أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

إصداراتي الأدبية

أكثر من 25 مليون زائر، لموقع القصة السورية، رغم إنشغالي بالكتابة للثورة السورية، خلال الأعوام العشرة الأخيرة

يَحيَى الصُّوفي

SyrianStory-القصة السورية

الثورة السورية | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 04/09/2022

روايات الكاتبة: د. ناديا خوست

1 أعاصير في بلاد الشام

إلى صفحة الكاتبة

لقراءة الرواية

 

الرواية

أعاصير في بلاد الشام 4

أعاصير في بلاد الشام 3

أعاصير في بلاد الشام 2

أعاصير في بلاد الشام 1

أعاصير في بلاد الشام 5

أعاصير في بلاد الشام 6

أعاصير في بلاد الشام 7

أعاصير في بلاد الشام 8

أعاصير في بلاد الشام 9

أعاصير في بلاد الشام 10

أعاصير في بلاد الشام 11

أعاصير في بلاد الشام 12

 

مقدمة

تستند هذه الرواية إلى شهادات شخصية، وإلى موسوعات ووثائق ومذكرات وكتب تاريخية.

لكن كل مايعبر رؤية الروائي يتلون بألوانها. تلونت حتى الشهادات بهوى رواتها. ولعل في المذكرات التاريخية نفسها أطياف من رؤى أصحابها. لذلك قاطعتها بالوثيقة، كيلا يسجل المؤرخ أن مناخ الرواية وأحداثها غير صحيحة. مع أني لم أقصد تأليف رواية تاريخية.

لكني أبحت لنفسي أن أستقرئ وأن أشيّد الممكن والمستحيل، بحقوق الروائي الذي يريد أن يصوغ مثلا جميلة ومؤثرة، وخالدة أكثر من أصولها وظلالها. مندفعة برغبتي في أن تكون محبوبة. وأترك للمختص البحث في الصلة بين النماذج وأصولها، بين الوثيقة وأدائها، بين الحقيقة الفنية والحقيقة الواقعية.

 

 

- 1 -

 

 

عاد إلى مدينته! لا، عاد إلى إحدى المدن التي عاش فيها! مدينته مطمورة تحت التراب. ولاتقع في جزء الخريطة الذي قد يفاوض عليه! استخرج فيها من رماد القرون مسرح من الزمن الروماني، وفسيفساء، ونقود أموية. لكن عقد بيته والشرفة التي تفرج فيها على غزالة الراجعة من العين، والفونوغراف الذي سمع به أغنيات أسمهان لن تستخرج من أنقاضها.

هل كان من قرب ومن بعد يحوم حولها متنقلا بين بلاد الشام واوربا لاجئا من اليأس أو الشوق؟ لو بقيت لخرج منها كالشباب الذين يقصدون المدن الكبيرة، يتبع عطشه إلى الدنيا. لقصد المدن التي قصدها أبوه دون أن يتاجر بالغنم مثله، باحثا عن النساء محاولا أن يمسك بجوهر الحياة، يتصور أنه يزيد عمره وهو ينفقه. ولاستمتع بكل عودة إلى بلدته الصغيرة، حاملا حقيبته على حضنه في سيارة تنط وتترنح على الطريق الترابي، وإذ ينزل منها بين أشجار الزيتون تكون النساء قد لمحنه وهن يبعدن الشمس بأكفهن عن عيونهن، ويكن أرسلن صبيّة تركض لاهثة لتعلن لأهله ولكل من تصادفه: رجع! رجع! فتنطلق الزغاريد ويخجل قيس بها، ثم يستسلم لأفراح لها طريقتها في التعبير عن فورانها. لن يصبر! سيخرج إلى البيادر والبساتين متفقدا طريق العين، باحثا عن الصبايا اللواتي لمسهن أو قبلهن أو نظر من بعد إليهن. سيأتي حشد منهن في ذلك المساء. وسيقرأ طموح الأمهات: لو يطلب بناتهن! لن يسألن عن النساء اللواتي عرفهن في غربته، فأي رجل لايفعل ذلك! سيكتفين بما ترسمه أمه وكأنه كان بطلا وحيدا في البلاد البعيدة، ناجحا ومحترما ومعشوقا، حتى أن تلك البلاد نفسها لم تتركه يفلت منها إلا بعد إصراره على العودة إلى بلدته العزيزة! سيصدقن كل ماترويه وهن يحاولن أن يرسمن بصورهن الخاصة البلاد التي كبر فيها وتجول في طولها وعرضها. وسيستقبلنها في احتفال وهي تبحث له عن عروسه التي وصف لها تفاصيلها المرغوبة !

لكن ذلك لم يكن مصير قيس! وصل إلى مطار رأى فيه موظفين جديين، ولم يسمع الزغاريد. كان المعسكر الاشتراكي قد ألغي فلم يعد قيس مشبوها بل أصبح مواطنا في بلاد صارت كلها ضحية. وصل في الزمن الذي كان اليساريون فيه لايزالون يفسرون الانقلاب العالمي كأنه إصلاحات ضرورية، ويشعر القوميون والمؤسسات الرسمية فيه بأن كارثة نزلت بالدنيا، أفقدتهم سندا يتكئون عليه ولو لم يحبوا طرازه. غرب ثلث الأرض وبدأت العتمة! فشعر حتى "رجل الشارع" بأن الكون يترنح. وصل قيس وقتذاك فأصبح استجوابه جلسات يفسر فيها ماحدث لمستمعين يريدون أن يعرفوا التفاصيل علّهم يستنتجون مصير بلادهم الصغيرة. ألا يبدو أنها عاشت بالتوازن بين اليمين واليسار وبين الغرب والشرق لأنها ليست بعد "معسكرا" قوياً !

مرض قيس منذ أول أيامه في الدنيا. كي ينجو، نصح الشيخ أباه بأن يبدل اسمه فيتغير نجمه، فسماه قيسا! كان أبوه كأهل بلاده مسحورا بهوى قيس الذي رددته ألف سنة مديدة. مفتونا كالرجال بهوى ليلى التي يحبها الرجال لكنهم يتزوجون أخرى، يعشقونها وهم يعرفون أنها لايمكن أن تكون زوجة. قال لابنه وكان بعد صبيا: ياقيس، النساء زينة الدنيا. لكل امرأة مذاقها. اسرح بينهن لكن تزوج امرأة صغيرة لم يقبّل فمها غير أمها، ولتكن لك منها أسرة. لاتبخل على زوجتك بحقها فيك! ولكن لاتقصّر على نفسك في حقوقك! ولتكن غنيا فدون مال لن تأتي النساء إليك ولن تستطيع أن تدللهن!

نفذ قيس وصية أبيه؟ روحه دعته إلى ذلك! هام قيس القديم في الصحراء، لكن المنفى فتح لقيس الجديد مدى واسعا كي يهيم. عرف فيه اللوعة وهو سعيد بالنساء. لذلك كان معهن رقيقا وفظا. ولو عاد أبوه الآن لقال له قيس: يابا، كثرة النساء لم ترو العطش إلى الحبيبة!

 

 

 

هل أراد قيس أن يودع ثلاثة عقود من عمره في مقهى ماريا؟ أحب ذلك المقهى المزين بصور الفنانين والكتاب الذين جلسوا فيه، وجمع المرايا والثريات في الطابق العلوي، إلى المقاعد الخشب في الطابق الأول. كان يجلس فيه كل يوم ولو قليلا. ومنه التقط المرأة التي فرط لها تسعا وتسعين وردة حمراء. كم مرة التقى هنا بطوران روبرت زميله في قسم الفلسفة! كان في الصف عشرون طالبا من اليهود وطالب واحد غير يهودي. كانوا يستعينون بقيس في الدروس. فقال قيس لطوران روبرت مرة: تدّعون أنكم الشعب المختار مع أنكم لستم أكثر ذكاء منا. هاأنت مثل زملائك تستعين بي! غاب طوران سنتين. أدى الخدمة العسكرية في إسرائيل. فسأله قيس:

- أنت ابن هذا البلد أم من إسرائيل؟

- لاتعرف ياقيس أن إسرائيل نفسها لنا؟ في هذا البلد ولد هرتزل ونوردو. ومن هنا أكثر قياديي إسرائيل! اسمع ياقيس! لك أنت قرية في فلسطين. لكن لي جبل كامل هو جبل طرعان!

- مع ذلك لم تبق على الجبل! لماذا عدت إذن؟

- عدت في مهمة ثقافية.

- مهمة ثقافية أم تجسسية؟

- ثقافية ياقيس. ثقافية! مهمتي أن أجمع كل كلمة تكتب عن الشرق الأوسط. وسأرصد كل رصاصة يمكن أن ترسل إلى بلد عربي!

كان طوران يقصده كلما رآه في مقهى نرسيس قرب الجامعة. رأى حذاءه مرة ملوثا بالوحل فسأله: أين غطست؟ فسر له قيس أنه يعبر منطقة موحلة من بيته البعيد. بيتك بعيد؟ هل تريد بيتا في وسط البلد؟ أستطيع أن أؤمنه لك في أسبوع! تأمله قيس. له مثل تلك السلطة؟! كم الخرق متسع إذن! أبعد قيس نظرته عنه إلى فتاة جميلة مرت. فسأله طوران: تريدها؟ تكرر ذلك في مقهى ماريا أيضا. نادى طوران الفتاة التي نظر إليها قيس: تعالي، يريدك قيس! جفل قيس: ياسيدتي، نتحدث حديثا خاصا سنكمله أولا! عادت الفتاة إلى طاولتها. وسأل قيس طوران: هل أنت موساد، مهمتك أن تقدم البنات اليهوديات لمن يريدهن؟ ياطوران أعرف أن راكوشي اليهودي الذي عاد بعد الانتصار على النازية صفى قيادة الداخل، قتل رايك ووضع اليهود في المراكز القيادية "لأنهم الوحيدون الموثوقون". لكني أتساءل هل ستلعبون الدور نفسه الآن؟ ضحك طوران:

- لك نظرة استراتيجية ياقيس! أنا معجب بك! تعال معي لنلتقي بشينغري ايرفين! صار صاحب دار نشر!

- كما أصبحت أنت مخرجا مسرحيا في أشهر مسارح البلد؟! لاأريد أن أراه!

- لم تنس أنه حارب العرب في سلمة قرب يافا؟ لكنك لم تقصر فيه. قلت له لاتهاجم النظام الاشتراكي لأنكم أنتم تحكمون فيه.

- لو كان هناك نظام اشتراكي حقيقي لاعتقلك!

- نحن لسنا أكثرية هنا، ياقيس!

- صحيح! النور أكثر منكم عددا. قوتكم كيفية وليست كمية. تحكمون المال والفكر والسياسة!

مر بالمقهى فيكتور الذي انحاز ضد تيتو ذات يوم وهرب من يوغوسلافيا. وكان مختصا في الشؤون العربية. ويسر له قيس السفر إلى لبنان والأرض المحتلة مرات. زار إسرائيل وكتب عن العرب. وضع فيكتور الرسائل التي وصلته على الطاولة الصغيرة أمام قيس: اقرأ: "أتى اليوم الذي ستعلق فيه على المشنقة أيها الفاشي عدو الساميين"! يهددونني أيضا بالهاتف! اشترى اليهودي ميكسا روبرت، يعني روبرت ماكسويل، الجريدة الناطقة باسم الحكومة. وضع رئيسا لها يوسف كوفاتش وطردني منها في اليوم نفسه. لم يجلس فيكتور وقتا طويلا. لايستطيع أن يبقى في مكان واحد! هل سنلتقي ياقيس مرة أخرى؟ ربما، ربما!

مر بالمقهى بعده غابور ناج الذي يحب العرب. كان رئيس قسم العلاقات الخارجية في اللجنة المركزية. أخذ مكانه اليهودي يوسف كوفاتش. وطار هو إلى أعلى فصار نائب وزير الخارجية، ثم أبعد سفيرا ثم طرد. ماهو مصيري؟ أبحث عن عمل! ربما نلتقي ياقيس مرة أخرى!

أتى صديق قيس المحبوب، جورج ماكاّي. يهددونك أيضا؟ اسمع ياجورج. يصر الصهيونيون على تبرئة اليهود من دم المسيح، مع أن بطرس بين في إنجيله بصراحة أنهم سلموا السيد المسيح. فإما أن الإنجيل الذي تدرّسه الكنيسة كاذب، وبطرس كذاب، ويجب أن يلغى حتى اسم كنيسة القديس بطرس مركز البابا في روما. أو أن الكنيسة مخترقة بالصهيونية. قال ماكاّي: صحيح! لكني لاأجرؤ أن أكتب عن ذلك. لو كتبته هل أجد من يشنره؟! ربما نلتقي ياقيس ذات يوم! ربما! كان جورج ماكاّي مستشارا للشؤون العربية في اللجنة المركزية كان!

لمح طوران وهو يدخل إلى المقهى جورج ماكاّي فلم يقترب من قيس إلا عندما ابتعد ماكاّي. سأل قيسا وهو يجلس إليه: استمعت إلى خائن الشعب اليهودي؟! فليجد الآن من ينشر كتبه! وهل كانت تنشر كتبه حقا ياطوران؟! كان كتابه ينزل إلى السوق فتجمعونه في اليوم نفسه! وهكذا تفعلون حيثما تستطيعون ذلك. لكنكم تصرخون إذا مسّ النسيم قبر يهودي. فيالحرصكم على الحرية! كتب جورج ماكاّي عن آنا سينتش بطلتكم! نسيت ذلك ياطوران؟ يذكّره قيس بتآمر المنظمة الصهيونية على اليهود! كانت آنا سنتش من القلة التي رحّلت بالاتفاق بين ايخمن النازي وكستنر الصهيوني، شرط أن تمنع المنظمة اليهود الباقين من مقاومة النازية. وصلت آنا سنتش إلى فلسطين، ونظمت في الكتيبة اليهودية، ثم أنزلها البريطانيون بالمظلة في منطقة الريف الجديد، ووصلت إلى كستنر في بودابست فسلمها للنازيين الذين عذبوها حتى الموت! مع ذلك انتخب كستنر نائبا في إسرائيل. لكنه اغتيل خلال محاكمة ايخمن كيلا يكون ممن يمكن أن يعترف ايخمن بتعاونهم معه. فهم طوران مايقصده قيس! لكنه معجب بمتابعة قيس تلك الدقائق. ياقيس، لاتضيع وقتك في الحقد! أحبك، لذلك أقول لك ارحل اليوم قبل الغد! صارت هذه البلاد لنا! انتفض قيس. قيلت هذه الكلمات نفسها لأبيه وقيس مايزال في المدرسة ومايزال يسكن في بيته وبلدته! قالها لأبيه في فلسطين صاحبه اليهودي يوسف. ياطوران، يبدو أنكم لن تتركوا لنا إلا خطا أرقّ من حدّ السيف!

هكذا ودع قيس أصحابه وأعداءه. فماذا يستبقيه؟!    

 

 

- 2 - 

 

 

هل فهم قيس حدس الأنبياء وبصيرة المنجمين يوم قال:  مابدأ به الثوار نسيه السياسيون فكان هذا الخراب؟ أم توحّد كالصوفيين بما يفكر فيه ويحبه فشعر بوهنه! قال لأبناء بلده في المقهى: أمّنت الاشتراكية للإنسان العلم والمسكن والصحة والراحة والثقافة. إنجازها الأمان! امشوا في الشوارع حتى الصباح! لكن كل ذلك الآن في خطر. في هذا البلد الاشتراكي متحف هرتزل ومتحف نوردو الصهيونيين العنصريين! تتدفأ الصهيونية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بأن اليهود ضحايا النازية. تملك الإعلام والسياسة وربما اللجنة المركزية! يوم ينهار الاتحاد السوفييتي سيسبقه هذا البلد في الانهيار. قال له رئيس الوفد الزائر: كلامك خطر، وقد يرميك في السجن! رد: ليتني مخطئ وليكن مصيري السجن! فالبلاد العربية والفلسطينيون سيخسرون سندهم العالمي إذا سقط المعسكر الاشتراكي! 

انتبه عبد الله قبل عقود من السنوات إلى قدرة قيس على قراءة الزمن. قال: تتجاوز نظرته الشاملة التفاصيل إلى الجوهر، وتلخص في دقة المسار الممكن. كان قيس وقتذاك في السادسة والعشرين، يحتاج أن يرعى موهبته، وأن يحميها فيه الآخرون. لكن عبد الله قتل، وتشرد قيس. فبقيت تلك الموهبة له حدسا يستمتع به أصحابه. يوم حلمت ياقيس بأن أبا محمد اغتيل في رأسه برصاصة الموساد، فنهضت من فراشك لاهثا وقلت في ثقة: لابد أن الاغتيال حدث، كان الاغتيال حقا قد حدث. لكن الكارثة التي تتنبأ بها الآن لاتصدق! رد قيس: بل صدّقوا! لم ينجح تدمير المعسكر الإشتراكي من الأطراف، من برلين وبودابست وبراغ. لذلك سيدمر من المركز. ليس مسار التاريخ مؤامرات. لكن المؤامرة جزء مهم من التاريخ. في عصرنا تخطط الأحداث تخطيطا. وسنكون شهود كارثة آخر عقد من القرن!

لم يتنبأ قيس بخراب المعسكر الاشتراكي فقط، بل بخراب بيته الشخصي. يوم شعر بأنه عاجز عن تأسيس وطن، وعاجز عن تأسيس منظمة أو ناد أو تجمع، تصور أنه يستطيع أن يؤسس أسرة على هواه. نفذ وصية أبيه! فتزوج شابة من أسرة كاثوليكية محافظة. فاته أنه لايستطيع أن يحبس في سجن السعادة الصغير، وأن الأسر دون جدران في الرياح العاصفة! عندما لعب لعبته القديمة فخاطب زوجته بينه وبين نفسه ولم تستشف حواره، كان ذلك متأخرا. قال لنفسه: سأعدّ حتى العشرة كي تحزري ماأريد! عدّ حتى الخمسين. احتجبت روحها عنه! فلم تعد تقرأه ويقرأها!  سترت سنة كاملة أن ابنه لايداوم في المعهد الذي سجله فيه، واستقبلته في الأعياد كأنه يعود في عطلة. اكتشف قيس مجموعة متضامنة تسوّره، أسرته وأسرة زوجته. هو الغريب! افترقا فراقا عاصفا. لم يعترف لنفسه بأن علاقته بها مرت في غروب طويل لابد أن ينتهي. وأن ذلك لم يكن فقط علاقة بين شخصين، بل بين عالمين كانا منذ البداية مختلفين. أوهمه الشباب بأنه يستطيع أن يخترع أسرة ووطنا في مجتمع غريب! فإذا به يكتشف بعد عمر أنه بين مجموعة يصلّي كهولها للأمس وشبابها للخلاص من الاشتراكية!

تجول غرباتشوف يومذاك في الغرب يطلب مساعدات. مساعدات للاتحاد السوفييتي الذي يستدين منه خمسون بلدا؟ قال قيس: يشهّر بوطنه، ويفعل مايعفّ عنه بلد من بلاد العالم الثالث! واستمع إلى ندوة تغنى فيها فالين، مسؤول العلاقات العامة في الحزب الشيوعي السوفييتي، "بالتخلف الاقتصادي". وإلى لقاء بمخرج سوفييتي في مهرجان اوربي قال فيه: كل حرب قذرة حتى حرب التحرير! وعرض فيلمه عن اليهود. تابع قيس في التلفزيون السوفييتي الانبهار بالمخازن اليابانية التي تبقى مفتوحة طول الليل. والأبحاث التي تدعو إلى "اقتصاد السوق". ورحلات غرباتشوف. وصل غرباتشوف إلى برلين الشرقية فتجمع عشرون شابا صرخوا متحمسين: غوربي، غوربي! وطلبوا جوازات سفر إلى الغرب. قال غرباتشوف لهونيكر لاتعتمد على الجنود السوفييت لحماية ألمانيا الديمقراطية! فهل رد هونيكر كما رد عليه سياسي عربي عندما قال إن المساعدات لحركات التحرر ترهقه: يكفينا أن تلجم عنا القطب الآخر! وصل غرباتشوف إلى بكين فتظاهر الطلاب وصرخوا: غوربي، غوربي! وكانت الكاميرات التلفزيونية الغربية تنتظر غرباتشوف هناك. قال قيس لنفسه: حتى التفاصيل محبوكة في مهارة! سيفرض غرباتشوف سقوط البلاد الاشتراكية! سيقتل شاوشيسكو وسيسجن هونيكر، لكنهم لن يطالوا كاسترو الذي انسحب من المؤتمر وقت أعلن غرباتشوف "إعادة البناء" !

في ذلك اليوم كانت زوجة بوخارين مدعوة إلى اجتماع كبير في مسرح، حضره ابن قيس. قرأت المرأة العجوز وصية قالت إن زوجها تلاها عليها حتى حفظتها، وظلت تحفظها منذ موته، ولم تسجلها على الورق خوفا من الإرهاب! وتكلم الرجل الذي قدمها في تفصيل مؤثر عن الجرائم القديمة، والخسائر الإنسانية، واحتفى بزمن جديد للحرية والديمقراطية. وكأنما هب إعصار قوي على القاعة لم يعرف منذ زمن الثورات الكبرى، وانفجر الحقد الذي ملأها بنشيد هادر. وجد ابن قيس أباه، عندما رجع إلى البيت، جالسا يتفرج على محطات التلفزيون التي تبث زيارة غرباتشوف إلى الصين. فجلس بعيدا عنه. رأى الطلاب يتظاهرون في الساحة ويصرخون: غوربي، غوربي! ثم وقفت الكاميرا على الدبابات. ياللفظاعة! ياللوحشية! نهض عندئذ ابن قيس وهو يصرخ كالطلاب: فاشيون، إرهابيون! هذه هي الاشتراكية! قلب الطاولة نحو أبيه وقال له: أنت مثلهم، تستطيع أن تفعل مايفعلونه هناك! أنت حتى في البيت ديكتاتور فاشي!

امتدت بين قيس وابنه مسافات أبعد مما بينهما وبين الصين. ماأعمق الغربة بينهما! لايشعر ابنه بما عاشه ولايعرف العالم الحزين خارج مدينته الهادئة، خارج البيت الذي ينعم فيه بما يريد. هل قصر عليه قيس يوما بما يرغب؟! غمره بما لم ينعم به قيس في طفولته وشبابه. يقول لقيس وهو خارج ليسهر، أريد قرشا فيقول له قيس خذ قرشين. يقول له سأعود في الثانية عشرة فيقترح عليه قيس بل عد في الساعة الواحدة. لكن ابنه لم يحترم أبدا موعدا، ولم يقدّر أن أباه يريد أن يعلمه الدقة. في مثل عمره كان قيس يشعر بأنه مسؤول عن بلاد ومستقبل! فهل لابنه مشروع جدي؟ شاب لايشغله غير التمرد الأحمق، والتسلية وشتم الاشتراكية! لايقدر الجهد الذي يوفر له الراحة في البيت والأمان في المدينة ! 

تناول قيس منفضة السيجارات ورمى ابنه بها: أيها الأحمق لاتعرف مايرتب للعالم! لاتقدّر النعمة التي عشت فيها، ولن تعرفها إلا عندما تسلب منك! هل يتمنى أب لابنه الجوع؟! في تلك البرهة تمناه قيس لابنه كي يصحو ويفهم الحقيقة! وفي تلك البرهة شعر بأنه وحيد وغريب في بيته نفسه، وأنه خسر ماأنفق عليه عمره!

غشت ابتسامة غرباتشوف اليساريين الذين رافقهم قيس في تلك الأيام فقالوا له في حفاوة: "نحتاج بريسترويكا عربية". ولم يصدقها الرسميون العرب. فهمس لنفسه: اليمين التقليدي وحركات التحرر هي التي تشعر بالكارثة لأنها تفهم ماتفقد! واستمع إلى حديث هيث عن خطر كسر التوازن الدولي!

يتفرج قيس كثيرا على التلفزيون؟ نعم! لأنهم يحاربون به! لكنه أطفأ التلفزيون نصف ساعة ليقرأ مرة أخرى مقابلة مع موري، سكرتير الحزب الشيوعي النمساوي، نشرتها جريدة يمينية نمساوية. سئل: كيف تفسر مايجري في الإتحاد السوفييتي؟ رد: أفسره بندرة الشيوعيين هناك. سئل: لكن الشيوعيين هناك يعدون 16 مليونا. رد: لم أقصد عدد الأعضاء. سئل: وكم عدد الشيوعيين هناك في رأيك؟ رد: لايتجاوز أصابع اليد. تقصد أصابع اليدين؟ رد: بل أقصد أصابع اليد الواحدة.

قال قيس: والآن ستبدأ التصفيات! لكن التصفيات كانت أنيقة! في زاوية مهملة من الجريدة خبر صغير. "ظهر أن الجثة التي وجدت طافية في الدانوب منذ أيام هي جثة..." تأوه قيس! هذا وزير الدفاع الذي يحب العرب! يالهذه الديمقراطية التي تحاسب على الماضي وتنتقم منه! استعاد قيس أسماء القتلى والمنتحرين في ذلك الشهر. نخبة كاملة! عشية رأس السنة الماضي انتقى قيس زجاجات فاخرة من النبيذ والشمبانيا والكونياك والليكور، صفها في صندوق، وحملها إلى مكتب وزير الدفاع. تعرف السكرتيرة قيسا. قالت له: غير موجود، لكنه سيعود. تفضل انتظره. قال لها: أرسلي من يحمل بعض الأشياء له. قالت: سأنزل بنفسي. ضحك: لا، أرسلي من يستطيع أن يحملها. في ذلك اليوم خابره وزير الدفاع وقال له: هديتك كبيرة. أرجو أن تقبل هديتي التي تناسب دخلي وهو أقل من دخلك. رمز صداقتنا وتقديري المقاومة العربية! هديته هذا الغطاء المطرز المفروش على هذه الطاولة! كيف قتل هذا الإنسان المثقف الذواقة؟ لاتبالي هذه الديمقراطية بثروة وطنية ولاتعتد إلا بالولاء! مع ذلك لم يتصور قيس وقتذاك أن ثروات وبنى ثقافية ومؤسسات ستقتسم وتوزع وتدمر. ستتناثر حتى المجموعات الموسيقية والعلمية والرياضية في أنحاء الأرض! سينتحر جزء من أرض البشر!

في زاوية صغيرة من الجريدة خبر آخر صغير: "ظهر أن جثة المنتحر التي وجدت في الغابة هي جثة.." هذا صديقه العزيز! قال له قيس مرة: عندما كنت أدخل مع الوفود العربية إلى بناء الجبهة الوطنية  التي تستضيفهم كنت أقرأ "هنا كان يسكن المستشرق المجري إرمين فان بيري". عرفت أنه أول رسول من هرتزل إلى السلطان عبد الحميد كي يبيعه فلسطين! يهودي كان يجيد العربية والفارسية والتركية وغيرها! فهل تغرس الصهيونية ذاكرتها حتى هنا لديكم؟ ماكس نوردو الذي كرستم له متحفا هو الصهيوني شيمون شوتفيلد، ابن حاخام بودابست. تغرس الصهيونية ذاكرة هنا أيضا! رد: ربما، ربما! لكن أليست دعوة الوفود العربية إلينا الشاهد على أننا نقاوم الصهيونية؟ ياقيس، اسمع! لاتمش على طرف الرصيف! نعم، توجد هنا صهيونية! ونصحه: لاتحمل أنت رسالة كارلوس إلينا. قل له سنقبلها، لكن ليرسلها مع شخص آخر!   

رمى قيس الجريدة. كم يشعر بأنه وحيد وغريب وحزين! كل مالديه راح مع عالم طوي. في هذا العالم الجديد لاشيء له، لاأحد له، ولامكان له، وقد يكون ذات يوم هو الجثة الطافية في الدانوب. نعم، بلاده هي الآمنة في هذا العالم المضطرب! اكتمل الحصار! اجتمعت الهزيمة الخاصة والعامة. اكتملت أيضا الحقيقة. أنه ليس من هنا، ومايزال مريضا بهواه!

قيس وحده في البيت الذي استقبل فيه سفراء، وقادة سياسيين، ولاجئين سياسيين، ومنفيين، وأصدقاء منهم كارلوس وزوجته ليلي  وصديقه ستيف. رتب ثيابه في حقيبة. على الرفوف الكتب التي انتقاها، حوله الكراسي والطاولة الخيزران الخضراء التي يحبها، "الفازات" التي اختارها من مخازن المعروضات القديمة، في الخزانة الكؤوس الكريستال المحفورة التي كان يستمتع بالشراب بها! أشياء تجسد العمر الطائر في مادة تلمس وترى! يتركها! يجب أن يرحل!

رافقه إلى المطار بعض أصدقائه. رحل دون أن يلتفت. لم يتنبأ مودعوه بعد بأنهم يجب أن يرحلوا. سيفهمون فيما بعد أن العالم القديم انتهى!

في ذلك الغروب، شعر وهو يحط في مطار فيينا بأنه آمن وحر. جلس في مقهى صغير في المطار. أمامه حول طاولة صغيرة مستديرة شاب وفتاة كأنها ليلى. في عنقها حلية في شكل عشتار. ذهل. ماذا أتى بعشتار إلى هنا؟! قال في يقين: تلك بشارة! سأجد ليلى! فهل يخيب حدسه الذي ماخاب حتى اليوم؟ طلب فنجانا آخر من القهوة. فنجانا ثالثا. انصرف الشابان فنهض. تجول أمام واجهات المخازن في المطار. ياللذوق والألوان! فجأة، رأى أمامه في الواجهة حلية في شكل عشتار. دخل وطلبها. وأكد ذلك له بأنه سيلقى ليلى. في حقيبته الهدايا التي جمعها لها خلال أربعين سنة.  مسافر ألف ليلة وليلة الذي اغترب باحثا عن الكنز، تكسرت سفنه وظنوه فقد. عاد بصندوق صغير، يبحث عن الكنز في بلده! فهل يجده؟

  

 

  

عبرت امرأة غجرية صالة المطار إلى البوابة التي ينتظر قيس قربها طائرته. فتوهجت الصالة بألوان ملابسها، ورددت هسهسة حليها. لم ينظر قيس فقط إليها، نظر إليها آخرون أيضا! تلفتت واختارت مقعدا قرب قيس. تسافر إذن معه على الطائرة نفسها! مصادفة أخرى؟ لكنه خمن أنها ستنزل في محطة بعده. سألها: إلى بيروت؟ ابتسمت: كيف عرفت؟ ابتسم: أقرأ الكف دون أن أفحص خطوطه! رفعت حاجبين مرسومين في أناقة: وخمنت أيضا أني من أصل غجري؟ هز رأسه. ينحني قيس لهذا الزمن الذي فتّح جمال الغجر فأطلق شعرهم الكثيف، ووضح عيونهم السوداء، وعرض أقمشتهم المجنونة! وجعل أغنياتهم من أغنيات الملاهي الفخمة. فهل يستطيع أن يمد كفه لهذه الغجرية ويرجوها: اقرئي، ليملي عليها مايتمناه؟!    

يوم جلس في الليدو على شاطئ طبرية، في طريقه من صفد إلى صفورية سنة 1947، تنبأت له غجرية بحظ كبير عند النساء! فزها بذلك. بعد عشر سنوات، قال له رجل فحص كفه في مطعم الريّس في دمشق: أنت محظوظ بالنساء. فأطربه ذلك! لكنه كان يريد واحدة منهن، واحدة مشغولة بالدنيا كأنها لاتراه! بعد عشر سنوات أخرى استهوته في فيينّا شاعرة أكبر منه بعشرين سنة. نظرت في ضوء الفجر إلى يديه وقلّبتهما. لم تتأمل خطوط كفه، رأت خفقاتها. سمع القصيدة التي بدأت تصوغها. وضمها إليه وهو يتصور أنه يضم ليلى في الخمسين من العمر. لمس ليلى وتفقد شعرها وقامتها، ثم ابتعد إلى طرف الغرفة ونظر إلى قوامها الذي تكور على السرير. أهكذا ستكون ليلى يوم يلتقي بها؟ ليته يلتقي الآن بغجرية موشومة الجبين والذقن تهز بيدها الودع ليجلس على الأرض أمامها ويرجوها: ابحثي عنها! أين هي الآن؟ لن يسخر من نفسه لأنه يستمع إليها! سيتطلع إليها ليصدق ماستقوله وهي تنبش بأصابعها حياته. سيصغي إليها وهي تقول له: علم الله، لاهي طويلة ولاهي قصيرة، لاهي سمينة ولاهي نحيفة. قلبك هناك لكن بينك وبينها سبعة بحور وسبعة جبال. فكرك عندها، لكنك لن تلتقي بها إلا بعد سبع إشارات قد تكون سبع أيام أو سبع سنين أو سبعة عقود. قل إن شاء الله! سيجفل: لا! فتسأله: عندك شيء من أثرها؟ يتناول من جيبه صورتها ويتفرج على الغجرية وهي تتأمل ليلى، ثم تقول: بينك وبينها سؤال. عينها عليك وهي تدير لك ظهرها. لكنك ستلتقي بها بعد أربع إشارات، قل إن شاء الله! سيفرغ قيس كل مافي جيبيه على كف الغجرية، ليغريها بأن تقلل عدد إشاراتها!.

حكى للمرأة ذات الأصل الغجري حكاية غجرية طبرية. أخرج صورة ليلى من جيبه فقلبتها بين كفيها. وهسهست أقراطها مع حركة رأسها. أمها مغنية مشهورة، لكنها لاتذكر أبدا أن أحدا من أقربائها يقرأ الكف أو يهز الودع! أعاد قيس صورة ليلى إلى جيب صدره، أغمض عينيه وعاد إلى أزمنته.

 

 

- 3 - 

 

عاد قيس من غربته الطويلة ليعيش في بلدة صباه. على مسافة خمسين كيلومترا من بلدة طفولته. خمسين كيلومترا أطول من خمسة ملايين سنة. لكنه كالمتحضرين الذين ينصبون خيامهم في الصيف، وكالبدو الذين كانت خيامهم حول مدينة صباه وكان يسهر عندهم شاعره المحبوب عرار، زيّن بيته ورتبه، فرشه بالسجاد وزرع حوله الورد، وجمع فيه أصحابه القدماء وأصحابه الجدد واستعاد بهم ديوان أبيه المطمور تحت التراب. فحص معهم الأمل والتعاسة، صرخ معهم وبكى في الليل على آخر سنوات القرن الذي عاش فيه. ورش على مرارة الهزائم هوى ليلى. يجب أن تبقى ليلاه من شهب القرن معلقة في السماء كيلا يعتم النهار! دفن القرن عدله وجماله، وأمسك قيس بليلاه كشمس لاحق لها في الغروب!.

وهاهو قيس العصر، أمير فاتن دون محظيات. شاعر دون منبر. سياسي دون حزب. رائد غاضب على الحاضر. مهاجر من بلاد قلبت وجهها إلى بلاد تصوغ وجوهها. مدى تحبسه المدن. ملك غاضب لأن الحاضر لايسترد انتصارات الأمس. ماض عملاق أمام حاضر قزم. صحو يشتهي الغيبوبة لينسى الحزن. رجل يقف على عتبة الألف الثالثة، كأسه في يده، وعلى رأسه المكلل بالزهر الأبيض تتوهج مدن ونساء وغابات بقيت في الألف الثانية. طوى أصحابها صورهم وابتعدوا على مساراتهم، لكن النسخة الاولى بقيت في يديه مع دويّها الرائع. هل سيجد مجد غرناطة على عتبة  الألف الثالثة، تردد له نغمات أعوادها، وهو يتنقل بين فنادق الدرجة الاولى وغاباتها ليبذّر هداياه على النساء فاتنا ومفتونا؟ لماذا يحزن؟ كان في القمة في مملكة جمهورها منتقى، ليلها منشور لخطواته العلنية والسرية!  لكن تلك الجمهورية انتهت! والزمن الذي صفّ فيه أعشاشه المجنونة والمزوّقة غير ألوانه ونصّب ملوكا آخرين!

يقف صاحيا، في لياقة، وكأسه في منتصف الطريق إلىالنخب. لو عادت جميع محباته ومحبوباته لتوسدن مرة أخرى فراشه المتجدد، ولكان ماهرا مرات أخرى في ابتكار ليال تظل على ذرى الأشواق حتى يصل النهار واهنا مرة أخرى. لو عدن لرواهن بشهده، ولسحرهن بانتباهه إلى كل خفقة في بشرتهن وفي أعماقها. لكن القرن مضى. جمع صناديقه، طوى فيها العاشقات والمعشوقات وصفّها على بوابته الكبرى. والجديدات اللواتي تسللن تحت نوافذه وقرعن أجراسهن منتظرات أن يفتح الباب لن يجدن قاعات ينتظرنه فيها، ولن يجدن كراس ينتظرنه عليها. رحّلتها الألف الثانية، والألف الثالثة لم تصفّ كراسيها بعد!

يقف قيس مدثرا بكنوزه، مرصعا بأوسمته، مزركشا بجروحه. ملكا متوجا أمام ممالكه الراحلة، والهالكة، والمبعدة، المنتصرة والمهزومة. محبوبا مرة أخرى بأمجاده المكبوتة وبأمجاده المنجزة، بجروحه الملتئمة وجروحه المفتوحة، بأناشيده الخابية وأغانيه المتوهجة. وينسج ذلك له عروشا في فراغ بين قرنين تهاوت فيه العروش القديمة ولايوجد فيه مؤمنون بعروش جديدة. يقف إلها فريدا، خالقا متألما، بطلا دامعا. لايندم على عمره المديد حيث تستلقي في غاباته معشوقاته الدائمات والعابرات، وتومض مقاهيه التي يعبق فيها سحره، ومدن الصيف ومدن الشتاء التي مشى فيها أربع عقود  ناثرا أكياس الخلفاء المعقودة على الذهب. ليس نادما على السحر الذي عطر به الفتيات السعيدات! ليس نادما على الفتنة التي بهر بها النساء وأثار بها أحقاد الرجال، واستصفى بها فقط الفريد من الأصدقاء! ليس نادما! لكنه يحلم  بأن يجمع قطرات عسله المنثورة على زهور الحدائق ويحبكها واحدة إلى جانب الأخرى ليصوغ بحيرة صافية لمحبوبته المفقودة! تحلم؟ كيف ستنسل خيوطا من نسيجك الذي نشرته في كبرياء أمير عربي ويظل ذلك النسيج سليما، مستلقيا على سجادك الأحمر المفروش هناك، وهناك، وهناك؟ في تلك المروج الشاسعة لم تكن ليلاك موجودة! على جميع السلالم التي صعدتها، في الفنادق التي سهرت فيها، في الدلال الذي غمرت به محبوباتك الشرعيات وغير الشرعيات، لم تكن موجودة! ولن يكون لها مهما سقيتها من عسل الملكة، ومهما قدمت لها من تفاح الجنة، مانثرته عليهن! تبحث عنها، يتلامح سرابها، وفي تلك اللحظة تهس العقود التي زينت بها نساءك، وتهف عطورهن، تحف معاطفهن، وتسقط مع الندى دموعهن وترن في قمر الشرق ضحكاتهن. رغم حبك العظيم لم يبق لليلى الأسطورية من القصور التي احتشدت فيها مملوكاتك الملونات والبيضاوات سوى السنوات المعتمة الأخيرة في ذيل قرن أقفل صناديقه وأطفأ ثرياته واستدار. ماأعجب ذلك! امتدت جميع حدائق قيس وجميع سنواته الذهبية للعابرات، ولم تبق لليلى المقدسة إلا أطراف مروجه..

 

 

ولد قيس في قرية تبعد عن الناصرة سبعة كيلومترات، اسمها صفورية. كانت مكللة بالتاريخ الذي يكلل قرى بلاد الشام. فكانت في أيام الرومان صفوريس، عاصمة الجليل كله. وكانت طوال الأربعة القرون الاولى من المسيحية عاصمة مقاطعة واسعة. وكانت قاعدة للفرنجة ضد صلاح الدين الأيوبي في سنة 1183، بنوا فيها قلعة، وأخذها صلاح الدين منهم بعد حطين. وبنى الشيخ ضاهر العمر سنة 1745 قلعة على تلّتها. وبنيت كنيسة القديسة حنة فيها على أنقاض كاتدرائية من القرن السادس. وذكر ياقوت الحموي في معجمه أنها قرب طبرية.

يوم ولد قيس كانت القرية قسمين. قديم وحديث، بينهما البيادر وحولهما بساتين الزيتون. تطل عليها القلعة. في مدخلها خزان ماء كبير. هنا سكّ  الاسكندر المكدوني نقودا. وسكّ عبد الملك بن مروان نقودا عليها أحرف عربية إلى جانب الأحرف اليونانية. وجد قيس بعضها وقت حفر أبوه تحت العقد في بيته ليستخرج الكنز. اكتشف في صفورية فيما بعد، تحت القلعة مباشرة، مدرج روماني لخمسة آلاف متفرج،  واكتشف شارع الأعمدة، وفسيفساء الحارة الشرقية، وفسيفساء قصر عذراء صفورية: سجادة فيها مليون ونصف قطعة.

في العشرينيات من القرن العشرين، قبل عقد من مولد قيس،  بني فيها دير راهبات صفورية على أرض وقف إسلامي، فيه عيادة طبية، ومركز يعلم الفتيات الخياطة. وقع الدير في الحرب العالمية الثانية في ضيق فقرر المجلس البلدي في جلسته في 26/10/1946 مساعدة الدير بخمسين جنيه فلسطيني. وكانت في الدير وقتذاك خمسون طالبة من قرى فلسطين. وكانت في صفورية وقتذاك مدرسة ذكور تنتهي بالصف السادس الابتدائي درس فيها قيس. ومدرسة إناث.

يوم ولد قيس كان أخوه قد مات طفلا، ودفن في مقبرة الكركي، مقبرة الأطفال التي لعب فيها قيس فيما بعد وامتطى فيها ضريح سيدي اللويسي. كانت للقرية مقبرة أخرى عامة تمتد على 15 دونما دمّر المستوطنون اليهود جزءا منها بعد الاحتلال. ومقبرة الأشراف عند سور القلعة الشرقي، التي حمتها في التسعينيات جمعية تراث صفورية. ومقبرة السعدية في منطقة باب المطلّة حيث دخلت المصفحات الإسرائيلية على الطريق المعبدة واحتلت البلد.

كانت القرية وقت ولد قيس تشرب من نبع يسمى القسطل. على طول مجراه طواحين تديرها المياه، كان بعضها مايزال يعمل في أول القرن. مشى قيس قربها آخر مرة كأنه من "قطافي الزيتون" يوم تسلل إلى صفورية. وفي سنة 1948 قبيل التهجير، عرف قيس في صفورية عشر معاصر للزيتون، تدير حجارتها البغال أو الخيول. كان الزيتون يعصر أيضا في البيوت بحجر مخروطي يدار باليد على حجر مستدير، ثم ينقع الدريس بالماء الساخن فيطفو الزيت ويجمع من وجه الماء ويسميه أهل صفورية "زيت الطفاح".

ركب قيس باصات شركة الناصرة التي أسستها في السنوات العشرين مجموعة من شباب صفورية، وسارت بين حيفا وطبرية والناصرة وإربد. وباص العفيفي الذي يملك ألف رأس غنم، صديق أبيه، وأبي غريمه فيما بعد. ورأى الشاحنات التي تنقل المحصول إلى حيفا وإربد وبغداد والناصرة وبيروت. يوم نزل قيس مع أبيه إلى دمشق وهو في الثامنة من العمر سحرته السيارة التي عبرت به الطرقات، وأمسك بها المدى. لكنه أحب الخيل، وأدهشته الجمال. أدهشته لأن لدى أبي صبحية العرّابة الطفلة التي كانت تقطف من حاكورته الصبار، ستة جمال؟!

لا، لاشيء يعلو على الخيل! كأنه وعى مكانة الخيل الأصيلة في صفورية، التي يتناقل هويتها الإبن عن أبيه. تفرج قيس على أناقتها محبوس النفس. استمتع بالفرجة عليها ورأى في الخيل قمة المهارة في الحب والتعبير الرشيق عنه. هل كان يحلم بأن يركب فرس أبيه المعنّقة يوم يصبح شابا، ويتجول بها في القرية أمام الفتيات؟

كان أبو قيس تاجر أغنام، يستوردها من الشام ومن تركيا. تبقى في حظيرته برعاية الرعيان حتى تباع. يملك دونمين من الأراضي الزراعية في جهة، وفي الجهة الأخرى ثلاثة دونمات. وفرسا أصيلة اسمها المعنّقة. يسّر له السفر بين الشام وتركيا سعة في الحياة، فلم يقصّر في الاستمتاع بها.  كان راضيا على حياته؟ أقلقه فقط أن ابنه الأول مات. وأن ابنه الثاني كان في الأشهر الاولى من حياته ضعيفا، يوحي بأنه ميت، فتوجه أمه فراشه إلى القبلة  مستسلمة للقدر. هل يستسلم هو له؟ نادى الشيخ. فحص الشيخ الطفل النحيل وقال لأبيه: غيّر اسمه، ليكون تحت نجم آخر! أي إسم أكثر شقاء من إسم قيس؟ فليكن سميّ الذي هام في الصحراء عاشقا معذبا،  ومات من الوجد! ليكن مالم يستطع أبوه أن يكنه رغم غرامياته المتناثرة في دمشق وفلسطين! يوم قرر أن يسمي ابنه قيسا كانت تنزل في بيته امرأة من حيفا، تغيب في غرفته ساعات، فتخرج زوجته من البيت صامتة لاتعبر عن غضب أو رضا. إذن فليسمّه قيسا!

تعافى قيس، كأنه مشتاق للحياة التي سيعيشها فيما بعد! وأصبح الأكبر بين إخوته. لاحظ أبوه شوقه المسرع إلى الحياة، فأرسله إلى كتّاب الشيخ. وأكرم الشيخ، فكأنما كان الدرس لقيس فقط. فختم القرآن مسرعا، وتعلم القراءة والكتابة مسرعا. غير أبوه سنة ميلاده كي تقبله مدرسة صفورية في الصف الثاني وهو بعد في السادسة من العمر. التهم قيس صفوف المدرسة القليلة. وملأ الفراغات فيها بحكايا أبي زيد الهلالي وعنترة والظاهر بيبرس وبالشعراء..

 خلال ذلك كان يلعب في مقبرة صفورية متحديا الليل والعفاريت. ويتفرج على التشباية وقت يخيم النّور في ظاهر صفورية. ويخرج إلى البيادر حيث يكوّم البرتقال ويباع كوم البرتقال بقرش. ويلعب بالبرتقال مع أصحابه كأنه كرة. ستظل نكهة برتقال فلسطين في فمه، وعبقه على كفه طوال السنوات التي عاشها فيما بعد. بعد نصف قرن من خروجه من صفورية حلم بأنه سيمسك ببرتقالة يافاوية كأنه يمسك بحجر ثمين، وأنه سيقول لليلى: "لامثيل لبرتقال فلسطين"، كأنه بائع البرتقال اليافاوي الذي كان ينادي قبل نصف قرن في حارات دمشق.

أحب قيس في بلده شجرة الخروب. عبرت شجرة الخروب الفلسطينية الوارفة الحكايا التي سمعها. تحتها يختبئ الغول، ويلتقي العفاريت. في أغصانها الكثيفة الانتصار والهزائم والحب والخوف. جرب الخروج إليها في المساء، وامتحن نفسه بظلمتها في الليل. وفي النهار استلقى تحتها مع أصحابه فلم يشعر بالشمس في عز الظهر. تلمّظ مستمتعا بدبس الخروب. وأكل قرون الخروب الخضراء المسحوقة، "أم قيق".

في طفولته تفرج على أمه وهي تنتقي السليم من الرمان، وتنتقي البطيخ، وحمله إلى "السدّة" فوضعه وسط الحنطة ليحفظ للشتاء. أتى أبوه بالعنب الحلواني، ذوّب الرمل الأصفر، ووضع فيه العناقيد ثم علقها. في الشتاء غسل عنها الطين الأصفر فإذا هي طازجة وسليمة، عنب في عز البرد!.

طفولة قيس سهر تحت النجوم، ركض في البيادر، فرجة على الحياة في القرية، وحب مبكر يلوّع ويمتع. رغبة في القبض على الحياة بالكفين، وزهو فرح بالنفس. يعرضه أبوه أمام أصحابه ليتلو أمامهم الشعر والحكايا والقرآن! ويطلبه أهل القرية من أبيه كي يغني في الأعراس بصوته الدافئ الرخيم. صوت كأنه خزن عمرا من الوجد والحب. غنى في العرس، واستمتع بالدلال. في الصباح عرف أن العريس أعاد المرأة التي تزوجها إلى أهلها لأنها لم تعجبه. قال لنفسه: لكنها حلوة! قال أبوه للعريس: علّمها! وسمعهما يسمّيان أعضاء الجسم بأسمائها. وفي ذلك المساء سمع النساء المجتمعات على المصطبة يتحدثن عما جرى بين العروسين حديثا مقطعا بضحك ونكات وحكايا. فاستمع في انتباه وبدأ يصوغ الصور كأنه يرتب المعلومات في دفتر.

في ذلك النهار مرت قرب القسطل امرأة من القرية، جميلة كالقمر. أبناؤها مثلها، جمال وحلاوة، بعضهم شقر. زوجها بشع، قصير. سمع قيس أهل الضيعة: دخلها الجن! رد آخرون: لا، البطن بستان!.

عاد قيس من وسط القرية. بين صفورية القديمة وصفورية الجديدة يخيم النّور أحيانا. يقصدهم من يريد الشراب والفرجة على الرقص والغناء! قصد قيس المرور قرب خيامهم! ليلمح من بعد رقصهم. تفرج مع الأولاد على التشباية عند النّور. وستبقى في ذاكرة قيس المقدمات الطويلة التي يتقرب فيها الحصان من الفرس. مرت وقتذاك امرأة راجعة من العين، رأت التشباية فانقلبت جرة الماء من رأسها وانكسرت. ضحك قيس بملء قلبه، وضحك الأولاد فاحمرت المرأة: كان يجب أن يحزمكم أهلكم بالحبال ويحبسوكم في البيوت! نبقى في البيوت ياخالتي؟ من يتفرج إذن على التشباية؟! يجب أن يعلقكم آباؤكم من آذانكم! لماذا ياخالتي؟ لاسرّ في القرية! حقا، يخبأ فيها فقط  من يبحث عنه الإنكليز، فيقفز من سطح إلى سطح حتى يصبح في آخر القرية ويهرب من العسكر! تخبأ الأسلحة التي يحكم الإنكليز بالإعدام على من يحملها ومن يخفيها! مع أن اليهود يبنون تحت الأرض في مستعمراتهم معامل للأسلحة! لكن هل يعرف قيس أن في حظيرة بيته مسدس في حفرة فوقها حجارة؟

عرض قيس أمام أصدقاء أبيه مايحفظه من الشعر. لكن عينيه على الأولاد الذين ينادونه بالإشارة من بعد. ترك أباه مستمتعا باعتداده بابنه، ولحق الأولاد مع أنه يدرك أنه أذكى وأهم منهم. حكت النساء أمس وهن جالسات على المصطبة، وحكى الرجال في المضافة، وهم يضحكون، عن المجنون الذي مشى نصف عار. فمرت به امرأة راجعة من النبع، ونظرت إليه. من يخشى من الإعجاب بمجنون وسيم! قالت: هذا هو السعد! فغضب المجنون: من سمح لك بأن تتحدثي عني. سأشتكي عليك! سمع قيس النساء يفخرن بأزواجهن أو يندبن حظهن. هل التقط يومذاك أن النساء لايبقين في السر تفصيلا حميما، لذلك كان مع كل امرأة كأنه أمام جميع النساء؟!

فيما بعد قال لنفسه: القرية هي الصراحة، والمدينة هي التحفظ. كل شيء في القرية طبيعي وبسيط، ولذلك لاداعي للخجل منه. كأن الانسان في الزمن الذي عاش فيه دون التعقيد الذي غمر علاقات الرجال والنساء فيما بعد بالمكر والكذب وبالخجل والذنوب!

في ذلك المساء في صفورية، سمع قيس أول مرة الأغنية التي سمعها في إربد فيما بعد: شامية وجايه من الشام! كانت الشام حلمهم، عاصمتهم. ردد: شامية؟ وتفرج جالسا بين أصحاب أبيه على رجل تزوج من شامية. كان وسط الرجال كالمحظوظ، ورآهم في صمت يغبطونه. أغمض قيس عينيه ليتصور الشام التي يحكي عنها أبوه. المدينة الجميلة ذات الورد والريحان، ذات المياه، مدينة الحضارة الرخية التي يتطلع إليها البدوي والريفي كما يتطلع المؤمن إلى الجنة. تساءل فيما بعد: لماذا يتمنى الرجل في بلده أن يتزوج شامية؟ هل المرأة هي الصورة الأخرى من المدينة المرغوبة، عاصمة بلاد الشام التي يحنون إليها؟ العاصمة المفقودة؟ عرف أمرا آخر فيما بعد: تصبح اللغة نفسها رقيقة وسحرية، مناورة ومغرية عند الشاميات. وكأنه لمس وقتذاك آثار آلاف السنوات التي شيدت حضارة في مدينة وفي ذوق وطباع.

عاش قيس في صفورية حتى السنة التي سماها العرب "سنة النكبة". في ليلة 15 تموز 1948 قصفتها ثلاث طائرات إسرائيلية. ووصلت في الليلة نفسها إلى محيطها فرقة شيفا وفصيلا مدفعية تسللت خمسة عشر كيلومترا في أرض عربية. عند الفجر احتلت صفورية كمقدمة للهجوم على الناصرة في "عملية ديكل". هاجر بعض سكانها إلى سوريا. وطرد من بقي فيها في أيلول 1948. ووضع في كانون الثاني 1949 من عاد إليها متسللا في سيارات وأجلي إلى الرينة وكفر كنا. أعلنت منطقة عسكرية مغلقة، ونسفت. رأى قيس بيته ركاما عندما رجع متسللا. لماذا نسفت صفورية؟ لماذا؟ خمن قيس السبب فيما بعد.

 

 

- 4 - 

 

سمية من المعجبات بأبي قيس. جارة، خارجة داخلة إلى بيته كل يوم. يجب أن يبتكر وضعا يغطي ترددها على بيته. لذلك ألبس قيسا ملابس جديدة، وأعلن: قيس لبنت سمية! أصبحت سمية حرة.. حقها أن تطمئن على "عريس" بنتها المقبل!

عادة معروفة، لكنها ليست وعدا قاطعا: ابن فلان لبنت فلان. إذا ولدت بنت كانت لابن فلان! ملأ بيت أبي قيس بريق عيني سمية، صوتها المغني، ولونها الأبيض. لماذا سترت أم قيس ذلك الهوى؟ كانت تراه نزوة لاخطر منها لأن كلا منهما لن يهجر أسرته؟ لكن ماهو الحب الذي يفقد أبا قيس الصبر ليغزل لسمية طريقا إلى بيته، وهو يحفظ لامرأته أن تبقى زوجته الوحيدة؟ 

الحب؟ كان في أغاني أسمهان وعبد الوهاب ولور دكاش! نور القلب وضوء العين! الإنسان دونه كالوردة التي لاتراها عين، كالجرة الفارغة من الماء، كالعقد الذي لايزين عنقا! كيف سيكون الحب لقيس؟ ينظر إلى الأشجار والمدى والسماء ويتساءل عن الحب الذي سيلقاه! أيها الساعي إلى الحب ستجده على عرض حياتك، وستجد فيه الجنون والشقاء! الحب؟ بحر يمكن أن تغرق فيه فتفقده! هل سترشف الحب كالذواقة متمهلا، أم ستكثر منه حتى تشك فيه، وحتى تطلب مايحرضك عليه؟

كانت صبحية العرّابة في الثامنة. تجلس قرب أمها بجانب التنور، تلعب بقطعة من العجين وتتعلم كيف تخبز الخبز. تشكل من العجين لعبة. رجلا ستحبه؟ طفلا ستنجبه؟ ستحب ذات يوم شابا من شباب البلد تصادفه في طريق العين أو عند موقف الباص الذي ينزل من البلد! سيكون شابا وسيما تخبز له الخبز، وتنجب له الأولاد. كيف؟ متى؟ تنظر إلى المدى خلف الفرن وتقول: الله يعلم!

كان قيس يسكن بيتا سياج حاكورته من الصبار. وياللصبار! يتفتح زهره الأصفر فيزين السياج. يخضر ثمره، ثم يتورد فينتظر الفتيان قطافه بإذن صاحب البستان ودون إذنه! قالت له صبحية قرب باب البستان: اقطع لي صبارا! قال لها: أعطيك ملء الصحن إذا..! سألته: ماذا إذا؟ قال: إذا أحببتني! لم ترتعش. نظرت برهة واحدة فقط إلى الأرض. تفاوضا كما يتفاوض طفلان يلعب أحدهما مع الآخر. كم مرة تفاوضا قبل ذلك؟ اعطني الدحلة الزرقاء! إذا أعطيتك الدحلة ماذا تعطيني؟ أعطيك "كرديلة"! أي "كرديلة"؟ التي فيها الرجل الذي يرفع السيف! لا! أريد التي فيها المرأة ذات الشعر الأشقر! قبلت صبحية العرّابة الشرط. دخلت معه إلى "الحاكورة"، قطع لها الصبار، غامر بيديه، علق الشوك بقميصه، وتحمل وخزه حتى انصرفت صبحية. ملأ قيس الصحن بالثمار. كانت صبحية تقف حاملة له الصحن. عندما امتلأ وضعته على الأرض. قبّلته على خديه بسرعة وركضت. تركته سعيدا وانصرفت بصحن الصبار سعيدة. بصحن الصبار؟ بالحب! أصبح الصبار فاكهتها المحبوبة. تأتي حاملة صحنا وتقف قرب قيس. يسألها: تريدين صبارا؟ فتهز رأسها موافقة. والصبار لايعني الصبار. أكان قيس يحتاج إلى عقود من الزمن كي يتذوق نضارة تلك الأيام؟

في صفورية الجديدة التي بنيت على مطل صفورية القديمة، لاصبار على سياج بيت قيس. لكن للبيت شرفة تطل على طريق العين. تمر البنات بها حاملات جرارهن. تفرج عليهن. ميز جرة كل واحدة، حفظ مشيتها، وقفتها، ضحكتها، جرس صوتها. استحلى منهن قريبته غزالة. صار يعرفها أكثر من صاحباتها. كانت في مثل عمره. وربما في التاسعة من العمر.

في تلك الأيام كان قيس كالناس مفتونا بأسمهان. تبكيه أغنية "ليت للبرّاق عينا"  كأنما في أعماق قلبه آبار سرية للحزن فتحتها الأغنية! لماذا يلمسك، ياقيس المدلل، الأسى أكثر من الفرح؟ ألأنك تستشف الحياة التي سترمي نفسك فيها؟ أم لأن الحزن أكثر رسوخا في الدنيا من الفرح حتى اليوم؟ لأن في الهواء الذي تتنفسه قهر عريق كجبال هذه البلاد، كأنقاض حضارتها المنثورة في الحجارة والرمال؟ هل ورثت الحزن فتسرب إليك في الدم من المدن المحروقة قبل عصرك والتي ستحرق في زمنك؟ من القتلى الذين كانت تكوّم رؤوسهم أبراجا عند بوابات المدن؟ من الرؤوس المقطوعة التي كانت ترسل كالهدايا من بلد إلى بلد، دليلا إلى أن الانتقام حدث والحكم نفذ، أو تملقا من محكوم لحاكم فظّ؟ من المصلوبين على أسوار المدن؟ من السبايا اللواتي كن يوطأن في عجل قبل أن تدفع فديتهن أو قبل أن يوزعن على المنتصرين توزيعا آخر؟ من أغاني الجواري الحزينات على السيد المحبوب المقتول، الراغبات عن القاتل الوارث؟ أم هذا الحزن الذي لاسبب له صدى من أحزانك المقبلة؟

أخرج قيس الغرامافون إلى الشرفة. لكنه لم يضع كوانة "ليت للبراق عينا". بل اختار "اسقنيها بأبي أنت وأمي" ووجه بوق الغرامافون إلى طريق العين. صدحت أسمهان: "املأ الكاس ابتساما وغراما". وصل صوتها إلى البنات عند النبع في جو لاصوت فيه إلا صوت العصافير. التفتن ولاحظ أنهن أبطأن. نظر إلى غزالة! هل تتبين غزالة أنه ينظر إليها، وأنها المقصودة بالأغنية؟ أيمكن أن تظن كل واحدة أنها المقصودة؟ لا، عرفت غزالة أنه ينظر إليها، أنه وجّه بوق الغرامافون نحوها، وأنها هي التي يتمنى أن تملأ له الكأس. وضاع قيس في الالتباس بين كأس ماء من الجرة وكأس خمر محرمة، لم يذقها بعد ولم ير أحدا يذوقها حوله. نظرت غزالة إليه، ولمح طيف ابتسامتها. يعرف أن هذا الحب لامدى له، ويستمتع بما يسببه ذلك من الحزن. كيف ستصل ياقيس إلى غزالة المحاطة برفيقاتها؟ هل ترغب بهذا الحب من بعد كي تستمتع بعذابك؟ وتجد به مبرر حزنك؟ غزالة قريبتك فما أسهل أن تذهب معها إلى الحاكورة! هاهي غزالة! تمشي وحدها إلى النبع حاملة جرتها. وضع الكوانة منذ رآها في أول الطريق، وصدحت "اسقنيها" لكنه تمسك بالشرفة. لم يخرج إلى الطريق كي يلتقي بها! رأى ابتسامتها كاملة. له! له! ربما اختارت أن تمشي إلى النبع وحدها كي تعرف هل هي المقصودة بأغنيته؟ تلكأت قرب شرفته. وعبأ عينيه منها. فهم كل منهما أنه يحب الآخر. يحبه؟ هل لذلك اسم آخر! أكملت غزالة طريقها إلى النبع، وبقي قيس واقفا قرب أسمهان. ظل يتابعها حتى كادت تغيب عنه. انتظر عودتها. وراقبها وهي تصبح أكثر وضوحا كلما اقتربت من شرفته. كانت الكوانة قد انتهت فعبأ زنبرك الغرامافون وأعادها مرة أخرى. أنزلت غزالة جرتها عندما أصبحت موازية شرفته، ونظرت إليه. فهم أنها تقول له: هل تريد أن تشرب؟ واندفع إلى حافة الشرفة يملأ منها عينيه. لماذا لايأتي ليشرب من جرتها؟ أليست أسمهان تغني باسمه اسقنيها؟ لم يتحرك! فرفعت غزالة الجرة إلى كتفها ومشت وهي تلتفت إليه وتبتسم. وبقي قيس واقفا عند حافة الشرفة.

لكنه في مرات أخرى جلس تحت شجرة السدر الوحيدة في البلد، على بعد مئة متر من العين. فوقه ثمر الدوم الأصفر يزين شجرة السدر. هناك العين بين الحارة الغربية والحارة الشرقية، التي تستقي البنات من حنفياتها، وتشرب المواشي من الران الواسع قربها. ستمر البنات الراجعات من العين أمامه! هاهن! وغزالة تعبره وهو يصغي إلى رنة خلخالها. غنى كأنما لنفسه: "ياحليوه طاب حمامك، وأنا ع الباب بستنى، يامحلا رنة خلخالك، رنة خلخالك جنّنا.." سمعته فقط غزالة؟ لماذا تضحك إذن رفيقاتها وينظرن إليه؟ كان قيس يومذاك وحده تحت شجرة السدر التي يتسع ظلها لأربعين شابا. فالشباب مشغولون بالتشباية على بعد خمسين مترا من العين حيث ينزل النّور. سيرى قيس غزالة مرات في البيادر والناس منهمكون في درس القمح وتذريته. وسيأتي إلى هناك فلاحون محملون بثمار الزعرور التي قطفوها من الشجر. ستركض غزالة وسيتبعها وهي تتفرج على المقايضة: مدّان ونصف من القمح بمدّ واحد من الزعرور! بعد صب الزعرور بالمدّ الخشبي سيغرف قيس ملء كفيه منه لغزالة.

- تحبين الزعرور؟

- وأنت؟

- أحبه! كم أحبه، ياغزالة!

- تحبه؟

تسأله عن الزعرور أم تسأله عنها؟ سيسعى قيس إلى شجر الزعرور، ليقطف لها ملء قميصه، ويعود موشى الذراعين بالجروح!         

 

 

  

صار قيس يحب كرم ابن عم أبيه! في الكرم دوالي عنب وشجر زيتون. وفي طرف البستان المرتفع شجرة توت كبيرة، قربها عين ماء. لابد أن تأتي غزالة إلى هنا! لابد! لكنها لم تأت في ذلك اليوم. أتت أختها خديجة. وكان قيس وقتذاك على شجرة التوت. رآها من فوق، في طرف البستان تنكش الأرض. ثم جاء شاب لايعرفه قيس. لابد أنه من قرية أخرى! فتركت الأرض ومشت معه حتى الشجرة التي تسلقها قيس. بقي زمنا حابسا نفسه. ورأى الشاب يتناول يديها ويضعهما على صدره ثم رآه يقبلها. غصّ قيس بريقه وأغلق فمه بيده. نهضت خديجة وتلفتت حولها. لم ترفع رأسها إلى أعلى! لماذا ابتعدت؟ خافت؟ وانصرف الشاب. 

لم تظهر غزالة بين البنات الذاهبات إلى العين. فقدر أنها في الكرم. ركض، ركض حتى انقطع نفسه. رآها على شجرة التوت في طرف البستان، فوقف حتى هدأ. ثم مشى حتى الشجرة. لم تكن غزالة في عمر خديجة لتلبس شنتيانا، فرأى ساقيها العاريتين..

- كنت مارا بالصدفة فقلت أطل على الكرم..

- كنت مارا صدفة؟

- نعم، صدفة!

من يربط زمبرك الفونوغراف إذن ويضع كوانة أسمهان، فتقول البنات: لك ياغزالة! تحادثا وهي ترمي له حبات التوت حتى وصلت خديجة. رأتهما فصرخت: غزالة، انزلي! لم تنزل غزالة بل ارتفعت غصنا إلى الأعلى. هجمت خديجة على قيس رافعة قضيب الرمان بيدها. صاح: لن تضربيني! وإياك أن تضربي غزالة! سأقول لأهلك إنك كنت هنا مع..! رأيتك.. رأيتك! ذهلت خديجة وارتخت يدها عن القضيب.

كانت هي التي ترعى الغنم وتحلب الماعز. منذ ذلك اليوم صار قيس حرا في الجلوس مع غزالة على شجرة التوت. وحاولت مرة أن ترمي حبات التوت في فمه تماما وهي على الشجرة فلوثت قميصه. وصارت خديجة تحمل له الحليب الطازج، وتخصه بالشمندور، وترسل له الهريسة الطيبة. بقي ذلك الحب بينه وبين غزالة حتى انشغل عنها بالغزال. كان حبا كالزهر يتفتح في الربيع على أغصان عارية، ثم يترك مكانه للورق الأخضر. غاب عن غزالة أول مرة وقت زار عمه في مستعمرة بيت لحم الألمانية.  

المستعمرة قرب صفورية. لكن الطريق إليها يتلوى فيصل قيس على الحمارة في ساعة ونصف. يشتغل ابراهيم، عم قيس، هناك. المستعمرة فيلات كل منها من طابقين. في طرف المستعمرة بناء متصل من طابق واحد، فيه لكل عائلة من العمال العرب غرفتان. في أيام الصيف تنام الأسر على السطح المتصل فتكاد تتجاور. ينام قيس عند عمه أحيانا، ويمتعه أن يملأ عينيه بسماء واسعة كثيرة النجوم. يستلقى على الفراش ويحاول أن يعدها. فيقول له عمه في حنان: تعد النجوم؟ ستظهر الثآليل في يديك! يضحك قيس. لن تظهر! يلتفت قيس بعد ذلك إلى النائمين ويخمن متى يغفو ذاك ومتى ينام هذا.

في المستعمرة أشجار فاكهة، أشجار زيتون، وحقول من القمح والذرة. وحول المستوطنة غابات من شجر البلوط. يسرح قيس  متنقلا مع عمه، متفرجا على البساتين التي يرتبها الألمان، وعلى الزهور التي يحشدونها حول بيوتهم. 

يستقبل العم قيسا عادة في فرح. ويسعى قيس إلى ذلك الحب ساعة ونصفا على الحمار، قاطعا البساتين والبيادر، صاعدا وهابطا مع الدرب. لكنه هذه المرة استعجل الحمار طول الطريق لأن عمه أرسل له خبرا: التقطت لك شيئا ظريفا. تعال!

برقت عينا قيس: ماهو هذا الشيء ياعمي؟ جرّه عمه من يده: تعال! في الليل وضعت الأفخاخ في غابة البلوط. فأمسك فخ بقدم غزال. غزال صغير، صغير ظل يتأوه حتى الفجر. نقله العم إلى بيته وقال: هذا لقيس! قال العم: لعل عمره لايتجاوز الشهر. خذه واعتن به! احتضن قيس الغزال. لو عرفت ياعمي، لحملت له سكاكر! كانت الإقامة تطيب لقيس في المستعمرة. لكنه الآن يريد العودة فورا إلى بيته، ليعانق الغزال، ليطعمه، ليدلله، ليحبه!

ركب قيس الحمار. وضع عمه الغزال بين يديه: مع السلامة! عاد قيس إلى صفورية مبطئا من الخوف على الغزال. لمحته أمه من بعيد فخرجت. سألته: أين ستضعه؟ سمعها أبوه. لماذا رجع قيس مبكرا؟ وقف في الباب. احتفوا بالغزال. لكن هذا غزال قيس! لايخفى على قيس أن غزاله حزين، وحيد. لاتخف، ياغزالي! سأحبك أكثر من أمك! ربّت قيس على جبين الغزال، على عنقه ورأسه. نظرت عينا الغزال الواسعتان إلى قيس. وتفرج قيس على أهدابه. حلو، حلو! عانقه. مدّ له كفه المليء بالسكر وشعر بلسان الغزال عليه. هذه أول إشارة رضا منه! في الليل أفاق قيس مرات ليتفقد الغزال. فنهض أبوه وجثا إلى جانبه: غزال حلو! الحق معك! لكن نم. الغزلان أيضا تحتاج النوم!

طار صيت غزال قيس. غزال يتبع صاحبه أينما مشى. فيزهو به قيس أمام الأولاد. يطلبون أن يلمسوه، يرجون أن يطعموه. لا! لايأكل إلا من يدي! تفرجوا! رافق الغزال قيسا وأصحابه إلى البيادر، واكبهم وهم يمشون في القرية، ويصلون إلى الزيتون. استمتع قيس بالركض والغزال يركض خلفه. سبقه الغزال واستدار إليه. أتت غزالة وتفرجت على الغزال. سألها قيس: حلو؟ قالت: لذلك ماعدت تأتي إلى الكرم؟ قال: سأحاول أن آتي غدا! سألته: مع الغزال؟ رد: لاأعرف! إذا أراد الغزال أخذته معي! سألته: صار يفهم كلامك؟ رد مزهوا: يفهم! انظري! ناداه: تعال! فحرك الغزال أذنيه واستدار إلى قيس. قال: شفت؟! جثت قرب الغزال: اتركني ألمسه! قال: المسيه! نظر إليها الغزال. قالت: ماأحلى عينيه! زها قيس. كأنها تقول له ماأحلى عينيك!

في تلك الليلة سرق الغزال. بحث عنه قيس في البيادر والكروم. قال له أبوه: لن يتركوا أثرا يدلك إليه. لو عرفت من سرقه ياويله! وكان صادقا. هو أيضا أحب الغزال! لكنه لن يبوح لقيس بما يظنه: أكلوا الغزال! يقال إن لحمه طيب! ذاق مرة كبة في الشام من لحم الغزال!

قطفت غزالة آخر حبات التوت لقيس. تدلله؟ شاركته حزنه على الغزال. وفي ذلك اليوم نادته ليصعد إليها على شجرة التوت. وهناك عانقته: لاتحزن ياقيس! كنت أعرف أنهم لن يتركوه! عرفت؟ كيف؟ ردت: لأنه حلو! هل كانت تدرك أن الجميل مهدد، وأن مصير النقي مرّ؟ كيف خمنت مالاتستطيع ولايستطيع بعد التعبير عنه؟    

 

 

 

 - 5 -

 

لعل أحلى أيام قيس وقت كان يتنقل بين عالم النساء وعالم الرجال. فيسمع حكايا النساء وأساطيرهن، ويلحق أحلامهن، ويضحك من نكاتهن، ويعرف منهن الوجه الخفي من رجالهن. ويشرف في مضافات الرجال على المدن ويعرف حوادث البلاد ويسمع الشعر. يتعفف الرجال عن ذكر النساء، ولعلهم لايعرفون إلا ظاهرهن. لكن النساء يفصّلن في حديثهن عن أزواجهن وأولادهن. فينشرن المخادع والأسرة في صراحة، ليعلن السعادة أو التعاسة أو يطلبن النصيحة أو ليضحكن. فيرى قيس خفايا الرجال الذين يظهرون في المضافة، ويعرف ظهر الصورة. ويتبع مؤامرات النساء الصغيرة، ويكتشف فيها صبرهن ومثابرتهن.

انتظرت أمه سفر أبيه مع التوبي الذي كان من  مسؤولي منطقة الجليل الأعلى في ثورة 1936 وخرجت مع زوجته عائشة. ركبت كل منهما حمارا، وأردفت عائشة قيسا وراءها فلف ذراعيه حول خصرها. رحلوا إلى قرية المشهد، بين كفر كنّا والرينة. في الطريق وضع قيس خده على ظهر عائشة، وعندما التفتت إليه في حنان شد ذراعيه حول خصرها. تعرف أنها تعجبه، ألم يقل لها أمام النساء: لماذا لست أمي؟ كانت بيضاء، ممتلئة، بضّة، في وجهها رضى السعادة. وهي الوحيدة بين النساء التي لم تكن تتحدث عن تفاصيل حياتها مع زوجها. تقول فقط: هنيّ، رضيّ، لم يرفع صوته أمامي مرّة! كانت عائشة وقتذاك في الخامسة والعشرين من العمر. لكنها منذ تزوجت لم تنجب. لذلك قصدت مع أم قيس الشيخ المشهور في قرية المشهد. انتشرت شهرة الشيخ منذ داوى طفلة مشلولة فخرجت من بيته تمشي. كيف داواها؟ روى أبوها أن الشيخ سأله كيف أصيبت بالشلل، فقال له: أفاقت مشلولة. قرر الشيخ أن يداويها بالتي كانت هي الداء. كان المرضى يقيمون يوما عند الشيخ فيأكلون وينامون الليل عنده. فطلب من أمها أن تمثل خلال الأكل أنها تختنق. عندما مثلت دور المختنقة بالطعام صرخ الشيخ للفتاة: هاتي كوب ماء! فهبت البنت واقفة. داواها بالرعب الذي شلّها! وداوى النساء العاقرات بشاش مضمخ بسائل، فانتشرت أخبار من حملن ولم تنتشر أخبار من فشلن.

تفرج قيس على الشيخ المهيب وتناول من زوجته الغداء تحت شجرة الخروب التي تظلل البيت كله. سهر تحت سماء موشاة بالنجوم حتى غفا، وفي الصباح ركب الحمار خلف عائشة. في الطريق عبرهما خيّال مسرع فجفل حمار عائشة ووقعت على الأرض، ووقع معها قيس دون أن يفلت خصرها من ذراعيه. على الأرض ضحكت فأضحكته وبقيا مكانهما ضاحكين زمنا وأمه واقفة تتفرج عليهما. ثم ضحكت هي أيضا. فاستسلم قيس للحمرة البراقة التي غمرت وجهها، وانقلب على ظهره لتملأ عينيه فلايرى سواها. وبقيت فوقه على زرقة السماء متألقة، وغمرته السعادة لأنها ليست في تلك البرهة أقل جمالا ونضرة من عائشة. عندما امتطت المرأتان حماريهما سارتا متوازيتين وفهم قيس من حديثهما أن أمه طلبت من الشيخ أن يبعد زوجها عن النساء. فأعطاها الشيخ ورقة مكتوبة لتنقعها في الجرة التي يشرب منها زوجها الماء. لكنه أوصاها: يابنتي، يبطل هذه الأوراق الوجه العبوس، وتقوّيها النفس الرضيّة! فهل أضحكت أمه فقط عائشة وقيس المتشبث بها؟ أم الفلاة الرحبة التي تصغّر الهموم وتذكّر الإنسان بأن مايفسد حياته عابر وتافه؟ أم كانت مستسلمة لنصيحة الشيخ، ولوهمها بأن زوجها لن يرى من النساء غيرها، مثل عائشة الحالمة بطفل؟    

لم تستبق تلك الرحلة الممتعة إلى قرية المشهد قيسا عند أمه. فلازم أباه في الأمسيات. وبدا لأمه أن أباه هو الذي يربيه ليكون مثله. فلوّحت له بتجمع النساء على المصطبة وبهسهسة حليهن وأحاديثهن المسلية، وقالت له، وهو يبحث عن متسع ليجلس قرب عائشة، كأنها ستحرمه من الجنة: كبرت! رح إلى مضافة أبيك ففيها مايسليك أكثر من مصطبتنا! هل تدري أنها كانت تعلن حقيقة، فقريبا لن يستطيع قيس أن يستمتع بقبل النساء اللواتي يرغبن بأن تكون أجنتهن مثله، ولن يستطيع أن يحيط خصر عائشة بذراعيه، ولن يسمح له بأن يدخل الحمام مع أمه. سيحرم من عالم النساء الملون الفاتن. تلومه أمه لأنه يلتصق بأبيه؟ وتهدده بأن تحرمه مبكرا من جنة النساء؟ لو تفهم حاجته إليها وإلى أبيه معا! عند أبيه يتفرج قيس على الحياة! يراقب أباه ويتعلم منه الحكمة والسياسة! ابتعد قيس عن المصطبة متألما. وسمع عائشة تلوم أمه: لو كان عندي ابن مثل قيس لاستبقيته قربي!

 

 

طلب رجل من أبي قيس أن يجحّش زوجته! ينتخب عادة للتجحيش صديق موثوق أو رجل وضيع لايمكن أن يمسك الزوجة. الرجل صاحب أبي قيس. ويفترض أن يقوم هو بالتجحيش. لكنه لن يفعل ذلك! اعفني من هذا، زوجتك مثل أختي! والتجحيش لايقنعني. على الرجل أن يتحمل نتيجة تسرعه! لكن اختر من تشأ أكن شاهدك!

قال أبو قيس لابنه: التجحيش درس للرجل الذي يرمي القسم بالطلاق على زوجته ثلاث مرات. لاتجوز له إلا إذا تزوجها آخر ثم طلقها. في الشرع يجب أن يذوق من يعقد عليها عسيلتها، وأن يتحمل زوجها القديم ذلك. لكن لاأحد يذوق عسيلة أحد! شهد أبو قيس ذلك الزواج الشكلي. لكن زوجة صديقه أطالت الخلوة بزوجها الجديد، وزوجها القديم يحترق قرب أبي قيس. ثم خرجت وأعلنت أنها لاتريد الطلاق من الرجل الذي تزوجته "على سنة الله ورسوله"! سترحل معه إلى قرية أخرى لأنها خرقت العرف، وهي تقبل ذلك! من باعني بالفول أبيعه بالقشور! 

كان أبو قيس وهو يلملم الفضيحة ويهوّن على صاحبه المصيبة، مشغولا بأخيه ابراهيم. من حظه أنه أنجز شراء الغنم من تركيا وسلّمه للراعي قبل أن ينغمس في مشاكل من حوله! تزوج ابراهيم، أخو قيس، من ابنة السعدي، بطل انتفاضة 1936 الذي يسكن قرب القلعة. يقول السعدي إن أخا قيس كبّر الكلام، ولم يحترم المقام. لذلك سحب بنته واستعادها إلى بيته. أرسل ابراهيم "جاهة" إلى السعدي، فردها! أرسل أبو قيس "جاهة" أخرى فردها السعدي. تريد المرأة العودة إلى بيت زوجها لكن أباها عنيد. غضب أبو قيس وقال لأخيه: سأخطب لك امرأة أخرى ولتبق بنت السعدي عند أبيها! أعلن أبو قيس في تلك الليلة أمام المجتمعين أن البطولات التي يدعيها السعدي فيها كثير من الخيال، وفيها مالايقبله قلب المسلم كقتل الأبرياء ولو كانوا أعداء. ودعا الحاضرين إلى عرس أخيه ابراهيم.

تجمع الناس في الباحة أمام غرف العقد في منتصف الليل. غنوا ورقصوا وأكلوا. وفي منتصف الليل دخلت أم العروس إلى الغرفة التي اجتمع فيها العروسان تحمل صينية فيها طعام. ثم خرجت وأغلقت عليهما الباب. بقي الناس في الباحة. عندما سمعوا صرخة المرأة أطلقوا الرصاص في الهواء وزغردت النساء. ثم مد رجل منديلا أبيض من الباب، تناوله العروس وأعاده بعد أن غمسه بدم عروسه. فأطلق الرصاص مرة أخرى وارتفعت الزغاريد.

كان ابراهيم يعرف في تلك الليلة أن بنت السعدي تبكي، وأن أباها غاضب ومغموم. تعرف ذلك النساء المحتفلات بالعرس ومنهن أم قيس. يعرف ابراهيم أنه  سيستعيد زوجته بنت السعدي عندما يلين أبوها. لكنه منساق في الحياة، ولايمكن أن يعارض رغبة أخيه الأكبر. يجب أن يولد له أبناء، يجب أن يدافع عن كرامته أمام أهل البلد. لايستطيع أن يكون عاشقا يبكي على امرأة يحجزها أبوها عنه. مع أنه في الليلة الاولى مع امرأته الجديدة فهم ماكان بينه وبين بنت السعدي من السعادة. وميز الفرق بين بنت السعدي التي تبدو كأنها نحتت لأجله وبين هذه التي تفيض عنه.

تفرج قيس على العرس منذ بدأت الاحتفالات به. مشى بين بيت عمه وبين بيت العروس. غاص بين الرجال وبين النساء. استمع إلى الأهازيج. لم يدعه أحد كي يغني كما يدعوه الغرباء في أعراسهم. فبدا صغيرا في بيته. لكنه تأمل المنديل الأبيض المرقش بالدم، وأنصت إلى الفرح الذي امتد في طلقات الرصاص. هل أفهموه في ذلك اليوم أنه يجب ألا يتزوج إلا بكرا؟ أم أشربوه زهو الرجل بأن يكون الفاتح الأول؟ جلس إلى جانب أبيه في آخر الليل. رأى الناس ينصرفون بعد أن أعلنت لهم شهادة الدم شرف الفتاة التي تزوجها عمه. واندفع في قلب قيس حب للنساء اللواتي بدأن ينصرفن. نظر إلى قاماتهن وملابسهن الزاهية وسمع أساورهن وأقراطهن وعقودهن، وحط نظره عند غزالة التي كانت هي أيضا بين برهة وأخرى تنظر إليه. احتفلت البلد بالعرس، فهل سيتزوج قيس هكذا ذات يوم، فيدقون له الطبل وينفخون له بالمزمار ويطلقون له الرصاص ويمد يده إليهم بمنديل أبيض مرقش بدم عروسه؟ هل سيعرض دم امرأته المحبوبة للغرباء؟ نظر إلى غزالة ورأى في عينيها سعادة ونعاسا. وكان هو أيضا سعيدا لكنه يشتهي النوم.

توسطت النساء فأعدن بنت السعدي إلى بيتها بعد أن ولد لزوجها ولد من زوجته الثانية. عاشت مع ضرتها في بيت واحد. وانتقلت معها وقت الهجرة من صفورية إلى دمشق، وسكنت معها في المزة. أما السعدي فبقي في صفورية! قاوم الإسرائيليين حتى قتلوه تحت شجرة البلوط المعمرة أمام بيته قرب القلعة.

 

 

 - 6 -

 

هل تستطيع أم قيس أن تملأ عيني رجل يتنقل بين بلاد الشام متاجرا قادرا أن يلبي مايشتهيه ويروي أهواءه؟ ماذا يستبقي رجل معتد بشبابه، بعيد عن أيام المرض وأيام الشيخوخة، مخلصا لزوجة واحدة؟ أوهمته قوته وغناه بأنه لن يضعف ولن يفتقر، وكانت نساء المدن التي يعبرها مغريات وممكنات.

لمح قيس أهواء أبيه، فهل فهمه وهو بعد في الثامنة من العمر؟ أمسك قيس بمكانة الولد الأكبر لدى أبيه. وربما كبّرته في العمر الصداقة التي أشعره بها أبوه، والمكاشفة بينهما. وكأنه قبل ماعرضه أبوه دون كلام: واجب رب الأسرة أن يشبع امرأته ويكفي بيته، وحقه في  حياة متسعة لاتطالها زوجة مشغولة بأولادها وطبخها. المسرات حق الرجل، شرط أن يعود بعدها إلى أسرته! بين الناس والأهل مكان الزوجة. لامكان هناك للعشيقة! فهل قبل قيس مبكرا، أن يجمع الرجل بين حقه في التنقل بين النساء وبين واجباته في الأسرة؟ أم دفعه إلى المسار ذاته فيما بعد، حبه المفقود؟

في ذلك العمر راقب قيس أباه معجبا به. سجلت أمه له ذلك. وغشها أنه معتد بنفسه، فلم تفهم حاجته إلى أن تحتضنه وتربت على رأسه حتى ينام، وتعانقه حتى يشعر بنفسها الحار على رقبته، وبصدرها على صدره، وبذراعيها حول كتفيه. فظل عطشه إلى الأم قويا، قاهرا، مع أنه رفض بكبرياء أن يتصور أنه كان دائما يشتهي في المرأة، الأم! فهمت كونستانس ذلك بعد عقود، فتحملت من الشفقة والرحمة إهانته مرة، وبحثت له مرة عن صديقته، واستقبلت مرة صديقته الأخرى. لو انتبهت ليلى ذات يوم إلى عطشه إلى الأم لتندت عيناها وأغضت. ولسألها: وأنت؟ ولردت: شبعت من أمي!

كان في الثامنة يوم رأى أمه جالسة على كرسي الحمام المنخفض. غرفت الماء من الجرن. تفرج عليها ذاهلا وهي تسكب الماء على شعرها الطويل وتغمض عينيها رافعة رأسها إلى أفق لاتراه. لمعت كتفاها، وتابع قيس سيلان الماء على صدرها وبطنها وركبتيها. عندما شهق قالت: قيس، أنت هنا؟ همهم: هنا! قالت: ناولني إذن صابونة. هذه صغيرة! وضع الصابونة في كفها ورأى ذراعها تمتد إليه بطولها، فيصبح كتفها أكثر جمالا. تساءل: لم يرها أبي وهي تغتسل أبدا؟ أمتعه صوت الماء المنسكب عليها، ومد يده فلمسه. ماذا تفعل ياقيس؟ ألمس الماء! ضحكت. كانت في تلك البرهة رائقة. كأنها لاتفكر إلا بنفسها، ولاتحس بهزيمتها الدائمة أمام أبيه. كأنها تمخر الدنيا وهي تستحم، فرحة بجسمها، بالماء، بالصابون، وتسمع تنفس بشرتها. قالت له: ماتزال هنا؟ إذن افرك لي ظهري. تناول قطعة الليف التي زرعتها وجففتها ونظفتها. لمس رقة الليف الذي امتلأ بالماء والصابون وخشونته. فرك ظهرها من أوله إلى آخره مبهورا ببشرتها. تكاد تكون دون عظام. في مكان العمود الفقري قناة ضيقة منخفضة قليلا عما يجاورها. لايوجد لوح الكتف! انتبهت إلى يده. كم أنت ماهر ياقيس! سأجعلك تساعدني في غسل إخوتك!

هل فهم قيس هناك أن الحمام في الشرق وقت للراحة والسعادة، للنفس؟ تنوس فيه المرأة بين المفرد والجمع. تحزم بقجتها المطرزة، تحمل معها "الترابة" الطيبة وصابون الغار، تحمل طعامها ومخللاتها وتدعو جاراتها، فيتجمعن معا في الحمام. تتنقل ليلى، كالفتيات الصغيرات، بين النساء في حمام عمره خمسمائة سنة، وتتوه بين نساء عاريات، بين ضجة طاسات الماء، بين نوافير البحرة تحت القبة، وبين نجوم الوسطاني والجواني. قبة سماوية أخرى، مصاطب ومناشف مطرزة بالخيوط المذهبة والفضية، ملابس زاهية، صحون الطعام، نكات وأحاديث وحكايا، أجران وقباقيب ومياه. تهرب ليلى كلما نادتها أمها لتفركها. تجلسها في حضنها وتغطيها بالصابون. تنزلق هاربة. تمسك بها إحدى النساء وتقودها إلى أمها لتسكب عليها الماء.

ترك قيس باب الحمام مفتوحا. لفّت أمه نفسها بالمناشف. لذلك هب قيس واقفا عندما قال أبوه سنذهب إلى حمامات طبرية: عظيم! سأله أبوه مداعبا: تعرفها؟ لم نأخذك بعد إليها!

نزل قيس وأسرته في بيت في طبرية ذي فسحة واسعة تظللها دالية كبيرة. في طرف الفسحة ليوان يرتفع عليها. رأى قيس صاحبة البيت جالسة ولمح أباه يلمس كفها التي تمسك بفنجان القهوة. وخمن أن أباه يعرفها. لايعني نزول أبيه إلى طبرية التجارة فقط إذن!

استبقي أخوه الصغير معه وذهبت أمه إلى الحمامات. تنزه مع أخيه على شاطئ طبرية. وجد أصدافا صغيرة جدا. ثم ملّ ذلك. فعاد إلى البيت يجر أخاه مرة ويحمله مرة. تركه عند صاحبة البيت ومشى إلى بركة النساء. بركة واسعة، الماء فيها إلى الركبة، ماء ساخن متدفق جار. احتجت بعض النساء: كبير! اخرجيه! ردت على المحتجات نساء أخريات: صغير لكن قطعته كبيرة! قالت أمه: لم يبلغ بعد الثامنة! قالت امرأة ساخرة ماتقوله عادة النساء: هاتي أباه معك في المرة التالية! بقي قيس هناك خلال ذلك الحوار وبعده. جلس على أرض البركة القديمة وغرف منها الماء، تمرغ بالماء. وتفرج على النساء. يالهذا المخلوق الراقي! ماأملح النساء! بدا له أن الرجال مساكين لأنهم ليسوا كالنساء. زاغت عيناه وهو يرى نساء يغرفن الماء، ونساء راكعات في الماء، ونساء مستلقيات أو جالسات على طرف البركة، ونساء يتنقلن. ويوم رأى فيما بعد في اوربا لوحات تسجل الحمامات الشرقية تنهد: ناقصة! دون أصوات وبخار وحركة، دون طيب! غاب عن اللوحات أيضا عبق التاريخ الذي تنفسه قيس يومذاك. فحمامات طبرية التي وصل إليها بين آثار طبرية القديمة، تذكّر بحمّات الكنعانية، بمشيدات الرومان، بالفتح الإسلامي الذي هندس الحمام العتيق، والجزار الذي شيد الحمام الكبير. ليت رجلا أمسك بيد قيس يومذاك ودلّه إلى الفضاء الخفي في تلك الأمكنة، وحدثه عنها ليزيد من نشوته، ويقول له ليس سببها المياه المعدنية الحارة، ولاالنساء المتمرغات فيها، بل المكان الذي احتضن كل ذلك!   

بعد طبرية رافق قيس أباه إلى القدس. تجول معه في المدينة. انتظره حتى اتفق مع التجار وحاسبهم. صعد أدراج القدس العتيقة، تفرج على الأسواق، وتوقف أمام السبلان وفتنه سبيل قايتباي. مشى إلى المسجد الأقصى. أذهلته باحة المسجد الواسعة، والسجاد والثريات والسقف المرتفع. صلى في المسجد الأقصى مع أبيه وهو ينقل نظره بين الجدران والسقف والأرض. ثم تفرج ذاهلا على قبة الصخرة. قال له أبوه: سقطت الصخرة من نيزك ما قبل أن يوجد البشر! فرفع ذراعه كلها مشيرا إلى الزخارف. كان ذاهلا، كأنه عاجز عن التنفس، فلم يستطع أن يتكلم. وبدا لأبيه أنه ضيّق عينيه كمن بهره ضوء ساطع. فتلفت مستطلعا. لايوجد ضوء مبهر! الضوء عنصر في الزخرفة، يرتمي بمقدار مايحفظ سحرها. لكنه هو أيضا رفع عينيه إلى الفسيفساء التي ترسم أشجار نخيل أسطورية، وثمارا ذهبية، وزهورا وأوراقا أجمل من كل مافي الدنيا من زهر وثمار وأشجار. وضيّق هو أيضا عينيه. بقيا زمنا صامتين. وضاع قيس في خضرة وزرقة الفسيفساء. لم يخمن أبو قيس أن ابنه سيقع مغمى عليه! قال له وهو يلفه بذراعه ويعبران باحة المسجد الواسعة: يفتح الرجل عينيه على الجمال ويتقصاه، ولكن لايغمى عليه! هل واجه قيس هناك أول مرة في عمره السحر الذي يخلقه الفن ويتوج به الحضارات وهو يزيح الواقع العادي ويصوغ آخر فاتنا للسعادة؟ وضع أبو قيس كفه على كتف قيس: احفظ ياقيس! لم يصلّ عمر بن الخطاب في كنيسة القيامة كي يحميها. نظف الصخرة بيديه وصلى هنا. في هذه المدينة بويع أول ملك عربي كبير. بنى الوليد بن عبد الملك المسجد الأقصى الذي نهب الصليبيون كنوزه واستعاده صلاح الدين ووضع فيه المنبر الذي هيأه له نور الدين الشهيد. سنصلي هناك الآن معا! دار أبو قيس حول نفسه تحت القبة ودار معه قيس: احفظ ياقيس! بنى قبة الصخرة عبد الملك بن مروان سنة 691 هذه السقوف المذهبة، والجدران المرخمة، والنوافذ الزجاجية، والفسيفساء التي أوقعتك اشتغلها كلها المعماريون السوريون! ردد قيس مسحورا: دمشق! قال أبوه: نعم، كانت عاصمتهم دمشق!

سألته أمه عن جولاته فارتبك. ثم حذف قبة الصخرة وحكى لها فقط عن باحة المسجد الأقصى الواسعة جدا، جدا، وعن الصلاة على السجاد القديم. خلال صلاته رفع عينيه وتأمل النوافذ والسقف وكاد يستدير إلى الأعمدة. فتنه المنبر الذي قدمه للمسجد نور الدين الشهيد. قالت له أمه: تستدير وأنت تصلي؟ حرام! آه، عجز إذن عن التعبير عما فعله المكان في روحه! لم يستطع في ذلك العمر أن يفهمها أن الصلاة قد تكون ضيقة إذا كان المصلي ضيقا، وقد تكون واسعة، رائعة، إذا شعر بالكون! كان عليه أن يقطع عمرا كي يفهم ذلك. بعد عقود قال لنفسه: كل مانراه يغتني أو يفتقر بنا. فينا يوجد الشطر الآخر من جوهر الكون!

قرر أبو قيس أن يبدد ذهول ابنه فأخذه في القدس إلى السينما. شاهدا فيلم قيس وليلى. ابتسم أبوه: سميّك كان عاشقا مشهورا! لم يلاحظ قيس أن أباه تفرج عليه في السينما. بعد الفيلم قال له: الرجل الذي لايعرف النساء ليس رجلا! لكن لاتسلّم امرأة حياتك! لم يبح قيس لأبيه بأنه أحب مجنون ليلى، وبأنه لايخجل لو كان مثله. لكنه عندئذ قاس أباه بمجنون ليلى ورأى نمطين من الرجال واحدا مثل أبيه يتنقل بين النساء حرا، وآخر كالمجنون يهوى واحدة!

لكن هل كان ابو قيس يجر ابنه معه إلى القدس وحيفا ودمشق كي يعرض له الدنيا ويجعله في سرعة رجلا؟ أم كان يتستر به؟ لم تستطع أم قيس أن تفهم من قيس هل يلتقي أبوه بالنساء في حيفا أو القدس. فقدرت أن ذلك يحدث في الليل وقت ينام قيس. كانت محقة! في دمشق نزل قيس وأبوه في فندق أمية في المرجة. أفاق قيس في الليل، لم يجد أباه في الغرفة فبقي ساهرا حتى رجع. قال له: لاتتركني وحدي! خذني معك! أخذه الأب معه تلك الليلة. مشيا في الحارات. ووصلا إلى باب كبير فيه باب صغير كأبواب ألف ليلة. دقه الأب بحلقة كبيرة من النحاس المزخرف ففتحته مواربا امرأة بضة. مشيا خلفها في دهليز، وانفتحت أرض دار واسعة في أطرافها أشجار وفي وسطها بركة. جلسوا تحت سماء الليل الساجي. نظر قيس إلى المرأة بملء عينيه. رآها في ثوب ملون. وفاح عطر لاشبيه له، فاح من ضحكتها، من بشرتها البيضاء، من قامتها الممتلئة، فاح من الياسمين الذي عرش فوقها، فاح من الورد ومن بركة الماء ومن الأحواض ومن أصص النباتات المحتشدة بين أرض الدار والليوان. فاح من بيت لم ير شبيها له من قبل. قال له أبوه: قبّل خالتك! فاقترب منها، وفتحت هي ذراعيها له. ارتعش؟ خالته؟ هذه المرأة البضة البيضاء الرخية خالته؟ كل مافيها سعيد ومستريح. كل مافيها نعمة. كانت مختلفة عن النساء اللواتي رآهن في بلده. وكل ماحولها مختلف.

عاد من تلك الجنة مع أبيه إلى بلده. سألته أمه: ماذا رأيت، أين كنت؟ قال لها: زرنا خالتي. خالتك؟ شكلها؟ كيف رأيتها؟ وصف قيس المرأة البيضاء البضة الرخية. وصف البيت. قبّلتك؟ في الأيام التالية ظهرت حبوب حول فم قيس. فأمسكت أمه بفرصة لن تضيعها! هذه الحبوب دليل مرض جنسي! طبعا تنتقل الأمراض الجنسية بالملامسة! بدأ قيس مساراته إلى الأطباء في حيفا وطبرية. وسار معه أبوه الذي وقع في المصيدة. لم تضيع أمه الفرصة! جرّت زوجها كأنها تقتص منه.

انحاز قيس إلى أبيه في تلك الأيام، وفقدت أمه سحرها الذي بهره في الحمام. لمس غضبها عليه لأنه يرافق أباه. قالت: يربيه أبوه كي يكون مثله! وقالت: لو لم أسأله عمن رأى لما باح لي بتلك المرأة! شعرت بانبهار قيس بمغامرات أبيه. هما حزب واحد! فليأخذه! فهم قيس أنها أبعدته. وستر ظمأه إلى الأم بالتكبر. وأنسى نفسه أنه حتى في تلك الأيام تمنى أن تضمه إلى صدرها! 

فهل أبعد عنه في جلافة النساء اللواتي أحببنه، لأنه كان ينتقم من أمه التي لم تفهم شوقه إلى حنانها؟ هل تعلق بكونستانس، وعمرها ضعف عمره، لأنه شم فيها أما؟ وبدالّة الإبن طلب أن تستقبله مع ايرينا في بيتها، وأعجبه أن تقول لها: أنت الآن صاحبة البيت فأرجو أن تقومي بواجب ضيافة قيس؟ لا! لايستعاد حب الأم الذي حرم منه. هناك، تحت الخروبة الوارفة، في البيدر، تحت الزيتونة، تحت السقف العقد، كان يريد أن تحتضنه أمه، وتشبعه من حبها! وهناك لم يحدث ذلك!

 

 

 

 - 7 -

 

لم تستوقف أبا قيس إلا برهة جولات زوجته بين الأطباء لتتهمه بعلاقاته بالنساء! عاد إلى الديوان! وكان يستمتع برواية الحوادث القديمة روايات متنوعة كي يمتع أصحابه. يقول لهم: نقلب حكاية تعرفونها كي نجددها! في إحدى رواياته فسر لماذا سمى ابنه قيسا: قال لي الشيخ، كي يعيش غيّر اسمه! سألته، أي اسم يهبه العمر الطويل ياشيخنا؟ غرق الشيخ في التفكير. كان في شبابه يحب فتاة اسمها ليلى يصادفها على حافة طريق العين. كاد مصير الشيخ يشبه مصير مجنون ليلى لو لم ينتقل من القرية! لايعرف أحد سر الشيخ! التقط شيخنا فرصة أن ينادى شخص في قريته "قيسا"، فيذكره بأيام شبابه! قال الشيخ، قيس عند العرب أسطورة. سمّوه قيسا لعله يعيش بمقدار ماتعيش أسطورة قيس! على كل حال، يعرف شيخنا أنه هو الذي سيعلّم ابني، مهما كان اسمه! ألم يقل هارون الرشيد للغيمة، اذهبي فأينما هطلت أتى إلي خراجك؟!

ابتسم أحد أصحابه: قبلنا الرواية! مع أن الشيخ قال إنك أنت اخترت الإسم! لايخطر لغيرك مثله! فهم أبو قيس الوخزة فقال: هنيئا للقادر! 

في صفورية التي يسكنها خمسة آلاف شخص تقريبا، مدرسة الخطيب حسن حلابو، ومدرسة الخطيب الشيخ يوسف. ومدرستان أميريتان واحدة للبنات وواحدة للبنين. التعليم في مدرسة الذكور من الصف الأول إلى الصف السابع، طلابها من صفورية والقرى المجاورة. بعد المدرسة ينتقل الأولاد إلى مدارس الناصرة أو القدس. وقد تنتقل البنات إلى مدارس راهبات الناصرة. لن ينتظر أبو قيس سن دخول قيس إلى المدرسة! فليدرس عند الشيخ الخطيب! أغرق أبو قيس الشيخ بهباته فأصبح الدرس لقيس. من بقي من التلاميذ يستمع الى مايقرأه قيس أو مايشرحه الشيخ لقيس! فحفظ القرآن قبل السادسة من العمر، وحفظ بعض الشعر.

لم يبق عند الشيخ مايقدمه لقيس ذي السادسة من العمر. كبّره أبوه في النفوس سنة، وقدمه للمدرسة: هاهو في السابعة من العمر!  ماذا يفعلون في الصف الأول بتلميذ حفظ القرآن؟! سيحرج المعلم لأنه سيهمس للتلاميذ بما يعرفه! المدرسة ليست زريبة للأولاد، بل مكان للعلم! امتحنوه! فوضعوه في الصف الثالث! وقرّب ذلك رحيله من بلدته.

سأل أبو قيس صديقه المعلم شكري يوم أنهى قيس المدرسة: مارأيك؟ هل نرسله إلى كلية في القدس أم إلى الناصرة؟ رد: الناصرة قريبة، وفيها أقربائي. لن يشعر قيس فيها بالغربة. سيعنون به ولو كان "داخليا".

ياأبا قيس، يفرحك أن يشعر قيس بأنه رجل قبل الأوان! يطربك طموحه إلى حياة واسعة! تحمّل إذن! قرأ قيس إعلانا في الجريدة عن الحاجة إلى موظفين للبريد في حيفا. فقدم طلبا للوظيفة دون أن يستشير أحدا. ظهرت النتائج، نجح! سينفق على نفسه كالرجال! سيكون موظفا ذا هيبة!

جنّ أبوه عندما وصله الخبر. موظف في هذا العمر؟! نرصف أحلامنا بأولادنا حجرا فوق حجر فتسوقهم أحلام أخرى! لايهمه مصير ابنه الأصغر. لايبدو فيه ذكاء لمّاح. لكن قيسا يجب أن يكرّس لمصير عظيم! شرط ذلك: العلم! نعم، جنّ أبو قيس! لاشيء ولاأحد يمكن أن يهدئه! جرّ قيسا إلى شجرة الزيتون في بستان البيت وربطه إليها، وهدر: سيعاقب كل من يقدم لقيس طعاما أو شرابا! ضربه. ضربه انتقاما مما يخفيه في رأسه الصغير، انتقاما منه لأنه هدم الأحلام الكبيرة به، وعقابا على إهماله الدلال الذي رفل فيه. ضربه من كل قلبه. وضربه انتقاما من نفسه لأنه اضطر إلى ضربه! وفي البرهة التي تركه فيها مربوطا إلى الشجرة تمنى أن يرجوه جار أو صديق: فكّه! وتمنى أن يقول له قيس: أخطأت! انصرف وفي غضبه الهائج ألم لأنه ضرب ابنه المفضل!

بقي قيس مربوطا إلى شجرة الزيتون من الصباح إلى المساء. شعر بالقهر أكثر مما شعر بألم الضرب والجوع والعطش. في المساء أتى شكري وفكّه من الشجرة. سمعه قيس يقول لائما أباه. ماهكذا يعامل قيس! ناقشه وأقنعه! وهل يرضى شاب ذكي مثل قيس أن يترك المدرسة ليغلق مستقبله بيده! فهم قيس أن شكري لايحدث أباه فقط، بل يحدثه أيضا. مسّته كلمات شكري: "يغلق مستقبله"! قيس الذي يريد الدنيا في راحته، يغلق مستقبله؟ ماهذه الوظيفة التي بهرته بوجاهتها؟ يريد أن ينطلق بعيدا عن البيت؟ الدراسة خارج صفورية تطلقه إلى مدينة أرحب من قريته ذات الخمسة الآلاف شخص! آه، ياقيس لو عرفت أنك ستحرم من قريتك وأنها ستصبح ذات يوم أنقاضا لما ضقت بها! ستتمنى ذات يوم أن تعود إليها لتمشي في الطريق قرب النبع!

في تلك الأيام صار شكري يزور أبا قيس يوميا، وينادي قيسا ليتحدث إليه. سمع قيس اقتراح شكري: سأسجله، إذا وافق، في المدرسة الثانوية في صفد. هناك أقرباء زوجتي، بيت الحاج عيسى. سيكونون مثل أهله، يقصدهم متى رغب، ويطلب منهم مايطلبه الولد من أهله. لن يكون غريبا في صفد!

لكن قيسا كان قد جرح جرحا عميقا. أبوه الذي دلله وفضله على أولاده يضربه؟ يضربه بقسوة كأنه ينتقم منه؟ عرف أهل البيت وعرف شكري أنه ظل مربوطا طول النهار إلى شجرة الزيتون كما تربط الدواب! هل يستطيع قيس أن يتحمل ذلك القهر؟

السلاح ممنوع على العرب. يعاقب الإنكليز من يجدون عنده رصاصة عقوبة صارمة قد تكون الأشغال الشاقة المؤبدة وقد تكون الإعدام. لايبالي اليهود بذلك. يكدسون الأسلحة ويصنّعونها في معامل السلاح السرية في مستعمراتهم. يستوردونها بالبواخر مموهة. يحملون الأسلحة باسم الشرطة وباسم حرس المستعمرات الشرعيين ويهربونها. ينتج اليهود ذخيرة لرشيش ستن. يستخدمون في ذلك الآلات القديمة التي نقلت من بولندا وبريطانيا وخلّصت من مستودعات ميناء بيروت كآلات صناعية بمساعدة البريطانيين. ينتج اليهود الرصاص من عيار 9 مم. لديهم بناء لإنتاج العيارات النارية بنته الهاغانا على عمق خمسة أمتار ونصف، مغطى بالتراب، يدخل ويخرج منه العمال من مصبغة ومخبز تابعين للكيبوتس. أنتجت معامل السلاح اليهودية في سنة مئة مدفع هاون، و44,500 قذيفة هاون. أنتجت رشيشات، وقنابل يدوية، 53 ألف قنبلة. يجوب موفدو اليهود الولايات المتحدة ويشترون بأثمان رمزية معامل للسلاح. يشترون الآلات باسم تجار يهود وبأسماء  شركات عربية وهمية. وترسل الآلات كأنها آلات صناعية عادية إلى عناوين مشاريع صناعية. تنزل في ميناء حيفا وينقلها عمال عرب. في اوربا اشترت الوكالة اليهودية السلاح وخزنته في مخبأ في مارسيليا. أرسل الجنود اليهود في الوحدات البريطانية شحنات من السلاح، أيضا. تحرس الفرقة اليهودية التي تعسكر في بلجيكا، مخابئ السلاح السرية. في تولوز بفرنسا "مخبأ العناية بلاجئي ويتامى الحرب" بناه أعضاء الحركة المعادية للنازية. هناك مخبأ الأسلحة. بعد الحرب، ستنقل الأسلحة من بلجيكا في قوافل كأنها تنقل لاجئين يهودا من ألمانيا بسيارات الفرقة اليهودية إلى مرسيليا تتقدمها دراجات نارية.. ستسير ثلاث قوافل إلى مرسيليا وتولوز وفيلنوف. وعندما يكشف الأمن الفرنسي مافيها من أسلحة سيصرخ الصهيوني المسؤول عنها متهما من يعرقلونها بالعداوة لليهود: قتل ستة ملايين يهودي في اوربا.. الشعب اليهودي في إسرائيل صمم على الدفاع عن نفسه! فتمر شرط أن يكون مرافقوها  بزي عسكريين بريطانيين. صفقة مهمة: 300 مدفع برن، 600 بندقية بريطانية، 300 مسدس، مدفعان مضادان للدروع، 500 رشيش ستن، 4,15000 رصاصة.

تفتح اعتمادات في المصارف، ويتنكر اليهود باسم رجال أعمال عرب. يخفى السلاح داخل مراجل بخارية، آلات إسمنت، هيئت في ورشة ووضب فيها السلاح. في ميناء حيفا تسلم إلى الهاغانا.

العرب؟ يستطيعون فقط أن يخفوا مسدسا هنا وبارودة هناك! وبعض الفشك! لدى أبي قيس مسدس. يعرف قيس مكانه! مخبأ في حظيرة الغنم، في فجوة في الأرض مغلقة بحجارة.

أخرج قيس المسدس من الحظيرة، جلس تحت شجرة الزيتون التي ربطه أبوه إليها. في تلك البرهة لم يفكر في قريته أو في البلاد. فكر في نفسه. بدا له أنه اكتفى من القهر. وأنه سينتقم من الظلم الذي وقع عليه، من أحلامه الواسعة التي لايدري هل قصد أن يحققها بوظيفة في البريد وبهجرة إلى بلد كبير مثل حيفا أم كان باحثا تائها عن الطريق إليها. يريد أن ينهي الاضطراب الذي يشعر به الإنسان الحساس عندما يقف على التخوم بين مرحلة من حياته ومرحلة أخرى مجهولة. يريد أن يقطع بحدّ باتر الأمس المعروف عن الغد المجهول. في تلك البرهة أحب الحياة إلى حدّ مؤلم، إلى حدّ أنه يرفض ألا تكون كما يريد تماما. مع أنه لايعرف بعد كيف يريدها أن تكون. يعرف فقط أن الحاضر انتهى والمستقبل غائب. جلس إلى شجرة الزيتون التي ربطه أبوه إليها، وتجولت نظرته في البستان دون أن يرى شيئا منه. رفع المسدس بيده وسدده إلى صدغه، وضغط الزناد. سمع الزناد، لكن الرصاصة لم تنطلق. أنزل المسدس وتفرج عليه. مد ذراعه وضغط الزناد في الهواء. انطلقت الرصاصة، فذهل. سكن. لماذا لم تنطلق الرصاصة على رأسه وانطلقت في الفراغ؟ وضع المسدس إلى جانبه. وغمره شعور غريب لايستطيع أن يحيط به. رهبة مشوبة بالفرح، اضطراب مشوب بنبوءة غريبة. لم تنطلق الرصاصة من المسدس لأن عمره يجب ألا ينتهي الآن! لأن القدر يريده أن يعيش تجربة لم يعشها بعد! قدّر له أن يحقق أمرا لاأحد يعرفه بعد! سيظل هذا الشعور يلازمه طول حياته، ويتقدم لينجده في أيامه الصعبة. عندما أتى شكري قال له قيس: أقبل ياعمي أن تسجلني في مدرسة صفد الثانوية!

غاب عنه ذلك الشعور وقت أحب شهرزاد. وكان يومذاك أيضا على تخوم أخرى. لكن ذلك حدث فيما بعد.

 

 

 - 8 -

 

أدهشته صفد يوم وصل إليها في الصباح. كانت الشمس تتوهج على عشرات النوافذ في بيوت من الحجر الأبيض وسط الخضرة على جبل مرتفع. تبع إشارة أبيه: حارة الأكراد، حارة الجورة، حارة البرج، حارة السوق.. وهناك قلعة صفد التي استردها صلاح الدين من الفرنجة يوم استرد قلعة كوكب. واستردها بعده الظاهر بيبرس. دفن بيبرس شهداءه في ظاهرها واستقدم البنائين من دمشق ليعمروها، واشتغل معهم بنفسه. بعد ذلك العمل الصعب نقشت قطعة صغيرة من الحجر تذكّر بأنه خلصها من الفرنج الملاعين. لكن الزلزال هدمها فيما بعد.

سكن قيس مع الطلاب الغرباء في البناء الضخم الذي كان سرايا وكان في أيام الحرب ثكنة عثمانية، ويسمونه "المنزل". لم يشعر بالغربة، بل كان سعيدا بحريته. رتب على السرير فراشه، وفي الخزانة ثيابه، وعلى الطاولة كتبه ودفاتره. تجول في "المنزل" مستطلعا، وخرج إلى المدينة. اكتشف فيها الطريق الذي يتنزه فيه أهلها في المساء دائرين حولها. والأزقة الضيقة المرصوفة بالحجر الأسود. أحب صفد الجبلية. من أرض القلعة أطل على جبل الجرمق في غربها، أعلى جبل في فلسطين، وعلى جبل طابور في جنوبها. هناك في البعد جبل الكرمل وبحيرة طبرية وجبال حوران والجولان. في الدفتر على طاولته في "المنزل" حدود قضاء صفد: قضاء مرجعيون في شماله، قضاء طبرية في جنوبه، قضاء القنيطرة في شرقه، وقضاء عكا وصور في غربه.

تجول قيس في الأسواق التي تعرض الخضار، واشترى الليمون الحلو المقطوف من وادي الليمون. وفي يوم الجمعة نزل مع الطلاب إلى وادي الطواحين، ومشى بين أشجار الفواكه. "تأتي مياه وادي الطواحين من نبع قرية ميرون ، وتصل إلى طبرية. تدير طواحين أهل صفد هنا. في الموسم نقطف من هذه الأشجار التوت والخوخ". أعجبه وادي الطواحين فغنى "حول ياغنام حول، بات الليلة هين". ففاجأ زملاءه بحلاوة صوته. صمتوا مستمعين إليه. ومنذ ذلك اليوم في وادي الطواحين صار شريكهم في نزهاتهم. رافقهم إلى قرى صفد، بيريا، الجاعونة، الجشّ، سعسع، الصفصاف، قدس، ماروس، ميرون. يريد أن يرى كل شيء، ويلمس الأنهار والجبال والشجر! لو تؤكل لأكلها! لو تحتضن لاحتضنها! قال له يسار: ياقيس، تريد أن تشربها كلها؟ كأنك ستتركها غدا!

خلال تلك النزهات، استصفى قيس من زملائه في الصف يسارا، شابا أشقر مهذبا مرحا من أهل صفد. دعاه يسار مرات ليتغدى عنده في أيام الجمعة. فرأى صورة أبيه في إطار من خشب، وبعض الأوسمة على طاولة مرتفعة تحت الصورة، وشهادات مكتوبة بالتركية بأحرف عربية. كان أبو يسار قاضيا في صيدا وعجلون. درس في صفد ثم في بيروت ثم في القدس ثم في استنبول. التحق بفيصل ورجع إلى بلده بعد دخول الفرنسيين إلى دمشق. وكان مرة رئيس بلدية. وحضر المصالحات والأعراس والمآتم. قال قيس وهو يتفرج على الكتب المصفوفة على الرفوف، والشمس تتوهج على الثريا الكبيرة: يعجبني بيتك يايسار! رد يسار: البيت الذي نسفه الإنكليز كان أجمل! لكن قيسا لم يكن رأى بعد أجمل مافي البيت: أخت يسار، أميرة. فهم قيس ذلك عندما دخلت تحمل صينية من الفواكه. تسمرت عليها عيناه. بعد أسابيع صار الثلاثة يصعدون أحيانا إلى السطح ويستمتعون بالمطل على القرى والطرقات التي تمتد تحت صفد. ويجلسون أحيانا على طراحة قرب القماش الأبيض الذي نشر عليه العدس والبرغل، ويتحدثون سعداء بأنهم معا. شعر قيس بأن زميله لاحظ أن أميرة تستهويه وأنه يرحب بذلك الهوى ويحرسه. لم تعد صفد لقيس مدرسة فقط. أصبحت زملاء العمر الجميل، وبداية حب يرجفه الشوق كما يرجف النسيم ورق الليمون الحلو. 

تعلن أميرة وهم على السطح متى ستزور أختها. تنتقي وقت الزيارة بعد المدرسة. فيفهم قيس الموعد. بيت أختها مقابل "المنزل". يسرع قيس إلى الدكان المجاور "للمنزل" منذ يلمحها، مستعدا لشراء أي شيء لايحتاجه. يطلب أقلاما أو سكاكر أو صابونا من صاحب الدكان، وتقف هي قربه لابسة عباءتها الصفدية البرتقالية المخططة بخطوط سوداء. تمتد بينهما البرهة التي يدير لهما فيها صاحب الدكان ظهره باحثا عما طلبه قيس. فتفتح أميرة عباءتها لمحة خاطفة وتريه عنقها وصدرها، كأنها تفتح باب الجنة له.

أميرة في عمره، شقراء، في وجهها الأبيض ضوء، رضا، سعادة هادئة بالصبا. يطلب قيس شيئا آخر من البائع، لتطول وقفتهما معا. ثم تستدير أميرة إلى بيت أختها، ويظل واقفا أمام المنزل حتى تغيب خلف الباب. يعود إلى "المنزل"  مسحورا بحركة الملاءة التي كشفت جزءا فقط من قدها الذي يراه عندما يزور زميله في بيته. ينظم شعرا فيها ويقرأه لزميله في الغرفة. منذ تلك الأيام كان ينشر عواطفه لأصحابه ويستمتع بها وهو يعرضها!

من يحفظ سر حب بطلاه في بلدة صغيرة؟ انتشرت قصيدة قيس في أميرة بين أصحابهما، ووصلت إلى أخيها وحطّت على طاولة الأستاذ. ابتسم أخوها، وكتم السر. قال الأستاذ لقيس: اقرأ علي شعرك! شعري؟ نعم آخر قصيدة نظمتها! ارتبك. اقرأها! قرأها مترددا. راقب قيس قصيدته على وجه الأستاذ. وفي نهاية القصيدة كان ينشد حرا ويهب الكلمات روحها. ماذا تعني الأطياف السعيدة على وجه الأستاذ؟ الفرح بتلميذ يجيد صياغة الهوى في هذا العمر؟ نضارة الشباب؟ أم ذكرى حب بعيد جرف الأستاذ في صباه؟ هب نسيم على الأستاذ والتلميذ. وبقيا صامتين زمنا. لكن قيسا لم يشعر بارتباك من ذلك الصمت. فهمه، مع أن الشباب يحبون التدفق الذي يحرق الساعات. سمع كلمات الأستاذ قبل أن يعلنها! سمعها في رضاه. "ياقيس اكتب دائما! لاتكتب فقط وقت يدفعك الهوى أو القلق. أتمنى أن يكون الشعر هو الريح التي تدفعك لتجعل النسمة مركبا!"

تحوم الكلمات التي يسمعها الشباب. لاتبحث عن مكان تحط فيه! فالدم الحار عاصفة، والثقة بأنه سيصوغ حياة لم يصغها أحد قبله هي التي تدفعه. تطير الكلمات التي يسمعها الشباب كالحمام حوله حتى تصادف سطحا تحط عليه ذات يوم. هل سيكون قيس من الناس الذين يثبّتون حياتهم بكلام مكتوب، أم من الذين ينثرون حياتهم في الفلاة كبذور زهور الربيع؟ أيهما تختار ياقيس؟ أتكون محراثا يشق التراب، أم طائرا مغردا ينتقل من أغصان إلى أغصان؟

 

 

 

رغم إعجاب قيس بصفد كانت تبهجه العودة إلى صفورية. يحب الطريق! يركب من صفد باصا من باصات شركة أبي عثمان الأسدي. يمر بالجاعونة، جب يوسف، سعيدة. وينزل في طبرية. يتجول فيها على شاطئ البحيرة. يقفز على درجات المقاهي إلى الشاطئ. يبقى هناك حتى موعد الباص من طبرية إلى الناصرة. ثم يركب باصا من باصات شركة ايفيد الإسرائيلية أو باصات العفيفي. ومن الناصرة يركب باص شركة العفيفي إلى صفورية. بين الناصرة وصفورية طريق حلزوني جبلي يمكن أن يقطعه ماشيا في ساعة.

 سكن قيس في غرفة مع صديقه صبري الحمود في "المنزل" الذي يسكنه الطلاب الغرباء.  بناء قديم من طابقين. في الطابق العلوي غرف للطلاب والأساتذة. وفي السفلي باحة واسعة، وقسم فيه خزائن للطلاب، يضعون في أكياس فيها ثيابهم فتغسل وتنشر. قرب "المنزل" بيت أخت أميرة، ودكان أبي ناظم حيث تتوقف أميرة ويتوقف قيس ويتبادلان النظر وأبو ناظم مشغول بتحضير ماطلبه كل منهما!

أمس أتى أبو قيس إلى صفد، أخذه إلى دكان أبي رياض وطلب منه أن ينتقي قطعة قماش، فاختارها قيس خمرية. قاس أبو رياض ذراعي قيس وطول بنطاله. وقال له: تعال جرب طقمك بعد يومين! ودع قيس أباه في ذلك الدكان مقابل البريد، ومشى إلى "المنزل" تاركا البريد إلى اليسار. مر بشركة باصات أبي عثمان الأسدي، وانحرف نحو الجسر، ثم مر ببيت العسكري تحت القلعة مباشرة، ثم ببيت زكي قدورة رئيس بلدية صفد، ودار مع الطريق إلى "المنزل". لم يجد رفيقه صبري الحمود فركض خارجا من "المنزل". يمر عادة بدار النقيب، ليصل إلى مدرسته الثانوية، "كلية الجرمق". بين دار النقيب وبين المدرسة ملعب واسع محاط بسلسلة من الحجر، هناك توقف قيس. جلس على "السلسلة" مع المتفرجين على مباراة كرة القدم. مقابل الملعب وادي الطواحين. والمدرسة نفسها على مرتفع تطل منه على وادي الطواحين. مدرسة قديمة من طابقين، ذات أقواس. من صفد يمدّ قيس نظره كيفما تلفت. وكم يحب ذلك المدى من الجبال والقرى والأشجار!

جلس قيس على "السلسلة" التي تحيط بالملعب. تفرج مع زملائه على مباراة بين الطلاب. أمامه ابن الأسدي، صبي أشقر جميل. نط الصبي كلما أدخل هدف. كانوا جميعا يلبسون كالطلاب بنطلونات قصيرة تظهر سيقانا مسمرة. تساءل قيس مبهورا بجمال أهل صفد: هل يوجد فيها إنسان بشع؟ مرت بينه وبين المباراة فتيات ونساء وأولاد ورجال. بيت الأسدي، بيت الخضرا، بيت النحوي..... عيون حلوة، قدود ممشوقة، وجوه بيضاء. انتبه إلى أنه يستعرض الجمال لاالمباراة. فنهض مع أصحابه ومشوا. لهم الطريق، والسماء، والأشجار، والحدائق التي تحيط البيوت، لهم المرتفع والمطل على وادي الطواحين والجبال. عادوا إلى العم أبي ناظم ليشتروا من دكانه مايلزمهم لرحلة الغد إلى عين الزيتون. ودعوا يوم الخميس بمباراة كرة القدم.

ذهبوا إلى عين الزيتون مشيا. قطعوا المسافة إليها من صفد في خمس وأربعين دقيقة في طقس حلو، لاحار ولابارد. عين الزيتون، بين ميرون وصفد، على قمة شمال صفد، كأنها ضاحيتها، على سفح وادي الدلب، الذي سماه الجغرافي العربي القديم الدمشقي وادي دليبة. قال يسار: يتدفق الماء من عين في الوادي ساعتين ثم ينقطع فينتظره من يستسقي. ويظن الجاهلون أن الجن تحكم ماءه. لم نعرف يايسار أنك موهوب بالخيال! إذا لم تصدقوني انزلوا إلى هناك! سننزل في المرة القادمة! عبروا بيوت عين الزيتون المبنية بالحجر، جامعها ومدرستها. صادفوا حولها حجارة أثرية. لم يتوقفوا إلا برهة أمام تلك الأحجار. فلسطين مليئة بها! والتاريخ لهم فلماذا يفكرون فيه وهم في عمر الشباب؟ البلاد لهم، والزمان لهم! ولد آباؤهم هنا، ولد أجدادهم هنا، وهذه الأحجار موجودة. لم تستوقفهم لكنهم تنفسوا عبقها، استندوا إليها بظهورهم، واتكؤوا عليها بأذرعهم وهم يمدون سيقانهم على العشب الربيعي. تأملوا أزهار الربيع التي بدت من بعد مساحات صفراء وبيضاء وحمراء. تلك الحمرة شقائق النعمان! كم يحبها قيس! يقول اليهود إن المسيح سيظهر هنا عندما يعود في آخر الزمان! يسمي اليهود القرية عين زيتيم. عين الزيتون مرتفعة، يمر الطريق من عكا إلى صفد تحتها. أمام قيس مساحات واسعة مزروعة بالزيتون. في القرية 820 عربيا. لهم كل تلك الأشجار التي يراها على مدّ العين. غابات من شجر الزيتون! قرب الطلاب عين استقوا منها، لذلك لم يحملوا معهم ماء في رحلتهم إلى عين الزيتون. فالنبع صاف، بارد، طيب. جلسوا تحت شجر الزيتون، أطلوا على طيطبا والجشّ. في الأسبوع الماضي رحلوا إلى قرية بيريا التي تجاور عين الزيتون، أطلوا منها على صفد وقابلوا جبل الجرمق من الغرب وانحدروا إلى واديها. بيريا صغيرة، فيها 240 شخصا فقط، بيوتها من الحجر. في الأسبوع القادم سيرحلون إلى الجرمق. سيرون منه حتى حيفا! سيمدون أذرعهم ويقولون: هناك لبنان! ويصعدون إلى القمة. في القمة فوهة واسعة كأنها فوهة بركان، أحيطت بسياج خوفا على الحيوانات والناس. سيتوقفون خلف السياج ويرمون في الفوهة حجرا وينتظرون زمنا.. ثم يسمعون صوت ارتطام الحجر بالماء. وسيقول شخص: هذا الماء يجري حتى قبرص! هل كانوا يتصورون في ذلك العمر أن إسرائيل التي لم تكن موجودة يومذاك، ستبحث حقوقها في المياه وتفرض بالقوة أن تأخذ مياها عربية من الليطاني ونهر الشريعة؟ لم يعرف قيس إلا فيما بعد أن المذكرة الصهيونية إلى مؤتمر السلم في سنة 1919 طلبت حق اسرائيل في المياه، وإسرائيل لم تكن بعد موجودة إلا في وعد بلفور! لذلك لم يشعر قيس في تلك الأيام إلا بالفرح بالدنيا التي كان يراها. لم يعرف بعد مايتركه الظلم من مرارة تشوب كل مايتذوقه ويشاهده! استرخى كزملائه على حقوقه في بلاده وهوائه ومائه، وتصور أن كل مايراه سيبقى موجودا حيث يتركه وسيعود إليه وقتما أراد.

بعد تلك الرحلة إلى عين الزيتون، بدأ أسبوعا عطلة الربيع في سنة 1947 ترك قيس، كالطلاب، صفد ليعود إلى بيته في صفورية. في طريقه من صفد إليها مر بالجاعونة. وصل إلى طبرية. سينتظر الباص ساعتين على الأقل، ليأخذه من طبرية إلى الناصرة، ومن الناصرة إلى صفورية. جلس في الليدو على شاطئ طبرية تحت شجرة وارفة ضخمة. حوله السماء والماء وجبال بعيدة. لعل المتنبي جلس في مكان قيس نفسه يوم صاغ قصيدته عن البحيرة! رفع قيس ذراعيه في الفضاء. أي مصير سيكون لي، قولي أيتها البحيرة! طلب بيرة. وذاقها أول مرة في حياته. نيسان والربيع أخضر، واليوم دافئ. والنساء يسبحن في البحيرة. أي عالم مبهر! صحا على خطوات. رأى غجرية، قصدته ومدت يدها له: هات كفك! أصرت أن "تفتح" له. أعطاها مبلغا كبيرا: عشرة قروش. فحصت خطوط كفه وقالت: ابحث عن حظك عند النساء! هناك حظك! لكن هل يحزنك أن أصارحك؟ قولي! ستموت مبكرا. في الثانية والثلاثين من العمر. هل قصدت أنه سيتزوج في تلك السن؟ لكن الغجرية التي تنبأت بأنه سيفقد حياته مبكرا، لم تتنبأ بأنه سيفقد وطنه!    

 

 

 

 - 9 -

 

جلس أبو قيس مع صاحبه اليهودي العربي يوسف على المصطبة أمام بيته. اشترى يوسف من أبي قيس غنما من القطعان التي استوردها من تركيا وسوريا، سيبيعه للجيش الإنكليزي. وهاهما يطلان على صفورية القديمة وهما يشربان الشاي. يستمتع أبو قيس عادة بجلسته هناك كلما عاد من سفر، ويحرك الشاي بملعقة فيها قليل من العنبر. تحدث عن فندق أمية الذي يحب أن ينزل فيه في المرجة في دمشق. الشام يايوسف بهجة! ابتسم يوسف. يعرف أن أبا قيس يستمتع أيضا بعذوبة الشاميات. من في فلسطين لاتفتنّه! الشاميات أسطورة بلهجتهن الناعمة، ببياضهن الياسميني ونعومة بشرتهن، ومهارتهن في تدليل الرجل. ذوّبت الحضارات كلها فيهن الرقة والغنج.

    أمامهما امتدت صفورية القديمة. قال يوسف في صفاء: اسمعني ياأبا قيس، بع كل شيء وارحل! التفت أبو قيس إليه: أرحل؟ لماذا؟ ياأبا قيس، اجمع مالك وارحل! ستكون هذه البلاد كلها لنا! ضحك أبو قيس: ستكون لكم ياأولاد الميتة؟ أهمل يوسف سخرية أبي قيس: أحبك ياأبا قيس، أكلنا الخبز والملح وتغديت على سفرتك. لذلك أقول لك اجمع مالك وارحل! ارحل! يرحل؟ كان مستقرا في بيته الذي بناه في صفورية الجديدة. مستقرا في مساره بين عمله وأسرته والنساء اللواتي يستهوينه، والمدن التي يسافر إليها ويعود منها. لديه أولاد، وبيت بناه في ذوقه، وتجارة موفقة، وهو في صحته. الآن تحلو الحياة، فكيف يترك كل ذلك ويرحل؟ أرحل من بيتي وبلدي؟ لا، يايوسف! ضحك: إذا حدث المستحيل وأخذتم البلد سأكون في حمايتك! كان ساخرا لذلك أذهله أن يقول له يوسف في جد: صدقني ياأبا قيس، لن أستطيع وقتذاك حمايتك! ضحك أبو قيس. لماذا نضيّع وقتنا في الخيال! عندي شغل في عكا. المشاكل موجودة منذ سنوات بيننا وبين الإنكليز والمهاجرين اليهود، لكننا الأكثرية يايوسف، والبلد لنا. أنتم اليهود العرب منا، مع أن بعضكم يخوننا!

عرف أبو قيس فيما بعد أن اليهود العرب تجسسوا على  التجمعات الدينية والجماهيرية والمساجد العربية، وتابعوا مايشتريه العرب من السلاح. وسهلوا بمعلوماتهم وبمعرفتهم اللغة العربية والبلد كمواطنين "خطة أيار 1946"  التي نظمت الانتقام من العرب وتخويفهم. سهلوا تفجير القنابل في المقاهي والأسواق ومحطات المواصلات والتجمعات العربية، التي لايستطيع المهاجرون الغرباء الوصول إليها. ونسف بيوت الوطنيين العرب، واغتيالهم، وتفجير الباصات وخزانات الماء ومطاحن القمح العربية. ويسّروا بمعلوماتهم الهجوم على القرى والأحياء والمزارع العربية. لكن أبا قيس حاول أن يبرئ صاحبه اليهودي يوسف: لم يكن من "المستعربين". وهل أصابعك كلها سواء؟ ومع ذلك بقي الشك يأكل قلبه. ماأمر أن تأكل الخبز والملح مع صديق تأتمنه ، ثم تتبين أنه يتجسس عليك!  

في آخر عطلة الربيع ساعد قيس أباه. موسم رعي الغنم عشب الربيع النضر، ولحم الحملان الطري، واللبن والشمندور! سافر أبو قيس إلى عكا، ولحقه قيس مع عمه ابراهيم ببقية قطيع الغنم من صفورية إلى سوق عكا. مشيا ست ساعات في البرية. وهاهي البروة أمامهما. قرية كبيرة على طرف سهل عكا، قرب طريقين أحدهما إلى عكا والآخر إلى حيفا. فيها كنيسة ومسجد ومدرستان وثلاث معاصر للزيتون واحدة منها آلية. قال ابراهيم: ماأطيب بطيخها! لو كنا في الصيف لكسرنا بطيخة هنا وارتوينا بها! توقفا في البروة وسقيا الغنم. تزاحم الغنم على الران، وجلس ابراهيم ويوسف على صخرة. طلب من قيس أن يغني فانطلق صوت قيس الشجي في البرية خلف الغنم. "اسقنيها بأبي أنت وأمي، لالتجلو الهم عني، أنت همي". أفدت ياقيس من الكوانات التي اشتراها أبوك من الشام، وحفظت أغاني أسمهان ولور دكاش. أفدت من الفونوغراف! يختلف ابراهيم عن أخيه. أبو قيس صاحب هوى، يحب اجتماع الرجال في ديوانه، كما يحب اجتماعات "البسط" في الشام! له في البلاد التي يسافر إليها نساء، وفي بلده نفسه نساء. لايجهل ذلك ابراهيم. ولايلام الرجل على ذلك، لولا أن أبا قيس يطلب من زوجته أحيانا أن تنادي حبيبته، ويخلو بها في بيته. قال ابراهيم لنفسه: سبب ذلك المال. لايستطيع الرجل في زمننا أن يشتري جواري فيتزوج امرأة ثانية، أو يتنقل بين النساء. المال يفتح البوابات! وقرر أن ينصح ابن أخيه فقال له: المال مفسدة الرجال! إياك أن يفسدك! رد قيس: لماذا ياعمي؟ به تشتري لمن تحبهم ماتشاء! فحصه ابراهيم بنظره: هل يفهم هذا الصبي مايقول؟ أم يكشف مسار حياته القادمة؟ قال له مازحا: من شابه أباه ماظلم! كان يحب قيسا وزاد من حبه له هذا اليوم وهما معا خلف القطيع في الفلاة. لكن ابراهيم لايستطيع أبدا أن يعيش كما يعيش أخوه، ويتمنى لقيس أن يكون مختلفا عنه وعن أخيه. ماالذي دفع ابراهيم إلى الغناء؟ المدى الذي جالت فيه عيناه، أم المدى الذي تجول فيه بقلبه؟ كان يحفظ أغاني الزجّال نوح ابراهيم الذي قاتل في ثورة 1936 وقتل في أواخرها في المعركة المشهورة التي كمن للإنكليز فيها في طريق يتلوى بين كوكب وتمرة. بدأ غناءه هادئا شجيا، ثم أصبحت الأغنية أمنية ثم أملا. لم يلجم الحزن العنفوان، ولم يحجب العنفوان الحزن. أصغى قيس لرجل يتخفى في بلاده، حاملا بارودة قديمة. رجل مظلوم ومعتدى عليه، لايستطيع أن يستسلم للفجر الرائق الذي يتسرب إليه وهو نائم على سطح بيته في الصيف، ولايستطيع أن يقطف التين الذي برّده الليل. لايستطيع أن يعشق بكل قلبه مطمئنا إلى أنه سيلقى حبيبته وتلقاه. ولايستطيع أن يحتضن امرأته غافيا هانئا حتى الفجر! ياربي لماذا هذه المصائب ولم نظلم أحدا؟ غنى ابراهيم قصيدة نوح ابراهيم عن جنازة حجازي ورفيقيه. وتذكر قيس عندئذ الرجل الذي رآه وهو في السادسة من العمر. خرج إلى الحاكورة، فتبين في العتمة تحت قوس من الصبار رجلا مقرفصا يستند إلى بارودة. تجمد قيس في مكانه، ولم يتحرك الرجل. ثم قال لقيس همسا: أريد خبزا وماء! جوعان وعطشان! ركض قيس إلى البيت، سكب صحنا من البرغل واللحم، وتناول أرغفة من الخبز، وباليد الأخرى حمل جرة الماء. وضعها قرب الرجل وقرفص ليتأمله عن قرب كأنه ينتظر أن يطلب منه شيئا آخر. لم يستدر عنه إلا وقت خمن أن الرجل الملثم يريد أن يبعد كوفيته عن وجهه ليأكل. استعاد قيس وهو يستمع إلى أغنيات عمه، رعشة قلبه يومذاك. وتلامح له فيها الرجل الذي صادفه قيس في الحاكورة. كان يلثم وجهه بكوفيته، لكن قيسا لمح الوداعة في بريق عينيه. وحفظ سره فحدث أباه فقط عنه. فوضع أبو قيس يده على كتفه. هل يبوح لابنه بأنه تبرع بثمن سلاح للثوار؟! قال لابنه: لابد أن هذا الرجل من الثوار. قمت بالواجب ياقيس، وليتك أعطيته زوادة! رد قيس: دخلت إلى البيت لأحضرها له وعندما خرجت لم أجده!

امتدت أناشيد نوح ابراهيم زمنا على التلال والفلاة. فهل كان أي منهما يتصور النار التي ستحرقها؟ وهل ضاعت الدماء والدموع هباء، وراحت صيغة النساء، حقوقهن، التي جمعناها لنشتري بالذهب سلاحا ندافع به عن بلادنا؟

وبكرة مرتي كيف راح تقضي نهارها

ويلها علي أو ويلها على صغارها

ياريتني خليت في ايدها سوارها

يوم دعتني الحرب تاإشتري سلاحها     

باع عبد الله، صاحب أبي قيس وشريكه المسيحي الذي يسكن في الناصرة، القطيع الذي ساقه ابراهيم وقيس إلى عكا. بدا كل من عبد الله وأبو قيس راضيا بنجاحه. سأل أبو قيس صاحبه: ماذا تحب أن تأكل؟ تسألني عن ذلك ياأبا قيس، في عكا؟! سمكا طبعا!

صعدوا درجا إلى مطعم على سور عكا. جلس قيس ووجهه إلى البحر. تسمرت عيناه عليه. واستمتع أبوه بذهوله. وحاول ألا يتكلم منصرفا هو أيضا إلى البحر. ثم تنهد قيس والتفت عن البحر كأنه يريد أن يفلت من سحره. رأى امرأة تلبس ثوبا أخضر ذا أكمام قصيرة، مع رجل وأمامهما النادل يقترح عليهما طاولة تطل على البحر. استدارت المرأة فرأى قيس ثوبها "مشروطا" كأنما بمسمار، وجسمها الأبيض متفتحا هناك. جمدت عيناه. تبع أبو قيس نظرة ابنه ونهض فورا إلى رفيق المرأة وهمس في أذنه تماما. لن يستطيع قيس أبدا أن ينسى خضرة ثوب المرأة ولون تلك القناة الوردية الضيقة من جسمها. كأنها امتزجت برائحة العشب التي شمها في الطريق، بعبق الهواء النظيف في الفلاة، بأغنية أسمهان التي غناها لعمه ابراهيم. ستحضر تلك المرأة كلما ذكرت عكا أمامه. عندما وجه الضوء ذات يوم إلى بشرة صاحبته العاجية ليتقصى بريق المرمر، تساءل: أليس في لون امرأة عكا؟ 

 

 

 

 - 10 -

 

لم يستطع أبو قيس أن ينشغل بتجارته خلال الأحداث فيما بعد. تذكر الغداء في المطعم على سور عكا وزفر مقهورا. بدأت المناوشات في أنحاء فلسطين كلها. فقال: مرة أخرى انتفاضة 1936. رد أخوه ابراهيم الجالس في المضافة تلك الليلة: لا! أوسع من ذلك! هل كان ابراهيم يعرف أن قدر العرب، وقدر أخيه، سيحكمه حتى نهاية القرن الصراع مع الدولة التي ستنشأ؟ لأن الهجرة اليهودية المستمرة سرا وعلنا منذ بداية القرن، قد أنجزت قاعدة الدولة؟ سيفحص قيس بعد عقود من الزمن كلمات شكري العسلي في مجلس المبعوثين في بداية القرن ويهتف: ياللرائد! انتبه يومذاك إلى أن المستوطنين اليهود أسسوا في مستوطناتهم دولة ذات علم وطوابع ومؤسسات تربوية وعسكرية مستقلة عن الدولة العثمانية! ولابد أنه قتل في 6 أيار لأنه كشف الدونمة وقاوم الصهيونية واستشف أنها تمزق الدولة الشرقية!

في دمشق قال أبو ليلى الذي اشتغل في فلسطين يوم كانت من الدولة العثمانية، وتابع الحماسة التي كان يستقبل بها شكري العسلي في بيروت، واشترك في حرب الترعة، وتراجع مع المهزومين في الصحراء، وشاهد شنق شهداء أيار، وحضر المجاعة في لبنان، وصار يتوقف عند مراكز الحدود بين سوريا وفلسطين ولبنان بعد أن قسمت سايكس بيكو بلاد الشام، قال مقهورا: يعلنون الآن الدولة السرية التي كشف شكري العسلي بدايتها لأن الجنين اكتمل! أنجزت إنكلترا وعد بلفور وصك الانتداب وأعادت قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة! غدرت الدول الكبرى العرب بعد الحرب العالمية الاولى فاقتسموا بلادنا، وغدروا بنا بعد الحرب العالمية الثانية فغرسوا دولة غريبة في وسطنا! لم يقل أبو ليلى ماقالته ابنته فيما بعد: يريدون تعويض اليهود الاوربيين عن الاضطهاد في اوربا؟ فليعطوهم دولة عندهم! نحن ماذنبنا؟ لم نظلم اليهود العرب، عاشوا حتى في إسبانيا عند العرب أحرارا وحاكمين! لأن أبا ليلى وأبا قيس، وأهل أميرة في صفد وقفوا فقط عند الجوهر: يغرس الغرب دولة كالخنجر وسط البلاد العربية، ويؤسس  مخفرا عندنا! لم يعرفوا وقتذاك المبررات التي ستستر بها إسرائيل زمنا طويلا الظلم الذي ستنزله ببلاد قيس وليلى. سيعرفها أبناؤهم الذين سيعاصرون بعد نصف قرن تقريبا محاكمة أو قتل من يرفض تلك المبررات. خرج اليهود من الحرب العالمية الثانية كضحايا وانتزعوا المراكز العليا باسم المقتولين في معسكرات الاعتقال! وسيوفر لهم ذلك طوال نصف قرن إرهابا يحرقون به من يعترض على تميزهم ويتهمه بالعنصرية، وسيجعلون الشعوب طوال ذلك الوقت كالمذنبة التي يجب أن تطلب منهم الغفران. ومن مراكزهم العليا سيدمرون المعسكر الاشتراكي بعد نصف قرن. ستظهر زمنا طويلا معسكرات الاعتقال فقط التي كشفها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية. قتلت فيها النازية شخصيات ثقافية وسياسية اوربية، وشغلت المعتقلين فيها في المعامل حتى الموت. كان اليهود الاوربيون بعض اولئك المعتقلين. لكن لن يذكر من الضحايا إلا اليهود. ولن يذكر أن المنظمة الصهيونية انتقت من تحررهم من المعسكرات ومن تتركهم لمصيرهم فيها. وأن مكتب فلسطين كان موجودا في برلين أيام معسكرات الاعتقال، والمسؤول فيه ليفي إشكول. وأن فون ماندل شتاين، رئيس قسم الشؤون اليهودية في المخابرات النازية، ساعد المنظمات الصهيونية في ترتيب معسكرات لتربية وتثقيف للشباب اليهود وتحضيرهم للعمل في كيبوتسات فلسطين. وأن كستنر التقى بايخمان المستعد لترحيل عشرات الآلاف من معسكرات الاعتقال في المجر إلى فلسطين، بحماية الشرطة الألمانية، شرط أن يضمن كستنر الهدوء والنظام في معسكرات الاعتقال في المجر. أنقذ كستنر ستمائة شخص انتقاهم  مقابل أنه أكد للباقين أن نقلهم إلى ألمانيا للعمل في المصانع لن يمس شعرة فيهم. وسلم كستنر للألمان الجاسوسة اليهودية آنا سينتش التي هبطت بالمظلة  ووصلت سالمة إلى بودابست. ويوم انتقل كستنر إلى فلسطين حكم بتأنيبه فقط ثم برئ، لكن مجهولين اغتالوه.

لن يعلن أن أيخمان الذي احتقر اليهود المندمجين بشعوبهم، وأعجب بالصهيونيين لأنهم مثاليون، اجتمع في سنة 1944 في المجر بالقائد الصهيوني براند، وعرض عليه أن ترسل دفعة جديدة من اليهود من معسكرات الاعتقال إلى فلسطين، لقاء عشرة آلاف سيارة شحن تهرب إلى خطوط الألمان في الجبهة الشرقية التي كانت تخلص اوربا من النازية! ووافق على ذلك وايزمن والوكالة اليهودية!

لم يعرف أبو قيس وأبو ليلى تلك التفاصيل. عرفوا فقط أن الدول الكبرى قررت غرس دولة غريبة في بلادهم. وذلك ظلم سيقاومونه! ولكن أين السلاح؟ يجب أن يطلبوه من الدول الكبرى التي سندت الاستيطان اليهودي وخلقت إسرائيل! فكيف؟! كيف؟! لم يتأملوا مشروع التقسيم كسياسيين حياديين ليقبلوا الممكن وينتظروا مايتمنون. بل استوقفهم الظلم في مشروع يقسم وطنهم ويهب حتى المدن العربية لليهود. لن يفحص كلمة ممثل الاتحاد السوفييتي إلا السياسيون والباحثون. يستحيل أن يفحص في هدوء صاحب بيت يقال له تنازل عن نصفه للزائر الغريب الذي لم يكن موجودا قبل ربع قرن! سيقرأ قيس بين الوثائق بعد عقود من الزمن وهو يفحصها ليعرف كيف فقد بلاده، كلمة غروميكو في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 أيار 1947: "يمكن أن تؤخذ بعين الاعتبار المصالح المشروعة للشعب اليهودي والشعب العربي إذا أقيمت دولة ثنائية القومية عربية ويهودية. مثل هذه الدولة تمنح حقوقا متساوية لمواطنيها من اليهود والعرب وتضمن تعاون الشعبين على أساس المصالح المشتركة ولصالحهما معا. ومع ذلك فإذا تبين أن مثل هذا الحل لايمكن تحقيقه في الواقع العملي بسبب تدهور وسوء العلاقات اليهودية العربية فإن هناك بديلا آخر علينا أن ندرسه وهو تقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين تتمتع كل منهما بحكم ذاتي إحداهما يهودية والأخرى عربية." سيقول قيس وقتذاك ماقاله العرب فيما بعد: ليتنا قبلنا بماخصنا به مشروع التقسيم! لكنه سيهتف حتى وقتذاك: ياللظلم! خصص مشروع التقسيم الذي اقترحته لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين في تشرين الثاني 1947 لعرب فلسطين وهم مليون و327 ألفا 43% من فلسطين فقط، وخصص لليهود وهم 608 آلاف 57% من فلسطين. فأي ظلم!! وسيردد حتى وقتذاك: ليس اليهود المهاجرون شعبا! ماذا يجمع البولوني والروسي والفرنسي والافريقي غير مشروع استثماري عنصري؟!

وصف ألفريد ليلنتال لقيس بعد عقود من الزمن كيف حدث التصويت على تقسيم فلسطين، ففسر له كيف فقد بلاده في هيئة دولية! روى له ماثبته في كتابه "ثمن إسرائيل": في 29 تشرين الثاني 1947 صوتت هيئة الأمم على تقسيم فلسطين بين دولتين عربية ويهودية وإدارة دولية في القدس، بأغلبية 33 صوتا ضد 13 صوتا. وامتنع عشر مندوبين عن التصويت. استمال الصهيونيون مندوبي هايتي وليبريا وسيام، فانقلبوا ضد العرب. أرغم مندوب هايتي بقرار حكومته فبكى. وأثر في ليبريا تجار المطاط وشركة فايرستون. استبدل مندوب سيام بعد تلفيق تهمة له. كيف رتب ذلك ياقيس؟ أقنع الصهيونيون بعض مندوبي الدول بأن يطلبوا تأجيل الاجتماع. وكان قد حدد يوم 26 تشرين الثاني للتصويت. فأجل. ولايعلم أحد حتى الآن كيف أجل. أجله مندوب البرازيل اوسوالد وارنها وكان يومئذ رئيس الهيئة. وكان اليوم التالي (27 تشرين الثاني) يوم عيد الشكر. عندما اجتمعت الهيئة يوم الجمعة في 28 تشرين الثاني طلب مسيو بارودي مندوب فرنسا تأجيل الاجتماع 24 ساعة. وعندما حل يوم التصويت (السبت 29 تشرين الثاني) كان اليهود قد استمالوا بعض الأعضاء فكسب المشروع أغلبية الثلثين. قال قيس لألفريد ليلنتال: قرأت أن فارس الخوري، ممثل سوريا وقتئذ، وضح أن أكثر الدول كانت تؤيد العرب لولا تدخل الولايات المتحدة التي راحت تؤثر على مندوبي الدول واحدا واحدا.. اضطر مندوب الفليبين إلى الهرب كيلا ينقض وعده لنا.. وبكى مندوب هايتي.. مستر تريجفي لي، السكرتير العام للأمم المتحدة، مسؤول إلى حد كبير عن النكبة التي نزلت بالشعب الفلسطيني لأنه جند الموظفين ليندسوا بين الأعضاء للتأثير عليهم.

احتفل اليهود بقرار التقسيم ورقصوا في الساحات، ووجم منه العرب. فماالعمل؟! أين السلاح الذي يدافعون به عن قراهم؟

 كيف ألغت الحرب الحياة اليومية التي أطربهم فيها الشعر الذي يلقى في المضافة، وشغلتهم فيها حكاية عنتر وعبلة؟ أين السهرات في أيام القمر،  والسعادة بلحم الخروف الطري وصحن البرغل الطيب؟ لم يتساءلوا هل نزل مطر يكفي الزيتون قبل قطافه! قل الفرح منذ نسوا نسيم المساء والشروق والغروب، وأصبحت حركات السياسيين محور الحياة. هكذا كانت سنة 1947 وسنة 1948.

لم يستمع الحاضرون في مضافة أبي قيس إلى حكاية عنتر وعبلة، بل استمعوا إلى غريب وصل إليها متعبا كالرسول القديم الذي ينقل أخبارا مهمة: اسمعوا! في 7/2/1948 اجتمع مجلس الجامعة العربية وفحص تقرير اللجنة العسكرية عن الوضع في فلسطين بعد قرار التقسيم، بينت اللجنة أن أهل فلسطين يبحثون عن السلاح في كل مكان. وبينت ضرورة تدخل الجيوش العربية لأن الهاغاناه جيش نظامي.

قال أبو قيس: سمعنا أن  مجلس الجامعة العربية اجتمع في 17 تشرين الأول 1947 في عاليه بلبنان وأوصى بمساعدة شعب فلسطين وباحتياطات عسكرية على حدود فلسطين. لم يدع الحاج أمين لحضور الاجتماع فدخل القاعة في فندق طانيوس قادما من القاهرة فاستاء صالح جبر العراقي وطلب من رياض الصلح مندوب لبنان منعه فرفض باسم الضيافة. حاول المفتي أن يقنع العرب بتأليف حكومة عربية في فلسطين لكن العراق والأردن عارضتا اقتراحه. هكذا بدأ الخلاف بين العرب قبل أن يشتبكوا مع الصهيونيين! 

قال الرسول الغريب: رغم ذلك، ولدت من اجتماع عاليه اللجنة العسكرية. ولاغبار على رئيسها اسماعيل صفوة باشا العراقي ولاعلى محمود الهندي السوري. فيها أيضا لبنان وفلسطين. قررت تجنيد المتطوعين فورا، بقيادة  واحدة، ومساعدة أهل فلسطين بالأسلحة، خاصة في المناطق العربية المهددة. قدر اسماعيل صفوة باشا قبل قرار التقسيم بيومين أن لدى اليهود أكثر من خمسين ألف مقاتل، وأسلحة خفيفة وإمكانية استيراد أسلحة ثقيلة وطائرات. وليس لدى العرب في فلسطين مايكفي لرد خطر اليهود. لايمكن رد اليهود بالعصابات فقط ولابد من قوات نظامية مدربة ومسلحة تسليحا عصريا، مع الاستفادة من القوات الفلسطينية غير النظامية ومن العصابات. وبما أن الزمن في صالح العدو فمن المصلحة تقصير أمد الحرب وإنهاؤها بسرعة. لهذا اقترح تنظيم عرب فلسطين وتسليحهم واقترح مواضع للجيوش العربية. سافر رئيس اللجنة العسكرية إلى القاهرة واجتمع مع عبد الرحمن عزام وسلمه تقريرا يذكره فيه بتقاريره السابقة وبإهمال اللجنة السياسية مافي تلك التقارير!

قال أبو قيس: فليساعدونا! لكننا يجب أن نشتري السلاح من أي مكان! يقال في صحراء ليبيا أسلحة مطمورة من أيام الحرب العالمية! قديمة، ولكن ماالعمل؟ بلادنا وأرزاقنا! 

 

 

قال أستاذ العربية: لاتفتحوا كتبكم! لدينا اليوم حديث آخر. عندما خيل إليه أن بعض الطلاب أغلق الكتب في ارتياح قال: ستشتاقون إليها! لاوقت لها في الأيام القادمة! واستدار إلى قيس: هل تستطيع ياقيس أن تكتب عن الأشواق الأخرى؟! قد تكون استمتعت بآخر عطلة من عطل الربيع الهادئة! كان وجهه جديا. وماذا غير الجد في هذه الأيام! قال: أعرف أنكم تنسون بعض ما نقوله في الصف. فلتنسوا قصائد المتنبي، وقصائد أبي العلاء المعري. لكن إياكم أن تنسوا الأرض التي تعلمتم فيها! اذكروا أن الإنكليز نفذوا وعد بلفور الذي وهبت به "حكومة جلالة ملكة بريطانيا" بلدنا وطنا قوميا لليهود الغرباء! احفظوا هذا النص من مقدمة صك الانتداب: "ولما كانت دول الحلفاء الكبرى قد وافقت على أن تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن تنفيذ التصريح الذي أصدرته في الأصل حكومة صاحبة الجلالة في اليوم الثاني من شهر تشرين الثاني سنة 1917 وأقرته الدول المذكورة لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين". احفظوا المادة الثانية من صك الانتداب: "الدولة المنتدبة مسؤولة عن جعل البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تكفل إنشاء الوطن القومي اليهودي". بهذا النص أمنت حكومة الانتداب الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، وانحازت إلى اليهود في الصدامات بيننا وبينهم، وحرمت علينا السلاح ويسرته لليهود. وبه قتلت شهداء انتفاضة 1936 وحولت إنكلترا القضية الفلسطينية إلى هيئة الأمم المتحدة في 2 نيسان 1947 فاجتمعت الهيئة العمومية في 28 نيسان وانتدبت لجنة درست بلدنا واقترحت مشروعين، الأول دولة اتحادية، والثاني دولتان عربية ويهودية. رجحت الثاني. ستقسّم بلادنا فهل نقبل ذلك؟!

وهنت الدروس كما قدر أستاذ المدرسة، وبدأت الاشتباكات في صفد. وجد قيس نفسه في لجنة من الشباب الذين يجردون بيوت صفد ويسجلون العائلات. ويكتبون ملاحظاتهم عن حالها وعدد أفرادها. من الناس من يعلن ضيقه فيقبل المال من جمعية المساعدة ويوقع الوصل. وتضع اللجنة أمام أبواب الآخرين المقدار المخصص لهم من التموين. عادة من العادات في بلاد الشام!

في 29 تشرين الثاني 1947 قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة تقسيم فلسطين. وخصصت لليهود وهم أقلية 57% من فلسطين، الساحل وأكثر الأراضي والمدن التي لاتزال عربية! كان يلزم للقرار ثلث الأصوات وكانت أصوات هايتي وليبريا والفيليبين هي المرجحة. بعد عقود سيروي ألفريد ليلنتال لقيس كيف ضغط هارفي فايرستون، صاحب مزارع المطاط في ليبريا على حكومتها، وكيف وجه ترومان الموظفين الأمريكيين للضغط على المندوبين. ومع ذلك سينقل اليهود بالقوة يافا وعكا من المنطقة العربية في خريطة التقسيم إلى المنطقة اليهودية. ولن ينفذ الجزء الآخر من قرار التقسيم: دولة عربية فلسطينية! أي عربي لم يصرخ في تلك الأيام: ياللظلم! تجاوز قرار التقسيم وزن اليهود في الواقع، وخرق حقوق العرب التاريخية، وفرض دولة غريبة عن نسيج المنطقة!

اجتمع مجلس الجامعة العربية في 17 تشرين الأول 1947 في عاليه بلبنان وأوصى بجيش من المتطوعين العرب يدعم شعب فلسطين. من ضباط الجيش السوري المتطوعين كان إحسان كم ألماظ الذي وصل إلى صفد وكان قيس محظوظا لأنه عرفه ورآه.

كان قيس وقتذاك يتفوق في دروسه دون جهد. تعجبه المدرسة، وصفد، وأميرة الشقراء ذات العيون العسلية، يسعد بالزملاء الذين اصطفاهم. لكن قرار التقسيم قدّر له ألا يبقى في صفد الجبلية حتى تكتمل الدراسة وينضج الحب!

في نيسان كان الحي اليهودي يقطع طرقات صفد إلى قرى فلسطين ولبنان. يحكم اليهود الطريق إلى صفد بمستعمرات بيريا والجاعونة وعين زيتيم غرب قرية زيتون العربية. كان الإنكليز قد سلموا لليهود الثكنة البريطانية تيغرت على طريق الجاعونة، الموقع المحصن الذي يقطع الطريق على صفد. وسقطت الجاعونة فقطعت صفد عن محيطها العربي فلاسفر منها إلى طبرية والناصرة.. لاطريق إلى صفد إلا وادي الطواحين الذي لايسلكه إلا المشاة والبغال. يحاصر اليهود صفد العربية! وسيتصلون بالحي اليهودي فيها بعد سقوط عين الزيتون وبيريا. وسيحولون قواتهم إليها بعد سقوط حيفا ويافا. ومع ذلك طمأن العرب مطلّهم المرتفع، وقوات الشيشكلي في الصفصاف وميرون. يستطيع الشيشكلي أن يطوق عين زيتيم ويساعد صفد من خارجها! وقتذاك درب الضابط السوري المتطوع إحسان كم ألماظ أهل صفد ونظمهم للدفاع عنها.

في نيسان كثرت المناوشات اليومية بين العرب واليهود. أفاد العرب من قسوة الشتاء في صفد، وتسللوا تحت الضباب إلى أطراف الحي اليهودي وهاجموا خطوط دفاعه الأمامية. لكن اليهود أخذوا القلعة التي تشرف على صفد كلها. فنظم إحسان كم ألماظ استرداد القلعة. أتى إلى "المنزل". فرأى قيس أمامه الرجل الذي تهواه صفد. شابا طويلا أشقر، ومعه ضابط بريطاني قيل إنه تطوع ليقاتل مع العرب. فحص إحسان كم ألماظ "المنزل". غرفة قيس في البرج، مقابل القلعة تماما. قال له إحسان كم ألماظ: نحتاج غرفتك لاستعادة القلعة! لم يعرف قيس أن غرفته موقع ستراتيجي! جلا عنها مع رفيقه إلى غرفة أخرى. ونصب إحسان كم ألماظ رشاشا (برن) في البرج الذي يصعد إليه من غرفة قيس، واستخدمه لتغطية المجموعة التي استردت القلعة.

بعد استرداد القلعة قال أستاذ اللغة العربية للطلاب الغرباء: ستغلق المدرسة! في قراكم أيضا تهيأوا للدفاع عن الأرض! وأنت ياقيس، اكتب الشعر في جميع الأزمنة! هكذا سيرحل قيس مع الطلاب الغرباء عن صفد. وسيلتحق يسار مع أخيه يحيى الذي عاد من القدس بالشباب الذين يدربهم إحسان كم ألماظ على السلاح. وسيحرسان مع المجموعات المراكز المهمة والطرقات، بناية ساره، مركز البوليس، القلعة.

 لاطريق للطلاب الغرباء إلى أهلهم إلا من وادي الطواحين! حمل قيس أغراضه إلى بيت زميله يسار، واستأجر مع بعض الطلاب بغلين حملا بقية الأمتعة. نزلوا من وادي الطواحين صباحا، وعند الظهر كان قيس يقف على الطريق العام الذي يمر منه الباص القادم من الرامة إلى المغار ثم الناصرة. وصل إلى الناصرة مساء. ومنها أخذ الباص اليومي إلى صفورية.

 

 

 

صفد محاصرة، لكنها قلعة الجليل! لايمكن أن تسقط! يجب أن تصمد فقط حتى دخول الجيوش العربية فلسطين في 15 أيار! حضر الشيشكلي وأثنى على التدريب، ورفّع إحسان كم ألماظ بنجمة.

انسحب الإنكليز من مركز البوليس فاحتله إحسان كم ألماظ مع الصفديين. في نيسان دخلت سرية من جيش الإنقاذ مع عبد الحميد السراج. ثم سرية مع هشام العظم. قدر إحسان كم ألماظ أن الوقت مناسب للهجوم على الحي اليهودي ليقطعه عن النجدات اليهودية. لكن ساري الفنيش كان قد وصل مع الشيشكلي وأصبح كحاكم عسكري فظ كرهه أهل صفد. منع ساري الفنيش كم ألماظ من الهجوم، ورفع المسدس عليه. عندئذ قال إحسان: على صفد السلام!  وخرج منها ليقتل فيما بعد في سمخ. وستصل نجدات البالماخ إلى الحي اليهودي. وسيوجه اليهود قواتهم إلى صفد بعد سقوط حيفا في 24 نيسان.

هدأ أبو أميرة أسرته: نحن الأقوى في صفد. لليهود فيها حي صغير نحاصره نحن! هل أوهمته الأكثرية العربية في صفد بأن مدينته ستبقى عربية؟ قال له يحيى: صفد في التقسيم من حصة اليهود! رد في غضب: وهل اقترحنا نحن التقسيم؟! وهل قبلناه؟! مدّ رأسك من النافذة وقل لي من يوجد في صفد؟ هم أم نحن؟ فات ذلك الرجل الحكيم أن صفد نفسها محاصرة؟ أم كان يرد على نفسه؟

كانت الحرب في الأيام الاولى من أيار مناوشات بين الحي اليهودي المحصن وبين بقية صفد، انحسر فيها اليهود. لكن العرب لم يعرفوا أن الحي اليهودي كان يحفر أنفاقا ويحصن ليرتب "تحرير" المدينة من أكثريتها العربية. ولم يعرفوا أن البالماخ الذي سيكلف بقصف المدينة، فرقة عسكرية ذات خبرة في النسف والتخريب، ذات أسلحة حديثة، اشتركت مع القوات البريطانية في الحرب ضد حكومة فيشي في سوريا ولبنان. وكانت من أفضل قوات الهاغاناه. عندما سقطت حيفا حولت الهاغاناه  قوتها إلى صفد لتحتلها قبل دخول الجيوش العربية إلى فلسطين. نسف البالماخ جسور شرق المطلة، والجسر إلى عديسة، والجسر قرب سعسع وجسر الدان وجسر الحاصباني وجسر شيخ حسين. وهجم على قرية سعسع قرب عين الزيتون. سعسع قرية مكشوفة، بيوت متفرقة على منحدر، غير محصنة ولا محروسة، نسف البالماخ عشرين بيتا فيها وقتلت ماتيسر من أهلها. بعدها هجم اليهود في الليل على قرية عين الزيتون القريبة من صفد. وحمل الليل منها العويل.

وضعت أميرة كفيها على أذنيها وبكت: يقتلون الناس في عين الزيتون! من يستطيع أن يساعدهم؟! رفعت رأسها إلى السماء وبكت. عانقتها أمها: اسكتي! وكانت هي نفسها تحتاج من يواسيها! لاتزال السماء مظلمة، لم يطلع الفجر بعد! صاد اليهود أهلها في بيوتهم! قرب النافذة همس أبو أميرة لابنه: احتلال عين الزيتون مقدمة للهجوم على صفد!

احتل البالماخ عين الزيتون في أول أيار. قصفها بمدافع المورتر فانسحب المقاتلون منها. جمع اليهود شباب عين الزيتون، قيدوا الواحد إلى الآخر بالحبال. جمعوا النساء عند العين وهددوهن بالقتل إذا تحركن. فتشوا البيوت. التقطوا من بقي فيها. أخذوا الشباب وقتلوهم عند جبل كنعان بين صفد وعين الزيتون. بعد قتلهم أمر موشيه كيلمان بأن تفك قيودهم ليخفي أنهم قتلوا بأمر هادئ!

وصلت إلى صفد من عين الزيتون طول الليل أصوات الاستغاثة وعويل النساء. سمعت أميرة أصواتا تنادي: النجدة، النجدة..!  اخترقت الاستغاثة وعويل النساء بيوت صفد. وضعت أميرة مخدة على أذنيها وبكت: يقتلون أمامنا ولانستطيع أن نساعدهم؟! هب يحيى: يجب أن ننزل إليهم! خرج من البيت وسبقه أخوه يسار. تجمع شباب صفد. لكن ساري الفنيش هدد من يخرج من صفد بالقتل. قال أبو أميرة: تسد المصفحات اليهودية طريق صفد! لن يستطيع شباب الجاعونة أيضا الوصول إلى عين الزيتون. ارتجفت أميرة فدفعتها أمها إلى المطبخ لكن أصوات الاستغاثة والعويل وصلت إلى هناك. أصوات بقر وماعز، وديوك، حيوانات وبشر. تتخللها انفجارات القنابل. بعد المجزرة في عين الزيتون أطلق اليهود النساء من مكانهن عند النبع: ابتعدن كيلا نقتلكن! مع ذلك حاول من بقي حيا أن يعود إلى القرية فنسف البالماخ البيوت في اليوم التالي. رأت أميرة ذلك وسمعته! ستبقى نصف قرن حجارة تلك البيوت بين شجر الزيتون والصبار! لن تنسى أميرة أبدا تلك الليلة، وسترتعش في نومها مقهورة طوال سنوات. لكن المذبحة ستدفن برومانسية. سيكتب فيما بعد الكاتب الإسرائيلي عاموس تسوريف من عين زيتيم: "تتهامس الظلال في أودية جبال الجليل، التي عاش فيها يوحنان من غوش حلاف وباقي الأبطال.. ويدخل في روع المرء كما لو أن هؤلاء الأبطال يرتفعون ويطفون في ضباب الغروب، وعندما تفيض السماء الأرجوانية بنور ضارب إلى الحمرة يبدو الأبطال متلفعين بأثوابهم الرائعة المشوبة بالحمرة، متقلدين سيوفا لامعة مطلية بذهب الغروب"..   لم تسمع أميرة أساطير اولئك الأبطال بين أساطير بلادها. ولم تعرف في الليلة التي ارتجفت فيها من استغاثة عين الزيتون أن مسيح اليهود لن يظهر في عين الزيتون إلا إذا اجتمع يهود العالم في الأرض التي وعدهم بها الرب! كانت تظن أن اليهود الذين عاشوا في الحي اليهودي الصغير في صفد فلسطينيين، وأن صفد من بلاد الشام.

قال لها أبوها كأنه يأتمنها على مايخاف أن ينساه: في سنة 1929 بدأت العداوة بين العرب واليهود في صفد. مع أن الكبار في السن من اليهود التجأوا في تلك الأيام إلى بيوت العرب. خلال أحداث 1936 ساءت العلاقات بين العرب واليهود من جديد في صفد، لأن العمال العرب في حيفا اكتشفوا باخرة تهرب أسلحة لليهود مغطاة بطبقات من الرز والسكر. قبل أحداث 1929 كان اليهود يرسلون في عيد الغفران، للعائلات الصفدية، أطباقا فيها الفطير الرقيق! ويقصد اليهود سوق الخضار فيشترون من العرب حاجاتهم، ويقصد العرب مخازن اليهود ليشتروا قماشهم! احترق الحي اليهودي في سنة 1929. وتراكم القتلى العرب واليهود على الطرفين. يريد اليهود أن يصبحوا سادة البلاد وأكثريتها وحكامها، ويسندهم الإنكليز! هم الذين يفجرون البلاد!

دخل جد أميرة وقال إنه جمع أولاده وأحفاده وسينزل معهم إلى وادي الطواحين. قال: عندي نساء حوامل لايمكن أن أتركهم تحت القصف! رفض أبو أميرة أن ترافقهم أسرته. فودعت أميرة بنت خالتها عائشة: لاتطيلوا الغيبة! وركضت عائشة وراء جدها إلى الوادي. في الوادي طواحين على الماء، تطحن فيها العائلات الصفدية قمحها. امتلأ المكان الواسع بالفرشات. رأى جد أميرة في الصباح المكان مليئا بأهله وأقربائه، وصاحب الطاحون يقدم الفواكه والخبز والطعام لهؤلاء الضيوف. ياربي ماهذا الهم؟ كنا مستقرين في بيوتنا، تعبنا عمرا لنعيش آخر أيامنا في هدوء بين أولادنا وأحفادنا! وهانحن في هذا العمر نجرهم إلى هنا وهناك، ويجب أن نكون أقوياء لنحميهم! قال لبنته: أتعبنا الرجل. ثقيل عليه أن يطعم هذا العدد! نادت بنتها: " ياعائشة، اطلعي إلى صفد أنت وأختك، هاتوا لنا من هناك ماتستطيعون حمله من الطحين". خرجت الصبيتان صاعدتين وادي الطواحين. وصلتا إلى صفد. أسرعتا إلى جدتهما التي بقيت عند الرجال لتطبخ لهم. قالتا لها: هاتي مفتاح البيت! سألتهما الجدة: تريدان أن تأكلا؟ قالتا: لا! وكانتا جائعتين جدا. ركضتا إلى البيت، فوجدتا الدالية على الأرض من قصف الأمس. وجدار البيت مشقوقا يتسرب الضوء منه. عبأت عائشة الطحين في كيس وأسرعت خارجة. سمعت صياح أختها: انتظريني حتى أشرب! سألتها عائشة: أغلقت حنفية الماء؟ قالت:لا! قالت لها: ارجعي واغلقيها! ثم ركضتا إلى الجدة وأعادتا المفتاح إليها. سألتاها عن أميرة وأهلها. ردت: أميرة في البيت! يحيى ويسار مع الشباب! نزلتا من وادي الطواحين مسرعتين. قطعتا مسافة. فصادفتا رجلا على بغل صرخ فيهما: إلى أين يابنات؟ قالت عائشة: إلى أهلنا في وادي الطواحين! قال: تمشيان في الاتجاه المعاكس.. إلى حارة اليهود! دلهما إلى الطريق. أسرعتا. وصلتا وسلمتا الطحين إلى الأهل. لكن النساء لم يعجن الطحين. قال الجد: معنا ثلاث حوامل. فلنرحل إلى بنت جبيل! مشوا إلى بنت جبيل، واستأجروا بيتا فيها.

تساءلت عائشة: كم سنبقى هنا ياجدي؟ رد: العلم عند الله! تعالي معي! لاكهرباء في بنت جبيل. رافقته عائشة إلى دكان قرب مدخل البلد، كي يشتري لمبة كاز. كانت اللمبة بين يديه عندما رأى أخا عائشة ذا الخمسة عشر سنة، مبللا بالطين. كان طليعة من سكان مدينة كاملة مهاجرة. قال الشاب لجده باكيا: سقطت صفد! انفجرت عائشة باكية. وسقطت لمبة الكاز من يد جدها وانكسرت. وقفوا ينظرون إلى الجموع القادمة مبللة وموحلة من أمطار الليلة الماضية التي لم تعرف صفد مثلها. رأت عائشة امرأة في قدمها حذاء بكعب وفي قدمها الأخرى حذاء دون كعب. قالت لنفسها كأني أعرف هذه المرأة! كانت تتبين جدتها ولو في الملاءة. تعرفها من مشيتها وهيئتها. ارتجفت. من هذه؟! دارت من الجهة الأخرى لتقابلها وصاحت: جدتي! عبرها رجال يلفون رجلا عجوزا بحصير يحملونه على أكتافهم. مرت نساء تلف أطفالهن الرضع بحرامات. بكت امرأة تسأل الناس هل التقطوا طفلها. حامل في الشهر الأخير تركته للآخرين كي يحملوه فأين هم؟ وصلت نساء معفرات بوحل وادي الطواحين. وصل بغل عليه جريح عرفته: خالها! تدفق الناس القادمون من صفد. لاأحد منهم يصدق ماحدث! قالت عائشة لجدتها في غباء: ولدت عمتي بنتا! لكن كلماتها بقيت معلقة في الهواء. ثم وصلت جدتها لأبيها. في الطريق نشروا فوقها شرشفا ليحموها من المطر، لكنها أزاحته. تزحلقت في وادي الطواحين ووصلت في الحال التي وصل فيها الناس. في الطريق نفسها نزل علي رضا النحوي، ذلك الذي كان يستدعى إلى دمشق واستنبول ليستشار في المشاكل. تزحلق في الطريق وسقط، وسقطت إلى جانبه تماما امرأة فقيرة قالت له في أسى: حطّ الاوقية بجانب الاوقية، صارت الناس كلها سوية!

ستتذكر عائشة مع أميرة فيما بعد بيته في صفد، ممزقا مهجورا يوم نسفه الإنكليز بالقازانات. كان من الحجر فلم تؤثر فيه كثيرا قنابلهم. ستتذكران اليوم الذي رأتا فيه اليهود فوق مدرستهما في القلعة. من هناك أطل اليهود وفي أيديهم ديناميت لينسفوا المدرسة والطالبات فيها. صرخت الفتيات، وركضن في الطرقات.. وتقاطر الشباب فاحتلوا المدرسة وردوا اليهود عنها. ستتذكران دار الحاج عيسى المبنية على عقود مصفوفة الواحد منها إلى جانب الآخر، يحيط بها مدرجان من الحدائق الواسعة، فيها مائة منحلة. تمتلئ صفد بالزهور فتمون الأسر عسلها في بيوتها.

وقت القصف سمعت عائشة أهلها: خذ ياأبي ذهبي، خذ يازوجي الحلي! خذ ياأخي..! أخذوها، حفروا حفرة قرب شجرة الزيتون وطمروا الذهب هناك. ستسمع أميرة فيما بعد أمها وهي تروي لأختها أم عائشة: خبأت الشراشف الثمينة في أسفل الخزانة! فتقول لها أم عائشة: أغلق أبو عائشة ثلاث تنكات من العسل! ظننا أنها ستنتظرنا حتى عودتنا! أخذ اليهود أرضنا؟ أخذوا حتى مؤونتنا! تركنا شجرا، منها شجرة مطعمة بأنواع الثمار. شجرة للفرجة!

انسحب عسكر ساري الفنيش. سلم المدينة. فانسحب الناس وتدفقوا إلى وادي الطواحين، الطريق الوحيدة الباقية لصفد. لكن من نزل من الرجال رجع. رافق أبو عائشة قريباته إلى مجد الكروم وعاد. لديه بندقية دربه عليها إحسان كم ألماظ. صدق إحسان كم ألماظ وقت قال بعد اصطدامه بساري الفنيش: السلام على صفد! سلّمت صفد! أسند البندقية إلى صدره وفكر في الانتحار. ثم انتفض. تذكر إخوته وأهله والناس والبلاد. قال: قد ألزم مرة أخرى ونعود إلى صفد! ونزل من وادي الطواحين. ومنه صعد إلى ميرون.

قبيل شهر أيار انتهى البيت الجديد الذي بناه. فنزل فيه السوريون يوم وصلوا إلى صفد. قدم الناس لهم الفرشات وشكلت لجنة لاستضافتهم. قدم الناس لهم أطيب طعامهم. أتى السوريون متطوعين دمهم على أكفهم ليدافعوا عن صفد! فماأقل أن يستضافوا! كان حجر البيت الجديد ينقش يومذاك. سقطت الشظايا ورقشته. المهم أن السوريين النازلين فيه لم يصابوا! سقطت صفد قبل أن يسكن أبو عائشة في بيته الجديد! تساءلت عائشة في بنت جبيل: هل أراه؟ من احتله؟

قال الإسرائيليون فيما بعد إن اليهود احتلوا في 1 /5 بيريا وعين الزيتون ليصلوا إلى صفد. وصلوا إليها من الجبال. واحتل البالماخ مضارب البدو حتى الأردن. حصن الحي اليهودي في صفد. من أقبية صفد مدت شبكة سراديب تحت الأرض. أفتى الحاخامات بالعمل في التحصين يوم السبت. في 6/5 فشل هجوم اليهود على القلعة. وقصفت المدافع العربية المنصوبة في ميرون الحي اليهودي في صفد. أوصل اليهود إلى صفد مدافع دافيد ومدافع هاون وثلاثة مدافع مضادة للدروع حسمت مصير المعركة. في فجر 11/5 هاجم اليهود دفعة واحدة مبنى شرطة المدينة، والقلعة ومبنى شلفاه. احتلوا مبنى شلفاه بالمدافع. بعد ثلاث هجمات احتلت القلعة. كانت المعركة الطويلة في مبنى شرطة المدينة: حفر الخبراء فجوة في جدار المبنى وتسلل رجال البلماخ إلى الطابق الأول. قتل قائد العملية لكن المبنى احتل طابقا، طابقا. وتمركز العرب على السطح. وكان المطر ينهمر غزيرا.

عندما هاجم البالماخ قرى صفد ونفذ فيها مذابح وحرائق، ونشر الأخبار عن مذابحه ليرعب من بقي في قراه، ومنعت مستعمرة عين زيتيم نجدة صفد، خطط أديب الشيشكلي جر اليهود إلى معركة خارج صفد. وحاصر المستعمرات حولها بنصف قوس. ليت لديه قوات للهجوم على مستعمرة عين زيتيم! قرر الهجوم على الحي اليهودي من المدينة ومن خارجها. وضع سرية مشاة شرقي ميرون خلف الانحدار المطل على صفد. وسرية مصفحات إلى يسار سرية المشاة وعلى طرفي طريق عين زيتيم - صفد. وفصيلة مدفعية غرب الطريق العام المار شرقي ميرون. في 9 أيار تفقد الشيشكلي المواقع وراقب وضع صفد، واحتلت سريتا المشاة والمصفحات المواقع المعينة لها. كل شيء جاهز!  ستبدأ المعركة المنتظرة!

طوال الأيام التي هجم فيها اليهود الذين رفدهم البالماخ، على جميع المواقع العربية في صفد، أنهكوا المدافعين عنها. ولامن يرفد المصاب والقتيل. يجب استبدال المدافعين كي يستريحوا! في عشية يوم المعركة الأخيرة وصلت سرية من المتطوعين. كانوا قد حقنوا بحقن ضد التيفوئيد وحرارة بعضهم مرتفعة. وزع عليهم السلاح في الطريق وهو لايزال في شحمه. وتبين قائدهم عز الدين التل أنهم لايميزون بين سلاح وآخر، ولايعرفون كيف يستعملونه. فطلب أن يرجأ إرسالهم إلى صفد حتى يتدربوا. قال له الشيشكلي: لاتقلق، لن تشتركوا في المعركة! وصل هؤلاء المتطوعون في الليل إلى صفد ليلة المعركة الأخيرة. وضعهم قائد الحامية في المراكز الأمامية وهم لايعرفون المنطقة التي يتحركون فيها.

في منتصف تلك الليلة، في 10 أيار، انفجرت قنبلة يدوية كانت إشارة الهجوم الكبير على المواقع العربية. فوجئ العرب براجمات ديفيد في تلك الليلة.. قنابل ذات صوت قوي جدا يوهم بخراب كبير. وكان الطقس في تلك الليلة عاصفا ماطرا. أضاءت القنابل صفد. رميت بنار مركزة جميع المواقع العربية وأهمها: القلعة وعمارة البوليس. كان المقاومون الذين أجلوا ليستريحوا مايزالون في الخنادق. لكن المتطوعين الذين وضعوا في الخطوط الأمامية انسحبوا قبل أن يرفدهم اولئك من الخنادق. سقطت القلعة وعجز الرديف عن استردادها. في عمارة البوليس كان السوريون يقاتلون شبرا، شبرا. وبقي الأحياء منهم على سطح عمارة البوليس بعد أن سقطت صفد. دافعوا عنها حتى الموت.

قطع سقوط المواقع العربية خطة الهجوم من خارج صفد! في الثانية والنصف جمع الشيشكلي قواده وأعلن في ألم إلغاء العملية. أصبحت المهمة تغطية نزوح أهل صفد عبر وادي الطواحين إلى المالكية ولبنان! ياللمشروع الواسع الذي أصبح مهمة مأساوية! 

في أيار وصل خبر سقوط صفد فخرج قيس إلى المقابر وبقي حتى الليل جالسا على حافة قبر لايعرف اسم صاحبه. سأله أبوه قلقا: أين كنت؟ رد: شيّعت قطعة من قلبي! فقال أبوه: لن يكفينا القلب ياإبني إذا شيعنا قطعة منه مع كل بلد يسقط! لا، سقوط صفد زلزال! صفد المرتفعة، صفد جبل كنعان والجرمق تسقط؟! صفد التي يسكنها ألفان من اليهود فقط واثنا عشر ألفا من العرب! لذلك قال قيس لأبيه فيما بعد، عندما وصلوا إلى دمشق: كان الأسهل أن أبقى في صفد حتى تسقط، وأنتظركم في دمشق!  

بعد أربعين سنة روت عائشة لبنت خالتها أميرة: عادت صديقتي بنت الشقيري من كندا إلى عكا سائحة، كندية الجنسية! مشت مع زميلتها الكندية تعرّفها بمدينتها. قالت لها بالإنكليزية: سكن أسعد قدورة في ذلك البيت! فردت المرأة اليهودية التي تسكنه: لا، أسعد الشقيري وليس أسعد قدورة! رجل كبير السن، جلس هنا وبكى. انتقل إلى هناك وبكى. وقف هناك وبكى! قالت الفلسطينية لليهودية: وبقيت أنت في البيت! قالت أميرة هل تعرفين أن أسعد قدروة، ابن بلدنا، وقع في سنة 1935 على فتوى مؤتمر علماء فلسطين تعلن أن "بائع الأرض لليهود في فلسطين، سواء كان ذلك مباشرة أو بالواسطة، وإن السمسار والمتوسط في البيع.. كل اولئك ينبغي ألا يصلى عليهم ولايدفنوا في مقابر المسلمين..؟"

وروت أميرة لبنت خالتها عائشة: بعد أربعين سنة عاد أخو زوجي من أمريكا إلى صفد، سائحا، جنسيته أمريكية! قصد بيته ليراه. انحنى وأخذ حجرا من حديقته، فخرج إليه اليهودي الذي يحتل البيت: تسرق حجارة من حديقتي؟ أمنعك أن تمسها! أخذوا البلاد كلها ولايسمحون لنا بأن نسترد حجرا منها!

كانت عائشة وأميرة في شقة في بناء مرتفع في دمشق. تطلان على مناظر بعيدة عما تتحدثان عنه. لكل منهما أولاد وأحفاد يتكلمون اللهجة الفلسطينية. يحفظون تفاصيل صفد وبيوتها، ويعرفون المكان الذي دفن فيه جدّهم الحلي الذهبية في الحديقة. قالت عائشة لأميرة قبل أن تنصرف: عاد قيس بعد أربعين سنة من الغربة! ارتعشت أميرة كأن نسيما منعشا مر على وجنتيها: أين هو؟ ردت عائشة: رجع إلى بيت أهله في إربد! سألتها أميرة: رأيته؟ ردت: لا، سمعت عنه! قالت عائشة: كانت القصيدة التي قالها فيك حلوة!

نامت عيون العاشقين جميعها  إلا عيونك لم تنم وعيوني

 تورد وجه أميرة. عرفت ذلك؟ وحفظت القصيدة أيضا؟ قالت عائشة: حكوا عن ذلك في المدرسة في صفد. قالت لنا المعلمة: لم تحفظوا قصيدة المتنبي التي طلبت منكم أن تحفظوها، لكنكم حفظتم قصيدة قيس في أميرة! رددت أميرة في طرب مكبوح: حقا، قالت المعلمة ذلك؟! وأخفيته عني طول هذه السنوات!      

 

 

 - 11 -

 

سجلت أميرة على دفتر المدرسة أحداث صفد. لمن؟ طبعا، لقيس الذي ستلتقي به عندما تنتهي الحرب ويعود إلى مدرسته في صفد! طبعا له! كيلا يفوته يوم غاب عنه! ولابد أن يعطيها هو دفترا فيه القصائد التي كتبها في غيابه عنها! 

سجلت أميرة: قال الشيشكلي لأبي إنه بلغ الكولونيل الإنكليزي وطسن أنه سيهاجم صفد وعين زيتيم وبيريا. ثم اتفق معه أن يؤجل الهجوم حتى انسحاب الإنكليز. تغدينا في شرفة بيتنا ورق العنب الطري الذي حشته أمي وأكثرت من العصاعيص تحته. وتساءل أبي: هل الكولونيل وطسون غاضب من هجوم اليهود على القوات الإنكليزية، أم يحب العرب لذلك  سلمهم مائة بندقية وخمسة آلاف طلقة قبل انسحابه. قالت له أمي: أنت قلت إن اليهود أوقفوا قطارا في حيفا وأجبروا الإنكليز أن ينقلوا لهم السلاح المحمّل فيه! أعطى الإنكليز لليهود مصفحات! لكن هذا الإنكليزي يعرف أن صفد لنا! 

يخرج أخي يسار من البيت في الفجر، يعود أحيانا وقت الغداء، ولايرجع إلا في الليل. مشغول مع شباب صفد. نحن النساء نطبخ للمتطوعين.

انسحب الإنكليز في 16 نيسان فاحتل العرب مركز البوليس على جبل كنعان، ومركز بوليس المدينة، والقلعة، ودار فؤاد الخولي، وفندق صفد، وبيت شلوه، والمدرسة الصناعية اليهودية.

حاولت أن أخرج إلى السطح لأرى أين تجري المعركة التي يقود العرب فيها إحسان كم ألماظ. لكن أمي أرجعتني. قالت: اطبخي للرجال! وصلت من الشيشكلي سريتين مع الملازم عبد الحميد السراج وفصيلين مع الملازم هشام العظم. ووصلت سرية أردنية مع ساري الفنيش الذي عينه الشيشكلي قائدا لحامية صفد.

سهر أبي مع إحسان كم ألماظ وبعض الرجال. سمعت أبي يقول: لن يسمع ساري الفنيش أوامر الشيشكلي بل أوامر غلوب! تعيين الفنيش خطأ! يبدو أن إحسان كم ألماظ أفهم أبي أن صفد الآن في خطر لأن الفنيش سيسلمها! لكن أبي هدأه.

سقطت حيفا في 24 نيسان. حزنت البلد كلها على حيفا. بكت أمي. سمعت أبي لأول مرة يشتم الدنيا.

لم يلمس أبي صحن الأكل. قال: سقطت الجاعونة وفرعم والمنصورة وصارت صفد مطوقة من الشرق والجنوب. قال: الجاعونة على الطريق إلى صفد وإلى طبرية، تطل على الغور من جميع الجهات إلا الشرق. لذلك احتلوها في الثاني من أيار! لم يسمعه أحد غيري يهمس: قررت الجاعونة مصيرنا! 

بدأت الحرب في صفد في 1 أيار. احتل اليهود عين الزيتون وبيريا بالبالماخ. وصلنا صراخ أهلها في الليل. بكيت من القهر. حاول أهل صفد نجدة عين الزيتون لكن ساري الفنيش منعهم. قال أبي: باحتلال القريتين فصل اليهود صفد عن الشمال والشمال الغربي ومنعوا عنا النجدات. كان مقهورا فنسيت حزني وعصرت له كأس ليمون. أعرف الجاعونة. بيوتها مبنية بالحجر، حولها زيتون وتين! راحت الجاعونة حقا؟؟

في 5 أيار وصلت لليهود نجدة في 35 سيارة كبيرة، وفي 6 أيار نجدة في 137 سيارة.

في 7 أيار زارنا الشيشكلي. لم يقبل غير قهوة. ثم ذهب مع الرجال. رجع أبي بعد أن رجع الشيشكلي إلى مقره في الصفصاف.

في 8 أيار هاجم اليهود الأحياء العربية في ثلاثة صفوف طويلة واستعملوا راجمات دافيد. دوى صوت مرعب فتخيلت أن السقف سقط علينا! قال أبي في تلك الليلة: لاتخافوا! راجمات دافيد صوت فقط، هدفها أن تثير الرعب! يريدوننا أن نترك البلد! عرفنا أنها كالمنجنيق يقذف 37 كلغ من المتفجرات إلى مسافات بعيدة. استعملها اليهود أول مرة في أبو كبير وحيفا والقدس. قالت له أمي: هل يعرف أهل البلد ماعرفته أنت؟! 

روى أبي أن الملك عبد الله قال لزكي قدورة رئيس بلدية صفد، رح إلى القوتلي الذي دخل المعركة دون أن يكون مستعدا لها!! هل يقول له قدورة نعرف أنك تتصل بالوكالة اليهودية وأنها أوفدت غولدا مائير وقابلتك في عمان؟ قال أبي: خليها في القلب تجرح، ولابين الناس تفضح! 

وقفت على السطح. صفد حلوة. أطللت من السطح على الوادي والجبل. ورأيت الدكان الذي كنا نلتقي أمامه. هل تظن أن البائع لايعرف أنك تحبني؟ لماذا إذن كان يتشاغل في البحث عما تطلبه؟ لم يلتفت أبدا عندما كنت أفتح ملاءتي لك! نزلت ولمست ملاءتي. أحببت لونها البرتقالي المخطط بالأسود. كأني شعرت بأثر نظرتك عليها! سألتني أمي: لماذا يبدو عليك الحزن؟ لن تسقط صفد! وقالت في غم: قبل ألف سنة كانت النساء تحارب مع الرجال. هنا يحبسوننا في البيت لنطبخ للمتطوعين. قلت أعزيها: هذا أيضا شغل! 

رجع أبي غاضبا. قال: وصلت إلى صفد قوة التل، ليست مدربة ولاتعرف التضاريس، ومع ذلك وضعت في المراكز الأمامية. لعبة! أمضينا ليلة مخيفة! من كان يتصور أن نترك صفد؟!

انسحب ساري الفنيش من صفد دون إذن قائده الشيشكلي. بقي ليلة 9-10 أيار في عين التينة في وادي الطواحين. وعندما وصل إلى دمشق اعتقل بتهمة الخيانة، لكن الملك عبد الله توسط له. في صفد نزل مطر لاتذكر أميرة أنها رأت مثله. لاتستطيع أن ترى الطريق من النافذة! عندئذ قال أبوها: هيا! سترحلون الآن وتعودون عندما تهدأ البلد!  فرحت أميرة. ففي الأيام الأخيرة تساءلت هل ستعيش حتى تجتمع بقيس؟ وأين هو الآن؟ هل يقصفون بلده أيضا؟ حملت دفترها وتركت صفد.

بنجدات البالماخ التي وصلت إلى اليهود هجموا على مواقع القوة الجديدة وأخذوها منها. لكن الآخرين قاوموا. تحت المطر الشديد قاتلوا من بيت إلى بيت ومن غرفة إلى غرفة. قاتلوا حتى بالسلاح الأبيض.

في 12 أيار سقطت السرايا القديمة، وحارة الجورة، وحارة الأكراد، بيد اليهود. في الصفصاف قال الشيشكلي: بدأ اليهود هجومهم الأخير على صفد في الساعة التاسعة والربع من ليلة 9-10 أيار 1948 وأخذوا القلعة، فانسحب منها أفراد السرية الجديدة. وانسحب بعدهم سكان المدينة. في الساعة الثالثة وصلت برقية من اميل جميعان تعلن أنه بقي هو وهشام العظم. فأمرناه بالانسحاب.

انسحب المقاتلون إلى ميرون. استوقفهم الشيشكلي. لخص لهم سبب الهزيمة: انسحاب الفنيش ، توزيع السرية الجديدة غير المدربة على المواقع المتقدمة، انسحاب أهل صفد، راجمات دافيد ذات الصوت المرعب، المطر.

منذ أول أيار نزل بعض أهل صفد إلى ميرون. ينتظرون الهدوء كي يعودوا إلى بيوتهم! ميرون على منحدر جبل الجرمق، تطل فوق واديها على تلال الجليل الأعلى، قربها طريق صفد عكا. هل يرسل أبو أميرة عائلته إلى هناك في انتطار انتهاء المعارك؟ لا، موقع ميرون الجميل خطر! عند الفجر أخرج أسرته من صفد: روحوا إلى بنت جبيل! قالت أم أميرة: سآخذ بعض الثياب. رد زوجها: لماذا؟ ستبقون أسبوعا، أسبوعين ثم تعودون إلى البيت! الحي اليهودي صغير جدا في صفد، فهل يعقل أن تصبح صفد كلها يهودية؟ هل يعقل أن ينتصر الباطل ويهزم أهل البلاد وتفشل الجيوش العربية؟ سنسترد الجاعونة وعين الزيتون! هل كان مؤمنا في تلك البرهة بما يقول؟ أم أراد أن تنجو أسرته فتخرج من صفد في سرعة؟

غطت أم أميرة بسرعة الأرائك بالشراشف. أقفلت الخزائن، تفقدت المؤونة، رتبت البيت لغياب قد يمتد شهرا لاأكثر. ساعدتها أميرة. ثم نزلتا مع الأولاد من وادي الطواحين. حملوا فقط الضروري من الثياب. في آخر الوادي طريق مزفت، ركبوا منه شاحنة فيها أكثر من خمسين شخصا اتجهت بهم إلى بنت جبيل في لبنان.

بعد ليلة المطر التي لم تعرف صفد مثلها، بعد القصف وانسحاب ساري الفنيش، ترك أهل صفد البلد. خطأهم القاتل! انسحبوا عند الفجر. مع ذلك هذا موقت! لم تبدأ الجيوش العربية بعد المعركة! 

افتقدت أسرة أميرة أشياءها وقت احتاجتها. قال يسار سأعود! عدّوا مايلزمكم! كان الناس يعودون إلى بيوتهم فيتناولون منها مايحتاجونه. أوصته أمه بما يجب أن يجلبه من البيت. دلّته إلى أمكنة الأشياء بدقة. سألته هل حفظها؟ استعادته ماأوصته. ومشى يسار مع أصحابه الشباب. أعمارهم بين الرابعة عشرة وبين السادسة عشرة. تفرقوا قبل الوصول إلى صفد. بقي يسار مع فتى واحد. عيّنا وقت اللقاء ليعودا معا. صعدا من وادي الطواحين. أخذ يسار الطريق إلى الحي العربي، وأخذ صاحبه الطريق في اتجاه الحي اليهودي. المدينة فارغة صامتة. لم يحتل اليهود المنطقة العربية بعد. لم يصدقوا أنها مهجورة؟ ينتظرون أن تتفجر الألغام الممكنة؟ فتح يسار الباب بالمفتاح، تناول مايحتاجه، أغلق الباب بالمفتاح، ونزل من وادي الطواحين إلى عين التينة. انتظر صاحبه. انتظره. وجد هناك بعض الفتيان الذين قصدوا بيوتهم مثله ليأتوا بما يلزم العائلة. أطعمهم أهل عين التينة وسقوهم. لكن يسارا لايستطيع الانتظار بعد. عاد إلى بنت جبيل ماشيا، يركب في الطريق أحيانا الدابة أو الشاحنة التي تتوقف له. أما صاحبه فلم يعد أبدا.

 

 

 لو بقيت في صفد الكلية الاسكتلندية التي تعلم بالانكليزية وتخرج منها كثير من كبار رجال العرب، لدرس فيها يحيى، أخو أميرة. كان مدير الكلية مستر سنبل نشيطا ومحبوبا حتى عرفت الكلية باسمه. لكن الكلية نقلت بعد الحرب العالمية إلى حيفا.

انتقل يحيى من صفد إلى الكلية العربية في القدس ليكمل فيها دراسته، وقت انتقل قيس إلى المدرسة الثانوية في صفد. فلم يعرفه قيس إلا على حافة العطل. يحيى أكبر من أخيه يسار. وقت أغلقت الكلية العربية في القدس، عاد يحيى إلى صفد. وأصبح منذ وصل وسط مجموعات الشباب التي يدربها الضابط السوري إحسان كم ألماظ.

كأهل مدينته، وقع في هوى إحسان! شاب سوري ترك المجد الممكن والحب الممكن في دمشق، وأتى ليدافع عن صفد. أشقر ورشيق، متحمس وذكي، مخلص ودمث، ودمه على كفه. يحاول أن يجعل من شباب صفد فرقة في جيش. إلى الأمام سر، إلى الوراء در. طبعا، يجب أن يتعلموا النظام والتنفيذ! لايكفي حب الوطن! الضرورة أن تملكوا المهارة في الدفاع عنه! يقابلنا جيش يهودي. يجب أن ننتقل من أسلوب فرق متطوعة إلى أسلوب جيش منظم! حقق ياإحسان حلمك في الفسحة الباقية بين المناوشات وبين المعركة الأخيرة! آه، لو يستطيع أن يمدّ الزمن!

عندما استعاد الرجال الذين نظمهم إحسان كم ألماظ قلعة صفد زغردت له النساء. تخاطفته البيوت وفتحت له وللسوريين الذين جاؤوا معه. مايزال بيت الحاج عيسى جديدا يرصف بالحجر. قدموه لإحسان. فنزل فيه مع السوريين. تصيب القذائف اليهودية البيت فيعاد نقش الحجارة المخربة بالإزميل! اندفع أهل صفد إلى إحسان. وثبّتهم إحسان في البلد!

بقي إحسان كم ألماظ في صفد عشرة أشهر تقريبا. رافقه يحيى في آخرها فقط. ساري الفنيش خرب كل شيء! منذ جاء مع سريته بدأ صدامه مع إحسان. احتل ساري الفنيش "المنزل"، نشر سريته فيه وفرش أسلحته. بدا كحاكم عام. لايتحمله يحيى! أتى ليخدم المدينة أم ليحكمها؟ لماذا عينه الشيشكلي قائدا لحامية صفد؟ فرض عليه؟ في قرار التقسيم صفد في القسم اليهودي. صفد عاصمة الجليل الأعلى، التي تبعد عن الحدود الشمالية 29 كم مترا فقط، صفد التي تحكم قلعتها الطريق بين دمشق وعكا، فيها حي واحد يهودي وبقية أحيائها عربية، تضم إلى القسم اليهودي من خريطة التقسيم؟! لليهود الغرباء الذين أتوا من البحر؟! أي ظلم! فليهب أصحاب قرار التقسيم بلادهم لليهود إذا أرادوا! لايملكون أن يهبوهم بلادنا! اهدأ يايحيى! أهدأ؟ أهل البلاد كلهم مثلي! العرب كلهم يفكرون كما أفكر! لكن يبدو أن بعض العرب سينفذ قرار التقسيم ويسلم صفد لليهود! اسكت يايحيى! أسكت؟ لماذا يمنع ساري الفنيش إذن إحسان كم ألماظ من الهجوم على المراكز اليهودية؟ في الوقت المناسب تماما، لاقبله ولابعده، يكون الهجوم! ينتظر ساري الفنيش أن تصل النجدات إلى اليهود!

في ذلك اليوم رفع ساري الفنيش مسدسه على إحسان كم ألماظ! وقال إحسان: "على صفد السلام!" وخرج من المدينة. يعرف إحسان تعلق أهل صفد به، وأثر انسحابه منها عليهم. لكن ساري الفنيش لم يترك له مخرجا. خلال إقامته في صفد استطلع إحسان المستعمرات الصهيونية. صادق الضباط الإنكليز. ركب معهم المصفحات وتسرب معهم حولها. كان مركز البلد. تفرج عليه الأطفال عندما "ضرب" له الضباط الإنكليز المارون به التحية! وعندما سألت فتاة: من هذا الأشقر الذي يحييه الإنكليز، التفتت إليها النساء وسألنها هل تعيش فوق الأرض أم تحتها!

نزل إحسان كم ألماظ إلى الصفصاف، مقر قيادة جيش الإنقاذ، غاضبا وحزينا. رآه أهل الصفصاف من مطلهم على التل محاطا بشباب صفد الذين يحاولون أن يستعيدوه. عرفوا ماكان بينه وبين ساري الفنيش فساروا معه عبر وادي الطواحين. انشغل أهل الصفصاف بتأمين البيوت للضيوف. ونزل إحسان في بيت قاسم، ومعه مرافقاه. في الليل سأله قاسم: ماالخبر؟ قاسم من رجال صفد الذين دربهم إحسان كم ألماظ. مدرس في المدرسة الثانوية التي تقع قرب المستشفى، على بعد كيلومتر تقريبا من "المنزل". روى إحسان لقاسم أنه اختلف مع ساري الفنيش قائد السرية الأردنية. منعني من الهجوم على المراكز اليهودية. هددني بالمسدس! منعني عمليا من البقاء في صفد! سيسلم صفد لليهود قبل 15 أيار! لينفذ مخطط التقسيم! لاأمل الآن إلا في الهجوم من خارج صفد. لذلك سأقترح على أديب الشيشكلي أن يجهزني بسريتين للهجوم على صفد من خارجها. سأستعين بدمشق. سأنزل إليها كأني في إجازة!

لايوجد بيت لم يدخل إليه إحسان في صفد! أقام بين الناس. ساري الفنيش أتى كحاكم عسكري. ألا يلاحظ المسؤولون العسكريون في جيش الإنقاذ هذه العلاقات بين المدينة والكتيبة التي وضعت للدفاع عنها؟ يلاحظونها ياإحسان، ولكن!..

رافق قاسم إحسان كم ألماظ إلى مقر الشيشكلي. قبو واسع سقفه عقد. الشيشكلي غارق في حديث مع شوكت شقير قائد القوات اللبنانية. ضرب إحسان بقدمه الأرض في تحية عسكرية. التفت إليه الشيشكلي ورحب به.

في الصفصاف، التي سماها الرومان صفصوفا، انتظر يحيى مع شباب صفد إحسان كم ألماظ ماشين بين المدرسة الابتدائية والمدرسة والنبع، متأملين أشجار الزيتون والفواكه. يأملون أن يحل الشيشكلي المشكلة كما يريد إحسان. لكن العقل ليس سيد الكون، وليس الخير سيده. تجري الدنيا في مسار لانريده، لانوافق عليه، كأنها مقدرة علينا. لا! كل مانراه صنعه الإنسان. لكننا لسنا نحن ذلك الإنسان. نحن الآخر الذي لاوزن له الآن، ولاكلمة له! كيف لانكون ذوي كلمة ياإحسان وهذه بلدنا ونحن نعرف مايفيدها ومايضرها؟ بلدكم لكنكم لاتملكونها إلا بمقدار. تملكها القوى الأخرى التي تستنجدون بها! العرب! ومن هم العرب اليوم؟ نحن وأنتم؟ أم قادة وملوك لايبالي بعضهم بفلسطين؟ آه، يقول ذلك إحسان كم ألماظ المطرود من صفد! يعزي يحيى الذي لم يهزم في معركة مع ساري الفنيش! سيرتب الشيشكلي الهجوم من خارج صفد! سيقصف المراكز اليهودية في التاسع وفي العاشر من أيار من خارج صفد! لكن ذلك سيكون متأخرا! سينفذ ساري الفنيش مااستشفه إحسان كم ألماظ!

وصلت سيارة شيفرو قديمة إلى الصفصاف. من؟ رجل يقول إنه صديق من أصدقاء إحسان كم ألماظ، يسأل عنه. يقول، وصل خبر إلى أمه في الشام: قتل إحسان! طمئنوه! لم يقتل! حي! نادوا إحسانا ليراه بعينيه! هاهو! عانقه إحسان. طمأنه: اذهب وسألحقك فيما بعد إلى الشام! سأنزل إلى دمشق في إجازة! وقف يحيى مع شباب صفد ينظر إليه. وشعر بأن شرخا في قلبه انفتح. كيف لم يخطر له حتى الآن أن إحسان كم ألماظ يمكن أن يقتل؟ لم يقتل بعد، لكنه سيقتل. مثله لايمكن إلا أن يقتل. في تلك البرهة تماما فهم يحيى أن صفد في خطر!   

ماتزال مواقع العرب في صفد قوية. لهم مركز البوليس، "تيغرت" صفد، البناء ذو الموقع الستراتيجي على جبل كنعان شرقا خارج المدينة. و"المنزل" الذي كان لسكن الطلاب الغرباء واحتله ساري الفنيش وكتيبته. والسرايا الجديدة في وسط البلد بين الأحياء العربية وبين الحي اليهودي. والقلعة المرتفعة التي تتوسط البلد وتطل عليها كلها، وحولها أشجار الصنوبر وفيها بئر تكفي البلد كلها، وتحيط بها فنادق سياحية عربية ويهودية. في يد العرب الأبنية الستراتيجية في صفد: فندق رزق، بناية صالح عبد الغني، بناية فؤاد الخولي! من صفد تطل على بحيرة طبرية وترى الطريق إلى روش بينا! ولكن من يدافع عن هذه المواقع؟! من يقود المدينة؟ لدى العرب أقل مما لدى اليهود من الأسلحة. صفد مطوقة، لاطريق إليها إلا من وادي الطواحين. لكن أهلها ثابتون فيها. الإنسان حاسم في المعركة! فلماذا تسلم إلى ساري الفنيش ويخرج إحسان منها؟!

نزل يحيى مرات إلى الصفصاف بعد ذلك اليوم. الصفصاف مركز حربي وسياسي يعود إليه أهل صفد. كان علي رضا النحوي  مرة متصرفا لمدينة حماة. عندما سمع أن أكرم الحوراني وصل إلى الصفصاف نزل مع آل النحوي ليسلموا عليه. نزلوا من الطريق الخطرة المتعرجة. سلّموا عليه ودعوه إلى صفد مع أصحابه. لم يكن يحيى منهم. لايؤهله عمره لذلك. لكنه الوحيد من أسرته الكبيرة الذي سيعيش في الصفصاف في أهم أيامها. 

خسر اليهود معارك صفد طوال الأسبوعين الأخيرين. رد  العرب هجومهم. لكن المعارك ظلت مناوشات حتى سقوط حيفا. في ليلة الحسم الأخيرة أظهر اليهود قوتهم كلها، ظهرت النجدات التي وصلت إليهم مسلحة ومجهزة بذخائرها. وصل البالماخ إلى صفد بعد سقوط حيفا. قاده يغال آلون ونفذ عملية يفتاح. لن يتركوا للعرب صفد التي تحكم الطرق بين الساحل والجليل الشمالي والجليل الشرقي! لكنهم لن يأخذوها بسهولة! سيدفعون ثمانمائة قتيل، خمس قواتهم تقريبا، ثمن احتلال صفد! سيقاتلهم المتطوعون السوريون في مركز البوليس من طابق إلى طابق ثم من غرفة إلى غرفة!  

كان أهل صفد قد جمعوا ثمن أسلحة وكلفوا صبحي الخضرا بشرائها. عشية سقوط صفد وصل صبحي الخضرا إلى الصفصاف مع الأسلحة التي اشتراها! عشية سقوط صفد وصل مئتا شخص من القرى المجاورة إلى صفد! وصلت من لبنان سرية المتطوعين الذين لايعرفون استعمال السلاح ووزعهم ساري الفنيش في الليلة نفسها على المراكز الأمامية! عشية سقوط صفد نزل اثنان من اللجنة القومية في صفد ليطلبا من الشيشكلي أسلحة ونجدة! عشية سقوط صفد وصل إلى الصفصاف فؤاد الخولي مع أسلحة وأموال! عشية سقوط صفد وصل المفتي إلى صور، قادما مع أسلحة ليعلن الدولة العربية من صفد! أرسل  رجاله من بنت جبيل إلى الصفصاف. في الصفصاف رأى رجال المفتي عند الفجر، ورأى فؤاد الخولي، النازحين من صفد. سقطت! صفد سقطت! ياناس، سـقـطـت!

أذهلت المفاجأة قرى قضاء صفد فنزحوا خلف أهلها. إلى لبنان! قفوا! من يوقف جموعا يطاردها سقوط المدن العربية، مذابح القرى، وأصوات المستغيثين؟! لايعرف هؤلاء الشبعانون مذاق التشرد. لايعرف أصحاب البيوت والبيادر والحقول طعم النوم في الخيام والوقوف في الصف في انتظار الخبز! لايعرف المكتفون أن فقد المدن والأرض يعني فقد المكان الطبقي والاجتماعي والاقتصادي! أصبح مجتمع متماسك منتج ميسور مجموعات من لاجئين! قفوا! لاتتركوا رزقكم! في صعوبة انتزع الشيشكلي بعض الأسلحة من المتطوعين الذين خرجوا من صفد. من لم يخرج من قريته طرده اليهود.  

لكن اليهود لم يتقدموا خارج صفد. رجع أهل الصفصاف من بنت جبيل إليها وأنشأوا مع السوريين مراكز دفاعية جديدة. من بنت جبيل رحل أهل صفد فيما بعد إلى دمشق. ولكن أين الفتى يحيى؟ من رآه! تسألون عنه؟ هرب من أهله ورجع إلى الصفصاف! أنتم أهله؟ اتركوه مع الشباب يدافع عما بقي من البلاد! 

لماذا رجع؟ ليشم هواء صفد من الصفصاف؟ الصفصاف في الشمال الغربي من صفد، على بعد كيلومترين من قرية الجشّ، في شمال جبل الجرمق. على خط انحدار المياه بين الأودية إلى سهل الحولة وإلى بحيرة طبريا. في وسط القرية جامع وبعض الدكاكين ومدرسة ابتدائية للبنين. سكان الصفصاف أقل من ألف شخص! فماذا يستهوي يحيى فيها؟ يستهويه أنها المركز الحربي، وستبقى كذلك من 15 أيار إلى تشرين الأول. سيبقى يحيى فيها مع المسلحين حتى يومها الأخير!

جرت الحياة في الصفصاف كماء النهر. كأن الحرب ليست على الباب. حصد الناس القمح وبدأوا بقطف الزيتون وعصره. رتب غسان جديد المراكز الدفاعية. غسان جديد قائد المنطقة بعد سقوط صفد. معه جودت الأتاسي. معهما ضباط بعثيون وضباط قوميون سوريون وآخرون. معهم متطوعون فلسطينيون من أهالي القرى التي سقطت. رتبت القيادة قوائم بأسماء المتطوعين المدافعين عن الصفصاف. دربتهم على الأسلحة ووزعتهم على المواقع. مواقع الدفاع محصنة في شرق البلد. زوجة غسان جديد معه، تعيش بين أهل القرية وترقص الدبكة في حفلاتهم. محبوبة مثل زوجها. بعد التدريب وبعد الشغل ينام أهل الصفصاف ملء عيونهم. يصطنعون ذلك؟ أم هي قوة من قرر ألا ينسحب؟ قوة من تلقى الضربة الكبرى ولم يعد يخاف شيئا؟ سقطت حيفا ويافا وعكا وصفد فأية مصيبة أكبر من ذلك؟ يدفع الغضب إلى الجرأة؟ ويدفع إليها التجمع الصلب الذي رعاه غسان جديد وجودت الأتاسي والسوريون. تزوج شابان وفي الصفصاف عرس! فليكن  كمعركة كسبها المقاومون! دبكت زوجة غسان جديد مع المحتفلين بالعرس. لم تكن مقاتلة لكنها كانت تجلس إلى جانب النساء وهن يخبزن، تمشي معهن إلى البيدر، وتحمل جرة الماء. تثبّتهن! 

أتى إلى الصفصاف الرجال المسلحون من القرى المجاورة. معهم أسلحتهم. سيكون منهم نصف القتلى في معركة الصفصاف الأخيرة. السوريون معهم. كلهم ينتظر المعركة! لايستطيعون الهجوم. لكنهم قرروا الدفاع عن أواخر المواقع الفلسطينية، عن البوابة إلى لبنان!  

 لم تكن ميرون قد سقطت لكن اليهود قرروا احتلال قرية الصفصاف وإغلاق المنطقة. في يوم 28 تشرين الأول في الساعة الرابعة والنصف صباحا قصفت طائرتان إسرائيليتان المواقع العربية من ترشيحا إلى الصفصاف. هاجمت فصيلتا مصفحات وسرية مجنزرات من شيفع الصفصاف. لكن اليهود لم يتقدموا مترا! استمات العرب في الدفاع عن الصفصاف. وقف اليهود عاجزين عند الجبهة الشرقية. استداروا وأتوا من الجنوب. فواجهتهم المقاومة نفسها. عندئذ أطفأوا أنوار آلياتهم وساروا غرب الطريق في السهل وأتوا من خلف المدافعين عن الصفصاف. وفي الوقت نفسه نزلت كتيبة من بيت جن في اتجاه الصفصاف. لم يبق للمقاتلين العرب وبقايا جيش الإنقاذ إلا الانسحاب إلى لبنان! هاأنت يايحيى شاهد من الشهود على سقوط قرية عربية! تفرج عليها جيدا! احفظها! سجل كل تفصيل من تفاصيلها! لأن اليهود سينسفونها ويشيدون في مكانها مستعمرة يسمونها صفصوفا! 

سقطت قرية الصفصاف في الشهر العاشر.  قاومت طول الليل. ردت وجبات من المهاجمين اليهود. في الصباح انسحب المسلحون منها إلى لبنان. وانسحب معهم من بقي من المنسحبين من ميرون التي هاجمتها قوات يفتاح في أواخر أيار لكنها لم تسقط إلا بعد هجوم الطائرات الإسرائيلية في 28 تشرين الأول ومقتل أكثر السرية العربية المدافعة عنها. بقي في القرية الأولاد والنساء والشيوخ، والقتلى السوريون والفلسطينيون. سقطت الصفصاف.

دخل اليهود إلى الصفصاف في الصباح. في ضوء النهار رأوا قتلاهم على الأرض أمام مراكز الدفاع عن القرية! جمعوا أهل القرية، انتقوا منهم الشباب ابتداء من سن الثانية عشرة من العمر. صفّوهم قرب جدار. تقدمت جندية معها ستن، ورشّتهم. مشت قرب القتلى وتفقدتهم. رشت من رأته يتحرك. ثم انتقي من أهل الصفصاف أولاد دون الثانية عشرة. قيدهم اليهود وأوقفوهم وسط الطريق. مرت مجنزة فوقهم. تصرخون ياأهل الصفصاف؟ تنوحون؟ ابكوا موتاكم! ثمن قتلانا!.. احبسوهم وامنعوا عنهم الطعام والماء! في الصفصاف نبع الماء في المغارة، عين ينزل إليها بدرج، يجر الماء منها بموتور إلى البلد. رمي القتلى في تلك المغارة. ثم حفر لهم قبر جماعي. خذوهم، ادفنوهم! عدّهم العجوز الذي دفنهم: سبعون قتيلا.

حبس اليهود من بقي حيا من سكان القرية في المكان الذي كان مركز القيادة السورية. لاطعام، ولاماء سوى ماء الزيتون المرّ! في اليوم الرابع فتح عليهم الباب مردخاي رئيس بلدية روشبينا. معه لهم سيارة محملة بالطعام. قال لهم: نحن جيرانكم! يجب أن نعيش معا في سلام.. ربما وصلت قواتنا في هذه اللحظة إلى الشام.. لم يبق لنا إلا التعايش معا. يمكنكم أن تخرجوا..

التعايش مع من؟ مع الغرباء الذين أتوا من بلاد بعيدة عن فلسطين؟ بعد عقود سيكتب الأمريكي اليهودي ليون اوريس عن الشباب الذين جندتهم الصهيونية ليحتلوا فلسطين، وسيجعل حرق القرى العربية ونسفها وهي نائمة كسعسع أو صاحية كالصفصاف، كمهمة إلهية تهيأ في طقوس المعسكرات بعد خروف مشوي وقهوة عربية وعزف قيثارة وعناق. ربما كانت المجندة التي رشّت من توهمته لازال حيا بين قتلى الصفصاف هي كيتي نفسها! ربما كان آري هو آمر المصفحة التي دعست أولاد الصفصاف، أو التي ستدعس سيارة مدنية في جنوب لبنان بعد عقود من الزمن! "ملأ آري بعد الإفطار في الكيبوتز، كيسه بالشراب والمأكولات. ثم حمل مدفعه الرشاش ومخازن الذخيرة. كان قد قرر أن عليه في لحظات الفجر الاولى أن يخترق الجبل قبل الآخرين والطقس مايزال باردا. كان الهواء لاذعا. أما كيتي فملأتها لهفة المغامرة. انحرفا عن الجبل واتجها إلى قرية دبورية العربية التي تقع في عكس اتجاه مستعمرة بيت ألونيم. ثم سارا في درب ضيق. وبعد دقائق قليلة استطاعا أن يتبينا على بعد كيلومترات كثيرة مدينة الناصرة التي تهجع بين التلال. كان الهواء مايزال باردا. لكنهما تقدما بسرعة إلى الأمام. كانت كيتي تدرك تماما أن مارأته حتى تلك البرهة مجرد خدعة بصرية لأن جبل طابور يرتفع أكثر من 600 مترا. يبدو أن اليوم سيكون طويلا، وأصبحت قرية دبورية أكثر صغرا كلما تقدما. وبدت كأنها شيء غير واقعي كلما توغلا في البعد عنها".

سيرسم اوريس معسكرا دنيويا وإلهيا! فالنظام الداخلي للخدمة في البالماخ يوجه النداء التالي: "أيها الشباب والشابات تجنبوا الخجل والحشمة. أيتها النساء اليهوديات الفلسطينيات ضاجعن من يحبكم، وإلى الأمام!"  لذلك كانت "يوردانا وداوود متعانقين بقوة في حلم سعيد. في الرابعة فجرا قدمت لكل واحد حصته من الخروف المشوي مع كأس من القهوة العربية الحارة. وقد كرموا كيتي بأول صحن. وعندها هدأ تقريبا صخب الرقص والموسيقى، لكن بقي الكثيرون من المتعانقين مضطجعين. كان لحم الخروف المشوي رائعا. في هذه اللحظة كان يوهان يواصل العزف على الفلوت بلحن أغنية قديمة قدم الأرض، وفتاة من مواليد اليمن البعيدة تغني أحد مزامير داوود وكأن صوتها ينضح بالشجن والسر اليهودي الآسر. وفي ضوء النار التي تخبو طافت عينا كيتي بالتدريج على وجوه الحاضرين.

ساءلت نفسها: أي جيش هذا الذي لايلبس ملابس موحدة ولايحمل رتبا؟ أي جيش هو هذا الذي تقاتل فيه النساء بالبندقية والحربة إلى جانب الرجال؟ من هؤلاء أسود يهودا الشباب؟ تطلعت بطرف عينيها إلى آري بن كنعان وأصيبت بقشعريرة، تماما كما لو أن هذا الإدراك صعقة كهربائية اخترقتها. وقالت لنفسها: هذا الجيش ليس جيش الناس العاديين. هؤلاء الموجودون هنا هم المحاربون اليهود القدماء. ماأكثر مابينهم من دان وروبين ويودا وأفراييم، ماأكثر مابينهم من شمشون وديبورا ويوآب وشاؤول. هذا جيش إسرائيل. وليس هناك في الأرض من قوة تستطيع أن تقف في وجهه لأن قوة الله في حوزته!"

قال رئيس بلدية روشبينا لمن بقي في الصفصاف حيا: ربما وصلت قواتنا في هذه البرهة إلى الشام ، ولم يبق إلا أن نعيش معا! توسط لهم ليخرجوا أحياء! وخرجوا إلى بنت جبيل! سيبحث كل منهم عن ولده! تسللوا مرات من بنت جبيل إلى بيوتهم، ورآهم اليهود يأخذون بعض أغراضهم من الصفصاف ويرحلون. فلينزحوا! لتكن الأرض دون سكان! نفذ البالماخ بالقتل والظلم "مهمة إلهية"؟ 

فتح سقوط الصفصاف الطريق إلى الناقورة. أخذ اليهود الجليل العربي كله وسدوا الطريق إلى لبنان. كان الجليل الشرقي قد سقط في 15 أيار. ابحث الآن يايحيى عن أهلك! سيدلك إليهم من رآهم يعبرون بنت جبيل! الحقهم إلى دمشق!

 

 

 - 12 -

 

نفذت إنكلترا خلال انتدابها على فلسطين وعد بلفور الذي اعتمدته دول الحلفاء في صك الانتداب: تجعل الدولة المنتدبة البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تكفل خلق الوطن القومي اليهودي. اكتملت نواة دولة يهودية ذات مراكز مالية وعلمية وعسكرية. فحولت إنكلترا في 2 نيسان 1947 كدولة منتدبة، القضية الفلسطينية، إلى هيئة الأمم المتحدة. يسند اليهود أنهم من ضحايا النازية! وستظل من الأسرار التي يقتل أو يطارد كل من يكشفها، أن ليفي أشكول كان يدير مكتب فلسطين في برلين في أيام النازية! وأن فون ماندل شتاين، رئيس قسم الشؤون اليهودية في المخابرات النازية ساعد المنظمات الصهيونية في تنظيم معسكرات تربية وتثقيف للشباب اليهود تحضّرهم للعمل في فلسطين!

مع ذلك كان الضغط الأمريكي والإنكليزي أكثر من العطف على اليهود كضحايا، خلال بحث مسألة فلسطين في المؤسسة الدولية.

اجتمعت الهيئة العمومية في 28 نيسان وانتدبت لجنة تدرس مشكلة فلسطين. فرأت اللجنة مشروعين: الأول دولة اتحادية، والثاني دولتان عربية ويهودية. اختارت بالأكثرية الثاني. كيف يقبل العرب تقسيم بلادهم؟ ويتخلون عن مدنهم لدولة يهود غرباء العرب فيها أكثرية؟ عكا، حيفا، يافا، طبرية، صفد؟! في 29 تشرين الثاني 1947 قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة تقسيم فلسطين. وخصصت لليهود الغرباء مع أنهم أقلية 57% من فلسطين، الساحل وأكثر الأراضي والمدن التي لاتزال عربية! كان يلزم للقرار ثلث الأصوات وكانت أصوات هايتي وليبريا والفيليبين هي المرجحة. ضغط هارفي فايرستون، صاحب مزارع المطاط في ليبريا على حكومتها، ووجه ترومان موظفيه الأمريكيين للضغط على المندوبين.

رغم ظلم قرار التقسيم، سينقل اليهود بالقوة يافا وعكا من المنطقة العربية في خريطة التقسيم إلى المنطقة اليهودية. ولن ينفذ الجزء الآخر من قرار التقسيم: دولة عربية فلسطينية! صاح حتى الأولاد العرب في مدارسهم: أي ظلم! سرق قرار التقسيم من العرب أراضيهم، وفرض دولة غريبة! ولكن هل يستطيعون أن يردوا ظلم الدول الكبرى؟!

اجتمع في فندق طانيوس في عاليه، مجلس جامعة الدول العربية. كانوا يمثلون بلادا استقل بعضها بعد الحرب العالمية الثانية، هشة لكنها تحمل خبرة مقاومة الاحتلال. وبعضها يرتبط بمعاهدات إنكليزية. تابعوا جميعا الاستيطان اليهودي في فلسطين خلال الانتداب الإنكليزي. ماجت بلادهم بالمظاهرات في كل سنة في ذكرى وعد بلفور. وصرخ فيها السياسيون وغير السياسيين إن غرس إسرائيل على حافة بلاد الشام، بين المشرق والمغرب، يقطع الوطن العربي إلى شطرين. يلبي حاجة بريطانيا إلى حماية قناة السويس والمشروع الصهيوني، لكنه للعرب جريمة لايمكن أن تسكت عليها الشعوب العربية. ستقاس وطنية السياسيين طوال نصف قرن بموقفهم من مسألة فلسطين، فلسطين التي رأى العرب بعيونهم كيف تنتزع منهم بالقوة. قال الناس: الدول العظمى متآمرة علينا! الأجانب! اجتمع رؤساء الوزراء العرب إذن ليبحثوا ماالعمل. وسيجتمعون طوال خمسين سنة قادمة لأن إسرائيل ستظل تهاجم البلاد العربية!

لكن المجتمعين الذين وحدهم خطر الدولة اليهودية، باعدت بينهم أوضاعهم المتباينة بين الاستقلال والمعاهدات الأجنبية، وطموحهم الشخصي. يستهوي الملك عبد الله مشروع سورية الكبرى الذي يخشاه القوتلي ويرفضه الشعب السوري لأنه يلحق سورية المستقلة بالعراق المربوط بمعاهدة إنكليزية. يرغب الملك بضم بقايا فلسطين إلى شرق الأردن. ويطمح المفتي أن يكون رئيس حكومة عموم فلسطين. لذلك سيتجدد التوجس بينه وبين القاوقجي الذي سيحارب بقوة مسلحة في بلد يفترض المفتي أنه رئيسه. سيخشى الملك المتطوعين المسلحين الذين سيعبرون بلاده. وسيتوجس القوتلي من اتفاق جيش الإنقاذ مع الملك ضده. وعندما ينتصر جيش الإنقاذ ستنتشر إشاعات عن طموحه إلى انقلاب عسكري وسيخشاه من يسنده. ماهذه القوة غير النظامية التي لاتلتزم بقرارات الهدنة وتعترض على نقص التموين والعتاد وتطلب أن تسلح كجيش نظامي ويفاوض قائدها الملك عبد الله ورئيس الجامعة العربية والملك فاروق ورؤساء الوزراء العرب؟! استنفدت مهمتها!

 سافر القاوقجي في 19 تشرين الأول سنة 1947 مع عبد الرحمن عزام إلى دمشق واجتمع بالقوتلي ومردم وطه الهاشمي والفلسطينيين معين الماضي وعزة دروزة. قدر القاوقجي مايحتاجه من المتطوعين والأسلحة من كل بلد عربي. وعين معسكر لتدريب المتطوعين في قطنا. في 6 كانون الأول سنة 1947 بلغ اللواء اسماعيل صفوت والعميد طه الهاشمي، باسم جامعة الدول العربية، وباسم القوتلي، القاوقجي بأنه قائد المتطوعين. وألزموا الحاج أمين الحسيني بأن يقبل ذلك. أسس جيش الإنقاذ الذي يستطيع كقوة متطوعين أن يدافع عن القرى والمدن العربية قبل دخول الجيوش العربية إلى فلسطين في 15 أيار يوم جلاء الإنكليز عن فلسطين! قائده العام اللواء اسماعيل صفوت مركزه قدسيا. في 8 كانون الأول 1947 تحرك فوج اليرموك بقيادة الرئيس أديب الشيشكلي من قطنا إلى بنت جبيل في لبنان، وغطاه هجوم العشائر على اليهود في الزوية والقنيطرة. وفي 29 كانون الثاني تحرك فوج حطين إلى فلسطين.

أغلق رجل من مئات الرجال الذين تطوعوا في جيش الإنقاذ الباب وتحدث طويلا مع زوجته. بدا ذلك الاجتماع بينهما لبنته ليلى الطالبة في المدرسة، ولأخيها معتصم طالب الطب، مختلفا عن "اجتماعات" أبيهما السابقة مع أمهما. كانت أمهما منور تصغر زوجها بهاء .لكنها تبدو حاكمة البيت. يبدو أن زوجها يدللها بذلك. ففي أول الشهر يضع راتبه في يدها. فيوجه كل طلب إليها. منها تأخذ ليلى ثمن دفاترها وكتبها. ومنها يتناول معتصم ثمن قسط الجامعة وثمن بطاقة السينما، ومنها يأخذ بهاء نفسه نفقته في المقهى.

يعرف الولدان العلاقة الخاصة بين أبيهما وأمهما التي تختلف عن العلاقات في بيوت الجيران حولهما. بين ليلى وبين أخيها عشر سنوات لم تنجب أمهما خلالها. ومع ذلك لم يتزوج أبوهما امرأة أخرى. قال لهما مرة في متعة إنها اشترت في صباها زوج جوارب بليرة ذهبية. كانت منور قد تجولت في بلاد الشام مع زوجها يوم كانت بلاد الشام في دولة واحدة. لكن زهوها بأنها مدللة ومحبوبة وقوية، كان منسوجا بحزن مكتوم ينفجر أحيانا. فاجأتها ليلى مرة أمام صندوق قديم من الجلد المغلف بالقماش، وهي باكية تغمر وجهها بقميص أبيض مطرز فيه بقع دماء. جفلت عندما فتحت ليلى عليها الباب. واضطرت أن تقول لها: قميص خالك! اخرجي! عادت ليلى إلى الصندوق وحدها وتفرجت على القميص المطرز ولمست بقع الدم. ألبست في خيالها الشاب الجميل الذي تراه في صورة معلقة على الحائط في إطار من الخشب القديم، قميصه الجميل. بدا وسيما وأنيقا. سألت ليلى أباها في ذلك المساء: كان خالي جميلا؟ كادت دموعه تنط. سألته: تحبه؟ رد: كما أحب أمك! وكان ذلك ذروة الحب! لماذا إذن يتفاديان الحديث عما يحبانه، ويظهران كأنهما يعيشان هذه الأيام فقط؟ فتضطر أن تجمع كالجاسوسة الصغيرة طيفا من هنا وطيفا من هناك؟ يوم حبست ليلى نفسها في الغرفة معلنة الإضراب عن الطعام لأن أمها منعتها من الذهاب وحدها إلى السينما في ذلك العمر، قال لها أبوها: أمك ليست مذنبة. ولكن لو كانت ذنوبها بحجم الجبال لغفرها أنها كانت توزع كل يوم ثمانية أرغفة على الجياع أيام السفر بر في بيروت. يوم كان الناس يبيعون بيوتهم  ونساءهم بالخبز! وكان زملائي يكنزون الذهب والأراضي من بيع الخبز! باعت أمك حليها لتشتري مايلزمنا، كي توزع مجانا حصتي اليومية من الخبز!

أغلق بهاء ومنور عليهما الباب. ماذا يبحثان؟ أشار معتصم لليلى مبتسما أن تقترب من الباب لعلها تسمع حديثهما. فعبست: لاأتلصص على أحد! قال معتصم ساخرا: من طلب منك ذلك!

قالت منور لزوجها: لكن هذه الحرب لن تكون مثل حملة الترعة! ولست في ذلك العمر. هل تستطيع أن تتحملها؟ قال: لاأستطيع ألا أشترك فيها! لو بقي هنا لكان تعيسا ومذنبا. قال: أصحابي تطوعوا! سألته: إذن قد ترى أختي في عكا! رد: إذا قدر لي أن أكون قريبا من عكا. قالت في هدوء: سترد بعض دين فلسطين عليك! ابتسم! اشتغل في طبرية يوم كانت بلاد الشام دولة واحدة يخرج فيها من دمشق ويصل في اليوم نفسه إلى حيفا. عاش مع منور في بيت جميل على السور، يطل على بحيرة طبرية. رد: دينها لاأستطيع أن أفيه! أيقصد أنه أحبها في حيفا وتزوجها في طبرية؟

 

فتح الباب وخرجا. لم يقرأ ولداهما على وجهيهما فرحا ولاحزنا. جلسا على ديوان فوقه سجادة رقيقة طرية. قفزت ليلى وجلست قرب أبيها ومالت عليه بجسمها كله وعانقته. تقصد أن تظهر له أنها تحبه! كانت تمد نفسها من النافذة وتنتظر عودته. فإذا لمحته في أول الطريق ركضت لتلقاه. وكان يحمل لها كلما سافر إلى بيروت شيئا تحبه. قضبان قصب السكر، مربى الزهر، قبعة للشتاء، قفازين. ويأخذها إلى سوق علي باشا فتشم عبق الفواكه، وتستمتع بترتيبها الأنيق في صفين من الدكاكين، وتأكل تفاحة حمراء طيبة. وكان معتصم يدلل أمه ويبالغ في ذلك. فيرفع كفها إلى فمه ويقبلها. فتقول له ليلى: ألغيت تلك العادات منذ رحل العثمانيون! ستمر عقود من الزمن لتفهم أن القبلة على اليد ليست عبودية، فقد تغمر حتى القدم عندما يشف الحب!

قال أبو ليلى: اهتموا بأمكم في غيابي! تطوعت في جيش الإنقاذ الذي سيحارب في فلسطين. تجمع في فلسطين يهود من أنحاء العالم ليستوطنوها ويطردوا العرب منها. أهلها أهلنا. وهناك عشنا. هل أحب بيروت أكثر من حيفا؟ هل أحب دمشق أكثر من طبرية؟ لاأعتقد! لكن المسألة ليست فقط حبا وكرها. المسألة أن احتلال فلسطين سيكون دملا في قلب البلاد العربية. سنعاني منه حتى هنا في دمشق. لذلك تطوعت في جيش الإنقاذ الذي نظمته الجامعة العربية للمتطوعين. وقف معتصم: وأنا أيضا سأتطوع! دهش أبوه. لاتعرف الطرقات ولاالرمي. مع ذلك لو كنت متخرجا لكنت مفيدا كطبيب. ادرس وانجح! وماأكثر المعارك القادمة! جلس معتصم مجروحا. في هذا العمر يستطيع أن يقرر مصيره بنفسه! لكن هل يجرح أباه؟! أبدا! أبدا! قال أبو ليلى وهو يلف شعرها الناعم على أصابعه: هكذا كان جدك يلف شعر أمك الطويل على أصابعه. ثم نهض: لن أوقظكما في الفجر. سأقبلكما قبل أن تناما! سأعود كلما وجدت فرصة!

تقلبت ليلى زمنا في فراشها. وكذلك تقلب معتصم. لكنها غفت دون أن تشعر، ولم تصح عندما ركع أبوها قربها وتأملها وهي نائمة. ربط معتصم الساعة ولفها بمنشفة كيلا يبدو أنه قصد أن يستيقظ في الفجر. ودع أباه بعناق قوي وخرج معه إلى الطريق. مدت منور نفسها من النافذة. ومر في تلك البرهة رجل يسوق حمارا محملا بالقنب. لم توقد بعد الأفران! ولم تستطع أن تتابع زوجها في غبش الفجر. خرج بهاء من البيت مشرقا كما يخرج المؤمن بأنه ذاهب إلى عمل يملأ عمره. يوم ذهب إلى معركة الترعة كان ينفذ أمر أبيه. وكان يشعر بأنه يحارب حربا ليست حربه. لكنه الآن راجع إلى فلسطين التي أحبها، إلى القرى الخضراء التي عبرها، راجع إلى حياته الحلوة. ليدافع عن بلد مظلوم تكاتفت عليه الدول الكبرى ويهود العالم. وسيكون أمام اولئك. نعم، أمامهم! ماضاع حق خلفه مطالب! وهو أحد المطالبين بذلك الحق!

  هل بكت منور في ذلك الفجر؟ مرة أخرى يخرج الأميرالاي اسماعيل إلى الحرب؟! لا، ذاك خرج إلى حرب اليمن التي لم يخترها ولم يوافق عليها وقرر أن يكون فيها مقتولا لاقاتلا! وهذه ليست الحرب العامة التي سيق فيها أخوها نوري إلى العراق ليحارب الإنكليز ففقد فيها! هذه حرب يخرج إليها زوجها راغبا! وهي أيضا راغبة في أن يدافع عن القرى والمدن التي عاشت فيها. سيرد بعد هذه السنوات الطويلة الظلم الذي سلب أباها قريته وبيته التي سرقها منه اليهود. بينها وبين اليهود الذين استوطنوا فلسطين ثأر! فعندما كبرت فهمت أنهم دمروا أسرتها وبددوها. وأنها كانت تفصيلا صغيرا من برنامجهم في أن يستعيدوا أرض الميعاد باسم ربهم القديم!

في غياب زوجها في فلسطين فكرت منور بالموت. لم تفكر به أبدا سابقا مع أنها رأت  موت أبيها المحبوب. ثم أخيها المحبوب. وربما تمنت لو رأت موت أخيها المفقود أمامها، في حضن بلده لافي غربة عن البلد وغربة عن الحرب في العراق. لكن فتوتها وقوتها أبعدت الموت عن فكرها بعد كل موت رأته. خيل إليها أن الموت أخذ منها كل ضحاياه ولم يعد يجرؤ أن يدق بابها. لكنها في غياب زوجها فكرت: وإذا لم يعد؟ وخيل إليها أن ذلك حدث فلم تنم في تلك الليلة. قالت لتهدئ نفسها: يخرج كل إنسان من الحياة بطريقة خاصة. وقد يكون أفضلها الموت هناك! لكن ذلك لم يسعفها من الأرق. ماتزال ليلى تحتاجه. وهي؟ استعادته منذ رمت الطعام الذي طبخته في بحيرة طبرية للسمك. قالت له: لاأريد هذا الزواج! سأعود إلى بيت أهلي! فهم أنها فشلت في تحضير أول وجبة في حياتهما فتظاهر بالتعب وقال لها: سنبحث ذلك فيما بعد. ولن تنفذي إلا رغبتك. لكن لنأكل الآن لبنة وجبنا. لاأتحمل اليوم غيرها. ستكرر ليلى ذلك فيما بعد بشكل آخر. يوم يترك لها زوجها كومة من ورق السلق لتحشوه فيتمزق بين يديها. فتغضب وتترك له ورقة: لست ماهرة في التفصيل والخياطة! سيتغدى معها عند أمها منور ويتذكر الأيام التي كان فيها ضيفا دائما أيام الجمعة عند منور. وسيحرم على السلق الدخول إلى البيت!

كان بهاء أكبر من زوجته وعلى كل منهما أن يعبر كل تلك السنوات إلى الآخر. وكانت تشعر بأنها أقوى منه لأنها أصغر منه. ولأنه مفتون بها. ثم تبينت في بيروت أن النساء يهوينه وأنهن يدعونه إلى حفلات وسهرات. لكنها أبقته عاشقا يغار هو عليها لاهي عليه. انشغلت بابنها وبجاراتها. وماأحلى معشر أهل بيروت! وتجاهلت "بلورات" الصور السوداء التي وجدتها بين أمتعة التصوير التي استهوته. رأت فيها نساء عاريات الصدر، جميلات جدا. متى صورهن على تلك الزجاجات، وأين؟ لم تسأله أبدا. فاحترق بغمه. ويوم حمل ابنها إحدى تلك الصور التي وجدها في السقيفة بعد عقود من السنوات وسألها: ماهذا؟ قالت له في برود: كان أصحابنا يتركون أغراضهم عندنا عندما يرحلون كما تركنا أغراضنا عندهم عندما تنقلنا من مدينة إلى أخرى! بقي في ذاكرتها حبه فقط. لم يرفع صوته عليها في عمره. لم يحجب عنها زيارة رغبت بها. مع أنه كان يغار عليها حتى الألم. لمحته مرات يتبعها متخفيا. لمحته مرة في زاوية شارع بثوب شحاذ. ولم تذكر ذلك أبدا له. لكنها ابتسمت مرة وقالت له: رأيت اليوم مجنونا منبوش الشعر، يشبهك تماما! بعد تلك الملاحظة لم يتبعها متخفيا أبدا.

عاد من فلسطين بعد عشرين يوما. فوجئت واحمر وجهها. أتت حرب فلسطين كي تكشف حبها؟ قال لها: لدي يوم فقط. اليوم الثاني للطريق. تحدث عن شعوره بجمال بيته، وعن اكتشافه ليونة فراشه، واستمتع بنكهة الطعام. فتلفت ولداه إلى البيت الذي تعوداه ولحقا نظرته الجديدة. تصورت زوجته أنه سيغرق في النوم حتى الصباح التالي. لكنه بعد الاستحمام لم ينم. حاول أن يرفع ليلى كما كان يرفعها وهي صغيرة، مع أنها تكاد تكون في طوله. وعانق ابنه. تعشى معهم وانصرف لينام. لكن ولداه ناما والضوء مايزال مضاء في غرفته.

لم يصل إلى عكا! تنقل حيث طلبوا نجدات فإذا هو في محيط القدس. وفي كل زيارة من زياراته كانت منور تسمع تنقلاته. وكأنها تسير معه في ماسماه الناس حرب فلسطين. وتقرأ أوضاع الحرب من حماسته أو فتوره مع أنه كان حريصا على ملامحه. لكن الخيبة لاتخفى. ورأت أنه يكسب عمرا لم يكسبه أبدا من قبل في حياته العادية. الخطر يهدد العمر؟ الخطر يضيف إليه مسافات لاتقاس! حكى لها عن البرد الذي ارتجف فيه. عن الصداقة التي يستنبتها الخطر بين المجموعات. عن القهر كلما تدخل الإنكليز لأن اليهود يتراجعون. حكى لها عن الشجاعة التي تنسي الخوف وتوصل إلى النصر. لاتفهم المعارك التي خاضوها بمقاييس الحروب العادية التي تحسب العتاد والأسلحة. لأن تلك الحسابات لاتضيف الحب والحقد والجموح لاسترداد الأرض التي سرقها اليهود. قال لها: قوى كبرى ضدنا. أعطتهم دبابات وطائرات ومدافع ليس لدينا مثلها. ورسم لها صورة ملوك ورؤساء يخاف أحدهم الآخر، بعضهم يائس. فأحبت رياض الصلح لأنه أرسل للمتطوعين ذخائر وأسلحة ومابخل، وكرهت آخرين. وفي برهة قالت له وهو يحكي عن ترشيحا التي ضاعت واستردوها: أعرف اليهود. سيظلون يهاجمونها لأنهم سينفذون حدود دولتهم! كانت تضطرب كلما سقطت بلدة من البلاد التي يحكي عنها. تعرفها كلها. الناصرة؟ ياويلي! هناك تزوجت أختها زوجها الأول! وإلى هناك ذهب أخوها سعيد ليهرّب أخته من زوجها! بدا له أن الناصرة تسقط في تلك البرهة التي حكى لها عنها. مشت مع جميع القوات في الطرقات التي ذكرها. شهقت عندما ذكر طبرية، والقدس، ويافا، وترشيحا. اكتشف علاقتها بتلك القرى والمدن، التي ظن أنه يعرفها. كان لحيفا مكانها الخاص. ففي يوم سقوط حيفا لبست منور ثوبا أسود، ولم تأكل في ذلك اليوم لقمة، وغصت بالماء. خرجت من البيت واختفت حتى المساء.

فسر لها مرة لماذا يتوجس من مصير الحرب. قال: يخشى القوتلي أن ينفذ الملك عبد الله مشروع سورية الكبرى خلال حرب فلسطين. ويخشى الملك أن يكون السوريون قد اتفقوا مع السعوديين ولذلك طلب الملك سعود أن تحدد له منطقة في الأردن يدخل إليها. تصور أن السعوديين سيحتلون جنوب الأردن بينما تحتل سورية شماله. منذ البداية اتصل المفتي بالمتطوعين الفلسطينيين في معسكر قطنا وطلب منهم الفرار بأسلحتهم. وحول المفتي إليه بعض المساعدات التي خصصتها العراق والسعودية ومصر للمتطوعين. ويخشى الملك من حكومة يعلنها المفتي في فلسطين التي ينوي الملك أن يلحق بقاياها بالأردن.

رسمت منور في هواء غرفتها، على جدرانها، على طاولة طعامها، على بابها وثيابها، مسارات المتطوعين منذ بداياتها. وأوصلتهم على الجسور الموجودة والمقطوعة. عبرت معهم نهر الشريعة الذي تعرفه. يحتاجون الإذن لهم بالعبور؟ يحتاج الدفاع عن فلسطين إلى إذن؟!

نعم، يرتبط الملك بمعاهدة مع الإنكليز. ومع ذلك يجب أن تمر قواتنا في الأردن! جاء إلى دمشق في 30 كانون الثاني 1948 قائد الجيش الأردني اللواء عبد القادر الجندي. قال لدينا معاهدة مع الإنكليز. لذلك اتصلوا بنا لندبر دخولكم دون أن نغضب البريطانيين. نخبرهم مسبقا؟ من يضمن ألا ينقل الإنكليز الخبر لليهود؟ لذلك لم يخبرهم القاوقجي أن رتل المدفعية والإمدادات والمشاة تحرك في آذار 1948 من الضمير وقطنا إلا عندما وصل إلى درعا. اتصل من درعا باللواء عبد القادر الجندي فأخذه ليقابل الملك. قال له الملك إنه سيوحد سورية. سينقذ فلسطين ويضمها إلى شرق الأردن. وإنه يحتاج إلى مرفأ حيفا! وانتقد القوتلي لأنه ضد وحدة سورية. لذلك اتصل القاوقجي بالحرس الأردني على جسر اللنبي من وراء ظهر الملك وغلوب، فنصحوه أن يعبر الجسر في الثانية صباحا كقافلة أردنية. وعبره. قبل ذلك كان فوج المقدم صفا قد وصل إلى درعا في 21 كانون الثاني، ورفض الأردن عبوره. وبعد الاتصالات وافق شرط عبوره جسر دامية ليلا. مع ذلك احتجت بريطانيا وفكك البريطانيون جسر دامية. فانقطع التموين عن القوة التي عبرته. 

تجاوزنا الأيام التي شوشنا فيها جماعة الحاج أمين. في 21 كانون الثاني 1948 طلب صفا من القاوقجي المفرزة الشركسية من قطنا لأن جماعات الحاج أمين تزعجه. فعبرت بالقوارب لأن نهر الأردن مرتفع وجسر دامية مفكك. وفي 27 كانون الثاني 1948 أعلمتنا الحكومة الأردنية بأنها لن تسمح إلا بمجموعات لاتثير الانتباه. 

لكن هذا الوضع العام جانب فقط من الحرب. قال لها: أسلحتنا ألمانية وايطالية وفرنسية وإنكليزية. قد توجد ذخيرة لهذه ولاتوجد لتلك. نحارب دون ذخيرة لائقة في جبهة واسعة! لكنه لم يكن حزينا. كان يحارب. والنصر والهزيمة احتمالان متكافئان.

ظن أنه باح لزوجته بما في قلبه. لكنه انتقى التفاصيل التي حكاها لأولاده. فتحدث فقط عن المعارك بما فيها من نصر ومن هزيمة. وعن ضرورة التناسق بين الجبهة السياسية العربية وبين المقاتلين. بين القوات المتطوعة غير النظامية وبين الجيوش العربية. قال: لاتظنوا أن اليهود يستطيعون أن ينتصروا بآلاتهم فقط. بل بوحدة منظماتهم السياسية والعسكرية وبمساعدة العالم لهم. وقال لهم بتأن كأنه يترك وصية: يتدخل الجيش البريطاني دائما ليحمي اليهود كلما رآنا ننتصر عليهم. منع البريطانيون اتصال القرى العربية بحيفا وغيرها، فيسروا سقوطها. سهلوا نجدات اليهود. وحرسوا مستعمراتهم منا. عندما طاردناهم باتجاه زرعين - العفولة ظهرت الدبابات البريطانية وأوقفت الاشتباك فانسحب اليهود بحمايتهم. عندما اشتبك الشيشكلي مع اليهود في معركة جدين قرب ترشيحا ليشغلهم عن قوات صفوة، أنجد البريطانيون اليهود. كلما تضايق اليهود من قصفنا طلب البريطانيون وقف القصف لينقل اليهود جرحاهم وقتلاهم ويعيدوا ترتيب قواتهم ويطلبوا النجدة. تفرض الهدنة ليعيد اليهود ترتيب قواتهم ولتصلهم بواخر الأسلحة. تذكروا ذلك! لأن هذه الحرب ستكتب بشكل آخر. سيبالغ العرب بوضعهم الذي منع الانتصار فيها. وسيبالغ اليهود في انتصاراتهم ولن يذكروا هزائمهم. تذكري ياليلى، تذكر يامعتصم، أن أباكم هزمهم مرات وأرجعهم عن ترشيحا! واسترد منهم المالكية. واستعاد  التلال التي احتلوها! سألته منور: تتحدث كأن الحرب انتهت وخسرناها! رد: لم تنته. ولن أقول خسرناها حتى يحدث ذلك. لكن تذكري أننا لن نخسرها لأننا لم نندفع فيها ولم ننتصر فيها. بل لأن سلاحا جديدا من الطائرات والدبابات وصل إلى اليهود. سلاحا موحدا لم نصادف مثله من قبل لديهم. ولأن العالم يفرض الهدنة وسيجعلها هدنة طويلة! ياليلى، يامعتصم، اكرهوا الإنكليز الذين صاغوا وعد بلفور ونفذوه! اكرهوا أمريكا التي تدافع عن سارقي فلسطين! لكن ميزوا دائما بين الشعوب وبين حكامها! أنت ياليلى أصغر من أخيك لذلك أقول لك: لاتصدقي أن فلسطين يهودية إذا كرروا ذلك ذات يوم! كانت في فلسطين مستوطنات عسكرية لكن المدن والقرى بقيت عربية حتى هجموا عليها في هذه الحرب وهجّروا أهلها. لجأ سكان القدس إلى بلاد فلسطين التي لم تسقط بعد!

كانت معركة القدس جرحا في قلبه. وخيل لزوجته وهي تضع كفها على صدره تلك الليلة أنها تلمس ذلك الجرح. وأرعشها نبض قلبه السريع. شعرت أن دير ياسين والقسطل ليست علامة فقط في الحرب بل ندبة في روحه. أفقدته الفرح بانتصارات بعدها فصار يرويها كحدث يجب أن تعرفه. ولاحظت تحت حماسته نزفا هادئا لايتوقف. توجه فوج من فوجين أرسلتهما القيادة العامة إلى القدس. أكدت توصية رياض الصلح وجميل مردم: يجب ألا تسقط القدس! مع أن يافا كانت تطلب النجدة.. لكن الهدنة قررت ليرتب اليهود قواتهم ويفكوا الحصار عنهم. بعد الهدنة هجموا فورا على التلال المحيطة بباب الواد. فأرسلنا إليها السرية اليمنية ومن بقي من الشراكسة، واستقدمت المدفعية. استعدنا المرتفعات والأحراش، صدنا مصفحات يهودية. ومنعنا سقوط القدس قبل دخول الجيوش العربية! حاول اليهود العودة فحمينا باب الواد بسرية من المتطوعين الأردنيين وبالمسلحين الفلسطينيين. هجم اليهود على اللطرون وأخرجناهم منها! خيل لمنور أنها ترى بريق النار على وجه زوجها المتوهج. كان منتصرا! لكنها استنتجت أن الهزائم ليست له فقط موقتة. بل موقتة أيضا لليهود الذين يملكون البحر والسفن التي تحمل لهم السلاح والمتطوعين! وكادت تقول له فيما بعد وهو يروي هزيمته: كنت أعرف أن الحالة ستصبح سيئة في القدس! قال: حاول اليهود أن يصلوا تل أبيب بالقدس باحتلال قرية القسطل. فوصلنا نجدة إلى القدس. لكن القسطل كانت قد سقطت قبيل وصولنا. استشهد عبد القادر الحسيني وتشتت المقاتلون الفلسطينيون. حاولنا استعادتها. أخرجنااليهود منها وأعدنا القوات الفلسطينية إليها. ولكن.. ولكن..

كان متطوعو جيش الإنقاذ ينفذون أمر القيادة بالانسحاب، لأن الجيوش العربية صارت مسؤولة عن الدفاع عن فلسطين، عندما طلب الأردنيون أن ينجدهم جيش الإنقاذ في القدس. وصلت برقيات تشبه نداء امرأة عربية إلى المعتصم: اليهود يقصفون الحرم. واأسفاه على المدينة المقدسة! فاستعاد القاوقجي المدفعية المنسحبة إلى نابلس، وفوج غسان جديد والمتطوعين الأردنيين والمسلحين الفلسطينيين. استخدم عفيف البزري مدفعيته، وتقدم المتطوعون إلى الشيخ جراح.

 لاتحتاج منور إلى ترتيب التفاصيل. أمسكت بالنتيجة. قالت له كأنها تستعيد كلماته التي قالها وقت كان الانتصار والهزيمة متكافئين، وكان لديه أمل في التموين والأسلحة: لكنكم أثبتم أن السلاح ليس وحده القوة الفاصلة! فرد في ألم: وأثبتوا لنا أنه القوة الفاصلة! وقال كأنه يتذوق المرارة ليعذب نفسه: منعنا اليهود من القدس. لكننا نجدة لاتستطيع أن تبقى! انسحبنا فهجم اليهود على القسطل وذبحوا أهل دير ياسين! دير ياسين عقدت اتفاقا مع اليهود بعد انتشار الذعر وإجلاء العرب عن المدخل الغربي إلى القدس. لكن الهاغاناة وقت شنت الهجوم الكبير لتحرير الطريق إلى القدس قررت الهجوم على دير ياسين.

في زياراته كان بهاء يعود إلى القدس بأحاديثه. وستظل دير ياسين جرحا مفتوحا يستعيدها العرب ليبينوا وحشية الصهيونية. فهمت منور أن دير ياسين والقسطل صارت كالأوجاع المزمنة التي يحركها البرد والحر. "القسطل طريق القدس! استعادها عبد القادر الحسيني. لكنه قتل فصدم رفاقه وانسحبوا. فسقطت مرة ثانية في 9/4/1948 في الليلة نفسها سقطت دير ياسين! حاصروها في الليل وهجموا عليها في الفجر. دافعت عن نفسها. عندما قتل محمد الحاج عايش زغردت أمه حلوة زيدان، فنزل والده فقتل. نزلت حلوة زيدان وقتلت. ذبحوا بعض أهلها وأخذوا الباقين أسرى فطافوا بهم حفاة في شوارع القدس في موكب نصر وسط هتافات الجماهير اليهودية، ثم أعادوهم إلى القرية وقتلوهم. عدد الضحايا 245 شخصا.  قتل اليهود أهل القرية". في تلك الزيارة قال لولديه: "ستقدم لكم صور المقاومين العرب مغطاة بكوفيات. وستقدم صور اليهود بملابس عسكرية مرتبة. فلاتظنوا أن المقاومين العرب حملوا بارودة جاهلين بفنون الحرب. عبد القادر الحسيني تخرج من الجامعة الأميركية، اشترك في ثورة 1936، لجأ إلى العراق، تخرج من الكلية العسكرية، واشترك في ثورة الكيلاني، ترك العراق إلى ايران مشيا، اعتقل في بغداد سنة 1944 وسجن ثم نفي".  

وقت خرج بهاء من أحزانه المكتومة أمام أولاده، وأخفاها بوصية جديدة تؤكد وصاياه الماضية فقال لهم: اكرهوا الإنكليز لكن لاتخلطوا بين الحكومات وشعوبها، قالت له: بكرت على الوصايا! قد تجعلك الانتصارات تغير رأيك! رد في هدوء: سقطت أكثر المدن العربية، حيفا ويافا وعكا وصفد وطبرية! نحن الآن نقاتل في الجليل! نقاتل كيلا يسقط الجليل الخصب، ذو التلال والمرتفعات، المتصل بسورية ولبنان، المشرف على منبسطات فلسطين. ويقاتلنا اليهود كي يحتلوه كله! يبدو لي أننا في خطنا الأخير!

فهمت أساه. وبدت لها روحه مشروخة كروح أخيها سعيد يوم باح له رفيق أخيه نوري: كنت مع نوري في العراق. جرحنا معا. ثم رأيته مقتولا! منذ تلك البرهة لم يعد الأمل حلما يجدلون خيوطه العنكبوتية كأنها حبال المراسي! نهضت منور. ترفض هذه الهزيمة! قالت لزوجها: ليس التقدم من الخط الأخير إلى الخط الأول معجزة! قلت إن الأسلحة لاتحارب وحدها. التفت إليها: لكن الرجال لايحاربون دون أسلحة! أيحدثها عن برقية محمد صفا الغاضبة إلى المفتش العام ورئيسيّ الجمهورية اللبنانية والسورية.. "لاعتاد نستغرب تسليمكم أرواح الناس وأنتم وراء مكاتبكم.. تفضلوا وأرونا عبقريتكم.. البرقية باسم جنودي وباسم خمسين ألف فلسطيني في منطقتي..ألم تتعلموا من مأساة الناصرة؟ إذا لم تصل هذه البرقية إلى رئيسيّ الجمهورية نشرت مضمونها في الجرائد.."

في الحمّام وهو مستسلم للماء الدافئ المنهمر عليه، بدا له أنه بالغ في التعبير عن أساه أمام منور. قال لها عندما خرج: لاتفكري بكل ماقلته كأنه حقيقة مطلقة. سألته: هذا تأثير الماء عليك، أم تريد أن أطمئن عليك؟ ابتسم. لايمكن أن يراوغ أمام هذه المرأة أبدا. قال: هذا وذاك معا. لكن من يملك الحقيقة عن جبهة تتحرك كل يوم؟! في تلك الليلة غنى لها. قال: سهرنا سهرة رائعة في القمر. هل لاحظت أن قمر الشتاء أكبر من قمر الصيف؟ بيننا متطوعون فلسطينيون غنوا أغنياتهم. أعجبتني أغنية عن فلسطيني شنقه الإنكليز في انتفاضة 1936 وقد يكون نوح ابراهيم هو الذي أنشدها. لاتفهمي منها الحزن فقط. انتبهي فقط إلى جمالها ودفئها. خيل إلي أنها وهبتنا قوة إضافية في دفاعنا عن ترشيحا. اسمعي!

ياليل، خلي الأسير تايكمل نواحو

راح يفيق الفجر ويرفرف جناحو

تايتمرجح المشنوق في هبة رياحو

شمل الحبايب ضاع وتكسروا قداحو

***

ياليل وقّف تامضّي كل حسراتي

يمكن نسيت مين أنا ونسيت آهاتي

ياحيف كيف انقضت بايديك ساعاتي

***

لاتظن دمعي خوف، دمعي على وطاني

وعاكمشة زغاليل في البيت جوعاني

مين راح يطعمها بعدي

وإخواني قبلي شباب عل مشنقة راحو

***

وبكره مرتي كيف راح تقضي نهارها

ويلها علي أو ويلها على صغارها

ياريتني خليت في إيدها سوارها

يوم دعتني الحرب تاإشتري سلاحها

لم تسأله فكرت في؟ سألته: كرهت الإنكليز بعد الأغنية أكثر مما كرهتهم قبلها؟ نعم! بعدها بدا لي الأمريكي الذي يتصل بنا كعضو في لجنة مراقبة الهدنة عفريتا أسود! قالت: لكنه ليس إنكليزيا! رد: أصله من هناك! قالت: صحيح! خرب الإنكليز بيوتنا! فتحوا فلسطين للمستوطنين! قال: لكننا لانخلط بين الشعوب وبين حكامها! ذكّرته: وصيتك لأولادك! لكن، لو أني أرى ذلك الشعب الذي يقبل اولئك الحكام! 

هل خافت عليه عندما ودعته في ذلك اليوم؟ أم كان غضبها أكبر من خوفها؟ لو كان الجيش يقبل نساء لتطوعت ولكانت مفيدة في بلد تعرفه. لكن النساء العربيات اللواتي حاربن في الماضي البعيد وكانت منهن عائشة التي ركبت الجمل وقادت آلاف الرجال، وكانت منهن أسماء التي قالت في ترفّع: أما آن لهذا الفارس أن يترجل، وكانت منهن غزالة الخارجية، حبسن منذ زمن طويل في البيوت. نازك العابد، الجميلة الشقراء التي حاربت في ميسلون مع يوسف العظمة، نسيها الناس. ليست سامية المدرس التي لبست ثياب الجيش غير مثل للفرجة. والفتيات اللبنانيات والفلسطينيات، سناء محيدلي ولولا عبود ودلال المغربي، اللواتي سيفجرن أنفسهن في المحتلين، لازلن بعيدات!

كان بهاء يحارب في أرض محددة بينما كانت منور تضع في بيتها الحرب كلها! لذلك لاحظت ليلى أن أمها ضيعت نكهة الطعام الذي تطبخه. وأن غرفتها تبقى مضاءة حتى تغفو ليلى. شق معتصم بابها عندما استيقظ صدفة في الفجر، فبدا له أنها غفت منذ برهة. كانت تعيش وسط هزائم الحرب، ولم تكن انتصاراتها غير حقد المظلومين المكتوم الذي يتوعد بالعدالة ذات يوم بعيد. وفي تلك الأيام قطعت صلتها الأخيرة بالسماء.

كانت دمشق تغلي. وحديث الناس في البيوت عن مؤامرة الدول على العرب. لكن أكثر غضبهم على خيانة الحكام. كان الغضب أسهل من الإحاطة بالظروف المعقدة. قرر منذ ذلك الوقت أن تكون إسرائيل أقوى دولة في المنطقة. وستبتدع صيغ جديدة لسيادتها عليها.

غاب بهاء في الخط الذي سماه خط الدفاع الأخير. في أيار اصطدم الجيش اللبناني بقوات يهودية داخل الحدود اللبنانية. فطلبت لبنان قوات الإنقاذ. أرسل فوج حطين إلى بنت جبيل وفوج اليرموك إلى سمخ. في 29 أيار وصل بهاء إلى لبنان. أمامه المالكية التي سيقاتل ليستعيدها! تشرف المالكية على طريق عيترون - قدس. تحمي سهل الحولة الممتد بين الحدود السورية واللبنانية. لذلك أخرج اليهود الشيشكلي منها. " تبعد المالكية نصف كيلومتر عن الحدود اللبنانية. بقيت لبنانية حتى رسمت الحدود سنة 1923 فوضعت في فلسطين. مهمتنا أن نحمي أيضا الحدود اللبنانية! لذلك قال الجنرال شهاب للقاوقجي يوم وصلنا: هذه الليلة سأنام بالبيجاما!"

كان يخيل لأبي ليلى في كل اشتباك، أن الانتصار في فلسطين كلها معلق بتلك البرهة. نفض ألمه أمام زوجته وتركه عندها. وهو الآن يأمل أن يرجح الانتصار على الهزيمة. صب قلبه كله في معركة المالكية. قصف الجيش السوري تحصينات اليهود فيها. فرفع بهاء يده تحية للطيارين الذين لم يروه. قصفها آمر المدفعية عفيف البزري. وتقدم بهاء مع  مجموعته. كانوا فوجا لبنانيا معه شوكت شقير، وفوج البادية، وسرية بدوية، وسرية درزية، لجموا النجدات اليهودية. واستعيدت  المالكية! كان القتلى اليهود فيها إشارة إلى الانتصار العربي. هؤلاء القتلى هم الذين أخرجوا الشيشكلي منها وقتلوا كثيرا من العرب! لكن بهاء التفت عنهم. ربما كان قاتل أحدهم! لكن ذلك لايمتعه. اضطره هؤلاء القتلى إلى الحرب لأنهم استوطنوا بلاده! "تقدمنا إلى قدس ودخلناها. وأصبحت الحدود اللبنانية في أمان". قال بهاء لمنور: " قدس في سهل في طرف واد. فيها ينابيع وحمام ومسجد فيه نخلة. مبنية بالحجر. كانت لبنانية حتى جعلتها الحدود التي رسمت سنة 1923 من فلسطين". حكى فيما بعد لمنور عن حيلة اليهود لاحتلال المالكية. في ليلة 14 - 15 أيار سقطت المالكية وقدس. لكن العرب استعادوها. تسلل طابور يهودي  مدرع إلى المنارة، كأنه قافلة تموين. عبر أرضا مكشوفة بين المنارة وطريق مرجعيون - المالكية دون أنوار. ظنت المالكية الطابور نجدة لبنانية. فوجئت وسقطت. لم تتوقف منور عند المكر: يوم وصلتهم الأسلحة تحت السكر والرز، ويوم وصلتهم معامل السلاح إلى بيروت كآلات صناعية وساعدهم الإنكليز في نقلها، كان ذلك مكرا! سيحتالون حتى يخطفوا فلسطين. أنتم لاتحتالون كي تستردّوها، لأنها بلادنا! لم يفهم بهاء عندما استعاد كلماتها هل قالت ذلك في سخرية أم في مرارة!    

استوقفتها معركة المالكية وقدس. قالت: يتقاتلون على خط الحياة! على الموقع الأخير الذي يخرجون العرب منه. والموقع الأخير الذي يريد العرب أن يتقدموا منه. لاتعرف القريتين. لكن حدسها كان صحيحا. أخذ البالماخ المالكية من فرقة اليرموك الثانية في منتصف أيار واستعادها العرب في اليوم التالي. في 20 أيار اخترقت إسرائيل منطقة المالكية. وحاولت أن تحتلها. بعد أسبوعين تسلل كوماندوس يهودي إلى لبنان وتقدم إلى المالكية من الخلف كأنه النجدة المطلوبة، فعبر القرى اللبنانية في سلام وترحاب. التقى في طريقه بالنجدة اللبنانية وهاجمها. وصل إلى المالكية واحتلها في 29 أيار. في 7 حزيران استعادها اللبنانيون وبقيت معهم الصيف. في عملية حيرام احتلتها أربع فرق إسرائيلية. كانت محصنة من الشرق، لكن الإسرائيليين هاجموها من الجنوب وغطاهم الطيران، واحتلوها في تشرين الأول 1948. سقطت قدس مع المالكية. فصرخت منور: انتبهوا! يأتونكم من الشرق عندما تتوقعونهم من الغرب، ومن الجنوب عندما تتوقعونهم من الشمال! صرخت لتنبه من لن يسمعها، أم صرخت لأنها خمنت أن مصيرها كان هناك؟

قبل المالكية كانت في كل زيارة تعيد زوجها إلى حيفا. هل كانت حيفا وجع منور؟ كانت الناصرة وجع بهاء! كشف جرح روحه لمنور، وكانت مثله موجوعة. بقيا إلى مابعد منتصف الليل يتحدثان عن الناصرة.

طلب الإنكليز والأمريكيون من أمين الجامعة العربية عبد الرحمن عزام هدنة بين العرب واليهود. قال المتطوعون: لأن بواخر الأسلحة قادمة في البحر إلى اليهود! وأنجدوا لوبيا ومجد الكروم،  وردوا الهجوم على الناصرة. كان اليهود يقطعون طريق الناصرة عند مستعمرة الشجرة. الشجرة لليهود طريق تافور طبريا. وللعرب طريق الناصرة المغار. إذا أخذها اليهود عزلوا الناصرة عن محيطها العربي.

 أرسل بهاء مع مجموعة مشت إلى الرامة ومنطقة الناصرة. يجب إبعاد اليهود من التلال ليصبح الطريق إلى الناصرة مفتوحا! أتى وزير الدفاع اللبناني الأمير مجيد أرسلان نفسه ورأى ضرورة ذلك، وأمّن الذخيرة. مشى بهاء مع المتطوعين إلى الشجرة في 10 حزيران. سندتهم مدفعية عفيف البزري. كان الهجوم صعبا حتى علقت أقدامهم بالمرتفعات. فانسحب اليهود إلى داخل مستعمرة الشجرة، ووصل المتطوعون إلى الناصرة ودخلوها. مع ذلك لاتوجد حدود على الأرض بعد، ولاحدود بعد بين النصر والهزيمة! اشتبك اليهود بقوات الإنقاذ في قرية الشجرة وهاجموا شفا عمرو والبروة. دعم المتطوعون البروة وشفا عمرو. وكان الجيش السوري قد احتل مشمار هايردن. لكن اليهود هجموا على البروة في 11 حزيران 1948 بعد قصف جوي واحتلوها. استردها الإنقاذ. وعندئذ طلب وسطاء الهدنة الغاضبون إخلاءها. لم يلب طلبهم. هجم اليهود على قرية الشجرة والبروة والمالكية ورد هجومهم. عادوا فهجموا على البروة بمصفحات ومدافع ظهرت لأول مرة، واحتلوا البروة. وقت كاد الإنقاذ يستردها ظهرت بارجة في ميناء حيفا قصفتهم بمدافعها وردتهم. وفي تلك الأيام عرف المقاتلون أن الطائرات اليهودية قصفت القاهرة في منطقة قصر عابدين، وقصفت دمشق مرتين.

حمل رجل أتى من عند بهاء رسالة لمنور تطمئنها. لكن حديثه كان يناقض الرسالة. حدثها عن آخر مارآه. استمرت المعارك في البروة يومين كأنهما شهران. وحقق فيها مراقبو الهدنة. دخلها الإسرائيليون في صباح 11 حزيران، فلجأ أهلها إلى القرى المجاورة عشرة أيام ثم قرروا أن يعودوا ليحصدوا قمحهم. تجمع الرجال في المقدمة وخلفهم النساء، وفاجأوا بهجومهم اليهود فانسحبوا. حصد الفلاحون بقية القمح وبقوا في القرية حتى 24 حزيران. دخلت قوات الإنقاذ القرية وفي اليوم نفسه دخلها اليهود وأخرجوهم. تسلل أهل القرية فيما بعد وأخذوا بعض أغراضهم منها. قالت له منور: إذن سقطت! أطرق الرجل وزفر زفرة طويلة. كان قد شرب قهوته فنهض: يجب أن أعود إلى هناك بسرعة! كادت تقول له: وهل بقي لذلك وقت؟ شعرت بالحقيقة في روحها. ففي منتصف تموز أصبحت البروة التي تحدث عنها خلف الخطوط الإسرائيلية. ولن يبقى منها فيما بعد غير ثلاثة بيوت وضريحان ومدرسة وسط الصبار والشوك.

  فهم المجتمعون في خيمة بهاء تلك الليلة أن الحرب ترسم آخر خطوطها. ظهرت في المعارك فوق تلال الشجرة مدفعية يهودية ثقيلة.  يريد اليهود أن يقطعوا طريق الناصرة، ويطمئنوا على العفولة وطبريا! قصفت طائرات يهودية الناصرة. ظهرت طائرات يهودية فوق ترشيحا. دخل اليهود اللد والرملة. أنقذ العراقيون جنين لكن المنطقة بقيت بيد اليهود. ردد بهاء تلك الليلة: الجليل!  

استعادت منور كل ماقاله وجربت أن تصنف المدن الساقطة والمدن التي لم تسقط بعد. وبدا لها أن تنقله ليس دليل قوة بل دليل ضعف. في آخر زيارة قال لها: كم كلفنا الجليل! قاتل فوج غسان جديد في جبهة صفد. هاجم عين زيتيم وصفد وقصفها. وحاول أن يسترد ماأخذه اليهود من الشجرة. كان أديب الشيشكلي يومذاك في الرامة مسؤولا عن تموين جبهة الشجرة. "ضقنا بمستعمرة الشجرة التي تهدد طريق الناصرة". اعتمدت المغامرة في الهجوم على مستعمرة الشجرة، بالبنادق والرشاشات وأربع مصفحات! "دخلنا مستعمرة الشجرة الخطرة وصار طريق العفولة مفتوحا. لكن لم يبق من السرية كلها وهي 129 إلا 16 فقط كنت منهم".

كانت في الناصرة قوة رئيسها أبو ابراهيم، تابعة للهيئة العربية العليا. وكان في صفورية، على بعد خمس كيلومترات شمال الناصرة، قوة محلية رئيسها أبو محمود الصفوري، تابعة للهيئة العربية العليا. وفي شفا عمرو فصيل من الإنقاذ. هل يصمدون للمصفحات والطائرات والمدفعية التي وصلت إلى اليهود خلال الهدنة؟ 

في 16/7/1948 صباحا طوق صفورية رتل من الدبابات على بعد كيلومتر من الناصرة. وفي الساعة التاسعة وصلت برقية من اسماعيل الصفوري تعلن: دخل اليهود بدباباتهم الثقيلة تشرتشل صفورية والمعركة حامية على أبواب الناصرة. تقدمت قوات يهودية من جهة طبريا إلى المغار.

لاتستطيع المصفحات أن ترد الدبابات! وحيث هجم اليهود بالمصفحات والدبابات لاتوجد غير بنادق عربية! دخل اليهود الناصرة!  يجب إذن أن ينسحب المتطوعون من الشجرة قبل أن يطوقوا! "انسحبنا تحت القصف الجوي، مشيا!" سيرتبون خط الدفاع عن سهل البطوف شمال صفورية، وباتجاه شعب غرب مجد الكروم! خط يبعد عن صفورية 4 كيلومترات.

سيعرف من بقي حيا بعض الأسرار: بينما كان جيش الإنقاذ مشغولا بالشجرة وترشيحا نفذ اليهود عملية ديكل. احتلال قرى سفوح الجليل الغربي من الكابري إلى البروة إلى شفا عمرو. هاجم اليهود شفا عمرو ودخلوها بحيلة. في ليل 14-15 بينما كان القاوقجي مشغولا بالشجرة سارت الآليات اليهودية لاحتلال الناصرة. في مساء 15 تموز عبرت 15 كيلومترا داخل المنطقة العربية، مطفأة الأنوار، ووصلت إلى ضواحي صفورية وهاجمتها في الليلة نفسها. عرف عن عرب صفورية في الجليل كله أنهم محاربون أشداء، لكن القرية سقطت بالمفاجأة دون قتال تقريبا. وتقدمت الآليات لاحتلال الناصرة. أرسل قائد المدينة مصفحات. أصيب منها ست من تسع. سقطت الناصرة في الساعة 20,40 سقطت الناصرة! سقطت! بعد سقوطها انسحبت قوات القاوقجي من الشجرة. وسقطت دبورية ولوبيا، وفتح الطريق إلى طبريا.

كتب بهاء في مفكرته: "قبل أن نستريح هاجم اليهود بالدبابات والطائرات ميرون في جبهة صفد، ومجد الكروم، لينجزوا احتلال الجليل كله. في 23/7/1948 قاومتهم مجموعات صفا في معارك سخنين، شعب، وردتهم. ولاحظ صفا مما كسبه من الاشتباك أن السلاح اليهودي صار موحدا، مصنوعا في تشيكوسلوفاكيا. في 31/8/1948 هجم اليهود من مستعمرة المنارة على القرى اللبنانية. هجموا على قرية الحولة وميس الجبل ورددناهم. رد شقير الهجوم عن المنارة. ودافعنا مع أهل شعب عنها. وحاول اليهود التسرب إلى داخل لبنان من مستعمرة المنارة". في 7/9/1948 هاجم اليهود جبهة فوج غسان جديد في منطقة صفد. أرادوا مرتفعات عموقة على بعد كيلومتر من صفد، التي تشرف على سهل الحولة وطريق طبريا - صفد. ثم هجموا على ماروس في جبهة غسان جديد، التي تقابل موقع الجيش السوري في مشمار هايردن. واشتبكوا مع غسان جديد قرب عين التينة في ضواحي صفد.  وفي الوقت نفسه تقدمت قوات يهودية إلى ترشيحا. بخط مائل في الحاشية كتب بهاء مافاته أن يسجله: يامنور لو تعرفين ماروس! على سفح الجليل الأعلى الشرقي. تطل على سهل الحولة. قربها نبع وحولها شجر الفواكه. ايغال ألون قائد البالماخ أرهقها بحرب نفسية. هاجمها مرات  وأذيع على أهلها: انجوا بأنفسكم وإلا لن تجدوا الرحمة! لكنها لم تحتل إلا في نهاية تشرين الثاني.   

في الصفحة التالية كتب: أتى حسني الزعيم قائد الجيش السوري ولمس بنفسه أهمية ماروس. ومع ذلك لم يصل إليها الدعم. وصلتنا برقية من غسان جديد: احتل اليهود ماروس وجبل المخبي والتلال فاسترجعنا ماروس. كان غسان يحتاج دعما ليسحب الاحتياطي إلى ميرون والصفصاف. في 11/10/1948 هاجم اليهود كفرمندة بالمصفحات وهاجموا عيلبون وردهم المتطوعون فانسحبوا باتجاه صفورية. وتحصنوا في المنطقة الحرام في قطاع ترشيحا.

اختلط على بهاء في الأسابيع الأخيرة مارواه لزوجته وماسجله في مفكرته ليرويه لها. كانت الأيام سريعة خاطفة، مع أن دقائقها أطول من دهر. بدت له منور في تلك الأسابيع مأوى يتخيله في فترات الهدوء في الليل. ألأنه شعر بأنه لن يعود أبدا؟ سجل في مفكرته: في 21 تشرين الأول رأينا طائرات يهودية تستطلع مواقعنا في منطقة المنارة. هجم اليهود بمدافع الهاون على قرية الحولة في لبنان. رددناهم. دمرنا مصفحات يهودية. زارنا مراقبو الهدنة، بلجيكي وأمريكي وفرنسي. طمأننا الأمريكي: لن يهاجمكم اليهود! فهمس الفرنسي: كل شيء محتمل! فهمنا أن الهجوم قريب! أمر القاوقجي بإبعادهم لأنه شك في أنهم، عدا الفرنسي، يتجسسون علينا. بدأت معارك المنارة. 

في صفحات مفكرته قرأت منور فيما بعد أسابيعه الأخيرة. لم تر فقط المعارك التي أخبرها عنها، بل رأت روحه، وتصورت مالم يبح به لأنه حسب أن مفكرته قد تسقط في يد اليهود إذا بقي كالمقتولين اليهود الذين عبرهم في الشجرة. كم كان محتاجا لأن يبوح ويصرخ في تلك الأيام الأخيرة! لكنه خنق تلك العواطف كلها كأنها أسرار لايجوز أن تسقط إلا في يد محبة!

كتب في المفكرة: قصفت طائرات يهودية منطقة ترشيحا والمغار وميرون والصفصاف والجشّ ودير القاسي. قتلت من السكان أكثر مما قتلت من جنودنا. تدفقت القوات اليهودية من حيفا ونهاريا. وصل الفوج الثامن الذي أرسله حسني الزعيم بقيادة عدنان المالكي ودخل المعركة في جبهة المنارة. دارت معارك في الليل في ميرون والجشّ. دافع فوج غسان جديد عن الجشّ أمام قوات مجهزة بآليات تتفوق عليه. وصل الفوج التاسع الذي أرسله حسني الزعيم فرفد غسان جديد الذي يدافع عن الجشّ. في الحاشية كتب: ليتك تعرفين دير القاسي. أحببتها وهي معلقة على تل صخري في الجليل الأعلى. على بعد خمسة كيلومترات فقط من الحدود اللبنانية. أحببتها بحارتها الشرقية وحارتها الغربية، وأشجار التين والزيتون حولها. أحببت بحرتها الواسعة التي تجمع ماء المطر، وزاوية المتصوفة الشاذلية. هل يقدر لنا أن نزورها معا ذات يوم؟!! تتساءل يابهاء تساؤل العارف لأنك أكثرت من إشارات التعجب. ستسقط دير القاسي مع ترشيحا في 30 تشرين الأول في عملية حيرام لتصفية الجليل! انسحب المدافعون عن ترشيحا بطريق خلفي وعبروا دير القاسي إلى الرميش اللبنانية، على الطريق الذي تسميه الهاغاناه طريق القاوقجي. لو تعرف يابهاء أي ألم سينفجر في منور يوم تعرف أن المستوطنين سيسكنون "القرى المهجورة" في دير القاسي في أيار 1949. 

احتل اليهود الجشّ كلها. المعارك في مجد الكروم وشعب وسخنين وعيلبون. يستعمل اليهود مدفعية الميدان. مدفعيتنا غطت المنسحبين من الجشّ. عطلنا مدفعية العدو في الصفصاف. وقصفنا اليهود في سعسع. نظمنا هجوما معاكسا على ترشيحا والجشّ بمساعدة المدفعية. تقدم رتل من المصفحات والدبابات اليهودية من نهاريا إلى ترشيحا ليستعيدها منا. احتل اليهود الجشّ مرة أخرى.

في ليل 29 وصباح 30 تراجعنا ونحن تقاتل. عند الظهر دخل اليهود ترشيحا. هذه ليست معركة بل مجزرة! خلال ذلك طوقنا لواء يهوديا وأخذنا علمه.

تأملت منور الدم على غلاف المفكرة الأبيض. شمّته. لم يجف بعد. خيل إليها أنه لن يجف أبدا. لاتوجد في صفحات المفكرة بقع دم. لكنه يقطر من كلماتها الأخيرة.

قصفت طائرات اليهود قواتنا في المالكية وقدس. أمرتنا القيادة اللبنانية بأن نترك المالكية وقدس وبليدة تجنبا للقتال على الحدود اللبنانية. سنتركها دون قتال! يامنور، سنعود إليها معا. تذكري ذلك! سنعود إليها! وعد!

سألت منور الرجل الذي سلمها مفكرة زوجها: أين؟ لم تتح له أن يطرق لأنها نظرت إلى عينيه. قال: ماأهمية أين؟ مشى في الجليل وأحبه كله! لنقل، في قدس! سألته: كيف؟ رد: بالقصف! عبر معركة الجليل كلها دون جرح. فلماذا يقتل على حافتها؟ كانت آخر أسطر في المفكرة:

حمت معركة الجليل الكبيرة غزة من السقوط وخففت عن الجيش المصري الحصار. كنا في برد الجبال والتلال دون ثياب تدفئنا. وكنا أحيانا دون تموين. وصلتنا ذخيرة فرنسية وقت كنا نحتاج ذخيرة ألمانية! حاربنا بما كسبناه من اليهود. لم تكن لدينا سيارات لنقل الجرحى. ولم تكن لدينا خيام كافية. تقديم خيمة لفوج غسان جديد حدث أعلن ببرقية عسكرية! لم تدفع رواتب الجنود منذ أشهر! قرار الجامعة: تخفيض جيش الإنقاذ، لتقليص الأعباء المالية!

كانت منور وحدها في البيت عندما طرق الباب. لماذا التهب قلبها؟ عندما رأت أمامها رجلا يملأ بابها  فهمت فورا أنه يحمل لها نعي زوجها. لم تصرخ. امتقع وجهها وحدقت في الرجل دون كلمة. لم تقل له تفضل بل مشت فتبعها صامتا متهيبا. وجلس صامتا. أخرج المفكرة ومدها إليها فتناولتها. تركتها في كفها المفتوحة وحدقت في غلافها المدبوغ بالدم. سألته: كيف، وأين؟ واستمعت إليه جامدة الوجه، ثم تركته لتحضّر له القهوة. أكانت تحتاج أن تبتعد بنفسها برهة؟ وتتصور أنها تنشغل بالبن والسكر والماء؟ بقيت المفكرة في قبضتها. وعندما كان يشرب قهوته أو يتظاهر بأنه يشربها، قلّبت المفكرة بسرعة. وأراحه أنها لم تسأله: أين هو الآن؟ هل فهمت أنه كان يجب أن يدفن هناك؟ قالت له: يوم نستطيع أن نذهب إلى هناك ستدلّني؟ هز رأسه. لكنها همست لنفسها: إذا بقيت "هناك"!

حكى لها كأنه يقدم تقريرا عن وضعهم هناك، مكررا رسالة القاوقجي إلى الأمين العام للجامعة العربية: حاربنا على جبهة طولها 143 كيلومترا تتصل بها 11 طريقا رئيسية وسبع قواعد يهودية كبيرة، في أرض خصبة من أراضي الجليل، دون عتاد. انسحابنا إلى قرب الحدود اللبنانية أفقدنا الجليل كله وقدمه لليهود. قال لها: ووراء ظهرنا كانت مشكلة فرار المفتي من القاهرة إلى غزة ليعلن نفسه رئيس حكومة عموم فلسطين، وغضب الملك عبد الله من ذلك وتهديده بالانسحاب من القتال في فلسطين. باح لها أيضا أن مجموعته التي كان فيها زوجها وجدت في سيارة يهودية تحرسها مصفحتان بريطانيتان، هاجمتها المجموعة، وثائق مرسلة إلى الوكالة اليهودية والهاغاناه وبن غوريون، منها نسخة من تقرير اللواء اسماعيل صفوة إلى اللجنة العسكرية في الجامعة العربية عن حالة الجيوش العربية والوضع العسكري في فلسطين.

هل قصد أن يشغلها عن صدمتها بهموم أكبر منها؟ وأن يضع موتا فرديا، كان يمكن أن يكون موته هو، وسط كارثة كبرى؟ مع أنه شعر بأنها تتوقع مقتل زوجها! أم وجد إنسانا قويا يكشف له جرحه؟ وأكبر جروحه أن فلسطين سقطت وعليه أن يتفرج على ذلك من بيته! قالت كأنها تحدث نفسها: زمن سيء!

ودّعته في هدوء. وعندئذ أدركت أن حزنها الطويل لم يبدأ بعد.  بلّغت بماحدث، لكنها لم تفهمه بعد. مع أنها شعرت بأنها عاشت من قبل كل ماحدث. دخلت إلى غرفتها وأغلقت الباب. يجب أن تبكي قبل أن يعود ولداها. ضربت بقبضتها الحائط. لاتستطيع البكاء! لماذا تستعجلينه يامنور؟ الوقت متسع للبكاء في الليالي الطويلة. أضيف دم جديد ستتأملينه وتبكينه.

هل تكرر منور أمها فاطمة التي منعت البكاء في مأتم زوجها يوسف في حيفا؟ حقدت عليها منور يومذاك لأنها لم تبك زوجها! ولم تنحن حتى الأرض أمام الحزن على العزيز! الآن فقط تفهمها. بعد عقود من السنوات تفهمينها؟ لاتحتاج فاطمة أن تفهميها اليوم يامنور! لأنها منذ زمن طويل أغلقت حزنها وفرحها. ولن تسمعك إذا ناديتها! قبرها في طبرية التي قرر لها أن تكون من إسرائيل. لكن ابكي على فاطمة التي حرمت، رغم قوتها، أن تجاور محبوبها يوسف المدفون في حيفا! ولاتحلمي بزيارة أي منهما يامنور! صار بلدك أرضا عدوة! ربما كان زوجك يقاتل كي يبقي ممرا لك وله إليهما! لكن الذكرى والذاكرة كانت مواقع، واتفاقيات دولية.

سمع معتصم في صمت البيت هديرا أرعشه. لم يجد على الطاولة صحون الغداء. لمح أمه جالسة على طرف فراشها محدقة في الأرض، فاندفع إليها. وعندئذ لمح دفترا صغيرا مخضبا بالدم. صرخ: لا، لا! لاتقولي ذلك! نظرت إليه عينان دون بريق حيّ أكدتا له: بل، نعم! وقتذاك وصلت ليلى. لم يستطع أحد أن يمنعها من البكاء كما منعت منور ذات يوم. فانشغل بها معتصم. احتضنها بالقوة. وعندما لمس شعرها زاد صراخها فسحب يده. ثم غسل وجهها بالماء، وكاد يقول لها: ماأجملك وأنت باكية! ومسح بأصابعه أهدابها الطويلة المبتلة بالدموع. في ذلك اليوم خرجت منور ولم تعد حتى الليل. اختفت بقية اليوم كما اختفت يوم سقطت حيفا. تصورت منور أنها دفعت للموت حصتها كلها؟! لم تحسب أنها ستسدد له ضحايا أخرى!

خرجت ليلى في مظاهرات المدارس التي مشت إلى القصر الجمهوري بعد تقسيم فلسطين. وهتفت مع الطالبات: "نريد أعمالا لاأقوالا". اختيرت على عجل في الوفد الذي انتقي من المظاهرة الكبيرة ليقابل القوتلي. ولم تدر لم اختاروها. ألأنها شاطرة في المدرسة أم لأن الجمال ضرورة حتى في مثل تلك الوفود! تلفتت في حديقة القصر المزروعة بالصنوبر. أذلك هو القصر الذي باعه أخو خالد آغا من الغضب؟ استقبل القوتلي الوفد واقفا في صدر القاعة. وصفت ليلى ذلك اليوم لأمها من أوله إلى آخره.

معتصم هو الذي خرج في مظاهرات تشرين الثاني 1948 التي ماجت بها دمشق عندما اكتملت الهزيمة في فلسطين. كان الجيش السوري الذي اشترك كالجيوش العربية في الحرب، هو الجيش العربي الوحيد الذي احتل مستعمرة صهيونية هي مشمار هايردن، وبقي فيها. اشترك بضباطه المتطوعين في جيش الإنقاذ. وحارب في إخلاص. لكن بدا له أن العلة في السياسيين الذين لم يؤمّنوا للجيش مايدافع به. كان الناس أيضا غاضبين على حكومة مردم التي فشلت في تأمين السلاح. ورددوا أن باخرة السلاح التي اشترتها سوريا من فرنسا سيقت إلى إسرائيل. من ساقها؟ من باح بسرها؟ لم ينتبه العرب بعد إلى النفوذ الصهيوني في الغرب الذي يوصل إلى إسرائيل جميع الأسرار. ولم يعرفوا بعد أن السلاح الصهيوني انتقل في فرنسا سرا وأبحر منها إلى إسرائيل. خرج طلاب الجامعة في مظاهرات صاخبة في صدرها معتصم. لم يخطر للطلاب أن حكومة جميل مردم ستأمر بإطلاق أول رصاص يطلق بعد الاستقلال على السوريين!

أنهى ذلك الرصاص حكومة جميل مردم. وأنسى الناس مجده الماضي كله. لم يتذكر أحد أنه كان من جمعية الفتاة. وفي 30 آذار سينزل الجيش إلى الشوارع في أول انقلاب عسكري. لكن معتصما، ابن بهاء المقتول في فلسطين، لن يحلم بزمن جديد. لأنه قتل لأجل فلسطين في دمشق.

نقل الهلال الأحمر الجرحى إلى المستشفيات. بدا كأن الهواء نفسه منسوج من الغضب. ساعد الناس متطوعي الهلال الأحمر في حمل الجرحى، وتدفقوا إلى المستشفيات. فبدت الحكومة التي تملك النار هي المحاصرة بمدينة غاضبة. قيل إن الحكومة دفنت قتلى المظاهرة في الليل في مقبرة الدحداح! وقيل إن الطلاب الغاضبين حملوا توابيت الشهداء ومشوا إلى المقبرة، لكنهم في الطريق فتحوا التوابيت وتناولوا منها الحجارة وضربوا الشرطة. وقيل إن الشرطة لم تجسر على التدخل لأن الناس على الأرصفة شتموها. في المساء الذي أطلق فيه النار على الطلاب صادفت ليلى بنت الجيران بمريول أبيض ملطخ بالدم. توقفت بنت الجيران أمام ليلى، تأملتها، ثم عانقتها في قوة وابتعدت كالهاربة وخيل لليلى أنها لمحت دموعها.

في أول المساء طرق الباب زملاء معتصم، وطلبوا من ليلى وأمها أن ترافقاهما. في الطريق قالوا: معتصم مجروح، في المستشفى. أين الجرح؟ في صدره! لم تلتفت إليهم منور. في صدره؟ يعني قتل! يلعبون لعبة معروفة! قالوا لها قرب باب المستشفى: جرحه خطر! سمعتهم؟ لم تكن نفسها. كأنها امرأة أخرى تراقب حياة آخرين منهم منور وبنتها وابنها. كانت امرأة أخرى من أزمنة بعيدة، وكل ماتراه ماض يعرض أمامها لذلك لايحمل حزنا ولايثير قلقا.

ترددت برهة أمام الباب. هل تترك ليلى؟ لا! فلتره! دخلت. لماذا يرمون الشرشف على وجهه؟ كيلا يرى الأحياء الصفرة التي لايرى مثلها إلا في وجوه الموتى؟ كيلا يفجعون بالفرق بين الوجه الذي عرفوه والوجه الذي يرونه الآن؟ تفقدت الملامح التي تعرفها. لمست أنفه وشفتيه وجبهته. ثم كشفت قميصه. القلب! حيث سيصوب الإسرائيليون فيما بعد على الشباب الفلسطينيين تماما! القلب! لمست يده وأصابعه واحدا، واحدا. وفجأة استدارت، أمسكت بيد ليلى وخرجتا.

اكتشفت في تلك الليلة أن ابنة الجيران، المتطوعة في الهلال الأحمر، تحب معتصما. رأتها مقهورة، مفتتة. آلام الشباب حادة، صارخة، لكن الشباب مفتوح لسنوات حياة مديدة ستعمّرها عواطف متنوعة. سيأتي حب آخر، وأهواء أخرى! لكن لن يكون لمنور ابن آخر وزوج آخر!

فكرت منور في أيام المأتم أن هدف توهج الجنائز أن يفلت الحزين بكاءه وصراخه كله. وهدف الصمت الوقور في عصرية النساء وتمساية الرجال أن يقضم الحزين حزنه في هدوء. وأن حشد الجيران والأصحاب والأقرباء حتى الأربعين في يوم الوفاة من كل أسبوع، يقصد ألا يخلو الحزين إلى نفسه ليجلدها بالحزن. وتمردت على ذلك فحبست حزنها في قلبها وفكرت فيه في كل برهة. في الأسبوع الأول لم تنم. تجولت في البيت في العتمة. وضايقها أنها ليست حرة في حزنها لأنها الآن مسؤولة عن ليلى. كأنها محبوسة في زاوية لاتستطيع أن تتحرر منها! ثم لاحظت أنها بقيت هامدة أياما. تبع هدوءها هيجان من الغضب والقلق. وخطرت لها هواجس متنوعة: إذا مت الآن ماذا سيكون مصير ليلى؟ وهل ستندفع ليلى انتقاما لموت أخيها وأبيها، ويطلق عليها أيضا الرصاص ذات يوم؟ حاولت أن تسجل الأيام التي تعاني فيها من الهمود والأيام التي تعاني فيها من الهيجان، وقررت: روحي مريضة! ولاقت جيرانها بسخرية: يرون الجسم الصحيح ولايرون الروح المريضة! قررت أن تقصد صيدلية بعيدة لتستشير الصيدلي. ثم استبعدت ذلك. ستداوي نفسها! رأتها ليلى في تلك الأيام تشرب اليانسون، وحشيشة القطة. سألتها: كيف تتحملين رائحة حشيشة القطة؟ في تلك الليلة رأت ليلى حشيشة القطة في سطل القمامة. لكنها لم تر الكمد في وجه أمها التي قررت أن ليلى بعيدة بروحها عنها "كانت على كل حال قريبة من أبيها. معتصم هو الذي كان قريبا مني". سقطت منور في شعور بالوحدة لن يستطيع أحد أن يخترقه إليها. اقترب منها في تلك الأيام ابن عم معتصم. كان في عمره، عاقلا ورقيقا مثله. وكان يحبه. فقبلته وشمت فيه عبق ابنها. وعندما ستعبر شهور اضطرابها ستدعوه في كل يوم جمعة إلى الغداء، وستحفظ الأطعمة التي يحبها. وستلاحظ أنه يحبها كأنه يستعيض بها عن أمه الميتة. وستخفي عن نفسها أن ليلى تستهويه. عندما بدأت تعود إلى نظامها القديم في النوم في ساعات معينة، تذكرت كلمة كانت ترددها أمها: كل شيء يبدأ صغيرا ثم يكبر، إلا الحزن. يبدأ كبيرا ثم يصغر! وقالت: ذلك خطأ في التعبير! يجب أن يقال إننا نخبئ حزننا في الخوابي كي يصبح معتقا! نشارك من يشربه معنا قبل أن يتخمر، لكننا نخزن خوابيه العتيقة لأنفسنا فقط‍ ! إلى الصفحة الثانية

 

 

أضيفت في 15/04/2005/ خاص القصة السورية

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

الثورة السورية | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2021  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية