الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 22/12/2008

لقاءات وحوارات أدبية

حوار مع الكاتبة: د. ناديا خوست

إلى صفحة الكاتبة

 

لقراءة الحوارات

 

 

الحوارات

للكاتب رؤية تتسع أعماله بمقدار سعتها

 

للكاتب رؤية تتسع أعماله بمقدار سعتها
ولا بد للكاتب من مفاهيم نقدية عالمية
 

دمشق- (الوطن):  الاديبة والروائية السورية ناديا خوست من الأعضاء النشيطين في مجلس اتحاد الكتّاب العرب بدمشق الذي تقول عنه : ما يشدني إلى اتحاد الكتاب موقفه الذي يناهض الصهيونية. رافقتُه يوم كان فقيراً لا امتيازات فيه .

 

منذ فترة أنجزت روايتها (وداع ولقاء أعاصير في بلاد الشام) التي عملت فيها سنوات، كما كتبت دراسة عن مسار الواقعية في القصة السورية وكتبت بعض الملفات من روايتها القادمة (دخان عند الفجر) .

 

* في ظل المرحلة التي يمر بها المجتمع العربي والأخطار التي تهدد هويته، ما هي مهمة الأدب؟

 

**يؤثر الأدب في البنية الروحية، يسند المثل ويجلوها، يوسع الدنيا، يستنهض ويهذب العواطف. يجعلنا الأدب أكثر ثقافة ورحمة ويطلعنا على مدى من العواطف والشخصيات لا نستطيع أن نعيشها في حياة واحدة، ويهبنا القدرة على معرفة أزمنة وأمكنة لا يمكن أن نصل إليها. في أحد تجلياته يوصل إلينا النسغ من أجيال سابقة ويربينا ويؤسس ذوقنا، لذلك يشعر من يقرأ أدب الكتّاب العمالقة بأنه يقرأ أدباً وطنياً، ابن مسائل وهواجس استنبتتها أرض معينة في زمن معين، لكنه يخاطب الأجيال والبشر. وعلى هذا الحد تتصل العالمية بالمحلية، ويتصل الإنساني بسماته المحلية الملونة ويحمل الأدب قدرته على الخلود .

 

معروف أن الأدب حمّال التراث الحضاري الوطني. تبدأ من الصفر الشعوب الجديدة التي تفتقر إلى العمق الحضاري. لكن أبناء الحضارات العريقة لا يمكنهم أن يهملوا سندهم الغني. يمتد وراء العرب تراث الأسطورة القديمة ثم التراث العربي الإسلامي، الشعر والفلسفة والحكايا، نتاج قرون كانت فيها الحضارة العربية الإسلامية حضارة عالمية. هناك الجذور الروحية للعربي .

 

في هذه البرهة التاريخية تهدد العولمة الدنيا بطابع واحد سطحي يلغي التنوع الإنساني، الخصوصية التي تجسدها الهوية المعمارية والعلاقات والعادات والغناء والرقص والأدب والحرف. البديل الذي تروجه العولمة متخلف وبشع وسوقي. مهمة الأدب إذن أن يحرس الضمير والروح، أن يرد بأسلوبه الفني، بالمثل التي يؤكدها والعواطف التي يستعيد صفاءها، فهو قوة ليست حيادية، تواكب المقاومة وتؤهل لها، أو تمهد للهجوم وللهزائم وتفكيك البنى. ألم تكن موضوعة نهاية الصراع الإيديولوجي ونهاية الإيديولوجيات مقدمة لإلغاء ما سمي زمن الحرب الباردة؟ ألم يكن التبشير بنهاية الصراع بين الشمال والجنوب وبين الأغنياء والفقراء موضوعة ضرورية في الحرب العالمية الثالثة، ومن الأوهام التي فرشت الانهيار الروحي؟ ألم يكن إلغاء المثل السابقة وأدبها من مواكب الهجوم أيضاً؟ قال (حمزاتوف) في لقاء صحفي نشرته إحدى الصحف العربية إن كتبه لا تطبع لأنه لا يوجد من ينشرها ويقرأها. ألا يعبر هذا عما دمره الانقلاب في الفكر والذوق وعن مراكز القوى الجديدة التي تحكم النشر والدعاية والإعلام؟ تكمل الصورة الجوائز العالمية التي تتوج أعمالاً تافهة.حاولت مرة أن أقرأ رواية كاتب إسرائيلي وهب جائزة نوبل. عذبتني قراءته. أذكر أنه كان يكرر بين فقرة وأخرى صيغة وطنه الموعود أو شيئاً يشبه ذلك. يسلط الضوء اليوم على كتّاب أصولهم غير أوربية يكتبون بلغات لاتينية. يسخّرون كفاءتهم في موضوعات مطلوبة : السخرية من الأسرة العربية المسلمة، مزج الجد بالتفاهة كأسلوب يساوي بينهما وينشر اللامبالاة والشك. احتقار ما أنجزه الإنسان في الماضي. يقول أحدهم مثلاً إن الآخر أنا! مطلوب من الأدب اليوم إلغاء موضوع الصراع في العالم وفي المجتمعات. وهذا نفسه اتجاه فكري يبعد الأدب عن مهمته الإنسانية المعتمدة حتى اليوم كقوة تغني الروح بالمثل، وتجسد أزمنة تاريخية وصراعات، وتعي أن الشخصيات تعبر عن زمن ومكان ومجتمعات. أي يلغي مسار الأدب العالمي منذ نضج التعبير وصار أدباً. وقد يستوقفنا أننا نترجم هذا الأدب العالمي الجديد، دون أن نقدم له ونوضح دوره ووظيفته ودون أن نناقشه. يجب أن نترجمه، ولكن يجب أن نبين في مقدمة الترجمة موقفنا وتحذيرنا، كيلا يستسلم القارئ الشاب للمهارة الفنية فقط .

في مثل هذه الأوقات مهمة الأدب أن يحصّن البنية الروحية. لأن الغزو يخترق الفضاء إلى الإنسان!

 

*يقال إن رواياتك غير منتشرة جماهيرياً فهل تعتقدين أن طولها قد يقف عائقاً أمام القارئ؟

 

** لم أقصد أن أكتب رواية طويلة. قصدت أن أرسم شخصيات وزمناً وأحداثاً. لكن الموضوع الذي تناولته فرض رواية طويلة. قال أحد المتكلمين في أمسية عن رواية شهداء وعشاق بلاد الشام : من يقرأ اليوم رواية طويلة؟ ناقشه الحاضرون فظهر أنهم قرأوها، وأنهم التقطوا المقصود منها. وفاجأني أنهم خلال المناقشة طرحوا مسائل أدبية عميقة يتناولها النقد العالمي. يبين هذا أننا يجب أن ننتبه إلى ما يتغير في الواقع كيلا نبقى أسرى أوهامنا .

 

صحيح ان قراءة الرواية الطويلة تستلزم وقتاً...  لكن السؤال هل تمسك بمن يقرأها وتمتعه وتفيده أم لا ؟  , هل ينصرف عنها أم ينصرف إليها..؟  يسعدني أن أستاذة جامعية ذواقة سهرت الليل كي تكمل قراءة تلك الرواية. وأن كاتبة اتصلت بي من بلد آخر لتقول إنها قرأتها وأفادت منها. وأن تصلني رسالة كاتب مصري عنها. وأن يصورها الكتاب العراقيون ليتداولوها، وتعرفين أن القارئ العراقي مثقف وناقد يُعتز برأيه. هذه هي المكافأة على السنوات التي نصرفها في الكتابة. وعلى ضوء العيون الذي نسكبه عليها. تباع رواياتي، مع أن ثمنها ثقيل على القارئ، ومع أننا نعاني من مشكلة التوزيع. باع اتحاد الكتاب منها في أمسية مقدار ما بيع في معرض في إحدى المدن السورية

 

لكن لنعترف بأن الكتاب ليس جماهيرياً في أيامنا. لأسباب كثيرة، منها ثمنه. فهل يستطيع القارئ أن يدفع ألف ليرة شهرياً من راتبه ثمن كتب؟ ألا يستبعد ثمن الكتاب الشباب وهم الشريحة القارئة عادة؟ قالت لي امرأة وهي تشتري روايتي، رغم التخفيض في معرض الكتب : ثمنها كبير علي، لكني أشترك مع مجموعة في قراءة الرواية ونتداولها من يد إلى يد! هذا أسلوب جديد يحاول أن يتغلب على ثمن الكتاب، ويسجل أن مجموعات من المتعلمين تجتمع لتقرأ كتاباً وتنقده. هذا هو غير المرئي في التطور الفكري والروحي الذي لا يظهر من السطح .

 

كان الكتاب ذات يوم فسحة المعرفة الوحيدة. لكنه اليوم أحدها. فالمسلسلات التليفزيونية والحاسب الالي تأخذ بعض القراء. مع ذلك يجب ألا نقيس رواج الكتاب بزمن قصير. فالكتاب يخاطب زمناً أكثر سعة من السنة التي يطبع فيها، إذا كان يحمل عناصر حياة واسعة. وقد يموت في السنة نفسها، أكان كثير الصفحات أم قليلها!..  لكن لنعترف بأن الزمن هو الذي يهب العدالة في النظر إلى الأعمال الأدبية. يوم يبتعد الكاتب وعلاقاته الاجتماعية، وتنطفئ الجوقات التي تصفق لكاتب، ويمتنع إلغاء كاتب كما يمتنع تجميله، ويبهت بريق الجوائز التي تسوقها دور النشر، يبقى العمل الأدبي وحده دون مواكب المرافقين. يبقى تحت عيون النقد الهادئة. فيرحل كتّاب ملأوا الدنيا صخباً بأوسمتهم، ويظهر كتاب لم ينالوا جائزة .

 

* قال ناقد سوداني عنك : إنها بين الوحيدين والوحيدات الذين نجحوا في تسييس الأدب وتأديب السياسة. كيف ترين العلاقة بين الأدب والسياسة في الوطن العربي؟

 

**ربما قال الناقد العربي ذلك أني لم أر السياسة كبرنامج فئة صغيرة، بل رأيتها مشروعاً وطنياً. من جوهره كشف الصهيونية ومقاومتها. ومن جوهره الدفاع عن الهوية الوطنية، كعمارة وذاكرة تاريخية. هذه العناصر في منظومة فكرية أخلاقية هي عيناي وليست نظارة أخلعها وأضعها! أرى موضوعاتي من خلالها، منتبهة ككاتبة إلى علاقتها بالإنسان. لم أتناول البيئة والعمارة والصراع العربي الصهيوني والانتفاضة كمساحة بعيدة عن الروح. بل قصدت أن أبيّن ترابط المصير الفردي والمصير العام، وعلاقة بنية الإنسان الروحية بالعمارة والأحداث السياسية .

 

في موجة من موجات الموضة أنكر بعض المنظّرين علاقة السياسة بالأدب. وفي موجة أخرى بدا كأن الأدب مسخّر للسياسة. ولعل سبب الالتباس أن بعضنا قد يرى السياسة كبرنامج صغير، ويتصور أن الأدب يستطيع أن يعبر عن علاقات إنسانية معلقة في فراغ، فيهمل أن الأدب يلامس البنية الروحية التي ربتها علاقات اقتصادية وسياسية في زمان ومكان وأنه يتجاوز برامج الأحزاب السياسية المرحلية لأنه يتناول الواقع في سعة. وبتلك السعة يستطيع أن يكّون شهادة على مراحل تاريخية وأن يكون نداء يحمل مهمات كبرى تعبر عن حاجات وطن وزمن فيؤسس التعبئة الروحية والبنية الأخلاقية. ألم تكن قصيدة (يا ظلام السجن) وقصيدة (بلاد العرب أوطاني) وقصيدة (نحن الشباب) أناشيد زمن وراياته؟ لكن هذه الرؤية تحتاج أن يعيها الكاتب والسياسي معاً ليدركا معاً أن الأدب ليس بياناً سياسياً وليس من الكماليات وليس زخرفة على هامش البرنامج الوطني كتطريز على منديل وليس مستقلاً عن المشروع التربوي والأخلاقي الوطني! بل من حجارة البناء نفسها .

 

*عرفتِ ككاتبة في زمن صراع الإيديولوجيات وأثر ذلك سلباً في العلاقة بك. ماذا تقولين الآن بعد أن سقطت هذه الإيديولوجيات؟

 

**صور الإعلام العالمي أن سقوط المعسكر الاشتراكي أنهى عصر الإيديولوجيات. وقبل ذلك تبحر بعض المثقفين وهواة التنظير في علاقة الإيديولوجيا بالكاتب، ونشرت كتب تهب كاتباً صفة الإيديولوجي وتبرئ كاتباً آخر منها. يبدو لي أن الأزمنة كلها أزمنة إيديولوجيات. لم يعش الإنسان حياة متحضرة دون منظومات فكرية. صاغت الطبقات والمجموعات والشرائح الاجتماعية مبررات لتدافع عن مشروعها. ووجدت كتّاباً ومثقفين تبنوا رؤيتها وكانوا منشديها. ربما لم تكن تلك الصياغة واضحة بمعايير زمننا، لكن ألا تجسد لائحة حمورابي رؤية إيديولوجية؟ ألا تجسد أساطير ما بين النهرين رؤية؟ في زمن الطباعة والصناعة والكتب ارتقى مستوى التعبير عن المنظومات الفكرية. وفي زمن المعسكرين وصراع المالكين والمستخدمين ونهوض حركة التحرر في العالم تجسد ذلك في وضوح في الأدب والفنون. فهل تستطيع قوة أن تمنع الشرائح من صياغة رؤية إلى المجتمع والمستقبل والحياة تعبر عن طموحها وأحلامها؟ يستحيل منع البشر من الحلم! ولا بد لصياغة الأحلام من إيديولوجيا. ستبقى الإيديولوجيات ما بقي البشر على الأرض!

 

في الحياة اليومية تجدين كيفما تحركت القريب منك فكرياً والبعيد عنك روحياً. نؤسس حتى الصداقة والزواج على مواقف ورؤية. نتعايش مع من يختلف معنا فيها، ويجب أن نحترم ذلك طالما بقي التنوع في المستوى الوطني والأخلاقي. ويعبر هذا أيضاً عن إيديولوجيا .

 

للكاتب لا بد من رؤية. تتسع أعماله بمقدار سعتها. دون المنظومة الفكرية والأخلاقية والفنية لا يوجد أدب أو فن. من هذا الأساس تبدو الفنون والآداب مسددة في هدف، مهما ابتعدت عن التبشير بمشروع. لا حياد أبداً بين الجمال والقبح، بين الخير والشر، بين الفقراء والأغنياء، بين الطغاة والضحايا، بين السوقي والمهذب!

لي موقف واضح من الصهيونية. وموقف من البيئة. وموقف من العمارة العربية والعمارة الحديثة. وموقف من الهوية الوطنية. وموقف من المسافة بين الفكر والسلوك. يجيبك هذا على الشطر الثاني من سؤالك. فلا شك في أني كسبت أعدائي وأصدقائي من هذه المواقف. ولا يؤرقني ذلك أبداً! فالسوقية والكذب والتبجح والتكبر والانتهازية وحب المكاسب بعيدة عن روحي. إلى هذا ألا ترين أننا يجب ألا نخيب القريب والبعيد فينا؟

 

لكن ربما قصدتِ بسؤالك أني دفعت ثمن انحيازي إلى جهة دون أخرى! ذلك طبيعي. ففي هذه المساحات نكسب أعداءنا وأصدقاءنا. لكن لأبين لك أني احترمت الشريف الصادق النزيه والمتصوف في المجموعات المختلفة، لأني لم أقرأ أبداً الشعار المعلن فقط بل السلوك. يهمني انسجام السلوك والفكر. الصدق. الوجه الواحد للإنسان. أرى أن فصل الأخلاق عن الفكر وعن السياسة مصيبة، بل كارثة! لدي مثل عليا تحكم المساحات كلها. لذلك أحترم النزاهة وأحتقر السوقية ولو كانت انحيازاً ظاهره أبيض. ولذلك لا أزل أخلاقياً إذا اختلفت مع آخرين. وأرى أن جوهر الإنسان يظهر في الغضب أكثر مما يظهر في الرضا. فتهذيب النفس والالتزام بالمثل العليا في السلوك ليس أمراً سهلاً. بل عمل طويل تربى به الروح حتى يصبح عادة .

 

ولعل ما يسند ذلك معرفتي أن الصغائر تفتت الفرد وتفكك المجتمعات. لا تجهل هذه الحقيقة الإيديولوجيات. لذلك يغرق الخصم خصمه فيها. مثلاً توصي وثيقة صهيونية بأن يجعل الصهيونيون حياة خصمهم كالجحيم، توصي حتى بأن يصفّروا ويدقوا الأرض بأقدامهم ليشوشوا كلامه أو محاضرته. وهذا يؤكد أن زمن الإيديولوجيات لم ينته أبداً. فالصهيونية تجعل حياة العرب في الأرض المحتلة حجيماً، وتطارد المفكرين الذي يعادونها في العالم .

 

*يقول (هوغو) إن الروح الإنسانية تحتاج في الوقت الحاضر إلى المثل الأعلى أكثر من حاجتها إلى الواقعية. ما قولك في ذلك وكيف تتجلى واقعيتك؟

 

**يحتاج الإنسان في الأزمنة كلها إلى المثل العليا. نكسب هذه المثل منذ طفولتنا، ونتسع بها، وترتقي خلال حياتنا. نتصل بها بالإرث الإنساني الحضاري، وبعصرنا. من المثل العليا مثلاً الاستشهاد في سبيل الوطن، تقديم الابن للوطن لا للمكاسب. تضع لنا أمهات الشهداء في الأرض المحتلة مثلاً عليا مبهرة. ويضع لنا الشباب الذين يرفعون علمهم على أنقاض بيوتهم المنسوفة مثلاً أعلى مؤثراً هو التمسك بالأرض الوطنية. هل يعني هذا أن تلك النساء لا يتمنين أن يدرس أبناؤهن وأن يعيشوا ويعملوا ويكسبوا؟ وأن أولئك الشباب يحبون الأنقاض؟ بل يعني أن المثل الأعلى الآن هو مقاومة الهمجية والوحشية العالمية والإسرائيلية .

 

نغني بهذه المثل بنيتنا الروحية والأخلاقية وسلوكنا. ويغتني بها التاريخ الوطني الذي سيحفظها وسيورثها. ونرد بها على مثل العدو الغيبية المتخلفة التي تربيه على قتل العربي ومنع إسعاف الجرحى. وعلى البرنامج الصهيوني والاستعماري .

 

ما المقصود بالواقعية إذن؟ هل المقصود بالواقعية المدرسة الأدبية؟ نقرأ الواقعية قراءات متصلة بزمننا وبثقافتنا وسعتنا! هل المقصود الواقعية السياسية التي تبرر الاستسلام للدبابة والمدفع لأنها قوة تفرض شروطها؟ أنتجاهل القوة الأخرى التي تملكها الشعوب بإرادتها؟ تتصل قراءة الواقع بثقافتنا ومشروعنا. الواقع حياة وبلاد وأشخاص وعواطف وعلاقات إنسانية واجتماعية ومدن وعمارة. المسألة ماذا نرى منه، وكيف نؤدي رؤيتنا، بأية مهارات وعواطف وثقافة. لدينا مثل عليا أخلاقية وفنية وفكرية، مراصد نرى بها ومنها. لا يوجد الواقع الذي نتناوله إلا من خلال مشروعنا ومثلنا .

 

لكن هل الأخلاق والمثل العليا ضرورة في صراعنا مع العدو فقط؟ بل هي ضرورة في سلوكنا اليومي أيضاً! أيجوز أن تقودنا أحقادنا الشخصية، مثلاً؟ أو أن نستسلم لطموح شخصي ونأكل في طريقنا الأخضر واليابس ونرتكب الإثم ونكذب؟ بل يجب أن نبقي قامتنا شاهقة حتى في علاقات الحب والكره! نعم، نحتاج دائماً المثل العليا! لا يبرر أي مشروع، مهما سما، خرق المعايير الأخلاقية .

 

*تقولين في أحد حواراتك : (في اللغة أحاول أن أقص الثوب الفضفاض الذي رمته علينا الخطابات السياسية والمقالات). وفي الوقت نفسه تتهم رواياتك بفقدانها اللغة الأدبية، فما قولك؟

 

**هناك رأي مناقض عبّر عنه أشخاص أحترم آراءهم. أنت سقت شهادة كاتب عربي قال إني سيست الأدب وأدبت السياسة! وذلك عمل في اللغة أيضاً .

يوم كنت ما أزال طالبة كنت أعتد بأني بيّضت إحدى القصص التي ألقيتها في الندوة الأدبية الجامعية ثماني مرات. منذ فتوتي لم أستسغ موضوعة الإلهام الذي يوهم بأن العمل الأدبي مقطوع عن العمل الروحي والفكري. وكانت رسالتي في جامعة دمشق عن العمل الفني .

أعمل كثيراً في الصياغة. وراء المقالة الصغيرة عمل يقيس الكلمة والجملة ويزنها فكرياً وفنياً. وراء الرواية ما يساوي ثلاثة أضعاف صفحاتها. ولو قرأت مرة أخرى بعض أجزاء رواياتي لوجدت ما أشذبه وأصقله. ولذلك قلت يجب أن نخلع عنا اللغة المثقلة بصيغ متداولة. ولعلك تلاحظين أيضاً أني أهتم بإيقاع الجملة وإيقاع المقطع وأنتبه إلى صياغة بداية الفصل ونهايته .

 

لكن اللغة يجب أن تناسب المقام. فحوار محبين ليس كحوار أم وطفل أو حديث رجال في مقهى. أحاول أن أحفظ شفافية الروح في الحوار، خاصة إذا كان حوار الإنسان مع نفسه. استعيدي مثلاً حوار نفيسة مع نفسها في آخر رواية شهداء وعشاق في بلاد الشام وتأملي فاطمة في بداية هذه الرواية. تابعي نفيسة وهي تتلقى ملابس خالد آغا. ومنور وهي تغمر وجهها بقميص أخيها الشهيد .

 

ربما ألام على تثبيت الوثيقة الجافة في رواياتي! لكني أقصد ذلك. هي من حجارة مشروعي. هي أرض الشخصيات ومستنبت عواطفها وسلوكها. لدي شخصيات ذات مواقف ويجب أن تكون عواطفها ولغتها في قامة مواقفها. لولا حديث نفيسة عن الحرير الذي تتاجر به ومعرفتها أنه من أسباب احتلال سورية، أكان خالد آغا يعجب بها؟ لولا سعة خالد آغا كفارس من زمن الدولة العثمانية أكانت تحبه نفيسة؟ لولا بنية خالد آغا الروحية والفكرية أكان يخرج إلى ميسلون ويسجل فيها قمة حياته ونهايتها؟

في الحياة أكانت الماضي أم الحاضر يعيش بعض الأشخاص في مركز الأحداث ويعيش بعض الأشخاص في هامش الحياة. يستند بناؤنا الفني واللغوي إلى اختيارنا الشخصيات التي نؤسس عليها روايتنا. وقد قصدت أن أختار شخصيات تعيش في مركز الأحداث، في مدارها شخصيات أخرى هامشية تقريباً .

 

تناسب اللغة المقطع الذي تؤديه الرواية، لأن الرواية لا تجري في مجرى ممهد بالإسمنت بل يجب أن تجري كنهر الجبال، منسابة أحياناً وهادرة أحياناً. يجب أن تناسب اللغة برهتها. مثلاً، عودة منوّر إلى زوجها وسط الفرح برفع العلم العربي على السرايا : عبرا غربة البرهة الأولى إلى إلفة بين روحين وجسمين لم يفترقا. فهم أنها كانت تستطيع القرب منه وهي ترى موت الناس من الجوع في النهار وتسمع أناتهم في الليل قرب نافذتها. بكت في تلك الليلة من قلبها، بكت ومسحت وجهها المبلل بالدموع بالشرشف فكادت تضحكه. فتنته بصدقها وصفاء روحها. سألها: لكن ما ذنبي كي أتحمل ذلك العقاب المر؟ ضحكت وهي تبكي : لم تفهم أني مثلك عاقبت نفسي! لمس شعرها السبط، مسح كتفيها بكفه ذاهلاً من نعومة بشرتها. أوجعه الحنان عليها فعاتب نفسه على غيرته عليها. هذا مثل آخر، مقطع من لقاء سعيد بإميلي سرسق : (تنقلت أصابعه برشاقة على الأوتار، وماج صوته. وقف مع العود وتمايل. مست خطواته الأرض مساً. لكن وجده كان هو المبهر. ما أجمله وقد نسي ما حوله وانساب في العزف والكلمات. توقف فصفقت له إميلي. نظر إليها ففهمت أن تلك الأنوار لم تكن غير مقدمة لما سيغنيه). وهذا مقطع من وداع نفيسة وخالد آغا : (استعادت خالد آغا وهي تودعه. كم بدا قده مناسباً لها! لماذا استدار عنها فجأة كأنه يهرب منها؟ هل اصطنعت نفيسة الحصانة من الهوى وهي تعلن عمرها؟ ألا تكتشف الآن أن الحب يأتي في جميع أزمنة العمر إذا وجد المحبوب، وأنه يمكن أن يهجر جميع أزمنة العمر إذا لم يوجد؟ من لا يقبل مثلها أن يملأ حياته بأي رجل، يضيّع بالصمت من يليق به أخيراً). ألا ترين أن اللغة تناسب المقام؟

 

*يقول بعض النقاد إن رائحة الطبخ وأدوات المكياج تفوح من كتابات المرأة. هل هذا صحيح؟

 

**هذا التعبير جارح وظالم. مع أن بعض الكاتبات طرّزن كتبهن بصورهن، ووجّهن الانتباه لسلوكهن إلى أنوثة الكاتبة قبل مهنتها وإنسانيتها. لكن ما أكثر ما أساءت المقالات النقدية السريعة إلى النقد نفسه، وإلى أعمال جدية كتبتها نساء .

 

على كل حال تبدو في الجملة التي قلتِها رؤية متخلفة تحتقر الطبخ والتجميل، وتوحي بأن صاحبها يعيش عالة على أخته أو زوجته أو أمه مع أنه يحتقرها! ويجهل أن الإنسان اليوم يتدبر طعامه وينظف مكانه ويرتب ملابسه، أكان امرأة أم رجلاً. ويجهل أن الزينة حق إنساني قد يتفاوت بين النظافة والترتيب وبين الماكياج، يحاول فيه الإنسان أن يرضى على نفسه أولاً ويحترم أنه إنسان. ولنذكر أن تشيخوف قال إن كل ما في الإنسان يجب أن يكون جميلاً، ملابسه، أخلاقه، صوته.. وكلامه!

 

*ما أبرز عيوب الرواية التي تكتبها المرأة برأيك؟

 

**تكتب المرأة رواية برغم ما يثقلها من أعمال، فيها تربية الأولاد والطبخ ونظافة البيت والقلق على الأسرة والقلق على الوطن العربي. تتناول بعض الكاتبات مسائل البيئة والمرأة والتقاليد. لدينا روائيات سوريات جدّيات، نتمنى لهن الصبر والمثابرة والنجاح .

عن الوطن الثقافي / خاص القصة السورية  / حرر في 08/11/2004 ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

 

أضيفت في 08/11/2004/ خاص القصة السورية

 

كيفية المشاركة

 

Hit Counter

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية