ومالي  وشبابي  .

  - بالرغم من أنك لم تجد عنده إلا العبودية، استعباد الإنسان الإنسان، بحكم أنه دفع بضعة دراهم مقابل جارية جميلة يقضي بها لياليه المتعطشة وخادمة لأمه التي غرست في وجدانه أن المرأة خلقت له ولها ! برغم كل هذا !  .

  - سبع سنوات وأنا متعطشة للنوم ولو لثانية بدون هلع أو خوف، سبع سنوات وأنا متعطشة لدفء الأحلام .

كنت أتساْءل لحظتها كيف كان يقضي تلك الليالي بعد أن حطم أحلامي بعد أن دثرها.. كنت أراه عبر الزجاج في أحضانها، في أحضان من باعته نفسها مقابل ثمن قليل ..بعدما كانت تهيم في الشوارع بين المارة تبحث عن رائحة بني جنسه تبيعه جسدها فتكتفي به وبفرشة تلمها.. هاهو الآن يقع بين أحضانها، فتنه قوامها، فتنه شعرها المخضب بألوان الضوء الهائج، فتنته تلك المساحيق التي كانت تختفي وراءها، فتنه صدرها العاري وهو يدعو كل طائش إليها تحت كأس من خمر، هكذا كانت البداية، بداية الانسلاخ. .

 لا أنسى تلك الليلة المشئومة، ليلة كانت بداية لتغيير مجرى حياتنا، برغم أنها ليلة تمضي ولن تعود فنحن دائما نستقبل الجديد ونطوي صفحات أيامنا في متاهات الضياع أملين الغد الجميل، إنه اليوم الرابع عشر من شهر أوت..

يكفي هذا التاريخ الذي جعل أسنان الحيرة تمضغني وتهشم أكبادي ،لم يغمض لي جفن وأنا أتساءل هل من مكروه أصابه، أضحيت أؤلف قصصا وقصصا مفجعة تخيلت حياة بدونه ورائحة الشباب ما فتئت تتفجرني وتغرس في ذاتي حبا للحياة، سامرت القمر والنجوم نتحاكى عن همومنا وألمنا إلا أن زاغوا عن السماء ورحلوا عني وتركوني وحيدة كما تركني هو إلى أن بزغ الفجر يدعوني للصلاة حينها سمعت الباب يقرع بقوة فهرولت مسرعة أستقصي الأمر وإذ بي أقابل إنسانا لم أعهده من قبل وكأنه غريب عني ، الثياب مبعثرة.. الأزرار غير مضبوطة..  شعر منفوش.. غابر وكأن أياد وأياد تلاعبت به..  عيناه شبه مغمضتين يتمايل ذات اليمين وذات الشمال، إنسان لم أعهده من قبل، إنسان آخر ما إن أصبحت الملايين تتلاعب في جيوبه نسي نفسه ونسيني ونسي بيته وأهمله فأصبح غير مسئول لا عن زوجة ولا عن ولد ولا عن بيت انسلخ عن ذاته التي كانت يوما متعطشة لحياة مستقرة نحياها أنا وطفلنا وأضحى فانوسا تتقوت منه العاهرات فيكتفين برائحة جسده وثمن قليل سألته :

  - أين كنت؟ لماذا تأخرت؟ أين قضيت ليلتك؟

فتح فاه النتن، المتخم بالشهوة المتفجرة ليكتفي بجملة واحدة :

  - أريد أن أنام

  - لن تذهب لتنام حتى تخبرني أين كنت؟

لم يكثر الحديث معي فقد أفرغ كل ما كان بجعبته لبائعة الكبريت والجسد، شيء واحد جعله يرحل لينام في غرفته الطاهرة وسريره الزكي برائحة امرأة كانت تنبعث منها أنوثتها المقدسة بالعفة والطهارة بشيء من الغيرة المحمودة حتى تحافظ على وكرها وصغارها ولأول مرة رفع يده علي.. .على حبيبة العمر وأنيسة الوحشة وتوأم الروح صفعني وبكل قواه المعبأة بها رجولته وأنا كالقطة الصغيرة النحيلة المتلألئة العينين، يصفعني ويصفعني ثم يعود ليلكمني

وكأنه يعاقب تلك العاهرة التي كان معها باعته جسدا وكبريتا ليشعل به بيته الطاهر وينسى حينها من تكون ليلى الطهور العبقة بروح الزهور الربيعية المتفتحة بكتاب مقدس طاهر، مسحت دموعي سلاحي الوحيد أمام رجل ضخم ضخامة الفيل.. متوحش كالأسد لأرحل مع نفسي أدلف إليها همي

    - هذا جميل من يفكر في شرفه ويحافظ على قدسية بيته

رحت بعدها أهرول كالمجنونة نحو غرفة ابني ثامر احتضنته بكل دفء وحنان عساي أرتاح من ضيق صدري الذي يكاد ينفجر من الغيض والحزن .

أما هو فقد غادر عالمه المخزي ليرحل وهو منبطح على سريره أشبه بوحش مفترس أشبع ليلته مكتفيا بفريسة واحدة ولم يستيقظ إلا والمؤذن يدعو كل طاهر من النجاسة لصلاة الظهر، تمطط من فراشه .. بخطى متثاقلة يبحث عن نعليه.. صعق بكل قواه حتى بدت خرخشة تنبعث من حنجرته !!؟

 

- ليلى ! أين وضعت نعلي؟

كان الخوف يطوق كل فرائسي، انتفضت من مكاني مفزوعة.. موجوعة، حتى أحسست أن أحشاء بطني تتمزق وقلبي ينفر من عروقه الضيقة.. .أسرعت الخطى وكأنني في سباق مع غضب وحش كاسر... ناولته نعليه وبكل خشونة سألني وهو يحد من زاويتي عينيه..  يضبط سرواله الذي كان متدنيا ليلتها، حينما كان خالعا ذاته عن وعيه، سألني عن ثامر وأخيرا تحركت فيه بضعة مشاعر خاملة سرعان ما تعود لوحشيتها المتعطشة للخضاب الزاهر بألوان الشهوة والسهرات الجارفة، هكذا انسلخت حياتي التي انتظرتها طويلا من أثواب الحب الطاهرة، المعبأة بورود الياسمين التي رحت أقتطفها معه.. أنثرها أبدا في العيون المتعطشة لحبي من أهله لأصنع من هذا الصمت كيان امرأة صامدة تتحدى الكل... أكتم به كل تلك الأنفاس الطويلة التي أداريها داخل هذا القضبان الضيق  حتى لا يفضح ألمي فلا يبوح به لأحد منتظرة أحلى الأيام .

 يمضي الألم بعد الألم وتمضي الدموع بعد الدموع والخفافيش المتعطشة لدموع ليلى ما تزال تلاحقها.

لم ولن أنس ما حييت تلك اللحظات التي خلتها جميلة وأنها مرافئ للأوجاع ولكل الآهات التي كنت أختزنها يوم تدفقت فيه المشاريع وأضحت جيوب سمير ممتلئة.. اشترى لنا بيتا عسى يروي ضمئي، عادت إلي الحياة وعادت إلي طموحاتي وأحلامي، غدت الأحلام إلي تتسلل كما تتسلل الأرانب جحورها في كل ركن من أركان بيتي الجديد... صنعت منه لوحة رومانسية باسقة يتطلعها كل عاشق وكل محب كتابا مفتوحا، ربيعيا، رحت أنيره بتلك المزهريات القابعة في كل ركن من أركانه بشتى الورود، فجرت أحلامي ووجداني، صنعت من غرفة ابني لوحة كرتونية عبقة بروح الطفولة البريئة بتلك الستائر المزينة بالرسوم الجميلة وذاك السرير الذي جعلت الأرانب والقطط من مخمله غابة، جعلت من غرفة ثامر حديقة مسلية عله يروي بها ما افتقده خلال خمس سنوات .

كم بدا البيت أنيقا متألقا بأصابعي التي رسم الخريف عليها شيئا من الشحوبة والجفاف وهي تبعث فيه من كل السنفونيات ولكن كل هذا كان ثمنه باهضا بالنسبة إلي فماذا بعد أن خسرت الحب؟ خسرت قلبي وغدا مكانه حجرا ماسيا يلمع بدون روح ولم يبق غير الجسد المخدر وهو يتأرجح بجيوبه في كل الحانات، يسامر كأسا من الخمر وامرأة تتأجج من ولع الجسد وأبقى أنا سرداب الآهات حينما يكون ألمه فظيعا لأنني المرأة الوحيدة التي أحبته سويا أو مخدرا ممتلئ الجيوب أو فارغا .

و لكن هذه المرة ألم سمير ليس كباقي الآلام، ألم من صنع كأس خمرة وعود كبريت أشعلته امرأة من لهب الجسد وولعها إلى أنياب رجل ينهش جسدها المتعفن برائحة الشارع القذر تحت عتمة الليل الحالكة وأكياس القمامة المتناثرة على الأرصفة تنتظر من يلمها، هذه المرة بائعة الجسد والكبريت ليست كغيرها من العاهرات، اكتفت به ليلة واحدة دعته فيها إلى بيتها شكت له  وحدتها..  يتمها غير عجوز رثت لحالها فاعتنت بها، حاكته عن حالها، استطاعت أن تغرس سمومها في قلبه، إنها تعلم أنه رجل آخر من نوع آخر غير الذي ألفت معاشرته في كل ليلة، هذه المرة فهي ليست بحاجة إلى جيوبه وإنما تحتاج أنيابه فقط يهشم بها جسدها وقلبها فلوعتها إليه لوعة حبيبة إلى حبيب... باعته الجسد بدون ثمن وسامرته إلى بزوغ الفجر بكؤوس متتالية من الخمر وأعطته موعدا آخر وهكذا سقط سمير في صنارتها يبحث عن حبها الدائم يبحث عن جسدها... عن لوعتها إليه حتى عندي أنا .

مرت شهور قلائل  وفي يوم من أيام الشتاء الماطرة حيث كان السيل يعكر الطرق الموحلة وبدت السماء تنشد الغروب فراحت تحجب المدينة وراء مساحة رمادية أخذت هيام تبتلع الخطى وقطرات النوى تتخلل ثيابها لعلها تستطيع أن تغسل ولو قليلا ما عبث به الزمن..  نزل الكحل جارفا من عينيها يتسلل من على وجهها.. هاربا.. نافرا من وجوه شاحبة وعيون ضيقة لا تتسع للحياة، طرقت باب المكتب فاستقبلتها سكرتيرة سمير بكل أدب ووقار .

  - هل من خدمة سيدتي ؟

رمقتها هيام بنظرة ممتلئة بالغيرة والسخرية.. تقضم نظراتها إلى السكرتيرة المتألقة ذات الشعر المصبوغ، المصفف تصفيفة الحفلات الراقية وكأنها في انتظار خاتم الخطوبة وهي متألقة في فستانها الأسود الملتصق بجسدها 

وحذاءها ذات الكعب العالي وهو ينخر تلك البلاطات الرخامية.

سمير هنا ؟

- نعم سيدتي، من أقول له

- قولي له هيام فقط هو سيعرفني

دخلت السكرتيرة إلى سمير تخبره أن السيدة هيام تريد مقابلته وعلى الفور انتفض  من مكتبه إلى مكتب السكرتيرة ليستقبلها.. أدخلها إلى مكتبه .

- ما بك هيام؟ لم أتيت ؟

راحت هيام ترتمي في أحضانه المتعطشة لها والدموع تغسل وجهها

  - عار يا سمير؟ عار؟ لم أكن أعلم أن الأمور ستصل إلى هذا الحد

- ماذا جرى؟ أخبريني ماذا حدث؟

- لقد كنت كل ليلة آخذ حبوب منع الحمل ولكن لا أعلم كيف؟ إنني خائفة !

و بمنظر رومانسي كثيرا ما نشاهده في الأفلام المصرية ومشهد درامي راحت تلاعب أعواد الكبريت .

  - أعلم أنني امرأة تبيع جسدها كل مرة وهذا لظروفي الخاصة وأنني خلقت لأبيع جسدا لم يكن ملكا لأحد فأنا لا أم ولا أب لي وجدت نفسي عند عجوز تعطف علي، تلبسني وتزينني حتى أدفع لها ثمن كل هذا ولا أريد أن يكون ما في أحشائي من العدم فيبيع جسده لكل من هب ودب ... لقد حاولت إسقاطه مرات ومرات ولكن دون جدوى .

  - لا تخافي يا هيام، فأنت حبي الأبدي فلا أستطيع أن أعيش بدونك ولن أتخلى عنك .

نفس الكلمات التي أحاكها لي في يوم من الأيام فذبت في شطآنه كصخرة أذابها البحر حبة حبة ليبتلعها بعد ذلك  تأخذها الأمواج العاجية  لكن هذه المرة هي امرأة من نوع آخر، تعرف كيف تخيط الشباك لتقع به فريستها ولا ينتشلها أحد بعدها وعلى الفور أخذ سمير هيام إلى بيتها أين تقيم مع تلك العجوز الشمطاء التي خاطت لها كل الحكاية من بدايتها متوقعة نهايتها، وأحضر شيخا من المسجد وقرؤوا الفاتحة واعتبرها زوجة شرعية، كم كانت فرحة هيام كبيرة وهي الآن تنسلخ من تابوتها لتصبح امرأة محترمة في حماية رجل أضحى زوجها يشاركها حياتها أما أنا فقد أحسست لحظتها رغم البعد الذي كان يحجبني وكأن خنجرا ينغرس في صدري وألما فظيعا يمزق أحشائي وبسرعة دلفت الحمام أتقيأ مرارا وأحسست أن ما حولي أصبح ضبابا حينها تأكدت أن ما في بطني جنين يدغدغ أحشائي، يشاركني النبض.

 عند عودة سمير إلى البيت أسرعت إليه وأخبرته بالخبر الذي كان سارا بالنسبة إلي وفورا راح يتخبط كمن مسه جن، أصبح وجهه كظيما يتفوه بحماقات .

- ما بالي اليوم؟ كلما نظرت إلى امرأة أخبرتني بخبر تعيس

سمير في حاجة إلى الحياة يستمتع بها ولوحده فهو غير مسئول حتى عن نفسه فكيف يكون مسئولا عن زوجتين وثلاثة أطفال، لم أبالي بالكلمات التي تفوه بها.

وما إن مضت بضع ساعات حتى عاد كما عرفته في بداية حياتنا ولكنني أعلم أن من وراء هذه النغمات والسنفونيات التي يتغنى بها ألم سرعان ما يتجهم وجداني.. بدأ يتمايل برقصاته كثعبان يحوم حول حمامة يرقص لها شطحاته بذيله لينكب على رقبتها ليخنق أنفاسها لتغدو وجبة شهية..  أخذ يدي يتلمسها بدفء وهو يتحدث إلي وحدقتا عينيه تنفلتان من النظر إلي .

  - ليلى ! أنت تعلمين أنني مجنون بك، ولا أتصور حياة من غيرك وقد كنت وما تزالين أختي، حبيبتي  صديقتي التي ألجأ إليها دائما .

- ما الأمر؟ أخبرني يا سمير هل من مشكل في عملك ؟

- لا يا ليلى ! المشكل ليس في عملي، بل في أنا، في شخصيتي، في ذاتي التي انسلخت عنها فأصبحت لا أبالي بما أفعله، أصبحت لا أضع موازين لحياتي أقدر بها الصواب من الخطأ، استعبدت صداقة من نوع راق لا تتكلم إلا وكؤوس الخمر تعبث في يديها فقد كان ذلك من وقار إنسانيتها ولا يقام البزنس إلا على طاولة فاخرة، متخمة بالمأكولات الباهضة الثمن، مرشوشة برائحة البيرة،

و كل من كان يتكبر على هذه الكؤوس فهو لا يستحق مجالستنا ولا أعمالنا ولا منافسة أسواقنا .

لقد تغيرت الحياة يا ليلى، أصبحنا نبحث عن الحضارة والثقافة في جيوبنا المتعفنة برائحة الخمر وأجساد النساء، حضارة تؤمن أن كل شيء محلل لك ما دامت جيوبك ممتلئة، حضارة تبحث عن إنسانية من اختراعها هي، حضارة تؤمن أن لا ثقافة بدون كأس من خمر نعبث بها فنخدر بها كل من كان من حولنا، أعترف أنني أصبحت صغيرا، صغيرا في نظرك ولكن تبقين دائما حبيبتي .

و خوفا من الفضيحة التي لحقت بي، بعدما أضحى اسمي يشتعل كمنار في المدينة لا أريده أن يتلطخ واخترتك أنت بالذات تحملينه معي بعدما أن تخدر عقلي وانحل داخل كأس من الخمر، لم أدر ماذا كنت أفعل ؟

انكببت على امرأة مسكينة ضعيفة، يتيمة بعدما دعتني إلى بيتها وصرحت لي مكانتي عندها كأخ، مزقت شرفها  وكانت النتيجة أنها حامل وهي في شهرها الثالث .

ما عساي أفعل، تسمرت في مكاني، رحلت عني روحي تبحث عن فجوة الحب، كيف وبعد هذا العناء وبعد هذه التضحيات تأتي امرأة أخرى تقاسم معي قلبا واحدا، ثلاثة أشهر وأنا كالبلهاء، تخيلتها سهرات بزنس مع كبار رجال الأعمال، لم أكن أعلم أنه بزنس امرأة وكامرأة تطغى عليها أنانيتها تلغي كيانها وتبحث عن بقائها، قدمت له الحل يناسب ثقافته وحضارته التي يبحث عنها :

  - خذها إلى أي طبيب متحضر  يؤمن بثقافتكم، يمسح عارك مقابل قليل ما تبتلعه جيوبك

- حرام يا ليلى ! إسقاط جنين وخاصة وهو في شهره الثالث

- الآن أصبحت تعرف الحرام من الحلال، أليس الخمر محرما، أليس الزنا محرما، أليس تنكرك للحياة الزوجية محرما، أم تحللون وتحرمون ما تنص عليه ثقافتكم.

لم يحتمل حديثي وفورا قطعه بخنجر مسنن حاد يمرره على قلبي

- ليلى ! أعلمك أنها زوجتي الثانية، شئت أم أبيت فقد حلل لنا الشرع أربعا

اختليت في غرفتي، بكيت وبكيت وأنا أحمل ألبوم الصور أقلب فيه ماضي معه منذ أن عرفته، ما الذي حدث؟ وما إن مرت ساعتان خرجت من غرفتي أحطم أنوثتي عسى أجد مكانا لي عنده 

  - كيف نسيتني يا سمير ؟

  - لم أنساك يا ليلى، فأنت دائما في قلبي على عرشه تمرحين ولكن مجرد إنسانية، تفهمينني، بعدما تضع المولود سأطلقها ويبقى ذاك بني .

  - سأكون له أما، مهما كان فسيبقى من دمك، سأعزه كما أعز ثامر والذي في أحشائي .

وهكذا توالت الأيام والشهور وسمير ما يزال منسلخا عن تابوته كل يوم سهرات حتى الفجر وأنا هائمة بتفكيري أبحث عنه في كل الأماكن وكل مرة سألته عن مكانه إلا وأجابني بلكمة عنيفة يسترد من خلالها رجولته التي خلفها في الحانات،

ولكن طفح الكيل هذه المرة وأنا في شهري التاسع، لم أحتمل أكثر بعدما لكمني فأغمي علي، عدت إلى وكري الجميل الذي نشأت فيه معززة مدللة حاملة معي هموما وهموما لا أحد يسألني فأجيب، نكستي نكسة أي امرأة في بلاد عربية

وهي تنسلخ عن ذاتها وسط حضارة مصطنعة، مفتعلة في حمى التطبع .

لم أستيقظ من ماضي وأنا أحاكي ذاتي أنيستي عبر الزجاج إلى أن بزغ الفجر رجعت إلى سريري بعدما تفقدت ثامر وطبعت على خديه قبلتان.

و كأنني كنت بعيدة عنه سنوات طويلة لم أره فيها باحثة عن تخدير في حضنه لعلي أرحل ولو قليلا إلى عالم مليء بأحلام سعيدة ولكنني ما إن غفيت غافية حتى سمعت الباب يقرع وكأنها فجيعة كبيرة حلت على أهلي فانتفضت من فراشي، شعري مبعثر ومرمي على كتفي،  فتحت باب غرفتي التي كانت لا تبعد عن باب المنزل إلا بضعة بلاطات تفصلهما وإذ بمحضر قضائي يسأل عني، أسرعت إليه لأستلم محضر تطليق المدعية عليها ليلى من المدعي سمير اللذين عقدا قرانهما يوم.. /.. / 1993 نتيجة إهمال المدعية عليها حقوق زوجها وعدم قيام بمسئولياتها تجاهه وتجاه البيت الذي أجبرتني شراءه دون أن تحسن القيام به

حينها أحسست بصراع قوي داخلي يهزني ليحطني على سرير المستشفى أضع مولودا ثانيا لا أعلم مصيري ومصيره . 

 

 

 

الجميلة والمارد

 

صحراء قاحلة.. رياح تتثعبن من كل الاتجاهات لتنشد مرآة الأباب فتلح من بعيد وضمئي يشتد ويشتد بحاجة إلى أجاج ماء لعله يرتوي فيكتفي به، تشققت شفتي واكتسى لون الصحراء منهما فرشا لا يريد فراقهما، عيناي ضاقتا فاختلا بهما شيطان الصحاري ليجعل منهما جداولا وسدولا... شاقة ذاك الوجه الذي كان مشرقا في زمن الربيع... ترى ما الذي يريده مني فيبغيه؟؟  لست في حاجة إليه حتى يختلي بي لم يكن يوما يقاسمني أحلامي، فليترك شعري وهندامي وأهدابي ويفك قيدي... ألا تكفيه دموعي... ألا يكفيه شقائي.

-ارحمني أيها المارد من زمانك فلست أنا التي تهواك.. ارحمني، أتضاجع امرأة في سني بعد أن هزل جسمي، تختلي بي..  تسخر مني..  تشوه لوحتي بعد أن تضاجعني ويحك من مارد؟! يتقن التزييف فيحسن صنع الأقنعة، يشوه بها أوجه البشر، يخفي بها كل القمر، أسأل نفسي وأراهنها على أنك عدو الحب وعدو البشر، ارحمني فلا أريد هذه الخصلات البيضاء.. إني أخافها، أخافها يكفيك وجهي، اعتقني من هذا الزمن فلست أنا التي تحب الأصنام لتعبدها ينظر إلي في صمت طويل، رهيب ويجيبني :

  - أنت كالآخرين وستقنعين وتعشقين ماردك إلى اللحد، أنت كغيرك تمانعين وأنت راضية .

  - ولكنني أيها المارد أنا أجمل نساء الأرض، أنا سوسنة القمر التي يفوح عبيرها كواكب العالم فيضيء عتمة الخوالج، ينزل المارد قهقهة طويلة، طويلة تقاسمني السنين التي أمضيتها، تطوي معي صفحات الزمن لتنحدر إلى صفحات أخرى معتمة تكاد تختفي حروفها من كتابي والمارد ما يزال يهمس أبدا في أذني :

- أنت كغيرك شمعة أضاءت فاحترقت كغيرك، حديقة أزهرت ربيعا يانعا ببراعمه التي أثمرت وقطفت وما عساها الآن إلا أن تخلد للسبات المستكين، ترحل بشتائها الثائر وخريفها المتناثر على كل بقعة من جسدها تمدني إياها لأمتلكها الآن، أبدا ولن أتنازل عنها، عن جاريتي، عن عنبتي، أنا أحق لهذا الجمال أن يلتهمه ليعود عرجونا رخوا.. يابسا

هنالك أحسست أنها نهايتي وانجرفت من عيني دمعتان عاودتني إلى الوراء، رجعت بي إلى ذلك الزمن البعيد، إلى ذلك التاج الذهبي الذي أنار في يوما قمريتي وورديتي فشهرني ومكنني من بلوغ غايتي وأمنيتي وكنت ملكة الربيع وطاف بي الدنيا علوها ومنحدرها وخلدني .

-... آه من زمن؟ ! آه من فجيعة؟ ! الآن أتقاسمها مع أيامي بعد هذا القناع الذي ألبسني إياه ماردي ومالكي الآن أبدا، كل يوم يمر إلا وزاده تزييفا وتشويها، ضاع قمري في مرآتي وسقطت فلجة أسناني كرمة جمالي وعطائي، زعزعت أركاني فسقط عنقودي وبدأت صراعي مع ماردي كلما زادني تزييفا، حاولت نكرانه ولباس قناع آخر يعيدني ولو قليلا إلى ربيعي... غيرت وغيرت ولكن القناع ما زال وما يزال يتربص بي وكأنني عدوته الحقيقية وكأنني حرفه الأبجدي وهو نهايتي، لبست وغيرت، تخضبت وتخضبت

وكل مرة أفشل مع ماردي فيبعثه على وجهي متساقطا حبات حبات من العجز لينحدر كقطعة جليدية تتحفزن وتنكرني وأعاود من جديد ويعاود هو الآخر من جديد وأخيرا رفعت المخمل الأبيض واستسلمت له بعد أن طويت سمائي بغيمة سوداء اقشعر لها جسدي واستدرت خلف القمر أمحو تعابيره وآياته وأنزل دموعا جارفة من نهر المارد أكتفي بها مضطجعة على سريره.. .

 

 

 

 

لُعنة الباب الحادي والعشرين

 

 

كثيرة هي الأبواب التي فتحتها مع جذوة سنين الحرمان والجفاف، سنون مضت تطويني كل مرة كصفحة كتاب، خالية من حروفها وكأنني لم أكن يوما لا كلمة ولا حرفا أبجديا يقاسم صاحبي شتى أموره، هكذا أمضي أنا مع درب السنين، خلقت حتى لا أكون ولن أكون، شهوة الأيام تبقى والسلاسل المغلولة تقيدني، وما إن فتحت بابا إلا عددته فلعنت

 وكنت كغبش في مدينتي الاستوائية. وهاأنا أعود من جديد لأفتح باب الحادي والعشرين.. لم يشعر بمجيئي أحد حينها، جئت بإرادة مني ورغبة في الاقتحام، تقاسمت معها كتلة الدم وهكذا كان الارتباط لأزرع فيها من روحي فتتسربل عروقي تقاسم عروقها وتنثر في جوفها طياتي، شيئا فشيئا إلى أن أضحيت جنينا ينداح جوفها..

- ترى أهي لعوقا تكون كسابقاتها السبع فأئد وجهي في التراب؟ أم هماما يكون أقاسمه الحياة حلوها ومرها؟ هكذا تتساءل التي ألهمتني فؤادها فكنت، كل مرة تقابل المرآة تسألها كساحرة بياض الثلج، إن كنت هي؟ أم هو؟  وهكذا حتى جاء يوم أردت أن ألاعب فيه جنتي مزهوة كوني في جوفها لينة بأغصانها الباسقة، حينها ارتعدت جنتي وتحققت من أنني هي... زاد نبضها وارتفع ضغطها وإذ بها تدق باب العراف ليعلمها... تخرج خائبة الأمل أنني ما أزال تلك اللعوق في جوفها، حينها خرجت والدموع تغمر وجنتيها، تبكيني لأنني هي الثامنة، تبكيني لأنني الهم المنتظر، تبكيني لكوني غما، تلعن السماء وتلعنها حتى حان وقت المخاض... ألم فظيع يقصم ظهرها، لا تريد الوقوف، لا تريد الاضطجاع، أتعبتها وأنا في جوفها إلى المنحدر، آلمني المروق من ملة كنت أعشقها، عشق السماء للقمر وعشق القمر للنجوم إلى ملة تخزيني كلما نظرت إلي كلعوق..

رغم كثرة الأبواب التي فتحتها، بكت التي فرضتني إلى وجودي وبكيت أنا معها لا أريد الانزلاق، لا أريد المروق إلى هذا الباب وأنا ما أزال ُلعنة أبدا، إلى باب ما تزال لائحته تعترف به ولا تعترف بي كوني لعوقا، لا أريد أن أنحدر إلى حياة ما تزال تبصم أنني مجرد شيطان جميل، لا أريد مروق  هذا الباب والحياة به ما تزال تعترف بأنني رذيلة العالم، لا أريد أن أكون بعد لعنة أفلاطون أمه كونها هي... آه  !.. كم هي كثيرة الأبواب التي فتحتها وكل مرة تجدني أنا.. أنا، بدت أمي خائفة حينها، تحسبها نهايتها... تحسب أن لا حياة بعدي تنتظرها، راحت تتوسل إلى الرحمان أن يعتقها، ولا يهمها إن كنت هو أم هي... تخادع الجنة رب السماء حتى لا يأخذها حينها أشفقت واعترفت بلاهوتية الوجود وانقطع حينها الحبل الذي كنا من خلاله واحدا لننشطر إلى اثنتين وكنا أنا وهي وما إن مرت لحظات إلا والباب يقرع.. وجف قلب أمي من الهلع وأضحى وجهها شاحبا يخلع منها الحياة... إنها تعرف لمن هذه الطرقات المتتالية الساخطة عليها، إنه هو!؟ الذي وهبني للحياة، جاء يسأل جنتي لا عن حالها ولا عن ألمها وإنما إن كنت هي أم هو فراحت تجيبه والكلمات تنفلت منها وكأنها تعلم نهايتها أنني هي الثامنة حينها أقسم طلاقها وطلاق ُلعنة الباب الحادي والعشرين.

 

 

الشجرة الملعونة

 

 

تلبدت السماء، أرخى الليل سدوله عل مدينتي في ضياء الشمس وتداركت الغيمة القمر تخفيه عن مدينتي، خيم صمت كئيب يهزها.. يمحو ابتسامتها فيطوي فرحتها من السجل فتبدو الشوارع شاحبة ساكنة في جوف الضحى وكأنها مدينة للأموات، النوافذ مغلقة، نافرة من زئير لم تعهده من قبل، من ألم لم تتجرعه بعد... تنافس هدوء رهيبا فتسحقه بتلك الشبابيك وأنا كعادتي أتقاسم والمخمل سريري، لا أريد أن أفارقه، شيء ما يدعوني للبقاء.. شيء جارف من الصدر يصرخ بكل قواه ليبعث زفيره المتأني وآخر يدفعني لأنهض وبسرعة أودع شيخنا الجليل يوما كان يحلم بمدينة الفردوس المليئة بالأشجار المتعانقة بتفاحها الأحمر اللذيذ.. آه ! كم كانت أحلامه جميلة زاهرة من ينبوع براعم الأرض الطيبة، راح يشيد صرحها بيمامة بيضاء كانت تتجول سماءها فبدت المدينة متألقة.. ربيعية والأشجار يانعة. .لم يكترث شيخ المدينة أن من بين الأشجار كانت هنالك شجرة ملعونة تزهو بثمارها المتلألئة فاشتهى من تفاحها، من ثمار مدينته الفردوسية.. يعضه يتلذذه ليخلد هو ومدينته التي كان يحلم بها فكانت الصاعقة.. ككل يوم وفي نفس الميعاد تقف سيارة سندريلا أمام الدار من حكايا الأساطير التي كان ينسجها العاشق لهذه المدينة، ركبها دون أن يخشى التفاحة الحمراء التي كانت من الشجرة الملعونة وأنها الآن تشاركه جوفه، طلب من سائقه أن يضرب بالسياط الأحصنة السوداء لتنطلق به إلى شوارع مدينته الفردوسية الجديدة.. يتأملها وبينما هو في سيارته راحت خاطرته تغوص به عالم التجديد، عالم الأحلام التي سيجعلها آية للحقيقة، تذكر تلك العجوز التي خلفت الأمطار بيتها كوما رمليا ليسكنه النمل وغيره من المخلوقات التي تهواه، سيفرح حتما قلبها ويلم صغارها ويتماها في بيت آخر كان لها الحق في امتلاكه حتى تخفي صغارها من شتاء المدينة ولذاعة صيفها، كم كان يبدو سعيدا ومرحا وهو يخدم أهل مدينته الفردوسية فيطلق العنان لعصافيره تنير المدينة فتجعل منها لوحة رومنسية باسقة، راح شيخنا يتجول في مدينته  يكفكف أحزانها ويمسح دموعها الجارفة من خيوط عنكبوتية لئيمة دون أن يكترث للتفاحة المسمومة وفجأة يلمح طوفانا عاتيا يهز مدينته الفردوسية، يطلب من سائقه أن يقلل من سرعته فيضغط على المكابح وإذا بأخطبوط أكبر من حجم المدينة الفردوسية يشم رائحة التفاح المنبعث من فيه شيخ المدينة كدخان كثيف يريد أن يتلقفه فيبعث بأذرعه الطويلة المفغرة كمجذاف ينتشل الشيخ وصاحبه ليركعا إلى ذلك الطوفان فيتيها في أعماقه يبحثان  عن المدينة الفردوسية التي تحولت في زمن وميض  إلى أضحية أضحى صرحها يتفتت شيئا فشيئا بينما شيخ المدينة يعانق صخرة كانت حصنا لبوابة مدينته وفجأة تحولت أحصنة سندريلا إلى زخات من الرمل تتطاير هنا وهناك حتى أصبحت من العدم وما يزال الشيخ وصاحبه يعانقا تلك الصخرة إلى أن جذفها هي الأخرى الطوفان فيغيب هو وصاحبه عن المدينة جرفهما الطوفان إلى اللامنتهى والتفاحة ما تزال في جوفه تصارعه البقاء فتبعث بجذورها لتصلبه هو وسائقه مكان الشجرة الملعونة فيقول لصاحبه :

- دارت الأيام، انقلب الزمان لينسلخ إلى تمساح يكشر عن أنيابه وتنحرف الآية من قول رب إلى مهزلة منسوخة بفعل شيطان " ألم أقل لكما ألا تقربا هذه الشجرة " فإذ بشيخ المدينة يتحول من أمير ولهان كان عاشقا ليمامة بيضاء تحلق بالسماء.. تتجول في كل مكان من أنحاء مدينته الفردوسية إلى مصلوب عطشان، هلكان أتعبه الزمن، قهره تمساح، مسخه شيطان، آلمه خنجر مسموم وتفاح من شجر ملعون واختفى الذي كان في سرابيب الضحى وأطياف النهار بسلاسل من سلطان من غش شيطان ليرحل من متاهات الزمن الغادر إلى أرض لا هي بحر ولا هي حجر، رحل شيخنا  إلى أرض لا نعرفها وشمس لا نعلمها وطال الغياب ومرت الأيام وتوالت السنوات والكل لا يعرف مكانه اختفى بين ظلمات النهار ليصبح غجريا بأثواب الطوفان ويظهر مكانه الحجاج بسيفه المشحوذ وعمامته السوداء طاغية في البلاد يجلد من شاء من العباد ويفصل الرقاب عن الأجساد ويلعن من يشاء بدون أي عتاب..  

 

 

لغة الحجر

 

 

لم يبق شيء يذكرني بأهلي.. أمي.. أبي.. أشقائي.. جيراننا غير الحجارة المدبجة بدمائهم وأرواحهم التي تضمخها.. لم يبق شيء أتلمسه بيدي يشعرني بوجودهم..  بحركتهم غير الصدى وهم يرحلون عني.. يفارقونني إلى غير رجعة، رحلوا عني وفي عيونهم دموعا مقدسة.. تركوني وحيدا.. تائها داخل مغارات للغيلان تتلذذ دمي، تركوني لتعانق أجسادهم الطاهرة  ظلال اللين... لتعيش تحت سماء غير سماءهم وفوق أرض غير أرضهم .

دير ياسين، الحلم الذي بقي معي وأنا أغادر بقاعها التي قدستها كل أرواح هؤلاء.. داخل رأسي الصغير تدور الذكريات ويتجدد الألم، دموع لا تفارقني وأنا وسط هذا الحشد الهائل من أشقائي وشقيقاتي ، كل منا يبكي حبيبه أو حبيبته أما أنا فالذي كان يبكيني غربتي عن الحجارة التي كانت تضمخها دماء أسرتي، غربتي عن رائحة الدم العبق  الملتصق بها ، خشيت أن يأتي يوم أرجع إليها فأجدهم يتدفأون داخلها... خشيت أن يأتي يوم أرجع إليها فلا أجدها في مكانها، أخذوها بعيدا  ليجعلونها مأوى لهم... دموعي قدستها هذه الحجارة، مازجها دم أهلي وحبيبتي الغالية القدس، رحلت وخيوط ذاكرتي تنسج الألم الذي لا يمحى ... تنسج الألم الذي عايشته ... كلما أردته أن يغادرني ويرحل عني ويتركني أعيش كبقية أطفال العالم تشبث داخل مخيلتي وأعاد نسج ذكرياتي من جديد .

لم أنس أمي الغالية... ليلتها أخذتني في حضنها... داخل صدرها وكأنها تعلم  بالسويعات القليلة والأخيرة التي ما زالت تجمعنا، كانت تذكرني  أنني كنت دائما مولعا بالحجارة، لا أنام إلا وأنا أحتضنها، منذ أن كنت رضيعا... لا شيء يزيل ألم بزوغ أسناني إلا وأنا أضغط على الحجر بلثتي أسكن به ألمي، كنت أحمل حجارة أشبع من مصها بدل قطعة خبز، نظرات أمي لم ولن تفارقني وهي تغني لي أغنيتها الجريحة عن القدس، لن أنس ابتسامتها الدافئة...  ليلتها... كان الرصاص مدويا والقنابل تتهاطل على البيوت المجاورة لنا كتهاطل الثلوج في عنفوان الشتاء، أرادت أن تخفي فزعها عني وعن إخوتي بمداعبتها المستمرة وقهقهاتها المتعالية حتى لا نسمع أنين الآخرين .

نسيت أمي لحظتها أنني ولدت كبيرا، مثل أشقائي وشقيقاتي، نحن ممن لا يعترفون برونق الطفولة وبديع أيامها، نحن من الذين كتب على جدران بيوتهم بحمرة الدماء  لا سلام  ولا هناء، نحن الذين ولدنا على عويل الذئاب ومخالب الغيلان وهم يمزقون أجساد أهالينا، نحن الذين نشأنا على صوت المدافع والرشاشات وهي تئد بيوتنا ترعرعنا، نسيت أمي أننا ولدنا رجالا ونساء...

لم يبق غير مناجاتها لاسمي... رامي... كان يدغدغ في بعضا من مشاعر الطفولة... أو ربما لأنه كان يبعث في نفسي شيئا عميقا يجعلني قريبا من الحجارة ويزيدني تعلقا بها .

لم أعرف ليلتها النوم تحت قصف الغيلان الإسرائيلية رغم دندنات أمي اللامتناهية عن شجر الزيتون، وعن العوسج وعن أبو ليلى... ليلتها بت في أحضانها، ليلتها فقط أحسست أنني صغير جدا... ليلتها ازداد شوقي لحليبها، ليلتها فقط أحسست بالطفولة في حضنها، رميت الحجر الذي كان بيدي المتعرقة منه وغرستها في صدر أمي، حينها ابتسمت تسألني ما بالي؟ أستغني عن دميتي المدللة لأعانق صدرها واختصرت ردي بكلمة واحدة من بين الجمل التي كنت أنوي البوح لها بها... أحبك.. راحت الدموع تذرف مبللة وجهي الصغير الذي كان يعانق وجهها وردت أمي، أحبك أنا أيضا يا مرمري... ذارفة هي الأخرى دموعها لتمازج وجه كل منا وغصنا في سبات لم يدم إلا بضع ساعات، كلانا أخذته أحلامه بعيدا عن الآخر، نرسم بها خوفنا وفزعنا، لكن حلمي كان أفزع وأقصف مما كانت تقصفنا به الغيلان الإسرائيلية، رأيت كل أفراد أسرتي أمي، أبي، أخي كرم.. سهيل.. جاسم وأختي علياء.. مريم وشقيقتي الصغرى جيهان التي كنت كثيرا ما أخاصمها ولا أكلمها حين تغتصب مني حجارتي، دميتي المفضلة، كل هؤلاء بدوا لي في جلابيب بيضاء، يحملون على أكتافهم أغصانا من شجر الزيتون الذي كان على مدخل بيتنا، فرحين، راحلين باتجاه الشمس، أردت أن ألتحق بهم، وكلما أحسست أنني قريب منهم أدركت بعد المسافة، هتفت أ.... مي.... أمي ودون أن تحدثني بكلمة واحدة أشارت إلي بيدها البيضاء النحيفة التي كثيرا ما كنت أتلمسها فأجدها باردة جدا.. ارحل عنا.. ارحل ، وهي تبتسم لحظتها استيقظت والفزع يتملكني وهزتني قشعريرة في جسدي وبدا العرق يتصبب على وجهي وكأنني حقيقة كنت ألهث وراءهم، التفت إلى وجه أمي، وجدتها غارقة في دموعها ربما رأت كابوسا مثل الذي رأيته، لكنها لم تجبني إلا بكلمة واحدة، نم يا رامي، نوم العوافي، هدأت من روعي بملامستها  رأسي بأصابعها ورحت أغوص

مرة أخرى في أحلامي، لم أحس إلا بثوان قد مرت وأدركتني خيوط نور الشمس التي كانت تنبعث من خلال شبابيك البيت، لم أجد أمي في مكانها، فركت عيني وأنا أسرع الخطى، خفت أن يتحقق الكابوس المرعب الذي رأيته ليلتها فوجدتها جاثمة أمام موقد الحطب، تمعن وتدقق النظر في التهابه وتوهجه وما إن رأتني حتى ابتسمت في وجهي... رامي !.. قبلتها وبادلتني هي الأخرى القبلات وأعطتني ليرة ككل صباح لشراء الحليب وشيء من الزيتون قبل أن يستيقظ أبي وإخوتي فانطلقت كالسهم لأعود في ثوان .

لم أكن أريد أن أبتعد عنهم بعد هذا الكابوس ولو لثانية، عدت وأنا في شوق للعب مع جيهان، خلتها استفاقت من النوم... خطوات فقط تقربني من بيتي حتى بدأ من جديد قصف الغيلان الإسرائيلية، أسرعت الخطى وأنا أعدو، ألهث... داهم عيني  شيء من الاغروراق... كاد قلبي ينفر من جسدي.. كاد يخترق قميصي من شدة النبض إلى أن وصلت، حينها داهمني الشك، لم أجد بيتنا ولا أركانه ولا بيوت جيراننا، خلت نفسي أخطأت العنوان رغم يقيني الكبير، لم يكن غير الرماد المتصاعد في السماء والدخان المتعالي في كل تلك الناحية، بقي فمي مفتوحا، شاردا، مندهشا لما رأيت خانتني قواي سقط دلو الحليب على الأرض ليزيدها ارتواء بعد سيول الدماء التي روتها منذ أمد بعيد وراحت حبات الزيتون تتناثر هنا وهناك، لا شيْء كان  يهمني لحظتها غير بيتي، أمي التي كانت في انتظاري، أبي، كرم، سهيل، جاسم، علياء وجيهان، أحسست أن شيئا يخنقني، أذني لا تكادان تتوقفان عن التصفير، عيني اشتدتا اتساعا وبحروف متقطعة، هجائية وصوت يكاد ينقطع أهتف أم. أب... كر... سهي.. عل... لا أحد يجيب، غير صوت اللهب المتصاعد الذي يريد المزيد حتى آثارهم لم أجدها، أين اختفت، أجول وسط الرماد، أطوف بجميع بقايا الحجر أبحث عن فرد منهم فلم أجد غير قطرات من الدم منقوشة على الحجر، أجهشت بالبكاء ورحت أحتضنها كأنها من المفقودين، تذكرت الكابوس، ليتني بقيت معهم، ليتني لم أخرج، ليتني عصيت أمي ذلك اليوم، ليتني لم أفق من النوم ... ليتني...

الليلة المأساوية التي عشتها في دير ياسين، جعلت مني طفلا رجلا، سكتت دموعي، أحسست أن جسدي أصبح صلبا، خشنا، غادرتني أحاسيس الطفولة التي ينعم بها جميع أطفال العالم وأضحيت أبحث عن تلك الغيلان أين أجدها لأمزقها وأجفف بها دماء أفراد أسرتي الذين اغتصبوهم دون أن يودعونني ، دون أن يتركوا لي صورة أحدهم لأستأنس بها .

ولكن قواي الخائرة جعلتني لا أحس بنفسي إلا وأنا في سيارة الإسعاف وبعدها على سرير المستشفى، أين اكتملت الصورة الحية... لوحة مأساة دير ياسين، أطفال كثر يئنون ليس لفقدانهم أهاليهم فحسب وإنما لفقدانهم أعضاْءهم ومن بينهم كان صديقي ابن الجيران ياسين الذي فقد عينه اليمنى ورجله الأيسر فحنطوه كما تحنط المومياء الفرعونية لكثرة الجروح .

وجوه أطفال دير ياسين بدت عليها ضمادة الحزن ولم تعرف منذ تلك اللحظات الرهيبة التي عاشتها ابتسامة الوجه ورونق العين.

خرجت بعد يومين من المستشفى على أسئلة كثيرة من طرف الصحفيين والصحفيات الأجانب وهم ينقلون أنيننا ومأساتنا لجميع العالم، وقد كان من بين الصحفيات مراسلة من فرنسا جزائرية الأصل تأثرت لمعاناتي ومعاناة جميع الأطفال وهم يرصدون لها ألمهم، وألم الطفل الفلسطيني المسلوب وقد كان آخر ما تفضلت به من أسئلة ، من الذي بقي لي من أهلي وعائلتي، أجبتها والدموع مختزنة في حلقي، لا أحد، لا أحد .

 ومنذ تلك اللحظات لم تتخل عني إذ قامت بمساعدتي وأخذت كل الإجراءات والوثائق اللازمة لضمي إلى اللاجئين الفلسطينيين إلى ديار إخوانهم العرب إلى جميع أقطار العالم العربي أما أنا فأصررت بإلحاح شديد أن يكون وطني الجزائر وذلك بمساعدة الصحفية آمال ، أعطتني عنوان أهلها المقيمين بالبليدة قرب الجزائر العاصمة رغم حرقة الغربة التي كنت أحسها داخل صدري المولع بالحجارة الثمينة التي تركتها داخل مغارات الغيلان الصهاينة إلا أنني أيقنت أنه لا يوجد حل آخر غير الذي اختارته لي آمال، واخترت أن تكون اللحظات الأخيرة التي كانت تجمعني بهذه البقاع، زيارتي للحجر الغالي الذي كتبت فوقه أسرتي اسمها بالدم الثمين والذي سأتركه داخل هذه الدور المحطمة وخرجت من هناك على أمل العودة لأحتضنها من جديد .

على متن شاحنات خاصة باللاجئين، تبوأت مقعدي بجانب عدد هائل من الفلسطينيين والفلسطينيات وعلى هتافاتهم وتوديعهم لأهاليهم وزغاريد أمهاتهم انطلقت بنا الشاحنة وبدأت دير ياسين تختفي شيئا فشيئا عن عيوننا إلى أن اختفت وراء الجبل، ركبنا الطائرة بعدما اتخذ كل منا الإجراءات اللازمة وما إن آن وقت الإقلاع... حتى تملكني خوف شديد ربما لأول مرة أركب طائرة في حياتي، أو لأنني خائف من عدم العودة إلى هذه البقاع، جثمت في مكاني وراح النوم يأخذني وسط أهلي المفقودين، ربما أردت توديعهم ولم أستيقظ إلا بعد مضي ساعات وساعات إلى أن وصلت مطار الجزائر فبدت لي دير ياسين ولكن قبل القصف الإسرائيلي إلا أن البنايات كانت متألقة، حطت الطائرة ونزلنا جميعا، وهنالك توقفت معلوماتي

 ولم أدر ما الذي سأفعله فقد كنت صغيرا لا يتجاوز عمري سبع سنوات، بقيت حائرا، تائها... داهمني البكاء لولا أحد الضباط تقرب مني وسألني عن اسمي وأخذ مني جواز السفر وتحقق من المعلومات، حينها أوصلني إلى العائلة التي كانت تنتظرني، عائلة آمال الصحفية، بدت لي أمها تشبه الأمهات الفلسطينيات، نفس الملامح، ما إن تعرفت علي حتى أجهشت بالبكاء وأخذتني داخل حضنها الممتلئ بالدفء، أخذتني إلى بيتها الذي كان يختلف كثيرا عن بيتنا الذي كان بدير ياسين، جدرانه المتماسكة الصلبة، رفوفه وخزائنه التي زادته رونقا وجمالا، الصينيات النحاسية البراقة، تعرفت على جميع الأهل وجميع من كان يزورهم وعشت وسطهم فردا منهم، غير أن لهجتي كانت تختلف قليلا عن لهجتهم إلا أنني وجدت نفس الروح العربية  ونفس الأنين الذي كان يصدره أبناء الحجارة، الدخان المتصاعد في السماء هو نفسه يغطي كل المدن لا فرق بيننا وبينهم غير هذه الحجارة التي ما أزال أكتنزها داخل ثيابي ولكن رغم كل هذا العطاء بقي حنيني للحجارة وشوقي لها يزداد وبقيت على حالي لا أنام إلا والحجارة في حضني، لا يحلو لي اللعب إلا بها، كنت دائما أتحدث إليها، تسمعني طويلا وهي صامتة ومرت الأيام والليالي والسنوات وأنا أجتهد وأكد لأنجح في دراستي، رغم يتمي، رغم حزني، رغم مأساتي لكنني كنت من الأوائل ونلت جوائز عدة... ربما هو التحدي الذي دفعني إلى النجاح، ربما هذه الحجارة التي كنت أحملها معي أينما أذهب، ربما هو الشوق والحنين للعودة إلى وطني .

بدأت أكبر وأكبر والحجارة ما تزال على حالها غير أنها ازدادت لمعانا من كثرة اللمس فبدت رطبة وهي تحافظ على شكلها وحجمها .

كنت دائما أرصد أخبار البلد وما الجديد وسير المفاوضات اللامتناهية إلى يوم مؤتمر السلام مع الغيلان لحظتها فقدت الحلم وانتابني يأس كبير، مؤتمر سلام مع غيلان متعطشة لدمائنا منذ أمد بعيد ؟، سلام مع من كانت تحلم بحطين موطنا لها؟ سلام مع من بعثرت قبور الشهداء وسقتها بالنبيذ وكتبت على حجارتها الموت للإرهاب؟ سلام مع من بعثر جثة الشهيد رحمه الله عزالدين القسام؟، مؤتمر سلام مع الذين افترسوا أهلي؟  كلمات مدونة  ألفوا تدوينها في ملفاتهم المدنسة بالخداع والنفاق، تذكرت أمي، أبي، جاسم، مريم، علياء وجميع إخوتي وجيراني الذين تركتهم منقوشين على الحجارة بدير ياسين .

بكيتهم جميعا ولكنني أيقنت أن الدموع لا تحل الأزمة فاتخذت قرار العودة إلى موطني، كنت خائفا أن يتحقق ما أخشاه، لولا تهدئة الخالة أم آمال لي ببعض الكلمات الدافئة ودموعها التي كنت أخشى يوما أراها في عينيها .

وما إن مرت أسابيع حتى تحقق الكابوس، حمل الغيلان الصهاينة الحجارة المدبجة بدماء أسرتي وجعلوها مأوى لهم، يتدفأون داخلها، ضاق صدري منذ أن رأيت الصورة حية تنقل عبر القنوات ليراها الجميع حتى قطرات الدم التي بقيت أزالوها، محوا أثرها... حينها بدت لي الدنيا ضيقة  لا يسعني أي مكان آخر غير العزلة التي كنت أرحل إليها، انقطعت شهيتي للطعام، وبدا الحزن على وجهي وتغيرت نظرتي إلى الحياة وإلى المستقبل وأضحيت يائسا، لا شيء يضمد آلامي، خارت قواي ونسيت الحجر الذي كنت أختزنه داخل ثيابي .

لا شيء يدفعني للحياة، فإلى من أعود؟ إلى وطن بيع للغيلان، من يستقبلني .

ضاع الحلم داخل قاعة كبيرة، كثيرة الأنياب والأذناب ودمت على ذلك الحال إلى أن حلت اللعنة على الغيلان الصهيونية فكشرت عن أنيابها النتنة المتصدئة بالدماء العربية لتعلنها حربا أبدية، فلا سلام ولا كلام وأنها تريد أن تنهش الحصة بأكملها وأول من استهلت به مجازرها وتحت أعين العالم شقيقي محمد الدرة الذي امتصت دماءه وهو يتوسل بصلاته الملائكية داخل حضن أبيه، أنه يريد البقاء، أنه يريد العودة إلى أمه .

حينها ولحظتها فقط عاد إلي اسمي وتذكرت الحجارة وعدت إلى وطني الذي هجرته سنين منذ أن كنت في عمر محمد الدرة إلى أن أضحيت شابا، عدت وفي يدي حجارتي الصغيرة لأدافع عنه بها رغم صغر حجمها ولكن يبقى إيماني كبيرا بيوم النصر.

  

 

 

أم السعــد

 

 

  - إيه يا أحلام.. السنوات تمر، تنطح بعضها بعضا، وسفينتي الغارقة  لا منقذ لها.. ولا مرافئ تعود إليها..  تبلسم جراح ما اقترفه حلم كاذب .

كانت كلمات عمي تضطرب داخل أذني وسط هذه الخضرة ووسط هاته الكروم، كانت عيوننا تتسابق وخطانا المنملة  إلى أن أضحينا بالقرب من شجرة زيتون باسقة حتى انحنى جذعها، حط عمي حسان يده عليها وكأنه يلتمس منها دفئا مفقودا.. يبذر ناظريه في جذعها وتفرعاتها، تبدو كأنها تحمل أسرارا كبيرة وكثيرة، شيء ما تخفيه هذه الشجرة العملاقة .. عمي حسان لم تستوقفه هاته الشجرة بالذات ؟.. لم كان ينظر إليها هكذا ؟..  لم  اغرورقت عيناه حين حط يده عليها ؟، أسئلة كثيرة كانت تختلج داخل أعماقي تصارع ذاتي، ولم أقدر على توجيهها إليه وكأنني أحسست شيئا دافئا ينبعث منها وكأن روحا بأعماقها تحتضننا في دفئ، شيء ما يربطني بهاته الشجرة كما يربط عمي حسان.. كانت رحبة جدا.. باسقة جدا.. شديدة الاخضرار، ذكرتني بأشجار الزيتون التي تركتها في واد اغير.. ذكرتني بظفائري المنسية، ذكرتني برائحة الحبق.. ذكرتني بجدتي التي كانت تستظل تحت شجرة الزيتون كهاته لتحكي لي عن الناقة البيضاء التي تحولت إلى غولة  أرادت أن تختطف محمد وحيد والديه لتقيم معه ليلة ثم تأكله، كلانا أخذتنا هذه الشجرة بعيدا أين نسائم واد اغير .

  - آه أم السعد، كل هاته السنوات وأنت داخل روح هذه الشجرة أمارس معك طقوس الصمت... أحييك داخلها ..أبعث فيها من روحي حتى نرحل بعيدا لنعيش الحلم المنسي، لنكمل مشوار الأمس .

راح يحتضنها ويتحسسها ككائن بشري.. كانسان فقده منذ زمن بعيد.. كابن ضال يدعو والديه للصلاة له بعد عصيان كبير.. تذكر ابنة أخيه أحلام، مسح عينيه واستدار إلي وهو يحكي عن السر الذي تحمله هذه الشجرة .

منذ أن خرجت أم السعد إلى الدنيا، واستقبلتها النسوة بالزغاريد.. عمت الفرحة البيت الكبير  وقبل أن تتجرع أول قطرة من ثدي والدتها.. قبل أن تفتح عينيها المغمضتين، قرأت فاتحة الكتاب علينا..  كنت صغيرا جدا لم يتجاوز عمري حينها ست سنوات، لم أفهم ماذا كان الجميع يقصده من وراء هذه الفاتحة  .

كان الجميع يهنئونني، ولكن على ماذا ؟، لم أفهم.. كل الذي فهمته أن أم السعد أصبحت ملكا لي، وأصبحت منذ ولادتها وصيا عليها، لابد أن أكون رجلا لأحميها.. لأدافع عنها..  فأنا الوصي عليها، منذ تلك اللحظات

و أنا لا أفارق مهدها، كنا نعيش عائلة واحدة، كانت الغرف ملتصقة ببعضها البعض.. النسوة عددهن كبير بعدد الرجال في البيت الكبير. وأكثر.. ينهضن كل صباح على غبش السماء، وعلى أول صيحة للديك، يخرجن إلى الساحة التي بالقرب من البيت، وهن يحملن قطعا صغيرة من الحطب جلبنها من الغابة القريبة من الوادي، كن يحملن ما يقارب القنطار وراء ظهورهن.. حفاة.. تجرهن قيود فضية.. فوق رأس كل منهن قلة مملوءة بالماء.. يمشين مسافات بعيدة.. لا يتعبن.. لا يملن ولا يسأمن، بل كن ينشدن أروع ما حفظنه عن أمهاتهن وجداتهن .

 كانت الحياة جميلة برغم هذا العناء، يضعن الحطب فوق بعضه أكواما..  تأخذ إحداهن قطعة منه لتنفخها من روح الأرض بكفيها  حتى تبعث فيها شيئا من الضياء لتشعل به ذاك الفرن الحجري الذي صنع خصيصا لهذا النوع من الخبز " المطلوع"..   في حين تأخذ إحداهن قليلا من الدقيق الذي أتت به من المخزن الكبير... حيث كانت الغلة السنوية مخبأة.. تضعه داخل تلك الجفنة، وتدلكه بيديها البارزتين شيئا فشيئا إلى أن  تصبح العجينة رخوة مثل الزبد تشكلها أقراصا، وتضعها حتى يتضاعف حجمها لكي تأخذها ثالثتهم إلى الفرن، أما الأخرى فتكتفي بإعداد قهوة الصباح وما على الجدة إلا أن تحكي لنا قصصها الجميلة، تنمي خيالنا وتخصب أرواحنا، كانت الحياة عفوية جدا، والأجمل عددنا الهائل داخل كوخ صغير  أعده جدي أثناء زفافه مع جدتي كعصفور يبني عشه قشة، قشة حتى يحمي صغاره، يكبرون داخله، كلما كبرت الأسرة أضاف إليها غرفة أخرى، كبرنا هكذا، صدورنا كانت متسعة جدا لاستقال الحياة، كانت أحلامنا صغيرة داخل عفويتنا.

أما أنا فلا أفارق مهد أم السعد، لقد أحببتها وهي تكبر تحت ناظري، عشت داخل أحلامها وهي رضيعة، أغوص داخل ابتساماتها البريئة، كبرت مع ملائكيتها، تألمت معها وهي تخرج من شرنقتها وتخلع صغرها لتكبر وتكبر وأكبر أنا معها، كنت أتقاسم معها قطعة الخبز، فهمت وقتها ماذا تعني وصايتي عليها، وكبرت أحلامنا .

أضحت شابة، كانت جميلة جدا، كانت تحمل ظفائرك الشقراء  لتدليها على كتفيها، كان صمتها عميقا وهي تختزن كلمات الشوق إلي، نظراتها اللامنتهية وهي تسبح في فضاء الغد.. كم حلمنا بالغد ونحن نضم كفانا على أم هاته الشجرة .

في إحدى الليالي اختفيت عن الأنظار ولم أدخل إلى البيت مبكرا كعادتي.. الجو بارد جدا  حتى الخنازير   احتمت داخل أوكارها، بدت العائلة قلقة ، أضحت تؤلف قصصا مرعبة ، أما أم السعد فحياءها أخفى دموعها وحيرتها فاختلت تحت فراشها تصلي إلى الله أن أعود، وما إن دلفت الباب حتى هم الجميع إلي يسألني أين كنت؟ لم أستطع أن أبوح لهم بسري، كان حيائي يمنعني، ولم أستطع أن أخترع لهم أكذوبة، رضيت بعقاب جدي  لقد بت ليلتها جاثما فوق عصاه ويداي مربوطتان خلف ظهري  بعدما أشبعني فلقات بهاته العصا، لم تكفه الفلقات التي أخذتها من معلمي الشيخ السعيد أثناء النهار، منذ أن كنت صبيا، كان يعشق رجلي الصغيرتين، النحيفتين، وهو يمارس عليهما رجولته، وسلطته.. كنا نكرر كلمات حفظها عن شيخه، كما يلقنها لنا الآن، دون أن نستوعب منها شيئا، كنا كالببغوات، كلمات قالوها، قلناها، آيات حفظوها حفظناها، ولا يهم ما تحويه كانت اللغة العربية صعبة الفهم والنطق بالنسبة إلينا، ذكرني جدي بصباي، ذكرني بالفلقات المنقوشة على راحة قدمي التي طبعها الشيخ السعيد رحمه الله، بت ليلتها أتأوه، آلمتني العصا التي كنت جاثما عليها.. بت بالقرب من فراش جدي، وهو يتفقدني تحت عينيه، حتى لاحت خيوط النهار في السماء الشاسعة، نمت وأنا جاثم.. الألم يعصر عظام ساقي المتخاوية التي تآكلها الألم والجو البارد..  الدموع تتسلل هاربة من عيني.. لا بد أن أخفيها حتى أبقى رجلا..  لكن خانتني.. فرت هاربة لتجتمع داخل هالاتي السوداء الغائرة، حينها أشفق علي جدي.. فك قيدي وسمح لي أن أستريح داخل فراشه بعدما وعدته بعدم تكرار الفعلة الشنيعة وعودتي المتأخرة .

 ما إن اختفى جدي عني حتى أسرعت إلي أم السعد وهي تحمل في يدها النحيفة كوب الحليب وقطعة من الكسرة الدافئة، تسألني أين كنت؟ نسيت لحظتها الألم، التعب.. الفلقات..  ابتسمت في وجهها.. اعتدلت من رقدتي.. أمسكت يدها وأخذتها معي إلى الغابة التي بالقرب من البيت  لأريها ما نقشته على شجرة الزيتون..  لأريها المكان الذي أخذت من أجله كل تلك الفلقات

و كل ذاك العذاب من الجد، ما إن وصلنا بالقرب من الشجرة حتى دعوتها أن تقفل عينيها وأخذت بكفها ضممته إلى كفي ووضعته فوق جذع الشجرة، وغصنا داخل أحلامنا، تهنا داخل الغد ننحته تضاريس على هذه الشجرة..  سألتها أن تفتح عينيها لأريها ما نحته على جذع الشجرة.. رفعت كفها عن ذلك المكان، نسيت أنها لم تدخل الكتاب، لم تتلق هاته الحروف التي نحتها من أجلها ..نسيت أنها فتاة  لا يحق لها أن تفقه هاته النقوش، كان شيئا يقتل مني الأحلام..  يغتال مني الابتسامة.. شيء ما يدفعني للحقد على هاته العشيرة..  اغتالوا منا الأحلام تحت عاداتهم وتقاليدهم، أبكوا أم السعد..  أسالوا دموعها.. اغتالوا منها فرحتها.. أماتوا كيانها.. علموها البكم. ..الصمت، قالوا لها خير لك البكم.. البلاهة  حتى تعيشي سيدة وتبقين لحسان، لكنني أحييت فيها هاته الحروف وأدركت غيمتها لأمحوها وقرأتها عليها وأنا أبعثها ترانيم من أعماقي :

  - أحبك أم السعد

 نظرت إلي وهي تسألني عن موقع كل كلمة حتى تحفظها، أخذت إصبعها وأنا أضغط على الكلمات ووعدتها أن أعلمها الحروف، كانت المسيرة صعبة بالنسبة إلي.. تعلمت القليل منها بعد عناء، أشغال البيت  وذاك الموقد وتلك الجنينة لا يتركان لها وقتا للتعلم فأوقات الفراغ تقضيها في غزل الصوف وحياكة الزرابي وكان  أول ما حاكته برنس أهدتني إياه .

احتفظت به ووعدت نفسي أن لا ألبسه حتى أغطي به أم السعد ليلة زفافنا، كبرت نخوة الشباب فينا، وبدت الرجولية ترتسم على وجهي.. استوى عودي..  أصبحت لا أفارق الرجال الكبار من العائلة، أتعلم منهم صياغة الحديث وخشونة الطباع كي أصبح رجلا، تعلمت كيف أنفخ عقيرتي في جميع النسوة اللاتي كن بالبيت، حتى نلت مرتبة سي حسان، قررت بعدها الدخول على أم السعد فقد أينعت هي الأخرى وتفجرت أنوثتها.. ازدادت جمالا ورونقا، كانت شمسا مورقة.. ربيعية.. خيزرانة الفتيات في تلك الناحية وهي تنبعث منها الروح الأمازيغية  وردة واد غير وهي تمد عروقها نحو الشمس لتصقل بشرتها البيضاء وتمدها لمعانا ذهبيا، فتبرز خضرة عينيها، وتمتص منها وجنتيها حتى تتدفق حمرة ولمعانا .

قبل العرس بليلة واحدة، قبل أن يكتمل الحلم ليصبح حقيقة، تسللت من البيت لألتحق بأم السعد وهي في طريقها إلى الوادي لملء القلة التي كانت فوق رأسها، لم تحس أنني كنت خلفها ..  اختطفت القلة من فوق رأسها هاربا بها، حسبت أن غريبا اختطفها لها.. استدارت نحوي غاضبة.. تنبعث من نفسها شرارة..   قذفتني بالشتائم  بعد أن رشقتني بالحجر، لم أر أم السعد في حياتي غاضبة هكذا.. تخلع ذاتها العفوية لأجل قلة ماء اختطفت لها .. خفت أن تصيبني فتفتح رأسي وتسقطني أرضا، أخيرا  اعترفت لها وأنا أرفع عقيرتي :

  - أنا حسان، يا مجنونة، حسان...

أدركها الضحك وهي ترفع سبابتها لتضغط بها على جفنها، تحاول استطالته توصيني الحذر  

  - لا تعيد الكرة.. يا ابن العم

أدليت قلة الماء التي كنت أحتضن عنقها داخل كفي.. ولآخر مرة أمسك بيد أم السعد لأضمها إلى قلبي، أحسست أنها باردة جدا، أو خيل إلي أنها باردة جدا...

  - ستبقى هاته الشجرة تذكارا لنا يا أم السعد، سنريها لأطفالنا، سنعلمهم كيف يحلمون، كيف يحبون، كيف يعيشون، سأحكي لهم عن قصتنا، عن الحب.. عن الشمس، عن الزيتون، عن كل هاته التضاريس التي نحياها اليوم.. إنه آخر يوم تجمعنا هاته الشجرة قبل زفافنا.

  - وكأنني لأول مرة، ألتقي بك يا حسان، شيء ما تخفيه الأيام، شيء ما أحسه يتشقق داخلي، شيء ما يختطف مني يا حسان.. أتجاهله...

ضغطت على كفي وكأنها تتوسل إلي أن أبقى بجانبها، داخل أحلامها...

  - ما بك يا أم السعد؟ مابال وجهك يكاد يخلع منك الحياة؟ لما تبدين هكذا؟ ما الشيء الذي أخافك ؟

غاصت عيناها داخل عيني وامتلأتا صمتا وهي تضغط على كفي، شيء في أعماقها يفر منها، شيء ما تخفيه دمعتها المستترة داخل بؤبؤيها.. شحوبتها غير العادية.. خلتها خائفة؟ ؟ ؟

  - أحس أنه آخر يوم تجمعنا فيه هاته الشجرة، شيء ما يختطفني منك..  ربما الموت. .

  - لا تذكري هاته الكلمة مرة أخرى وإلا غضبت منك، فالحب والموت لا يلتقيان ولا يتصادقان .

عدنا إلى البيت، حملت عنها قلة الماء وأنا أفكر وأنثر  تلك الكلمات التي انطلقت من فمها كسهام متأججة الرؤوس  مصوبة نحو أرواحنا  المتلاحمة منذ أمد بعيد .

 الرابع عشر من شهر مارس سنة 1955 م، لم يمض على اندلاع ثورة التحرير إلا أشهر قلائل، كان الربيع يرسم تضاريسه على دشرتنا وينحت بهجته المفقودة على تلك الجبال.. التي انطفأت نيرانها بعد أن أشبعت نهمها من خضرتها، كان موعدي مع القدر..  مع أم السعد، ليلة ليست كغيرها من الليالي، أم السعد  في أجمل حلتها، بعد أن فكت ظفائرها وسرحت النسوة لها شعرها

وبعثته متساقطا على كتفيها ليطوق خصرها المشدود بفولارة القبائل.. قيدوها بخلخالها الفضي المزركش بقطع حجرية ونحتن جبهتها بتاج فضي أدلى عليها أنوثتها الأمازيغية.. كان عرس بنت الجبال.. بنت الأعالي.. الزغاريد عارمة ..عمت الفرحة كل البيت وكل القرية .غنت ورقصت جميع فتيات القرية، حتى أم السعد رقصت يومها، جميع الفتيات فرحن بأم السعد هنأنها وباركن لها ودعون لها بالرفاه والبنين.. مرت سويعات الفرحة ليطويها الليل الحالك وارتحل كل من المدعوين إلى بيته بصحبة أسرته ولم يبق في البيت غير أهله الكثر.

دخلت الغرفة التي كانت بها أم السعد حيث كانت جميع النسوة يطوقنها وهي تتوسطهم كالوردة المتفتحة أيان ربيعها.. دخلت ألبسها البرنس الذي أهدتني إياه وأحملها إلى غرفتها..  ازدادت الزغاريد قوة وهي تنبعث من حناجر النسوة اللاتي كن فرحات بهذا اليوم، أم السعد كانت تحمل شمعتين ورديتين في كفيها، أشعلت فتيلتهما أمي لتفصلهما عن بعضهما البعض، كل العرائس كن يحملن هاته الشموع حتى تضيء أيامها القادمة ويدوم السعد

  ولكن حسرتي على تلك الشموع.. اشتمت الذئاب رائحة أم السعد.. راحت تتسلل من جحورها العكرة يتطاير من  أفواهها النتنة لعابا وشررا.

اقتحمت الباب جماعة كبيرة ترتدي الزي العسكري..  كان يثير رعب كل أهل القرية..  تسلل من بينهم أحد المسؤولين يسأل عن العريس..  كنت ضعيفا لحظتها..  أخاف الموت..  لم أنعت نفسي..  ابتلعنا الصمت وجعلنا نركع إذلالا تحت من كانوا سادتنا. .أذكر اسم ذاك القائد "بانجمان " كان طويل القامة، نحيف الجسد.. قوي البنية.. خلق ليغتصب.. اقترب من أم السعد وهو يجس أنوثتها.. يدغدغ أوصالها.. يمر بأصابعه القذرة على وجهها الطاهر العفوي.. يمنحها رجولته العكرة.. بينما هي تعود بخطاها إلى الخلف.. لم أستطع أن أتحرك بقيت كالحجر الذي تنفخ فيه أم السعد من روحها.. من حبها.. من صدقها.. من ملكتها ووجدانها لغة امرأة استضعفها رجل غاشم.. مغتصب.. مجرد الهوية.. مخلوع الشفقة  لكن دون  جدوى بقيت في مكاني.. كنت جبانا، خائفا من الموت أردت لحظتها الحياة المزيد من العمر.. أردت أن أكمل فرحتي.. حلمي وحلم أم السعد  وأخيرا  اقترب أبوك من القائد وهو يروض أنيابه ويدعوه لتناول بركة العرس، لم يمانع.. نظر إلى أقرانه  دعاهم إلى الجلوس معه بعد أن أخفوا أسلحتهم تحت جثثهم.. قبعوا حول الجفنة الكبيرة.. يتناولون الكسكس بشرارة وكأنهم لم يذوقوا شيئا منذ زمن بعيد.. كانت حبات الكسكس تتطاير من أشداق أفواههم.. عيونهم منغرسة داخل تلك الجفنة وحده  القائد بانجمان لم يحول نظره عن أم السعد، أحست أنها اللحظات الأخيرة التي كانت تجمعها بعائلتها.. بأمها.. أبيها.. إخوتها.. بحبيبها الذي انتظرها طويلا.. سبقتها دموع الفراق.. دموع الرحيل.. دموع اللاعودة.. بكت عمرها.. بكت فرحتها المسلوبة.. بكت موتها وهي حية.. بكت أحلامها.. بكت أنوثتها.. ولكن بانجمان لا يرحم، لم تكفه مأدبة العرس، لم تكفه تلك النظرات، لابد من نيل مراده..  انتفض من مكانه وأمر عسكره بالوقوف، انحبست حبات الكسكس داخل حناجرهم واختلطت بأصواتهم فبدت مبحوحة، وقفوا جميعا.. رفعوا أسلحتهم.. صوبوها نحو الرجال.. عيونهم كانت ممتلئة بالغضب، بالاستلاب، بالجبروت  بالحقد.. بالكراهية، أخرجونا إلى ساحة البيت، أمرونا بالاحتكاك بحائط البيت، أيادينا مرفوعة إلى السماء، أي لعنة حلت علينا، لم تكن من السماء بل لعنة من شيطان خلق ليغتصب الحب.. الأمل.. الوفاء.. الحرية..  بقيت أم السعد بخلف الحائط.. أضحيت غريبا عنها.. كنا روحا واحدة، حبة واحدة من حب وأنين لنضحي الآن قلبين متباعدين، محجوبين.. فلقتين ممزقتين..  حجبنا الحائط.. فرقنا الاستعباد أضحينا أغرابا تحت سقف واحد، كان جسدي يرتجف خوفا وهلعا على نفسي، على أهلي وعلى أم السعد، ما هي إلا لحظات حتى أخرجت النسوة كذلك من البيت لتلحقننا وبقيت أم السعد وبانجمان الذي لا يرحم، أمسكها من ذراعها النحيل.. جذبها نحوه.. هجم عليها.. أراد أن يخلعها من نفسها ولكن أم السعد بنت واد غير.. بنت تاكفريناس خلقت حرة لتموت حرة وتدفن حرة  لم تكن تملك خشبة ولا سلاحا تدافع به عن روحها اكتفت بأظافرها لتغرزها تحت أدمة وجهه المتعفن لتدميه فتلحق بنفسها وروحها وانطلقت كالمهر البري تجري وتجري ولا تنظر خلفها، كانت تنهيداتها أقوى من جسدها.. هربتها مع روحها، دموعها تجمدت في مستقرها، نظرتها كانت عميقة... متلهفة للحياة.. متلهفة للحرية ، كانت في سباق مع القدر..  مع الحلم..  مع الغد.. الحمل كان ثقيلا وفتحة الباب كانت أبعد بينما رصاصة بانجمان كانت الأسبق إلى ظهرها لتخترق جسدها وتستكين بقلبها الذي كان ينبض بالحياة، حتى أنها كانت بكماء، لم نسمع إلا دوي الرصاص وهو يتغلغل داخل صدرها، ثانية واحدة كافية لتمحي العمر كله.. لتبعثر شتى الأحلام.. لتطفئ كل الشموع، ويرحل كل شيء جميل إلى اللاكون، إلى اللاحياة، وتغيب الثغرة البريئة تحت خديها ويندفن سحر العيون، ويغيب القمر إلى غير رجعة لينكسر بريق الحلم ليصبح مأساة ويبقى الحزن وأنا، لم يكتف بانجمان برصاصته بل راح يقلب أم السعد ليرى دماءها وهي تنزف من قلبها وديان وردية ، صاخبة من أعالي الجبال، حينها حمل عساكره على أرجلهم ورحل وهو يخبئ تلك الخدوش التي نحتها الشرف وطبعتها امرأة صغيرة .

هممنا جميعنا نحو أم السعد، كانت مفروشة كالزهور البرية، تحمل معها ابتسامتها الملائكية كما رأيتها أول مرة، اجتمع العرسان في عرس واحد، زغردت النسوة وهن يبكينها.. يرثينها.

أما أنا بقي فمي مشدودا لا ينغلق، الحسرة تخنق أنفاسي، يصفعني جبني، جثوت على ركبتي وأمسكت بيدها الجامدة، أمد فيها بعضا من الدفء.. نفخت في أنفاسها، أردت أن أوقظها

  - استيقظي أم السعد، اليوم عرسنا، اليوم فرحتنا، لا تموتي أم السعد، لا ترحلي عني، لا تتركيني لجبني، أم السعد لقد رحل الكلب، لقد رحل ولن يعود.. هيا أفيقي

كانت الكلمات تنبعث من معتوه خانه القدر، خطف منه حلمه.. تركه يبكي حظه الذي فرقعه ذلك  الغاشم، لم أكن أريد أن أصدق أن أم السعد ماتت، رحلت إلى غير رجعة، وما يملك رجل ضعيف مثلي إلا تلك الدموع، بكيت وبكيت ولكن أم السعد.. اختارت طريقها.. اختارت وجه ربها.. احتضنتها لآخر مرة، تذكرت هديتها، تذكرت البرنس الأبيض الذي كنت سألبسها إياه، رفعته من على الأرض وغطيتها به وحملتها فوق ذراعي كنورسة اغتصبت منها زرقة السماء التي كانت تعلو بحرها..  وضعتها فوق فراشها  الذي لم تنم عليه ليلة واحدة واختار القدر أن يكون فراش رحيلها.

تحول العرس إلى مأتم، تحولت الفرحة إلى كآبة واختفت الأحلام تحت الأرض ودفن كل شيء كان جميلا يجمعني بأم السعد ودفنت معها  تلك الرصاصة  التي طلقتنا إلى الأبد ورفعت عنا وشاح الفرحة لتنزل الستار على مسرحية القدر ...

منذ تلك اللحظة صرنا نرى نجمة جديدة تشع كل يوم في كبد السماء شيخ الدشرة وحده تجرأ وقال إنها أم السعد ومنذ تلك اللحظة صرت أحس نفسي كومة رماد .

ولم يبق شيء يجمعني بكل شيء حولي بعد أن أضحيت الرجل الضعيف في جسده وفي روحه لابد أن أرحل من هنا.. من كل شيء كان يربطني بأم السعد  وكل شيء يربطني بهاته الأرض، أم السعد أصبحت تعني لي نقيضين الحلم والألم، الحب والفراق...

قررت أن أغادر وأرحل عن هذه الأرض التي لم يصبح لي مكان فيها، واخترت أن أعيش على الضفاف...

هكذا كان هروبي يا أحلام، هربت من نفسي.. من أهلي.. من وطني الذي افتقدته إلى الأبد لأنني لم أفعل شيء لأجله ومن أجله واخترت أن أعيش هنا أستجمع قوتي المفقودة وأحقق حلما مفقودا. 

 

 

عربية داخل زنزانة الجلاد

 

 

كم من مرة التقيت وتعانقت والأموات في مجازر الأحلام، حين كان يصفعني الجلاد كل مرة ويضطرني للبوح بأسرار أحلامي التي لم تنته ولن تنتهي، حين كان يلسعني بشتى العذابات اللامتناهية، يحاول أن يرفع عني وشاح الصمت كي أرحل إلى الموت ولكن لا أبوح .

لا أنسى تلك اللحظات الرهيبة حينما كنت أهيم في السؤال وفي قرارة البوح بما في قلبي من خفايا الأحلام .كانت لحظات قاسية ومتعبة، كانت ليلة شتوية باردة، لم أرها بعيني ولكن اشتممت رائحة البرد القارص من كل بقعة زرقاء تظهر على جسدي، من كل حبة متكورة فوقه، من صداع جمجمتي هذا الذي لم يفارق عزلتي، من سواد قميصي المتعفن برائحة الفئران التي كانت تحوم حولي، كنت مقيدة اليدين والرجلين.. قيدا محكما لا أستطيع حراكا فوق كرسي خشبي أضفى عليه الطقس كل صلابته، شعر شعث غابر نسجت منه العناكب مساكن لها، والتجأت إليه تحتمي داخله وبيوضها التي لفتها به صانعة منه عقدا.. عقدا، لأنني مقيدة ولا حول ولا قوة لي غير الصمت، بدائية أنا كما كنت، شهوة النوم تلازم أجفاني حتى صنعت لها قبورا وأقوابا تحتها ونحتت عليها تضاريس الظلمة والكآبة .

بكيت وبكيت وما عسى الدمع إلا أن يبلل رموش أجفاني ويسقي كل القبور، صرخت وصرخت ولكن من يسمعني غير الصدى يسترجع صرخاتي وهتافاتي لم يحاول مرة أن يستأذنني بالدخول كان يقتحم علي باب الحمام البارد بكل ثقة في النفس محاولا إغرائي. .إخافتي.. خطواته لم تخفني يوما ولم ترعبني، لأنني ارتويت خوفا وفزعا حتى ماتا ورحلا في سبيلهما، تقرب صاحب الزنزانة مني وفي كفه اليمنى يحمل سوطا كان قديما يستعمل لجلد الجواري والعبيد وبشماله دلوا كبيرا مليئا بالقطع الثلجية.. طوق رقبني بذلك السوط المتين الذي كنت أخفيه داخل خزانتي القديمة حتى أحمي كل أطفالي الذين تركهم الجلاد بالخارج للعراء والجوع.. استخدمهم عبيدا له ولخنازيره  بعدما ملكوه أعناقهم بجبنهم وغباءهم.. وصل إلى ذروة عقولهم.. أقنعهم أنني لا أحبهم وأن ذلك السوط الذي كنت أحتفظ به في خزانتي ما هو إلا السوط الذي سأجلدهم به يوما وأنني أخبأه داخل تلك الخزانة الباردة حتى يصبح صلبا خشنا عليهم، نسوا أنني أمهم التي أنجبتهم وحملوها أساطيرهم فحمتها وورثتها وعلمتها أحفادهم، نسوا شهرزاد التي كانت تؤنس أطفالهم وتحكي لهم كل القصص حتى يناموا بسلام وهناء.. قدموني قربانا للجلاد ليصنع مني ما يشاء .

شد في طوقه على رقبتي حتى جحظت عيني وتدلى لساني حينها قرب دلو الثلج محاولا أن يغمس لساني داخله، حاولت إخفاءه.. تعسر علي ذلك لأنني داخل زنزانته، في معبده، حاول مرارا وتكرارا أن يقتلع مني لساني وأن يخنق قلبي ويعصر جمجمة كياني فأتعبه كل ذلك، كم من مرة فشلت محاولات الاغتيالات التي كان يعدها فوق صفحات مذكراته ويحملها إلى معبده، يمارسها عنتا وعلانية لأنني داخل زنزانته، لم أبال به.. عشت حرة داخل زنزانته أحمي كل أساطيري ورواياتي وأحلامي، لأنني أعلم أن النهاية قد اقتربت وأنه سيأتي يوم يعلم فيه أطفالي أنني كنت المرأة العربية التي لم تخنع رأسها ذليلة لجلاد جبان، اختلى بامرأة مستضعفة.. رضيعها يحتضر.. جردها فوق كرسي خشبي بارد بعدما أحكم قيودها وقابلها لرضيعها الذي كان يفترش أرضية باردة وهو يحتضر وما عساني إلا أن أنظر إليه أبكي عليه دمعا كما يبكي البؤساء ..لم أفكر في الموت الذي أضحى يلاحقني أبدا ويلاحق أحلامي، يترصد آهاتي الزائغة عن عالمه الرمادي ونتوءه الأرجواني الذي أصبح يقحم كل الذين تغنوا للشمس ورسموا لها قرصا وابتاعوا لها لونا ذهبيا يحميها من غطرسة الليل المظلم ووحشته الفتاكة، كان عالمي صغير جدا، أصنعه أنا بأناملي حتى أكون بطلة فارسة تحتمي فوق صهوة جوادها الأبيض الذي كان يعانق الأرض عناقا طويلا ويضرب عليها دندناته حتى تستفيق من سباتها لتحيى وتحيى وأحيا أنا معها .و لكن كنت أعود كل مساء إلى عزلتي ووحشتي أتذكر آهاتي وأغنيتي الحزينة التي كنت أعزفها بناي القهر، فتغمرني صفرة الموت وتعتريني حرارتها، لأنني بكل بساطة لا شيء وأنني ذلك الهزيج من الحلم والعذاب ..الصديد المدمل الذي أحرق كل هاته المدينة، أشعل الفتنة ولم يرد أن يطفئها.. هكذا كان يلقبني الجلاد يا فاتنة المدينة.. يا راهبة العبودية.. يذكرني بالموت كل مرة على يديه.. الأمل، الحلم، الغد ... قطرة النوى التي كانت تتخلل جسدي لتختمر داخل فؤادي فتفوح بنفسجة لغد مشرق  فينسج كلانا قصرا للشهرزاد فتعود من جديد تحكي الحكاية حتى نحيا داخل هذه الزنزانة الأبدية التي صنعتها أسطورة الحرية فوق بحر عجي وقطرات من الذهب الأسود  .

كان بيتي أعمدته خشبية متهرئة ولكن كانونه المشتعل يدفئ كل أحلامي وورودي، لم أبال يوما بتهرآته ولا بانسداد فوهاته لأن أحلامي كانت دافئة وأيامي أعدها على فراشات السوسنات المتناثرة داخل حديقتي الغناء.. صنعتها شهرزاد وأحلام شهرزاد  .

الحلم كان ولا يزال بالنسبة إلي  المصل الذي يلهمني الحياة والجلاد هو ذلك الآخر الذي كان يصرعني كل مرة على جمجمتي حتى أقع أرضا فتتجلط كل الدماء وتردم كل الأساطير والذكريات ويموت التاريخ فوق كرسي خشبي متهرئا لا أحد يفقه تهرآته غير تلك الدودة التي أكلت عصا سيدنا سليمان، فهل تستطيع جمجمتي أن تحتمل كل هاته التصدعات والضربات .

 

 

 

حب داخل تميمة

 

 

كانت الشمس متوهجة  ترسل خيوطها المديدة خلال ذلك الفضاء الشاسع، تبعث وميضا خفيفا ينحت على الأرض  نهارا جديدا لأمل جديد ....

كل هذا الجمال وكل هذا الإبداع الذي نحته الخالق على الطبيعة لا يعني شيئا بالنسبة إليها، لا الشمس ولا السماء ولا ذلك اليوم الجديد يستطيع أن يروي ظمأ عينيها، ولا أن ينير لها طريق فرحتها المنسية.. تلبدت السماء في وجهها الفتي حتى أقحمتها دعاء الموت.. تلك الفكرة الخفية التي ظهرت لها فجأة.. لا أحد يستطيع أن يحدها عنها إلا أمل جديد وإنعاش آخر..  مبروكة أجل مبروكة القريبة إلى مناها وحلمها.. البلسم الشافي لحزنها وتغيير مجرى حياتها، عّلها هذه المرة تستطيع أن تكمل لها صفحة الحياة التي ستبعثرها الرياح ويأخذها الزمن ولن يعيدها أبدا ؟، صونيا والحلم الذي كان مرسوما داخل عينيها الضيقتين تسرب مع ليل حالك طوق كل شيء كان جميلا داخل قلبها الصغير حتى تلك الابتسامة المشرقة تنحت من على شفتيها الغليظتين، مرارة الألم تصفعها بالخيبة ،لا شيء يدعوها للحياة، بعد أن ضاق صدرها بجلطة داخل المهج الذي كان وصالا بينها وبين قلبها، تسير بخطى متثاقلة تجر أغلالا من البؤس والعذاب، أنهكها حملها كثيرا وبعثرها من وجودها وتركها في غيمات المجهول الذي لا أحد يعرفه غير مبروكة التي كانت بالنسبة إليها ذلك الربط المتين بين الواقع والأحلام.. الأمل المتوهج لكل الدروب، كان السؤال يندفع نحوها. .يرتمي داخل جوفها طوال الطريق الذي بدا لها متقلصا وعليها أن تزيد من تلك المسافة التي بينها وبين بيتها حتى تبقى لوحدتها تمارس الصمت الرهيب الذي أصعق سماءها، الأسرة جميعها تمتطي وراء البحر، فلا حياة هنا تدعوهم للبقاء، حتى حنين الأم  تفتقده، تركتها وحيدة مع جدتها العجوز صخرية التي متطلباتها أكبر بكثير من عمرها، فإلى من تعود؟ إلى بؤِس آخر  وغصة أخرى من الحياة الملتهبة في عينيها ؟.

لم تدر بنفسها وهي تشق صرختها في منعرج الطريق.. تسابق القدر علّها تفوز بهذه الخطى المنملة وهي تجرها نحو مستقبل أفضل إلى أن بلغت المقصد، هنالك لجت بابها.. لم يكن غريبا عنها حتى  مبروكة تعرفها جيدا.. منحت السلام لجميع من كان يسكن ذلك الجحر الذي كانت تنبعث منه رائحة الدراويش المعطرة بالبخور، كاد قلبها يفر من جسدها.. أهو الخوف من المجهول أم الخوف من عالم  مبروكة، لم تحس بنفسها وهي تمتطي تلك العتبة التي كانت تربط نور الشمس وتلك الغرفة الغاسقة في حلك الدراويش والمستضعفين داخل متاهات الدنيا من كل حدب ينسلون تجرهم أحزانهم وأوجاعهم وأسقامهم التي يحملونها هما كبيرا على أكتافهم يطوفون بها أجسادهم وعقولهم، نزلوا على  مبروكة.. يتطيبون برائحتها المباركة التي تحمل الكثير من البشرى والأمل، كل تلك النسوة خانهن زمن الوفاء.. كل منهن يحكي محنته لمبروكة فهي الوعد الصادق والأمل المفعم بالخير والبركة، كل يجري وراء نحبه وحظه وحلمه بعدما أضحت صدورهن ضيقة لا تتسع لمحن هذه الدنيا وعواصفها الهوجاء التي اشتدت أعاصيرها داخل بيوتهن.. هذه المرأة التي كان يشهد لها الضعفاء أنها تجعل من العسر يسرا ومن اليسر عسرا بيديها الطوافتين داخل الديار، تلم الحسد والعين والسحر وكل ما يصيب الإنسان من أذى الروح الشريرة التي لم يدركها العلم .

 صونيا تتأمل كل تلك النسوة وفي نفسها شيء من الغرور فهي طالبة جامعية من عائلة غنية لا تتحدث إلا بالفرنك الفرنسي أما تلك النسوة ترهقهن غبرة الفقر والعوز والاحتكاك حشيشة طالبة معيشة ، لم تكن بحاجة إلى المال، بل هي بحاجة إلى نصفها الآخر الذي سينكسر حتما إن لم تضمده لها خالتها مبروكة.

كان طابور النسوة كبيرا جدا والعبور إلى الدرويشة مبروكة ليس بالأمر الهين فلابد من  تذكرة مرقمة، صونيا ليست  بحاجة إلى تذكرة فما إن تفرغت مبروكة من فحص الحالة التي عندها حتما ستدخلها، كانت تلك الثواني تمر عليها وكأنها الدهر كله.. تنظر إلى ساعة يدها مرة، ثم تعود تمطط أصابعها الثخينة، القصيرة، لتعود من جديد تمسك خصلة من شعرها تدلكها قليلا.. تنفخ فيها وتعود تنثرها على جبهتها الضيقة إلى أن خرجت تلك المرأة من عند الدرويشة، وهي تقبل يديها ورأسها وتسأل الله أن يمدها من العمر، ولم تختف إلا بعد أن أعطتها ورقة نقدية زرقاء، قد يكون قد كلفها جمعها كثيرا من التقشف على أطفالها المعوزين .

دخلت صونيا وفي عينيها شيء من الكآبة رمقتها مبروكة.. ارتمت تحت قدميها.. تتوسل إليها أن تغير لها ناقوس الزمن، حتى تتغير بذلك حياتها وتلحق بما ستبعثره الأيام، سألتها عن الحجاب الأخضر الذي صنعته لها في المرة السابقة إن أبدى مفعوله، لم تفكر صونيا كثيرا بل راحت تسألها دواءا آخر لعله يعيد لها رضا الذي كان بكر والديه المسنين، كثيرا ما استاءا من سلوكياته الطائشة، كان يميل إلى الطول والنحافة.. عيناه ضيقتان تشع منهما حرارة لافحة.. يميل إلى السمرة.. يحبذ سراويل الجينس والأحذية الرياضية، لا يكف عن التدخين.. وكثيرا ما يلجأ إلى تدخين مادة الكيف، يلمها داخل قطعة من الورق.. يلفها جيدا.. يغلقها بإحكام، يشعلها بعود الثقاب ويبدأ في استنشاقها والتلذذ بها وكثيرا ما يتسامر بها وأصدقاءه، رضا لم يكن ذلك الرجل الذي يبحث عن الاستقرار، فما يزال ذلك الفتى الرياضي الذي يبهر صونية بعضلاته الممتلئة.. لا عمل له.. يتسكع بين المارة.. كثيرا ما يلجأ إلى الوالدة  يساومها مغادرة البيت إن لم تمنحه قليلا من الأوراق النقدية.. كانت طيبة معه، لا تحتمل غضبه ولا فراقه عنها، فهو بكرها الذي لم ترزق به إلا بعد ما أنجبت أربع بنات، تخاف غضبه.. دللته كثيرا.. كثيرا ما نام على حجرها.. لا تستطيع العيش من دونه، إنسان تطبع بالأنانية والدلال المفرط، حب التملك، لا يهمه الآخرون قلما ينظر إلى والديه نظرة رحمة ورأفة، كثيرا ما قضى الليالي في الشارع عند غضب الوالد عليه، فقد كان ولدا عاقا  .

كثيرا ما اشتكى لصونيا معاملة والده له، أشفقت عليه منحته قليلا من الحب، إلى أن ارتمت في حباله واستحالت الحياة من غيره، بعد أن أوقعها في شبكته وجعلها تتخبط في أوحاله، جعلها تسلك جميع الطرق للوصول إليه حتى يبقى لها ولها وحدها، وهذا ما أتى بها عند الدرويشة مبروكة تسألها حرزا آخر أو دواءا يجمعها ورضا، بدأت مبروكة تتمتم وهي تنثر البخور ليتصاعد في السماء ثم ناولتها تميمة أخرى وقليل من الأعشاب وأمرتها أن تغرسها تحت كرمة ليلة زفافها، فرحت ساعتها صونيا بعد أن وعدتها مبروكة من زواجها برضا وأكدت لها أنه لا يستطيع العيش من غيرها كلاهما خلق ليتم النصف الآخر

كان تفكيرها ضيقا لم يتسع بعد لهذه الحياة وما تخبأه لها الأقدار،

عادت إلى البيت بعد أن رسمت لها تلك الدرويشة مستقبلها، أفرحت قلبها، دخلت البيت والفرحة ترتسم على شفتيها، ارتمت داخل أحضان جدتها تقبلها، لم تكترث العجوز لها، لم تسألها عن أسباب هذا التغير المفاجئ.. اكتفت فقط بالتحديق إليها، طالما سألت المولى أن يمنحها قليلا من الرحمة اتجاهها، فبعد أن أكدت لها متانة الارتباط الذي كان بينها وبين رضا داخل تلك التميمة، ومنذ تلك اللحظات الحالمة داخل غسق الدرويشة وهي لا تفكر إلا في إرضاء رضا الرجل الكبير الذي صنعته من عالمها رغم يتمه للرجولة الحقة، رغم يتمه للإنسانية ومعانيها، همه الوحيد هو ذلك الدينار وتلك الثواني المحجوزة داخل رعشة روحية سرعان ما تزول تاركة وراءها أثرا بالغا لم تفكر به صونيا، المهم أن توثق العقد بينها وبين رضا وتكسر بذلك كل الحواجز المنيعة .

 مرّّت أيامها تتوالى.. متماثلة وكأسها يختمر، استيقظت ذات صباح على ألم بحلقها وجفاف شفتيها، أحست بانتفاخ ظاهر على رقبتها، قصدت المرآة تحدق بها  وهي تدلك ذلك الورم الغريب، تحاول الضغط عليه لكي يختفي ولكن تعسر عليها ذلك، قامت بإذابة خلطة من العسل والزيت وماء البصل ووضعتها كمادة على رقبتها واعتذرت من رئيسها في الشغل من المجيء وبقيت في البيت مدة يومين ولكن فوجئت بظهور أورام أخرى على مختلف أعضاء جسدها الذي أصبح نحيفا جدا خلال أيام قليلة، حينها اضطرت للكشف عند الطبيبة التي بالقرب من بيتها، سألتها الحكيمة عن مدة ظهور هاته الأورام .

  - منذ أسبوع تقريبا، نهضت من فراشي فأحسست بجفاف داخل حلقي ويرقان وجهي وحرارة اعترت جسدي .

لم تكثر الحكيمة الأسئلة غير أنها طلبت منها إجراء بعض التحاليل حتى تتأكد مما كان يحتمل، أخذت صونيا تلك البرقية كأمانة تحملها إلى المعاين عندها طلب منها الاستلقاء فوق سرير المعالج.. أخذ منها عينات من الدم .

- بعد خمسة عشر يوما ستجدين التحاليل جاهزة وفي انتظارك.

عادت إلى البيت وهي خائفة أن تكون مصابة بسرطان الدم، لم تعد تفكر لا في رضا ولا في حياتها هاته التي أضحت بالنسبة لها مثل الجحيم الذي أشبعها مرارة فوق مرارة، تذكرت والدتها، والدها وإخوتها.. اشتاقت لدفء الصدور المغتربة.. فاضت عيناها دمعا، ارتمت داخل أحضان جدتها .

  - لم تركوني وحيدة هنا؟ ألأنني فتاة، لم يأخذوني معهم؟ لأحرسك وأحرس هذا البيت اللعين، تكاد الغربة تخنقني، اشتقت إلى أمي يا جدتي، اشتقت للجميع، لا أظن أنهم يفكرون مجرد التفكير في، فأنا بالنسبة لهم الكلب الأمين على بيتهم .

العجوز صخرية، سمعها ثقيل جدا، لم تسمع شيئا مما قالته لها صونيا، تحسبها تبكي لشيء آخر أو عن الآخر الذي لم يأت بعد ليأخذها فوق حصان أبيض يطير بها عالم الأحلام .

  - لا تقلقي يا ابنتي، أنت وناصيتك .

حينها ازداد غيضها وحنقها فاشتد بكاءها وانتفضت من على حجر جدتها نحو غرفتها.. المغلقة الستائر.. غير صدى الأطفال الذي كان ينبعث عبر النافذة يتهافتون ويلهثون وراء الكرة كما كانت تلهث هي وراء رضا  ولكنها أصبحت  منكسرة البال، شاردة الذهن، ماذا أعطت ؟و ماذا أخذت ؟، عادت إليها رجاحة عقلها، تذكرت غباءها، تذكرت الحبيب الذي باعها ورحل دون أن يودعها، هاجر كما يهاجر الضعفاء الذين لا يستطيعون أن يواجهوا عناء الحياة، لم يتجرأ يوما واعترف لها بذنب لن تغفره له ولن يغفره له الزمن، ضاع كل شيء جميل، تذكرت مبروكة التي كانت سبب هاته البيعة الفاشلة، لعنتها ولعنت عالمها، تمنت الموت يوما وهي في طريقه إليه، تمنته حينما كانت عذراء الحياة وهاهو الآن يأتيها زاحفا دون دعاء .

ساءت حالتها أكثر فأكثر، اشتدت الأورام على كامل جسدها وازدادت انتفاخا، بدت غائرة العينين، أضحى وجهها شاحبا.. نحيفة جدا بعدما كانت جد ثخينة، خلال خمسة عشر يوم فقط فقدت الكثير من الوزن واعترتها كل ليلة تلك الحمى الرهيبة، عادت إلى الحكيمة منكسرة.. بائسة.. وفي يدها تحمل برقية مغلقة بإحكام، ناولتها إلى الحكيمة، وبقيت هامدة فوق الكرسي لا حراك، كل الذي كان يشغلها ما تحمله هاته الرسالة المغلقة وكأنها تعلم أن مرضها خطير وأنها تحتضر وماهي هاته الأيام إلا أيام تعد على الأصابع، بقي الصمت دائر بينها وبين الحكيمة مدة من الزمن، وضعت نتيجة التحاليل جانبا، ونظرت إليها نظرة عميقة.. تسألها :

  - هل لك أصدقاء ؟

  - أجل، أصدقاء داخل العمل ؟

  - لا أقصد ذلك، وإنما صديق حميم، قريب إلى قلبك..

احتارت صونيا.. ما علاقة المرض برضا.. حينها راودها شك رهيب كانت تستبعده تماما، ولم تفكر به إطلاقا .

  - هل هناك علاقة بين مرضي وعلاقاتي الخصوصية.

  - العلاج النفسي للمريض هو نصف الدواء الذي يقدمه الطبيب لمريضه، وأنت مريضتي وأود وبكل صدق وسرية تامة بيني وبينك  سماع كل القصة التي تجمعك بهذا الشاب .

بكت صونيا حسرة وندما على ما فات من ماض لن ينساه الحاضر ولا المستقبل، ماض كان بصمة عار ستتركها، قصت كل الحكاية على الحكيمة التي كانت تسمعها بدون عتاب ولا لوم، الوحيدة التي كانت كلها آذانا مصغية، ارتاحت لها ولكن بعد ماذا ؟، بعد أن أضحت كتلك الورقة الصفراء فوق غصن أخضر، تأثرت الحكيمة لحالها  وأكدت لها أنها ستكون أكثر صدقا ووفاء لها ولكن أن يكون الصدق أكبر من الطعنات التي نتلقاها وراء ظهورنا مؤلم جدا هذا الذي يرعبنا ويهزنا، قد نخطأ أحيانا ونتوب توبة تكون بيننا وبين الله تعالى، هذا يلهمنا استمرارا للحياة ولكن أن تكون التوبة بيني وبين الله وبين العبد هذا ما يجعلني مطأطئة الرأس، مذلولة لا أستطيع أن أنظر في عيني من يقابلني، لأنه العبد الضعيف الذي لا يحتمل خطئي ولا أن يسامحني، كانت الحكيمة أكثر جرأة حين قابلتني بمرضي وأن علي أن ألتحق بالمستشفى الخاص بحالتي هاته التي قلما يصيب أحد بها، وشاء القدر أن أكون ضمن هاته الأقلية التي ينظر إليها عين المجتمع نظرة جانبية، أن أحمل الإيدز داخلي، هذا ما كنت أستبعده تماما. كيف أواجه المجتمع، كيف ..؟

 

أضيفت في 18/05/2007/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتبة

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية