الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى

التعديل الأخير: 20/01/2009

دراسات أدبية - الأدب العربي في المهجر / الكاتب: د. هيثم مناع

الحرية في الإبداع المهجري

سيرة الكاتب

لقراءة الكتاب

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب: د. هيثم مناع

 

الحلقة الأولى : سنوات ما قبل المنفى

الابن البكر لطالب وطالبة تزوجا وهما يعملان ويكملان تعليمهما في مدينة درعا، ولد هيثم في 16 أيار/ 1951 بعد يوم من تظاهرة احتجاج على ذكرى إعلان دولة إسرائيل شاركت والدته الحامل بالمظاهرة فأخذوها لمنزل أهلها حيث أمضت بقربها الليل والدتها و السيدة أم  علي قابلة العائلة. كانت ولادته ميسرة وتعليمه أيضا حيث كان متفوقا منذ الحضانة وحرر مع صديق طفولته عبد العزيز الخير مجلة للتلاميذ اسمها (التعاون) وهما في الثامنة من العمر.

 

بعد دخل الإعدادية بمجلة جديدة اسمها (المهذب) هذه المرة مع ثلاثة من زملائه. وحرر مجلة الطلبة في إعدادية أبي الطيب المتنبي.

 

قطعت حرب حزيران امتحان الشهادة الإعدادية فأمضى الصيف في بناء خيم النازحين والتحق بدورة عمل فدائي لم يكملها لخلافه مع المدرب. في ثانوية درعا ناداه مدرس اللغة الإنجليزية الفلسطيني ليقول له: هيثم عليك تقديم فكرة جديدة تساعد على تثقيف  الطلبة لم لا تصدر مجلة بالانجليزية وسأساعدك على نجاحها. وهكذا حرر مجلة  الفجر أثناء دراسته الثانوية التي انطبع بها بالقراءات الإسلامية بعد هزيمة حزيران فقرأ محمد وسيد قطب والمودودي والسباعي وحسن البنا وحفظ القرآن الكريم ودرس العهد القديم وكون مع عدد من الأصدقاء تنظيما للتلاميذ سموه (الفتية) وعند نجاحهم في الثانوية اجتمع أهم كوادر التنظيم وقرروا تشكيل منظمة باسم (الإنسانيون العرب) وكلفت المنظمة شخص بكتابة نقد للفكر القومي وشخص لكتابة نقد للفكر الإخواني وكلف هيثم بكتابة نقد للفكر الماركسي. وبعد شهر حمل دراسة من سبعين صفحة قدمها لزملائه قائلا: هذا أهم ما قرأت في نقد الفكر الماركسي ولكن هذا النقد لم يقنعني..

تطوع لمساعدة العمل الفدائي الفلسطيني أثناء أيلول الأسود وقد كلف بالعمل في المطابخ في إربد لقلة خبرته العسكرية، وعندما عاد باشر بناء حلقات سورية وفلسطينية ضمن تصور ضرورة وحدة نضال شعوب طوق الكيان الصهيوني كأساس نضالي لوحدة عربية تقدمية.

منذ السبعينات برز في الجامعة كناشط ومسئول في الحلقات الماركسية حتى عام 1978 تاريخ وقف نضاله السياسي التنظيمي ومغادرته الأراضي السورية للمنفى بعد سنتين في الملاحقة.

 

درس الطب والعلوم الاجتماعية ورأس "الطليعة الطلابية" في جامعة دمشق وقد بدأ بالكتابة مبكرا في المجلات الأسبوعية وعمره 16 عاما ثم في مجلة "دراسات عربية" وعمره 21 عاما. وأصدر النشرة الطبية الدورية في جامعة دمشق ومجلة "دراسات فلسطينية" وحرر سرا نشرة "الثوريون". وقد كان يطلق عليه اسم (صديق المرأة والأقليات) لكتابته بشكل مبكر حول حقوق المرأة وحول قضايا الأكراد والأقليات الدينية. ويروي صديقه البحريني عبد الرحمن النعيمي أنه نظم معه دورة تثقيفية  للفتيات البحرينيات في سقيفة منزله في أواخر عام 1973 بعد كتابته دراسة (الأسرة الأبوية في الإسلام) التي منعت مجلة دراسات عربية للدخول إلى كل الدول العربية آنذاك.

من لطيف مبادراته تشكيل فريق من الطلبة والأساتذة لترجمة مشروع جامعة برمنغهام (العلوم الأساسية للتدريب السريري) للعربية. وبعد أن مشى في المشروع خطوات تساءل عن مشرف علمي قادر على التدقيق في الترجمة والمعطيات الطبية خاصة وأنه كان في السنة الثالثة في كلية الطب. وعندما لم يجد الكفاءة المطلوبة متوفرة في أي أستاذ يساري، حمل الملف كاملا وتوجه إلى الأستاذ محمد هيثم الخياط وكان من رموز الأساتذة الإسلاميين في الكلية. دخل لمكتبه وقال له: أستاذي أنت تعرف أننا لسنا من اتجاه سياسي واحد. ولكن الأمانة العلمية تقول بأنك الشخص الأنسب لمشروع أعمل عليه. نظر الأستاذ الخياط لهذا الطالب وقال: أترك ما عندك وارجع بعد 48 ساعة، إن كان المشروع يستحق فسأعطيه ما يستحق. وهكذا بدأت مغامرة علمية جميلة توقفت مع ملاحقة هيثم الطالب ثم بعد ذلك ملاحقة هيثم الأستاذ.

انتخب في أول مكتب سياسي لرابطة العمل الشيوعي في مؤتمرها التأسيسي في آب/أغسطس 1976 وبقي لمدة عامين قبل تركه لمهامه التنظيمية كافة وطرح مشروع توحيد المنظمات الشيوعية المعارضة في إطار الحزب الشيوعي المكتب السياسي، هذا المشروع الذي فشل آنذاك. وقد اضطر لمغادرة البلاد سرا بعد ملاحقة استمرت عامين ووصل إلى فرنسا في 27 مايو 1978. منذ ذاك اليوم أخذ على نفسه الكتابة والنشاط في المنظمات غير الحكومية ولم ينتسب لأي حزب سياسي.

عن موقع الكاتب

الكتاب

نصوص مختارة

البحث عن الذات

سفر برلك

روح الحقبة

من الصحافة المهجرية

العبودية على مر العصور

معضلة الأقلية

الدولة والفرد

 

الحرية في الإبداع المهجري

  بقلم الكاتب: د. هيثم مناع

 

شكر وعرفان

لم يكن لي أن أتعرف بعمق على كنوز الأدب المهجري في أمريكا اللاتينية لولا الصديق المهندس صخر الشرع الذي قام بما في وسعه لمساعدتي على القيام بهذا العمل والعثور على ما احتجت إليه. ولا بد من توجيه الشكر للسيدة فيوليت يافث رئيسة المشفى السوري اللبناني والدكتور ضاهر قطيط مدير المشفى والسيد  لورنسو شحفة رجل الأعمال السوري والسيد Guillermo P. Pedrazuela المشرف على مكتبة نادي حمص في ساو باولو وهيئة إدارة النادي لحفاوة استقبالهم وحسن تعاونهم.

"سيأتي جيل تتوحد فيه الثقافة ويتجلى الأدب العالمي على منصته الرفيعة لأول مرة في التاريخ. عندئذ سيعلم الذين يخلفوننا، أن الأدب الحقيقي لا يحد بالمناطق، وأن الشعر الصحيح لا يعرف باللغة الذي أنشد فيها. عندئذ سيذكر العالم بكثير من الإعجاب والاستغراب أن بلابل الشعر قد صدحت بنغم لم يسمع أعذب منه بينما لم يتمتع به إلا عدد ضئيل ممن اتيحت لهم معرفة اللغة التي ينطق بها ذلك الشعب. عندئذ يأتي نسيب عريضة وإيليا أبو ماضي ورشيد أيوب وغيرهم من شعرائنا العرب المهاجرين في ملكوتهم إذ يصبح ملكوتهم إرثا للجميع وتباح خزائن الأدب والفن في كل لسان لكل إنسان".*

* من مقدمة حبيب إبراهيم للأرواح الحائرة لنسيب عريضة، نيويورك، 1946، مطبعة جريدة الأخلاق.

 

 

روح الحقبة

 

شهدت الخلافة العثمانية في القرن التاسع عشر هزات كبيرة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وإن كانت رياح الفكر القومي قد بدأت تغزو شطر الخلافة الأوربي مبكرا وكان لمحمد علي فضل زرع أول وحدة إدارية ذاتية متماسكة في الشطر العربي للخلافة، فقد كان لإعلان دستور 1876 والإصلاحات المتتالية التي أعلنت على امتداد النصف الثاني للقرن الماضي أن تعزز اتجاها عثماني النزعة شمل العديد من رموز الانتلجنتسيا العربية مثل أبي النصر علي والشيخ علي الليثي وسليم تقلا وخليل مطران وسامي البارودي ومصطفى كامل والشاعر أحمد شوقي الخ. ولم يكن هذا الاتجاه وحيدا في صفوف المثقفين، فمنهم من أخذ بموقف معاد لكل ما هو عثماني خاصة بعد تراجعات السلطان عبد الحميد السريعة عن الدستور والتوجه البرلماني والأزمات المستفحلة في جسم الخلافة داعيا لوحدة عربية جامعة. ومن هؤلاء سليم سركيس صاحب جريدة "المشير" الذي يقول في مقالة له بعنوان "هل مصر عثمانية":

 

"لم أجد في حياتي ولا قرأت في مطالعاتي عن أمة تريد الانتقال من نور الاستقلال إلى ظلمات العبودية إلا هذا القسم من الأمة المصرية الذين يريدون التمسك بأذيال العرش العثماني". ويقول في شعره:

نرجو صلاح الترك قد          خابت أمانينا الكواذب

هي دولة ظلمت ولـــــيس العدل عن ظلم بذاهب

ويمكن القول أن الاتجاه الأكثر قوة وتأثيرا كان ذلك الذي يجمع بين نقد أجهزة الخلافة وضرورة الإصلاح من جهة، "وتحالف الأمم الشرقية تحالفا متينا جدا حتى تستطيع أن تسير مع التيار الغربي فلا يدوسها ولا يستطيع أن يهتضمها"(1) من جهة أخرى. ولعل فرح أنطون، الذي جمع في كتاباته بين نداء حقوق الإنسان والحريات الأساسية وصرخة العدل ومفهوم الأمة والوطن مع نداء تقوية جدار الوطنية العثمانية في مجلته "الجامعة العثمانية" التي صدرت في الاسكندرية منذ 1897 يعطي مع جرجي زيدان وولي الدين يكن صورة عن هذا التوجه. وهكذا نجد عند يكن قصائد في محبة الوطن وأخرى في نقد الاستبداد كقوله في وصف الحقبة الحميدية:

خلافة قد مضى عنها خلائفها            من آل عثمان من سادوا ومن شادوا

 أبقوا بها المجد للأخلاف بعدهم           والمجد يبقيه للأخلاف أمجـــاد

حتى انتهت لأمير في تسـلطه           يخشى مظالمـه عاد وشــــداد

يا ويلنا إنما نبكــي لنا وطنا          يبكيه في الترب آباء وأجــــداد

وإن اختار عدد من شعراء بلاد الشام مدح الخلافة العثمانية (2) فقد كان في أدباء وشعراء العراق من هو أكثر نقدا. فنقرأ لجميل الزهاوي في "المقتطف" قصيدته "الصارخة" وفيها:

إن الرعية أغنــام يحد لهم      ولاتك المستبدون السـكاكينا

يا عدل إن التفاتا منك يسعدنا     يا عدل إن ابتساما منك يكفينا

 ما جاءنا الشر إلا من تهاوننا    وعمنا الظلم إلا من تغاضينا

لا بد من فك ما قد شّد من عقد    كف الإسار بأيدينا بأيدينـا

ومعروفة القصيدة التي استتبعت نفيه من العاصمة العثمانية في 1897 وفيها:

وما هي إلا دولــــة همجية       تسوس بما يقضي هواها وتعمل

فترفع بالإعزاز من كان جاهلا        وتخفض بالإذلال من كان يعقل

ومنها-

لقد عبثت بالشعب أطماع ظالم       يحمله من جوره ما يحمل

فيا ويح قوم فوضوا أمر نفسهم     إلى ملك عن فعله ليس يسأل

إن كان استلام مدحت باشا ولاية الشام قد ساهم في ازدهار حركة فكرية وأدبية إصلاحية، فقد جاء نقله إلى أزمير في 1880 وما ترافق من حملة على أنصار الليبرالية والدستور في وقت احبط فيه المتفائلون من وفاة أول دستور عثماني وتصاعدت فيه الأزمة الاقتصادية فاختار من ضاقت بهم أسباب العيش أو التعبير الهجرة فيما يعبر عنه صاحب "المشير" بالقول: "هم إخواننا في الإنسانية، ورفاقنا في الحرية، علموا أن المجد لا ينال إلا عبر جسر من التعب. فهم يتعبون في السعي وراء خدمة بلادهم وإرجاع مجد مملكتهم الذي انحط إلى دركات الخمول بإهمال الإمام الذي جار في أحكامه والأعوان الذين صاروا بلية على الأمة". ويضيف: "وقد انضم إليهم بعض أدباء سوريا ومصر وهرب البعض منهم من عالم الجور والظلم إلى فضاء الحرية والأمن، فانتشروا في باريز وسوريا وانكلترا وأمريكا وأنشأوا الجرائد"(3).

 

ونجد خطابا مناهضا للعثمانية عند فتح الله مراش ورزق الله حسون يقول فيه فارس نمر: "فهذ1ن الحران الحلبيان اللذان فاقا الأقران بحب الحرية كما فاقا الأقران بمعانيها السحرية ومبانيها العسجدية، قضيا ردحا من الزمن يرسلان شعاع الحرية إلى أبناء سوريا من قلب أعظم عاصمتين اشتهرتا في أوربا بالحرية والنظامات الدستورية (أي لندن وباريس) ولكنهما مزجا بلاغتهما بعلقم التفريق بين الترك والعرب فأصابا بإيقاظ النفوس لطلب الحرية وأخطآ بتمزيق الجامعة العثمانية"(4).

جاء الدستور العثماني في 1908 ليهز المواقف من جديد، وتعود صيحات تأييد الخلافة في مواجهة أوربة ويكتب نقولا حداد بعنوان "الدستور العثماني":

يا بني عثمان أنتم أمـة      أصبحت موضوع إعجاب الأمم

سيعيد العدل تاريخا لكم      طبـع المجـــد به منذ القدم

إلى قوله:

ورأينا دولة الماضي وقد      كتب المــوت عليها "لا رحم"

وقد مرت الخلافة العثمانية مع الدستور بفترة إعادة اعتبار ومصداقية سريعة فنجد أبناء المهجر يعودون للحديث عن أمل إصلاح سياسي داخل الخلافة ويخصص جميل معلوف دراسة عن "حقوق الإنسان وتركيا الجديدة"  ويغني سعيد شقير للحرية المستعادة يقول:

اليوم نمرح أحرارا بفضلكم             نغدو ونمسي ولا هم ولا نصب

قد أطلق الحر من سجن أهين به      وعاد للوطن المحبـوب مغترب

فلا جواسيس نخشى من وشايتهم       ولا جرائـــد تأتينا فنرتعـب

ننام في الليل لا الأحلام تقلقنا         وننهض الصبح لا خوف ولا رعب

نقولا رزق الله يرى في عصبة الأحرار المنقذ الذي حقق آماله العامة:

سواكم العدل أخوانا سواسية         فليس يظلم فيكم غير من ظلما

وليس يقصى أديب عن مواطنه       ولا يضام عليم قال ما علما

ولا يعبثن بحق من حقوقكم       ذو سلطة جائر مهما علا وسما

ويصل به القول:

قد صرتم أمة في الأرض واحدة   من آل عثمان لا عربا ولا عجما

فلا تفرقكم أجيالكــم فرقـا       ولا تقسمكم أديانكــم قــسما

كم قيدوكم بها أسرى وكم سفكوا      دماءكم أو أحلوا فيكـم النقما

واليوم جرّد سيف الحق صاحبه      وهاجم الظلم حتى فر منهـزما

تعانق الشيخ والقسيس واصطحبا     من بعد ما افترقا ضدين واختصما

تآخيا في حمى الدستور واتحدا       ورفرفت راية التوحيد فوقهـما

لقد فتح الدستور عند الأغلبية الساحقة أبواب الرجاء وعمت مسحة الاستبشار، فكل وجد فيه برنامجه وطموحاته، وكل أراد منه تحقيق أحلامه. ومع تراجع أوهام الانعتاق السياسي والقومي والثقافي بدأت الاحباطات تتابع ولم يعد بوسع المتفائلين إلا النقمة على اغتيال الحلم ورغبة القطيعة مع ما تبقى من الخلافة.  ولعل الفارق بين قصيدة "تحية الحرية" التي يغني فيها الشاعر القروي لإعلان الدستور وقصيدته بعدها التي يستدرك فيها عدم وقوع تغيير يذكر في لبنان والتي فيها:

أتى في عصره الدستور لكن    كما طلعت على الأعمى ذكاء

فساد في الدوائر واختلال      وظلم في المحاكم والتواء

ولا ترفع إلى الحكام شكوى   فأذن العدل يزعجها النداء !!

أفي بيروت أمن واتحاد       وفي لبنان نهب واعتداء

 فالسؤال المركزي في التعامل مع الخلافة منذ دخول ابراهيم باشا بلاد الشام، بل ومن قبل، يلخصه رزق الله حسون ببيت شعر بسيط:

ما عليهم لو عاملونا بحسنى     وتساو أو أنهم أنصفونا

كان المثقفون العرب يطالبون بالحسنى والمساواة والإنصاف.. وكلما غابت عنهم ابتعدوا عن الخلافة مع بقاء قسم هام منهم يرغب باستمرار بهذه الوحدة الجغرافية القادرة على مواجهة الاستعمار الأوربي.

كانت خلافة تحتضر وحقبة تندثر وقف فيها صاحب "النبي" جبران يحاول إسماع من لم يفقد حاسة السمع بعد:

"خذوها يا مسلمون، كلمة من مسيحي أسكن "يسوع" في شطر من حشاشته و"محمدا" في الشطر الآخر!

إن لم يتغلب الإسلام على الدولة العثمانية، فسوف تتغلب أمم الافرنج على الإسلام..

إن لم يقم فيكم من ينصر الإسلام على عدوه الداخلي، فلا ينقضي هذا الجيل إلا والشرق في قبضة ذوي الوجوه البائخة والعيون الزرقاء… ". (5)

 

 

سفر برلك

 

ما كان لنا أن نتوقف كثيرا عند روح الحقبة وخصائصها السياسية والثقافية والاقتصادية لو لم تكن وراء توجه عشرات آلاف العرب إلى المنافي هربا من القمع والجوع وبحثا عن الكرامة في عوالم جديدة، فالخارجون هم أبناء مجتمعات عضوية بالأساس ولجتها معالم الرأسمالية الغربية حديثا ولم تعرف التفريد بشكل واسع، وبالتالي يفترض وجود دوافع كبيرة جعلت قطاعات شابة تؤثر مغامرة الرحيل وهي تسمع من كبرائها منذ الصغر "الغربة كربة" والبعد "قطيعة رحم"..

 

وقد جاءت الهجرات الأولى تعبيرا عن هذا الطموح الباحث عن الخبز والحرية بعد أن ضاق المشرق بهما، ولم تكن مرصوفة بالسجاد. ونقرأ في كتاب "ذكرى الهجرة" لتوفيق فضل الله ضعون، ما يذكرنا برائعة إيلي كازان "أمريكا أمريكا"، فالفارق لا يكاد يذكر بين وسطاء اسطنبول ووسطاء بيروت.. أشباه الفنادق التي ليس لها منها سوى الاسم والباخرة التي تتأخر حتى لا يبقى في جيب القروي من مدخراته ما يذكر والمعبر الإجباري إلى مصر وجوازات السفر الحقيقية والمزورة.. الأوجاع هي الأوجاع وأدب الاعترافات يسمح لنا بإدراك دخائل النفس والصفحة المجهولة ويذكرنا بتفاصيل الحياة اليومية التي تغطيها الإنجازات أو الهزائم الكبيرة. فبين فشل هذا ونجاح ذاك، هناك ليالي العمل الشاق بحثا عن اللقمة ووساطات الصديق والخصم بحثا عن ورقة الإقامة  وقراءة الحقيقة المرة المتكررة في اللاوعي اليقظ: "نحن هنا في مهجر لم يؤمه في الغالب إلا كل مظلوم معدم سعيا وراء الرزق والتماسا للتحرر من أغلال العبودية والفقر، ومع ذلك ندر أن يرى بيننا المستطلع إلا كل من كان سلطانا في وطنه فأصبح، أيا كان، خادما للناس في مهجره فتثور حفيظته على المهاجرين الذين استبدلوا من بهاء العروش هباء القروش بدلا من أن يغدق عليهم المديح لعلو همتهم وحسن جهادهم وإيثارهم جحيم الغربة على نعيم الإقامة في وطن كان ولا يزال للغرباء نعيمة ولأبنائه جحيمه"(6) .  

 

من هنا نجد البعض يجمع قليل المال ويعود والبعض الآخر يسمع بالدستور العثماني فيركب الباخرة شطر الوطن ولو أن فكرة البقاء في المهاجر وإن لم تناقش بجرأة ووضوح حتى مطلع القرن قد أخذت تفرضها ظروف الحياة نفسها بكل ما تحمل من ولادة جيل ثان لا يعرف من الوطن سوى أغنية والدة حنون أو أنشودة شاعر. فلنقرأ شعرا الأسباب والاحساسات المرافقة لها:

يؤكد مسعود سماحه على غياب الحرية في بلده يقول:

سأترك أرض الجدود ففيها         حياة الجبان وموت الجرئ

تقيد أقلام أحـــرارها           وتطلق أيدي ذوي الميسر

سأضرب في الأرض لا خائفا      من البر أو لجج الأبحر

وبروح الشباب يكتب ابن قرنة الحمراء (لبنان) إلياس طعمه وعمره 21 عاما(7): 

 

تعال أخي نمزج دموعا أبية      فكل غريب آنس بغريب

بلينا فراع الناس حسن بلائنا     وكل اغتراب للشقاء جلوب

كذلك تشقي المرء نفس أبية     وقلب يرى لذاته بندوب

على الحر أن يجلو الخطوب بحزمه   ففي الخطب تجريب لكل لبيب

أقابل أعدائي وأهوال غربتي          بقلب منيـر في ظـلام خطوب

ونفس لنيل المجد تستعذب الردى   كنسر لأصـوات الرعود طروب

فما همني سيري على الأرض تائها    ونومي وحيدا تحت ثقل كروبي

وتعريض جسمي للمهالك طالبا         دواء لــداء فيه حـار طبيبي

ولي همة بين الجوانــح دونها        تحدر ســـيل واندلاع لهيب

على كل حر دمعـــة وتحية         إذا كان هذا في الجهاد نصيبي

وما أنست الأسفار لا أنس وقفة       على بحرنا والشمس عند المغيب

أودع ســوريا وأودعها الهوى       وكفي بكفي صــاحب ونسيب 

وأرنو مشوقا من خلال مدامعي        إلى جبل باد الصــخور مهيب

ويوم بكت أمي الحنون وراعها        دنو وداع كالحمـــام رهيـب

وقالت بصوت ذائب متهــدج         وأدمعها موصولــة بنحـيب

بني يميــن الله هل لك عودة         فراقـــك هذا يا بنـي مذيبي

ألا أنت باق آمنا تحت سقـفنا          فمثلك لم يولد لصعـب ركوب

فقلت لها والجفن يكتــم عبرة       سأرجع يوما فاصبري وثقي بي

كطير تصباها ربيـــع بلادنا        فأطربـنا منها حنــين سروب

أليس التلاقي بعد نأي ألـذ من        تخلف حــب بالملال مشـوب

دعيني أوف المجـد يا أم حقه       وأقض شريفا مثل جار عســيب

يلذ لفرخ النسر بسط جــناحه      إذا الريــح حيّت وكره بهبـوب

فكيف أبي بعدي وأمي وأخوتي      وقد بـات يشقيهم ألج طلـــوب

وكل جمال الشـرق في فتياتنا      فإن تبصــــري أجفانهن تذوبي

لهن عيون حاملات لشمســنا      فأحداقهــن الســود حب زبيب

بعثن الهوى موجا ونارا فلم نكن    لننجو وقد حاربننــــا بضروب

فدى العربيات الحرائر مهجتي      فهن كروض في الربيــع خصيب

في كاراكاس عاصمة فنزويلا يصّدر جورج صيدح ديوان النوافل(8)  الذي يبدأ بالجملة التالية: "غاية الناظم من طبع هذا الديوان مناصرة لجان الدفاع عن فلسطين فهو يضعه تحت طلبها تتصرف به كما تشاء". يصف الشاعر الباخرة الماخرة به عام 1927 إلى أمريكا بالقول:

يقول قائلهم- لا خير في وطن       ننآه ثم نغــالي فيه نائينــا

ورب دار كرام طـاب منزلها      إلا لنا، فهي تجفونا وتقصــينا

أبناء ماء وطين لم نجد رحما       يحنو ويعطف، ماءا كان أو طينا

ســفينة حملتنا حمل كارهة      تود لو ظهرها لليـم يلقينــا

وفي رائعته "حلمت أني قريب منك يا بردى" يصيح عاشقا إبداع الأهل والأشياء:

أهواك في قلبك الشفاف لاح به     ظل المآذن والأشجار مضطردا

أهواك كالليث وثابا ومقتحـما      كالأفعوان تلوى، كالغزال عدا

أهواك في يقظتي أهواك في حلمي    أهواك مقتربا أهواك مبتعدا

قبل أن يستدرك بعد الهجرة والمهاجر حيث لا العين تبصر دمشق ولا النهر:

يا نهر مأساة عمري

عادت، ومازلت تجري

ما أنت يا نهر نهري.

سان باولو

يؤرخ مهاجر عربي لمدينة سان باولو في 1905 يقول(9): أنشئت سان باولو في 1554 مؤلفة من دار فيها مدرسة لتعليم الهنود بإدارة الآباء اليسوعيين. وفي 1560 بلغ عدد سكانها من الرجال 200 برتغالي وهندي فسميت قرية. وفي 1711 بلغ عدد سكانها من الرجال 700 رجل فأطلق عليها اسم مدينة. في إحصاء 1793 بلغ عدد سكانها 9991 نسمة يعيش منهم 5669 في وسط المدينة و 3664 ناحية الغرب  و 659 ناحية الشرق. في 1807 لم يكن عدد السكان يزيد على العشرين ألفا بإضافة بعض القرى المجاورة. وبعد استقلال البلاد في 1822 (اعترفت به البرتغال بعد 3 سنوات) ازداد عدد السكان فبلغ في 1862 46 ألفا في سان باولو وملحقاتها.

في 1886 دخل السوريون للمرة الأولى المدينة وكان عدد سكانها 44030 بينهم 5 أو 6 من السوريين. بعدها نمت بشكل كبير وقصدها الأجانب من كل جانب.

 

"1892 دخل كاتب السطور سان باولو وكان سكانها قرابة 100 ألف وفيها قرابة 100 سوري كلهم كانوا يقيمون حول المركادو ما عدا 3 أو 4 محال في شارع 25 دي مارسو.

 

عام 1905 بلغ عدد سكان المدينة 300 ألف نسمة منهم 200 ألف غرباء دخلوا المدينة حاملين الفنون والآداب والمهن وأسباب التمدن والنشاط وتقسيمهم كما يلي: 150 ألف إيطالي، 100 ألف برازيلي، 18 ألف إسبان، 15 ألف برتغاليون، 10 آلاف ألماني، خمسة آلاف سوري، جنسيات مختلفة : 2000.

 

كتب المقال فارس سمعان نجم وعندما أعاد نشره توفيق ضعون في "مختارات الجديد" في سان باولو عام 1922 وضع الملاحظة التالية: عدد سكان سان باولو اليوم 550 منهم 15 ألف سوري. أما ونحن نعيد نقل المقطع في عام الألفين فقد بلغ عدد سكان المدينة وفقا للمهاجرين السوريين (استكمالا لروح النص) 19 مليون نسمة سوري ولبناني ولا يستطيع أحد تقدير عدد السوريين واللبنانيين والعرب عامة فيها. إلا أن من المتفق عليه أن عدد سكان حمص في البرازيل أكثر منهم في مدينة حمص نفسها وأن هناك أكثر من 4 ملايين عربي في البرازيل اليوم.

 

لم يدخل العرب للمدينة الكبة والصفيحة الموجودة تقريبا في كل أماكن الأكل السريع وحسب، بل كانوا من أنشط رجال الصناعة فيها. فبعد عام من وصول أسعد عبد الله حداد سان باولو قادما من حمص أي 1896 عقد شركة تجارية مع صديقين له وفي 1912 اشترى مليون متر مربع ليجري بناء حي جديد (حي حديقة سان جورج) وقد أسمى الجادة الرئيسية في شارع سورية Rua Siria  ويصف الشاعر القروي المصح السوري في كمبوس دي جوردان المخصص للمصابين بأمراض الصدر من سورية ولبنان يعالجون فيه مجانا: "لم يمض عصر العجائب، فهذه معجزة مزدوجة من معجزات قديساتنا الحمصيات. أقول مزدوجة لأنهن أولا أنشأن مصحا سوريا في لبنان وثانيا جعلهن لبنان على مسافة 215 كيلو مترا من سان باولو"(10).  وستزرع الجالية المشرقية العربية بصماتها في البناء الصناعي والجمعيات الإنسانية  والنتاج الثقافي بآن معا، لتصبح جزءا من معالم ازدهار المدينة.

 

كان الجيل الأول جيل التواصل الدائم بالوطن، إلا أن البرازيل بلد الاندماج والتفاعل بين الإنساني دون ادعاءات ومنذ 1922 يقول توفيق ضعون في حديثه عن الجالية السورية واللبنانية والفلسطينية وكانت كلها تعرف بالسورية: "لا يوجد إحصاء يعول عليه، ولكن العارفين وأهل الخبرة مجمعون على أن عدد السوريين في البرازيل يتراوح بين ثمانين ومئة ألف، وهناك عدد كبير منهم من أرباب العيال الذين اقترنوا بسوريات أو وطنيات وأصبحوا آباء لأولاد برازيليين لا يهمهم أن يعرفوا عن سورية شيئا، وهناك كثيرون اعتنقوا الجنسية البرازيلية وكادوا يقطعون كل علاقة تربطهم بوطنهم الأصلي لأنهم أصبحوا مقيدين بالبرازيل بربط غير قابلة للانفصام جلها مادية وبعضها اجتماعية"(11).

 

يمكن القول اليوم أن نسبة من يتكلم العربية قليلة جدا في سان باولو، رغم وجود نواد وتجمعات كبيرة وهامة. ووفقا لرأي العديد من الشهادات، لم يكن التأقلم البرازيلي وحده سببا في هذه القطيعة. فقد بقيت الصحف العربية والمجلات والنشاطات الأدبية متميزة حتى الستينات وبدأ التراجع عمليا مع تراجع النموذج البرلماني وصعود المؤسسة العسكرية للحكم  وتغييب الحريات في النماذج القومية التي وصلت للسلطة. حيث الافتخار بالوطن أصبح رديفا للدفاع عن دكتاتورية بغيضة ومكروهة في أوساط الثقافة في أمريكا اللاتينية. وجاءت الحرب الأهلية اللبنانية لتضرب في الصميم التواصل الثقافي والإبداعي مع المشرق الذي أصبح أنموذجا سلبيا للشبيبة العربية التي أدارت له الظهر بمرارة. ولكن قبل هذا الطلاق مع العسف، كان الآباء والأجداد من المهاجرين طرفا في المعركة السياسية كما كانوا طرفا في المعركة الثقافية. وفي كلا المعركتين كانت الحرية أنشودة المهاجر الأولى، فلأجلها غادر الوطن ولأجلها غنى للوطن ولأجلها بقيت العودة حلما دائما.

 

 

 

الإنسان أو البحث عن الذات الصغرى والكبرى

 

في مقدمته لمجموعة الرابطة القلمية لسنة 1921 يقول ميخائيل نعيمة (12):

"أجل. إننا في كل ما نفعل وكل ما نقول وكل ما نكتب إنما نفتش عن أنفسنا. فإن فتشنا عن الله فلنجد أنفسنا في الله. وإن سعينا وراء الجمال فإنما نسعى وراء أنفسنا في الجمال. وإن طلبنا الفضيلة فلا نطلب إلا أنفسنا في الفضيلة، وإن بحثنا عن مكروب فلا نبحث إلا عن أنفسنا في المكروب وإن اكتشفنا سرا من أسرار الطبيعة فما نحن إلا مكتشفون سرا من أسرارنا. فكل ما يأتيه الإنسان إنما يدور حول محور واحد هو-الإنسان".

من هذه الذات الكونية المجردة، يعود نسيب عريضة إلى طرح السؤال الذي يخالج نفس كل مهاجر: العلاقة بالمكان (اليوم) والعلاقة بالزمان (الأمس)، وفي نشيد المهاجر يصرخ بنفسه شعرا(13):

من أنت- ما أنت؟ قد وزعت روحك في     

                                      عهدين من شاسع ماض ومن داني

أنا المهاجـــر ! ذو نفسين واحدة

                                      تسير سيري وأخرى رهن أوطاني

ثم يعود من السؤال إلى وجع الحنين الذي يغفر للوطن كل الذنوب ويعيده صورة الحلم، بل حتى يعلن عن عشقه له بكل علاته:

أنا المهاجر- لا أنسى الوداع وما

                                جرى من الدمع في أجفان غزلان

ولوعة في حشا الأحباب ما بردت

                                   عللتهـا بلقاء  .. رهن أزمـان

مرت ثلاثون- لم أنس العهود وهل

                                    تنسـى مواثيق أرحام وإيمـان

الأهل أهلي وأطلال الحمى وطني

                                   وساكنـوا الربع أترابي وأقراني

قد كنت اشتاقهم والعين تنظرهم

                                   يا عظم شوقي على بعد وهجران!

إن أنكرونا فما والله ننكرهم !

                                  وإن جفوا لا نقابلهم بنســـيان !

نحبهم كيفما كانوا وإن ركبوا

                                  مراكب الهجــر من آن إلى آن

لم تكن لفحات الحنين وحدها الحكم عبر اكتشاف المبدعين لأنفسهم وعالمهم في عالم الغربة. فلعل أقوى النصوص العالمية التي تتخطى حدود القوم والعشيرة والتراب الوطني تترعرع في عملية الاكتشاف المتبادل للعالم الخاص عبر نظرة جديدة تتكون من بعيد والعوالم الجديدة التي تفتحها نوافذ الهجرة. وإن كانت هناك حالات عشق لا مكان فيها للعقلانية هنا، أو حالات توقف للزمن يوم غادرت السفينة ميناء الوطن تاركة "كل" شئ تراكم في الذاكرة الفردية. هذا الارتقاء يجد تعبيره على لسان إحدى شخصيات "مذكرات الأرقش" لميخائيل نعيمة:

 

"الإنسان يدعو المحل الذي يولد فيه "وطنه"، وهذه الكلمة مقدسة في عرف البشر. تراهم يذرفون الدموع عند فراق أوطانهم ويتهللون عند العودة إليها. ولماذا؟ لأنهم ألفوها وتعودوها. "فالوطن" ليس سوى عادة –لا أكثر ولا أقل- والبشر عبيد عادات. ولأنهم عبيد عاداتهم قسموا الأرض كلها إلى مقاطعات صغيرة- "هذا وطني وهذا وطنك. فالزم حدود وطنك ولا تتعد حدود وطني. وإذا تعديتها قابلتك بحد السيف"؟ والسيف لا يزال يحصد أعناق البشر من يوم استعبدوا لعادة الوطن وهاهو يحصدها اليوم وسيبقى يحصدها ما دام البشر مصّرين في عنادهم على قسمة الأرض إلى مقاطعات مختصة بهذه الأمة أو بتلك، مازالوا يؤلهون صنما دعوه "الوطنية". (14)

 

(…)

 

أما أنا شطر الإنسانية الساكت- فلا أدري أين ولدت ولا يهمني أن أدري، ولذاك لا وطن لي، ولو كان لي وطن لتبرأت منه لأن العالم في نظري هو واحد لا يتجزأ وإذا كان لا بد من وطن فهذا العالم الذي لا يتجزأ هو وطني. أما هذه الكرة التي يدعونها الأرض والتي يتقاسمها البشر ويتطاحنون على قسمتها فليست سوى حلقة صغيرة في سلسلة لا بدء لها ولا نهاية.(15)

 

لعل جبران خليل جبران أكثر من وفق في بناء فلسفة إبداعية همها الوطن في حلم الإنسانية والإنسانية في كافة التضاريس الذهنية للوطن. لنقرأ بعض قوله في الوطنية والعالمية: "ليست هذه الأمة إلا كالأمم كافة، فالناس من جبلة واحدة وهم لا يختلفون بعضهم عن بعض إلا في الظواهر والمظاهر الخارجية التي لا يعتد بها. فتعاسة الأمم الشرقية هي تعاسة الأرض بكاملها، وليس ما تحسبه رقيا في الغرب سوى شبح من أشباح الغرور الفارغ. فالرياء يظل رياء وإن قلم أظافره، والغش يبقى غشا وإن لانت ملامسه، والكذب لا يصير صدقا إذا لبس الحرير وسكن القصور. والخداع لا يتحول إلى أمانة إذا ركب القطار أو اعتلى المنطاد، والطمع لا ينقلب قناعة إذا قاس المسافات أو وزن العناصر، والجرائم لا تصبح فضائل وإن سارت بين المعامل والمعاهد… أما العبودية –العبودية للحياة، العبودية للماضي، العبودية للتعاليم والعوائد والأزياء، العبودية للأموات فستبقى عبودية وإن طلت وجهها وغيّرت ملابسها. العبودية تظل عبودية حتى وإن دعت نفسها حرية. لا يا أخي، ليس الغربي أرقى من الشرقي ولا الشرقي أحط من الغربي وما الفرق بينهما إلا كالفرق الكائن بين الذئب والضبع. ولقد نظرت فرأيت وراء مظاهر الاجتماع المتباينة ناموسا أوليا عادلا يفرق التعاسة والعماوة والجهالة على السواء فلا يميز شعبا عن شعب ولا يظلم طائفة دون طائفة" (مقتطع من العاصفة في مجموعة الرابطة القلمية)

 

يعبر جبران في "صوت الشاعر" عن مواطنيته لهذا العالم يقول:

 

البشر ينقسمون إلى طوائف وعشائر وينتمون إلى بلاد وأصقاع. وأنا أرى ذاتي غريبا في بلد واحد، وخارجا عن أمة واحدة. فالأرض كلها وطني والعائلة البشرية عشيرتي، لأني وجدت الإنسان ضعيفا، ومن الصغر أن ينقسم على ذاته، والأرض ضيقة، ومن الجهل أن تتجزأ إلى ممالك وإمارات.(16)

 

"أحب مسقط رأسي ببعض محبتي لبلادي. وأحب بلادي بقسم من محبتي للأرض وطني. وأحب الأرض بكليتي لأنها مرتع الإنسانية روح الألوهية على الأرض."(17).

 

يتوجه إيليا أبو ماضي للإنسان دون حدود وهوية بالقول:

 

ليست حياتك غير ما صورتها          أنت الحياة بصمتها ومقالها

 

أنت، أنت أيها الطين عد إلى لحظة الصدق وتذكر قبل أن ينطق تقنيو الأمم المتحدة بتلك العبارة الممهدة لإعلان حقوق الإنسان : يولد جميع الناس أحرارا متساوين:

نسي الطين ساعة أنه طيـ         ن حقير فصال تيها وعربد

وكسا الخز جسمه فتباهـى         وحوى المال كيسه فتمرد

يا أخي! لا تمل بوجهك عني      ما أنا فحمـة ولا أنت فرقد

أنت مثلي من الثرى وإليه         فلماذا يا صاحبي التيه والصد

كنت طفلا إذ كنت طفلا وتغدو     حين أغدو شيخـا كبيرا أدرد

لست أدري من أين جئت ولا ما   كنت، أو ما أكون يا صاح في غد

أفتدري ؟ إذن فخبــر ولا ما     فلمــاذا تظن أنك أوحــد ؟

نعم، فعند الشاعر لا يبالي طير الأراك إن أنت أصغيت أم أنا وتورد الأزاهير لا يتوقف عند غنى سعد أو فقر عمر. قمر واحد يطل على بني الإنسانية وفلك واحد يظلها..

يحاول الياس فرحات أن يضع جملة من المبادئ الخلقية لتنظيم العلاقة بين الإنسان وأخية الإنسان من جهة، والإنسان والمحيط من جهة ثانية. نقطة الانطلاق للشاعر المهجري هي رفض المحاباة واعتبار الصدق مع الذات والآخر منظما أساسيا للعلاقة بين البشر(18):

كل يحابي كما يهوى فلست أرى    في الشيخ عدلا ولا في المحول الحابي

لا تنتظر أن تراني راضيا فأنـا     أرضي ضميري ولو أغضبت أصحابي

أما العلاقة مع الآخر فتتلخص بقوله:

ما دمت محترما حقي فأنت أخي      آمنت بالله أم آمنت بالحجر

فالأساس هو العمل والسلوك وليس الاختيار المعلن أو القول:

أنا لا أصدق أن لصا مؤمنا       أدنى لربك من شريف ملحد

وكل ما يمكن أن يكون سببا لعداوات وأحقاد لا جدوى منها يتركه الشاعر حرصا على الإخاء الإنساني:

ودعت ديني وجنسي مذ رأيت بني     الدنيا فريسة أديان وأجناس

ولا يمتنع مع تأييده للسلام من نقد المؤتمرات التي تجري من أجل السلام ولا تتجاوز فعاليتها اجتماع الناس لأيام في سوق عكاظ:

أطلاب السلام كفى رياء     فما أقوالكم إلا خداع

وليس صدوركم إلا ظلاما    بهيما لا يلوح به شعاع

ومؤتمراتكم سوق وفيها      ضلال يشترى وهدى يباع

ونزع سلاحكم سهل ولكن   متى نزعت مخالبها السباع

يؤكد الياس فرحات على اختلاط البشر والاحتكاك بالأفراد والأمم لأن الإنسان عدو ما يجهل ولأن التسامح ابن اكتشاف الآخر. وهو يدعو للنظر للمستقبل وعدم البقاء أسرى الماضي، يقول في هذا:

أذل شعوب هذي الأرض شعب     تراه بذكر سالفه ولوعا

إذا مات الإباء بصدر شعــب      فقد ماتت مآثره جميعا

اكتشاف الآخر

خرج المغتربون بجرح عميق لم يمنعهم من رحابة الصدر لاكتشاف عالم في طور البناء. ويترجم الشاعر القروي روح الاستعداد للتقبل والتفاعل في بيتين من الشعر يعكسان وضع أغلبية المهاجرين يقول الشاعر القروي (19)،

استق الحكمة لا يشغلك من     أي ينبوع جـرت يا مستقي

فشعاع الشمس يمتص الندى    من فم الورد ووحل الطرق

بعكس اللجوء إلى أوربة الذي ارتبط بالمؤقت، طرح العديد من المثقفين والصناعيين مبكرا فكرة الاستقرار والتأثير عبر هذا الاستقرار في البلد المضيف والبلد الأصل. ومن أقدم المدافعين عن هذا المبدأ نعمه يافث (1860-1923) الذي دافع عن فكرة إنشاء الشركات التجارية المنظمة وتبادل الثقة المالية والأدبية بين السوريين والأجانب والإقامة الدائمة في البرازيل وإنشاء الجمعيات والمنتديات التي تساعد على وحدة الجالية وتكريم العلماء والأدباء (20).

 

 ومع هذه العقلنة للبقاء، بقي هم التغيير في الشرق موجودا عند نعمه يافث الذي يقول: "ترى سورية خالية من عمالها و أبنائها الأدباء، فهم منتشرون الآن في سائر المعمور من وادي النيل إلى أمريكا واوستراليا وشرقي آسيا وغيرها. ولا يستهان بتلك القوة الأدبية المنتشرة من أبناء سوريا العلماء الأعلام والشبان الأذكياء، فإنها لو أتيح لها الاجتماع في تلك البقعة لقضت الآن على كل ظلم اجتماعي سياسي. لأن الظلم في سوريا ليس الظلم السياسي فقط، بل هناك ظلم آخر أشد وقعا من ذلك وهو الظلم الاجتماعي- ظلم الوسط المحافظ على كل ما هو قديم من عادات سقيمة وأفكار عقيمة واعتقادات وخيمة".(21).

 

دخلت المنتديات والجمعيات مبكرا حياة الجالية العربية في الأمريكيتين. وقد وجدنا وثائق لجمعيات محلية في نيويورك وسانتوس وكاراكاس وسنتياغو وسان باولو وريو دي جانيرو قبل 1908. وقد كان للنساء دورا هاما في هذه الجمعيات وإن كان معظم النساء اللاتي تصدرن من الفئات الميسورة فقد دخلت المنافسة في الأعمال الخيرية هذا الوسط. وكما يشير توفيق ضعون (1922) كان "هناك عدد كبير من السيدات الأديبات اللواتي أسسن الجمعيات ونظمن الحفلات وزنّ المنابر خدمة للمعوزين والفقراء وأخص منهن بالذكر السيدة متيلدا سليمان يزبك والسيدة نظيرة سالم فرعوني والسيدة إميليا شكيب جراب والسيدة سلوى سلامة أطلس وسواهن كثيرات ممن لا يحط عدم تخصيصي إياهن من قدر فضلهن وجهادهن وإنما قصدت السابقات وصاحبات المواهب الإدارية والخطابية والكتابية" (22). ويتحدث الكاتب عن فكرة السيدة أدما يافث (1886-1956) إنشاء مستشفى كبير للجالية تشكلت من أجلها جمعية السيدات للمستشفى السوري للاكتتاب وجمع التبرعات. وقد كانت تؤكد دائما "أن المستشفى للجميع بدون تمييز وهو غير مطبوع بطابع ديني أو سياسي أنشأته الجالية فهو للجالية معهدها الخيري"(لعبت أدما يافث دورا كبيرا في دعم مشاريع إنسانية عديدة مثل جملة إنعاش الطفل البرازيلي وتنظيم حملات للأطفال المشردين والنساء المهملات وجمعية العمال في ابرنغا ومستوصف للأطفال ومستشفى للتوليد هذا في البرازيل إضافة لدعم مشاريع في لبنان. وكان لرأيها في دور المرأة يتلخص بقولها: "من البديهي أن الرجل والمرأة يكمل كل منهما الآخر، ويؤلفان معا وحدة كاملة وثيقة العرى. فلا تقدم لأمة من الأمم، ولا للبشرية قاطبة، إلا بتساويهما بالكفاءة وتعاونهما في العمل المقرون بالتضحية ونكران الذات".(23)ويعد اليوم المستشفى السوري-اللبناني في سان باولو من أهم مستشفيات أمريكا اللاتينية. وقد صادفني أسماء أكثر من عشرة نساء تولين رئاسة الجمعيات الإنسانية والمنتديات منهن ابنة حمص نبيهه عبد الله شحفه وعقيلة السيد أسعد عبد الله السيدة كرجيه حداد والسيدة وديعه هازار وأولغا خماسية رزق الله..

 

وقد كانت عدوى الأعمال الخيرية تنتقل بسرعة. فلم تنجز بعد فكرة المستشفى في سان باولو حتى بدأ الاستكتاب لمستشفى مشابه في العاصمة الأرجنتينية. وتلخص السيدة وديعة هازار من جمعية اليد البيضاء في كلمة ألقتها في تدشين صرح البناء الأساسي للميتم السوري في 1935 تقول: "فكر يتسرب إلى العقل الإنساني فيحمله على أجنحة الخيال ويذهب سابحا في الفضاء إلى الأقصى البعيد بعيدا عن الضوضاء العالية، وهناك في ذلك الانفراد الفكري، ومن على الرابية المشرفة على الحياة يرى البشر على اختلاف طبقاتهم.. فئة تنعم بهنائها، وأخرى تتقلب على حصير شقائها. أطفال لهم كل ما استنبطه العقل الإنساني من وسائل الراحة والرفاهية، وآخرون حرموا كل شئ حتى علة وجودهم. هؤلاء غرباء في أوطانهم فكم بالحري في بلاد المهجر؟".

 

من جهة، حاولت الجالية العربية الاحتفاظ بوشائج الصلة مع الوطن، ومن جهة أخرى كانت تعطي عن نفسها صورة الجالية العاملة البناءة للوطن الجديد الذي استوعبها كجزء من المجتمع المهاجر الكبير الذي شكل الأغلبية في "العالم الجديد".

 

كانت الرغبة في اكتشاف الآخر والتفاعل معه كبيرة  باعتباره تشكل في علاقات تعايشت فيها الجاليات والأفراد كمفهوم إيجابي وإن كان التعايش بين الجاليات والأقوام والأعراق يتم في أحيان كثيرة بدون اختلاط وعلى أساس التجاور juxtaposition  أكثر منه الانصهار المشترك assimilation. إلا أن رغبة الاختلاط واكتشاف الآخر كانت قوية عند المهاجرين بشكل عام والنخبة الأدبية بشكل خاص. فنجد التواصل مع كتّاب ناطقين بالانجليزية والبرتغالية منذ بداية القرن ومحاولات تعريف للقارئ العربي والعكس. ويؤكد الشاعر الياس فرحات في بيت جميل على إصراره على الاختلاط كعامل ارتقاء واكتشاف إيجابي لثقافة وشخصية وعطاء للآخرين وهو القائل:

شرق وغرب فقد يغنى أخو سفر    عن كل ما تجمع الأسفار من حكم

والمرء لا يرتقي مهما تلا كتبا      إلا إذا احتك بالأفــراد والأمـم

وكان التفاعل مع الآخر في الخيار الثقافي والسياسي واضحا في الخيارات المتنافرة والمختلفة للسياسيين العرب في المنفى. فمنهم من يؤيد الاتجاهات  الاشتراكية القومية ومنهم من يناهضها دفاعا عن الاشتراكية الديمقراطية أو الليبرالية. ففي حين ترجم كتاب زوجة بيرون للعربية كانت هناك نصوص أخرى تنتقد التجربة البيرونية. ويلاحظ في التيار القومي السوري في المنفى الاتفاق على مبادئ ديمقراطية علمانية متقدمة عليها في المشرق. فنقرأ مثلا في دستور "حزب استقلال الأقطار العربية"(1929): "السعي في الدرجة الأولى وراء الحصول على استقلال سورية ولبنان وفلسطين استقلالا تاما ناجزا خاليا من كل قيد وعلى منهج المبادئ الجمهورية التمثيلية اللا مركزية. ولا ضير أن يظل كل قطر من تلك الأقطار الثلاثة مستقلا عن الآخر أو أن يؤلف مجموعها أمة واحدة إذا أسفرت عن هذا أم ذاك رغائب شعوبها عن طريق التصويت السري العام"(24).

باستثناء اتجاه سلفي أقلوي، كان الاتجاه العام نحو البحث عن الاتجاهات الإصلاحية في البلاد وشجب القراءات التي تتمسك بأهداب الماضي على حساب الحاضر والمستقبل، فيما يترجمه إعادة النشر الغزيرة للإمام محمد عبده. ونقرأ لشعراء المهجر الكثير من نداءات التجديد وعدم البقاء أسرى الماضي كقولة الياس فرحات:

أذل شعوب هذي الأرض شعب    تراه بذكر سالفه ولوعا

إذا مات الإباء بصدر شعــب     فقد ماتت مآثره جميعا

ولعل فرحات أحسن من يصف فلسفة التعامل مع الذات والآخر في رباعياته هذه الفلسفة التي نقرأها بتجل أكثر في التجربة البرازيلية والأمريكية الجنوبية(25):

يا جار جار علّي الظالمون كما      جاروا عليك ولم نرحل ولم نثر

نخشى الغريب ونخشى قومنا فإذا     حلّ البلاء شكونا الضيم للقمر

فيم التقاطع والأوطــان تجمعنا      قم نغسل القلب مما فيه من وضر

ما دمت محترما حقي فأنت أخي      آمنت بالله أم آمنت بالحجر

في كل ما قرأت في صحف وأدب المهاجر الأمريكية، مر بي استشهاد واحد بابن تيمية يستحق فعلا التذكير به: "ولهذا كان العدل أمرا واجبا في كل شئ ولكل أحد، فلا يحل ظلم أحد أصلا سواء كان مسلما أو كافرا أو كان ظالما".

 

نشيد الحرية

بالنسبة لعدد كبير من المهاجرين لم يكن الخبز بيت القصيد في الاغتراب وإنما حلم الحرية، هذه الحرية لم تكن ذات تعريف واضح كما أنها لم تكن تنتمي لمدرسة معينة. إنها أولا وقبل كل شئ حالة التمرد والرفض للاستبداد العثماني

فيما يعبر عنه الشاعر مسعود سماحة بالقول:

سأترك أرض الجدود ففيها   حياة الجبان وموت الجرئ

تقيد أقلام أحرارها           وتطلق أيدي ذوي الميسر

سأضرب في الأرض لا خائفا    من البر أو لجج الأبحر

الحرية عند رشيد أيوب هي الغاية والوسيلة، العدالة والنور، وهي الروح المخلصة للبشر من آثامهم، يقول في الأيوبيات(26):

وحقك يا حرية قد عشقتها      وأنفقت عمري في هواها محاربا

وسر جمال فيك هام بحبه      بنو الشرق إجلالا فحلوا المغارب 

لأنت منى الدنيا وغاية سؤلها   وأفضل شئ قد رأته مناسبا

فلا يختشى ظلم وأنت عدالة     ولا ظلم، فالنور يمحي الغياهبا

ولا غرابة في أن نجد جمل الوطن في الحرية تتكرر في الكتابة والصحافة، فنقرأ لأمين الريحاني يتغنى بالحرية:

"متى تحولين وجهك نحو الشرق أيتها الحرية؟ أيتأتى أن يرى المستقبل تمثالا للحرية بجانب الأهرام؟ أممكن أن نرى لك مثيلا في بحر الروم؟ أيتها الحرية! متى تدورين مع البدر حول الأرض لتنيري ظلمات الشعوب المقيدة والأمم المستعبدة"؟  ونجد صدى شبلي شميل وأقواله تتكرر كثيرا مثل مأثورته: "لست أخشى تخطئة الناس لي إذا كنت أعرفني مصيبا، ولا يسرني تصويبهم لي إذا كنت أعرفني مخطئا. إن أقل ما في اطلاق حرية الفكر والقول تربية الطبع على الشجاعة والصدق وبئس الناس إذا قسروا على الجبن والكذب".

ونقرأ لأبي شادي ما قاله قبل الهجرة وبعدها ويربط جورج صوايا بين الحرية والمساواة يقول:

ألا فلتعش بين القلوب عزيزة       وتحي بأفكار الشعوب المساواة

فما هي إلا سلمّ للألى سعوا        تؤدي إلى المجد الرفيع ومرقاة

إلا أن الحرية تتجاوز الشعار والتغني إلى ممارسة فكرية وممارسة عملية. وتغتني هذه الممارسة بتعدد التيارات واختلافها ووجود تيار علماني مؤمن وآخر علماني ملحد. كما تتجلى في نقاشات وانتقادات قوية للطائفية والتقاليد والاستبداد والظلم والاستغلال. وسنحاول عبر نصوص نقدية للعبودية ومحاكم التفتيش والدستور إلقاء الضوء على هذه الممارسة الفكرية للحرية التي تأبى عند أصحابها أن يكون لها قيد أو أن يقف أمامها سد. وسنتناول نقد المذهبية والطائفية كمثل لهذه الممارسة

 

ضد المذهبية والطائفية

خرج أول المهاجرين إثر مجازر وصراعات مذهبية عرفتها سورية ولبنان. كذلك لم يوفر النظام الملي العثماني قضية استعمال الطائفية وشاطره الغرب في توظيفها لغايات أخرى. ولكن أغلبية المهاجرين رفضت أن تقع في الفخ الطائفي ولعل حياة الجمعيات والغنى الفكري والأدبي قد لعبا دورا كبيرا في مناهضة المذهبية والطائفية في المهاجر الأمريكية. كذلك كان لفترة مناهضة الخلافة العثمانية ومناهضة الاستعمار الغربي ما عزز روح الوطنية على حساب الانتماء الديني والطائفي. وقد تنوعت النبرات بين نقد صارم للأديان ونقد لاستعمالاتها المتطرفة والسيئة. وسنحاول استعراض بعض ملامح تناول الدين والطائفية عند أدباء المهجر.

ولدت على دين المسيح وربما       أموت على دين النبي محمد

فرد عليه قيصر وحيد الغرزوزي بمقالة في مجلة الشرق (27) يقول:

لتساوت الأديان عندك كلها       بين البليد وبين آخر أبلد

ما الفرق بين مزاعم ومزاعم     وخرافة وخرافة يا سيدي

كن قائد الأفكار في التجديد لا     مترددا وكلا يجر بمقود

وتكتسب المناظرة بين الأديبين أهمية خاصة فالشاعر يقول القروي في ديوانه بأنه تتلمذ على يد قيصر ويورد قوله

لا تسلني عن مذهبي فأنا من       مذهب القائلين باللا مذاهب 

أنا من هذه الطبيعة آت            وإلى هذه الطبـيعة ذاهب

من هنا نقرأ ردا يحمل الاحترام وبنفس الوقت الافتراق. يقول الشاعر القروي (رشيد سليم الخوري):

"لا أزال على إعجابي بالإسلام بصفته عقيدة فطرية سمحاء. يطمئن إليها مثلي من الهائمين بالعروبة. لأنها خرجت من مهد العروبة وصلب العروبة وبلغة العروبة.. وهو رأي خاص لا أكره أحدا عليه، ولا أكره من يخالفني فيه. ولطالما سألني أكثر من صديق من أتباع النبي العربي. مادمت تحب الإسلام بهذا المقدار فلماذا لا تدخل فيه. فكنت ولا أزال أجيب لا أدخل حتى يدخل المسلمون قبلي.. أما العروبة فهي ملتي واعتقادي ديننا العام الذي لم يدع أحد أكثر مني إلى تأليف القلوب عليه في خطبي ومقالاتي وأشعاري. ومن ذلك قولي ناشدا البعث العربي والوحدة القومية:

يا مسلمون ويا نصارى دينكم      دين العروبة واحد لا اثنان

بيروتكم كدمشقكم ودمشقكم         كرياضكم ورياضكم كعمان

لا تيأسوا أفما بعثتم مرة           لم لا يكون لمؤمن بعثان

ولعلي بهذه المناقشة أقرأ معظم آراء أهل المهجر الباحثين عن الإصلاح الديني والقراءة السمحة للإسلام والمسيحية، أو ذاك الاتجاه الذي يعتقد بأن ليس بوسع أحد إصلاح ما أفسدت الأيام.

من الاتجاه الأخير برز جرجي حداد صاحب مجلة القلم الحديدي الراديكالية. يذكر جرجي حداد في عدة مواقع من موقف الكنيسة في القرون الوسطى من تغيير الدين أو حتى مناقشة معطياته. وقد أورد في كتابه "تاريخ وفظائع ديوان التفتيش"  المقطع المتعلق بتغيير الدين: "ملعون ومستحق للموت كل من يقول أنه حر أن يعتنق الديانة التي يريدها وأن له السماح أن يستشير عقله في انتخاب دينه" (28) وهو يحمل الكنيسة المسؤولية الكبرى في ضرب الفكر الحر وتأخير مخاضات ولادته عبر المجازر المنظمة ضد كل من جدد أو خالف الإيديولوجيا الرسمية.

 

الأدب الذي استجوب الذات والوطن والعادات والتقاليد لم يتوقف عند استجواب العقائد. وإن قاد الزهاوي في الشرق ثورة في الجحيم فقد سطر شفيق معلوف تعابير ثورة أخرى في الجحيم تنطق بلسان البغايا لاستجواب الظلم الإنساني على الأرض في رائعته "عبقر":

مذ خلع الله علينا المقل

زودنا بنظرة ضائعة

وشهوة ملحة جائعة

وبشرة هفافة للقبل..

فمن لنا بطاعة الله

وهو الذي وسط العاصفة

زجّ بنا بالأضلع الراجفة

والجسد المستسلم الواهي

ثرنا عليه حينما سامنا

عسفا فلم نصبر على عسفه

قد حشد اللذات قدامنا

وجيش العذاب من خلفه

أفتى بأن نقوم في ربقنا

بجزية العبد إلى ربه

هو الذي أذنب في خلقنا

وراح يجزينا على ذنبه..(29)

جبران خليل جبران يرسم معالم فجوة مخيفة بين الروح وتوظيف الروح، بين انتظار المستقبل في أحشاء الأمس وصناعة المستقبل:

"ويل لأمة تنصرف عن الدين إلى المذاهب وعن الحقل إلى الزقاق وعن الحكمة إلى المنطق

ويل لأمة تلبس مما لا تنسج وتأكل مما لا تزرع وتشرب مما لا تعصر

ويل لأمة مغلوبة تحسب الزركشة في غالبيها كمالا والقبيح فيهم جمالا

ويل لأمة لا ترفع صوتها إلا إذا سارت وراء النعش ولا تفاخر إلا إذا وقفت في المقبرة ولا تتمرد إلا وعنقها بين السيف والنطع

ويل لأمة كل قبيلة فيها أمة

ويل لأمة تقابل كل فاتح بالتطبيل والتزمير ثم تشيعه بالضجيج والصفير لتقابل فاتحا آخر بالتطبيل والتزمير"(30)

بعيدا عن الخيال، يعود جبران ليؤكد:

"إن حياتكم اليومية هي هيكلكم وهي ديانتكم"

وهو يطرح في "المواكب"   قضية العلاقة بين الإنسان والعبادة  يقول

والدين في الناس حقل ليس يزرعه        غير الأولى لهم في زرعه وطر

من آمل بنعيم الخلد مبتشر              ومن جهول يخاف النار تستعر

فالقوم لولا عقاب البعث ما عبدوا      ربا ولولا الثواب المرتجى كفروا

كأنما الدين ضربا من متاجرهم         إن واظبوا ربحوا أو أهملوا خسروا

ويقول جبران في الدين: "هو ما أنار القلب، ومتى كان ضمير جاري كنور الشمس حيا نقيا وقلبه كوردة تتفتح في الفجر لتستقبل ندى السماء، فلا فرق إذ ذاك عندي إن ذكر بين الدراويش، أو سجد مع اليسوعيين، أو اغتسل في نهر الكنج مع البوذيين".

هذا التأكيد على الدين المتسامح أو التسامح في الأديان نجده عند أعضاء الرابطة القلمية دون استثناء وفيه يقول رشيد أيوب:

أصلي لموسى وأعبد عيسى   وأتلو السلام على أحمد

ويتجاوز الأمر الرابطة إلى الأدب المهجري بشكل عام، ولا يفعل محبوب الشرتوتي إلا أن يكرر خطابا ساد حقبة ارتقى فيها المثقف فوق خطاب التعصب:

كل شعب فشا التعصب فيه         هان، والموت من وراء هوانه

إلياس حبيب فرحات يترجم على طريقته هذا التصور بالقول:

أنا لا أصدق أن لصا مؤمنا      أدنى لربك من شريف ملحد

منتقدا ربط خوف الموت بالإيمان يقول:

 

يزني ويسرق ما استطاع فإن دعا       داعي منيته استغاث بكاهن

لم يقبل الشاعر الياس فرحات تعميد ابنته معللا ذلك بقراءته الخاصة للدين المتسامي فوق تفاصيل الشعائر:

قالوا تعمد "ليلى" قلت لا فغلت     في صدر جدة "ليلى" صورة الكدر

"يا ليل" لا تعجبي منها فقد سمعت  من زمرة الدير ما يدعو إلى الحذر

إني الكفيل إذا ما عشت صالحة    أن تبلغي كل ما للنفـس من وطر

الدين قلب نقي لا اتصــال له      بالملح والزيت والتعزيم والهذر

ولا ضير في جرأة شاعر يختصر شخصيته بالقول:

كل يحابي كما يهوى فلست أرى        في الشيخ عدلا ولا في المحول الحابي

لا تنتظر أن تراني راضيا فأنا         أرضي ضميري ولو أغضبت أصحابي

كسر شعراء وكتّاب المهجر هواجس الخوف الذاتية والعامة وكانت المغامرة الفكرية الجزء الثاني من مغامرة المجهول التي قادتهم إلى العالم الجديد. وبقدر ما كانت مشاق العيش قاسية كانت الرغبة في ترك أثر متميز وخاص بادية أيضا..

لم يكن بوسع عمالقة الهجرة الموت دون حفر آثار خالدة على صخرة الحياة.

ملاحظات البحث

1-أنظر : أنيس المقدسي، العوامل الفعالة في الأدب العربي الحديث، الحلقة الأولى: في العوامل السياسية، منشورات المقتطف، القاهرة، مصر، 1939، ص 6 وما بعها.

2-للمثل لا للحصر دواوين عبد الباقي العمري وبطرس كرامه وناصيف اليازجي وعبد الغفار الأخرس وفارس الشدياق ويوسف الأسير وإبراهيم الأحدب..

3-عن المقدسي، مذكور، ص 10.

4-المقتطف، العدد 36/258، عن المقدسي، مذكور، ص 11.

5-جبران خليل جبران، إلى المسلمين من شاعر مسيحي، عن كتاب: جبران حيا وميتا، إعداد:   ، سان باولو، 1932، ص 23.

6-توفيق ضعون، ذكرى الهجرة، طبع في سان باولو، البرازيل، 1948، ص 12.

7-إلياس عبد الله طعمه: ديوان الغريبات، المطبعة الفنية، سان باولو، 1915.

8-جورج صيدح، ديوان النوافل، كراكس، 1947.

9-فارس سمعان نجم، سان باولو، مختارات "الجديد" لجامعها توفيق ضعون، سان باولو، 1922.

10-عن شاكر الدبس وجورج حداد، أسعد عبد الله حداد، حياته ومآثره، دمشق، 1956، ص 75.

11-توفيق ضعون، مختارات "الجديد"، مذكور، ص 23.

12-مجموعة الرابطة القلمية، المطبعة التجارية السورية الأمريكية، نيويورك، 1921، ص 4-5.

13-نسيب عريضة، الأرواح الحائرة، مذكور، ص 245-248.

14- مجموعة الرابطة القلمية، مذكور، ص39.

15-نفس المصدر، ص40.

16-نفس المصدر، ص 105.

17-نفس المصدر، ص 106.

18-هذا الأبيات وما يليها مأخوذة من: إلياس فرحات، رباعيات فرحات، ط2, سان باولو 1954.

19-عن ديوان الشاعر القروي. طبعة 1961.

20- أنظر: انطونيوس يافث، نعمه يافث: حياته وأعماله وآثاره، سان باولو، برازيل،1934، ص 44-45.

21- نفس المصدر، ص 58.

22- ضعون، مذكور، ص 25.

23- أنظر أدما يافث، حياتها وأعمالها، عني بوضعه وأشرف على طبعه  شاكر الدبس بمساعدة عقيلتيها فيوليت وأنجلا، ص 6.

24-  جريدة الإصلاح، "جريدة قومية عمرانية تثقيفية حرة : الاستقلال محجة الأمم الرشيدة والحرية ضالة النفوس الأبية، تصدر كل صباح في بوانس أيرس، الجمعة 26 تموز 1929.

25- إلياس حبيب فرحات، رباعيات فرحات، قدم له توفيق ضعون عام 1925 في الطبعة الأولى وصدر في طبعة ثانية أيضا في سان باولو، 1954.

26-رشيد أيوب، الأيوبيات، طبع نيويورك، ص 38.

27-مجلة الشرق، عدد شباط/فبراير 1958.

28- جرجي حداد، تاريخ وفظائع ديوان التفتيش، منشورات القلم الحديدي، سان باولو، ص 138.

29- شفيق معلوف، عبقر، الطبعة الثانية، سان باولو،

30- جبران حيا وميتا، مذكور، ص 205. 

 

 

نصوص مختارة

 

جبران خليل جبران

طوبى للغرباء

"أنا غريب في هذا العالم

أنا غريب وفي الغربة وحدة قاسية ووحشة موجعة غير أنها تجعلني أفكر أبدا بوطن سحري لا أعرفه وتملأ أحلامي بأشباح أرض قصية ما رأتها عيني

أنا غريب عن أهلي وخلاني(…)

أنا غريب في هذا العالم

أنا غريب وقد جبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أجد مسقط رأسي ولا لقيت من يعرفني ولا يسمع بي (…)

أنا غريب وقد جبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أجد مسقط رأسي ولا لقيت من يعرفني ولا يسمع بي.(…)

أنا غريب في هذا العالم

أنا شاعر أنظم ما تنثره الحياة وأنثر ما تنظمه. ولهذا أنا غريب وسأبقى غريبا حتى تخطفني المنايا وتحملني إلى وطني.

لكم فكرتكم ولي فكرتي

كلنا فقير ولا غني سوى الحياة. وكلنا مستعط ولا ذاهب إلا الحياة

لكم فكرتكم ولي فكرتي

لكم فكرتكم شجرة صلبة تتمسك عروقها بتربة التقاليد وتنمو فروعها بقوة الاستمرار ولي فكرتي سحابة تتهادى في الفضاء ثم تهبط قطرا ثم تسيل جدولا إلى البحر ثم تتصاعد ضبابا نحو الأعالي.

لكم فكرتكم برجا متينا راسخا لا تهزه الأنواء ولا تحركه العواصف، ولي فكرتي أعشابا لينة تميل إلى كل ناحية وتجد بميلها بهجة وسرورا.

لكم فكرتكم مذهبا قديما لا يغير ولا يتغير، ولي فكرتي بدعة جديدة أغربلها وتغربلني كل صباح وكل مساء.

*      *      *

لكم فكرتكم ولي فكرتي

لكم من فكرتكم أن يصرع قويكم ضعيفكم، ويحتال داهيتكم على ساذجكم، ولي من فكرتي أن أحرث الأرض بمعولي واستثمرها بمنجلي، وأن أبني بيتا من الحجارة والطين، وأن أحوك ثوبا من الصوف أو الكتان.

لكم من فكرتكم مصاهرة الجاه والثروة، ولي من فكرتي أن أطرح السمعة والشهرة حبتين من الرمل على شاطئ الأبدية.

لكم من فكرتكم أن تحلموا بصروح أثاثها من الصندل المرصع ورياشها من الحرير المفتول، ولي من فكرتي أن أكون نظيف الروح والجسم حتى ولو كنت بدون مكان اسند إليه رأسي.

لكم من فكرتكم أن تكونوا موظفين ملقبين، ولي من فكرتي أن أكون خادما نافعا.

*       *        *

لكم فكرتكم ولي فكرتي

لكم من فكرتكم قواميسها الاجتماعية والدينية ومطالبها الفنية والسياسية، ولي من فكرتي أوليات قليلة بسيطة.

تقول فكرتكم: "امرأة حسناء قبيحة، فاضلة عاهرة، حاذقة بليدة" أما فكرتي فتقول: "كل امرأة والدة كل رجل، كل امرأة أخت بلا رجل، كل امرأة ابنة كل رجل".

وتقول فكرتكم: "لص، مجرم، قاتل، خبيث، عقوق. أما فكرتي فتقول: " إنما اللص صنيعة المحتكر، والمجرم خليقة الظالم، والعاقل حليف القتيل، والخبيث ثمرة العربيد، والعقوق نتيجة الصارم".

 

وتقول فكرتكم : "شرائع، محاكم، قضاة، عقوبات". إذا كان ثم من شريعة وضعية فكلنا يخالفها أو كلنا يخضع لها. وإن كان من ناموس أساسي فكلنا واحد أمام ذلك الناموس، فمن يتأفف من الساقطين كان منهم، ومن يلم أذياله كيلا تلامس المنطرحين على الأوحال كان مغمورا بالأوحال. أما الذي يفاخر بترفعه عن العثور والزلل فإنما يفاخر بترفع الإنسانية جمعاء، والذي يتبجح بعصمته إنما يتبجح بعصمة الحياة نفسها".

وتقول فكرتكم: "الماهر، المتفنن، الأستاذ، النابغة، العبقري، الفيلسوف، الإمام"

أما فكرتي فتقول: "الودود، المحب، الحليف، الصادق، المستقيم، المضحي، المستشهد"

وتقول فكرتكم: "الموسوية، البرهمية، البوذية، المسيحية، الإسلام". أما فكرتي فتقول : "ليس هناك سوى دين واحد مجرد مطلق تعددت مظاهره وظلّ مجردا، وتشعبت سبله ولكن مثلما تتفرع الأصابع من الكف الواحدة".

وتقول فكرتكم: "الكافر، المشرك، الدهري، الخارجي، الزنديق،. أما فكرتي فتقول: "الحائر، التائه، الضعيف، الضرير، اليتيم بعقله وروحه".

وتقول فكرتكم: "الغني، الفقير، العاطي، المستعطي". أما فكرتي فتقول: "كلنا فقير ولا غني سوى الحياة، كلنا مستعط ولا واهب إلا الحياة".

لكم فكرتكم ولي فكرتي

تدعي فكرتكم أن الأمم بالسياسة والأحزاب والمؤتمرات والتقارير والمعاهدات. أما فكرتي فتحتم أن الأمم بالعمل، العمل في الحقل وفي الكرم، العمل أمام النول وفي المصبغة، العمل في المقلع وفي الغاب، العمل في المكتب وفي المطبعة.

وتحسب فكرتكم أن أمجاد الشعوب بأبطالها الفاتحين فتترنم بذكر نمرود نبوخذ نصر ورعمسيس والاسكندر وقيصر وهانيبال ونابليون. أما فكرتي فتقرر أن الأبطال هم كنفشيوس وليو تسي وافلاطون وعلي بن أبي طالب والغزالي وجلال الدين الرومي وكوبرنيكوس وباستور.

وترى فكرتكم القوة الغالبة بالفيالق والمدافع والمدرعات والغواصات والطيارات والغازات السامة. أما فكرتي فتجزم أن لا قوة إلا بالحق ولا عزم إلا للحقيقة ومهما طال عهد المنتصرين بالقوة العضلية والآلية فهم المغلوبون في النهاية.

وتفصل فكرتكم بين العملي والخيالي وبين الإجرائي والكمالي وبين الصوفي والمادي.

أما فكرتي فتعلم أن للحياة وحدانية ذات أوزان وقياسات وجداول لا تنطبق على أوزانكم وقياساتكم وجداولكم. فرب من تعدونه خياليا كان من العمليين ورب من تحسبونه ماديا إجرائيا كان من الواهمين الموهمين.

*         *         *

لكم فكرتكم ولي فكرتي

لكم فكرتكم فاتبعوها متنقلة بين الخرائب ومتاحف المحنطات والمحجرات، ولي فكرتي وأنا أرقبها مرفرفة بين الضباب والسديم.

لكم فكرتكم فمجدوها جالسة على عرش من الجماجم، ولي فكرتي وأنا أتأملها هائمة في الأودية البعيدة المجهولة.

لكم فكرتكم فاثنوا عليها مزمرة وافرحوا بأنفسكم راقصين، ولي فكرتي وفكرتي تؤثر حشرجة النزع على تزميركم والسجون على مراقصكم.

لكم فكرتكم وهي فكرة جميع المستأنسين المتآلفين المرتاحين، ولي فكرتي وهي فكرة كل ضائع في مسقط رأسه وكل غريب في أمته، وكل مستوحش بين أهله وخلانه

لكم فكرتكم ولي فكرتي

أيتها الحرية

من أعماق أعماقنا نناديك أيتها الحرية فاسمعينا. من جوانب هذه الظلمة نرفع أكفنا نحوك فانظرينا. وعلى ثلوج أيامنا نسجد أمامك فارحمينا. أمام عرشك الرهيب نقف الآن ناشرين على أجسادنا أثواب آبائنا الملطخة بدمائهم، معفرين شعورنا بتراب القبور الممزوج ببقاياهم، حاملين السيوف التي أغمدت في أكبادهم، رافعين الرماح التي خرقت صدورهم، ساحبين القيود التي أبادت أقدامهم، صارخين الصراخ الذي جرح حناجرهم، نائحين النواح الذي ملأ ظلمة سجونهم، مصلين الصلاة التي انبثقت من أوجاع قلوبهم! فأصغي أيتها الحرية واسمعينا.

*      *      *

من منبع النيل إلى مصب الفرات يتصاعد نحوك عويل النفوس متموجا مع صراخ الهاوية، ومن أطراف الجزيرة إلى جبل لبنان تمتد إليك الأيدي مرتعشة بنزاع الموت، ومن شاطئ الخليج إلى أذيال الصحراء ترتفع نحوك العيون مغمورة بذوبان الأفئدة. فالتفتي أيتها الحرية وانظرينا

*      *      *

في المدارس والمكاتب تناجيك الشبيبة اليائسة،

وفي الكنائس والجوامع يستميلك الكتاب المتروك،

وفي المحاكم والمجالس تستغيث بك الشرائع المهملة،

فاشفقي أيتها الحرية وخلّصينا

*      *      *

في شوارعنا الضيقة يبيع التاجر أيامه ليعطي أثمانها إلى لصوص المغرب وليس من ينصحه، وفي حقولنا المجدبة يحفر الفلاح الأرض بأظافره ويزرعها حبات قلبه ويسقيها دموعه ولا يستغل غير الأشواك وليس من يعلمه،

وفي سهولنا الجرداء يسير البدوي عاريا حافيا جائعا وليس من يرأف به،

فتكلمي أيتها الحرية وعلمينا

*      *      *

نعاجنا ترتعي الأشواك والحسك بدلا من الزهور والأعشاب

وعجولنا تقضم أصول الأشجار بدلا من الذرة

وخيولنا تلتهم الهشيم بدلا من الشعير

فهلمي أيتها الحرية وخلصينا

*      *      *

منذ البدء وظلام الليل يخيم فوق أرواحنا، فمتى يجئ الفجر؟

من الحبوس إلى الحبوس تنتقل أجسادنا والأجيال تمر بنا ساخرة، فإلى متى نحتمل سخرية الأجيال؟

من نير ثقيل إلى نير أثقل تذهب أعناقنا وأمم الأرض تنظر من بعيد ضاحكة منا فإلام نصبر على ضحك الأمم؟  

من القيود إلى القيود تسير ركابنا. فلا القيود تفنى ولا نحن ننقرض فإلى متى نحيا؟

*      *      *

من عبودية المصريين، إلى سبي بابل، إلى قساوة الفرس، إلى خدمةالإغريق، إلى استبداد الروم، إلى مظالم المغول، إلى مطامع الأوربيين، فإلى أين نحن سائرون؟ ومتى نبلغ إلى جبهة العقبة؟

*      *      *

من مقابض فرعون، إلى مخالب نبوخخذ نصر، إلى أظافر الأسكندر، إلى أسياف هيرودوس، إلى براثن نيرون، إلى أياب الشيطان- فإلى يد من نحن ذاهبون الآن ومتى نصل إلى قبضة الموت فنرتاح من سكينة العدم.

*      *      *

بعزم سواعدنارفعوا أعمدة الهياكل والمعابد لمجد آلهتهم

وعلى ظهورنا نقلوا الطين والحجارة لبناء الأسوار والبروج لتعزيز حماهم

وبقوى أجسادنا أقاموا الأهرام لتخليد أسمائهم

فحتى مَ نبني القصور والصروح ولا نسكن غير الأكواخ والكهوف

وحتى مَ نملأ الأهراء والخزائن ولا نأكل غير الثوم والكراث؟ ونحوك الحرير والصوف ولا نلبس غير المسوح والأطمار؟

*      *      *

بخبثهم واحتيالهم فرقوا بين العشيرة والعشيرة، وأبعدوا الطائفة عن الطائفة، وبغضوا القبيلة بالقبيلة، فحتى متى نتبدد كالرماد أمام هذه الزوبعة القاسية ونتصارع كالأشبال الجائعة بقرب هذه الجيفة المنتنة؟

 

لحفظ عروشهم وطمأنينة قلوبهم قد سلحوا الدرزي لمقاتلة العربي، وحمسوا الشيعي لمصارعة السني، ونشطوا الكردي لذبح البدوي، وشجعوا الأحمدي لمنازعة المسيحي-فحتى متى يصرع الأخ أخاه على صدر الأم، وإلى متى يتوعد الجار جاره ويتباعد الصليب عن الهلال أمام عين الله؟

 

إصغي أيتها الحرية واسمعينا، التفتي يا أم ساكني الأرض وانظرينا، فنحن لسنا أبناء ضرتك، تكلمي بلسان واحد منا فمن شرارة واحدة يشتعل القش اليابس. أيقظي بحفيف أجنحتك روح رجل من رجالنا فمن سحابة واحدة ينبثق البرق وينير بلحظة خلايا الأودية وقنن الجبال. بددي بعزمك الغيوم السوداء، وانزلي كالصاعقة، واهدمي كالمنجنيق قوائم العروش المرفوعة على العظام والجماجم المصفحة بذهب الجزية والرشوة المغمورة بالدماء والدموع

*      *      *

اسمعينا أيتها الحرية. ارحمينا يا ابنة أثينا. ارحمينا يا أخت رومة. خلصينا يا رفيقة موسى. اسعفينا يا حبيبة أشعيا. علمينا يا عروس يوحنا.. قوي قلوبنا لنحيا أو شددي سواعد أعدائنا علينا فنفنى وننقرض ونستريح.

نسيب عريضة جرجي حداد

 

تاريخ وفظائع ديوان التفتيش في البرتغال وإسبانيا

في عام 1989 قمت بنشر نص للمفكرين الأحرار بعنوان "نقد الكنيسة الكاثوليكية عن منشورات الجمل في ألمانيا. وهي مجموعة مقالات نشرت في مجلة القلم الحديدي التي بدأت بالظهور عام 1913 في مدينة ساو باولو ورأس تحريرها جرجي حداد (المعروف أيضا بجورج حداد) والتي أصدرها طيلة قرابة 15 عاما. وقد كان صاحب الجريدة يعرفها بالقول : جريدة حرة أنشئت لاطلاق حرية الفكر وتحطيم الخرافات والجهل"، "لسان حال المفكرين الأحرار في العالم العربي". وقد اعتبر حداد من مهماته المركزية نقد كل سلطة غاشمة دينية كانت أو دنيوية وطالب بالنضال من أجل الحرية والاستقلال الفكري والسياسي. ومن مؤلفاته، كتاب "تاريخ وفظائع ديوان التفتيش في البرتغال وإسبانيا" أصدره في ساو باولو سنة 1923. والكتاب الذي حصلنا على نسخة منه مؤلف من 206 صفحة من الحجم المتوسط وقد رأينا من المناسب نشر فصل كامل منه في هذا الكتاب. لن نتدخل في المعطيات التاريخية كون أهمية النص في المعطيات الوصفية، ونحيل القارئ لمادة محاكم التفتيش في موسوعة "الإمعان في حقوق الإنسان"، الجزء الأول. وقد توقفنا عن إعادة وصف عمليات الحرق وتقطيع الجسد والتمثيل بالأثداء أو الأعضاء الجنسية والكي وتشليع الأعضاء وسمل الأعين والتحييط (أي الدفن حيا في حائط الكنيسة) وغيرها من التعبيرات اللا إنسانية للتعذيب والقتل.

 

جرائم ديوان التفتيش في إسبانيا  (الفصل الثاني من الكتاب الثاني)

قد تقدم لنا وصف سجون ديوان التفتيش في إسبانيا والبرتغال فيجدر بنا الآن أن نصف بأكثر إيضاح كيفية التجسس والقبض على الناس في إسبانيا وبعض أشياء ابتدائية عن رجال ديوان التفتيش ومن هم وهذا الوصف بقلم أوجين بيليتان قال:

 

ليتصور القارئ أن عربة فخمة يجرها أربعة رؤوس من جياد الخيل وقفت أمام ذلك السجن المظلم الذي تقدم وصفه تنتظر من يخرج منها ليركبها في غرض له أو زيارة وقد أحيطت هذه العربة بالحرس الفرسان وهم شاهرو السيوف وقد لبسوا أفخر الملابس كأنهم حرس ملك عظيم الشأن.

 

ثم ليتصور أنه قد خرج من باب ذلك البناء الضخم راهب دومينيكاني وهو قد اتخذ مسكنا له قسما من هذا السجن أو القصر الرهيب وقد حوله إلى مقصورة كمقاصير جنة محمد فيها كل أسباب الترف والنعيم.. فهذا الراهب هو "المفتش" الرهيب الذي بين شفتيه الموت والحياة هو أحد عمال مار بطرس على الأرض ورئيس السلاح الديني.

 

نعم، هذا الراهب الذي هو كمولاه خليفة مار بطرس في رومية، خليفة ذلك الصياد الحقير، ترتعد منه إسبانيا بأسرها حتى أن سلطانه وحكمه قد امتدا إلى بلاط الملك وقصور الأمراء والعظماء فالويل للذي كان يغضب عليه هذا الإنسان كائنا من كان لأن ديوان التفتيش كان دولة ضمن دولة فكان له جنده الخاص وأعلامه وكان هذا الجيش أو الجند يدعى بجيش "الحرب المقدسة" فقوة هؤلاء الظلام جاءت من هذا التقديس أو هذه القداسة التي صارت ويلا وهوانا على الإنسانية.

 

غير أن جيوش الديوان لم تكن كلها جيوشا علانية كجيش الحكومة بل كانت مستترة والقسم القليل منها كان ظاهرا للعيان كجيش الحكومة ولم يكن هذا الجيش يجمع بالقوة أو بالقرعة أو بالأجرة بل بالتطوع والسعيد من قبل في جيش الديوان المقدس لأنه حينئذ يكون مالكا إسبانيا بأسرها وكلمته لا ترد فلا يسجن ولا يحاكم مهما ارتكب من الشرور فكان أكثر رجال هذا الجيش إذا لم نقل كلهم من الأمراء والأشراف الذين كثرت شرورهم وفسقهم وتطلعهم إلى النساء الجميلات اللواتي كان جمالهن سببا لزج أزواجهن أو آبائهن أحيانا إذا عصين في ظلمات سجون ذلك الديوان المسيحي بحجة الهرطقةولا تسل بعدئذ عما كان يجري وكفى..

 

من يجسر أن يتوسط أو يشفع بأحد أولئك التعساء من غير أن يعرض نفسه للموت المحتم إذ يلحق بهم ويحشر في سجونهم حالا بدون سؤال ولا جواب ولو كان أكبر كبير في المملكة. فما قولك بعامة الشعب لأنهم كانوا يعتبرون أن التوسط هو ذات الهرطقة.

 

"فالجيش المقدس" كان منتشرا في كل مكان ولكنه كان غير معروف أي أنه جيش مخفى تماما كالبوليس السري في هذه الأيام فهو كان أشبه بأذن كبيرة جدا تسمع كل ما يدور من الأحاديث في بيوت وعائلات إسبانيا وعين كعين الله تنظر ما في تلك البلاد من الخفايا فلا يفوتها شئ.

 

فكل إنسان في إسبانيا كان ملزما أن يقدم حسابا عن حياته الخصوصية بكل دقائقها، كيف يأكل وكيف يشرب وكيف ينام وماذا يفعل ومع من يتكلم وأين يسهر في الليل. هذه الإيضاحات كان يسمعها المفتش الذي كان يسأل عن الرؤيا والأحلام التي يحلم بها المعترف وما نوعها .. فالأب مثلا كان مجبورا على أن يخبر ما يعرفه عن ابنه أو ابنته، والابن عن أبيه، والأخ عن أخيه، وهل منهم من يعتنق الأفكار الحرة أو الهرطقة وأي نوع من الكتب يطالع ومن هو الذي عنده كتب ويعيره إياه الخ الخ.

 

أما هذا المفتش أو المفتشون، فكانوا من الكهنة الذين يعرفون الشعب في الكنائس والبيوت فكان الكاهن يختلي في كرسي الاعتراف مع المرأة أو الرجل الذي يريد أن يعرفه. ويأخذ باستنطاقه ويأمره أن يتكلم بصوت عال لأن سمعه ثقيل فيأخذ الراكع المعّرف بسرد الحوادث وما يعرفه من الأشخاص وما سمعه من الكلام بحق الكنيسة ورجال ديوان التفتيش ثم يبوح بسره أيضا وما يفكر به هو ذاته من هذا القبيل كل هذا يجري والكاتب المختبئ وراء الستر يكتب ما يراه ضروريا مثل أسماء الأشخاص والبلدان وأحيانا يكتب كل اعتراف الرجل إذا وجد بعد اعترافه أنه هرطوقي أو يعرف شيئا عن الهراطقة وأعداء الديوان يلقي عليه القبض حين خروجه من الكنيسة ويساق إلى المحكمة وحين استنطاقه يعاد عليه كلامه الحرفي الذي قاله للكاهن فمن أين عرف رجال ديوان التفتيش ما قاله للكاهن وهو قد أخذ الاستنطاق توا. الكاهن لم يزل في الكنيسة إلا أن يكونوا سحرة أو أنبياء فيخاف المتهم ويقع  بحيرة عظيمة.

 

أما إذا لم يلقوا القبض عليه حالا فإنهم في اليوم التالي يبعثون إليه أو إلى الي يريدون القبض عليه برسول خاص من قبل الديوان هذا كان يأتي إلى بيت المراد جلبه فيكلمه بكل لطف واتضاع وصوت خافت كصوت الشحاذ وهو يطلب صدقة:

 

"إنني أيها السيد قد اجتمعت أمس صدفة بآباء الإيمان المقدس وفي أثناء الحديث جاء ذكرك فأحبوا أن يروك لأشغال خصوصية مهمة تتعلق بك لذلك فحضراتهم ينتظرون حضورك غدا في الساعة الفلانية فالرجاء أن تحضر في الوقت المعين".

 

فمحكمة ديوان التفتيش لست بغافلة عن الشخص المطلوب هذا ومحاولته الهرب بعد إنذاره بالحضور فهي قد اتخذت كل الاحتياطات اللازمة فاسم الرجل وأوصافه وأسماء أعضاء عائلته كلها مقيدة في سجل الديوان الدموي، فإذا هرب بعد تبليغه الأمر بالحضور فالمسألة تكون منحوسة ليس على الرجل فقط بل على عائلته أيضا وإذا حضر فإنه يزج في سجون الديوان للتعذيب أولا وربما للموت أما إذا هرب قبل طلبه وقدر على خداع رجال الديوان أي أنه مكر بهم وعرف قصدهم السيء من نحوه مقدما فربما كان يقدر على الخروج من إسبانيا ولكنه والحالة هذه يجب أن يخرج بشخصه فقط أي أن يترك عياله ومقتنياته وكل شئ له وهرب بسرعة زائدة.

 

غير أنه مع هذه السرعة والمجازفة الفائقة لم يكن يتيسر لكثيرين الهرب فإلى أين المهرب وجواسيس الديوان الوقوف على حدود البلاد لهؤلاء في الطلب، فإذا قّدر للرجل الهرب فإن الديوان كان يلقي القبض حالا على كل أعضاء عائلته ويزجهم في سجونه المظلمة ثم يضبط كل أملاك الرجل ومقتنياته وما تملك يداه ويفرقها على رجاله وجواسيسه.

 

فإذا لم يهرب كما تقدم وحضر للمحكمة في الوقت المعين فإنه يؤخذ ويوقف أولا أمام رجال الديوان وهم مقنعون بالأسود وهناك يطرحون عليه أسئلة أولية حتى إذا فرغوا من استنطاقه هذا زجوه في السجن المعلوم لحين المحاكمة، لكنهم أحيانا كثيرة كانوا لا يحاكمون أسراهم ولا يسألونهم تلك الأسئلة الأولية مطلقا بل كانوا يذهبون بهم توا إلى السجون بدون أن يعرف هؤلاء لماذا سجنوا ومن هم الشتكون عليهم وإذا سئلوا كان جزاؤهم الإرسال إلى صاعة التعذيب. (..)

 

إن سجون ديوان التفتيش كانت وهذا في إسبانيا خاصة تحت الأرض على عمق يشبه عمق الآبار تقريبا، وكانت رطبة قذرة فاسدة الهواء كالقبور ومجرد النظر إليها وفحصها كافيان لإحداث الارتعاش في قلب أي إنسان كان.

 

وكانت غرف هذه السجون مقسمة بطريقة أن كل سجن منها يسع رجلا واحدا فقط لكن إذا كان المسجونون كثيرين كانوا يضعون اثنين أو ثلاثة أشخاص وأحيانا أربعة في سجن أو قبر واحد.

 

قال أحد المؤرخين في ذلك العصر، وهو من رعايا إحدى الدول المجاورة لإسبانيا أنه من المستحيل أن يقدر الفكر على تصور حقيقة تلك السجون الضيقة المظلمة الرطبة التي كان يقضي فيها أولئك التعساء شهورا بل وسنينا وهم محرومون من الهواء النقي والنور والحركة والغريب أن هذه السجون كانت بدء العذاب أو مقدمة للعذاب العظيم وليست كل العذاب مع أنها من أهول آلان العذاب في العالم.

 

ففي أعماق هذه السجون كانت تجد الحرية والعواطف الشريفة والروح العالية النبيلة روح أولئك الشهداء المساكين.

 

وفي أعماق هذه السجون الرطبة كان المسجونون المساكين محرومين من الثياب ما عدا خرق بالية تستر أجسادهم فكان يهرأهم البرد والصقيع وهم في جوف الأرض المظلم فالساعات عندهم كانت تقطع كالأيام والأيام كالأسابيع والأسابيع كالشهور والشهور كالسنين الطويلة المهلكة.

 

وكان يضاف إلى هذا العذاب، وهذا في سجون إسبانيا، عذاب الجوع فإن رجال الديوان المقدس لم يكونوا يأمرون لسجنائهم بأكثر من قطعة خبز صغيرة لكل واحد في اليوم بحيث أنهم يحفظونهم بقيد الحياة فقط ليوم العذاب لكن علم بعد ذلك أن القصد من تجويع هؤلاء المساكين ليس التعذيب فقط بل إضعاف جسد ونفس المسجون لكي يقر عما يعرفه ويبوح بأسراره وجمعياته وإخوانه الهاربين وأين مقرهم، هذا قصد "آباء الإيمان" وهو زيادة إملاء السجون بمثل هؤلاء التعساء     

 

 

من الصحافة المهجرية

 

شكلت الصحافة المهجرية مرآة تعكس أهم التيارات الفكرية والسياسية في المهجر. وإذا كانت الصحافة ذات  التأثير الحزبي لم تكن طويلة العمر عميقة الأثر، فقد نجحت المجلات الأدبية في الاستمرار وإعطاء صورة ممتازة للإنتاج الأدبي في المهجر. وبمراجعة المجموعة الكاملة لـ "مجلة الشرق" التي تعد من أطول المجلات استمرارية مع الحفاظ على نوع من التعددية في الرأي يسمح باتساع موضوعاتها وتنوع قرائها. وقد كانت الإعلانات والاشتراكات تغطي حيزا هاما من تكاليف هذه الجريدة التي خصصت أيضا جانبا لحفلات ونشاطات الجالية العربية في البرازيل. ونلاحظ في المقالات السياسية إعادة انتاج عدد هام من المقالات المنشورة في سورية ولبنان ومصر للتعريف حينا وللاستنجاد برأي من الوطن أحيانا أخرى. وهناك مقالات عديدة مرت بسرعة في لبنان مثلا أخذت حيزا هاما في النقاش في البرازيل. ومن الممتع تتبع الصحافة المهجرية عشية صدور أول دستور في سورية ولبنان والنقاش الذي دار في 1928 بين منتقد للمادة الثالثة من الدستور السوري التي تنص على "البلاد السورية جمهورية نيابية، دين رئيسها الإسلام" ومنتقد لغياب مفهوم السيادة من الدستور اللبناني. وقد استنجدت أكثر من صحيفة برئيسيات الاستاذ جبران التويني في الأحرار فكانت مادة نقاش للمهجريين وقد نشرتها "الشرق" في عددها 11 السنة الأولى /15/9/1928. كذلك نالت مسألة دور الفرد وحقوق الفرد أهمية في العديد من النقاشات الفكرية والسياسية خاصة في الحقبة التي تصاعدت فيها التيارات الشمولية كالستالينية والنازية وتأكيدها لفكرة الأمة أو الطبقة قبل الفرد. ويمكن القول أن ما كان ينشر في الصحافة لم يرتبط حصرا بالمهاجر ولا يمكن اعتبار الهجرة دائما مصدره.فقد كانت الصحافة والرأي العام يتشكلان من وجهات نظر مهجرية أو من الوطن دون تمييز يذكر. بل على المرء في الفترة الأولى من هذا القرن أن يتحقق من مكان تواجد العديد من الأقلام التي تركت رأيا مؤثرا في الجاليات العربية لأنها لم تكن بالضرورة مقيمة في المهاجر. فيما يلي صدى الوطن في الهجرة والهجرة في الوطن عبر مقالتين الأولى في نقاشات الدستور السوري والثانية حول الدولة والفرد في المذاهب السياسية.

نظرات في مشروع الدستور السوري

"من رئيسيات الأستاذ جبران التويني في الأحرار"

 

انتهت لجنة الدستور السوري من وضع النص النهائي لمشروع الدستور، وسيبدأ المجلس التأسيسي بدرسه، ونعتقد أن أمر تصديقه لا يطول، لأن أكثر النواب متفقون على المشروع.

 

نصت المادة الأولى على أن "سورية دولة مستقلة ذات سيادة، ولا يجوز التنزل عن شئ من أراضيها" ولم تشأ اللجنة أن تحدد هذه السيادة إن كانت للداخل وللخارج أم هي للداخل فقط. بل تركت التعريف مبهما في إطلاقه، على اعتقاد أن السيادة القومية لا تتجزأ. وعلى كل فإن هذا النص يوجد لسورية شخصية دولية، لم يوجدها للبنان نص المادة الأولى من دستوره. فهي تنص على أن "لبنان الكبير دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ" أما السيادة فلم يرد ذكرها في المادة، ولعلهم أغفلوها حتى لا يصطدموا بتحفظات الانتداب، أو بصك الانتداب نفسه. وهو اصطدام لم تحاول اللجنة السورية أن تتجنبه، لأن الانتداب في سورية سيبدل بمعاهدة تنعقد بين سورية وفرنسة، أي بين دولتين لكل منهما استقلال وسيادة.

 

ولا نعتقد أن اللجنة وضعت هذا النص المؤيد للاستقلال والسيادة، إلا بعد أن استوثقت من انطباقه على خط المسيو بونسو. ولعل التأخير في وضع هذا النص كان ناتجا عن مخابرات دارت في هذا الصدد سبقها وضع أساسات المعاهدة أو "التفاهم" على علاقة هذه السيادة بمصالح فرنسة و"تعهداتها الدولية". هذا ما نعتقد أن اللجنة فعلته قبل وضعها هذا النص، اجتنابا للاصطدام.

 

وجاءت المادة الثانية في مشروع الدستور السوري تؤيد الوحدة السياسية تأييدا سلبيا، أي أنها تعتبر كل تجزئة طرأت على سورية بعد الحرب العامة عملا غير مشروع، إذا هو كان اليوم أمرا واقعا، فإنه لا يمنع من المطالبة بإزالة هذا الأمر الواقع، متى أصبح ذلك في الإمكان. فهي من قبيل تسجيل ما يعتبره صاحبه حقا، للحصول عليه آجلا، حتى لا يسقط بمضي المدة، إذا كان لا يستطيع الحصول عليه عاجلا. فالمادة تقول "إن البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية وحدة سياسية لا تتجزأ، ولا عبرة لكل تجزئة طرأت عليها بعد نهاية الحرب العامة" وهذه التجزئة تتناول فلسطين وشرق الأردن من البلاد المشمولة بالانتداب البريطاني، وتتناول الموصل من البلاد التي كانت من "حصة" فرنسة وأراد مسيو كليمنصو أن تكون لانكلتره، استغفر الله، بل للعراق..

 

إن هذه المادة قد لا تروق لفريق من طلاب الوحدة المركزية الشديدة وقد لا تروق أيضا لفريق من طلاب التجزئة والانفصال. ولكننا نعتقد أن صيغتها المرنة تؤيد الحق في الحصول على وحدة سياسية شاملة، إذا هي لم تكن اليوم أمرا نافذا، فليس ما يدل على النكوص عن المطالبة بها، وعلى الرضى بالأمر الواقع.

 

ونصت المادة الثالثة على أن "البلاد السورية جمهورية نيابية، دين رئيسها الإسلام" وهذه بدعة في الجمهوريات، ولكنها بدعة أوجبتها حالة الزمان والمكان. نعم إن الدستور اللبناني لم ينص على دين الجمهورية، كسواه من دساتير الجمهوريات. ولكن الحالة في لبنان تختلف عن مثلها في سورية. فهنا طوائف عدة يكاد يتساوى فيها المسيحيون والمسلمون عددا. أما في سورية فالأكثرية الساحقة جدا تدين بالإسلام، وهي لم تصل بعد إلى درجة من "العلمانية" تعتبر فيه أن رئاسة الدولة حق لكل مواطن مهما كان مذهبه ولو أن هذا النص لم يوضع لكان قضى به العرف نفسه. ومع ذلك فإننا لا نرى في وضعه ما تؤاخذ عليه اللجنة، إذا أردنا أن نكون عمليين غير نظريين. نعم كنا نفضل أن لا ينص الدستور على دين الدولة أو دين رئيسها ولكننا متى علمنا أن الاعتبارات المذهبية لا تزال سائدة في أرقى الأمم، وجدنا لواضعي هذا النص عذرا مقبولا. فإن خصوم المستر سميث المرشح لرئاسة الولايات المتحدة لا يجدون له ذنبا سوى أنه كاثوليكي غير بروتستانتي. لقد كان ملوك انجلتره يقسمون الأيمان يوم يتولون الملك على اضطهاد الكاثوليك في مملكتهم، ولم يشذ عن هذه القاعدة سوى جلالة الملك جورج الحالي فإنه ألغى هذه الفقرة من اليمين. والمسيو دومرغ رئيس جمهورية فرنسة الحالي هو أول رئيس غير كاثوليكي يتولى رئاسة الدولة. أي أن أعرق الأمم في الحضارة، وأكثرهن تسامحا وحرية معتقد، لم تتسلط العلمانية تماما على دين رئيسها حتى الآن. فليس على السوريين من غضاضة إذا نص دستورهم على دين رئيس الجمهورية، لا على دين الجمهورية نفسها. ولا يغرب عن البال أن مهمة المجلس التأسيسي دقيقة جدا في هذا الموقف، فإذا هو لم ينص على دين الدولة حرض خصومه عليه جماهير المتعصبين واتهموه بالزندقة والإلحاد، وعرقلوا المهمة التي أخذ على عاتقه أمر تنفيذها. فهو بوضعه نصا على دين الدولة قطع الطريق على المشاغبين".  

 

 

العبودية على مّر العصور

 

(كتبت بمناسبة عيد تحرير العبيد الذي وقع في 13 الجاري)

 

والظلم في شيمِ النفوسِ فإِن تجد     ذا عفَّةٍ فعلةِ لا يظلمُ

               

تمهيد ومعلومات عامة

هو الظُّلم ما زال خلة ملازمة للإنسان منذ نشأته كأنها منه بعض كريات دمه وجزء من طبعه وفلذة من فؤاده ولعلَّ العبودية أشد مظاهره هولاً وأكثرها ويلاً فما العدوُّ المغير عَلَى عدوه بخيله ورجله فيحرق ضياعه ويقتل رجاله ييتم أطفاله لا ولا الفتنة تنشب في البلاد فيقوم الأخوان عَلَى إخوانهم فيبيدونهم طعناً وضرباً لا ولا الأرض يزلزل زلزالها فتغفر أفواهها وتبتلع القوى والمدائن وما فيها من البشر بأشد هولاً من أن يستعيد الإنسان أخاه الإنسان فيتصرّف به وبعياله كما يتصرف بالمتاع أو بالحيوان.

 

والعبودية بنت الدهاء ومازال الدهاء بصقل ظاهرها دون أن يغير باطنها ويحوّر شكلها دون أن يمس جوهرها فهي مازالت تنساب بين طيَّات الدهور وتتغلًّل بين أخاديد العصر ودهاء الإنسان يحوّرها وظلمه يكبر دائرتها ويوسع منطقتها. وبعد أن كان الإنسان يستعبد الواحد أو الألوف من بني جنسه أصبحت الشعوب تستعيد الشعوب ثم القارات غيرها فتذيقها الخسف والذل الهوان وقد يتوصل سكان هذه الكرة الأرضية إلى الإنفاق عَلَى استبعاد سكان سيَّار آخر فتضمحل من بينهم العبودية حينئذٍ وهذا ما تسعى إليه الإنسانية ويعدونه الوصول إلى الكمال لم تذكر التواريخ الدنيوية لا ولا الدينية شيئاً عن أصل العبودية ونشأتها وجلّ ما ذكرته إنها رافقت الإنسان منذ وُجد التاريخ مروياً   وقبل أن يُكتَب ولا شك أن الإنسان الأول الهمجي لم يكن لتنبهه إلى وجود منفعة من الضعيف المغلوب إلا بأكله كغيره من الصيد سداً لجوعه ولكنه أدرك بالاختبار ومن روح الاقتصاد التي بدأت تدب فيه أن بقاء المغلوب حياً خير من يُقتل فيسد به جوع يوم وأن باستخدامه ما قد يسد جوع أعوام فأبقى عليه واستعبده.

 

فالعبودية إذن هي صفة الإنسان الذي يكون ونسله ملك غيره وكان يختلف نوعاً بين العبد الروماني الذي كان لسيد عليه الحق المطلق باستغلاله وذريته بدون بدل وقتله أو جدع انفه أو صلم أذنه أو قطع لسانه أو سمل عينيه أو قتل فخذه أو جلده بدون عقاب، وبين الأرقاء المزارعين في القرون الوسطى الذين مع القضاء عليهم بحراثة الأرض واستغلالها ما داموا أحياء كان لهم كثير من مميزات الأحرار. ومن العبيد من كانوا يولدون أرقاء تحت تأثير الإرث ومنهم من كانا يُسترَقُّون لوقوعهم أسرى في الحروب أو لاقترافهم الجرائم أو لديون عليهم ومنهم من كانوا يجبرون على الأعمال الشاقة خضوعاً على الأعمال الشاقة خضوعاً لإحدى السلطات الأوربية كما كانت الحال في أميركا والكونغو وغيرها من البلاد الأفريقية.

 

كان عامة الرومانيين يرون العبودية جزءاً متمماً لترفهم وراحتهم وكان مفكروهم وفلاسفتهم يرون في الأرقاء نوعاً من البشر خلق ليعيش في العبودية لانحطاط مداره التي يتمُّ عليها عدم مقدرته عَلَى الدفاع عن حريته حتى أن ارستطاليس وهو أكبر فلاسفة الأقدمين كان يقول ببقاء العبودية ولم تكن التعاليم الفلسفية والمبادئ المسيحية في رومة بمقاومتها للعبودية ترمي إلى إلغائها بل إلى تخفيف ويلات الأرقاء حمل أسيادهم عَلَى معاملتهم بطريقة أقل قسوة وأكثر حناناً ورأفة.

 

أن العبودية كانت في نظر الإنسان أمراً طبيعياً حتى كان عدد الأرقاء في كثير من البلدان يربى على عدد الأحرار وكان اليهود من أدعى دعاتها وبقيت النخاسة حرفة يستدرون منها أرباحاً طائلة حتى أواخر القرن التاسع عشر وكان للعبودية مصدر آخر غير أسرى الحروب وهو الاختطاف بالقوة أو بالإغراء وخصوصاً عند الشعوب البحرية كالفينيقيين والكريتيين والكيليكيين وغيرهم قد ذكر المؤرخ هيرودوتوس أن بعض قبائل التراقيين كانوا يبيعون صغارهم أرقاء.

 

أما الإغريق فإن العبودية نشأت بينهم من عهد البطولة وكان يكثر أرقاء الزراعة في الولايات المتحدة الدوريقية وكان هؤلاء على الغالب من المنحدرين من سكان البلاد الأصليين قبل أن افتتحها الدوريقيون وكانوا يأخذون بدل أتعابهم أجوراً زهيدة ومن المرجح أن طريقة الفلاح الأوربي اتخذت عن تلك.

 

وأهل أثينا وكورنثيا وغيرهما من المدن التجارية كانوا يشترون العبيد من البرابرة وكان بعضهم يخصص للخدمة في القصور وبعضهم تشتريه الحكومة فتبنيه الأبنية الكبرى والأسوار والمجالس النيابية أو تتخذه للتجذيف في السفن الحربية وكان الرومان يتباهون باقتناء العدد الكبير من العبيد ويقال أن الرومان يتباهون باقتناء العدد الكبير من العبيد ويقال أن سكوروس كان عنده في دوره الخاصة أربعة آلاف رقيقٍ ومثل هذا العدد في حقوله.

 

كان العبد الروماني يعتبر كبعض المتاع محروماً من كل الحقوق وكان لسيده حق استخدامه في غير الشؤون الخاصة والاستيلاء على أجرته ولم تكن الشريعة الرومانية تعترف بزواج الرقيق وهكذا بقيت تفعل الكنائس المسيحية مدة قرون عديدة.

 

كانت الحكومات الرومانية توزع الأشغال على ارتقائها حسب ذكائهم ومقدرتهم وثباتهم على الأعمال فمنهم من كانوا عمالاً في دوائرها كالبلديات ودور العلم وبعضهم يبقون في خدمة الإمبراطور وغيرهم يشغلون مراكز عمومية عالية كالسهر على المباني الكبرى وحراسة السجون وتدبير أملاك الدولة والأقل ذكاءً كانوا يستخدمون لرصف الشوارع وتعبيد الطرق وتنظيف الأسواق.

 

وعندما ألغيت النخاسة عند الشعوب الأوربية المسيحية بقيت مستمرة بين البندقيين إبان الحروب الصليبية فإنهم استبدلوا أسواق النخاسة في سراسيا بأرقاء كانوا يشترون من القبائل الصلافونية على شواطئ الادرياتيكي أما أسرى الحرب المسيحيون الذين كانوا يقعون في قبضة المسلمين فإنهم كانوا يباعون في أسواق آسيا وشمالي أفريقيا وبقيت النخاسة على هذه الحال حتى أواخر القرن التاسع عشر حينما ابتدأت مداخلات الدول المسيحية التي تلاها احتلال فرنسا للجزائر ثم انعتاق اليونان من الحكم التركي عقبها إلغاء العبودية في المغرب ومصر والمملكة العثمانية.

 

تجددت النخاسة ثانية باكتشاف أميركا فإن الأمم المسيحية أخذت تشتري الزنوج الإفريقيين وتحملهم إلى أميركا لتشغيلهم في المناجم والحراثه وتربية المواشي في العالم الجديد بدلاً من سكان البلاد الأصليين إذ لم يكن لهؤلاء قوة وثبات على الأشغال الشاقة التي كان ساداتهم يرغمونهم عليها.

 

وقد حذر البرتغاليون حذر الأسبان في النخاسة وسهل لهم هذه التجارة الممقوتة تسلطهم في ذلك الوقت على اكثر شواطئ أفريقيا فكانوا يستولون قوة واقتداراً على أولئك الزنوج المساكين من رجال ونساء وأطفال ويحملونهم على العالم الجديد وكثر طلب البرتغاليين للزنوج في أسواق مواني، الاطلانتيكي وداخل الطمع وحب الكسب رؤساء كثير من القبائل فأخذوا يشنون الغارات بعضهم على بعض دون أحقاد أو ضغائن بل أن الدافع الوحيد على تلك الحروب كان الاستيلاء على الأسرى وبيعهم من البرتغاليين أرقاء في الأسواق الأوربية.

 

منذ عهد غير بعيد كانت شركات من الأوربيين ترسل بعثات إلى أفريقيا طلباً لاسترقاق السكان فكانوا ينقضون على أولئك على حين غفلة ويأسرونهم من رجال ونساء وأطفال يحملونهم إلى البلاد الإسلامية وأميركا فيبيعونهم بيع السلع وكان يدعى هؤلاء المتاجرون بإخوانهم نخاسين وحدث منذ تسعين سنة ونيف أن إحدى هذه الحملات النخاسة فاجأت سكان إحدى القرى الأفريقية فأسرتهم أجمعين وقادتهم إلى الشاطئ منه نقلتهم إلى إحدى السفن الحربية ولقيتهم في عرض البحر فرابها محمول تلك السفينة ففتشتها وأعتقت أولئك المساكين ولكنها لم تعدهم إلى بلادهم بل أنزلتهم في مستعمرة سيراليون الإنكليزية فاعتنق بعضهم النصرانية وكان بين المنتصرين شاب أسمه ادجاه عمد باسم صموئيل كروزو فكان مسيحياً حاراً وغيوراً انضم إلى فرقة المبشرين ومازال يرقى في درجاتها حتى أصبح مطراناً ثم رئيساً للارسالية بيرجيريا.

 

وحدث في حرب نشبت بين مدينتين إغريقيتين كبيرتين أن شاباً أسمه ايزوب أسر وأستعبد وكان ذا فكرة وقادة وذكاء نادر فأحله سيدة من نفسه منزلة رفيعة وحرجه على أعظم أساتذة ذلك العصر ثم أعتقه وقال أن صولون الأثيني المشترع الكبير زار بلاط كزيرو ملك ليديا فزجره ايزوب لهفوة ارتكبها في حضرة الملك ومن هنا يتضح لنا مقدار السطوة والحول اللذين كان يصل إليهما الرقيق وكان ايزوب هذا مشوه الخلقة قبيح الشكل اشتهر بمقدرته الفائقة على استنباط القصص الخرافية التي لم تخلق الأيام جدتها ولم تزل حتى هذه الأيام تعد من أشهر كتب البلاغة والحكم ونقلت إلى أكثر اللغات.

 

أشتهر في أيام الإمبراطور جوستينيانوس رقيق أرمني الأصل لا شأن له يدعى نارسس وكان عليل الجسم من أهل الزمانات فبلغ مسامع الإمبراطور خبر ذكائه وعلمه فقربه إليه ووكل إليه أموراً هامة كان نارسس يقوم بها خير قيام وأظهر بنوع خاص مقدرة وبراعة فائقتين في الفنون العسكرية كان القسطنطينية آنئذ عاصمة المملكة الرومانية وحدث أن قبائل القوط البربرية اكتسحت إيطاليا فاستولت عليها وأصبحت تتهدد المملكة الرومانية جمعاه فجرد عليهم الإمبراطور جوستينيانوس جيشاً لجباً ترأسه قائد محنك باسل أسمه بليزاريوس وبعد معارك دامية لم يفز هذا القائد من البرابرة بطائل حتى أضطر الإمبراطور أن يستبدله من نارسس الرقيق فاستلم هذا قيادة الجيش الروماني وأغار على القوط فأبلى بهم بلاءً حسناً ومازال يتبع النصر بالنصر ويصل المجد بالمجد حتى أستأصل شأفة القوط ونجى المملكة من شرهم.

 

وكان من الشائع عند الإغريق والرومان أن يضعوا على الرقيق ثمناً ويسهلون له سبل الربح حتى إذا تمكن من دفع ثمن عنقه أعتق فيبقى في خدمة سيدة ممتعاً ببعض الامتياز والحظوة ذا حق باقتناء العبيد . وحكى أنه كان للطاغية الإمبراطور نيرون عبد عتيق أسمه أيبافروديت وكان لهذا عبد رقيق أسمه ابيكتتو أشتهر بين أقرانه في مدرسة الفلسفة الأخلاقية وكانت هذه المدرسة مثابة لأكبر فلاسفة ذلك العصر ممن اشتهروا بكبح جماع أهوائهم وصفاء نياتهم وسمو أخلاقهم.

 

ورغماً من أن ايبافروديت كان قد ذاق مرارة العبودية واختبر بنفسه ضروب الهوان والذل التي يتحملها الأرقاء فأنه كان سيداً عاتياً قاسياً وكان ابيكتتو يتحمل من قسوته مالا يطيقه بشر وحدث مرة أن هذا العبد العتيق غضب يوماً على ابيكتتو رقيقه فأمر فخذه وبينما كان العبيد الآخرون يقومون بهاذ العمل على مرأى من سيدهم كان ابيكتتو يقول لمولاه بوداعة وحلم؛ أمرهم أن يتأنوا فأن قتل الفخذ بهذه الطريقة قد يؤدي إلى خلعها . وهكذا حدث فإن فخذ المسكين خلعت . فقال: أني أنذرتك يا سيدي فلم تقنع.

 

وكان ابيكتتو يقول إن استعباد الجسد مهما أشتد فإنه لا يصل إلى النفس فإن النفس حرة والعذابات الجسدية تضمحل كالدخان أمام حرية الفكر الذي يحلق إلى فوق ما تصل قوى الإنسان فيمرح في جو من السعادة والهناء لا تصل إليه يد المادة الحقيرة ذات السلطة المحدودة.

 

ولم يطل الوقت بابيكتتو حتى أعتق وكان قد ذاع ذكره في المملكة الرومانية كفيلسوف وأستاذ فمات دون أن يترك كتباً من وضعه ولكن أحد تلامذته وأسمه أريانو وضع كتاباً حكيماً نقل فلسفته عما سمعه من أبيكتتو هو من أشهر كتب الفلسفة والحكم والأمثال.

 

وكان بعض أكابر علماء الرومان يرون شرفاً رفيعاً بالانتساب إلى التتلمذ لهذا الرقيق منهم الإمبراطور العالم مرقس أوريليوس وإن كتابي الفلسفة والحكم اللذين وضعهما أبيكتتو وتلميذه مرقس أوريليوس لهما من أعظم ما أنتجته قرائح الفلاسفة بل من أسمى ما سمت إليه أفكار الإنسان من تطهير النفس وصقل الخلق.

 

كان للرومان مئات ألوف الأرقاء لا للخدمة المنزلية فقط بل للقيام على أمورهم الخاصة من حراثة الحقول وزرعها وتربية المواشي وغيرهما وكان هؤلاء الأرقاء أتعس حظاً من الحيوانات التي كانوا يقومون على تربيتها وفضلاً عن هؤلاء كان لديهم أرقاء آخرون ينتقونهم بين أسرى الحروب والغارات فيدخلونهم مدارس خاصة تروضهم ليكونوا تسلية للجمهور في الملاعب العمومية.

 

وحدث في أيام بومبيوس وكان ذلك عند بدء علونجم يوليوس قيصر أنه كان بين أولئك الأرقاء رقيق يوناني إسبرطي من جبال تراقيا يدعى سبارتاكوس كان يرى نير الرق ثقيلاً فنفخ في قلوب رفاقه روح الثورة وحضهم على الاباق وكانوا شجعاناً أبطالاً ومهرة في لعب السيف ذوي سواعد مفتولة وعضلات فولاذية وكانوا يحسنون استعمال كل أنواع الأسلحة وكانوا يناضلون الأسد والنمرة في ملاعب رومة فينتصرون عليها ويردونها وكانوا يدعون غلادياتور أي مسيفين.

 

كان الغلادياتور يرون في سبارتاكوس المحرض شجاعاً مقداماً فأقاموه عليهم رئيساً وأعلنوا العصيان حوالي جبل يازوف وطول جبال الاينين وانقضوا كالصواعق على القرى المجاورة فأخضعوها وزحفوا على رومة وقد جرد عليهم السناتو الرماني حملات كبيرة أبلى فيها الآراء بلاءً حسناً فعادت خاسرة وكانت صفوفهم تزداد وتكبر حتى أصبح سبارتاكوس رئيساً وقائداً لجيش من الشجعان عرمرم ولم يكن شديد الرغبة في الفتح والهجوم على رومة بل كان من رأيه طلب عتق رفقائه وعودتهم إلى بلادهم ولكن الأرقاء ثملوا بخمرة النصر المتوالي الذي أحرزوه بقيادة سبارتاكوس وأبوا إلا أن يسحقوا المملكة الرومانية وينالوا النصر النهائي فلم يشأ سبارتاكوس أن يتركهم مع يقينه باستحالة ما يرومون فجيش عليهم الرومان جيوشاً لا يحصى عديدها بقيادة أحد قوادهم المحكين فقهرهم بعد عراك هائل وقع فيه سبارتاكوس قتيلاً وحكم على من بقي من الأرقاء حياً وكان عددهم يربو على الستة آلاف بالقتل كعصاة آبقين فصلبوا على طول جادة آبيا.

 

وكان سبارتاكوس فوق شجاعته النادرة وقوته الهرقلية قائداً ذكياً وخطيباً محمساً وقد اثبت أحد المؤرخين خطاباً له على جيشه الرقيق قبيل إعلان العصيان جاء فيه.

 

أنكم بحق جعلتموني قائداً ورئيساً عليكم وقد رأيتموني مدة اثنتي عشرة سنة أعارك في ملاعب رومة فأقهر كل بشر أو حيوان ضار تقدمه لي المملكة الرومانية الكبرى فما نبا سيفي مرة ولا خانتني ذراعي قط وإذا كان أحدكم يثبت أني خذلت مرة في حياتي فليتقدم! وإذا كان لثلاثة منكم معاً قوة ساعد ورباطة جأش على أن يلقوني في ساحة الوغى وجهاً لوجه فليتقدموا! غير أني لم أكن دائماً هذا الوحش المأجور والرئيس الشرس لقوم أشد مني شراسة فإن أجدادي جاءوا من إسبرطة القديمة واستوطنوا جبال سيرازيلا المغطاة بالعرش والفياض المدبجة بالأزهار. 

 

مرت سنو طفولتي صافية رائقة كمياه السواقي البلورية التي نعيش على ضفافها وعندما كنت أجمع عند الهاجرة قطيعي الصغيرة في ظل دوحة وآخذ شابتي وأعزف عليها ألحاناً شجية كان ينضم إلى صديق صغير ذو خلق كالسلسبيل لا تفارق الابتسامة الملائكية ثغره ألا وهو أبن جارنا فكنا نقود قطيعينا بخطى واحدة ونقتسم المأكل التي كان يأتينا بها ذوونا وفي أحد الامساء نزل الرومان من بوارجهم على شواطئنا فأعملوا فينا السيف والحبل والنبل رأينا الصدور التي رضعنا منها الحليب والحب تتكسر تحت سنابك الخيول وأجساد آبائنا تقدم محرقة حية على هياكل من أكواخنا الحقيرة.

 

اليوم أيها الرفاق قضى أحدكم نحبه في العراك مع أسد هائل وعندما رفعت الخوذة عن رأسه وحدقت إلى وجهه استولى على الرعب فأنه كان صديقي المسكين. عرفني فابتسم بلطف ومرارة وفتح فمه ليخاطبني وعينيه ليراني ولكن الموت عاجله دون أن أسمع كلمة من فيه فقضى وعلى ثغره تلك الابتسامة الحلوة التي عرفتها فيه من صغره – من أيام طفوليتنا الجميلة.

 

قلت لمدير الملعب أن ذلك الميت كان صديقاً لي وطلبت إليه جاثياً أن يسمح لي بنقل جثته وإحراقها وحفظ رمادها المقدس! أجل أيها الرفاق الشجعان طلبت إلي جاثياً باكياً على رمال الساحة المغطاة بالدماء وكان صراخ الرومانيين من رجال ونساء وأمراء وأوانس ييطبق عند السماء، كيف لا وقد رأوا أعظم تسلية لم يحملوا بمثلها قط وهي أن أقسى غلادياتور روماني يجثو باكياً أمام كتلة بشرية دامية ولكن الحارس زجرني وأشاح بوجهه عني كأني موبوء بازدراء؛ فليجف جسده ككلب. أن هذا الشرف محفوظ لأبناء رومة فهم وحدهم الشرفاء.      

 

اسمعوا وعوا أيها الرفاق. أننا سنموت كالكلاب الكلبة رومة رومة! أنك كنت أماً رؤوماً حنوناً . أجل أنت أعطيت قلباً فولاذياً وعضلات حديدية لذلك الراعي الساذج الخجول الذي لم يكن يسمع في عهد طفوليته الحلوة إلا صوت شبابته الشجي ممزوجاً بانين مياه الجداول . أنت أبدلت في أنفه بنفخ الزيزفون وشميم العرار رائحة الدماء ولمته أن يسل سيفه ويطعن به خصمه ما بين زرد الفولاذ وحلق الشبه فيخترق قلبه وأن يحدق إلى عيني أسد الشرى كما يحدق مراهق إلى عيني فتاة بسامة الثغر وهاه يجزييك ما أوليته من الصنيعة ولن ينفك عن قتالك حتى يجرين نهر التيبر دماً قانياً تتجمد في رمال قعره حياتك.

 

أيها الرفاق ظلا شجعاناً كما أنتم ففي أعصابكم المرنة قوة الحبال الفولاذية وفي عضلاتكم صلابة الشبه وفي دمائكم نيران يازوف. قد يأتيكم غداً صباحاً أحد أبناء رومة المخانيث يتضوع من أكمامه عبير الورد ويفوح من شعره أرج الزيزفون فيجس بأصابعه الوردية الناعمة عضلاتكم المفتولة مراهناً على دمائكم أماله الطائلة.

 

أصغوا أيها الرفاق! ألا تسمعون زئير السد في عرينه؟ أنه لم يذق طعاماً منذ ثلاثة أيام! غداً ستنشب مخالبه في صدوركم وتفكك فقاركم بضربة كفه القوية وتصبحون له لقمة سائغة يتسلى بمنظر التهامها أهل رومة! فن كنتم أنعاماً فانظروا سكين الجزاروان كنتم رجالاً فاتبعوني!

 

 

هل ماتت إسبرطة! هل زهقت من قلوبكم الروح الإغريقية الشماء وختر في عروقكم الدم اليوناني الشريف فجنعتم كالعبيد تحت سياط ساداتهم؟

 

أيها الرفاق الشجعان بل أبناء التراقيين. إن كان لابد من جهاد فلنجاهد في سبيل حريتنا وأن كان لابد من قتل فلنقتل ظالمينا أو موت فلنمت كشجعان تحت سقف السماء الزرقاء وقرب الجداول الصافية . فلنمت وسيوفنا في اكفنا! فلنمت من أجل إسبرطة.

 

حدث أن غزو الهولنديين الأول لبرنامبوكوان أربعين من الزنوج الأرقاء العاملين في أحد مصانع بورتو كالفو ملوا حياة الذل والهوان الإرهاق فأبقوا وفروا إلى الداخلية طلباً للحرية بعد أن استولوا على مقدار عظيم من المؤونة والذخيرة ولحق بهم غيرهم من الأرقاء الزنوج والخلاسيين الهاربين من العقوبات الجسدية وانضموا إليهم تحصن الجميع بين برناميوكو ومزرعة اتالايا فكانوا ينقضون على المزارع المجاورة ويعودون بغيرهم من العبيد ممن كانوا يعثرون عليهم حتى ألفوا جيشاً كبيراً فنادوا بالحرية وأعلنوا الحكم الجمهوري ورأسوا عليهم أحد أبطالهم أمه زومبي وكان مشهوداً بالإقدام الحزم ثم انتقوا له الوزراء والأعوان والمشترعين وأعطوهم ألقابهم بلغتهم الأفريقية فكان كل من ينضم إليهم من الأرقاء عفواً يتمتع بالحرية التامة ومن يقد قسراً يبق قيد العبودية.

 

لما رأى السكان سيل هذه الجيوش السوداء المحررة أخذوا يتحدون معهم فيبيعون الأسلحة والأقمشة وغيرها من الحاجات حتى أربي عددهم على العشرين ألف رجل نصفهم قادر على حمل السلاح وكانت مساحة جمهوريتهم أربعة عشر كيلو متراً طولاً بمثلها عرضاً أقاموا لها سوراً منيعاً من الأشجار المقطوعة وكان لهذا السور ثلاثة أبواب كبيرة متساوية ببعد الواحد عن الآخر.

 

وكان وسط تلك المحلة تلة عالية كالجبل كانت لهم كبرج للمراقبة فكانوا يتناوبون فيها الحراسة وقد أطلق أسم بالمارس فيما بعد على تلك المقاطعة نظراً إلى كثرة شجر النخيل الذي غرسه الزنوج فيها.

 

وقد جردت عليهم الحكومة لإخضاعهم حملات متوالية فلم تفز منهم بطائل لأن لأرقاء كانوا يدافعون عن الحرية التي ذاقوا طعماً دفاع الليوءة عن أشبالها ويذودون عن حياضهم ذود الأبطال فأرسلت لقتالهم أخيراً جيشاً كامل العدة كثيرة العدد وكان المؤونة والذخيرة كادتا تنفذان من معسكر الأرقاء فلما رأوا من أعلى مرقبهم عدد العدو وعدته أسقط في يدهم فلم يقاوموا إلا قليلاً لأن الرئيس زومبي ونخبه مساعديه لما رأوا الهزيمة أمراً محتماً أيقنوا بالفشل وأنهم عائدون إلى العبودية المرة فضلوا الموت ليها فرموا بأنفسهم من شاهق ذلك الجبل وقضوا نحبهم واستسلم الباقون فاقتيدوا إلى برنامبوكو حيث أقتسمهم رؤساء الحملة وعساكرها .

 

بعد هذه الحوادث بثلاثة قرون وعقيب مساعٍ لا توصف وحملات رجال القلام والمفكرين بالخطب والجرائد والقصائد الحماسية وتأليف لجان كانت تطوف عرض البلاد وطولها ومجادلات في المجالس العليا ألغيت العبودية في البرازيل وأمضت ذلك الإلغاء الأميرة إيزابيل في الثالث عشر من أيار سنة 1888 . جورج حسون

 

 

الباب التاريخي العبودية المدنية

قلنا أن العبودية هي في حقيقتها قانون يصبح بموجبه الإنسان وعياله ومقتنياته ملك غيره ويمسي موته أو حياته في يد سيدة . وهي مضرة بالسيد والعبد على السواء: بالأول لأنها مفسدة لا خلافة تنتزع منه كل المزايا فيصبح بتأثير السيادة غضابياً وحاداً وشرساً وقاسياً وشهوان، وبالثاني لأنها تفقده مزايا الإقدام والشهامة والنشاط فيصبح خاملاً خنوعاً ووكيلاً لا يحسن عملاً بل يدفع إلى الأعمال مكرهاً.

 

في البلاد الإقطاعية حيث كانت العبودية السياسية باسطة رواقها كانت العبودية المدنية أخف وطأة وأهون نيراً منها في الحكومات الدستورية إذ كان الرقيق المدني ذو الرزق المكفول من سيدة أحسن حالاً من الرقيق السياسي.

 

أما في الحكومات الملكية الراقية أو الدستورية حيث لا ضغط على الرعية ولا امتهان للوطنيين فلا مسوغ للعبودية وفي البلاد الديمقراطية حيث الناس متساوون أو في البلاد الأرستقراطية حيث الشرائع عادلة لا تمييز فيها بين الناس فإن العبودية منافية لروح الدستور مفسدة للأخلاق بتقريرها سلطة ورفاهاً وتخنثاً لا موجب لها.

 

أصل وضع قانون الرق عند مشترعي الرومان

لا يصدق أن الشفقة والعطف كانا الدافعين الأكبرين على وضع قانون الرق وشريعته فن حقوق الإنسان تسمح باسترقاق الأسرى بدلاً من قتلهم والقانون المدني الروماني بأذن للمدينين الذين يبحثون عسف دائنيهم أو يبيعوا ذواتهم أرقاء والقانون الطبيعي يرى الأنسب أن يستعبد أولاد رقيق يعجز عن عولهم.

 

أن الحجج التي أقامها الشارعون والبراهين التي أدلوا بها بعيدة عن مواطن الصواب.

 

أولاً : من الخطأ الفاضح القول بأن الحرب تخول الإنسان قتل الآخر إلا عند الحاجة فإذا أسر الغالب المغلوب أصبح هذا في حالة تمنعه أن يلحق بذاك ضرراً فلم يبق موجب أو داع لقتله والبرهان على ذلك هو بقاء الأسير حياً وهو لو أضطر إلى قتله لقتل وجل ما تخوله الحرب من الحقوق للآسر على الأسيران يجعل الأول نفسه في مأمن من ضرر الثاني . أما جرائم القتل التي يقترفها الجنود عقيب المعارك ببرودة أو تحت تأثير فعل الهيجاء فهي من الأمور التي تقبحها كل الشرائع وتشجبها كل العقول .

 

ثانياً: أنه بعيد عن التصديق أن يبيع المرء نفسه لأن البيع يصح لقاء ثمن معين فإذا باع المرء نفسه أصبح هو ومقتنياته وأمواله ملك سيدة وبينها الثمن الذي يكون فيه قبضة عن حريته فيكون كمن باع نفسه مجانياً .

 

إذا كان الانتحار ممنوعاً تحرمه كل الشرائع لأن المنتحر يحرم الوطن أحد أبنائه فكم هو أحرى أبنائه فكم هو أحرى بالمنع أن يبيع المرء حريته، وحرية كل فرد هي جزء من حرية المجموع وفي البلاد الدستورية هي جزء من حرية الأمة بل أن في هذا البيع إجحافاً بحقوق الأمة جمعاء .

 

ذا كانت الشرائع تخول الناس حق اقتسام خيرات الأرض فنها لم تضع في عداد تلك الخبرات أناساً يقتسمهم غيرهم من أمثالهم وكان من الواجب أن يكونوا في عداد مقتسمي تلك الخيرات لا من تلك الخيرات نفسها . وإذا كانت الشرائع المدنية تعد لغواً كل اتفاق يقع فيه غبن أو غرم على أحد الفريقين المتفقين فما أحراها بإلغاء اتفاق يكون في الغبن تاماً بل قاتلاً لأحد ذيك الفريقين.

 

ثالثاً: الولادة وهي أن يولد الإنسان رقيقاً وهذه تسقط بسقوط البندين السابقين وإذا كان المرء لا يملك حق بيع نفسه فكيف يقدر أن يبيع بنية الذين لم يولدوا بعد. وإذا كانت الحقوق الطبيعية لا تسمح باستبعاد أسير الحرب فكم بالأحرى استعباد بنيه.

 

إذا كانت الشريعة تحلل قتل المجرم فما ذلك إلا لأن تلك الشريعة التي تقضي عليه سنت لحمايته أيضاً فالقاتل الذي بارتكاب الجريمة يهزأ من الشريعة التي تقاضيه فن تلك الشريعة حفظت كيانه ولا حق له والحالة هذه بالاعتراض عليها . أما في قانون الرق فإن الأمر بالعكس لأن تلك الشريعة ما كانت قط في جانب الرقيق أو لحمايته بل هي في كل نصوصها وبنودها ضده عكس كل الشرائع الاجتماعية.

 

ولقائل أن يقول أن تلك الشريعة أفادته لأنها كفلت له أسباب معاشه فإذا كان الأمر كذلك ولكي تكون تلك الشريعة ذات نفع حقيقي ومجردة عن كل غاية غير إنسانية ومنزهة عن كل منظمة يجب أن تسري على الزمنين الذين يعجزون عن تحصيل رزقهم لكن أرقاء من هذا النوع لا يرغب فيهم حد . وإذا قيل أن في عول أبنائهم فضلاً فذلك مردود لأن الطبيعة التي استدرت الحليب أثداء الأمهات دبرت للأطفال أسباب القوت حتى يصبح دور مراهقتهم قريباً من دور صبوتهم إذ تشتد قواهم وتفتح لهم أبواب الرزق.

 

فضلاً عما ذكر فإن العبودية منافية لروح الشرائع المدنية بقدر ما هي مناهضة للشرائع الطبيعية.

 

وأية شريعة مدنية من حقوقها منع عبد من الإباق وهذا العبد بحكم تلك الشريعة خارج عن الهيئة الاجتماعية وهو والحالة هذه بعيد عما تصل إليه تلك الشريعة ! أن الشريعة الوحيدة التي تشمله هي شريعة الإجحاف والسيادة التي تسري عليه كإنسان وهو تجاهها كالحيوان.

 

 

وقد يتبادر إلى الذهن أن المحلل للعبودية عند بعض الشعوب كان الاختلاف في العادات والأزياء التي كان ينتج عنه احتقار شعب لآخر فاستعباده فإن لويس دي غومارا يقول أن الأسبان عند حلولهم سان مارث وجدوا سلالاً كان سكان البلاد الأصليون قد وضعوا فيها أقواتهم وبينها سرطان بحري وحلازين وزيزان وجراد اتخذها الغالبون حجة على المغلوبين وهنا يقر المؤرخ بأن على هذه الأسس بنيت الشريعة التي خولت الأسبان حق استبعاد الأميركيين واضطهادهم هذا فضلاً عن تدخينهم التبغ وحلقهم لحاهم علي غير الزي الأسباني.

 

والظاهر أن الاختلاف في الدين أيضاً كان من أكبر العوامل على العبودية يخول معتنقي دين ما حق استبعاد معتنقي سواء حباً لامتداد سلطة ذلك الدين وتقوية شوكته فإن هذه الحجج كانت البرقع الذي كان الأسبان يغطون به فظاعة استعبادهم للشعوب لأن هؤلاء الظلام مع تحجر قلوبهم وصمم اذانهم عن نداء الإنسانية كانوا يأبون إلا أن يكونوا مسيحيين وشديدي التقوى.

 

كان لويس الثالث عشر قد حرم بتاتاً استعباد زنوج مستعمراته ووضع قانوناً شديدة الوطأة على تجار الرقيق شدته على القرصان ولكن بعض النافذي الكلمة أقنعوه أن الغاية من العبودية هي جلب المستبعدين إلى الدين المسيحي فاقتنع وسمح بالرق.

 

استعباد الزنوج

قال منتسكيو: لو كنت م دعاة استعباد الزنوج وطلب إلى الإدلاء بحججي لقلت : أن شعوب أوربا بعد أن أفنت هنود أميركا شاءت أن تستعبد سكان أفريقيا لحرث الأراضي الجديدة وزرعها فإن السكر لو لم يقم الأرقاء بغرس أشجاره صبح عزيزاً غالي الثمن ولكي يكثر هذا الصنف ويرخص ثمنه لا بأس في أن يستعبد الإنسان أخاه الإنسان.

 

وفوق ذلك فإن هناك مبررات عديدة منها أن المستبعدين ود البشرة من رؤوسهم إلى أخمص إقدامهم فضلاً عن أنهم فطس الأنوف فلا تجوز والحالة هذه الشفقة عليهم.    

 

ولا يعقل أن الله وهو الكلي الحكمة وضع نفساً – وخصوصاً نفساً صالحة – في جسم حالك السواد.

 

ومن الطبيعي أن يعتقد البعض أن قيمة المرء وذكاءه هما في لون جلده وشعره فإن المصريين وهم أعظم الشعوب القديمة وأعرقهم في العلم والفلسفة كانوا يقتلون كل أشقر اللون والشعر كانت الأقدار ترميه بين أيديهم.

 

وأسطع برهان على أن الزنوج ليسوا بشراً ولا فيهم حاسة الإدراك وقوة التمييز هو انهم يفضلون عقداً من الودع على طوق من الذهب، والذهب عند الشعوب المتمدنة من أثمن المعادن . فأصبح من الكفر اعتبار هؤلاء المخلوقات بشراً مثلنا وإذا حسبناهم بشراً فأننا نجدف على لسنا مسيحيين.

 

أن ذوي العقول القاصرة يبالغون في الشكوى من استعباد الزنوج ويغالبون في الإشفاق عليهم ولو كان كلامهم مفعماً بالحجج المقنعة وكان الحق في جانبهم لكان تنبه لهذا الأمر ملوك أوربا العقلاء وهم كثيراً ما يهتمون بالتافه من الأمور فكيف بالمهم منها ونظروا في أمر هؤلاء الزنوج نظرة إشفاق وحنان.

 

أصل العبودية الحقيقي

قلنا أنه من السهل في البلاد الإقطاعية أن يبيع المرء حريثه فإن العبودية السياسية تخنق الحرية المدنية ويقول المؤرخ بيري أن المسكوبيين كانوا يبيعون حريتهم برغبة وما ذلك إلا لأنها لم تكن تسوي شيئاً مذكوراً ومن دواعي العبودية في البلدان الحارة أن الحرارة تخمل الجسم  وتحمل المرء على الكسل وتقتل فيه الميل إلى العمل فلا يقبل عليه إلا مكرهاً خوفاً من عقاب يحل به فرأوا أن العبودية أعظم دافع لتلك الشعوب على الكد والعمل.

 

وعندي أن ذلك غلط فاضح في أوربا كانوا يرون أن احتقار المناجم والمعادن لا يمكن إجراءه إلا بواسطة الرقيق أو المجرمين نظراً لمشقته أما اليوم فمن المعروف أن الفحامين والمعدنين يعيشون برفاه ورغد لا يقلان عن رفاه ورغد سواهم من العمال وأصحاب المهن وذلك بفضل ما يكافأون به من الأجور وما هي لهم من أسباب الراحة وترتيب أمور المعاش فلا عمل مهما كان شاقاً يعجز الناس عن القيام به اللهم أن تكون إدارة ذلك العمل ودفع أجور القائمين به ملقاة بين أيد منبسطة غير منقبضة ولا ضنينة وخصوصاً بعد ما ظهر من الاختراعات التجارية والكهربائية التي وفرت على سواعد العمال كثيراً من الأشغال الشاقة التي كانوا يجبرون الرقيق على القيام بها قسراً.

 

أن معادن الأتراك في طمسقار كانت أغنى بكثير من معادن المجر مع أن هذه كانت تنتج أكثر من تلك بما لا يقاس وما ذاك إلا لأن الترك كانوا يعتمدون فيها على الرقاء وهؤلاء العمال المأجورين.

 

 

أنواع العبودية

قلنا أن العبودية على نوعين حقيقية وشخصية فالحقيقة هي ما كان عمل الرقيق فيها مقتصراً على استغلال الحقوق وتربية المواشي كما كانت عند الجرمان فلم يكن لهؤلاء الأرقاء عمل في مساكن سادتهم بل كانوا يتقون معهم على كميات معينة من المحصولات كالقمح والحبوب أو الأقمشة والأنعام ولم يكن لسادتهم عليهم غير هذا الحق فلا يتعدونه وبقيت هذه العبودية حتى عهد قريب في المجر وبوهيميا وألمانيا السفلى وسوريا وغيرها من البلدان.

 

والعبودية الشخصية هي ما كان الأرقاء فيها يقومون بخدمة سادتهم في منازلهم وكثيراً ما كانت بعض الشعوب تجمع بين نوعي العبودية في أرقائهم وذلك منتهى لقسوة إذ كان الرقيق يشتغل في الحقول وامرأته وأولاده يخدمون في بيت سيدة محتملين عذابات جسدية ونفسية لا تطاق.

 

أما في البلاد الإسلامية فإن السيد لم يكن فقط ذا سلطة على حياة عبده وعياله من نساء وأطفال بل كانت سلطته تمتد إلى شرف تلك العيال وعفة فتياتها وكان ذلك من اكبر مصائب تلك البلاد واشد كوارثها إذا كان قسم من أهلها سيداً مطلقاً على القسم الثاني يتصرف به كيف شاء ولا مشاحة أن هذا كان من أكبر بواعث ذلك الشعب على الكسل والخمول والانحاط وكانت هذه الأمور عينها تحمل السيد على الكسل أيضاً لأن عبيده كانوا يقومون بتدابير أموره كلها.

 

وهذا الخمول وهذه البطالة كانتا تجعلان قصور الشرق وسراياته أمكنة لهو وقصف حتى للأرقاء أنفسهم الذين شيدت تلك القصور لسجنهم فأصبح كل ميال للكسل يجد في تلك المساكين الجميلة الهادئة خير ما تصبو إليه نفسه.

 

إذا كان لابد من العبودية فمن الواجب أن تكون في سبيل المنفعة العامة إذ يتسلط القسم المتعلم من الشعب على الجاهل فيشغله بما فيه خير الأمة إلى أن يصبح ذلك الجاهل أهلاً للقيام بتلك الأعمال بنفسه مدفوعاً إليها بدافع طبيعي وهو إدراك المنفعة لا أن تكون العامل الأكبر على الظلم والغاية منها اللذات الخصوصية فإن عرض الرقيق وشرفه هما من الأمور الخاصة به ومما لا يجب أن تصل إليه سلطة سيدة مهما امتدت. وعلى ذلك نص القرآن الشريف "وأنكحوا الإيامي منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم . وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانهم فكاتبوهم أن علمتم فيهم خيراً وآنوهم من مال الله الذي أتيتم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء أن أرن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا".

 

لم تزل العبودية حتى يومنا هذا ضاربة أطنانها بين زنوج إفريقيا وفي بعض أنحاء آسيا بالرغم مما تبذله الحكومات الراقية من المساعي للقضاء عليها وإلغائها ومحوها بتاتاً أما في روسيا فإن العبودية لم تبذل بالخدمة الإجبارية إلا في عهد نقولا الأول ولم تلغ تماماً إلا في أيام نقولا الثاني عام 1861 وفي الهند الإنكليزية حوالي سنة 1833 وفي المستعمرات الفرنساوية سنة 1848 أما في الولايات المتحدة فإن العبودية لم تلغ إلا سنة 1865 وذلك عقيب الحرب الأهلية التي نشبت فيها عند انتخاب إبراهيم لتكون رئيساً للجمهورية وإعلانه إلغاء العبودية ودامت تلك الحرب الضروس خمس سنوات بين الولايات القائلة بالعبودية والولايات المحررة انتصرت فيها الأخيرة انتصاراً تاماً.

جورج حسون  شؤون شرقية

 

 

معضلة الأقلية بين الخطيب والريحاني

 

أرسل الأستاذ أمين الريحاني إلى النواب السوريين التالية التي أذاعتها صحف سورية قاطبة وقد أجابه عليها العلامة عبد القادر الخطيب في الزميلة الراقية ألف باء الدمشقية وأننا ناشرون هذين الفصليين لأنهما يحومان حول موضوع الجمهورية والملكية والأقليات وهو موضوع يهتم له النزلاء الشرقيون في البرازيل جد الاهتمام.

 

وهذه هي الرسالة: حضرة الوطني الفاضل

إليكم بعد التحية والإكرام، أقدم نسخة من كتابي "النكبات" أو مختصر تاريخ سورية وأرجو أن تعطوه ساعة من وقتكم، وتحكموا العقل لا القلب ما تستنتجوه من مطالعته كتبت هذا التاريخ بما اضطرم في فؤادي من النار، وأنا في حوادثه وبما ذرفت عيناي من الدموع، أقول الدموع لا كالشاعر بل كالمؤرخ الذي لا يدنو من الخيال، بكيت نعم بكيت . وكنت كل ما انتهيت من فصل أسائل النفس: ومتى يبدأ عهد سورية الجديد، العهد الخالي من النكبات؟ سؤال رددته في اليقظة وفي المنام. بل كنت استلقي، بعد العمل، على فراشي واسم سورية ولبنان، مثل حزن شديد، يحرق قلبي ويحرمني النوم.

 

وأنا لا أبغي من هذه البلاد غير الشهادة بحبي لها وتعلقي بها. وأنا لا أبغي لهذه البلاد غير الخلاص أولاً مما غشيها في الخمسة الآلاف التي مضت، من النكبات.

 

فهل ختمت في النكبة الأخيرة نكبات التاريخ؟ لست أدري. أن الجواب المسعد يتوقف عليكم أنتم الواقفون الآن في باب عهد جديد، والمشترعون للأمة ما يضمن خلاصها من ذلك الماضي المفجع الفظيع.

 

أني ألفت نظركم أولاً إلى السبب الأول في الفجيعة بل إلى الأهم ما حل ببلادنا من النكبات، وأسألكم باسم الوطن، وباسم الأخوة الوطنية، وباسم العدل والحرية بل باسم الحب الذي ترويه الدموع، إن تعزموا العزم الصاد الثابت على إزالة ذلك السبب، فتضعون حجر الزاوية في بناء الأمة الجديد.

 

أن الأمثولة الكبرى، الأمثولة المفجعة، في تاريخنا منذ خاتمة العهد الروماني إلى اليوم، هي في العصبيات أو الأقليات أو في الأقليات والعصبيات معاً . أما العصبيات فقد بدأت تتلاشى. وذلك في تحولها وتقلصها من عصبية القبائل إلى عصبية العائلات التي كانت تتولى الأحكام في الماضي أمست اليوم كغيرها من أبناء الأمة لا يشرفها غير غيرتها على المصالح العامة، ولا يرفعها فوق غيرها غير حبها للوطن والتضحية في سبيله. وأن وجودكم أيها النائب الكريم في كرسي الاشتراع اليوم لبرهان قاطع ما أقول.

 

بقيت الأقليات، وهي المعضلة التي لم تحل حلاً سديداً عادلاً منذ عهد الأمويين. بل كانت دائماً – كما ترون في التاريخ – أما مطية للظالم، وأما سيفاً بيد الفاتح وأما فريسة للمنتقين. وكانت دائماً، في كل حال من الأحوال، ويلاً على نفسها وعلى الأكثرية في البلاد.

 

لهذه الأقليات خلقت أو اختلقت الحمايات، ومن هذه الأقليات صعدت الأصوات التي لم تكن دائماً أصوات التعصب والافتراء والتي كانت مسموعة في أوربة. ولا عجب. فالمسيحيون الغير السياسيين هناك يعطفون على إخوانهم المسيحيين في هذا الشرق الأدنى. وفي الحكومات الأوربية المسيحية سياسيون واقتصاديون وماليون يستثمرون عطف الأتقياء في بلادهم. هذا هو السبب السياسي والديني في التحذير من المسلمين، بل في العداء الخفي للمسلمين.

 

ما كان  القوم هناك ليثقوا بالأكثرية الحاكمة وهم حتى الآن لا يثقون بها. أما أنهم جاءوا اليوم ليحموا الأقليات. فمثله لا أنظر فيها. أنهم ها هنا. والأكثرية الإسلامية  لا تزال حاكمة، والأقليات لا تزال مسيحية، والمسيحيون في أوربة وأميركة، البعيدون عن السياسة والسياسيين، لا يزالون يعطفون على إخوانهم المسيحيين، ويتحذرون من الحكام المسلمين، ولا ثقة لهم بالحكام المسلمين إني أخاطبكم باللغة الساذجة البريئة من الخيال والتنميق. إني أخوكم في الوطنية، على ما عليكم. وحسبي الله.

 

فمازالت الحال كما وصفت، فالبلاد تفتعل من دور إلى دور في طورها الواحد الفجوع، والانتداب يظل مبرراً بأعين أصحابه ومستمراً ما شاء الله.

لذلك اقدم لكم كتابي مختصر تاريخ سورية واوجه إليكم هذا الخطاب.

إني أرى أن الحكم الجمهوري هو خير الحكام لهذه البلاد. والحكم الجمهوري لا يكون حقاً جمهورياً إلا إذا تجرد رسمياً من كل صبغة دينية. قد يكون للملكية دين رسمي يمثل بشخص الملك ومن يخلفه من أسرته. ولكن الجمهورية التي يتغير رئيسها كل بضع سنين لا يجوز أن يكون لها دين رسمي إنما الوطن دين الجمهورية.

 

أجل، أن ركن الجمهورية الأول والاوطد هو أن الدين لله والوطن للجميع. فإياكم والخطأ الذي ارتكبه المجلس السوري التأسيسي الأول. لا تدخلوا الدين في السياسة والأحكام . وإنكم إذا فعلتم تقعون في الورطة التي أورثت الأمة تلك المشاكل المحزنة، تلك المشاكل التي أدت إلى هذا التدخل الأجنبي في شؤوننا.

 

استحلفكم بالله أن تبقوا الأديان خارج المجلس التأسيسي وخارج الدستور، وخارج الحكومة، وأسألكم فوق ذلك وانتم الآن من المشترعين للأمة أن تقدموا على العمل الذي ييزيل الريب والخوف من صدور المسيحيين الغير سياسيين ويزيل الأسباب التي يتذرع بها  ساسة أوربة ليتدخلوا في شؤوننا. وأنه لي كسوري من لبنان، أو بالحرى كعربي سوري لبناني أن اطلب ذلك.

 

كانت الثورة السورية، وكان من نتائجها الحسنة انتخاب هذا المجلس التأسيسي من أبنائها الوطنيين الصادقين. وكان من نتائجها الحسنة أن سياسة التعاون انجلت واستقامت فصار يرجى بفضلها تحقيق الميثاق القومي.

 

ولكني أقول لكم أن الميثاق القومي يظل ناقصاً ويظل فيه منافذ للشكوى، أو للدسائس التي تولد الشكوى، الصادرة من أصحاب الأغراض في الأقليات، إذا كنتم لا تقدمون اليوم على عمل هو أكبر من الثورة وأضمن منها بما سيثمر للسيادة القومية بل هو الثورة الكبرى. هو الانقلاب الذي لا يضر بالانتداب والذي لا ينفع خصوصاً المسلمين هو الانقلاب في عقلية من كانوا سائدين هو الانقلاب في نفسية من لا تزال السادة من حقوقهم الوطنية الأولى. ولكنهم في تنازلهم عن شيء منها، من أجل إخوانهم المسيحيين ينتزعون من الأوربيين كل ذريعة يتذرعون بها لحماية الأقليات.

 

أني أسألكم أذن أن تولوا عليكم واحداً من الأقليات ولو لم أكن عربياً قبل أن أكون مسيحياً، ولو لم تكن مسيحيتي غير مسيحية أكثر الناس، لما كنت أطلب هذا الطلب ولما كنت أفكر فيه. وإني متيقن أنكم في انتخابكم الرئيس الأول للجمهورية السورية من المسيحيين تخطون بالأمة الخطوة الأولى الكبرى إلى الاستقلال الحقيقي التام.

 

أن في المسلمين الزعماء من يستحقون ولا ريب الرئاسة وإني من الذين يجلون الدكتور شهبندر والشيخ تاج الدين وإبراهيم هنانو وهاشم الأتاشي وفوزي البكري وفوزي الغزي وإحسان الجابري والبارودي والحفار والبرازي والخطيب والكيالي وسائر رفاقهم الكرام وكلهم من المجاهدين في سبيل هذا الوطن العزيز وكلهم مدركون ما أنا مدركه وعاملون إنشاء الله بما تقتضيه المصلحة الكبرى من التضحية الكبرى.

 

أن الأمر ناضج لذاك الانقلاب العظيم الذي ذكرت. وإن الثورة الحقيقية، والثورة الرخيصة بأسبابها الغالية بنتائجها الثورة التي لا حد لفوائدها الاجتماعية والسياسية، والتي لا تضطر دولة الانتداب  أن تجرد عليها الجيوش، وتسير عليها الدبابات والطيارات، وهي التي تحمل أخواني لمسلمين على انتخاب الرئيس الأول للجمهورية من الأقليات – من المسيحيين.

 

وهناك في تلك الأقليات الحجر الذي رفضه البناؤون، فخذوه انتم واجعلوه في رأس الزاوية . هناك في الأقليات أكبر رجالها. هناك صديقكم وأخوكم وزميلكم الوطني المجاهد، العربي الصميم، الأستاذ فارس الخوري.

 

لست في حاجة إلى تعداد صفاته الجمة، فهو العالم الفقيه وهو الشاعر الأديب، وهو الاختصاصي بعلمي المال والاقتصاد وسائر العلوم الحقوقية، وهو السياسي المحنك، وهو أبن المنفي – بل المنافي – في سبيل الوطن. ولا أظن أن هذه الصفات كلها تجتمع لرئيس من رؤساء الجمهوريات الأوربية أو الأمريكية.

 

فهل تضعون مطامعكم الوطنية – المشروعة – في جيوبكم اليوم أيا الزعماء الأفاضل، وتنتخبون هذا الرجل، هذا الزعيم الكبير، الحائر ثقة كل الناس، المتمتع بإعجاب الأمة واحترامها؟ إنكم إذا فعلتم لفائزون الفوز الأكبر.  ولا أظن أن حكومة الانتداب تقول : لا، إذا أحب المسلمون أن ينتخبوا للجمهورية رئيساً مسيحياً.

 

وإني فوق ذلك أقول، أعتقد وأتيقن، أنه إذا كان رئيس الجمهورية الأول مسيحياً ففي عهد الرئيس الثاني أو الثالث في الأكثر – ولا فرق إذ ذاك مسيحياً ففي عهد الرئيس الثاني أو الثالث في الأكثر – ولا فرق إذ ذاك مسيحياً كان أو مسلماً – تتم الوحدة السورية الكبرى، وفيها ساحل النور وجبل النار، وتصير الجمهوريتان جمهورية واحدة أي الجمهورية السورية اللبنانية تحت ذاك الانتداب المحدد في شكله ومدته الذي يتفق عليه والحكومة المنتدبة.

 

هذا ما أنبهكم إليه وهذا ما أطلبه منكم. وأنه ليحق لي ذلك وأنا من أبناء هذه الأمة الساعين في سبيل إسعادها سعياً متواصلاً، مجرداً من كل غاية خصوصية ومن كل مأرب شخصي . إني من أبناء هذه الأمة لا يبتغون منها غير الشهادة بحبهم لها وتعلقهم بها، ولا يقبلون بغير الخير الأكبر لها.

 

والخير الأكبر لا يكون، أيها النائب الكريم بغير التضحية الكبرى. والتضحية الكبرى ليست بالنفوس فقط وبالمال التضحية الكبرى هي ما يجئ عفواً مما هو حق أولى العلم والسيادة. التضحية الكبرى هي اليوم في تنازلكم عن رئاسة الجمهورية لأخ لكم مسيحي، لكبير من كبار الوطنيين لزميلكم المجاهد الأستاذ فارس بك الخوري.

هذي هي كلمتي، هذا هو رأيي، هذه هي عقيدتي قي إدارة الخير الأكبر اليوم للوطن.

أوربة، فاجئوا أوربة اليوم بهذا الانقلاب في العقلية السياسية الإسلامية . وإن هذا الانقلاب ليحدث انقلاباً في عقلية القوم هناك. فيمسحون عيونهم ليصدقوا ما يرون، وهم يقولون "سبقنا السوريون. سبقنا المسلمون، والمسلمون سابقون أن شاء الله. والفوز لمن سبق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

      

من الخطيب إلى الريحاني

الحمد لله وحده

أيها العربي الصميم والفيلسوف الحكيم والوطني المخلص والأديب الشاعر الناثر لازلت ظهيراً للوطن والقومية العربية.

وبعد فقد تلقيت بمزيد الشكر وفائق الاحترام هديتك القيمة (النكبات) ورسالتك الزاهرة المنسوجة بسدى الغيرة ولحمة الإخلاص فاغتبطت بها وقدرت كاتبها حق قدره على ما يسديه إلى بني قومه من النصائح الثمينة الدائرة على محور التسامح ومناهضة التعصب وحل معضلة الأقليات بالمناداة بالجمهورية وانتخاب رئيسها من الأقلية المسيحية بالنسبة إلى الأكثرية الإسلامية في سورية لنظهر بمظهر التسامح النفقي من شائبات التعصب حتى ندحض ما يتخذه الساسة حجة علينا ويستثمرون به عطف أتقياء مسيحيي المغرب على إخوانهم مسيحي  المشرق فكن على ثقة أيها الوطني الغيور أنني لو كنت موقناً أن توقف نجاحنا وإنقاذ بلادنا من النكبات (التي حلت بها منذ خمسة الآلاف سنة) وحل معضلة الأقليات على المناداة بالجمهورية وانتخاب رئيسها من الأقلية المسيحية لكنت أول المنادين والمنتخبين بالرغم عن الموانع التي تبررها القاعدة الشرعية (وهي الضرورات تبيح المحظورات) لكني أراك أيها الوطني النزيه عن التعصب قد ضربت صفحاً عن شيء ما أخال أضرابك المتفانين بالقومية العربية يغفلون عنه أو يغفلونه وهو أن قوام العربية في مادتها الإسلامية فالقضاء على أركان الإسلامية وشعائرها يقضي بالضرورة على جميع مقومات العربية التي تحرص أنت عليها وتدعو إليها ببرهان هذه القضية المنطقية ويخيل إلى أيضاً أنك حينما كتبت ما كتبت نظرت بمنظار الغرب دون الشرق فنشدت عطف أتقياء مسيحيي الغرب وصرفت النظر عن عطف أتقياء مسلمي المشرق (كما ينعتهم أمثالنا بالأتقياء وينعتهم غيرنا بالمتعصبين) الذين عطفوا بقلوبهم وأموالهم على منكوبي الثورة الشامة عطفات قلبية تناقض ما تدعون إليه فليت شعري هل يقرنا على اقتراحك يا عزيزي جمهور الدماشقة الذين قلدونا هذه الأمانة التي تشفق منها السموات والأرض والجبال وهل يقر على ذلك أيضاً نوابهم جماهير العربية في دمشق وحلب وعلى فرض قبول جميع الأهلين في سورية الداخلية فهل يرضى عنا بذلك بقية مواطنينا من أهل قطر الشام كالساحليين والأردنيين والفلسطينيين والكليكيين أم هل يعذرنا إخواننا في العربية والإسلامية والجوار كالمصريين والعراقيين والحجازيين والنجديين واليمانيين أو في العربية والإسلامية كالمراكشيين والتونسيين وغيرهم من عرب إفريقية أو في الإسلامية والشرقية كالفارسيين والبخاريين والهنود والأفغان والأكراد والألبان والقزات والدغستان وسواد الأتراك وخلاصة القول أن تنفيذ هذا الاقتراح يثير حنق العالم الإسلامي علينا في شرق الكرة الرضية وغربها وشمالها وجنوبها لأن جمهور المسلمين في جميع أنحاء الأرض حريصون على الاحتفاظ بشروط الإمامة في الإسلام وينظرون إلى قطر الشام بنظر القدسية لكونه مهبط الوحي وعرين الأنبياء وباب بيت الله الحرام وأني أوجس خيفة أن نخسر بهذا الاقتراح الصفقتين ونعود بخفي حنين فنغضب بذلك أتقياء مسلمي في حين لا يدري بنا أتقياء مسيحي المغرب، مثل ذلك المسيحي الذي أسلم وقت استواء الشمس ومات قبل غروبها فأوغلت أمه بندبه قائلة : لم يفجعني موته بقدر ما آلمني كونه أغضب عيسى ولم يدر به محمد عليهما الصلاة والسلام.

 

فما أتعسنا بتنفيذ هذا الاقتراح فيما إذا عاد علينا بنقمة جمهور المسلمين في أنحاء الأرض بدون أن يشعر به أتقياء المسيحيين في أوربة وأميركة لأن السياسة القديرة على نشره في المشرق باسم الشذوذ على إرادة العالم الإسلامي لهي أقدر على طيه في المغرب على حساب تعصب المسلمين وقد أخبرنا رواد العلم في العواصم الأوربية أن أغلب خاصتها (ما عدا المستشرقين) لا يعلمون من أحوال بلادنا إلا قليلاً فيا عجبي كيف تكون معرفة عامتهم الأتقياء الذين تخطب ودهم وتنشد عطفهم الموهوم فيا حبذا لو صحت الأحلام وزالت الموانع وتوفرت الأسباب فإني لا أحجم حينئذ عن السعي لانتخاب الشماس الناسك لرئاسة الجمهورية فضلاً عن الخوري العالم ما دام عربياً بجميع معنى الكلمة . نعم لو كان إخواننا اللبنانيون ألقوا علينا درساً من دروس التسامح والكرم بانتخابهم رئيساً مسلماً لجمهوريتهم اللبنانية لكان لنا شيء من المعذرة أمام العالم الإسلامي بانتخاب مسيحي لرئاسة الجمهورية في بلاد عريقة بالإسلامية منذ الفتح العمري وكانت قاعدتها عاصمة دولة بني أمية.

 

لهذا اقتر عليك أيها الناصح الغيور أن تبدأ أولاً بالنصح لعشيرتك الأقربين إخواننا اللبنانيين الذين يقصون عن الوظائف الجليلة والحقيرة إخوانهم الداخليين أن يخففوا عن غلواء تعصبهم وينصفونا بالتعامل على أصول تبادل المنافع ثم ترشدهم بعد ذلك إلى العروج على معراج التسامح درجة بعد درجة حتى يصعدوا إلى مستوى الاتحاد العام فينتخبوا رئيساً مسلماً لجمهوريتهم المصطبغة الآن بالصبغة النصرانية إذ يجب أن تكون النصيحة للأقرب فالأقرب عملاً بمقتضى الحديث الشريف (ابدأ بنفسك ثم بأخيك ثم بمن تقول).

 

ثم يسري بعد ذلك الإرشاد بالفعل دون القول من الساحل إلى الداخل بناموس العدوى لا بناموس الفطرة العقيمة التي يحاول انتهاجها فيلسوف لبنان الكبير الذي تأبى فلسفته التذرع بما يبعث على رد الفعل كما يجدر بحكمته العالية أن يرسل نصيحة مطلقة من تعيين الأشخاص لئلا تظهر بمظهر الدعاية الشخصية التي تنبو عنها عقلية المدعو له وهو فارس بك الخوري صديق المسلمين الموصوف بجميع ما وصفته يا عزيزي من الصفات العليا وأن خبرته بالشريعة الإسلامية التي وضعته في منتصف الطريق لتسهل على خاصة المسلمين وكثير من عامتهم انتخابه كما تحول دون ذلك من قبل كثير المسلمين في بلادنا لأنه وأن كان مسيحياً فليس بجميع معنى الكلمة التي تريدها الكنائس حتى أن أخاه فائز بك القدير كان انتخابه من قبل المسلمين الذين أثاروا ضغن مواطنيهم من الطائفة الأرثوذكسية الرومية باختياره دون غيره لهذا أرى أن نظريتك أيها الناصح المخلص ينبغي تطبيقها فيما إذا كانت مثمرة على من ينتخبه غبطة بطريريك موازنة لبنا مع الأحبار الأقحاح بنصرانيتهم دون فارس بك العلماني.

وفي الختام أرجو أيها الوطني الأمين قبول فائق احترامي "

 

 

الدولة والفرد في المذاهب السياسية

 

لقد تسلطت السياسة في عصرنا الحاضر، على حياتنا الاجتماعية، ونفذت إلى كل منحنى من مناحيها، وتغلغلت في عقول البشرية الحاضرة، وسيطرت على مفاهيم الطبقات رغم اختلاف ألوانها ومشاربها، وأثرت على العدالة التي تنشدها ونحتمي بها، ولعبت في استتاب الأمن واضطراب حبله في أيام السلم، وبعثت الحروب وما ينشأ عنها من تدمير وتخريب، ووجهت أسس حياتنا وجودنا، فأصبحت العناية بها، واستطلاع أسرارها، ومحاولة تعرف مذاهبها، أمراً ضرورياً كاد أن يكون طابع هذا العصر الحافل بالأحداث العظام، والخطوب الفوادح، الذي مازالت تعاني فيه الإنسانية أزمة من أعنف الأزمات وتبذل جهوداً مضنية وتقاسي ألماً مريراً . والتفكير السياسي الحديث اليوم في حالة تميع وعدم استقرار فالمسائل التي يعالجها والأمور التي يتناولها مثار خلاف شديد ونقاش عنيف، وهذا الخلاف يمتد إلى مشكلاتها الأساسية ويتسلسل إلى طرائق وضعها وأساليب عرضها، ولعل مصدر الصعوبة الأصلية هو ما نراه في رجال الحكم ونلمسه في أقطاب الساسة وزعماء الأحزاب وأصحاب النحل السياسية، من ميل شديد إلى تبسيط مذاهبهم السياسية رغبة منهم في اكتساب المناعة لها وتقوية دعائمها وتمكين مبادئها، وهم يعلمون حق العلم، بنتيجة خبرتهم المستفيضة، ودرايتهم الواسعة، ويدركون بغريزتهم السياسية العلمية، أن نجاح أي حركة من الحركات مرهون بتبسيط فكرتها والمبالغة في تأكيدها والتهويل في إعلانها.

 

ومما لا ريب فيه ولاشك أن هذه المبالغة تغض قيمة المذاهب، من ناحية ثانية لا تشترى وتهب ريحه إلا بهذه الطريقة، إذ أن التبسيط والتكرار يقربه إلى العقول وتمزجه بالنفوس وتنفذ به للأفئدة والقلوب وتساعد على خلق العقلية التي تدبر به وتؤمن إيماناً لا يعرف الشك و لا يقف عند حد.

 

والمذاهب السياسية في العالم اليوم كثرة ومراميها عدة ووجوهها ونزعاتها متلونة وتياراتها مختلفة، ولذا ليس من الميسور، بطبيعة الحال، ولا من السهل استيعابها جملة في بحث واحد مقتضب، ولذا فقد يكون من الفائدة أن نخص موضوعنا هذا ببحث الفرد والدولة لما له من علاقة متينة بالسياسة نفسها وارتباطات شديدة بروحها وكنها جعلته يصبح دعامة من دعائمها الأساسية ووتد من أوتادها القوية التي بنت عليها السياسة صرحها وشيدت بناءها المترامي الأطراف.

 

على أن تعدد الآراء في وصف هذا العصر الحاضر وكثرة النظريات في توضيح خصائصه، وتضارب الأفكار في تحديد ميزاته، بالرغم من اختلافها وتباينها، وتبيح لنا القول بأن عصرنا هذا أشتد فيه القلق، قلق الروح، ومادت به المخاوف وساورتها الشكوك، وكثرت التجارب القاسية والعبر الأليمة الإنسانية التي تعودت أن تنكر ما كانت تعرف وتعجب مما كانت تألف وتعيد النظر فيما كانت تسلك من مبادئ وأمور، شطت بدون هوادة ولا تردد أسس السياسة ونظم الدولة وأساليب الإدارة.

 

ولابد للإنسان، إذا أراد أن يقوم بقسط علي في توطيد الحضارة ودعم وتأييد القيم السامية، من أن يواجه القوى التي تعمل حوله، فيستوضح فواعلها ويحاول أن يستشفي عناصرها ويميز فيها الحق من الباطل ويدرب نفسه على العمل وفق المبادئ التي يقتنع بصحتها . فالإلمام بالنظريات السياسية وتجارها وآثارها وتصفح مذاهبها يساعد، بلا ريب ولا شك، على الأخذ بالمبادئ السلمية وتكوين الآراء الصحيحة، والعلم في أمس حاجة وأشدها إلى الاستمساك بالعقائد الصادقة وتطبيقها في السياسة.

 

وجدير بالإنسان أن يقدر كرامة إنسانيته فلا يتركها في مهب رياح الحوادث تلعب بها ولا يلقي عنائها إلى أيدي المقابر تعبث بغاياتها وأمانيها، وأن يعمل ويدأب ليصوغ مستقبله حسب مشيئته وليكون مصيره في يده ويردد قول شاعرنا المتنبي:

 

أعطى الزمان فما قبلت عطاءه… وأراد لي فأرادت أن اتخيرا

 

والأزمات العالمية الراهنة المترامية الأطراف في كافة أصقاع المعمورة أزمات شديدة التعقيد متداخلة المشكلات ليس من السهل أن نعرف الأسباب الحقيقية التي أدت إلى حدوثها ويستخلص وجه الصواب ومقطع الحق في نارها المتأججة، فهل هي في صميمها صراع بين الحرية والطغيان؟ أم هي محاولة استغلال الأمم الكبيرة القوية للأمم المستضيفة الصغيرة؟ أو هي صراع بين المبادئ الاشتراكية والنزعات الرأسمالية؟ أو هي نزاع بين عوامل الفوضى الدولية من ناحية ومحاولة تنظيم حكومة عالمية من ناحية أخرى؟ أم هي في الأساس نزاع قوي بين الفرد والدولة وخلاف مستحكم ناجم عن مشاكل علاقات الأول بالثانية، مادامت هذه في عرف الحقوق والسياسة فئة من الناس تعلو الحكم لتؤمن مصالح الفرد والشعب وتحل مشاكله وتدبر أموره مستعينة بذلك على السلطة التي يمنحها إياها الشعب نفسه؟

 

والمذاهب السياسية التي تسترعي النظر في عصرنا الحاضر أربعة مذاهب هي "النازية والفاشية والشيوعية والديمقراطية ، وأن كان الأوان قد أصبحا اليوم في دور الكهولة والاندثار بعد الرحب الماضية، وهي جميعها على المبدأ القائل، إن إرادة الدولة ومصلحتها فوق إرادة وتلتقي عند نقطة هامة، وهي علاقة الفرد بالدولة" فالفاشية والنازية والشيوعية سارت، وأن شئت فقل قامت، على المبدأ القائل، أن رادة الدولة ومصلحتها فوق إرادة الفرد ومصلحته، إذ أن في اعتقادها الجازم أن الفرد وسيلة من وسائل الدولة، وأداة من أدواتها بل هو محض تجريد ولا حقيقة له إلا باندماجه في الدولة وتفانيه فيها، بينما تعترف الديمقراطية بوجود الفرد وتقوم على احترام آرائه وتعمل على إعلاء، شأنه وإنماء شخصيته معتقدة أنه بتحسين حالة الفرد ورفع مستواه، ينتظم المجتمع ويزهو ويتقدم طالما المجتمع ما هو إلا مجموعة للأفراد.

 

ومسألة سيادة الدولة ومدى علاقة الفرد بتلك السيادة في طليعة المسائل التي يقوم حولها الجدل، ويستفيض البحث في عصرنا الحديث والفكرة القائلة بسيادة الدولة المطلقة تستمد قوتها من مصدرين مختلفين من مصادر التفكير اليوناني.

 

أما المصدر الأول فهي نزعة التفكير اليونان والتي كانت ترمي إلى اعتبار الدولة وحدة كلية قائمة بذاتها، مكتفية بنفسها، مستغرقة للمجتمع بأسره وقد أخذ كل من أفلاطون وأسطو بهذا المذهب فاعلنا في بحوثها السياسية أن من طبيعة الدولة الاكتفاء بنفسها وقالا بأن العلاقة الوحيدة بين الدولة والدول الأخرى هي علاقة العداء والمنافسة والكراهة المتأصلة.

 

ولذا كانت علاقة الحكومات اليونانية بعضها ببعض قائمة على العداء المسترسل وقد ردد الفيلسوف هوبز ذلك حين قال "الدول بطبيعتها أعداء" ومن هنا يتضح جلياً أن لا وجود البتة في التفكير اليوناني إلى ما يعتبره بعض المفكرين علاقتين متمايزتين، وعلاقة الفرد بالدولة من ناحية، وعلاقته بالنوع الإنساني من ناحية أخرى، وذلك لأن الدولة بعرف ذلك التفكير مستوعبة لجميع الأفراد، وحقوقها مقدمة على حقوقهم، ومكانتها هي المكانة السامية المرموقة فهي ملاذ الفرد وكهف رجائه.

 

وأما المصدر الثاني فهو تصور مفكري اليونان للطبيعة الإنسانية، وذلك لأن أكثر من تحدث منهم عن النظريات السياسية يستمسكون بالرأي الذي يذهب إلى أن حقيقة الفرد هي تلك الشخصية المنفردة الحائرة التي يعرفها الفرد في تلك الحالة الخيالية الافتراضية المسماة (حالة الطبيعة) وذلك قبل أن يدخل المجتمع ويخضع لأحكامه ويحمل أعباءه، وما المجتمع في رأي هؤلاء زعمهم الأبناء صناعي متكلف قائم على تعاقد محدود دخل بموجبه الفرد إلى المجتمع ليضع حداً للحالة الطبيعية التي كان يرتع في بحبوحتها وينعم في ظلالها، حيث لا سلطة ترهقه ولا قانون يقيده .. وهذه النظرية في تعليل نشوء المجتمع هي نظرية "العقد الاجتماعي".

 

على أننا نحن نرى غير ذلك، ونذهب مذهباً آخر نؤمن به هو أن حياة الفرد في عزلته عن بني الإنسان حياة غير طبيعية ولا مألوفة، وطبيعة الفرد لا يسترسل نماؤها ويسير تقدمها إلا بين أحضان المجتمع، والمجتمع هو أحسن محيط يتيح للإنسان الفرصة لاختيار طاقته وتحقيق مطالبه، وخير جو لحفز مواهبه وإنماء قدراته واستكمال شخصيته .. وما دام الإنسان مدنياً بالطبع فمن البديهي والطبيعي أن يعيش في المجتمع.

 

والمجتمع لابد له من دولة تنظمه "فالدولة تضمن حقوق الفرد وتجبره من أخطار الفوضى ودياجير الحرية السلبية وتخلق شخصيته .. وقد أقام هيجل، الفيلسوف الألماني، على أساس هذه الفكرة بناء فلسفياً محبوك الأطراف، متسق المنطق خلاصته أن القوم في المجتمع يتمتعون بحرية أصدق أثراً وأعظم وقعاً من تلك الحرية الغارقة في الفوضى التي خلعوا ثوبها عندما غادروا حالتهم الطبيعية الافتراضية الطليقة من القانون، والحية الصادقة هي الحرية التي يظفر بها الفرد في حدود المجتمع فهي ثمرة من ثمراته، ومنظرها الخارجي القوانين المرعية، ومظهرها الداخلي تلك الآداب التي يتلقاها الفرد من المجتمع . فالدولة تعطي الفرد حرية لا يظفر بها في غيرها، وهي إنما تفعل ذلك لأن لها شخصية حقيقية وإرادة مستقلة.

 

وللدولة شخصية، ولهذه الشخصية حقوقها التي تسمو فوق كل خلاف وتعلو على حقوق الأفراد وذلك لأن الفرد يتلقى حقوقه وواجباته من الدولة فلا يمكن أن تكون له حقوق تتعارض مع حقوقها.

 

ويقول هيجل بأن الدولة مادة أخلاقية شاعرة بنفسها ويرى أن العلاقة التي تربط الفرد بالدولة في كليتها الشاملة هي نفسها جزء من شخصية الفرد، فهو نبت يدها وثمرة غرسها وهو من ثم لا يستطيع أن يعمل في عزلة عنها، ولا يمكن أن تبعث له إرادة أو يتسق له أمل بجزء من إرادة الدولة ونصيب من آمالها.

 

ويرى يوزانكيه أن الفرد حتى في ثورته وانتفاضه على الدولة فالدولة في حالة الثورة تعد منشقة على نفسها.

 

والدولة بقوتها المتسامية وق الأفراد، وما تطلبه من ولاء متصل وتضحيات مستمرة توسع شخصيات الأفراد وتنقيها من شوائب الأغراض الحقيرة، وتنقل محرر حياة الفرد من دائرة الأثرة الضيقة إلى ميدان الحياة العامة.

 

والدولة في وسعها أن تسيطر على حياة الأفراد نظرياً في أيام السم وعملياً في أيام الحرب، وتوجههم الوجهة التي تريدها ما دامت الأفراد الذين تبسط عليهم سلطانها لا يختلفون عن الأفراد الذين يباشرون سير الأحوال ويتقلدون السلطة، وأوامر الحكومة موحاة من الرغبات الحقيقية لهؤلاء الذين يطيعونها، ويلبون رغباتها حتى عندما يطيعونها رغم إرادتهم.

 

والدولة هي التي تتصدى لحل المشكلات وتثبت للطمات، ومن حقها أن تطلب إلى الأفراد أن يضعوا حياتهم رهن تصرفها وطوع يدها . قال هيجل : "حالة الحرب تكشف عن قوة الدولة وتبين مدى سطوتها وعظيم بطشها، والوطن حينذاك هو القوة التي تقضي بفناء استقلال الأفراد".

 

ونظرية السيادة الدولة المطلقة، على ما يبدو بها من مظاهر التماسك الفكري والاتساق المنطقي، نظرية غير سليمة ولا مطابقة للوقاع، بل هي نظرية خطرة لأنها تمنع الحكومات المسوغات التي من شأنها أن تجعلها تنهج في السياسة الخارجية منهجاً غير متردد، ولا يبالي من الأخلاق ولا أصول الآداب.

 

والعيب الواضح في نظرية سيادة الدولة هوان الدولة، تمشياً مع تلك النظرية تعتبر نفسها ممثلة للنوع الإنساني بأسره، وهو افتراض مناف للحقيقة، وإذا كان للدولة السلطة التامة والقدرة الكاملة من حيث علاقتها بالأفراد الخاضعين لها، فإنه من الأمور المسلم بها أن هذا الحق لا يمكن أن ينهض إلا على افتراض أن الدولة تمثل إرادات جميع الأفراد تتكون منهم الدولة.

 

وإذا كانت قواعد الآداب مرعية فبي علاقات الأفراد بعضهم ببعض، فليس هناك ما يمنع العمل بمقتضاها في علاقات الدول بعضها ببعض. وقد وجد السامة في فكرة تحلل الدولة من اتباع شريعة الأخلاق خير سند لسياستهم الخارجية واستهانتهم بحقوق الدول الأخرى، وقد كان اعتداء الألمان على حياد البلجيك خلال الحر بالعالمية مثلاً عملياً لتلك افلسفة، وكذلك مهاجمة إنكلترا لكوبنهاجن 1807 وتحطيمها الأسطول الدانماركي بحجة أن سلامة الدولة كانت تستلزم هذا الاعتداء.

 

ونحن على الرغم من تسليمنا بأن الفرد في المجتمع يتمكن من إنماء طبيعته، وإظهار قدرته، والظفر بحريته، فإننا نقر بأن ذلك لا يقتضي كون الحكومة قادرة على كل شيء، ولا ينفي أن الدولة موجودة لأجل الفرد، فإن الفرد لم يوجد لأجل الدولة وسعادة المجتمع وليس للدولة معنى أن لم تعمل على إسعاد الفرد، لأن الدولة ليست غرضاً من أجل ذاتها … ونحن إذا سلمنا بذلك، أتضح لنا ما ينطوي عليه مذهب سيادة الدولة المطلقة من مغالطة ووضع للأمور في غير نصابها.

 

ويقول بعض أنصار نظرية سيادة الدولة أنه ير متيسر للدولة أن تبني مجدها على أنقاض حياة الفرد أو أن تستبد به وتطغى عليه لأن مصلحة الدولة هي بذاتها مصلحة الفرد وإرادة الدولة حتى في حالة الاستبداد والطغيان هي إرادة الفرد، ولكن الحقيقة التي نراها نحن هي أن نظرية السيادة المطلقة تناقض فكرة الحرية الشخصية، لأنه عندما ينشب أي خلاف بين الدولة والفرد فإنه يفترض مقدماً أن الدولة في جانب الصواب، وأن الفرد حقيق باللوم، ولا سبيل له إلى رفع صوته وإسماع كلمته.

 

والخلاصة فإن تطور العالم المتواصل وتقدمه السريع ونمو علاقاته السياسية وازدياد روابطه الاقتصادية يجعلنا لا نقف بأفكارنا عند حدود حقوق الفرد، ولا نجد في سيادة الدولة منتهى المدنية أو غاية ما قد يصل إليه الإنسان من التقدم، وإنما تتطلع إلى ما وراء ذلك لنرى عالماً جدياً تسود فيه فكرة جديدة خلاصتها "إذا سلمنا بأنه من اللازم أن يعرف الفرد أن هناك مصلحة أسمى من مصلحة المجتمع والدولة، فليس هناك ما يمنع من السير بذلك إلى نهايته المنطقية والوقوف عند فكرة أن مصلحة النوع الإنساني قاطبة فوق مصلحة الدولة نفسها، وكما أن إخلاص الفرد لأسرته ولقبيلته قد اتسعت آفاقه وترامت حدوده وأصبح إخلاصاً للدولة، فإنه من المنظور أن يزداد اتساعاً وشمولاً ويصبح إخلاصاً وولاء لبني الإنسان، وليس هنالك ما يثبت أن الدولة هي أقصى مرحلة من مراحل التدرج الاجتماعي.

 

ولما كانت الدولة تستمد قوتها من وجود عادات وتقاليد مشتركة ومن بقائها رهن إلى حد كبير بالاحتفاظ بتلك العادات والتقاليد، وكانت سهولة المواصلات وتقوية الروابط بين الأمم، عاملاً سيترك لا محالة، أثره المحتوم في تغير تلك العادات والتقاليد، لذا فإن العالم، بالرغم من ضرورة الاحتفاظ بالدولة واعتبارها عاملاً أصيلاً في صيانة النظام واستتباب الأمن .. نقول أن العالم سيتجاوزها إلى تصور أسمى للدولة يضمن سلامة الدولة ووقايتها من الأخطار الطارئة والصدمات المباغتة كما ضمت الحكومة سلامة الفرد واستنفذته من حالته الطبيعية غير المحتملة ولا المرضية.

 

وأمل الإنسان في العصر الحاضر معقود بتلك الغريزة التي أوحت المجتمع، وساقت الفرد إلى الحياة مع الفرد لتكوين القبيلة، وقادت القبيلة إلى الاجتماع بسائر القبائل لتكوين الأمة، وليس من البعيد المستنكر أن تسير سيرنها وتتابع خطواتها وتجمع بين الأمم في ساحة الأممية الشاملة حيث تبطل فكرة الدولة المنطلقة من قيود الأخلاق والتي تجعل منظمة الأمم أمراً عديم الجدوى وضعيف الأثر.

 

 

أضيفت في04/04/2006/ خاص القصة السورية / عن موقع الكاتب

 

كيفية المشاركة

 

Hit Counter

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية