أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 29/01/2009

دراسات أدبية للكاتب: محمَّد قرانيا

قصَائدُ الأطفال في سُورية2

إلى صفحة الكاتب

لقراءة الدراسات

 

 

الدراسات

إيحاءات اللون

الصورة الشعرية

الخيال

الألفاظ والتراكيب

الوزن والإيقاع 

ظاهرة التكرار

القافية

 

 

قصَائدُ الأطفال في سُورية

الباب الثاني: المضمون

 

بقلم الكاتب: محمَّد قرانيا

الفصل الأول: الألفاظ والتراكيب

 

إن كل فنانٍ يعمل بوساطة مادّةٍ محدّدةٍ، فالرسّام مادتُه الألوانُ و الحجر، والشاعرُ مادته الكلمات. غير أن فنّ الكلمة من المنظور الشعري يثير أغربَ المشكلات، وأكثرها دقّةً من أيّ نظريةٍ من نظريات الفن، فاللغة في أحد مظاهرها أطوعُ الأدوات تحقيقاً لأغـراض الإنسان العملية، وهي الوسيلــة التي لا يُستغنى عنها في الاتصـال مع الآخـرين، لذلك كانت في الأدب صورتُـه ومعناه، وفي المجتمع وسيلة نشأته وتكوينه، وهي في الأدب والمجتمع معاً، وسيلةُ التعبير عن الانفعالات والأحاسيس. والشعرُ في أحد معانيه موسيقا تتقيّد بأصواتٍ متجسّدةٍ في لغةٍ معيّنةٍ لها إيقاعٌ رتوبٌ، ونبراتٌ خاصةٌ متحرّكةٌ وساكنةٌ، تجري في فتـراتٍ متّسقةٍ، ينشأ عنها انسجامٌ وتوافق، وسِمَتُها الجوهريةُ أنها قالبٌ محرّكٌ مثيرٌ للخيال، تتخذ الكلماتُ فيه صفة النغمات التوافقية للمشاعر الأصيلة، مستمدّةً صفتها من الملابسات التي تحيط بظروف تعلّمها، ومن كل الظروف الخاصة بالطفولة التي اكتُسبت في ظلّها.

 

إن الكلمات ليست مجرّد حوامل مجرّدةٍ لمعانٍ مجرّدة، وإنما لها من المعاني قـدراتٌ كبيرةٌ، فكلمة (قُبلة) كما مرّ معنا قبل قليل، أو كلمة (حـبّ) – مثلا -ً لها من الجاذبية والإيحاء الشيءُ الكثير، ومثلها في القدرة والإيحاء كلمة (كرْه) باعتبـار الكلمات أصواتاً موسيقيةً ورموزاً منطقيةً، وإثارات وجدانيةً، يصوغها الشاعر بهندسةٍ فنيةٍ تتجلّى فيها روحُه، ويَظهر فيها إبداعُه، لتخرج معبّرةً عن حلمٍ أو مزاجٍ، أو رؤيةٍ من الرؤى الإنسانية، حتى لتبدوَ في بعض الأحيان إلهاماً قد هبط عليه من السماء، يتجلّى إشراقاً ووهجاً.

 

إن للكلمة قصداً منطقياً، ومضموناً نفسياً، وتربوياً، وهي في الأصل كلمةٌ شاعريةٌ، وما يهمّ الشاعرَ منها هو ما تعكسه الكلمـاتُ من ظـلالٍ، وما تحملـه من طاقاتٍ يمكن تفجيُرها، واستغلالها في التجربة الفنية التي ينفخ فيها الحياةَ، وهذا يعني أنه ينتقي الكلمات، ويختارُ منها ما يعبّر عما يعتمل في النفس من أحاسيس وأفكارٍ، لأنه يريد أن يحتفـل بالأطفـال، وأن ينقل صفاءهم وعالمهم، وما يوقظ في نفوسهم الحواس الساكنة، ويثير وجداناتهم الغافية، فتتحوّل الكلمات من رموزٍ لغويةٍ إلى مثيراتٍ وجدانيةٍ، وإيحاءاتٍ يتوقّف عليها مدى توفيق الشاعر ونجاحه في الوصول إلى المفردات، التي بمقـدورها أن تحطّم ما درجنا عليـه من رتوب التجربة التقليدية، وإحالتها إلى عناصر حسّية، كتلك التي تصير إليها، حين تطرق خيال الطفل الفطري، لذا فإن الشاعر يعمد إلى تلوين شعره بتفصيلاتٍ حسيةٍ ماديةٍ واضحةٍ، وقد تكون وسيلتُه إلى ذلك مشاركةُ الألوان البصرية، وحواسُّ الشم والمذاق واللمس، ووصفُ الأجزاء .كما في معظم أشعار" سليمان العيسى " كقصيدة (شبّابة سعد) حيث نرى بالعين لونَ الكرز، ونسمع بالأذن اللحن و الإيقـاع، ونتذوّق ما أثاره اللـونُ و اللحنُ، وما أضفته الكلمات على النفس من ظلالٍ.

 

البنية اللغوية:

عندما نقول إن شاعر الأطفال يختار الألفاظَ وينتقيها، فإننا لا نكون قد أتينا بجديدٍ، لأن هذه بدهية يتساوى فيها شعـر الأطفـال وشعر الراشدين، ولكنّ الشيءَ غـير البدهي ألاّ تكون لدينا (مفرداتٌ) محدّدةٌ للطفل، وأنماطٌ لغويةٌ، بدءاً من سنّ ما قبل المدرسة.

 

أمام هذا الواقع غير المدروس . يبدو البحث في مفرداتِ لغةِ الأطفالِ وتراكيبِها أمراً في غاية الصعوبة، و للخروج من هذا (التيه) اللغوي، فإن شعراء الأطفال وضعوا نصب أعينهـم السهولةَ والبساطةَ، و الوضوح، بمبادراتٍ ذاتيةٍ. لا تخلو من قواعد عامة. مبتعدين عن الكلمات الصعبة، مع أن مقيـاس السهولة و الصعوبة، هنا ليس محدوداً بحدودٍ وضوابطٍ، بقدْر ما هو محكومٌ بتقديرات الشاعر الذي يقيس به وضوح المعاني، ومدى تداولها على ألسنة جمهور الأطفال أولاً، وورودها في كتب المرحلة الأولية للتعليم ثانياً، وتتجلّى التراكيبُ في استخدام الشاعر ما يلائم تطلّعَه لإبداع الصـور القريبة التناول، والتي تناسب الإيقاع، في حلةٍ تريح الطفل، ولا ترهقه، بالفهم والاستيعاب والحفظ.

 

تراعي الألفاظُ و التراكيبُ معاً الفصاحةَ اللغويةَ، لتبتعد عن الركاكة، وتعثّرِ الصياغة، ولكنها في بعض الأحيان، قد تقع في مزلق الأغلاط الشائعة، وعدم الدقّة في استخدام حروف المعاني، أو بتعديةِ فعلٍ بحرف جرٍّ لا يتعدّى به، ومع ذلك فإن شعر الأطفال في سورية، كان بعيداً عن الأغلاط الجسيمة، ولم يتأثرْ من حيث التراكيبُ والصياغةُ بأسلوب الترجمةِ النقلية التي وقعت فيه القصةُ، وربما كان ذلك عائداً إلى قلّةِ عدد شعراء الأطفال، بالنسبة إلى كتّاب القصةِ من جهةٍ ،وإلى أن معظم هذه القلّة كانت من المتمرسّين بالكتابة للراشدين .

 

عثـراتٌ في اللغـة:

اللغة بحر واسع، عميق الغور، لذلك كان من الطبيعي ألا يتمكّن الإنسان من الوقوف على جميع أسرارها، ولا تغيب عن بالنا قصةُ ذلك النحوي الذي صرف عمره، وهــو يبحث في لفظ (حتى) وكتب فيها ما كتب، وحينما سألوه، وهو على فراش الموت، عمـا إذا كان قد استوفى البحثَ والاستقصاء في هذا اللفظ، ردّ عليهم والأسى يعتصر نفسه :" أموت وفي نفسي شيءٌ من حتى " .

 

وتجاه أسرار اللغة التي لا تقف عند حدٍّ، يمكن القول :"إنه لا يوجد كاتبٌ عربيٌ إلاّ وقدتسرّب اللحن إلى كتابته " (1 ). وهذه مسألة بديهة، ما دامت في حدود الشائع والمعقول .

في شعر الأطفال لم تكن هناك أغلاط جسيمةٌ تستحق الوقوف عندها، باستثناء القلّة، كقول " صالح هواش المسلط " في قصيدة " جدي ابن سينا " من ديوان " من أجدادي "

كان جدي ابن سينا أبا علي الحسينا

وإنما تبقى في حدود العثرات، المحصورة في استخدام بعض الألفاظ لغير ما أرادته اللغة مثل (راح)  و (عاد) أو تعدية فعلٍ بغير حرف جرٍ، كما في البيت: 

جدّنا السندباد       طاف كل البلاد

وحقّ الفعل طاف أن يتعدّى بحرف الجر، ونقرأ :

ما أحلى الريح إذا هبّت وعَوَت صخبا

فقد استعار لفظ (عوى) لصوت هبوب الريح، ومعروف أن العواء للذئب أو لابن آوى، وقال بعضهم إنه للكلب. أما استعمال المجاز بالنسبة للصغير

فلا يزال مبكراً .

وتعدية الفعل بحرف الجرّ، وهو متعدٍّ بنفسه، خلاف للقاعدة النحوية، لا تقتضيه الضرورة في شعر الأطفال. كقول " صالح هواش المسلط " في قصيدة " خالد بن الوليد " من ديوان " من أجدادي " [ ص 19 مطبعة آفاق. الحسكة 1994 ] :

غزا إلى البرابـرة

والروم والأكاسرة

ومثلُ (غزا) فعلُ (أعطى) المتعدّي إلى مفعولين، في قصيدة " ابن خلدون " ص (1) :

والتدقيق بالأسباب         يعطي ثمراً بالإيجـابْ

والتجربةُ والبرهانْ                 تُعطي الحكمة للإنسانْ

وكثيراً ما نعثر على هناتٍ في ألفاظ الألوان ،كأن نقرأ : غيوم سوداء. مروج خضراء. بحار زرقاء. ثياب صفراء، والأفصحُ جمعُها على : غيوم سود .مروج خضر. بحار زرق. ثياب صفر. كما في القرآن الكريم "سبع سنابل خضر ". و " ترمي بشررٍ كالقصر، كأنه جمالات صفر " ..

كما تصادفنا ألفاظ من حقّها أن يتقدّم عليها حرف الجرّ مثل : أثناء. دون. وحقّ الأولى أن تُسبق بفي (في أثناء) والثانية أن تجرّ بمن (من دون) إذا لم تكن ظرفاً. . وقد يتساهل الشاعر باستخدام حرف الجرّ إما لضرورة الوزن، وإما لشرود الشاعر عنه، وقد أدخل بعضهم (أل) التعريف على لفظي (بعض وغير) خلافاً للقاعدة، وقد أباح بعض الشعراء لأنفسهم الجوازات، فخفّفوا الهمـز في بعض الألفـاظ، فقالـوا (فاس) بدل (فأس) و (راس) بدل (رأس) واختزلوا كلمتين في واحدةٍ، كقول " صالح هواش المسلط " :

جدي عباس الفرناس

مغوار مرفوع الراس

وقالـوا (أينه) بدلاً من (أين هو) – كما سيمرّ بعد قليل - وأهملوا رسم (الشدّة) فوق الحروف المضعّفة – وهذا كثيرٌ شائع - وأباحوا بصورةٍ خاصةٍ تسكين المتحرّك، داخل البيت، وتصرّفوا بالممنوع من التنوين، حجتهم في ذلك جوازُه في شعر الراشدين، متجاهلين النظرة التربوية، التي ترى في استخدام ذلك تسرّعاً في شعر الأطفال، وأن الوقت مبكرٌ لتعرّف الأطفال على جوازات اللغة، والأجدى منها أن يقرأوا، أو يسمعوا السائغ الذي يسير على القاعدة، وتستسيغه أنفسهم، أما الجوازات والمجازات، فيمكن تعريفهم بها في أدب الناشئة، و بالتدرّجِ التربوي المدروس.

لقد برزت في أشعار "سليمان العيسى" -كما برزت في أشعار غيره - ظاهرة المجازات والكنايات والرموز، التي يصعب على الصغار إدراك معانيها بسهولة ويسر، ونشزت بعض الصور عن المألوف الطفلي، وتحوّل الشاعر في بعض الألفاظ عن الشائع – رغم فصاحته – إلى المعجمي، فوردت ألفاظ عدّة، وتراكيب " مفعمة بالصور والمعاني المجرّدة، من مثل : - وطني يتسلق أسوار الزمن– لنا تاريخ أزلي – الرؤى الشاردة – النخلة البتول – اسمي أخضر كالآمال – سرّ الإله بمقلتيه.. وتتوشّح عنده القصائد بالتعابير المستعملة فيها الألفاظ بمعانيها المجازية، كقوله عن النجار " يضحك في يده المنشار" و"عصفور طلال شـلاّل جمال " و" رباب قبلة النور المذاب " (والمجاز يجب أن يقتصد في استعماله من يكتب للأطفال) ولا يجد الشاعر "العيسى " غضاضةً – كما مرّ قبل قليل – في استعمال الكلمات " مرح الحقب الساجي – نشوى– أنضو – أغدقنا – مرنّح – صاد، (بمعنى العطشان) – انداحي (بمعنى اتسعي) – اطفرى (بمعنى اقفزي) – أرجاء (بمعنى أنحاء ). . ولا يتورّع من بعدُ في قصيدته " السباحان الصغيران " عن استعمال لفظتي تعبثان وتطفران اللتين يفسرّهمـا في الهامش بأنهما (تلعبان وتقفزان) [والأفضل ] استعمال ما أورده في الهامش بدلاً مما أورده في المتن، كي يتفادى التحوّل عن الشائع المألوف إلى اللفظ المعجمي.

إن سليمان العيسى لم يفته التنبّه إلى هذا الذي وقع فيه، فقد اعترف باقترافه ذلك عن عمـدٍ حين قال : " ربما تعمّدت الرمز، والصعوبةَ في الألفاظ، والغربةَ في بعض الصور، ربما كانت بعض العبارات فوق سن الطفل " فالمسألة إذن في بعض الصور من قبيل التعمّد والقصد، ومسوّغها عنده إيمانه بقدرة الطفولة على الالتقاط ". 

وقد رأى الباحث " أحمد أبو سعد " في بحثه : " تطور فن الكتابة للأطفال " أن" احتواء شعـر " سليمان العيسى" على كلمات وصور غامضة يسبّب إعاقةَ التلقائية في تقبّل أفكاره ومفاهيمه من قِبَل الطفل، ويمنع اندماجه فيه بحرارة ". 

وفي دراسة " بيان صفدي " الآنفة الذكر " شعر الأطفال ونماذج من سورية " وقف الباحث / الشاعر عند مجموعة ملفتــة للنظر في الاختلالات اللغويــة التي وقعت في غفلةٍ من كتّابها، ومنها قول " معشوق حمزة " " فليحيا الفلاح " " فيثبت الألـف التي من واجبهـا الحـذف " ويأخذ على الشاعر " ممدوح السكاف " اضطراره إلى إيراد كلمةٍ قلقة في القافية " هيا نلعب هيا نلعب ونغني للعشب المُذْهَبْ " واستعمال كلمات صعبةٍ أو مهجورةٍ " وانسراحات فضاء " ثم لابدّ من الاعتراض على مثل هذا التعبير :

يا وردة الطفولة

  تفتحي بالعلم والإخلاص والرجولة

وسنصطدم بصياغة عادية ومفتعلة في قصيدة " سلمى و الشحرور " إضافـة إلى ذلك الإيقاع والجمل الطويلة :

     قالت سلمى للشحرور

  - من جمّلك بهذه الألوان ؟

 قال الشحرور الساحر وهو يمسّد ريش جناحيه :

- حديقة هذا الضوء الفتّان

 قالت سلمى للشحرور العابر :

  - من أرضعك حليب الحرية، حبّ الأوطان ؟

 قال الشحرور العابر وهو يحلّق في الجوزاء، ويمضي :

- هو ربُّ الأكوان .

أما " أولادي " فهي قصيدة للكبار حصراً – والكلام لبيان الصفدي – ونعجب كيف راق للشاعر أن يكتب قصيدة بعنوان " موت أب " حيث لا أظن أن الأمر صالح نفسياً وتربوياً ،إذ علينا أن نبعد الطفل عن أجواء حزينةٍ كفقد الأب و الأم...

ويمكن أن نقف على مثل شيء من المعاظلة اللغوية التي استدعاها الوزن العروضي لدى " جمال عبد الجبار علوش " في قوله :

وكـلنـا فــداك

فقدْ غـداً نـراكْ

تختال في عـلاكْ

في قبة السـماكْ

فاستخدم في قصيدة (نقول) من ديوان " لمن يغني النهر " ص (18) لفظ (السماك) وشرحه في الهامش " نجم عالٍ في السماء " و فصل بالظرف " غداً " بين (قد) و (الفعل نراك) مما ابتعد به عن الهدف التربوي. وقد جانب" مصطفى عكرمة " الصوابَ حين قال :

شجرة الليمون عندي أجمل الأشجار شكلاً

شكلها الأخضر يبقى زاهياً فصلاً ففصـلاً

إذ ذكر (الشكل) و هو يقصد (اللون) في الكُتيّب الشعري الذي يحمل عنوان " طالما قلت الحقيقة " ص (2 )

 وليس مقبولاً استعمال الكلمة الأجنبية في التحية الهاتفية " ألو ألو " في قصيدة " حديث هاتفي" لـ " طه حسين الرحل " في ديوان " أنشودة المطر " ص (40 ). " ومثلها لفظ " بنطالي " لدى الشاعر " خيري عبد ربه " في ديوان " الفصول وقصائد أخرى " وسوى ذلك مما سنعرض له بالتفصيل .

خصوصية اللفظ:

لابدّ من الاعتراف في الشعر، بأنه ما من شعرٍ يجمع بين معطيات التربية، ومعطيات الفن، إلاّ طغى فيه الفن على التربية. فكيف بنا إذا وجدنا الطفلَ لا يعرف ما حدود ألفاظه، والشاعرُ لا يزال يجتهد، ويُجرّبُ فيها ؟.

لقد " حاول بعض الباحثين إحصاء الألفاظ التي يستعملها الطفل استعمالاً ناجحاً، وانتهى بعضهم إلى أن الطفل المتوسط في سنّ السنة الأولى، يستعمـل كلمتين، وفي سن السنتين يستعـمل (250) كلمة، وفي سن الأربع سنوات يستعمل (1600) كلمة، وفي السادسة يستعمل (2600) كلمة، وفي الثامنة يستعمل (3600) كلمة، وفي العاشرة يستعمل( 5400) كلمــة، وفي الثانية عشر (7200) كلمة، وفي الرابعةَ عشرة يستعمل (9000) كلمة، أما البالغ المتوسط الذكاء فعدد ألفاظه يصل إلى (11700) كلمة، والبالغ المتفوّق الذكاء، يصل عدد ألفاظه إلى (13500) كلمة "(2 ).

إن هذه الإحصائية لم تجرِ في البلاد العربية، لذلك لا يمكن الاطمئنان إليها، والملفت للنظر في النماذج الشعرية. أن الشعراء لم يهتمّوا بتحديد الشريحة الطفلية التي يتوجّهون إليها، فتداخلت ألفاظ المرحلة الدنيا بالعليا، ولم تراعَ ألفاظُ المنهاج المدرسي، وكأن مفردات الأطفال في الروضة والمدرسة هي غير ألفاظ قصائد الشعراء (3)

لقد أعدّ المنهاج المدرسي قوائم مفرداتِ كل سنةٍ من سني المدرسة الأولى، استمّدها مما يمكن أن يدور على ألسنة الأطفال في البيت والشارع والمدرسة، لئلا يحـدث انفصـامٌ بين ما يسمع الطفل وما يتكلم به، وبين لغة الكتاب المدرسي، لكن الشعر ظلّ مقصّراً في هذا الموضوع، والنماذج  المختلفة تشير إلى تمرّد الشعراء على المنهاج، نظراً لأن طبيعة الشعر تعتمد على اختيار اللفظ، وجدّة التركيب، والبعد عن اللغة العادية التي يستهلكها الاستخدام اليومي الشائع، فيذهب ببريقها ورونقها.

ويمكن أن نقف على سببٍ آخر لوجود اختلافٍ بين لغة القصائد، وبين لغة المنهاج المدرسي، يتلخّص في أن الشاعر لم يكن يضع في خلده أنه يكتب للمنهاج .كما أنه عند كتابة القصيدة لم يكن قد وضع نصب عينه السنّ التي يتوجّه إليها غالباً.

إن التمعّن في مفردات قصيدةٍ موجّهةٍ لأطفال الروضة، لشاعرٍ متمرّسٍ بالكتابة والتعامل مع الأطفال، ومن ثم مقارنتها بما يمتلكه أطفالٌ في سنّ الخامسة من ثروةٍ لفظيةٍ. من شأنه أن يضع أيدينا على الفرق بين الفن الشعري، ولغة الحياة اليومية.

يقو ل سليمان العيسى في (أنشودة لونا) (4) :

هـذي لونـا              بسمة فجـرِ

خمـس سنينٍ             قالت عمري

 

جلستْ قربي               رفّــةً زهرِ

غنّت ألحـاناً               مـن شعري

غنّت مامـا والرسّام

مثل عصافير  الأحلام

كانت لونا وهي تغنّي

مثل عصافير الأحلام

لا ينكر أحدٌ من المهتمين بأدب الأطفال براعةَ "سليمان العيسى " وشاعريته، والاعتراف بأنه لا يمكن مجاراته في مقدرته الفائقة في تقمّص شخصية الطفل، واصطياد المفردات الملائمة، والصور المناسبة، وخلق الجو النفسي المريح، وفي هذه القصيدة الخفيفة المؤلّفة من ثمانية أبياتٍ مجزوءةٍ، ذات الإيقاع الراقص، (فعلن فعلن) السريع النفس والقصير، نتلمّس وضوح الرؤية، وتماسك وحدة القصيدة، ومقدرة الشاعر في صياغتها في ثمانية وعشرين كلمةً ليس غير، وحرف جرٍّ واحد، موزّعة حسب ما يأتي :

عدد الأسماء : 22 اسماً

عدد الأفعال : 6 أفعال. هي : (قالت. جلست. غنّت [ مكرّر ]. كانت. تغنّي) وقد وردتْ خمسة أفعالٍ منها بصيغة الماضي، وفعلٌ واحدٌ بصيغة المضارع، ومجموع الألفاظ الثمانية والعشرين، يتناقص إلى السبعة والعشرين، إذا اعتبرنا فعل (غنّت) المكرّر واحداً، لكن التكرار هنا موجود عن قصدٍ، وسبْقِ تصوّرٍ من الشاعر، لأنه – كما سيمرّ في دراسة ظاهرة التكرار - يؤدّي هـدفاً تربوياً يمكن بوساطته الوصول إلى عقول الأطفال، والصغار منهم بصفةٍ خاصةٍ، لتأكيد صفةٍ أو قيمةٍ محبّبةٍ تثبت معناها في العقل. كقيمة الغناء الترويحية، أو قيمة الحلم (الجمالية) التي تعمل على نقل الأطفال إلى عالم شعري يعجز غيرُ الشعر عن تحقيقـه، وقد تجلّـت براعـة الشاعر حين تجاوز تكرار الفعل (غنّت) إلى تكرار (البيت) كاملاً : (مثل عصافير الأحلام) تعبيراً عن الحلم، ورمزاً للانطلاق والحرية والحبّ والجمال .

لقد استطاع الشاعر أن يوجِـد علاقةً بين العصافير، وبين الأحلام التي لا تقلّ إيحاءً عن العصافير، فهناك انعتاق من ضيق المكان، ومحدوديةِ الأفكار، إلى فضاءات لا تعرفها إلاّ العصافير والأحلام، وكان المضاف والمضاف إليه قد عمل على توطيد أواصر هذه العلاقة (عصافير الأحلام)

وهذه الصورة التي استشفّت غناءَ الأم والرسام والطفلة / لونا / التي تُنشد أنشودة الشاعر الملحّنة، بصوتها العذب، يُوَلِّد التشبيه فيها الصورةَ الجديدة (عصافير الأحلام) مما يشهد للشاعر بالنجاح في هذه اللقطة، التي استطاع أن يرسم فيها لوحةً شعريةً بالكلمات المحدودة العدد، السهلة التداول والحفظ والإلقاء. وإذا كانت الألفاظ قد ارتفعت قليلاً عن مستوى أطفال الروضة (بسمة فجر، رفّـة زهر) فإن رشاقة اللفظ، وبساطة التركيب، وشفافية الصورة، وعذوبة الإيقاع، يشفع للقصيدة أن تقدّم نفسها بحلّةٍ مقبولة للغناء، قبل أيّ هدفٍ آخر.

لكن، ونحن نتحدّث عن الألفاظ، يمكن أن نشير إلى العنوان، ونتساءل : هل لفظ (لونا) - اسماً لطفلةٍ - فصيحٌ في العربية ؟ أم أن الشاعر أورده عن قصدٍ لتخليد اسم طفلةٍ عرفها، أو قريبةٍ يتودّد إليها، وقد عهدنا لدى الشاعر مثلَ هذا التوجّه في كتابة قصائد لأطفالٍ تربطه بهم قرابةٌ، أو صداقةٌ، وقد وجدتُ مثل هذا الاسم (لونا) سائداً في التركية وغيرها، ولم يرد بين الأسماء العربية والقريبة في اللفظ أو المعنى مثل (لينة. لبنى. لبانة. لبيبة...) والتي تدلّ على مسميات عربية أصيلة.

الأبنية والتراكيب:

تلعب التفعيلة – كما سنرى – في شعر الأطفال دوراً رئيساً في التحكّم في بنية التركيب، وصياغته، وكلما قلّ عدد التفعيلات، وقصر حجمها، كانت القصيدة أسهل إيصالاً إلى مدارك الطفل، وقد نجحت القصيدة في ذلك، بينما رزحت القصة في كثيرٍ من الأحيان تحت وطأة الجمل الطويلة.

ونظراً لحداثة أدب الأطفال، وعدم وجود منهج واضح، ولمـّـا كان الطفل يمتلك عدداً محدوداً من الألفاظ والتراكيب اللغوية، بدءاً من سنيّ العمر الأولى، كان لابدّ من أن تكون القصيدة في إطار معجم الطفل. لكن الواقع يشذّ عن ذلك. نظراً للفروق الفردية التي تختلف في التقدير بين لفظٍ يقدر الطفل على فهمه، و لفظٍ يتجاوز مستواه العقلي، وإذا كان بالإمكان اتّباع منهجٍ، أو منهجية فنية في الشعر _ وهذا مستحيل في الوقت الحاضر _ منهجيةٍ تقوم على أسلوبٍ متدرّجٍ في استخدام الألفاظ، فإن ضمانَ التزام الكتّاب بها غير مؤكّد، بسبب الصعوبة التي ينشد الشاعر صياغة القصيدة بها. ويبدو أن الصعوبة في منهجية الألفاظ، أقلّ من الصعوبة التي تبرز في التراكيب، والتراكيبُ علاقاتٌ، وصورٌ، وإيقاعات، تتفاعل كلّها ببعضها، لتصنع الشكل الفني الذي يقدّم للطفل، لذلك نجد عدداً من الشعراء لم يحالفهم الحظّ في إبداع تركيبٍ طفليٍ سليمٍ يراعي حدّاً مقبولاً من الاعتبارات الفنية، فوقعت عثراتٌ لابدّ من وقوعها.

وقد يتداخل الخلل اللغـوي في البيـت بين المفـردة، و العبارة، والوزن أيضاً. كما في قول " صالح هواش المسلط " في قصيدة " الكندي " :

  درس العدسات السحرية

  والشاشات السيناميــة

وتفقد العبارة معناها، فتغدو غائمة باهتة. كما في قصيدته " الحسن بن الهيثم " :

  فكر ببناء الســــد

  فوق النيل بشكل جدي

  بالتحـديد أو بالبعــد

إن لفظ (بشكل) حلّ محلّ لفظ (بصورة) وعبارة (بالتحديد أو بالبعد) تحتاج إلى مهندس ليشرح معناها، ويفسّر سمتها، وإحداثاتها المساحية الطوبوغرافية .

وتكثر لديه العبارات التي لا طائل منها، فتغدو حشواً، لا تقدّم معلومةً، ولا تجدي نفعاً، حتى يبدو وجودها وعدمه سواء، كقوله في قصيدة " جدي جابر بن حيان " :

قال جدي عبـر الدهر             لون الفضــة لون البدر

قال جدي عبـر الحقب              لون الشمس لون الذهب

ونقرأ للشاعر" سليمان العيسى " : (5)

الأرض العطشى و الدرب

و الحــبّ الأول مازالا

نجد في البيت ثلاثـة أشياء هي : الأرض، والدرب، والحبّ، وهذه المجموعة يأتي بعدها لفظ (مازالا) الذي يوهم التثنية لإشباعه، و هذا يربك الطفل، فإذا كان الشاعر يريد القول : إن الأرض و الدرب هما الحبّ الأول، فإنّ وجود الواو العاطفة قد أفسد المعنى هذا. أما إذا كانت الألف في (مازالا) للإشباع فإن هذا يوقع الطفل في التداخل و اللَبس مع ألف التثنية، و هذا مخالفٌ للنظرة التربوية، التي لا تبيح الجوازات للصغار. فضلاً عن أن البيت لا يريح القارئ الكبير، فماذا يقول الصغير؟!

ويقول " سليمان العيسى " في (الطيارة) (6) :

فوق الريح

وفوق الغيم

تعلـو تعلو

مثل النجـم

روحي شرقاً

روحي غرباً

للمستقبل

كـوني دربا

يصف الشاعر ارتفاع الطيارة بأنها تعلو مثل النجم، ولفظ (مثل) يفيد المشابهة، والأمرُ المعروف علمياً. أن النجم لا يعلو لأنه ثابتٌ في مداره، فلم يستطـع اللفظ تأديَة الغرض المطلوب من التشبيه، علماً بأن استخدام لفظ (الطـيّارة) في عنوان القصيدة، جاء على غير القاعدة، وهذا ما لم يُجزه مجمع اللغة العربية في القاهرة، الذي أصرّ على استخدام لفظ (طائرة) مع أن المعجم المدرسي قد أجاز استخدام لفظ (سيّارة) المشابه له في القياس، وقد أجمع عليه المحدثون.

كما أباح الشاعر لنفسه استخدام فعل الأمر (روحي) مكرّراً، بمعنى اذهبي، أو انطلقي، أو سافري، بينما يشير معنـاه المعجمي إلى السـير في العشـي، أو في أيّ وقتٍ من الليل و النهار، والتدقيقُ في الفعل يفيد أنه للسير، بينما استخدمه الشاعر للانطلاق والاندفاع.

ويقول الشاعر " معشوق حمزة " في قصيدة (يا شجرة) :

يا بيت العصفور

يا فرحاً وسرور

فسكّن (سرور) لضرورة القافية، وتجاهل العطف نصباً .

ويقول الشاعر " بيان صفدي " في قصيدة (بلدي) : (7)

بلدي بلدي أمسي وغـدي

رمزُ وجودي  طــول الأمد

عشتُ عليها  بين يديهـــا

وسيحيا من بعدي ولدي

أرضٌ عاش عليها جدّي

إن لفظ (البلد) مذكّر، وعليه اللفظ في القرآن الكريم (وأنتَ حِلٌّ بهذا البَلَدِ) وعندما يقول (عشت عليها) فإن الضمير (الهاء الممدودة) المسبوقة بحرف الجرّ (على) تعود إلى البلد، لذا كان الأفصح القول : عشت عليه، وليس في ذلك اختلالٌ في الوزن إذا أشبع الضمير. أما إذا كان المقصود بـ (عشت عليها) الأرضَ، التي ورد ذكرها في البيت الذي يلي العبارة، فإن هذا غير جائز أيضاً في الصياغة، حيث يعود الضمير على متأخّرٍ رتبةً، مما يتعارض مع نصّ القاعدة النحوية. وإن كان بعض النحويين يذكّر البلد ويؤنثه .

ويقول " صالح هواري " في قصيدة " نجحت " : (8)

وعلّمْ طيورَ الصباح

إلى الحقل أن تذهبـا

فمن شاء نيلَ النجاح

فــلا بدّ  أن يتعبا

إن البيت الأول (علّمْ طيور الصباح.. إلى الحقل أن تذهبا) مخالفٌ لما تعارفنا عليه من أن الطيور تستيقظ في الفجر، تسعى إلى رزقها، قبل أن تتضح المعالم في البكور، و ليس من المنطق أن يستيقظ الطفل قبل الطير ليعلّمها الذهاب مثله إلى الحقل.

ونقرأ مقطعاً من قصيدة (بابا ماما) للشاعر مصطفى عكرمة، نشرتها مجلة أسامة :

بابا مـامـا       لكما شكـري

ملء الدنيـا       أبدَ  الدهــر

بكما أحيـا          أحلى عمـري

ونصيحتكم          سكنت صدري

وواضح أن (بابا ماما) اثنان لذلك قال (لكما) شكري، و (بكما) أحيا، لكنه استأنف بعد ذلك بصيغة الجمع، فقال. و (نصيحتكم )... ونحن قد نجد للشاعر مسوّغاً نحوياً في صحة معاملة المثنـى في الصياغة معاملة الجمع، والشاهدُ على ذلك قوله تعالى في كتابه الكريم :  " هدان خصمان اختصموا في ربهم. . " (9) و هذا لا ينطبق على بيت " سليمان العيسى " السابق، لأن الجمع هنا يعود على المثنى، بينما كان عند " سليمان العيسى " المثنى هو الذي يعود على الجمع.

ونقرأ من قصيدة نصوح فاخوري قوله في (مدرستي) (10)

أنا طفلٌ قيل لي هذا                و ما عقلي بطفل

هـا أنـا أبني وشعبي مصنعي الضخمَ و حقلي

ليس زندي زندَ طفلٍ       و أنا أبني فأُعلـي

وواضحٌ أن هذا الطفلَ غيـرُ عادي، وإنما هو طفلٌ خارقٌ، أو طفلٌ يُخرج نفسه من دائرة الطفولة، ما دام يملك زنداً ليس كزنود الأطفال، يبنـي به، ويُعلي الأبنية والمصانع ... و إذا كان الطفل يولـد للبناء، لا ليمارس طفولتـه، ولا ليرتاد المـدارسَ والحدائق، ويمارسَ الألعاب والهوايات، إذا كان هو كل ذلك، فإننا نكون قد عدنا إلى النظرة القديمة التي كانت تنظر إلى الطفل على أنه رجلٌ صغيرٌ... و لقد نأت اللغة التي تصلح للكبار عن الهدف، و كأننا نستمع إلى خطابِ رجلٍ كبيرٍ يتصاغر حتى يصبح بحجم الطفل، ويلقي خطبته في عيد العمال. إضافة إلى أنه فصل بين الفعل و المفعول : أبني مصنعي. بالمفعول معه .

و تظهر في الشعر – في بعض الأحيان – حالاتٌ ينوء فيها التركيب تحت وطأة التقديم و التأخير، لا لسببٍ سوى الإيقاعِ و القافية. كقول " بيان صفدي " في قصيدة (أغلى كلمة) (11) :

من أجلي ضحّى الشهداءُ

شادَ الأمجـــادَ الآباءُ

إذ قدّم في الشطر الثاني المفعولَ به (الأمجاد) على الفاعل (الآباء) من أجل استواء القافية.

وقول "سليمان العيسى " :

أبي حـدّاد

تقول سعاد

والصياغة السليمة تقتضي تقديم الشطر الثاني على الأول.

ومثل ذلك قوله :

من تطوان إلى بغداد

سار قطاري يا أولاد

إن عدداً من الألفاظ و التراكيب تسلّلت إلى شعر الأطفال، منها ما كان مقصوداً من الشاعر، ومنها ما كان في غفلةٍ منه، واستكمالاً للبحث. لابدّ من الرجوع إلى الملاحظات التي أبداها الشاعر " بيان صفدي " في دراسته المطولة " شعر الأطفال و نماذج من سورية " السابقة (12) التي نذكر بعضها. كما وردت لدى الشاعر الباحث .

يقول " بيان صفدي " :

" يطالعنا " حامد حسن " بقصائد عديدة، ولكنها في الحقيقة لا تنجح في الاقتراب من عالم الطفل ولغته. كما في قصيدة " الطفل والوحدة " [ مجلة أسامة. العدد 116 ]

يا أبــي إنا توحــــــــدنا وثرنا يا أبي

والتقى في الساح – ساح المجد – كل العرب. . .

وواضح أن النص يفتقر إلى عذوبة الصور وتبسيطها، كما يحوي تعقيدات في تركيب الجمل، فالبدل في " والتقى في الساح – ساح المجد – " يربك سلاسة الفهم، ويعبّر الشاعر عن معانيه بتعبيرات مكرورة إلى درجة كبيرة، مثل " نحن جيل الوحدة الكبرى " " أمتي كانت وما زالت منار الأمم "

... .. وهنا نلاحظ الافتعال في انتقاء الكلمات :

في صوتها موسيقا وسحر القافية

فلماذا اللحن ؟ ثم الموسيقى، ثم سحر القافية ؟ وما الذي يعرفه الطفل من كلمة " قافية " ؟!. .

.. . كذلك قول الشاعر " مصطفى عكرمة " في قصيدة " قلمي " :

أكتب اسمي فوق السطر

فنحن مضطرون إلى قطع همزة " اسمي " فيستقيم الوزن، ولكن ذلك يُسيء إلى لغة أطفالنا .

وفي قصيدة " الطيار الصغير " يقول " عكرمة " :

بيدي صنعتك فانطلقي

وتحدِّي الغيمة في الأفق

وهنا يقع خطأ واضح عندما يقول " تحدِّي " فالصحيح " تحدَّي " [ بفتح التضعيف وليس بكسره ] وعندها يختلّ الوزن.

.. . وممن حاولوا، الشاعر " نصوح فاخوري " ولكنه مع الأسف كان من البعيدين جداً عن روح الطفولة ولغتها.

هاهو يكتب في قصيدة " مدرستي " ما يلي : [ مجلة أسامة. العدد 18 ]

أنا طفل قيل لي هذا، وما عقلي بطفـل

هاأنا أبني وشعبي مصنعي الضخم وحقلي. .

غدنا مقـبرة الـذلّ وأغـلال  الذليـل

فأينعي - يا جبهة الأطفال - أحراراً وسيلي

فالشاعر يتحدّث عن الطفولة باحتقار مبطّن، وهذا واضح في البيت الأول. . ولا ننسى أيضاً اللغة في صياغتها " ما عقلي بطفل " " ها أنا ابني وشعبي مصنعي " " غدنا مقبرة الذل " إلى أن نصل إلى قوله : "فأينعي – يا جبهة الأطفال – أحراراً وسيلي " فكيف سيتصوّر جبهة الأطفال تنبع وتسيل أحراراً ؟

.. . وفي حين تحتاج القصيدة إلى دقة التركيب، واختيار اللفظة، نلاحظ هذه الحالة من رصف الكلمات، كيفما اتفق أحياناً كثيرة [ لدى الشاعر معشوق حمزة ] وبلا تعب وعناية، منها – نحن – مثلاً أمام نموذج على الخلّل في الفكرة ذاتها:[ كتاب أسامة الشهري – سلوى تغني. ص 27 ]

  كالعصافير أغني

           لندى

           للفراشات أغني

           وغدا

           حين أكبر

           سأغني للوطن

           بالورود

           بالقلم

           أرسم الآن بلادي

           وأغني كل يوم

           للعلم

فلا أدري لماذا اختار الشاعر أن تغني سلوى للندى من بين عشرات الأشياء الأخرى ؟ ولماذا ستغني للوطن عندما تكبر ؟ ألا يجوز أن يغني الإنسان لوطنه وهو طفل ؟ ولأن الشاعر أورد كلمة( قلم) رأى لزاماً عليه أن يقرنها بالعلم بعد ذلك في صياغةٍ واضحة التصنّع .

وما يثير عجبي حقاً – والكلام للشاعر بيان صفدي – أن تعاني قصيدة معشوق من ضعف صياغته لغوياً في أحيان كثيرة، إضافة إلى اختلالات الوزن، مع العلم أنه مختصّ اختصاصاً عالياً في اللغة العربية... وينسى الشاعر أن اللام لام الأمر في قوله " فليحيا الفلاح... " فيثبت الألف التي من واجبها الحذف.

.. . وسألفت النظر إلى أمثلةٍ من هفوات وسقطات الشعراء. . للتدليل على طبيعة مشكلة شعر الأطفال، فهو يعاني من سوء استعمال المفردة، أو الجملة، و من افتقاد السلاسة و الطفولة، و من الإيقاعات المرتجلة و الصعبة.

يقول محمد منذر لطفي عن الفلاح [ مجلة أسامة – آب 1981 ]

ألف ظلّ لك يا خدن البراري و السهول

أنتَ منّا الساعد المفتول و الوجه الأصيل

ويقول : [ مجلة أسامة. العدد 334 ]

     أرقب الأمــواج و الأفق فيرتاح الخيال

     و أعدّ السفن الملأى. . نساءً. . و رجال

     و حمولات ..من الشرق.. من الغرب. .

     ثقال

وهنا نستطيع أن نعترض على استخدام الشاعر لكلمة (خدن ). وعلى هذا التركيب الكلاسيكي المعقّد أ صلاً " أنت منّا الساعد " ثم لا بدّ لنا من الاعتراض على هذا الفصل المخلّ بالمعنـى بالنسبة للطفل بين " حمولات" و صفتها " ثقال "

وسنقع على صورٍ وتراكيب قلقة لدى الشاعر " موفق نادر " في مجموعته " الغيمة تمرح " الصادرة عن وزارة الثقافة. . و" نائل يلتقي أباه " من سلسلة كتاب " أسامة " الشهري، ومن هذه الصور والتراكيب:

  وترسل الظلال

  لآخر الغناء

  إذا أتى الشتاء

  تناطح المطر

   بينما المساء

  ينساب في خفر. . .

 ... وسعفها سلاح

  ترمي به النجوم

  في آخر البرية

  يجيئها الفلاح

  من آخر الكروم

  لينشد الحرية

وفي قصيدة " حكاية الحرية " يقول :

  جاء كي يروي لها

  عن أناشيد السلام

  وحكايات المها...

.. . سنجد في تجارب آخرين مثل هذه الإخفاقـات [ في ] أثناء محاولـة كتابـة شعر الأطفال كقول " محمد قرانيا " [ في مجلة أسامة، العدد 295] :

هذا النهر  دفْقُ رواء

بردى غنّى أحلى غناء

وقول " سعيد قندقجي " [ في مجلة أسامة. العدد (324) ]

أنـا يـا بابا       طفل عـربي

علمــي زاهٍ      فوق  الشهب

ومنـــاراتي    شمس  الحقب

و شعــاراتي    عجب العجب

فاشهـد فرحي    وارقب غضبي

وقول " جمال علوش " [ في مجلة أسامة. العدد (324) ]

  طيار أبي

  وأنا ابن النسر العربي

 ...

  وغدي حلم عبر مداه

  يتيه الشعر

  نحن هنا أمام تراكيب واضحة الافتعال و التصنّع ،إلى جانب بعدها عن الرؤيا الطفولية ..ويستعمل الشاعر " شوقي بغدادي " كلمة " لدن " في " القمر على السطوح " [ كتاب أسامة الشهري ] وهي كلمة باتت مهجورة في أساليب الكبار، فكيف بالصغار، فقال :

ولدن سألوه

و :

  لدن عـاد بها

وفي الوقت الذي ينجح فيه الشاعر " شوقي بغدادي " في التقاط موضوع صالح للأطفال، نراه يعجز عن إيصاله لغوياً إلى قارئه الصغير، وحصل هذا على نحو خاصّ في حكاية " الفنان المصاب بعمى الألوان " حيث يتحدّث عن طفل مصاب بعمى الألوان، وعندما يذهب التلاميذ إلى البستان يجمع كل واحدٍ منهم باقةً، وأعجبت الآنسة [المعلمة ] بباقة ذلك التلميذ. يقول " بغدادي " :

قالوا :

  لكن محمود لا يفهم الألوان

  فأجابت : ليس مهماً هذا

  محمود كان الأفضل في فهم تناسقها

 

  والأكثر إحساساً بتجاورها

  والأذكى في إضفاء البهجة والإشراق

  على أسلوب تجمعها

  ليس الأفضل من يعرف أسماء الأشياء

  ولا يعرف كيف يخاطبها

إن ضخّ الأفكار المجرّدة بهذه الكثافة أمرٌ لا علاقة له بالطفل، ولم يستطع الإيقاعُ العذب، والبساطة أن يدعما الفكرة الباهتة لقصيدة " بين الليمونة والرمان " في المجموعة نفسها.

في قصيدة " حفلة عيد الميلاد " للشاعر " ممدوح السكاف " من ديوان " نشيد الصباح " نجاح واضح لقصيدة الطفل :

يا كعكة عيد الميـلاد

يا جنة روحي و فؤادي

ثم يقول الشاعر " بيان صفدي " إثر عرضها : " ومآخـذنا على قصيدة الشاعر تتناول  المفردة، والصياغة، والموضوع الشعري، إضافةً إلى عدّة ملاحظات إيقاعية. كثيراً ما نلاحظ أن القافية تضطره إلى إيراد كلمة قلقة في مكانها :

هيـا نلعـب        هيا نلعب

و نغني للعشب      المذْهَـب

فلماذا اختار اللون الذهبي للعشب ؟ هل يتغنّى ببداية اصفراره ؟

ويقول عن الأب :

ويكدح النهارا      يحطّب الأشجارا

يبيعها في السوق  بثمن رقيـــق

قد حمل الطعاما    والحزن و القتامـا

.. ويستعمل الشاعر مفردات صعبة، أو مهجورة مثل :

وانسراحات فضاء  من صباحٍ لمساء

 أو:

ونغنـي ونغنـي                لمسافات التمـّني

للسموات البعيـدة                 للأراضين المديدة

وقوله :

لخير هذا الوطــن               نقيلـه من المحن

ولا بدّ من الاعتراض على مثل هذا التعبير :

  يا وردة الطفولة

  تفتّحي بالعلم والإخلاص والرجولة

فقد آن لنا أن نتخلّى عن هذه اللهجة الخطابية المتوارثة، التي تعطي الرجولة وحدها قيمةً مطلقة، فهل هذا الكلام خاص بالأطفال الذكور فقط

.. . ولم يستطع الشاعر أن يتخلّص من هذه المآخذ في مجموعته الثانية " شواطئ بلادي " فعادت الصور الغامضة، والمفردات الصعبة، والتراكيب المفتعلة كقوله :

وكيف تُفتِّح الدنيا                 على زنديك يشتعل

و :

ونجمها اهتداء             في حلكة الظلام

و :

أهدتني أحلى ما يهدى              ورداً تذكاراً لا يصدأ

 و :

حطّت بأرباض الشام. . .

.. . ويأتي تركيب لغوي غريب على الطفل :

يبني والشط مسافات

ويحلو للشاعر أن يتجاوز اللغة تجاوزاً غير مقبول :

أينه يا ابنتي

ولدى التصدّى لشعر " خيري عبد ربه " يقول الشاعر " بيان الصفدي " : " و يتملّكنا العجب من الطريقة التي يكتب فيها خيري عبد ربه شعراً للأطفال، فنحن معه أمام سيل التعبيرات الركيكة التي تعاني من الضعف والترهّل والافتعال وسط موضوعات لا تربطها بطريقة التعبير عنها أية روابط، وعندما ننتقل إلى جانب فني بحت، سنجده ما يزال عاجزاً عن كتابة قصيدةٍ سليمةٍ عروضياً... و إليكم هذه الأمثلة على ناحية التركيب و المعاني :

  تحلّ و لنا ماضٍ مشرق

  و غداً تعرفنـا مواسمه

  فالدرب إلى وطن الزهر

  في القلب نمر و نـرسمه

و :

وليس من يبيع            دفئاً ولا شموع. . .

و :

ليرجع موطننا مجده               لتسافر للأفق الشهب. . .

و :

نتحدّى التعب و لا نتعب. . .

هل يجوز أن نقدّم للطفل نصوصاً تحمل مثل هذه التراكيب، و هذه الاختلالات العروضية ؟. .

ويأخذ على الشاعر " سليمان العيسى " تعقيده اللغوي، ويرى أنه في تركيب الجملـة وقع في  " تعقيدات عديدة، لا يمكن أن تكون مبرّرة، و نحن نكتب للأطفال، فليس مقبولاً إن نقدّم الخبر على المبتدأ :

شقراء لعبتي       تفهم همستي

ولا أن نقدّم المفعول به :

تمرّداً جعلت من أنشودة العذاب

أو نقدّم خبر كان، ثم نضيف إليه صفة، و بعد ذلك يأتي اسمها :

كان جباراً عنيداً نهرنا

وفصل الشاعر على نحو قسري بين اسم كان وخبرها :

كان ديوانك – ما أحلى أغانيه – الكتاب

وجاء بالخبر مفصولاً وغامضاً في قوله :

  فهد وسلمى أخته يدان

  بالماء تعبثان

ولا يحسُن في الكتابة للطفل أن يأتي الاسم مفعولاً به لاسم الفاعل:

  يا حاملةً حلم المطر

وعندما نصل إلى إيراد الشاعر لصيغة البدلية، فإن الأمر يأخذ شكل خلل واضح في بناء قصيدة الطفل، وليس صعباً أن نلاحظ بيسر صعوبة فهم الطفل لصيغة البدل، بل واستحالة فهمها في الغالب. فالشاعر يقول مثلاً عن فتاةٍ :

           ترسم عالمها المجهولا

           بالكلمات

           حبات الضوء الكلمات

  أزرار السحر الكلمات

ويقول عن قلب الأم :

  إذا الظلام حلّ كنتِ مرفئي الأمين

           طوقتني بنعمتيك : الحب والحنـين

أما العثرات الإملائية فنادرة، ومنها همزات القطع الوصل، وربما كانت بسبب الطباعة، أو بقصد من الشاعر، كإثبات همزات الوصل في قول الشاعر " صالح هواش المسلط " المسربلة بالركاكة اللغوية والنظمية :

أرسى علم الإجتماع تتلوه كل البـلاد

أما أحوال العبــاد  فركيزتها الإقتصاد

و:

  فإنكسر الرؤية فيه

 " لأن الجسم يعطي شعاعا

  يعكس نور العين إليه " 

خـاتمــــة:

لقد قال الجاحظ " إن المعاني ملقاةٌ على قارعة الطريق " وهذا يعني أن المزية للعبارة والتركيب قبل المعنى، يؤيّده في ذلك أبو هلال العسكري، فيرى أن " ليس الشأن في إيراد المعاني، لأن المعاني يعرفها العربي والأعجمي، والقروي والبدوي، وإنمـا هو جودة اللفظ وصفاؤه. . مع صحة السبك، والخلوّ من أَوَدِ النظم " الذي كبّل عدداً من شعرائنا في نهاية القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين. لذلك اهتمت القصيدة باللغة فأعطتها مكانةً بارزة في فنية العمل الأدبي، وتحقيق قيمه الجمالية.

إن الألفاظ هي عدّة الشاعر، كما هي عدّة الأديب، ووسيلته لإدراك القيم الشعورية، ونقل التجربة الإنسانية. تتكثّف فيها دلالات ثلاث، تكمن في اللفظ نفسه. هي :

- الدلالة اللغـوية .

- الدلالة الإيقاعية .

- الدلالة التصويرية .

وإن المفردة إلى جانب المفردة تؤلف العبارة، والعبارة التي ترد في مكانها الصحيح، وبمدلولها الصحيح تسحب الطفل بهدوءٍ. تجذبه، وتنقله إلى عالمٍ جديدٍ، قد يكون ضفة نهرٍ، أو شاطئ بحرٍ، أو حقل كرزٍ أو زيتونٍ، أو ترميه وسط غابةٍ، أو قرب عشّ عصافير، وقد تصطاد له القمر وتنصب عليه أرجوحته، وتُسمعه الأغاني، وهمسات النجوم، وقد تُريه تَساقطَ الثلج والمطر... والشاعرُ الحقّ، هو الذي يجيد جذب هذا الطفل إلى هذه الممالك السحرية بلغته السليمة، وأسلوبه الشاعري الشفاف.

 

الإشــــارات:

1-إن من الطريف أن نشير هنا إلى أن ابن هشام لدى بحثه في لفظ (غير) في كتـــاب " مغني اللبيب " قد أشار إلى أن هذا اللفظ لا يجوز أن يُسبق بـ (لا) فلا يصحّ القـول (لا غير) والفصيح (ليس غير) ومع ذلك فقد وقع النحوي نفسه في هذا الغلط. وفي المغني نفسه ورد تركيب (لا غير) على الرغم من ابن هشام، بعد صفحات من القاعدة.

2-أحمد نجيب. فن الكتابة للأطفال. بحث اللغة في أدب الأطفال. دار الكاتب العربي. القاهرة 1969 وتجدر الإشارة إلى أن هذه الإحصائية لم تجر في البد العربية. لذلك لا يمكن الاطمئنان إليها. نظراً للتباين الكبير بين خصوصية اللغة العربية، واللغات الأجنبية.

3-يذكر جمال أبو رية في كتاب ثقافة الطفل العربي. أن هناك ثلاثة معاجم لغوية للأطفال، هي :

1 – قاموس لغة التعامل لحديث .

2 – قاموس القراءة والكتابة .

3 – القاموس الفهمي .

وتجدر الإشارة إلى أن الأديب يوسف الشريف ، قد أصدر في ليبيا  "المعجـــم الميسّر للأطفال " عن المركز العالمي لدراسات وأبحاث  الكتــاب الأخضر . عام 1369

4-في الدراسات التي أجراها عددٌ من البـاحثين في مصر، ثبت أن القصص الأشدّ تواتراً بين الأطفال هي التي لا تقع في نطاق المعجم اللغوي للأطفال فحسب، بل في نطـاق الألف الأولى الشائعـة منه أيضاً. أما من حيث الجمل، فقد كانت من النوع البسيــط غيرِ المعقد، أو المركّب، وكان عددُ كلماتها يترواح بين (4) إلى (12) كلمـــة. أي بمتوسطٍ عامٍّ قدره (8) كلمات في الجملـــة الواحدة، وقد أتاحت هذه الخصائص اللغوية لهذه القصص انتشاراً واسعـــاً بين التلاميذ فيما بين سنّ الثامنة والثانية عشرة ". ... نقلاً عن : قصص الأطفال. شجاع العاني. مجلة الأقلام. بغداد. العدد 3 لعام  1979 .

5-ديوان ما زالوا الواحة. ص 28 منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1985.

6-ما زالوا الواحة. ص 137 .

7-مصباح علاء الدين. ص 6 كتاب أسامة الشهري. دمشق 1986 .

8-هنادي تغني. ص 19 .

9-سورة الحج. الآية : / 20 / .

10-مجلة أسامة. العدد 18 .

11-الأغاني. ص 78 .

12-مجلــة الموقف الأدبي. ص 98 وما بعد. العدد 208 – 209 – ا10 تشرين الأول   1998 .2

 

 

الفصل الثاني: الخيال

 

 مدخل:

في البداية، لا بدّ من التمييز بين أمرين هامّين، لدى دراسة الخيال:

الأول : أنه قد وُجدت دراساتٌ اعتمدت على التحليل النفسي، وأُسسِ التربية، ورأت في الخيال قدْرةً تستطيع استحضار صورٍ، لم يسبق إدراكها بالحواس، مع أنها ترتبط بها، وبمركز الإدراك والتذكّر، الذي يقوم بدورٍ هامّ في عملية التفكير. يتوقّف على مرحلــة نمو الطفلِ أو الراشدِ، وهذا الأمر يدخل نطاق البحثِ التربوي والنفسي، ولا علاقة لنا به، في هذا المقام .

الثاني : أن الخيال الأدبي بصفة عامّةٍ، والشعري على وجه الخصوص، هو الذي يبدع الصور الذهنية التي تقود إلى الفهم و الاستيعاب، و تهيّئ لصاحبها أن يبصر، وأن يسمع ويتذوّق، ويشمّ، ويلمس بعقله، مالا يستطيع الإحساس به عن طريق حواسه مباشرةً، لذا كان الخيال، وسيلة لاكتساب الثقافة، و أسلوباً لتجسيد عناصرها الفنية " فالوقائع و الأحداث، والأفكار والمفاهيم، هي في حدّ ذاتها جامدة، لكنّ الخيال يبعث فيها الحياة، و يمنحها أبعاداً، و يصوغها في هياكل ،و يُلبسها أرديةً قشيبةً، ويُظهرها بالشكل الجديد" (1) و هذا هو مجال هذه الدراسة.

لقد عُدّ الخيالُ المـتغلغل في العمل الأدبي، عنصراً، ومعياراً تقاس به جـودة النصّ، لأن الشعر لا بدّ له " من قدْرٍ من الخيال، يتفق و مستوى النمو الخيالي للأطفال، و يزيد في الوقت نفسه من مستوى ذلك النمو " .وإلى جانب هذه الوظائف، فإن الإيقاعَ و الحركةَ السريعةَ، واللونَ، والصوتَ ،كل ذلك من شأنه أن يغنيَ المضمون، و يعملَ على تألّق الصور التي تجذب الأطفال إلى النصّ الشعري، و قد أثبتت الدراسات، أن الأطفال، يُقبلون على الصور الخيالية أكثر من  إقبالهم على الصور الواقعية .

لماذا الخيال ؟

لقد أَشبعتِ الدراساتُ القديمـة والحديثة، المجازَ (2) بحثاً، ومع ذلك فإن الدارس لا بدّ لـه من أن يخوض غماره في كل مرةٍ يتصدّى فيها للصور الخيالية، ففي الشعر عامّةً، وفي شعر الأطفال بصورةٍ خاصة، نُلحّ على الصورة بغية التعبير عن معنى الشيء بعفويةٍ وبساطةٍ، تُصبح التجربة الشعريةُ بمقتضاها أكثر حيويةً وحِدّةً، غير أن استخدام الصور المجازية، لا يُقصد منه مجرّد استعادة البهاء الحسّي للأشياء فحسب، وإنما بعث الحياة فيها عن طريق ربطها بعواطفنا وآمالنا ورغباتنا، كقولنا :

- هذه الوردات كخدود الأطفال.

ومثلُ هذه الصورة نجدها في قصيدة " الفتاة والنحلة " (3) : حين تتساءل الطفلة عن سرّ تنقّل النحلة :

ما السرُّ هيّا أفصحي

عن لهــوِك المفرّحِ

من وردةٍ مجـرّحـهْ

لـوردةٍ لم تُجرحِ ؟!

وصورة (الوردة المجرّحة) تحمل شيئاً من البعد الإنساني، حين ربطت الوردة بالعاطفة  الإنسانية، وعلى العكس من ذلك، فقد ترتدّ الحياة إلى عاطفةٍ ما، بإلباسها صوراً حسيةً، كقولنا :

- الطفلةُ وردةٌ بيضاء .

ومنه قول "سليمان العيسى " في " أنشودة عبير" : (4) :

عبير تحبّ الأغاني الجميلة

تزقزق عصفورةً في خميلة

وَتحَوُّلُ عبيرٍ إلى عصفورةٍ تزقزق، هو ما قصدنا به ارتداد الحياة إلى عاطفةٍ إنسانية بإلباسها صوراً حسّية.

إن الصور قد تحمل في طياتها شيئاً من تمرّد الشاعر على الانطباعات الراكدة، وهذا التمرّد هو الذي يجعل القمر في الشعر، كرغيف الخبز بالنسبة للطفل الجائع، بعد أن كان لدى الشاعرِ نفسِه الشاهدَ الليلي على جمال الحياة، حين يسمعُ الوعودَ التي قطعتها الحبيبة، ويتحوّل الشاعر – في المجاز والحقيقة - عند كتابة قصائد الطفولة إلى طفلٍ يحبُّ اللونَ والشكل والبراءة، فيخلّدُ الوردةَ،  والفراشة، ويزرع الأملَ والابتسامة مع يقينه بأنه راشدٌ، ينطوي في دخيلة نفسه على مشاعر  مهذّبةٍ، وأحوالٍ نفسيةٍ متشابكةٍ معقّدة، قد لا يكون في طفولته قد عَرَفَ مثلها.

 

إن( الواقعية الفنية )، تصوّر الأشياء التي تقع تحت العين مباشرةً، فتُمكّن الصغيرَ من مشاهـدتها كما هي في الحقيقة، فالثعلب، والهرّة والنهر والوردة والفتاة والفراشة والغيمة، كلُّها من المحسوسات العادية، مع أنها في معظم الأحيان تعني الإثارة. أما تَدَخُّلُ الخيال في الفن الشعري، فإنه يعبّر عن الرغبات الكامنة لدى الأطفال في مشاركة الآخرين، والتحرّر من الجاذبية، وتحويلِ العالم إلى عوالم تحلو لهم. للتعبير عن أحلام الإنسانية الكبرى، وذلك بتداخل الحلم  والواقع، ليخرج بعد ذلك في زيٍّ جديدٍ. ليس حلماً، وليس واقعاً.

و يُراعي الشعرُ الطفليّ، القدرات العامةَ لجمهوره، حين يحاول الوقوفَ على مراحل النمو الخمس، لأن لكل مرحلةٍ منها خيالَها المتمثّلَ في النقاط الآتية:

1 - بعث الحياة في كل الموجودات المحيطة بالطفل.

2 - الاتحاد مع البيئة المحيطة به.

3 - امتزاج الواقع بالخيال، و إمكان تحوّل الأشياء عن طبيعتها.

4 - استحضار الزمان و المكان الأسطوريين.

و إذا كان الطفل يحلم بالطيران، ليس في طائرةٍ أو مركبةٍ فضائيةٍ، و إنما كعصفورٍ، فإن ذلك يكون بدافع النشوة التي يولِّدها الشعور بالخفّة من جهة، ولأنه بهــذا الحلم يتجاوزُ الواقعي المألوف، و يدخلُ عالم الإثارة. من جهة ثانية .

و لكن ما يُستحب مراعاته هنا، هو أن الإفـراطَ في الخيال، و الاعتمادَ عليه كليّاً، أمرٌ له محاذيرُه، لأن الطفلَ، كما يجنح للخيال و الحلم، فإنه يميل إلى الصور المباشرة و الواقعية، التي تُدرَك بالحواس، و أن المظاهر الحسيةَ للصورة المباشرة " تُرضي الأطفال َ، لأنها تعكس الطريقة التي يكتشفون بها عالمهم " أي أن إدراكهم العالمَ يستند إلى البصر، و من ثم يستجيبون بقوةٍ للشعر الملوَّن المكوِّن للصور البشرية التي تخلق لديهم استجاباتٍ ذهنيــةً، تجعلهم يشاركون الشاعر حالاته الوجدانية، و يتذوّقون مواقعَ الجمال في القصيدة، و لهذا السبب كان الإغراب في الصورة مرفوضاً في شعر الأطفال، لأنه يُجهد المخيّلة، و يتعبها، من دون أن يصل بها إلى مُراد الشاعر. (5)

لقد أكدّ كثيرٌ من نقّاد أدب الأطفال هذه النظرة، فقد رأى " عبدالله أبو هيف " في بحث ثنائية اللغة و الخيال في كتابه (أدب الأطفال. نظرياً و تطبيقياً) أن في هذه الثنائية، تتجلّى أصعبُ مشكلات أدب الأطفال، و أكثرُها تعقيداً، نظراً لتلاقي " معضلة التربية في الفن على نحوٍ صارخٍ، عندما يرتهن الإبداع باستطاعة الطفل على الاستجابة مشاركاً أو متلقّياً، محاطاً بعالمه، أو موغلاً في تجاربه الغضّة " ثم يطرح عدداً من الأسئلة التي تثيرها المسألة، للتخفيف من شكل الخيال المعقّد، مقرّراً أن حدودَ الخيال هي التي تتطلّب الإجابة، والأسئلةُ لا تنتهي، لكنّ هذه الأسئلةَ المطروحةَ، قد تمسّ القصّة أكثر مما تمسّ الشعر، ثم يخرج بخمس إجاباتٍ، ما يهمنا منها هنا، هو أن الخيــالَ في أدب الأطفال ضروريٌ، و له دوره الحيوي.

 

الخيال شعرياً:

إن إحساس الشاعر بالحياة، ليس كإحساس الآخرين، لأنه إحساس متميّزٌ يجعله يعبّر عما يحسّ به، تعبيراً أسمى من تعبيرات الآخرين، مُظهراً فيه خلجات نفسه، و تأثّراتها التي تشفّ عن نظرته للحياة، وهو إذ يجسّد ذلك في حلّةٍ قشيبةٍ من الألفاظ، وبريقٍ وهّاج من الأسلوب، يُعِدّ نفسه لأداء وظيفته السامية كشاعرٍ يدخل نطاق العصر.

ولكننا – في النقد – نطالبه بأكثر من هذا الإحساس السطحي، الذي يرتقي بالعين والأذن عن الإدراك الواقعي الجميل، إلى عالمٍ أجملَ، و لا نقبل منه أن يقول (إن الوردَ جميلٌ، و العصفور يحبُّ الحريةَ، و النهرَ يسقي الجمالَ، والغيومَ حُبلى بالمطر) و إنما نودّ إن نقرأ أثرَ الجمال الذي يثيرُه منظرُ الوردةَ في نفسه، و نلمس قيمةَ الحرية ِ، والظلالَ التي يوفّرها المطر، وفي مرحلةٍ عُليا نريد أن ينقل إلينا ما وراء المادّيـات و المحسوسات، مما يفيض بـه الكـون، وتوحيه تجارب الحياة، و يقف أمام السرَّ الإلهيَّ في وجود العصفور و الوردة و الغيمة بمنطقٍ طفلي. . كي يقف الطفل إزاء (القصيدة - اللوحة) التي رسمها الشاعر، ليرى فيها نفسه، و عالمه  و مستقبله. ففي قول الشاعر سليمان العيسى :

أرسمُ بابـا                أرسم ماما      بالألوان

أرسم علمي        فوق القمم      أنا فناّن

أنا صيّاد اللون السـاحر

أرض بلادي كنـز مناظر

نجد الطفل يقف تجاه لوحةٍ مرسومةٍ بظلالِ الروح، يسُهلُ عليه تلمّسُ ظلالها و إيحاءاتها على مرآة نفسه، لأنها أكثر من كلماتٍ سهلةٍ مأنوسةٍ، مرصوفةٍ إلى جانب بعضها بإيقاع موسيقيٍ عذبٍ، إنها العالمُ المخمليُّ الجميلُ الذي يرتقي بالخيال، و يُحَفّزُه للتسامي، و ليس أجملَ من أن ينتقل الطفل بخياله من واقعٍ مألوفٍ، إلى عالمٍ موّارٍ بالحيوية و الحركة، و يتخيّل نفسه صياداً ماهراً يصطاد بفنه التشكيلةَ الرائعة، التي تتكوّن من امتزاج الألوان الساحرة، فوق ثرى وطنــه، الموشّى بجمالِ المناظرِ... و حسبُ الطفل أن يتصّور أن هذا الوطن (كنـزٌ) يختزن الصورَ الجميلَة، وهو وطنُه الذي يملكه، و كنـزُه الذي يدّخر فيه ثروته، وما أشدَّ إثارة هذا اللفظ (الكنـز) وقد ارتبط في الموروث الشعبي، والأسطوري، بالثروة، والخصب والرخاء، إضافة إلى أنه يدخل العوالم السحرية العذبة.

لقد تحوّل الطفل في هذه اللوحة إلى رسّامٍ فنّان، انتقل فيها من متلّقٍ مسحورٍ، إلى عالمٍ جديدٍ مغاير لما تعارف عليه في الواقع المحسوس، ليعيش حالةً وجدانية فريدةً، وكأن الشاعر في هذه  الصورة قد رشقَ رشقةَ عطـرٍ، فانتثرت في الهـواء، ليعبق بها المكان، وتشنّف الأنوف والأذواق بها .

لونٌ آخر من الخيال:

إن أهمّ صفةٍ يتصف بها الخيال الطفلي هي (الوضوح) ولا يخالف أحدٌ الرأيَ القائل : إن المغالاة في الخيال غيرُ مقبولةٍ في الشعر، وإن الخيال المطلق غيرَ المحدود مناقضٌ للحقيقة، وكلما اشتطّ الخيال عن مدارك الطفولة، دخل متاهةً غيرَ مستحبةٍ، ولهذا السبب تبدو مقولة (أعذب الشعر أكذبه) غير مقبولةٍ – هنا - أيضاً، لأن الشاعرَ قبل كل شيء - هو - مُرَبٍ ومعلمٍ وكاشفٌ، ومبصّرٌ لشريحةٍ لا تزال أدواتها العضويةُ في طور التشكّل والنماء.

إن الخيال صلةٌ بين مدارك الطفل، والحقيقةِ المخفيّةِ التي تدقّ على الفهم، فينبعث الخيالُ الشعري ليعمل على تقريب هذه الحقيقة، وتهذيبها، كما أنه صلةٌ بين الصغير، وآماله البعيدة التي لا يحقّقها الواقع، فيبعث إليها بشِباك خياله ليصطادها ويقرّبها إليه، ومعنى ذلك أن مهمّة الخيال ليست في الابتعاد عن الحقيقة التي يُطلب أن يربط بينها وبين الفكر. نجد مصداق ذلك في قصيدة "ريم " للشاعر " سليمان العيسى " (6) ونتلمّسْ مدى سمو الخيال، وواقع الحقيقة التي يضعها الشاعر في متناول الأطفال :

ريم  ريم  مرّ  نسيم

في بستــان اللـوز

قالت زهــرة لـوز

اسم الزهر قديـم  سميناها ريم

ريم  ريم

إذا قرأنا هذه القصيدة الكاملة بعيون طفلٍ، ومدارك طفلٍ. تلفّنا حالةٌ عامةٌ تنقلنا إلى عالم واسعٍ من الطبيعة، فالشاعر عندما يقول إن الطفلةَ الصغيرةَ " ريم " حلوةٌ، فإن هذه حقيقةٌ، ولكي ينقل هذه الحقيقةَ إلى عقول الأطفال، يستعين بالخيال ليكون صلة الوصل بين الحقيقة والعقل، والخيالُ هنا يمنح الحقيقة صوراً يوشّيها اللون، ويختارها من الطبيعة والواقع المحسوس، وليس من عالم بعيدٍ عن منظور الطفل، ويستدعي من أجل ذلك النسيم والبستان وزهرَ اللوز، والأطفال الذين يلعبون تحت الأشجار فيتساقط الزهرُ على وجوههم وعيونهم، والوردَ واللحنَ، وغناءَ ريم الحلو الذي يشبه حلاوة صباح العيد، كما يستدعي من أجل ذلك حبّةَ الكرز، ولونها الشهيَّ... .

إن جميع هذه الألفاظ والتعبيرات مأخوذ من واقع الطفل، وقد لعب الخيال الواقعي أيضاً دوراً كبيراً في نقلها إلى المدارك العقلية. كما في قوله :

ريم الحلوة                 يا منثورة

حملتها يوماً               عصفورة

وهذا خيالٌ مجنحٌ عذبٌ، لم يبتعد عن واقع الطفل، وما أجمل أن تتحوّل الطفلةُ " ريم" إلى زهرة منثور، يحملها عصفورٌ بمنقاره أو على جناحيه، ليزرعها في الدار التي وُلدت ونشأت فيها .

إن الشعر يُكتب بالصور الملوّنة، والصورُ هي التي ساعدت على تخليد القصائد التي تتوارثها الأجيال، ولو تجرّد الشعر من الصور، لغدا نظماً غير مستحبٍ، وقد فطن عدد من شعراء الأطفال في سورية إلى هذه الناحية، فمدّتهم تجربتهم السابقة مع الراشدين، بالذخيرة التي لوّنت القصائد بالصور، فكثرت القصائد المتزيّنة بالخيال، المحلاة بالصور، قد وعى بعض الشعراء وظيفة الصورة، في تأدية بعض أهداف القصيدة التي ترتقي بالـذوق، وتنمّي المخيّلة، وتقرّب المفاهيم المجرّدة، وتعمل على تبسيطها، وربطها بالمحسوس، والارتقاء بالصورة إلى أبعد مدى، بغية التأثير، كما سيتضح في دراسة النماذج التطبيقية للصورة .

الإغرابُ والتنافرُ في الخيال:

يدرك الشاعر من العلاقات بين التصوّرات والأحاسيس، ما لا يدركه الإنسان العادي. ومن مهمات الخيال كما ذكرنا، تقريب ما بين تطلّعات الطفل، و المثل الأعلى، وهذا يفسحّ المجال للشاعر كي يعبّر عن اتّقاد عواطفه، لكنّ هذا الاتّقاد، قد ينأى به عن الحقيقة والغرض، فتأتي صورُه على شيءٍ من الغرابةِ، وعـدم الدقـةِ، كما في قول " موفق نادر " (7) في مطلّع قصيدة (رسالة الشتاء) :

يجيئـــنا الشـتاء

محمّـلاً سلّته بالمـاء

فيغسل الوجوه بالنقاء

إن صفة (الأنسنة) التي أضفاها الشاعر على الشتاء يتقبّلها خيال الطفل، حين يتصوّر الشتاء رجلاً طاعناً في السنّ، قادماً يحمل سلّته، لكن الشيء الذي قد لا يقبله أن يحمل هذا الشيخ بيده سلّته الممتلئة بالماء، إذ قد لا يمكن لعقل الصغير أن يتصوّر، أن للسلّة غير المتلاحمة السبك والنسيج إمكانية الاحتفاظ بالماء داخلها، وإذا كان الشاعر يصور الغيمة الواعدة بالمطر، بالسلّة الممتلئة بالماء، فهذه أيضاً صورةٌ غيرُ قريبةٍ من العقل الذي رسم لها شكلاً بيضوياً أو كروياً متطاولاً، فارغ الجوف، يمتلئ بالثمار أو بأشياء مما يستخدمه الطفل في الحياة اليومية، بينما الغيمة في المدرك الحسّي  مسطّحة ومنبسطةٌ، وإنْ كانت تتألّف من طياتٍ فوق بعضها.

وأقلُّ من ذلك بُعداً عن الخيال المطلوب، قول " بيان صفدي " في مطلع قصيدة (السيّد  الشتاء) (8) :

وكان يمشي في السماء

السيّد الشتــــاء

يحمل في طريقه  زوّادةً

والثلج في عبَّيــــه

والماء في جَيـْبـَــيه

وكانت السعادة الجميلة

تحملها عكّازُه الطويلـة

إن الطفل يتقبّل أن يتحوّل الشتاء إلى إنسان – كما قلنا – وأن يمشي في السماء متوكئاً على عكازته، حاملاً الزوادة المؤلفة من الماء والسعادة، وهو يُـخبِّئ في عُبَّيـه و كُمَّيه الثلجَ... إن كل ذلك مقبولٌ، يمكن إدراكه عقلياً، وتصوّره خيالياً. لكنْ كيف يمكن لعقل الصغير أن يقبل هذا الرجل / الشتاء  وهو متمثّلٌ في صورة شيخٍ طاعن في السنّ، أن يأتي وقد ملأ جيبيه بالماء ؟ والمعهودُ أن الجيب من القمـاش، وجيبُ الكبير للنقود، وجيبُ الصغيرِ، للسكاكر والمنديل والنقود. فكيف له أن يحتفظ بالماء من دون أن يتسرّب منه؟!.

ومثل هذه الصورة قول " سليمان العيسى " في الطفلة الجزائرية " سلمى":

وفي جيبي نشيدٌ ساحرٌ

لفراشــــة الدار

والمرتبط بوعي الطفل أن الزائر قد يأتي بهديةٍ تُفْرحُ الطفلةَ بما يمتلئ به جيبه من سكاكر، وحقيبته من ألعاب وكتبٍ، ولكنْ أن يمتلئ الجيب بالشعر، فهذا فيه مخالفةٌ للمنظور الطفلي، وأجمل منه لو كان الصدر هو الذي يختزن الأشعار بدل الجيب .

ومن الصعوبة فهم الصورة في قول الشاعر " سليمان العيسى " في قصيدة (إلى صديقي تيم على شاطئ اللاذقية) (9) :

صديقي تيم. . جاء الصيف من بوابة البحرِ

وهدّدنا بما في (جيبه المثقوب) من حرِّ. . .

وقد اعترف الشاعر بصعوبة مثل هذه الصورة قائلاً (10) : " ربما تعمّدتُ الرمز والصعوبةَ في الألفاظ، والغرابة في بعض الصور. ربما كانت العبارات فوق سنّ الطفل " لكن الشاعر علّل ذلك بإيمانه بقدرة الطفل على الالتقاط، وبأنه سيفهم هذا الذي يحفظه، عندما يكبر .

إن الخيال قد يقود الشاعرَ إلى ابتداع صورٍ قد لا يحالفـها الحظّ في تأدية الغرض الفني، لعدم دقّتها ،عندما لا يكون بينها وبين ما يرغب في تصويره أيّ صلة أو علاقة، إلاّ ما تراه العين من اللون أو الحجم أو الاستدارة، أو ما تسمعه الأذن من النغم واللحن، أما جوهر الشيء الذي يربط بين الحقيقة والخيال، فقد يكون مفقوداً، كقول الشـاعر " صـالح هواري " في قصيدتــه " نحن أقسمنا " (11) :

هذه الأشجــار أمٍّ

حبّــها ينبت فيـنا

يوم يدعونا هواهــ

نفتديها  تفتـدينــا

نقطف الشمس سنابل

ونغنّي ونناضـــل

كل خيطٍ من دمـانا

هو نور ومشاعــل

إننا بمنطق الطفل نتقبّل أن تكون – في الخيال – الأشجارُ أمّاً يتغلغل حبُّها في نفوسنا، وأن نسمع لها صوتاً يدعونا للجهاد، وأن تكون الدماء المتفجّرة من الأجسام المناضلة نوراً ومشاعلَ ، ولكن ماذا نقول للطفل حين نقدّم إليه صورة: (نقطف الشمس) ؟.. .. وما وجه الشبه بين قطاف الشمس، وحصاد السنابل ؟! هل لأن أشعة الشمسِ الذهبية تشبهُ من حيث (اللون) السنابلَ المصفرّة التي حان وقت حصادها ؟! وإذا كان بمقدورنا قطاف السنابل – وهذا خطأ لأن القطاف يكون للثمر باليد كالزيتون والتفاح والعنب، والسنابلُ تجنى وتُحصد بالمناجل أو بالآلات الزراعية الحديثة – وإذا كان بمقدورنا قطاف السنابل، فكيف يتسنّى لنا قطاف الشمس ؟!. . .

إنها أسئلةٌ محيّرة عن صـورةٍ غير معقولة للصغار، فيها من الغرابة ما يخرجها من حيّز الخيال الطفلي، وتدفعنا للتساؤل من جديدٍ :

-هل المشاعر الطفليةُ تقبلُ كل ما نقدّمه إليها من صور ؟.

-و هل لشاعر الأطفال الحقّ في أن يتصوّر كما يحلو له ؟ .

-و هل هناك حدود يجب مراعاتها و الالتزام بها في الصور الخيالية ؟؟.

لقد رأى أحـد شعـراء الأطفـال (12) في بعض الصـور التي يشكّـلها " سليمان العيسى " - وغبره - ابتعاداً عن الأصول المنطقية الطفلية، و لكنّ ذلك على الرغم من صحته، لا يجيز لنا التعميم. كما سيتبيّن بعد قليل عند دراسة الصورة الشعرية .

 

تناسق الخيال:

لا يمكن للخيال الطبيعي في شعر الأطفال أن ينأى عن الحقيقة، لأن من أولى سمات أدب الأطفال الوضوح، كما أن من وظائف الخيال طرح فكرة أو تبسيط معلومة، أو التحبيب بقيمة. لذا كان حريّاً بهذا الخيال أن يأخذ بمدارك الطفل، و يتسامى بأفكاره، عن طريق عرض الصور المتتابعة، بحيث تكمّل هذه الصور بعضَها بانتظام و تناسق، ليكون الأثر الذي تتركه الصور في النفس متلائماً لا تعارض فيه و لا تنـافر، و هنا يمكن أن نصل إلى نقطة هامة عرفتها القصيدة الحديثة، فيما يُطلق عليه (وحدة القصيدة العضوية) و ضرورة الوصول إليها، وعـدم الالتفات إلى (وحدة البيت) أو (وحدة الشطر) .

و تحقيق وحدة القصيدة العضوية، يتفق و طبيعة الشيء الجمالية التي لا تقبل التجزئة باعتبار الجمال لا يكون إلاّ في تناسقِ الأعضاء أو الأجزاء، و كلّ جمالٍ في شيءٍ منظورٍ، ينتج عن هذا التناسق. 

لقد أدرك الشاعر " سليمان العيسى " هذه النظرة، فعمل على تمثّلها، وهو في الغالب، و مهما اشتطّ به الخيال لا يبتعد كثيراً عن الحقيقة، ومهما تعددت الصور فإنها تخدم الهدف الأصلي الذي كُتبت القصيدة من أجله، كما في قصيدة (شبّابة سعد) (13) من ديوان " أناشيد للصغار " :

شبّابة سعـــد فتّانة

من صنع يديـه الشبّابة

لو تسمع فيهـا ألحانـه

يترقرق دنيا خلاّبــة

شبابة سعـد جنيّــة

تتلاعب بالنغم الرائـع

سمّــاها لحن الحريّـة

وسيهدي اللحن إلى رافع

التناسق واضحٌ في القصيدة، التي تتألفّ من ثمانية أبياتٍ متناسقةٍ، كل بيتٍ فيها مؤلفٌ من شطرين متساويين بتفعيلات المتدارك الذي أصابه (الخبن) (فعلن فعلن) و تتجلّى فيها وحدة الموضوع (شبّابة سعد) و ما تستدعيه الشبّابة و الطفولة من قرائن، كالألحان والغناء و التغريد، وجمال الطبيعة والطيور. . .

كما يبدو التناسق جلياً في صور القصيدة، إذ احتوت ثلاث صورٍ واضحةٍ، قريبةٍ جداً من عالم الطفل، ومقبولة لديه، و هذه الصور :

1 - صورةُ خياليةٌ محسوسةٌ بالأذن، تُشَبِّهُ الألحان بالدنيا الجميلة، والألحانُ سمعيةٌ استدعت الدنيا الجميلة، لتشارك في المحسوس حاسَةَ البصر.

قد تسمع فيها ألحانه

تترقرق دنيا خلابّـه

2 – صورة خيالية محسوسة بالعين، تُشبِّهُ " سعداً " الذي انتشى بالألحان، بالعصفور النشوان، أو هي حالةٌ تتلبّس " سعداً " حين يسمع لحن الشبّابة العذب:

ينسى فيها تعبــه

يغدو عصفوراً نشواناً

3 – صورةٌ خياليةٌ مركّبةٌ تشارك فيها حاستا السمع والبصر، تُشبِّهُ الدنيا بآلة موسيقية، وهذه الآلة أضفى عليها الشاعر صفة (الأنسنة) فصار لها شفاهٌ عربية تنبض :

فكأن الدنيا قيثـارة

نبضت بشفاه عربية

ولا يخفى على القارئ أن الشاعر متمكّن من فنه، ومستلزماته التعبيرية والجمالية، فجاءت الصورُ الثلاثُ متناسقةً، يكمّلُ بعضُها بعضاً، لتؤلّف وحدة القصيدة العضوية، استطاع الشاعر أن يكشف لنا - فيها - عن الأحاسيس التي نلقى مثلها عند طفلٍ لا يزال يحتفظ ببراءة بصره، وبراءة  سمعه، وبراءة نفسه.

 

شهادات:

إن الصور قوامُ القصيدة، ولكن الاعتماد عليها اعتماداً كلياً بمنأى عن الألفاظ والموسيقا، غيرُ كافٍ للطفل. إذا لا بدّ من الواقع و الحقيقة - في صورة من الصور - ومعروفٌ أن الخيال تعبيرٌ عن الرغبات، وقد وجدنا في الشعر الحديث صوراً انقلبت رأساً على عقب في مفاهيم بعض النقّاد والشعراء، الذين رأوا بأعينهم النقلات الحضارية الكبرى، التي طرأت على الحياة العربية، الاجتماعية والثقافية والعلمية، حتى أمكن القول إن ما كان سائداً من مفاهيم ونظرات قبل عصر الكهرباءِ، اختلف عما ساد بعدها " ولو أن أجدادنا كانوا على قيدِ الحياة، لنظروا إلى التلفزيون، وسفن الفضاء، وعمليات زرع القلب، على أنها أمورٌ سحريةٌ خارقةٌ " (14) ولكن ربما استطاع الخيالُ بصوره التي لا تعرف التوقّـف، في المستقبل، أن يحوّل الرؤى الطبيعية إلى موضوعاتٍ، تتطلّبها طبيعة العصر، ومعطياته العلمية، فيسوّغها شعراً خيالياً حسياً، يثير مشاعر الأطفال، فيجعلون منه محطاتٍ يقبلون عليها، كما يقبلون على قصص الخيال العلمي.

 

وبغية إيجاد أسسٍ ومقوماتٍ للخيال في شعر الأطفال، لا بدّ من توفّر الدراسات الجادّة المطولة، مع النماذج التطبيقية، والوقوف على المدارك الحسّية العقلية، والمكتسبات الثقافية، لأطفال المراحل الخمس، حسب معطيات علم نفس الطفل والتربية، ومن ثم وضْع مثلِ هذه الأسس التي تحدّد لكل مرحلةٍ المدى الذي يمكن أن يتحرّك الخيال من خلاله، والآفاقَ التي يبدأ قبلها، وينتهي عندها، لتبدأ خيالات المرحلة التي تليها، حتى لا يضيع الشاعر في هذه المتاهة الفنيّة التي اختلف الشعراء أنفسهم في حدودها ومداها، فأباحوا لأنفسهم – في كثير من الأحيان – التجـاوز.

يقول "سليمان العيسى" :

" الصورة الشعرية الجميلة التي تبقى مع الأطفال طوال حياتهم، مرةً استمدُّها من واقع الأطفال وحياتهم اليومية، ومرةً استمدّها من أحلامهم وأمانيهم البعيدة، وما أخصب أحلامَ الأطفال، وما أوسع أمانيهم وأبعدها... "

وإذا كان " سليمان العيسى " قد سمح لخياله أن يتردّد ما بين الواقع والحلم، فإن الشاعر " صالح هواري " أيضاً لا يبتعد كثيراً عن هذه الرؤية، فيقول (16) : " حاولتُ جهدي أن تكون الصورة الفنية عن المعنى، قريبة التناول، بعيدةً عن الوهـم، ذلك ليستطيع الطفلُ أن يعانقها بمدركاته الحسّية، دون أن يبذل جهداً يعطّل عنده لذةَ الكشف والمتعة. ففي قصيدة (الشتاء) وردت الصور الجميلة البعيدة عن الجموح الخيالي الذي يعيق عملية الفهم لدى الأطفال، ومن بين هذه الصور ما ورد في مطلع القصيدة. أقول :

ما أكرم الشتاء كنوزه الأمطـار

غيومـه تبكي  فتضحك الأزهار

فصورة (غيومه تبكي) صورةٌ جميلةٌ يتقبّلها الطفل. يدركهــا لأول وهلـةٍ، فإذا سألته : 

- هل تبكي الغيوم ؟ لأجابك : نعم.

- وكيف ؟.

  لأجابك :

- تبكي الغيوم بدموع المطر.

ومن هنا يكتسب الطفل صورةً يضيفها إلى مخزونه التعبيري، ليستخدمها في موضوعٍ إنشائي فيما بعد... "

" كذلك صورة (تضحك الأزهار) صورةٌ معبرةٌ عن حسّ الطفل بعفويةٍ، ويتمتّع بجمالها، ويجدها الصورة المقابلة للصورة السابقة. . "

ويعمّم الشاعر " شوقي بغدادي " فيقول: " والأهمّ من هذا، هو مراعاة جماليات الخيال الطفلي في اختيار زاوية المشهد أو الانطباع أو الفكرة بشكل يوقظ الدهشة البريئة. . " (17 )

 

رؤيـــة ختاميـة:

يتيح الخيال للأطفال أن يتصوّروا عوالم جديدة غير التي يحيونها، فيدركوا ما لا يمكن إدراكه عن طريق الحواس، ويجدوا فيه عاملاً للاستمتاع بالآداب عامة، والشعر خاصة. 

 

والشاعر يمارس تجربته الخيالية من خلال تركيب عناصر فكريةٍ في عنصر جديد غير موجود في الواقع، لذلك كان الخيال في اللغة واضحاً، عند استخدام التشبيه والاستعارة والمجاز، أو غيرها من فنون صناعة الكلام وصياغته " وقد قاد هذا إلى القول إن هناك خيالاً لفظياً، حين يعبّـر الفرد عن معانٍ لا يفصح عنها الكلام المألوف. والكلمة الواحدة يمكن وضعها في موقع، بحيث تؤدّي وظيفةً فنيةً، بينما يمكن أن تؤدّي في موقع آخر وظيفةً بعيدةً عن الفن.. وعلى هذا فإن الخيال في اللغة يُعدّ قوةً تتصرّف بالمعاني، وُتخرج منها صوراً مؤلفةً من عناصر صاغتها المخيّلة في كيان جديد. " (18)

أن الخيال عالمٌ فسيح ممتدّ الأرجاء، يمكن للشعراء أن يأتوا فيه كل يومٍ بجديدٍ، وما دمنا في أدب الأطفال العرب لا نزال نجرّبُ، ونفتقد المنهج الفني الواضح الذي يأخذ بأيدينا إلى الخطوات الأولية لفن الشعر، فإن الحاجة تبدو ملحّةً لأن تنهض لجنةٌ على مستوى الوطن العربي من المتخصصين تأخذ على عاتقها مهمة دراسة خصائص هذا الأدب، ووضع علاماتٍ وخطوطٍ - ولا أقول مقاييس  وضوابط - لا تعتمد على الدراسات النظرية، ولا تكتفي بتجارب الأمم الأخرى فحسب، وإنما يكون اعتمادها الأساس على العمل الميداني في رياض الأطفال والمدارس، وفي البيئات المختلفة، والوقوف على الاستعدادات العقلية ومتطلّباتها اللغوية والخيالية والغنائية، ومدى تقبّل كلِّ سنةٍ من سني الطفولة للقيم الجمالية والتعبيرية، ومن ثم وضع معاجم لمفرداتها وتراكيبها، وإيجاد حدودٍ لخيالاتها، وتصورات ما يمكن أن يُقدَّمَ إليها من موضوعات وأفكارٍ وأوزانٍ تراعي التدرّج  والارتقاء، من خلال رؤيةٍ واضحةٍ ومتكاملةٍ، تساعد أديب الأطفال على معرفة ماهيّة أدواته الفنية، وطبيعتها، وتحول بينه وبين الاعتماد على نظراته الذاتية، وتجاربه الشخصية التي قد تخطئ وقد تصيب.

 

الإشــارات :

1 - ثقافة الطفل. د. هادي نعمان الهيتي. ص 82 المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب . الكويت 1988.

2 – المجاز : هو الأداة الكبرى من أدوات التعبير الشعري، لأنه تشبيهاتٌ وأخيلةٌ، وصـورٌ  مستعارة، وإشارات ترمز إلى الحقيقة المجرّدة بالأشكال المحسوسة، وهذه هي (العبــارة  الشعرية) في جوهرها الأصيل .

3 – محمـد قـرانيـا. ديوان المجد لطفولة . ص 36. المطبعة العربية بحلب 1980

4 – سليمان العيسى. ديوان أناشيد للصغار. ص 35 اتحاد الكتاب العرب. دمشق

5 – بهذا الرأي أخذ أربعة نقادٍ اهتمّوا بأدب الأطفال. هم : علي الحديدي من مصر.

د.هادي نعمان الهيتي من العراق. عبد الله أبو هيف، وسمر روحي الفيصل من سورية. وقد أكّــد الأخير على ذلك في كتابه " ثقافة الطفل العربي ". ص 198 منشورات اتحاد  الكتاب العرب. دمشق 1987. كما أكّــد عبد الله أبوهيف في كتابه " أدب الأطفال  نظرياً وتطبيقياً ". ص 163 منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1983

6 – أناشيد للصغار. ص 27 .

7 – ديوان الغيمة تمرح. ص 91 منشورات وزارة الثقافة. دمشق 1984.

8 – ديوان الأغاني. ص 16 .

9 – أناشيد للصغار. ص 18 .

10 – مجلة الموقف الأدبي. آذار 1974 .

11 – ديوان هنادي تغني. ص 40 .

12 – شعر الأطفال ونماذج من سورية. بيان صفدي. مجلة الموقف الأدبي ص 97. دمشق  تشرين الأول 1988.

13 – أناشيد للصغار. ص 32 .

14 – د. سامية أحمد سعد. الطفل والخيال. مجلة الأقلام. ص 33 العدد 3 بغداد 1979

15 – مجلة الفيصل العدد 136 .

16 – شهادة : جماليات الخيال الطفلي.مجلة الموقف الأدبي ص 168تشرين الأول.دمشق1989

17 – المرجع السابق. ص 168 وما بعد .

18 – ثقافة الأطفال مرجع سابق. ص 83

 

 

الفصل الثالث: الصورة الشعرية

 

ضرورة الصورة الشعرية:

يحتضن الخيالُ الخصبُ الصورةَ المقروءة، والمتخيّلة، التي تجّسدها البنية التعبيرية للشاعر، عبر رمزية تحقّقها التشبيهات والاستعارات، في صورٍ مجازيةٍ، تعمل المخيّلة على عمارتها، ثم تُقدّمها للطفل في منظورٍ تربوي، تنتج عنه فوائد متعدّدة يمكن إيجازها في النقاط الآتية : (1)

1 - إن الصـورة التي يتلقّاها الطفل من التخييل المقروء، لا يشترط فيها أن تُطابق الصورةَ التي رسمتها مخيّلة الشـاعر، تبعاً لمقدرة المخيّلة، وهي تدفع الطفل للتعامل معها، وقد يدرك الطفلُ ذو المخيّلــة النشطة، الصورةَ الأصلية التي ابتدعها الكاتب، ويبني لنفسه صورةً  أخرى جديدة

2 - يعمل التخييل المقروء على تحريض خيـــال الطفل، وتنشيطه، مهما كانت مقدرته .

3 - قد لا يتصوّر خيالُ الطفل دائماً، الصورةَ المطابقة للصورة التي يتضمّنها التخييل الأدبي. . وثمة دلالات كثيرة تنمّ عن حرص الطفل، على امتلاك تصّوره الذاتي، للتحليق، وبنـاء تصوّرٍ ذاتي بعيدٍ عن الصور التي يطرحها التخييل الأدبي، وليس المهم بعـد ذلك - كما  يرى د. سمر روحي الفيصل – المدى الذي يبلغه التحليق. لأن حرية الخيـال، هي التي تبني شخصية مستقلةً، قادرةً على الإبداع .

4 - إيجاد علاقةٍ بين تصوّر الكاتب، وتصوّر الطفل المتلقّي، لأن الأديب يمتلك مخيّلةً تفعـل فعلها في أثناء الإبداع، فيرسم الصور بالكلمات، ويجمعها في سياق ماتعٍ، مقنع، مؤثّرٍ، ثم يأتي دور الطفل الذي يقرأ، ويتأثّر، و يبني انطلاقاً منه تصوّرَه الذاتي، وهذا يؤكـد  جدوى العلاقة بين الأديب والطفل، حيث تحلّق مخيّلة الصغير بحرية، و هـــــذا ما تتطلّبه التربية و الأدب معاً .

5 - لكن هذا الهدف التربوي / الأدبي يجب ألا يُنسيَ الأديبَ، أن أدب الأطفال مزيجٌ من الفن  والتربية، وتربيةُ خيال الطفل على حرية التحليق، لا بدّ أن يوظّف توظيفاً يقتضي ربـط الطفل بواقعه مهما حلّق فوق هذا الواقع، وابتعد عنه، ليبقى اجتماعياً مع فرديته.

ونظراً للتطوّر الذي قطعته الحداثة الشعرية، فإن الصورة تنوّعت بتنوّع تجارب الشعراء الثقافية، واختلفت باختلاف أمزجتهم الاجتماعية، لذلك وُجدت صورٌ تميلُ إلى الرمز والإيحاء، كما تميل إلى الصراحة و المباشرة، أو تُعرض عن التصريح، كما وُجدت صورٌ أخرى حَضَرَ فيها المشبّه، وغاب عنها وجه الشبه، فجاءت مرسلةً، وبليغة، ومؤكّدة، وكانت واضحةً، وغير واضحةٍ .

وربما تحرّرت الصور من عقال الأبعاد المكانية والزمانية، وتخلّت عن المنطق - في بعضٍ منها – لتغدوَ صورةً حلميةً، يتعذّر على الطفل التقاطها، أو معْرفةُ طبيعتها، أو إدراكُ كنهها.

وفي التفاتة فنية بارعة. اتّجه عدد من الشعراء " إلى التصوير باللون - فأخذوا - ينهلون من سحره، ويرسلون من جمالياته طاقاتٍ تعبيريةٍ، يعجز عنها التعبير التقريري المباشر، ولم تعد الألوان مجرّد رموزٍ للحالة النفسية التي تشكلّها الصورة الفنية في النصّ الشعري. بل صارت ركيزة هامةً من ركائز التعبير الفني والجمالي في الشعر، تنطرح في النص بتوظيف فنيّ رفيعٍ، يؤكّد تنامي الوعي الجمالي، وتطوّر الذائقة الشعرية ". (2) كما يتضح ذلك جلياً في بحث " التجسيد الفني. إيحاءات اللون "

واعتمد شعر الأطفال على الرمز في تكوين الصورة، التي ترمز – غالباً- للشرّ والظلم والغدر، الذي يتجسّد في العدو الصهيوني، كما ترمز للخير والحب، وما إلى ذلك من رموزٍ وطنيةٍ وقومية وتراثية، تمدّ الطفل بإيحاءاتٍ دلاليةٍ تعبّـر عن قداسة التضحية والبطولة. وتحبّب بالقيم الإنسانية .

ولكي نقف على أبعاد الصور التي تحقّق الأغراض الفنية في الأدب، والأهداف القيمية في التربية، سنعمد إلى التجوال عبر عالم الصورة الشعرية الواسع، والتي أشبعها النقاد بحثاً ودراسة في شعر الراشدين، لكنها لا تزال بكراً في قصائد الطفولة.

فما حال الصورة الشعرية التي نقدّمها للأطفال ؟؟.

لقد مرّ الباحث " فالح فلوح " مروراً سريعاً بالصورة الشعرية لدى الشاعر " سليمان العيسى " فوجد – وهو الخبير في التربية – صعوبةً في فهم الصور، والتراكيب، في أثناء تصديه لدراسة " القيم التربوية السائدة، وتقنيات العمل التربوي في أناشيد الأطفال لسليمـان العيسى " وأمام هذه الصعوبة، وجد نفسه مضطراً للسعي وراء الشاعر، للاستفسار منه شخصيــاً عن المراد من هذه الصور، وجلاء معاني التراكيب، فقال بالحرف الواحد : " تخلّصتُ من عدم الثقة التي يبديها بعض الباحثين حول موضوع تحليل الشعر، لوجود بعض صورٍ وتراكيبٍ فيه، يتعذّر تحديد المراد فيها، وذلك بالرجوع إلى الشاعر، واستشارته في تفسير بعض صوره وتعبيراته. . . ". (3)

ويعلّل الشاعر " سليمان العيسى" سبب وجود صورٍ غامضةٍ لديه في شعر الأطفال، بأنه قصد إلى ذلك عن عمد، بغية تقديم الصورة الغامضة إلى جانب الصورة الواضحة، ولإيجاد : " نظريـة تستلزم فناً حقيقياً، لا بدّ أن يكون فيه من التصوير و الخيال، ما يُحَسّ أكثر مما يُفَسر. و الواضح، لأن المعطيات التربوية تُلزم شاعر الأطفال أن يُفهمهم ما يريد. على أن هذا الغامض في شعـر الأطفال، يحب ألاّ يتعدّى الصور الفنية التربوية، التي لا تجور على فكرة النص العامة، و ستظلّ هذه الصورة الفنية التي تُحَس و لا تُشـرح، زاداً جماليـاً للصغار، يدركونها حين يكبرون، و ترقى آفاقُهم ." (4)

لقد اختلفت زوايا النظر إلى الصورة الشعرية، من مدرسةٍ نقديةٍ إلى أخرى، و من مذهبٍ فنيّ إلى مذهب. فأُفـردت دراسات و بحـوثٌ تنـاولت الصــورة الشعرية، و حدّدت لها سمات، و مفهومات كثيرة، كان من بينها :

1 - المفهوم التقليدي : القائم على البلاغة العربية، من تشبيهٍ و استعارةٍ، و مجازٍ، و ما يتبـع ذلك من زخارف لفظيةٍ و معنويةٍ معروفةٍ، تحتوي على اللغة بصورةِ آلية لتجسيد  المعطيات الحسيّة للأشياء، و تبحث عما يحكمها من علاقات.

2 - المفهوم الحديث : الذي يعبّر عن الصورة بوصْفها (رمزاً) يبتعد عن التعريفات البلاغيــة القديمة، و يعمل على إيجاد الأواصر بين الأشياء، عن طريق استنفار طاقاتها الرمزيـة، إيّ إنه يستعيض عن الشيء بظلاله، و من هنا كان المفهوم واسعاً فضفاضاً، تتطوّر فيـــه الصورة الشعرية بغير حدود .

3 - المفهوم الذهني : الذي تعامل مع الصــورة بأسلوبٍ مغايرٍ للمفهومين الســـابقين، و اعتمــد على (التجريد) كما سيتبين في النماذج الشعرية التطبيقية.

إن تنوّع مناهج الدراسة للصورة الشعرية و تشعّبها، يضع اليد على أساليب التناول التقليدي، الذي يتابع الأوجه البلاغية في النصوص عن طريق تراكمها، و تصنيفها، و إلى الدراسة الأسلوبية التي تسعى إلى استحضار المكوّنات البلاغية في السياق التركيبي، و من ثم مراقبة مستوى الكثافة الشعرية الناتجة عنه، و تبسيطاً لكل ذلك، فإننا سنعمد إلى دراسة نماذج من الصور الشعرية، وفق نظرية (الأنماط) التي تُغلِّب مبدأ (النوع) بحسب انتمائه إلى كل من الأنواع الآتية:

1 – الصورة الحسية:

 آ - من المحسوس إلى المحسوس.

 ب - من المجـرّد إلى المحسوس.

2 - الصورة الذهنية:

 آ - من المحسوس إلى المجرّد.

 ب - من المجـرّد إلى المجرّد .

3 - الصورة الرمزية:

 آ – الصـورة المفردة .

ب – الصورة التمثيلية.

أولاً: الصورة الحسيّـة: هي الصورة البارزة في الدراسات القديمة والمعاصرة، يعبّر فيها الشاعر عن العوالم الشعرية المجرّدة، بأسلوبٍ يستثير فيه مدركات العالم، و أشياءه الحسية، بغية تأدية الغرض الفني، و ذلك بإعادة تشكيل العالم وفق تصوّره للمعاني و الدلالات التي تعجز اللغة المباشرة عن الإفصاح عنها، و يتمّ ذلك عبر مستويين :

أ _ من المحسوس إلى المحسوس : " وفي هذا المستوى تُقدَّم المدركاتُ المجرّدة. في صور المدركاتِ المحسوسة عن طريق الاستعارة، التي تتخذ مجموعةً متنوّعةً من المواقع النحوية، فهي قد تكون اسماً و فعلاً، ومعلومٌ أنه إذا وردت في صيغة الفعل، فإنها تمنح الصورة كثافةً، وديناميةً إضافية، بما يلقيه الفعل في روع المتلقي من إيهامٍ وحركية " كما في صورة (الصيف) في قصيدة الشاعر (جمال عبد الجبار علوش)(5)

جاء الصيــــف

جــــاء كحـلمٍ

جــــاء كطيـف

حطّ عصــا الترحالِ

وقال :

أهوى أحبابي الأطفـال

إن الصيف يتخلّى عن مفهومه الزمني والطبيعي، ليتحوّل إلى كائنٍ حيّ يمارس السلوك الإنساني البشري، المتمثّل في الفعل (حطّ) وقبله الفعل (جاء) بمعنى (أتى) ذلك أن الفعلين اللذين يعنيان (الحطّ) و (المجيء) سلوكٌ محسوس نلحظـه بحاسة البصر، وإذا ما نظرنا إلى الشيء (المحطوط)  (عصا الترحال) فإن درجة الانفعال تتصاعد مما يشي بانزياح كبيرٍ بين الطرفين. وعصا الترحال، مصطلحٌ عربيٌ قديـمٌ، لا يزال يُستخدم في أدبنا المعاصر، كنايةً عن انتهاء الرحلة، أو الوصول من السفر والإقامة، والاستقرار، ومع ذلك، فقد أتاح هذا المصطلح لِلعين أن ترى مشهداً لن يتحقّق إلاّ بالخيال الذي حقّقته الصورة الشعرية .

ومثل ذلك ما نلمحه في صورة " حبة الكرز " و " التينة الخضراء " في قصيدة " بلادنا " (6) :

والتينة الخضراء من نقـر الهزار توجل

والكرزة الحمراء تُخفى خـدَّها وتخجـل

إذ تجسّدت الحالتان الإنسانيتان المحسوستان بصرياً وشعورياً في (خوف) التينة الخضراء من نقر الهزار، و( خَجَل) حبّة الكرز من حمرة خدّها .

وقد تتحقّق الصورة الحسية بانتقال (الشيء) من (الشيئية الحية) إلى (الحيوية الحسية) كما في صورة (البستان / العصفور) في قصيدة

" بستاني "(7) :

  بستاني عصفورٌ أسـمر

  وربيعٌ فتـّان أخضــر

إن اعتماد الصورة في الشطر الأول على التشبيه البليغ، حيث تغيب أداة التشبيه. ووجه الشبه، يجعل العلاقة بين الطرفين جدّ قريبةٍ لأن درجة الانزياح بينهما واهية، نظراً لوجود العناصر الدالّة المشتركة بينهما (الحيوية والحركة والجمال والطبيعة) ثم لأن الصور تحقّق انتقالاً من محسوسٍ نباتي حيّ (البستان) إلى محسوس حيواني آخر (العصفور) وما يلاحظ هنا. أن الصورة الحسية التي يحقّقها التشبيه، توحي بتحوّل البستان من شيئيته الجامدة، إلى طبيعة حيّة محسوسة تمور بالخصب والعطاء والجمال، مَـثَّـلَهُ العصفورُ، الرمزُ الحيّ المحسوس، للوداعة والحب والجمال والحركة والحرية.

ويمكن تكثيف الصورة الحسية عن طريق الجمع بين عدّة مدركات حسية متنوعة : سمعيـة وبصرية، ولونية وشعورية. في مجال واحد. مما يساعد على نمو تلك الصورة الكلية عمودياً :

  في منـزلنا بين الوردْ

   عصفورٌ غضّ المنقارْ

   يبني عشّاً حلوَ  الخدْ

   واللحنُ نشيدٌ من آذار (8 )

لقد تجلّى الإحساس البصري في الصورة المكثّفة (في منـزلنا بين الورد / عصفور غضّ المنقارْ) واقتربت عدسة الرؤية كثيراً من العصفور حتى أدركت أنه صغيرٌ (غضّ المنقار) .

كما تكثّف المشهد البصري بالرؤية الحركية، إلى جانب المنـزل القائم بين الورد، والعصفـور الغضّ المنقار، إذ أن هذا العصفور يبني عشّاً، وهذا العشّ – فضلاً عن الإيحاء بشكله المعهود في التقعّر والاستدارة – جميلٌ (حلو الخدّ) وهذا من شأنه أن يعود بالإحساس إلى تلوين الصورة، لأن حـلاوة الخدّ، تعيدنا إلى الفطرة التي يجسّدها عالم الطفولة، وخدودها المحمرّة، و قد سبق أن أُثير هذا الإحساس البصري اللوني، من مشهد الورد في مستهل المقطع الشعري .

ويزداد تكثيف الصورة السمعية بالإحساسات الشعورية التي تُغْنيها الأحاسيسُ السمعية لدى سماع تغريد العصفور في فصـل الربيـع (و اللحن نشيـد من آذار) .وهكـذا تتكثّـف الأحاسيس، و تتداخل، فتزاوج ما بين الحسي البصري، و الحسي السمعي، في عــدّة مرئيات تراها العين، وتسمعها الأذن في اللوحة / الصورة الواحدة .

وتكثر أمثال هذه الصور التي تتبادلهـا الأحاسيس، و تزاوج بينها، وتنقـل (الشيئيــة) إلى (الحيوية) الحسية، أو العكس، كما في قصيدة " الشهيد " للشاعر " بيان الصفدي " (9)

كأنما يداك حمامتان

ترفرفـــــان

كأنمـا عينــاك

في الأفق نجمتـان

تلـوّحــــان

فاليدان عضوان محسوسان يصيران حمامتين، تميّزهما الحركة (ترفرفان) و كذلك العينان تغدوان (في الأفق نجمتان) تُخرجهما تلك الأحاسيسُ الحركية (تلوحان) عن الشيئية الساكنة .

وقد تتداخل الصور الحسية في المقطع الشعري القصير، وتتوغّل في التقليدية، حين تربط أداةُ التشبه بين طرفي الصورة – وهذا سائد في شعر الأطفال – لكنّ طرافة الحداثة تُبعد الصورة عن الإطار التقليدي، لتدخل بها رحابَ العصر، كما في قصيدة "مشاعل " للشاعر " سليمان العيسى" (10)

   يوم اتكأ أبي على السلاح

   ووشوش الخطر

   إني هنا يا جبهـة الصباح

   وانقضّ كالشرر

تطالعنا الصورة الحسية الأولى : (اتكأ على السلاح) إذ توحي بأنه جعل من السلاح وسادةً اتكأ عليها، وهو يريد القول إنه أخذ أُهبته، واتخذ وضعية المقاتل خلف سلاحه.

والصورة الثانية: التي بعث فيها الحسّ والحيوية : (وشوش الخطر) فالخطر شيءٌ متوجّس و غير مرئي، لكن الشاعر (أنسنه) و أوحى للمتلقي بأنّ له (آذاناً) يسمع بها، لذلك (وشوشه) .

والصورة الثالثة: تكثّف الموقف العام للمقاتل بأنسنة الصباح حين أضافت إليه الجبهة (جبهة الصباح)

والصورة الرابعة: تُظهر مدى التراكم الفني، في ذكر التشبيه المفصّل بأركانه الثلاثة (المشبه و أداة التشبيه، و المشبه به) مع وضوح وجه الشبه الذي توحي به دلالة الصـورة للأب المقاتل الذي (انقضّ كالشرر) .

وهذه الصور الأربع، تضع الطفل في مجالٍ حيوي خصبٍ، دراميّ ومتصاعدٍ، مما يشكّل بنيةَ الصور الكلية التي تُفصح عن نفسها، والتي سعى إليها الشاعر من خلال مسحةٍ إيقاعيةٍ ممتدّة، وعلى مستوى الدلالة، فإن الصورة لا تُسلّم نفسها دفعةً واحدة، وإنما بصورةٍ متدرّجةٍ راعت سياق  الحالة، عبر المراحل المتطوّرة الآتية :

1 – الاتكاء على السلاح   - تمهيـد

2 – وشوشة الخطر               - التحفّز

3 – جبهة الصباح                 - تَلَبُّس الموقف

4 – الانقضاض كالشرر   - الحركة – الهجوم

وقد كانت الصورة الأخيرة (بيت القصيد) مدعومةً بالأركان التشبيهية كلها، لتكون نتيجةَ إرهاصات متعدّدة، وَرَدّة فعلٍ طبيعيةً إزاء مأساوية الواقع، وبذلك تحقّق الصورة الكلية درجةً عاليةً من (الحسية) في مراحلها الأربع، رغم التباعد الملحوظ بين أطرافها. حيث يوحي فعل (الاتكاء) بالاسترخاء، ومثله فعل (الوشوشة) الذي يوحي بالطمأنينة والهدوء، وهاتان الحالتان ضروريتان للتمهيد لما يُقْدِمُ عليه المقاتل، لكنهما تخالفان (الصورة الأخيرة) المتفجّرة بالأحاسيس (جبهة الصباح) تليها حالة الذروة الدرامية (انقضّ كالشرر) لكن براعة الشاعر عملت على ربط المقدمات بالنتيجة من خلال وضع الطفل عبر حالةٍ شعورية هيّأت نفسه للوصول إلى حالة الانقضاض في الاندفاع الأخير.

ب – من المجرّد إلى المحسوس : إن الصورة الحسية تقوم على التشبيه، الذي يلعب دوراً بارزاً في توضيح الصورة وفنيّتها، ويتضاعف تأثير هذا الدور عندما يرسم الشاعر صورته بالتشبيهات المتعدّدة، شريطة أن يكون المشبّه واحداً، والمشبّه به متعدّداً، ينتج عنه توسّع في الصورة، و تكثيف في الدلالة، ويتمّ التعبير عن المدلول التجريدي بالدالّ الحسيّ كما في قصيدة " عطاء الأم " (11 ):

 ... شبابي

           صار أقلامـاً

           وأوراقـــاً

           بهــا همسي

           وأطفـــالاً

           لهم جَــرَسٌ

           يضيء الدرب

           للـــدرس

  شبابي

           صار عصفـــوره

           تغنّي العمرَ مسـروره

           على غصنٍ وما أبهى !

           غصـــون  الحبّ

           في الصـــــورة

إن المشبه واحدٌ هو (الشباب) موضوعُ القصيدة كلّها. والشبابُ ينضوي تحت مصطلح (التجريد) لأنه يتجرّد عن بعض المبالغة، لـبُعد المشبّه قليلاً، عن المشبّه به، مما يُبعد دعوى  الاتحاد، الذي يُعَدّ (مبنى الاستعارة) .

والذي يجعل (الشباب) تجريداً، حسـب مذهـب " السكاكي " اقترانه بما يلائم المستعارله، و الاعتماد في إدراكه على العقل، و قد تمّ تقديمه في القصيدة في (ثماني) حللٍ غير متجانسة، بالنظر إلى مكوّناتها الحسية الخاصة، و هذا ما يعزّز جوانب الصورة، عن طريق إغنائها بمشاهد حيّـة متوالية، لكنها متنوعة، غير متشابهة. على الرغم من أنها تكاملية، تحدّد ملامـح المشبّه به، و تزيح اللثام، عن وجه الشبه الناتج عن عطاء الأم، و في ذلك تحديدٌ للمجال الحيوي الذي يخصب فيه شبـابُ الأمومـة، حيث تُجمع العناصر المحسوسة، المؤنِّـثة لـه، من الطبيعة التي يعيش فيها، و هي على التوالي : (الأقلام، الأوراق، الأطفـال. العصفورة. الزيتون. الزيت. [ و ربما المصباح، إذا كان المقصود أن الشباب صار مصباحاً، و ليس الزيت ]. الأزهار. والغصن) .

كما أن هذه الصورة المجرّدة الكلّية للشباب، تزاوج بين المحسوسات البصريـة الحية و الجامدة، من جهة، و بين البصرية الذوقية الشعورية. من جهة أخرى .

فمن الأولى، البصرية الجامدة : (الأقلام، الأوراق ).. .. و من الحيـة الإنسانية و الحيوانية و النباتية : (العصفورة. و الأطفال) .

ومن الثانية، البصرية. الذوقية. الشعورية : (الزيت. الزيتون. الزهر) في نسيجٍ لغويٍ مختزلٍ، يعتمد على التشبيهات التمثيلية، المنتزعة من محسوسات متعدّدةٍ، و المبنية على الاسترسال البياني، و لعل هذا الاسترسال في المحسوسات المتعدّدة التي تقابل (الشباب) الواحد، و المجرّد، من شأنه العمل على توضيح الصورة، و إغنائها، و تناميها شيئاً فشيئاً في الذائقة الطفلية المتلقّية، نظراً لوجود مساحاتٍ عديدةٍ من الإيحاءات التي تولّدها الرمـــوزُ الحية، التي ترمز إلى الأطفال. عطاءِ الأمومة، و خِصب شبابها.

ثم إن الصورة الكلية في مجموعها تؤكّد على الجانبين : المادي و المعنوي من الأمومة، المعبَّر عنها بالمجاز المرسل (شبابي) و معظم العناصر المشبّه بها. التي تلحّ على مفهوم العطاء، باستقطاب حاستي البصر و الذوق، و قد دلّ التخييل الذي يوحي به لفظ (الزهر) على بلاغة اللون الجمالية، مما ينتقل بالصورة الحسية إلى مستوى المشاهدة الحية الحسية اللازمة لـ (الشباب) التجريدي .

ثانياً : الصورة الذهنية (التجريدية): و تنطـوي على تصـوّرٍ نقــدي، يفترض (تجريدية) الصور، افتراضاً، لأنه يمكن إخراجها بشيءٍ من التأويل والإيحاء عن تجريديتها، نظراً، لإمكانية تحميلها حمولاتٍ معنوية. " موضوعيةٍ كانت أم شعورية، باعتبار طبيعة الانتقال المستفاد من مفردات الصورة وتركيبها، ذلك أن الانتقال المقصـود هو الذي يتمّ – من خلال التعبير الصوري – من المفهوم الحسي إلى المفهوم التجريدي، أو من التجريدي إلى تجريدي آخر "" فالشاعر حين يستخدم الكلمـات الحسية بشتى أنواعها، لا يقصد أن يمثّل بها صوراً لحشرٍ معينٍ من المحسوسات. بل الحقيقة إنه يقصد بها تمثيل

تصوّرٍ ذهني معيّنٍ، له دلالاته، و قيمه الشعورية " (12)

 ثم إن الشاعر في عمله الإبداعي لا يهدف إلى مطابقة الواقع بما يدلّ عليه من تعبيراتٍ عرفيةٍ، كما مرّ في الفوائد التي طلع بها "د. سمر روحي الفيصل –“ قبل قليل – أو كما يقول غيره، إن الشاعر " يستعمل الصور، ليعبّر عن حالات غامضةٍ، لا يستطاع بلوغها مباشرةً، أو من أجل أن تنقل الدلالة الحقّة لما يجدّه الشاعر " (13) كما يتضح في المستويين البارزين الآتيين للصورة :

آ – من المحسوس إلى المجرّد: و قوامُ الصورة في هذا المستوى، الاستعارةُ المكنية في الغالب، و خاصة " الاستعارة الاسمية التي تَرِد في تركيبٍ نحويٍ، مكوّن من مضافٍ و مضاف إليه، و تشتدّ حدّة التجريد، حينما يضاف المحسوس إلى المجرّد، فتتحدّد القيمة الدلالية للصورة في التشخيص، أو التجسيد، أو التحجيم، أو الجمع بينها " و هي كثيرة لدى الشاعر " سليمان العيسى " بصورةٍ خاصة، كقوله في " أنشودة ابن الشهيد " (14)

لكـي لا تُطفأ البسمات، كنا موجـة الغضب

لكي تخضّر يا وطني دماً. كانت عطــايانا

وأحمل صوته بدمي، و صورته على هـدبي

وقوله في قصيدة " أبطال تشرين " (15)

على رايــات سعـدٍ و المثنى

تلاقينا على أرَج الإخـــاء

دم العربي إنجيـل  التآخــي

وقرآن الرجولة  و الإبــاء

ومقبرة الغزاة رمال  سينــا

وفي الجولان ملحمة الضيـاء

 قوله :

الربيع الحلو العائد

والعصافير قصائد

وقوله في قصيدة " إلى صديقي الصغير "تيم" على شاطئ اللاذقية ":(16)

صديقي تيم. . جاء الصيف

                    من بوابة البحر

                    وهدّدنا بما في جيبه المثقوب

                    من حـــرّ

وقوله :

                  تبعثرت المناقيــــر

                    تنقر من كروم الشمس

                    أحلى اللون  و العطـر

وعبارة الشاعر " مصطفى عكرمة " (ضمير الخلود) في قصيدة (صحونا) (17) :

لنا في ضمير الخلود رساله

يرى العالم الحرّ فيها كماله

فليس سواها لعزّ الوجـود

وليس سوانا لحمل الرساله

وقوله في قصيدة " وهج الجراح " : (18)

سكبنا على الليل وهج الجراح

وشئنا الصباح فكان  الصباح

وقول الشاعر "موفق نادر" في قصيدة "نائل يلتقي أباه " : (19)

نشتاق كل يوم أن نجيء

برفّة الجنـاح نستضيء

وتومض الجروح فـي

سواعـــد الثـوّار

شامخــة  جبهتــه

مضفــورة  بالغـار

وقول الشاعر " ممدوح السكاف " في قصيدة "بائع الحليب" : (22)

من يشتري سعادة

لصحــة الأبدان

وقول الشاعر " خضر عكاري " في قصيدة " من جرحنا " : (21)

  هذا هو النهر الذي لا ينتمي

   إلاّ إلى نــزف الدمــاء

   في  حقلنـا

   قد يحتمـي

   من جرحنـا

   قـد ينتشي

   هذا هو الصحو الوفي

وقول كاتب البحث في قصيدة "بابا راح " : (22)

.. . وبعينيه وعـدٌ أزهر

يزهو معه العرَقُ الأسمـر

يملأ حبّاً هذا البيــدر

بابا وجه الوطن الأخضر

وقول الشاعر " خالد محيي الدين البرادعي " في قصيدة

"صغار الكنار": (23)

  فبكت الرّمانة الحزينـة

   واسّاقطت دموعهــا

   ووشوش الحفيف ما يفهمه الطيران... .

   ما زلتِ يا صديقتي الأمينــــة

   لكنني لا أستطيــع وحـــدي

   أن ألجم الوحش بداخــل الإنسان

في النماذج السابقة صور متعدّدة، معظمها يصعب على الطفل فهمه، حتى إن المقبوس الأول من شعر "سليمان العيسى " هو أقرب إلى مفهومات الكبار منه إلى مفهومات الصغار (أرَج الإخاء – قرآن الرجولة – إنجيل التآخي) كمـا يصعب فهم كثير من صور غيره (ألجم الوحش بداخل الإنسان) (يزهو معه العرق الأسمر) (النهر الذي لا ينتمي إلاّ إلى نزف الدماء) (برفّة الجناح نستضيء – تومض الجروح) (جاء الصيف من بوابة البحر، و هدّدنا بما في جيبه المثقوب من حرّ) (كروم الشمس )... و معظـم هذه الصور يقوم على إضافة محسوس إلى مجرد، الأمر الذي ينتج عنه تركيبات معقدة، تبتعد كثيراً عن الأهداف التربوية للطفل، من حيث الوضوح، و الفهم، والتأثير، مما حدا بالشاعر " سليمان العيسى " إلى استخدام الشرح الهامشي، و هذا يؤكد مقولة " الجرجاني" الذي أكّد فيها على أن " ما يثبت فيه الشاعر أمراً، هو غير ثابت أصلاً، ويدّعي دعوى لا طريق إلى تحصيلها، يقول قولاً يخدع فيه نفسه، و يريها ما لا ترى " (24)، و هذا الذي عناه "الجرجاني " يخصّ الشعر العربي الذي يبدعه الكبار للكبار، فكيف ستكون الحال مع الأطفال الذين يصعب على المربين أن يشرحوا لهم (هذا هو الصحو الوفي) و (كروم الشمس) ؟؟.. .

إن من بين المآخذ التي أخذها بعض النقاد المعاصرين على شعراء التفعيلة، استخدامهم مثل هذه الصور المبهمة، فهل نسمح بتغلغلها في شعر الأطفال ؟؟. و هل يستطيع الطفل بأدواته الغضّة أن يفهم صوراً، مثل :"يشتري السعادة " أو " الجبهة المضفورة في الغار " التي استعارها الشاعر من صور الكبار ؟.

إن النعوت، و الإضافات المتمّمة للصور اللاحقة بالموصوف، أو المشبّه، مؤشـراتٌ دلالية، تنقل جانباً من عالم غربة الشاعر المعاصر، و اغترابه الكبير، إلى عالم الطفولة البريئة، على الرغم من أن الشعراء في كثير من جوانب القصائد التي احتوت على هذه الصـور، رسمـوا صور الفرح والحب و الطفولة، لكنهم في الصور المبهمة - و أمثالُها كثيرٌ في شعر الأطفال - ظلّوا في منأى عن مدارك الصغار.

إن الطفل حين يقف أمام هـذه الصـور حائراً، لن يعبأ بالصـورة المعقّـدة التي يجدها في مثل " وأحمل صوته في دمي، و صورته على هدبي " و لن يستطيع معلّم الأطفال، أو مشرفهم الطليعي أن ينقذه من حيرته، أو يقرّب هذه الصورة من فهمه، مهما أوتي واحدهم من البراعة.

إن الدفقات العاطفية هي التي " تدفع الشاعر إلى البحث عن أقسى الصور التي تعكس درجة هذا الإحساس " و لعل النعوت – في حدّ ذاتها - والإضـافات تشكلّ منطلقاً لامتداداتٍ فنيـة للصورة المقتنصة، و تكثيف دلالي للشحنة الشعورية .

" و قد تتجاوز الصورة الذهنية منطلقات التشخيص و التجسيد و التحجيم إلى منطلقات جديدة، تعمل على إعادة تشكيل أشياء الطبيعة و الواقع، وجعْلها تتبادل الأدوار فيما بينها، و تعيد خصائصها لتستقبل خصائص غيرها" (25) في شعر الكبار، ولكنه ليس من السهل أن نقف على صور ذهنية تشخيصية، تعيد تشكيل أشياء الطبيعة، في شعر الأطفال، و قد رأينا أن المحاولات الكثيرة، لم تسفر عن صورة واضحة مقبولة يستطيع الشاعر أن يوصلها إلى جمهوره من الأطفال، ومن غير المقبول أن نأخذ بقول الشاعر " سليمان العيسى " الذي طالعناه في البداية، والذي يتعمّد الإتيان بالصورة الغامضة للطفل، كي يكتشفها بنفسه، في المستقبل، عندما يكبر .

ب – من المجرد إلى المجرد:

على الرغم من أن مدار الصورة هو التجريد، إلاّ أن ذلك لا يمكن أن يقطع صلة الامتداد في ما يندرج من الصور تحت هذا المستوى إلى (الحسية) بسبب بلورة الأبعاد الذهنية للصورة " لأن الخيال - في الاستعارة - حين يستعين ببعض العناصر الحسية، إنما يريد من وراء ذلك غاية أخرى هي التسامي عليها، و خلق مقولةٍ، أو عالم خيالي ثانٍ بديلٍ منها " (26)

و"هذا النوع من الصور، وإن كان يستعين بالأوجه البلاغية المعروفة، فإنه يعطي التأثيرَ النفسي في المتلقي الأولويةَ، و يستنفر قدراته على التخييل، من أجل تلقٍ أوفق، و لذلك ترى أن البؤر الدلالية التي يركز عليها هذا النمط... . [هي ] إبراز بعض الانفعالات الإنسانية ،كالإحساس بالمفارقة في كونٍ غير متوازن "(27) كقول الشاعر "سليمان العيسى" في قصيدة "الصيف يتحدث إلى الأطفال" (28)

آتي والبسمة في شفتي

وبجيبي نور الشمـس

 والتجريد الذي يقوم على مفارقة وضع (نور الشمس) في (الجيب) صـورة تعتورها الضدّية، من مقابلة (النور) في المضاف و المضاف إليه، مع (الظلام) الذي يمثّله (الجيب) الذي يخبّئ (نور الشمس )، وهذه العلاقة الضدّية هي التي تمنع نهوض الحد ث نهوضاً حسياً، و هذا يؤسس لمنظورٍ تجريدي ذهني، يدرَك بالخيال، ولا يُشاهَد بالعين، وإذا كان ثمة من مسوّغٍ للحديث عن الدالّ و المدلول في الصورة (بجيبي نور الشمس) باعتبار أن الدالّ هو الجيب، والمدلول هو رمزية نور الشمس، فإن هذه المشابهة تبدو ذاتية خاصة بالشاعر، بعيدةً عن الموضوعية الطفلية، وغير الطفلية .

ونجد مثل هذا الملمح التجريدي في القصيدة نفسها :

أعطيهم أجمل ما بيدي

الشمس الحلوة والقمر

إن الطفل يمكن أن يتصوّر الصيف إنساناً، ولكن من الصعوبة بمكان أن يتصوّر هذا الصيف الإنساني، له يدٌ ويقبض بكفّه على الشمس والقمر معاً. لأن هذه الصورة الذهنية، مهما كانت رمزيتها، فإنها غير مقنعة للأطفال، نظراً لصغر حجم راحة اليد من جهة أولى، وكبر حجم الجرمين السماويين من جهة ثانية، إضافـة إلى أن العلاقة الضدية القائمة من اجتماع الشمس والقمر معاً، واستحالة ذلك من دون أن يفصل الشاعر بينهما بصيغةٍ تعبيريةٍ زمنية، توحي بأن القمر ليلي، والشمس نهارية، ولا تجانس في اجتماع الشمس والقمر في راحة اليد، مما يحول دون قيام الحدث، ويجعل الصورة قائمةً على مجرّد التخييل والتوهّم غير المقنع، الذي ينتج عنه دلالياً استغرابٌ، وغربة، وربما استهجانٌ طفلي لا مسوّغ أن نوصل الطفل إليه، بمثل هذه الصورة التجريدية.

ثالثاً : الصورة الرمزية:

وتقوم في شعر الأطفال، غالباً، على مستويين فيما يخصّ طبيعة الرمز، الذي قد " يكون  مفرداً، أي عبارة عن كلمةٍ دخلت العرف الاصطلاحي في ثقافةٍ معينة، لتنوب عن شيءٍ، أو تمثّلَ شيئاً آخر، أو أن يكون مركباً. أي في إطار حكايةٍ دالّة، أو يكون تمثيلاً لموقفٍ معين، وفي هذا الصدد، قد تكون الصورة ناهلةً من منبع تاريخي أو أسطوري، أو ديني " (29) كما في النماذج التي سترد في المستويين الآتيين :

آ – الصورة الرمزية المفردة: 

وتكثر في القصائد الوطنية والأناشيد القومية، وتبرز بصورةٍ جليةٍ لدى الشاعر " سليمان العيسى " كرمز (راية) في " نشيد أسامة " (30) :

أسامة. قائد جيش. وراية .

وقد فسّر الرمز بقوله :

ويبقى نداءً  ورمزاً لنا

ويوحي لفظ (جولة) في قصيدة " مشاعل " (31) :

مهزومة يا جولة العدوان

برمزية المعركة.

ويوحي لفظ (عود) في قول الشاعر " جمال عبد الجبار علوش " في قصيدة " أحب الوطن " (32) :

ليشتدّ عود الوطن

ويبقى قويـــاً

بوجــه الزمن

بالقامة المنتصبة، التي تعني الشباب والقوة والصمود.

ويوحي لفظ " القدس " لدى الشاعر نفسه في قصيدة " خالد أكر " :

  رسمَ القدسَ جوار

           القلب

برمزية حضاريةٍ لموروث ديني إسلامي، وتراث عربي طويل، عريق، إضافة إلى رمزيتها المعاصرة التي تعني التضحية من أجل إنقاذها من براثن الأعداء.

ولفظ " شتلة " في قصيدة " شتلة ليلى " للشاعر " معشوق حمزة " (33) رمزٌ للطفلة الشهيدة من أجل فلسطين، وقد بُنيت القصيدة كلها على هذا الرمز الشفاف، وصورته الطفلية الجميلة، على الرغم من جو الحزن الذي يلفّ الصورة والقصيدة معاً .

وتكثر ألفاظ الرمز في قصيدة " نشيد الرفض " للشاعر " طه حسين الرحل " (34) مثل (لن نركع) رمز الصمود والمقاومة، و (الوعد. الحقد. الليل. الكفر. الشرّ) رموزٌ للعدو الصهيوني، و( الخلد) رمزٌ لمن يُرزق الشهادة، و(الرفضُ) رمزٌ للثورة، و( الفجرُ) رمزٌ للنصر والثورة والحرية :

العالم أرهقه  الكفر

والليل المظلم والشرّ

في أنفسنا طلع الفجر

إن الرمزين المتضادين [ الكفر. الليل. الشرّ ] و [ الفجر ] منتجان للحدث، وتتجّسد الصورة في علاقة التوازي بين عالم الظلام، وعالم النــور. أو بلفظ الشاعر الرمزي (الليل- و - الفجر) حيث يغدو العدل، مقابل الظلم، والحرية مقابل الاستعمار ؛ وتأتي الصورة الرمزية المفردة (الفجر) لمعانقة الهمّ العربي والإنساني، المتمثّل في الثورة، أو الحرية، أو العدالة المطلقة، كحقيقةٍ أوليةٍ للعيش الكريم، يقتنصه الإنسان العربي من ليل الظلم والطغيان، ولماّ كان الكفر والشرّ والظلم مفهومات تجريدية، فإن الصورة عملت على تجسّيدها قاتمةً حسياً في هيئةٍ رمزيةٍ، ولكنها تكاد تكون مرئيةً .

إن هذا المستوى الرمزي القائم على مفردة واحدة كثيرٌ جداً في شعر الأطفال، نظراً لوفرة الرموز المعنوية التي أبرزتها طبيعة حياتنا المعاصرة مع العدو الصهيوني، وتطلّعات الأمة إلى العلم والرقي في معارج الحضارة.

تتوضح أبعاد أمثال هذه الصور الرمزية، في قول الشاعر " سليمان العيسى " في " نشيد  سلمى " (35) إذ يرمز بالطفلة (زهرة النار) إلى الثورة الجزائرية التي انتصرت على الفرنسيين. فالطفلة هي الشعب وهي الوطن، وزهرةُ النار هي ثورة المليون شهيد :

قريباً نلتقي يا طفلتي

يا زهـــرة النار

وفي جيبي نشيدٌ ساحرٌ

لفراشة الــــدار

إن الطفلة (زهرة النار) صورةٌ تقدم للمتلقي دالّين رمزيين، تغلب عليهما طبيعة (الموت  والحياة) (طفلة) وثمة رمزٌ ثالث ينتمي إلى الحياة والحرية، في لفظ (الفراشة) والرموز الثلاثة، تأتي في سياق دلالي متجانس يفيد مدلولاً واحداً هو الحياة والثورة والحرية .

ويمكن أن نقف عند رموزٍ واضحة الدلالة في قصيدة " رسالة السلام "

(36) للشاعر " ثائر سليطين " :

لنا يدٌ بيضــاء تعــانق الأمم

تطوف بالزيتون  والنخل والعيون

تشـارك الأبرار أمانــة القيم

* **

لنا يدٌ حمــراء نحمي بها الذمم

في أرضنا الشماء وحرمة السماء

على مدى الزمان يزهو بها العلم

وبغية بيان الرمز ودلالته يمكن رسم الجدول الآتي :

الصورة الرمزيـة

الرمـــز

الدلالة الرمزية

لنا يد بيضاء

الأبيض الناصع

حضارتنا العربية في عصورها الذهبية

لنا يد حمراء

الدم

الثورة والتضحية

يزهو العلم

الاختيال

الاستقلال والنصر والحرية

تعطي الصورة الحسيَّ المشاهدَ مكانةً كبيرةً، وذلك لورود رمزين تغلب عليهما طبيعة لونية، هما( اليد البيضاء) و (اليد الحمراء) وثمة رمز ثالث، ينبثقُ من محصلةً الرمزين، هو (الاختيال) الملحوظ من (زهو العلم) ومجموع هذه الرمـوز يأتي في سياقٍ دلالي متجانس، بمفهوم دلالي واحد هو الكفاح من أجل حياةٍ كريمة، تصل الماضي بالحاضر، وقد شكلّت الرموزُ المفردةُ الثلاثةُ وحدةً صوريةً مركّبةً يلمّ شملها الأسلوب التقريري، الذي يفيد إقرار واقعٍ حاصل ومعيش، دلّت عليـه (اليد البيضاء) رمز الحضارة العربية التي عمّت العالم، وهي اليوم ترفض الظلم والاستعمار، فتثور وتقدّم الضحايا، بدلالةِ رمزيةِ (اليد الحمراء ). وما دامت هذه الأمة ذات حضارةٍ عريقةٍ، ومكانة عاليةٍ فقد أحرزت حرّيتها في المحصلةِ، وهذا يُستشف من اختيال العلم.

ب : الصورة الرمزية التمثيلية:

وتتجلّى في " التعبير عن موقفٍ معيّن، أو مشهدٍ بعناصر رمزية مشابهة، فتمتدّ علاقة التوازي بين الموقف المعبّر عنه، والصورة الرمزية المعبَّر عنها، وعادةً ما تكون هذه الصورة عبارة عن حكاية ذات أصول [ تراثية ] ومن ثم تصبح الأسماء الواردة في الصورة رموزاً استعاريةً، تعوّض المدلولات المرجعية، وقد أكثر الشعراء من هذه الممارسة المسماة (توظيف التراث في

الإبداع الشعري) " (37) . وتظهر الصورة الرمزية التمثيلية في مستويين :

أحدهما بسيط، لا يتجاوز الإشارة إلى المدلول المرموز إليه. وثانيهما مركب... 

المستوى الأول: البسيط : ونماذجه كثيرة، كما في قصيدة " فتحت باب المكتبة " (38)

فتحتُ باب المكتبه

بحثتُ عن

قصيـدةٍ

طريفةٍ معبّـره

فمدّت (الخنساء )

لي يداً ، وقالــت :

هذه الأشعار

خذهـــا

ثم طالــْع

( عنتـرة )

ويرد اسما (كُثيّر وعزّة) في قصيدة " بابا يحب الشعر " (39)

بابا قــال

يا أطفــال

من يروي أحلى الأشعار ؟

" لينه " أخـتي

قالت عنـدي

في مكتــبتي

ديــــوانٌ

من ورق أصفر

و" كُثيّرُ " غنّى في " عزَّة "

أشعاراً أحلى

من سكّــر

إن ألفاظ أسماء العلم (الخنساء – عنترة) (كُثيّرُ – عزَّة) تمثّل الدالّ الرمزي المستعار من التراث العربي الأدبي، والذي يمدّ النصّ بشحنةٍ إيحائيةٍ انفعاليةٍ عالية، فـ " لينة " أخت الشاعر / السارد، تجد ثمة وشائج قويةً تربطها بـ " عزّة " كما أن ثمـة روابط إيحائية تعـزّز صلـة السارد / الذكر

بـ " كُثيّر " ووجه الشبه بين الاثنين قرضُ الشعر.

وتتوضّح أركان التشبيه البليغ بصورةٍ جليةٍ بين كل من " نجوى "

و" خولة بنت الأزور " في قصيدة " خولة بنت الأزور " للشاعر " جمال عبد الجبار علوش " (40) :

سوف يُقال :

خرجتْ عن طور الأطفال

شقّت نحو المجد طريقـاً

ولها صار الموت شقيقـاً

شدّته باروداً أسمـــر

للخصر الفتّان المنظــر

وتشظّت حمماً لا تقهـر

سوف يُقــــــال

خرجتْ عن طور الأطفال

" نجوى"صارت أكبر أكبر

صارت خولة بنت الأزور

إن الصورة وَظّفتِ الرمزَ التراثي الأدبي والبطولي، ومثلّت شخصيةُ "خولـة بنت الأزور " دالاّ رمزياً، وهو دالّ مستعارٌ من الماضي التاريخي، وصورتُه البلاغية التي ورد فيها، هي تشبيه " نجوى " بـ " خولة " ووجهُ الشبه الجامع بينهما البطولةُ والتضحية – موضوع القصيدة – ويلاحظ أن هذا الرمز الذي قُدّم بهذه الصورة، قد احتفظ بكثير من الإيحاءات الانفعالية، بسبب التحوّل الذي أثاره الشاعر بالفعل الناقص (صار) ذلك أن عدم التصريح المباشر بوجه الشبه بين " نجوى " طفلة اليوم، و " خولة " بطلة الأمس، رمزِ الدال، لم يُلغِ الجهدَ الذي يبذله الطفل في التأويل، والذي يكون عادةً مصدر متعته الفنية، ولذلك كان " من شروط الاستخدام الناجح للرمز، السكوتُ عن طبيعة المرموز إليه " بغية تحقيق شعرية الصورة، واحتفاظها بدلالاتها الإيحائية.

وليس مثلَ ذلك إيحاءُ الرمز المتمثّل في المقطع الآتي من قصيدة " نداء " للشاعر " مصطفى  عكرمة " (41) :

فراية (عقبة) في كفّنـــا

وفي زحفنا (خالد بن الوليد )

لأن التشبيه غير واضح في الرمزين العربيين، لكننا نستشف جانباً من الصورة المرسومة، من ضمير الفاعلين (نا) الملحق بـ (كفّنا) و (زحفنا) مع الإشارة إلى فكرة القصيدة العامة المعلنة سلفاً، مما يقرّب الرمز (عقبة – خالد) إلى المرموز إليه، و استدعاء هاتين الشخصيتين يتوازى مع فكرة القصيدة العامة (نداء) مما يجعل الرمز التاريخي و الإسلامي، يمدّ المشهدَ الحاضرَ بإشعاعات التاريخ المضيء.

إن الشاعر " مصطفى عكرمة "عاشقٌ جميل للتراث العربي الإسلامي، لكنّ مشكلته الفنية تكمن في استدعائه الشخصيات الإسلامية و التاريخية، والاكتفاء بمجرّد الاستدعاء الشعري، من دون أن يجعلها تحمل صوراً رمزية واضحة، أو يقيم عليها علاقات معاصرة (صوراً تشبيهية) ذات إسقاطات حضارية، و لا يوظّفها توظيفاً دلالّياً، يخدم الصورة اللازمـة للإيحاء، و يفجّر هذه الدلالات بشحنات عاطفية، لا تكفي فيها الفكرة و الوزن العروضي الجميـل. كقولـه في قصيــدة " فجر الصلاح " (42 ).

حسبنا في الدهــر أنّا

منهـــج الحقّ حملنا

" عمرٌ " قد كـان منّا

و" المثنى " و " صلاح "

ومثل هذا الفخر بالرموز الإسلامية التاريخية، ليس سوى اتجاهٍ استعراضي للشخصيات الرمزية، التي لا تغتني بالصور البيانية القائمة على الصور والتشبيهات. ومن الملاحظ كثرة ذلك لدى عدد كبير من شعراء الأطفـال. كقـول الشــاعر " إبراهيـم عبـد الله إبراهيم " في قصيـدة " وطني " (43) :

وطني أعيـــاد  و بشائر

وطني قصة نصر ثـــائر

من (كنعان) الجدّ المــاهر

حتى (الزير) و (عبد القادر)

و قريب من هذا قول الشاعر " صالح هواري " في قصيدة " الحصان العربي " (44)

عـدنان صحـــــا

وكمـا كان وأقوى عاد

فتّح عينيه ونادى الأولاد

يا أحفاد ضـرار و زياد

ومثل هذا نجده أيضاً لدى الشاعر "سليمان العيسى " إذ يركّز قي بعض القصائد على استدعاء الشخصيات التاريخية، من دون أن يحمّلها حمولات عصرية، أو يأتي كثيراً على صورها الرمزية – على غير عادته: (45)

وأبعد نحن من عبس

ومن مضر. نعم أبعد

حمورابي، وهاني بعل

بعض عطائنا الأخلـد

و من زيتوننـا عيسى

ومن صحرائنا أحمـد

ومن الناس – يعرفها

الجميع – تعلموا أبجد

2- المستوى الثاني للصورة الرمزية التمثيلية المركبة : وهو قليل جداً في شعر الأطفال في سورية، وربما كانت ندرته بسبب ما يتطلّبه من جهد في تركيب الصورة. كما في قصيدة  " الطير الفلسطيني " (46) :

بلـــــدي حبُّ

بلــــــدي نورْ

و أنا طيــــــر

يخشى أن يذوي المنثور

يخشى من عتـمٍ قادمْ

يخشى من نار الظـالمْ

يخشى ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍..!!

 و يطيرُ.. يطير العصفورْ. . .

و الأرضُ بساطٌ من نورْ

...

بلدي حبٌّ

بلدي نورْ

من يفتك بالطير الآمن

غيرُ الصياد الموتور؟‍

بلدي حبٌّ

بلدي نورْ

في القصيدة يتجسّد التمثيل المركّب في صورٍ متوازيةٍ، و ذلك من خلال مدلولاتٍ مطلقةٍ، مع دوالّ رمزية، عملت على توظيف جميع عناصر الحكاية / الموقف، عبر مجموعةٍ من الاستعارات الرامزة التي حملتها الصورة التعبيرية:

من يفتكُ من يفتكُ بالطير الآمن

غيرُ الصيادِ الموتور ؟ !

ففي السطرين الشعريين عالمان متوازيان، أحدهما يُدْرَك من المعنى الحرفي المباشر، هو عالم الحيوان، و فيه تظهر شخصيتان هما الطير و الصياد، و تغلب الطبيعة (الحيوانية) على الصياد، فتُجرّده من إنسانيته، ليغدو (وحشاً) يفتك بالطير الوادع، و يربط بينهما حدثٌ واحد هو (خوف الطائر) و( حقد الصياد) فتغدو العلاقة علاقةَ ملاحقةٍ من أجل القتل. تقوم على متضادّات واضحة :

 فتك

                   صيّاد                          طير

                   موتور                         آمن

أما العالم الثاني، فهو عالم الشعب الفلسطيني بما يشتمل عليه من أحوالٍ مأساوية، و هناك صفتان مترابطتان بشخصيتي العالم الأول، هما :

الصياد الموتور

والطير الآمن

مما يساعد على تأويل الموضوع المرموز إليه، بكيفيةٍ مقنعةٍ، لا تحتمل الافتراض. ذلك لأن الصياد الموتور – الفاتك المتوحّش – لا يمكن أن يرمز إلاّ إلى الطاغية، الخالي من المشاعر الإنسانية، و الطيرُ الآمن، الذي غادره الأمن، وحلّ مكانه الخوف، هو النقيض الرمزي للمتوحّش، يغدو رمزاً للإنسانية الوادعة المستضعفة في أرضها.

خاتمـــــــة:

إن الصورة الشعرية، روح التجربة، وبؤرة تشكيلها الجمالي، الذي يحدّد الدلالة المعنوية، للكلمة الشاعرة، بكل مالها من علائق بغيرها، داخل البناء الجمالي للجملة الشعرية، التي تحمل بين أحشائها، وثناياها التكافؤ والمبالغة والمجاز.

وبما " أن اللغة الشعرية، بوصفها تراكيب، ومجموعة ألفاظ، وعلائق معنوية متداخلة فيها، تتضمّن حساً وجدانياً، وإيقاعاً داخلياً، وإيحاءً، ورمزاً تتبلور كلها في الصورة الشعرية [ لأن ] القصيدة ليست وزناً وقافيةً وموسيقا شعرية محضةً " (47) بقدر ما هي تلوينات حركية تجسّـدها الصور الحسّية والذهنية، والرمزية.

ومع أن شعراء الأطفال في سورية، قد أدرك بعضهـم هذه الوظائف الفنية، وبصورة خاصـة المتمرسون بكتابة شعر التفعيلة للراشدين، إلاّ إن عدداً آخر لم يولِ الصورةَ الشعرية هذه الأهمية التي تستحقها، فلا تجد عنده إلاّ ما يرد منها عفو الخاطر، في ثنايا القصيدة، لذلك كثرت لدى بعضهم التشبيهات السهلة، المعتمدة على أداة التشبيه (الكاف) وغامت لدى بعضهم الآخر الصور المرسومة، كقول الشاعر " جرجس ناصيف " في " حكاية المطر " (48) :

أمضي إلى الوادي

كالبلبل  الشادي

تشـدّني الجبال

ببردها الشـديد

فتسقط الثلـوج

تكسي بها المروج

على مدى بعيـد

كأنها التــلال

تعلو على القـلال

وإذا كنا في التشبيه الأول نمسك بأطراف الصورة المعقولة المقبولة طفلياً :

أمضي إلى الوادي

كالبلبـل الشـادي

إلاّ أننا في الصورة الثانية التي ربطت بين طرفيها أداة التشبيه (كأنها) لا نستطيع أن نمسك بأيّ طرفٍ منها، لعدم وضوح أطرافها من جهة، ولعدم وضوح الدلالة التي يمكن أن تجعل الطفل يحلّق معها إلى عوالم جديدة، زاخرة بالمعاني الجديدة من جهةٍ أخرى، فأداة التشبيه تربط بين طرفي التشبيه من دون أن تؤدي أيّ قيمة للصورة أو للقصيدة، ولا تضيف دلالةً إيحائية رمزية أو ذهنية سوى الدلالة التعبيرية المحدودة المعنى، والمقتصرة على معناها المعجمي:

تشــدّني الجبال

ببردهـا الشـديد

والغريب أن جاذبية الجبال لم تشدّ الطفل إلاّ ببردها الموصوف بالشدّة وهذا غير معقول .

فتسـقط الثلــوج

تكسـي بها المروج

وهذا توصيف تسجيلي لا أثر للفن فيه .

على مدى بعيد

كأنها التــلال

تعلو على القلال

ويكاد المتلقي يضيع، وهو يحاول الربط بين طرفي التشبيه، فلا يصل إلى أبعاد الصورة المرسومة. فهل المشبه به (التلال) يرتبط بالمشبه (الجبال) أم بـ (المروج) حيث يمكن أن تربط الأداة( كأنها) بين كلا المشبهين، فضلاً عن أن وجه الشبه غائم باهت، يصعب الوقوف عليه، وفهم  دلالته. ولا ندري ماذا يفيد قول الشاعر، أو على من يعود الضمير الغائب في الفعل (تعلو) :

كأنها التــلال

تعلو على القلال

وكما بيّن الناقد :" د. سمر روحي الفيصل " في الفوائد التي تقدمت هده الدراسة، من أن صورة الشاعر ليست بالضرورة، هي الصورة التي تنطبع في مخيّلة الطفل، فقـد سبق أن نبّه الشاعر " بيان صفدي " في بحثه " شعر الأطفال ونماذج من سورية " (49) إلى ناحية هامّة مفادها أن الصورة الشعرية التي تُقدَّم للطفل، تختلف عن الصورة التي تُقدّم للكبير لأن " الصورة الجميلة عندنا ليست جميلة عنده، وعلى الصورة الشعرية أن تكون واضحةً في علاقاتها، غير مغرقةٍ في مجازاتها  الدلالية. . ".

.. إن التعبير بالصورة، هو مفتاح المضمون الحقيقي للإيصال والطرافة والملائمة لهذا الكائن الخيالي أصلاً، ولذا لا يجوز أن يتجاهل الشعراء طبيعة الصورة الخاصة بالطفل، ثم يكتبون كلاماً من نوع (50) :

تسافر النحل

في زورق العطر

والطير ينتقل

غنــاؤه غزل

جناحه دنيا

 بالنور تغتسـل

أو

والشمس صفراء الجبين (51 )

تبدو كحزن العاشقين

أو

سيف الشتــاء  حينما (52 )

يقصّ ريشــك النضير

أسقيــك من دمي لكي

تبقي عروســـة الغدير

أو

والفراشات تصلّي         فوق أهداب السواقي

والعصـافير تغنّي         بين لثم وعنـــاق

أو قول الشاعر " سليمان العيسى " في قصائد له (54 )

" الشــــــــــام نهر فتون "

" يا داري يــــــــا دار العرب

في صوت الأطفــــــال انسكبي "

" قريباً على الشط ترسي مرايا عبير وشمس "

أو

العنبر الفواح يـا وطن شذاك قد طرّزه الزمن

شراعنـــا الأول في الآفاق

يا أنت يــا وجه أبي الحنو

يا التماع الضــوء في العيون

إنا رسمنـــاك على الظنون

ورداً وكبرياء  وضحكة دماء

" وهكذا نلاحظ – والكلام للشاعر صفدي – في هذا الحشد من الصور ذلك الابتعاد عن الأصول المنطقية للطفولة، فتصوّروا مثلاً كيف سيفهم الطفل صلاة الفراشات فوق أهداب السواقي، وانسكاب دار العرب في صوت الأطفال، أو رسم وجه الأب على الظنون  ورداً. . .".

ونجد استغراق الشاعر " محمد منذر لطفي " في الصورة التي تنتمي إلى أدب الراشدين أكثر مما تنتمي إلى أدب الأطفال في قصيدة " أغنية إلى بلادي":

توشوشني حالمـات الورود

وكم مرة حدثتني الظـلال

وزنبقة الحقل راحت تقصّ

حكاية نهدٍ وخصرٍ وشال

مما تقدّم نخلص إلى القول إن الصورة الشعرية التي تقدّم للأطفال ذات خصوصيةٍ مرهفةٍ، فإذا تخلّت عن هذه الرهافة الخصوصية، أو ضاعت في متاهة التأويل والدلالة، والغموض والإبهام، انعكس ذلك على القصيدة، لأن القصيدة ليست بأي حال من الأحوال – في المحصلة – مجموعة صورٍ تلقى في السياق من دون دراسة و تمحيص، وإنما هي شبكة العلاقات المتبادلة بين عددٍ من العناصر " التي تخلق المناخ العام للنصّ ،كما تشكّل الصورة الأخيرة له، وعلينا أن نتملاّها من خلال النظرة الكلية .[كما ] أنها ليست مجرد زجاج يفصل بيننا و بين العالم، يحجبنا عنه، ولا نرى منه إلاّ سطحه الداخلي، إنها أكثر من ذلك :" نافذة مفتوحة تشير إلى ما خلفها، و تشفّ بزجاجها عما وراءه، وفي الحالين معاً تكون القصيدة دالاً و مدلولاً، تحيــل إلى نفسها، في بنيتها المتماسكة، و تحيل إلى غيرها في وظيفة هذه البنية " (55) وهذا ما يوجب على شعراء الأطفال إعادة النظر في صورهم الشعرية، والتأني كثيراً، و طـويلاً، عند صياغة صورةٍ جديدة في قصيدة المستقبل. كي تتبوّأ مكانة عاليـة، فتكون مصدراً مدهشاً لثراء التعبير والتوتّر، والحيوية الشعرية، ولتحقيق رمزيةٍ تتوسّع في التأمّل، وتسترسل في المجاز، حتى يغدو الرمز بمنـزلة " الوسيط الأمثل " لبثّ حالاتٍ، أو تعبيراتٍ شعرية إلى المتلقي، من قبيل (اليد البيضاء) و (الحرية الحمراء )... وهي ضروب من الأدوات المثقلة بما يحفل به الشعر الحديث من رموز. قد يجسّد الرمزُ فيها الرؤيةَ الشعرية، تجسيداً حارّاً، فيكون مصدر إثراء للقصيدة، وطاقةً هائلةً. دائمةَ التوهّجِ .

 

الإشـــــارات:

1 – للاستزادة. يُنظر : د. سمر روحي الفيصل. الخيال والتخييل في أدب الأطفال. مجلة  الموقف الأدبي. ص 11 العدد 365 دمشق 2001 وعليه اعتمدنا في هذه الفوائــد.  لكن من الملاحظ أن الباحث ركّز على الصورة في القصة أكثر من تركيزه على الصـورة  الشعرية .

2 – د. حسن عبد المحسن. شعر التفعيلة في الميزان. مجلة الموقف الأدبي. ص 70 العدد 373 أيار 2002 .

3 – بحثٌ أُلقي في المؤتمر العام للأدباء والكتاب العرب. دمشق 24 – 30 / 11 / 1979 .

4 – المرجع السابق .

5 – ديوان لمن يغني النهر. ص25

6 – ديوان ألعابنا الحلوة. ص 70

7 – المرجع السابق. ص 25

8 – المرجع السابق. ص 33

9 – ديوان تحيا الشجرة. ص 34

10 – أناشيد للصغار. ص 48

11 – من ديوان معدّ للنشر. لكاتب البحث

12 – د. عز الدين إسماعيل. الشعر العربي المعاصر. ص 132 دار العودة. ط 3 بيروت 1981 .

13 – مصطفى ناصيف. الصورة الأدبية. ص 217

14 – ديوان أناشيد للصغار. ص 8 

15 – المرجع السابق. ص 12

16 – المرجع السابق. ص 17

17 – ديوان أنا وأبي. ص 36 اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1996

18 – المرجع السابق. ص 45

19 – كتاب أسامة الشهري. نائل يلتقي أباه. ص 21

20 – ديوان نشيد الصباح. ص 17

21 – ديوان أناشيد الطفولة. ص 17

22 – ديوان ألعابنا الحلوة. ص 54

23 – حكايات شعرية للفتيان. ص 24. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 2000

24 – أسرار البلاغة. ص 239

25 – عبد السلام المساوي. البنيات الدالة. ص 109. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1994

26 – الصورة الأدبية. مرجع سابق ص 138

27 – البنيات الدالة. ص 117

28 - أناشيد للصغار. ص 14

29 – البنيات الدالة. ص 122

30 – أناشيد للصغار. ص 41

31 – أناشيد للصغار. ص 49

32 – ديوان لمن يغنّي النهر. ص 20

33 – كتاب أسامة الشهري. ص 25

34 – ديوان أنشودة المطر. ص 56

35 – ديوان ما زالوا الواحة. ص 35

36 – ديوان مرح. شعر ثائر سليطين. طبع خاص بالمؤلف. دمشق 2001

37 – البنيات الدالة. ص 128

38 – ألعابنا الحلوة. ص 60

39 – ألعابنا الحلوة. ص 63

40 – لمن يغني النهر. ص 16

41 – ديوان فتى الإسلام. ص 48. دار الفكر. دمشق 1979

42 – المرجع السابق. ص 51

43 – ديوان لآلئ كنعان. إصدار خاص. دمشق 1995

44 – ديوان هنادي تغنّي. ص 64

45 – الأعمال الكاملة. دار الشورى. بيروت ص 1 / 51

46 – من ديوان معدّ للنشر. لكاتب البحث .

47 – أصداء. دراسات أدبية نقدية. ص 90 اتحاد الكتاب العرب. دمشق 2000

48 – ديوان أغاني البراعم. ص 45

49 – مجلة الموقف الأدبي. ص 92 العدد 208 – 209 – 210 دمشق تشرين الأول 1988

50 – ديوان عصافير بلادي. ص 15

51 – ديوان عصافير بلادي. ص 23

52 – ديوان عصافير بلادي. ص 42

53 – ديوان عصافير بلادي. ص 124

54 – جميع الشواهد منقولة من دراسة الشاعر بيان صفدي المذكورة في الهامش (49 )

55 – د. نعيم اليافي. أوهاج الحداثة. ص 243. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1993

 

 

الفصل الرابع: التجسيد الفني. إيحاءات اللون

 

 

حينما يتحدّث الكاتب عن التجسيد الفني في شعر الأطفال لا بد أن ينتبه إلى صوت طفله الذي يشاهد (البلدوزر) الصهيوني في التلفاز يهدم منـزلاً فلسطينياً، فيصرخ :

" يا إلهي ! ما كنت أعلم أن في العالم جريمة بمثل هذه البشاعة!!! "

وفي زمن العولمة، لا بدّ أن ينتبه الكاتب إلى صوت الطفلة التي شاهدت فأراً في بيتها، فقالت مندهشة :

" عجيب منظر هذا الفأر ! أول مرة في حياتي أشاهد فاراً لا يشبه " ميكي ماوس !! ."

إن المثالين السابقين يجسدان طغيان الهجمة الشرسة، العسكرية والثقافية التي تختزل فكر الكاتب العربي، وتجابهه كما تجابه عقل الصغير، فترغمه على اكتساب قناعات جديدة، وتجعل من الصورة الغربية السلبية مصدراً لافكاك منه، تجذب الطفل العربي من فراغه المخيف، وتنقله إلى عالم موجّه مرسوم بعناية فائقة، وذلك بما تنطوي عليه من سحر وجاذبية، يفتقدهما في أسرته ومدرسته وكتابه، وتمده ثقافة الصور الملونة المتحركة بعدد لا ينتهي من الإيهام والإيحاء، تخرجه بها – كما يقول كاسبرز – " من عالم الطبيعة إلى مملكة الثقافة [ وتجعله ] يحيا في عالم رمزي... لأن الثقافة بمختلف تعبيراتها حاكت شبكة من الرموز غطت العالم ووارت خلفها الأشياء، وبذلك لم يعد الإنسان قادراً على محاورة الواقع وجهاً لوجه، أو التملي في ملامحه من دون وسائط، وإنما ينظر إليه من خلال تلك الشبكة. . لذا تلفع العالم بالأشكال الرمزية حتى أصبح الإنسان لا يرى إلاّ بوساطة منها " (1)

لدى الكتابة عن التجسيد الفني في شعر الأطفال لا بدّ أن تعترض الكاتب مسألة انصراف الطفل عن الشعر والتربية إلى أجهزة "الكمبيوتر والإنترنت " وجريانه خلف المثيرات والموثّبات الخيالية، مما تقذفه إليه التقنية الحديثة كل يوم، والذي ليس من شأنه أن يسرق الصغار منا فحسب بل يسرقنا نحن الكبار من أنفسنا .

هذه الموثّبات الطفلية الشائقة التي باتت تشغل حيّزاً من عالم الطفل الفكري والنفسي  والاجتماعي، لن يقف المربي والمفكر والكاتب تجاهها محبطاً مشلول الإرادة والتفكير، وإنما اقتضت طبيعة دور المثقفين أن ينير كل واحد منهم زاويته، وأن يؤديَ الدور المناط به .

ولعل كاتب الأطفال واحد من المعنيين بجمهوره. . فكيف يقدّم الشاعر قصائده ؟ وكيف يصل بها إلى عقولهم الحساسة، كي يظل درس الطفل الأول بالقصيدة :

           بلاد العرب أوطاني من الشام لبغــدان

           ومن نجد إلى يمن إلى مصـر فتطـوان (2 )

التجسيد الفني:

منذ القديم، اعترف (أرسطو) بفاعلية الأدب، وآثاره الأخلاقية والجمالية، ورأى أن تقصّ الحكايات، وأن تغنى الأغنيات التي تستهوي الناس. . ودافع (شيللي) عن الشعر الذي أقصى فيه  (أفلاطون) الشعراء عن جمهوريته، فقال :" الشعر مشروع الإنسانية المعترف به، إنه أسطورة خيالية تتجاوز المنطق، وهو رمز أكثر منه عقلاً يتحرك الناس على هديه، لكن صوره ورموزه من شأنها أن تحرك القلوب، وتؤثر في المشاعر العاطفية ."

ولقد اهتدى (برغسون) إلى أن بصيرة الشاعر أدق في كشفها عن الحقيقة من تحليل الميتافيزيقي، وهذا ما عناه (غروتشي) حين أصرّ على أن وظيفة الفن كلها تنحصر في كلمة " بصيرة " لأن الفيلسوف قد يملأ مجلداً بالحديث عن الخلود، غير أن بيتاً من قصيدة من أشعار (ووردز وورث) أو أسطورة من أساطير (أفلاطون) قد تضعنا في حضرة الشيء الجميل المباشر، وأن صورة يرسمها (سيزان) لشجرة أثقلها الثلج المتساقط، قد تمنحنا لأول مرة إحساساً لا ينمحي بحقيقة الشجرة، وقد تصبح شخصية " أنا كارنينا " في الرواية التي تحمل اسمها أكثر صدقاً من آلاف معارفنا من النساء .

هذا المذاق الذي يميز الحقيقة من ظلها، ربما تبين أننا نستطيع الاهتداء إليه وسط تلك الأشياء الشبحية (الخيالية) التي نسميها (الفنون). (3 )

وليست الشجرة المثقلة بالثلج، أو المثقلة الغصن بالثمر إلاّ جزءاً من الطبيعة التي لا تتوقف عن التجمّل والتطيّب والاكتحال والغناء، والتعبير " عن جمالها من خلال الأصوات والألوان والظلال والحركة، كما نعبر من خلال ذلك عندما ننفعل أيضاً "

والإنسان يستعين بهذه الجماليات الإلهية، شأنَ الطبيعة، في الإفصاح عما يحمل من معان، أي إنه يجسّد تلك المعاني تجسيداً فنياً، فيشكل للمعنى أبعاداً كي لا يظل المعنى مجرداً. وعلى هذا فالتجسيد – في علم اللغة – هو :" تسمية المعنوي بما هو حسي، أو وصفه، أو تشبيهه. . أما التجسيد – فنياً – فهو ميل معاكس للتجريد، أي : إبراز الماهيات، والأفكار العامة، والعواطف في رسوم وصور وتشابيه محسوسة، وهي في واقعها رموز معبّرة عنها، وهو تعبير عن الانفعال بصورة مشخصة، بالريشة، أو القلم، أو الإزميل، أو الإيقاع أو الحركة. " (4 )

وبتعريف أكثر استجابة لموضوع البحث، فإن التجسيد الفني هو: "تحويل المعاني والحالات إلى صور وهيئات بحيث تبدو جميلة أو مثيرة أو واضحة. " (5)

لقد حاكى الإنسان الطبيعة، وجسّدها في حياته اليومية، فأدرك لكبار والصغار جمال الوردة، وتحسسوا نعومة بتلاتها، وشميم أريجها، وتأملوا روعة تكوين الثمرة، وتذوقوا نكهة طعمها، وانتشوا بمنظر العصفور، وألوانه المتناسقة. . كل ذلك قبل أن يطالعنا العصر الحديث بوسائل الاتصال المتعددة، التي أوجدت أدوات جديدة للتجسيد، والتأثير الفني في الإنسان .

 

لكن جانباً مهماً من عملية التجسيد الفني ظل يعتمد على اللغة وحدها أداةً للتوصيل، فالشعر وسواه من الأجناس الأدبية، يحمل مضمونات مجسّدة فنياً، ولهذا كان تأثيره في الناس كبيراً، وقد استعانت اللغة بالطبيعة – والطبيعة ألوان وأشكال – لأن الوصف اللفظي " يظل عير دقيق، وفي أحيان أخرى يكون مضللاً، ويرجع هذا إلى أن للغة قدرات خاصة تعجز عن تخطّيها، كما أن العالم الإدراكي للشخص مقيّد بجملة حدود، لأنه من غير المستطاع أن يدرك الإنسان إدراكاً كاملاً خبرات لم يمرّ بها في حياته الاعتيادية، لهذا فإن مدارك الأفراد المختلفين، تختلف باختلاف خبراتهم، لذا فإن كل كلمة، أو جملة، لا تعني مفهوماً متطابقاً تمام التطابق بين الناس. لذا يقال إن لكل فرد مرشحاً خاصاً تمر من خلاله الأفكار، لتنتمي إلى شكل فيه كثير من المعالم التي لم تكن تحملها في الأصل. (6)

إن " وسيلة اللغة الشاعرة هي التي تجعل السامع العربي يفهم المعنى المقصود على الأثر، إذا سمع واصفاً يصف حسناء بأنها بدر على غصن فوق كثيب، لأن الذهن العربي تعوّد النفاذ في الصورة الحسية إلى دلالتها النفسية، فهو لا يرسم في ذهنه قمراً وغصن شجرة وكومة من الرمل حين يستمع إلى تلك العبارة، ولكنه يفهم من البدر إشراق الوجه، ومن الغصن نضرة الشباب، ولين الأعطاف، ومن الكثيب فراهة الجسم، ودلالتها على الصحة، وتناسب الأعضاء. " (7)

إن الفنان يعمل دائماً في مادة ما، فهو يبني بالحجر أو باللون، ، أو الكلمات " غير أن الكلمات – وعلى الأخص كما يستخدم الشاعر - فن يثير أغرب المشكلات، وأكثرها دقةً من أي نظرية من نظريات الفن، فاللغة في أحد مظاهرها، أطوع الأدوات تحقيقاً لأغراض الإنسان العملية، وهي الوسيلة التي لا يستغني عنها في الاتصال بين الناس. . وهي في الوقت نفسه تتميّز بالاهتزاز والوقتية. شأنها في ذلك شأن الموسيقا. " (8)

ولهذا كان الشعر في أحد معانيه، موسيقا إيقاعية، تتقيّد بأصوات متجسّدة في لغة بعينها، كما يمكن أن يعدّ صورةً من صور الاتصال بتأثيره الموسيقي .

إن اللغة التي تجسد العمل الفني لا بدّ لها – إضافة إلى الموسيقا – من عناصر تساعدها على فنية التجسيد " كالأصوات والألوان والرسوم، وعلى هذا [ لا يكتفي الشاعر بالاستعانة ] بلغة الكلام وحدها. بل يستعين بلغة أخرى ليست كلامية بالمعنى المصطلح عليه. حيث تساعد هذه الأخيرة على التصوير بصورة أكثر دقةً ووضوحاً وتجسيداً، وتعدّ هذه اللغة غير اللفظية أكثر مرونة – في حالات عديدة – من اللغة اللفظية، لأنها لا تخضع لبعض ما تخضع لـه اللغة من قيود، وبذا تتيح مجالاً واسعاً للتفكير، وعلى هذا إذا كانت اللغة اللفظية وعاءً للفكر، فإن اللغة غير اللفظية وعاء آخر لـه، حيث أتيح للإنسان بفضلها أن يفكر من خلال الأشكال والإشارات، والأصوات. والألوان والحركات ". (9 )

دور اللون في التجسيد الفني:

"كان الشعراء التقليديون لا ينظرون إلى اللون نظرةً ماديةً في ذاته، على أساس أنه حلية زائدة ترتبط بالشكل، بينما يراه الرومانسيون في علاقاته رؤيةً شعوريةً على أساس أنه قيمةٌ تعبيريةٌ ترتبط بمعنى العمل ومحتواه وبتجربة صاحبه الوجدانية، أو هو على حدّ تعبير " مطران " : " صورة الوجدان ". (10)

يلعب التجسد الفني دوراً هاماً في عملية الاتصال للأطفال، وتقوم الألوان بالمساعدة على عملية هذا الاتصال، لأن النصّ الشعري الذي تحلّيه الألوان أو الأضواء يثير في أنفسهم عملية (ذكريات سابقة) هي بمنـزلة الخبرات المكتسبة، فـ (يتخيلون) صوراً جديدةً مركبةً تثبت في وعيهم، ومن ثم يكون فهمهم أكثر دقةً .

إن اللون من شأنه أن يوضّح المعنى ويقرّبه للطفل، كما يشكل حافزاً للفت انتباهه، وإثارة اهتمامه، وتحبيبه بالصورة المرسومة خلف الكلمات الشعرية، من خلال ما تحمله في داخلها من عناصر تشويق وجاذبية، وما تحققه من انسجام وتوازن للأشكال في نفسه، وفي إرضاء ميله نحو ألوان تهفو إليها العين وتهواها النفس .

تزخر الألوان بالدلالات والإيحاءات، والقيم التعبيرية لأنها " أشبه ما تكون بالظلال من ناحية تجسيم المدركات، وإيضاح الشكل وإعطائه معنى الحياة، فهي إذ تضفي على المدركات جواً حيوياً. تقربها من نفس الرائي، وتولّد لديه تجاوباً مع الحياة وتشكل لديه – أيضاً – مزاجاً نفسياً خاصاً ". (11 )

إن التجسيد الفني للون من شأنه أن يعيد الكلمات الاصطلاحية إلى حالتها البَدْئية، " لحظة انطلاقها من مكون التجاوز الإنساني، عامرة بالإثارة، حافلةً بالدهشة، خصبة الدلالة. هذه الكلمات التي انطلقت من الفطرة الإنسانية تسحر الأسماع بوقعها، وتأسر العقول بإيحاءاتها، وتمدّ بينها وبين الشاعر جسوراً تصله بالعوالم الأخرى " (12 )

إن الكلمات الأولى ليست سوى تكوينات عضوية، حاضرة حضور كل كيان عضوي، فالطفل الذي يقرأ كلمة (حمراء) وبعدها (مضرجة) في بيت " أحمد شوقي " :

وللحرية الحمراء باب       بكل يد مضـرجة يدق

لن يغيب عن خياله (لون الدم) الذي يثيره اللون الأحمر، وقد ارتبط بالثورة السورية الكبرى، والتضحيات التي قدمها الآباء لطرد الفرنسيين عن أرض الوطن، وهو سيختزن في وعيه حقيقة الانتماء إلى الأمة، ويُؤمن بضرورة ثورتها، لأن اللون الأحمر بدلالته سوف يحقق تطلعات القيمتين التربوية، والوطنية، نظراً لولع الأطفال غير المحدود باللون، فهم يفضلون الألعاب الملونة، ويؤثرون السكاكر الملونة، والألبسة الملونة، وأن لكل لون درجةً من الأفضلية، فالجلوس على المرج  الأخضر، أفضل من الجلوس على التربة الجافة، والسماء الزرقاء أفضل من المكفهرة، والكناري الملون أفضل من الدوري، وفي ذلك كله تشخيص للغة بكلماتها التي تمتلك من الحياة، ما يملكه كل كيان عضوي، وبهذه النـزعة الحيوية الإحيائية تتمّ أنسنة الجمادات والحيوانات والنباتات .

والتماهي مع اللون ينتهي بابتكار صورٍ جديدة هي أحد معالم الحقيقة الإنسانية في المتعة النفسية، والجمالية، وهي وسيلة الشاعر للوصول إلى أحاسيس الأطفال، وإطلاق شرارة الوعي، ونوازع التفاعل والتجسيد في مواجهة المدّ الحضاري .

إن من المتفق عليه في نظرية القراءة لدى عديد من النقاد، أن الشاعر يُلون قصيدته كما يلوّن الرسام لوحته، بيد أن الشاعر لا ريشة له ولا أصباغ، وإنما عدته البنى الإفرادية، التي تحول الجامد إلى متحرّك، والأبيض / الأسود، إلى ملوّن، ويوظّف صوراً تضفي على نصّه الشعري جمالية جديدة، وتبعث في كل جزء من أجزاء بنيته التركيبية رونقاً آسراً .

يقول الشاعر " بيان صفدي " في مطلع قصيدة " خولة " : (13 )

خولـة خـولة    بـــنت الأزور

اســم يبـقى    أخضـر أخضـر

إن تكرار لفظ اللون " أخضر أخضر " ينمّ عما يحمله الشاعر في وعيه لهذا اللون من قيمةٍ لا يفي غيرها بها، لذلك قدمه بإيقاعه المحبّب موحياً دالاً، لأن الخضرة هي الحياة الدائمة، وقد كانت ولا تزال رمز الأمل والحب والتجدد والخصب، كما هي رمز النبل والشرف. . وموقعها في البيت الشعري يبيّن حالها، ويؤكد ما لاسم خولة من مكانةٍ، فوصفه بالبقاء، وجعل من لوازم ذلك  " الخضرةَ " التي تعني العطاء والخلود، إضافةً إلى رمزية اللون الأخضر للقيم الخلقية والبطولة، فخولة في كتب التراث فارسةٌ أبيةُ النفس، ورمز المرأة العربية المتحفزة، وهذا المعنى الرمزي للون هو ما عناه " أبو تمام " في قوله :

لا تبعدن أبداً وتبعد فما     أخلاقك الخضر الربا بأباعد

لقد خلق الله هذا الكون جميلاً، بما أنشأ فيه من جبال راسيات، وروابي ومنخفضات آتت أُكُلَها ضعفين، " فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزَّتْ ورَبَتْ، وأنبتتْ من كلِ زوجٍ بهيج " [ الحج الآية (5) ] " فإن لم يصبْها وابلٌ فطلٌ " [ سورة البقرة الآية (265) ] ومن حقول مزروعة وبساتين مثقلة بالزهر والثمر، ومن بحار وأنهار وسماوات، هي عوالم جمالية، تهزّ الألباب، وتثلج الأفئدة، وتشرح الصدور، وأجمل ما في هذا الكون بغير منازع هو هذا الاخضرار الذي يزيّن المساحات الواسعة من الأرض الحية، متمثّلاً في الأشجار والأزهار والنبات، ومن الطبيعي أن تنتظم لآلئ كثيرة من عقود القصائد لتزيّن أجيادها، وثيابها.

لقد شغلت هذه البنى الإفرادية حيّزاً لا بأس به، فأضفت على القصائد رونقاً جمالياً، وطبعتها بطابع التلوين والتنميق، الأمر الذي يجعل المتلقي يقف منبهراً إزاءها، تشدّه إليها رغبة جامحة في أن يضمّها بين يديه، وإلى صدره، يتمتع بإيحاءاتها خيالاً، ونظراً، وعطراً.

واللون الأخضر محبّب لنفس الإنسان العربي، لأنه مبعث البهجة والفرح، فعدّه " ابن القيم " في كتابه " الطب النبوي " أول الأربعة المفرحات في الحياة : " النظر إلى الخضرة، وإلى الماء الجاري، والمحبوب، والثمار. "

وقد اكتسب اللون الأخضر مكانةً رفيعةً في الثقافة العربية الإسلامية، فكان لـه حضور قوي في القرآن الكريم (متكئين على رفرفٍ خُضر وعبقري حسان) (14) كناية عن النعمة، وهو لباس أهل الجنة. . وقد كثّف هذه الحضورَ اهتمامُ الشعر العربي به، ومن ثم اتخاذه رمزاً حياً على مدى العصور. تتزين به الرايات والأعلام. (15)

والتجسيد الفني للون بنوعه الرمزي الإيحائي، كما انصرف إلى الشخصية الإنسانية، فقد اتجه إلى الأشياء المعنوية، يلقي عليها ظلاله، فيلعب دوراً بارزاً في التعبير، وكلما كان الشاعر دقيقاً في جلاء الصورة، كانت نظرته، وتمييزه للأضواء والألوان واضحاً دقيقاً. كقول الشاعر : (16 )

وغداً أكبر

ومعي يكبر حلم أخضر

سوف يقال :

خرجت عن طور الأطفال

فاللون الأخضر ظل تجسيداً فنياً للحلم المعنوي الذي يمتدّ متطاولاً في الزمانين: الماضي والمستقبل .

ووصف الحلم بالخضرة فيه تقريب من الشجرة الخضراء، فكما تكبر الشجرة وتخضرّ، يكبر الحلم بالخصب والأمل .

ولا يبتعد الشاعر " خضر عكاري " عن هذا المعنى في قصيدة " من أيقظ الأشعار " : (17 )

أطلقت أحلامي

تزهو وتخضرّ

والجدول الصافي

كالثغر يفترّ

وعطف اللون على الزهو فيه ائتلاق للصورة، وتوكيد على حيوية الأحلام، ونمائها.

ويأخذ اللون منحى رمزياً آخر حين يجسّد مقولةً إنسانية عامة يعجز غيره عن تجسيدها : (18)

عمي يا شجر الليمون

عانق أحراج الزيتون

نلمحه إذ يأتي العسكر

في راحته جرح أسمـر

في جعبته غصن أخضر

إن ما يطلق عليه " بيت القصيد " في الأدب العربي، جمع إرهاصات الشاعر وصبّها في جعبة الفلاح العربي المقاتل، فاحتوت على غصن موصوفٍ بالخضرة، ليغدو الغصن الأخضر رمزاً للمحبة والسلام.

ويظهر تألّق اللون الأخضر، حين وضعه الشاعر في نهاية مجموعة ألوانٍ جسّدها المقطع  بالصورتين : المباشرة، وغير المباشرة، فشجرة الليمون توحي ثمارها بالصفرة، وحقول الزيتون توحي بالخضرة التي تقترب من السواد لشدّة خضرتها وتداخلها، كما في قوله تعالى " مدهامتان " (19) ثم يأتي لون جرح راحة اليد الأسمر، فتتداخل الحمرة بالسمرة، وتتوالى هذه الألوان والظلال، من الصفرة إلى الخضرة والسواد والاحمرار حتى تصل بالقارئ إلى ذروة الانفعال، في جو لوني يقنعه بأن العم الفلاح إنما يقاتل من أجل السلام.

وقريب من هذا المعنى قول الشاعر " سليمان العيسى " في "أنشودة الشهيد ". (20)

  لكي تخضّر يا بلدي

  وتخفق راية العرب

  أنا صوت الشهيد وناره الخضراء يا وطني

إن اخضرار البلد أمر طبيعي، فبلادنا زراعية – والحمد لله – وإن كان الاخضرار هنا يعني التوهّج، واجتماع الموصوف " النار " رمز الحرب والقتال والاحتراق، مع الوصف " الخضرة " رمز الحياة والسلام والحب، يجسّد الهدف الذي توخاه الشاعر، والذي يتلخص في أننا نقاتل لكي نحيا، وأن الحرب مقدمة السلام، وسنرى فيما بعد أن سليمان العيسى مفتون بالألوان ولا سيما الأخضر منها.

أما قول الشاعر صالح هواري في قصيدة " الغيمة والبحر " (21)

  في الأفق الواسع

  طافت غيمة

  تحمل في عينيها مطراً أخضر

فإن وصف المطر بالخضرة جاء على سياق البلاغة العربية باعتبار ما سيكون، وليس باعتبار ما هو كائن، كما في قوله تعالى " ولا يلدوا إلا فجراً كفّارا " (22)

والرمز قريب للأفهام على الرغم من أنه لا يحمل كثيراً من الجدّة والتجسيد الفني، واستعمال اللون لغير المعهود – ناره الخضراء – مطراً أخضر – عرفته الآداب الأخرى وربما ردّه بعضهم إلى غموض الشعر. يقول " تولستوي " في نص - كان في زمان ما عظيم الأهمية - " ما الفن " معلقاً باستهجانٍ على قصيدة لـ " فيرلين " كان قد شبّه فيها اللون غير المؤكد للجليد بالرمل اللامع  " الذي يغطي سأم السهول المترامية " كما شبه السماء بنحاس كئيب فيه عاش القمر ومات، وقد اتهم " تولستوي " الشاعرَ الفرنسي " فيرلين " بالعديد من الاتهامات وشبهه ببائعة السمكة الذهبية، وقال : " أيمكن أن يعيش القمر ويموت في سماء نحاسية ؟ ‍‍‍كيف يمكن أن يلمع الجليد كالرمل ؟ ‍‍وكيف يمكن أن ينسب الفرنسيون مثل هذه الأهمية لهذا الشويعر ؟ الذي هو أبعد ما يكون عن المهارة في الشكل، والذي هو حقير. . وسوقي لأقصى درجة في الموضوع " بينما أصبح على تلاميذ المدارس الفرنسية اليوم أن يحفظوا هذه القصيدة عن ظهر قلب. ويصعب أن نفهم الأسباب التي أثارت (تولستوي) إلى هذا الحد ". (23)

إن الشاعر يمتلك القدرة على امتلاك الرموز اللغوية للتعبير عن الأشياء والأحداث البعيدة عنه كما – والبعيدة عن الحقائق الواقعة - "أي تلك التي لا تعدو عن كونها مجرّد افتراضات، فالإنسان هو الوحيد الذي يمكن أن يقول مثلاً لو كان القمر يضيء في النهار " أو " لو كان الثلج أسود اللون ".. و [ بهذا ] فإن اللغة لا ترمز أيضاً للمكن "(24).

ويجسد اللون الأسود رموزاً موحية بالقتامة والظلمة فهو رمز للطغيان والظلم والكفر "يوم تبيّض وجوهٌ وتسودُّ وجوهٌ، فأمّا الذين اسودّت وجوهُهم أكفرتم بعد إيمانكم " (25)

ولا يقلّ أهميةً في التأثير من بقية الألوان، ويحمل دلالاته الفنية الخاصة به. ولنأخذ مثالاً من قصيدة  " القائد والنملة " في القصة المعروفة، حيث يعجز القائد عن كسب معركته الأخيرة، وحين تأمّل النملة تواصل معركتها السيزيفية مع حبة القمح حتى تنتصر، أخذ

يفكر: (26 )

  في كل الوقعات الســود

  كان الغالب كـان الظافـر

  هذي القلعة كيــف يعود

  عنها ؟ كيف يذلّ القاهـر

إن عبارة " الوقعات السود " تشير إلى ضخامة المعارك التي خاضها القائد، وقد جسّدت الصفة هذه الضخامة، فلم تأت مجردةً جافةً، وإنما حفلت بكثير من الحيوية والإيحاء، وهي أجمل وأوفى غرضاً من القول " الوقعات الحمر " في هذا الموضع من القصيدة، لأنها تمدّ الطفل بالصور المخيفة للحرب، وتجعل منها لوحةً درامية.

وكذلك الحال بالنسبة لعبارة " الريح السوداء " في قول الشاعر : (27)

بلدي المحتل فلسطين

لم يزهر فيـه الليمون

لم تضحك فيه الأفياء

منذ هبّت ريح سوداء

فقد جسد اللون همجية الأعداء... وقريب من ذلك عبارة

"والأسود يا وجه الأعداء " في قول الشاعر : (28)

  بالأحمر

  لوّنت زهورا

  بالأخضر

  لوّنت طيورا

  والأخضر من لون المرج

  والأبيض صفائح كالثلج

  والأسود يا وجه الأعداء

  والأزرق أنهار وسماء

إن الألوان – في هذه القصيدة – كانت وسائل تزيينية لازمة، وحضورُها يتجسّد أمام عيني الطفل، فيضفي جمالاً على اللوحة الشعرية. لكن اللون الأسود برز من بينها حاملاً خاصية متميزة، منفّرة، توحي بالبشاعة، وتنمّ على الإجرام، بعد مجموعة من الألوان الزاهية المحبّبة للأطفال التي تشرق فيها المروج والعصافير والأزهار.

" إن الشاعر يلوّن خطابه مثلما يفعل الرسام في لوحته، بيد أن الشاعر لا ريشة لـه ولا أصباغ، وإنما هي البنى الإفرادية التي تحوّل الجامد إلى متحرك / والأبيض - الأسود / إلى ملوّن، فالشاعر أياً كان، يوظّف صوراً ملونة تضفي على خطابه الشعري جمالية خاصة، يبعث في كل ركن من أركان بناه التركيبية. وزيادة على ذلك فإنها تضفي انطباعاً لدى المتلقي بغض النظر عن التورية التي يستتر خلفها، أو المجاز الذي يُقنّع كثيراً منها. " (29)

وقد فعلت الألوان فعلها في القصيدة الطفلية حيث أتاحت للطفل "أن يتوحّد مع المواقف التي يحملها المضمون الاتصالي دون أن

يشعر بأنه يتلقى مواعظ وتوجيهات إرشادية ثقيلة، أو معلومات

جافة"(30).

يا كعكة عيد  الميلاد

يا جنة روحي وفؤادي

زيّنك الصانع بالشمع

عشراً تتباكى بالدمع

فبرزت حديقة  ألوان

من أبيض أو أحمر قاني (31 )

إن حديقة الألوان التي شكّلتها أضواء الشموع التي تنعكس ظلالها على كعكة الحفلة تنقل الطفل إلى حالة (الحلم) أو ما يشبه ذلك، وغدت القصيدة أكثر من مجرّد ما تحويه من مقاطع قائمة  بذاتها، ومن إيقاع وكلمات أو من مجرّد معناها الذي يمكن شرحه مدرسياً. "إنها خلقٌ كليٌّ، وكائن عضوي في ذاته، يمكن حمله في أعماق اللاشعور عند الشاعر، ويتمثّل وجوده في ذلك الحلم الذي يخلد فوق صفحة من ديوان شعر .

إن الشاعر الذي يوشّي نصه بألفاظ اللون، ويزيّن صوره بما تشكّله الألوان من ظلال، لا بدّ أن يكون قد وعى مجموعة الموثّبات التي تصله بالطفل، والتي قوامها الرموز واللمحات الإرشادية، و "اللفظية الموحية، الخفيفة الظل. البعيدة الهدف. التي تلقي وراءها ظلالاً وألواناً وتترك أثراً عميقاً في النفس. " (32 )

ويرى الباحث" أحمد نجيب " (33) أن من الأهمية بمكان أن يتخيّر الكاتب الألفاظ السهلة، الواضحة، التي تؤدّي المعنى من دون تعقيد أو صعوبة، وأن يثير بألفاظه وعباراته المعاني  الحسية، والصور البصرية، والأمور المتحركة والمسموعة والملموسة، والأقرب للأطفال استعمال التكرار للتأكيد... والأقرب أيضاً للأطفال أن نستعمل مع الألفاظ، بعض الصفات التجسيمية (الملونة) بدلاً من استعمال المدركات الكلية المجرّدة، فنقول : " القط الأسود.. . " و "الدجاجة الحمراء... " و " الرجل ذو اللحية البيضاء... " لأن الطفل في مرحلة الواقعية والخيال المحدود بالبيئة، يكون أقرب لنفسه وإدراكه أن نقول :

" البطة السوداء " و " الأرنب الأبيض " و " الشجرة الخضراء " و" الفتاة ذات الرداء الأخضر " بدلاً من مجرّد البطة والأرنب والشجرة والفتاة ".

إن " اللفظة " تكون وسيلة من وسائل التجسيد الفني، إلى جانب اللون والصوت والحركة والصور والرسوم، حين نستعملها مع بعض الصفات الواضحة و (الملوّنة) بدلاً من استعمال المدركات الكلية، فنجعل اللون يسير في اتجاهين :

الاتجاه الأول : " استخدامٌ عارض يفرضه حسّ الشاعر العميق، وحبّه للطبيعة، وقدرته الفائقة في الوصف والزخرف، ويدل على جودة صنعة الشاعر، وموافقته لمفهوم المحاكاة إلى حدّ ما، في أن الصورة لديه من الجودة بحيث تقرّبنا من الصورة الحقيقية، الموصوفة أكثر. . فأكثر. . " (34)

شجرة الليمون عندي

أجمل الأشجار شكلاً

شكلها الأخضر يبقى

زاهياً فصلاً ففصلاً (35 )

فشجرة الليمون هي أجمل الأشجار من حيث الشكل لأن (شكلها) [ الشكل هنا غير مقصود بمعناه وإنما المقصود " اللون " ] الأخضر يبقى زاهياً على مدى الفصول. فاللون الأخضر لم يؤد وظيفة حسية، ولم يجسّد معنى فنياً أو رمزياً، وإنما ظلّ في إطاره التقليدي المعهود (الشجر الأخضر) ومثله قول الشاعر : (36 )

خش. خش خش

أوراقي صفــر

العالم أرهقه الكفـر

والليل المظلم والشر

فالأوراق (الصفر )، والليل (المظلم) ورد فيهما اللون مجرّداً لم يتجاوز إطاره المعهود، والذي أتى به حب الشاعر للون، واهتمامه به، ومثله قول الشاعر : (37 )

 جاء الأرنب

 حراً يلعب

 في شاربه عشب أخضـر

 هل تأكل من حقل الزعتر

فقد ظلّ العشب أخضر كما هو في الطبيعة ضمن إطاره المتعارف عليه في وصفٍ أقرب إلى المحاكاة التي تثير المرح، أكثر مما تخدم الغرض اللوني، والمعهود في الشعر عامة، وفي شعر الأطفال خاصة  " أن للكلمة قصداً منطقياً ومضموناً سيكولوجياً معاً. "

إن فن الشعر يعتمد جزئياً على هذا الازدواج. . وإن ما يشغل الشاعر ويهتمّ به أولاً وقبل كل شيء هو ما تحمله الكلمات من طاقة، لا ما تحمله من صدق "إن الشاعر يحاول أن ينفخ الحياة في التجربة... وهو لذلك يتخيّر الكلمات واستعمالاتها التي تثير في القارئ حالة نفسية بعينها أكثر من نقل صور وعواطف وأفكار إليه " (38) ولتجسّد معانيَ جديدة، لأن :" التجسيد الفني " يهيئ للأطفال أن " يروا ويسمعوا المعنويات دون الاستعانة بالعيون أو الآذان حيث تبدو لهم وكأنها محسوسة، كما تتضح لهم المحسوسات بشكل أوضح، وإذا كان وقوف الأطفال على لأشياء الحسية من خلال اللغة أسهل من وقوفهم على الموضوعات المعنوية كالشجاعة والتعاون والحب، فإن بالوسع تقريب هذه المفهومات إلى الطفل من خلال تجسيدّ الصفات والمظاهر المادية المرتبطة بها. . علماً أن الاكتفاء بإطلاق الأوصاف العامة على هذه المعنويات قد يزيدها تشويشاً في الأذهان، لأن الأوصاف تعطي مدلولات فضفاضة بينما يقود التجسيّد إلى مدلولات خاصة، ويضفي جواً على الموقف أو المعنى، وبهذا يتجاوز التجسيد قدرة الكلمات على الوصف، ولهذا أيضاً فإن المدلولات الخاصة والأجواء التي يضيفها تظل أكثر واقعية " (39)

الاتجاه الثاني: " استخدام اللون لغاية ما، والشاعر من خلال ذلك يستخدم تقانة الفن التشكيلي، وفهمه المعمّق لخصائص اللون على حامل لغوي، من خلال الصورة الشعرية، وهو بذلك يؤسس لجدليّة التلقّي البصري من خلال اللغة، ويؤكد من خلال الألوان على أهمية ارتباط اللون بالموسيقا الشعرية، حيث الانطباع الذي تخلفه الألوان في النهاية هو انطباع موسيقي،  و بذلك يكون استخدام اللون بهذا الشكل مغامرة تجريدية للولوج في تفاصيل الموجودات والواقع " (40)

  تفاح البستان الأحمر

  قد زيّن وجه البستان

  فله طعم مثل السكر

  وله خدّ كالرمــان (41)

إن لون التفاح الأحمر لم يكن عارضاً، وإنما كان مقصوداً، استدعاه حسّ الشاعر، وحبّه للبستان رمزِ الخصب والعطاء، وكنـزِ الجمال، وقد غدا في عين الشاعر زينةً قبل أن يأتي على مذاقه من جهة، ولون خدّه الرماني من جهة ثانية، وقد أدى السياق الشعري إلى توارد ألوان وظلال ألوان وتشبيه، بإضفاء صفة الأنسنة على التفاح (ولـه خدّ كالرمان) إلى تجسيد الصورة العفوية، وتحميلها بإيحاءات خصبة، إضافة إلى أنها أصوات موسيقية، ورموز منطقية، وإثارات وجدانية معاً.

إن الكلمات مثيرات وجدانية، ومهمة شاعر الأطفال – كما هي مهمة شاعر الراشدين – أن يوقظ الخيال الراكد، مستعيناً على تحقيق هذه الغاية بأدواته الفنية، بغية صياغة نصّ بإيحاءات تشكّلها الكلمات التي بوسعها تحطيم الصور التقليدية " وإحالتها إلى عناصر حسية، كتلك التي تصير إليها التجربة حين تطرق خيال الطفل. لذا نجده يملأ شعره بالصور الحسية المادية الواضحة، ويعدّد (لون) ذلك العالم، و(رائحته) و (مذاقه) و (ملمسه )... " (42)

لقد جسّدت قصيدة الطفل هذه المعطيات الفنية، وحفلت بالتفصيلات الحسية المادية الواضحة، ففي مقطعي القصيدتين : (كعكة عيد الميلاد) و (الفصول) قرأنا :

فبرزت حديقة ألــوان

من أبيض أو أحمر قاني

  و

تفاح البستان الأحمــر

قـد زيّن وجه البسـتان

فـله طعم مثل الســكر

ولـه خدّ كالرمـــان

وقد تجسد اللون محسوساً جلياً (حديقة ألوان – أبيض أو أحمر قاني – تفاح البستان الأحمر – خدّ كالرمان) كما تجسّدت الرائحة والطعم في : (كعكة عيد الميلاد – طعم مثل السكر – كالرمان) فضلاً عن الانطباعات الحسية الجمالية التي يوحي بها تآلف هذه التفصيلات، من خلال اختيار الشاعرين للنعوت المنبّهة التي تكشف للعين الوجهَ الساحر للأشياء، وتسميها بأسمائها الحقيقة  لا الرمزية - التفاح الأحمر – طعم السكر – الأبيض والأحمر القاني – وبهذه اللمحات الشعرية كشفت القصيدتان عن جدّة الأحاسيس، والشاعر الحاذق ينجح في الوصول إلى هذه الغاية، ويكشف لنا الأحاسيس التي نلقى – نحن الكبار – مثلها عند طفلٍ لم تفقد عيناه وأذناه براءتهما، ليبعث الحياة في أحاسيسه عن طريق ربطها بعواطفه وآماله ورغباته :

  في أول الربيع

  تستيقظ الزهور

  تبدّل الدموع بحفنة من نور

  وذات يوم

  جاءنا معلم جديد

  وقال :

  يا صغار

  اليوم من حكايتي

  تنهمر الأمطار

   فهذه الغيوم

  رسالة الشتاء

قولي لنا

يا زهرة الرمان

ندعوك جلنار

وأنت تغرقين

في حمرة المساء

عرضنا هذا القسم من القصيدة بغية الوقوف على القيمة التربوية التي يجسّدها اللون، حيث تثير الألوان الحيرة في نفس الطفل، وتدفعه للتساؤل عن سرّ هذه الألوان. وكي تأخذ القيمة المعرفية أبعادها، فإنه يلجأ إلى الاستفهام، وما يقتضيه المنطق التربوي، فيوحي للأطفال بسؤال (زهرة الرمان – الجلنار، الغارقة في حمرة المساء) وهنا تتبدّى علاقة الشعر بالفن التشكيلي. . ففي الشعر تتجسّد الصورة اللونية في ألفاظ وإيقاع وشكل ولون، وإيحاءات ذوقية، تتمثّل في طعم الرمان، وفي دلالات نفسية، وحسية، محمولة بحاملها اللغوي الشعري. من خلال اللوحة الشعرية العامة. أما في التجسيد التشكيلي، المتمثّل في (البصري) مقابل (اللفظي) فإننا نجد المزج والتغيير في الشكل، والتدرّج في اللون، من لون الزهر إلى لون الرمان، إلى الجلنار إلى الغرق في حمرة  المساء. إضافة إلى ما يوحي به شكل الزهر في التفتّح، وشكل الرمان في الاستدارة .

" من هنا تكمن أهمية التأكيد على علاقة اللفظي بالبصري، وحول إمكانية قراءة الأعمال الشعرية التي تستخدم اللون قراءة بصرية، و... أن الموضوع في النهاية قد يكون واحداً، لكن الخلاف في الأدوات، فأدوات الفنان في رسم الشجرة – مثلاً – هي : (الخط – اللون – الضوء) وأدوات الشاعر في وصفها هي (المجاز – الاستعارة) " (43 )

إن عدداً من شعراء الأطفال، اهتمّوا باللون وإيحاءاته (44) وقد عبّرت القصائد عن إدراك سيكولوجية اللون وتأثيراته، ودوره في القصيدة، والصورة، وجعل بعض الشعراء من اللون هاجساً، فأدخلوه في عنوانات القصائد، كـ (الحقل الأخضر) و (أقلام التلوين) و (الطفل الرسام)  (45) و (الألوان) و (أسود في أسود) (46) و (أقلام التلوين) (47)  و (العنـزة البيضاء) (48) و (أحلى الألوان) (49)...

إن الشاعر سليمان العيسى –رائد شعر الأطفال العرب المعاصر– لم يدرك أبعاد اللفظة فحسب، وإنما أدرك السرّ الذي يطلبه الأطفال من اللون في القصيدة ، فجسّد أحلام الطفولة، وألقى في خلدها، أن العالم يتجمّل بالألوان، ويتزيّن بها، لذلك نجده يتقمّص شخصية طفل صغير، ويمسك فرشاته وعلبة ألوانه، ويرسم العالم من حوله بالألوان. زرقة السماء، وخضرة المروج، وذهب السنابل، وأرجوان الورد، والوطن، و:

  عصفور طلال

  شلال جمال

 و :

  ورقات تطفر في الدرب

  والغيمة شقـراء الهدب

إن طفل الشاعر الفنان يرسم أباه وأمه بالألوان، والشعر يكتبه بالألوان، وكل ما يدور في فلكه بالألوان :

  أرســم بابا    أرســم ماما

           بالألوان

  أرسـم علمي     فــوق القمم

           أنا فنان (50 )

ويولي الشاعر (اللون الأخضر) عناية خاصة – كما ذكرنا قبل قليل - فالقطار أخضر، والقلب أخضر، والكنـز أخضر.. في رموز وإشارات إلى المستقبل الواعد، والوحدة العربية، واللون هو الحياة، فـ " أرضنا سمراء، وسفوحنا سمراء، كما تترقرق ألوان الضوء بالنور، والصباح  والشقرة والزرقة، ولون السماء في أشعاره ". (51 )

" إن صور الشاعر تعيش في دنيا الألوان التي أفتنّ في تلوين شعره بها، ويرقص اللون الأخضر في أناشيده، وعناوين مسلسلاته، فهو لحن الحياة المتجدد، والأمل الذي لا يفنى، فمعنى ديمة في أنشودة " ديمة تغني " – المطر الدائم، الذي يسقي الأرض، ويكسوها (ورقاً أخضر وبراعم) و (الوعد الأخضر) و " علاء الدين " يقول لزوجته في قصة علاء الدين والمصباح السحري :

يا مالكة الكنــز الأخضر

 القلب هو الكنـز الأخضر (52 )

واقتفى عدد من الشعراء خطوات سليمان العيسى، إذ أدركوا أهمية اللون بالنسبة للطفل، حتى إن بعضهم صاغ مدلولات اللون في رؤية (سيكولوجية) مبسّطة أسقط عليها رموزاً وطنية  وإنسانية، فالعلم السوري مؤلف من أربعة ألوان، هي :

لون أحمر

لون فيه من دم جدي

صوت دوي، قصف الرعد

لون أبيض

لون فيه فرح العامل

 صوت حلو، لحن الآمل

لون أخضر

لون فيه كل الكرم

  حب صاف نحو الأمم

 لون أسود

لون فيه غضب باد

يغزو، يرمي قلب العادي (53 )

ومثلما جسّد سليمان العيسى (أقلام التلوين) التي تجذب الأطفال، كذلك فعل بعده أكثر من شاعر : (54 )

عندي علبة للتلوين

فيها أقلام  التلوين

مثل الكبار الفنانين

وهي لدى شاعر آخر : (55 )

قلم أحمر

أصفر ... أخضر

يا ينبوع اللون تفجر

 وهب اللوحة فرحاً أكثر

 بالأحمر لونت زهــوراً

 بالأصفر لونت طيــوراً

 والأخضر من لون المرج

 والأبيض صـاف كالثلج

والأسود يا وجه الأعداء

والأزرق أنهار وسمــاء

ما أجمل ألوان اللوحـة

فالفرحة تبدعها الفرحة

إن هذا التعداد والتوصيف والتظليل للألوان يعكس فهماً معمّقاً لوظيفة اللون، ودوره في التشويق و التأثير بالنسبة للطفل، واستخدامه في القصائد على هذا النحو " على حامل استعاري ودلالي، إنما يدخل بين تقنيات التشكيل وتقنيات الدلالة والرمز " فالوجه أو الطير " لا يمكن أن يكونا في الواقع كذلك [ الطير أصفر الوجه، والوجه أسود ] " إلاّ أنهما صارا كذلك في القصيدة، لأن الشعراء يبغون من خلال هذا التلوين الدلالة على أمورٍ أخرى " ففي قول الشاعر إن التفاح " له خد كالرمان " إنما يختار اللون الأحمر الصارخ لوصف التفاحة الشهية وهذا الاختيار حفّزته لاختياره إثارة ذائقة الطفل وإثارة مخيلته، ومثل ذلك استعمال اللون الأبيض "( صافياً كالثلج) فلون الثلج الأبيض البارد في دلالته السيكولوجية، رمز النقاء، لا يمكن أن يؤدي هذه الدلالة سواه.

وإن الشاعر إذ يتعامل مع اللون كتعامل الرسام العاشق لتمثاله أو لوحته، إنما يتدفّق اللون في مفرداته وصوره لتمور الألوان و " تنمو هذه المساحات اللونية بين أصابعه، فإنها تتمرد وتنسكب على لغة القصيدة كلها ." (56 )

إن كثرةً من الشعراء قد وعوا تأثيرات اللون في قصيدة الطفل فقدموها إليهم عبر (إشارات المرور) كما هي عند " مصطفى عكرمة " أو (الأعلام) أو (الحقول و البساتين) كما هي عند " محمد منذر لطفي "وغيره . لكن ما تجدر الإشارة إليه أن بعض النقاد رأوا عدداً قليلاً من هذه الكثرة قد وقف على الأبعاد الحقيقية لوظيفة اللون الشعرية، ودروه في القصيدة لذلك قيل : فإذا" بقيت تصوراتنا عن هذا اللون بهذا الشكل أي أنه ينمو ويحدد هوية القصيدة مسبقاً فإن في ذلك إجحافاً كبيراً... صحيح أن [ الشاعر ] يركز من خلال استخدامه اللون على سكب انفعالات حارة متوقدة قبل أن يبردها العقل، لكن حركته اللونية تكون أيضاً تابعة للموضوع المعالج، فإما أن تتغير الألوان بتغير الحالات داخل القصيدة الواحدة، وإما أن يسيطر لون واحد على كل القصيدة. " (57) وقد برع لوركا – مجنون اللون – في تجسيد هذه النظرة، واستطاع سليمان العيسى أن يعبّر عن انفعالات الأطفال وعواطفهم من خلال صوره اللونية، ولوحاته التعبيرية التي طغى عليها اللون الأخضر مع أن الألوان الأخرى لم تغب عنها .

خاتمـــة:

اللون عنصر حيوي من عناصر التجسيد، نظراً لما له من تأثيرات نفسية، أدركها الإنسان منذ الأزل، ثم إن " مظاهر فن الرسوم والتلوين، وإعجابنا وتعشقنا إياه ما هو إلاّ استجابة للتفاعل النفسي بين الإنسان وما تصبّه الأضواء والألوان فيه من معانٍ حية، وما تخلقه من قوى تصويرية في مخيلة الفرد وخواطره فتنمي فيه الخيال، وتزوّده بخصب من معاني الجمال الخلاق، وكذلك الحال في الأدب شعراً و نثراً، تؤدّي الأضواء فيه دوراً إبداعياً فنياً، فتوضّح المعاني وتجسّمها  [ وتجسّدها ] وتضفي عليها بالوصف الضوئي واللوني حركةَ حياةٍ تقرّبها من النفس والروح، وتهديها إلى الإدراك مصوغةً أجمل صياغة. مشكّلةً منمقةً واضحةَ المعالم بينّةَ التفاصيل، بل قد يضفي اللفظ الأدبي على معاني الأضواء والألوان غموضاً محبّباً شفيفاً، وسحراً خلاباً إذ يموّه المعاني، في رمزية لطيفة إن احتاج إلى تمويه فلا ندرك مثلاً " أيصف الشاعر بساطاً من زرع، أم بساطاً من نسيج في قصر عامر، ولا ندري أيصف سحباً سارية ومتحللة الألوان أبيضها وأشهبها أم يصف ممدوحه " (58) كما في المقاطع الآتية للشاعر سليمان العيسى :

عصــــفور طلال

شلال جمـــــال

منقاراً أحـمر ما أحلى

وجناح أخضر ما أغلى

و

رشا الحلـــــــوة

البحر وزرقته ولدا في عينيها

و

يا ريش العصفور الأبيض

يا ذرات الثـــــلج

فلا غرو في النهاية إذاً أن يكون فن تصوير الأضواء والألوان في الوصف الأدبي : فن الرسم والتلوين مرآة صادقة لمدى نهضة الأمم وحضارتها، لأن الأمة في تصوير هذا وذاك ما هي إلاّ نموذج للترابط العقلي و النفسي والتجاوب المنفصل بين الإنسان

ومظاهر الطبيعة، ثم إن هي إلاّ دلالة على التعمق في دقائق شؤون الكون"(59 )

إن رسم القصيدة بالألوان، وكأنها لوحة تشكيلية، من شأنه أن يمكن الطفل من إدراك المفاهيم والتنسيق الجميل بينها، وإبداع علاقات جديدة ترضي ذوقه، مما يحقق النشوة والمتعة، ويساعده - عبر انتقال الخبرة – في تذوّق مواطن الجمال في الطبيعة وفي الإنجازات الإنسانية. . مما يجلبه ذلك من شعور غامر باللذة، يملأ أعماقه كما يساعده على إثارة مواهبه وتحريفها وحفزها. . وفي تنمية قدرته على الملاحظة الدقيقة، وفي إذكاء الأسلوب الشخصي في التعبير عن الذات والأفكار. . وفي اكتساب مهارات عملية متعددة. . وفي الاقتصاد في استخدام المواد واستهلاكها. وحسن توظيفها. . وحسن عرضها. . وفي تنمية حسن المواطنة بإكساب المزيد من أنماط السلوك الخيّر. ذلك أن الفن نشاط فردي واجتماعي في آن واحد .

 

الإشـــارات:

1-محمد الغزي : هشاشة الطفولة. بحث قدّم ضمن بحوث المؤتمر العام العشرين للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب. دمشق 1997 .

2-النشيد للشاعر السوري فخري البارودي .

3-اروين ادمان. الفنون والإنسان. ترجمة حبيب صادق ص 56 مكتبة مصر بغير تاريخ .

4-مجموعة الرائد. المعجم الأدبي. (CD)

5-د. هادي نعمان الهيتي. ثقافة الأطفال ص 113 كتاب عالم المعرفة العدد 123 الكويت 1988 .

6-مرجع سابق ص 114 .

7-عباس محمود العقاد. اللغة الشعرية. ص 8. مكتبة غريب. القاهرة. بغير تاريخ .

8-الفنون والإنسان. ص 57 .

9-ثقافة الأطفال. مرجع سابق. ص 115 .

10-د. نعيم اليافي. تطور الصورة الشعرية في الشعر العربي. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1993 .

11-د. عبد الغفار مكاوي. قصيدة وصورة. الشعر والتصوير. كتاب عالم المعرفة العدد 119 الكويت 1987 .

12-سلمان حرفوش. وحدة الإبداع الشعري. مجلة الموقف الأدبي. العدد 372. نيسان 2002 .

13-ديوان قصائد ملونة ص 20 مكتبة الطفل. السلسلة الشعرية. دائرة ثقافة الطفل. بغداد. من دون تاريخ ، وكتاب أسامة الشهري ص 3 دمشق 1986 .

14-سورة الرحمن. الآية 76 .

15-في إحصائية للألفاظ اللونية في أربع مجموعات شعرية تبين أن اللون الأخضر يأتي في المقدمة. ثم الأحمر. فالأسمر. فالأشقر. راجع كتابنا شعر الأطفال في سورية ص 45 وما بعد.  اتحاد الكتاب العرب دمشق. 1996 .

16-جمال عبد الجبار علوش. ديوان لمن يغني النهر. ص 16 وزارة الثقافة. دمشق 1996 .

17-خضر عكاري. ديوان أناشيد الطفولة ص 57. وزارة الثقافة. دمشق 1987 .

18-موفق نادر. ديوان الغيمة تمرح. ص 74. وزارة الثقافة. دمشق 1984 .

19-سورة الرحمن. الآية 64 .

20-ديوان أناشيد للصغار. ص 4. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1975 .

21-ديوان هنادي تغني. ص 46. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1986 .

22-سورة نوح. الآية 27 .

23-رينيه ويلك، وأوستن وارين. نظرية الأدب. ترجمة : محيي الدين صبحي. مراجعة : حسام الدين خطيب. ص 19 المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت 1985 والتعليق على مقولة تولستوي يرجع فيه إلى محمد راتب الحلاق. كتاب النص والممانعة. ص 13 وما بعد. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 2000 .

24-د. عماد الدين إسماعيل. الأطفال مرآة المجتمع. ص 100 كتاب عالم المعرفة. العدد 99 الكويت 1986 .

25-سورة آل عمران. الآية. 106 .

26-سليمان العيسى. ديوان مازالوا الواحة. ص 7 اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1985 .

27-سليمان العيسى. ديوان غنوا يا أطفال 4/8 دار الآداب. بيروت 1978 .

28-أسعد ديري. ديوان أغنيات للبراعم الواعدة. ص 25. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1998

29-جهاد عقيل. ألوان مكتوبة. مجلة الموقف الأدبي. العدد 362 دمشق 2001 .

30-ثقافة الأطفال. ص 116 .

31-ممدوح السكاف. ديوان نشيد الصباح. قصيدة : حفلة عيد الميلاد. ص 11 اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1980 .

32-عز الدين سيد أحمد. البحث عن هوية. حوار شامل مع شاعر العروبة سليمان العيسى. ص 93. اتحاد الكتاب العرب.

33-فن الكتابة للأطفال. ص 31 و 48 دار الكاتب العربي. للطباعة والنشر. فرع مصر 1968.

34-جهاد عقيل. ألوان مكتوبة. مرجع سابق .

35-مصطفى عكرمة. طالما قلت الحقيقة. سلسلة مكتبة الطفل العربي. دمشق. من دون تاريخ.

36-طه حسين الرحل. ديوان أنشودة المطر. المقطع الأول ص 28 والمقطع الثاني ص 57 منشورات دار الحسنين للطباعة والنشر والتوزيع. دمشق1999.

37-موفق نادر. ديوان الغيمة تمرح. قصيدة : حكاية الأرنب ص 13.

38-الفنون والإنسان. ص 68

39-ثقافة الأطفال. تجسيد المضمون الفني. ص 116.

40-جهاد عقيل. ألوان مكتوبة. مرجع سابق .

41-خيري عبد ربه. مسرحية الفصول وقصائد أخرى للأطفال. ص 60 وزارة الثقافة. دمشق 1979.

42-الفنون والإنسان ص 70 .

43-جهاد عقيل. ألوان مكتوبة. مرجع سابق .

44-اكتفينا بإيحاءات اللونين الأخضر والأسود فيما سبق للاختصار، ولم نقف عند بقية الألوان التي يذخر بها شعر الأطفال في سورية، مع ورود ذكر بعضها في الشواهد المعروضة في البحث.

45-سليمان العيسى. ديوان : مازالوا الواحة.

46-بيان صفدي. ديوان : تحيا الشجرة. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1997.

47-أسعد الديري. ديوان : أغنيات للبراعم الواعدة. مرجع سابق .

48-موفق نادر. ديوان : الغيمة تمرح. مرجع سابق .

49-محمد قرانيا. ديوان : ألعابنا الحلوة. وزارة الثقافة. دمشق.

50-سليمان العيسى. ديوان : غنوا يا أطفال. 4 / 12.

51-نهلة الحمصي. غنوا يا أطفال مع سليمان العيسى. مجلة الموقف الأدبي ص 109 العدد 90 دمشق 1979.

52-نهلة الحمصي – مرجع سابق ص 129.

53-جرجس ناصيف. ديوان : أغاني البراعم. ص 12 اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1996.

54-ديوان مازالوا لواحة ص 129. مرجع سابق .

55-ديوان أغنيات للبراعم الواعدة. مرجع سابق .

56-جهاد عقيل. ألوان مكتوبة. مرجع سابق .

57-المرجع السابق.

58-د. وليد مشوّح. الصورة الشعرية ص 183. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1996.

59-المرجع السابق .

60-محمد راتب الحلاق. النص والممانعة. ص 73. مرجع سابق .

 

   

 الفصل الخامس: الـوزن والإيقـاع

 

 

يترك الشعر في النفوس أثراً جميلاً، يمكن أن نسميَه (حلم الشاعر) ونحن نعلم أن الشغل الشاغل للشاعر هو الإفصاح عن هذا الحلم، وإيصاله إلى الآخرين. وإذا كان الإفصاح مديناً لأي عنصرٍ بشيءٍ، فهذا الدين مردّه إلى الإيقاع الذي يُوَلِّد ما يسمى : (السحر الشعري) الذي تُستنهَض به أحاسيس النفس .

إن القصيدة تبدأ في خيال الشاعر بهمهمات، ثم تتخلّقُ وتتخذُ لها قالباً من كلماتٍ وصورٍ ومعانٍ، وإن متذّوقَ الشعر يعلم جيداً أن وراء بعض الأصوات والمعاني التي يرتاح إليها، ويستجيب لها يكمن (جوهر القصيدة أو الأغنية) حين تنشد أو تُغنّى، وسحر القوافي وهي تنساب، وقد يكون الإيقاع رتوباً عادياً، وقد يكون سريعاً راقصاً، ويفتقدُ الشعر نبرته الرئيسةَ إذا انتفى منه الإيقاع .

 والإيقاع المتصف بالسلاسة والعذوبة والإمتاعِ غيرُ كافٍ وحده لتعليل أثر الشعر في النفس، لأن الشعرَ لو كان مجرّدَ كلماتٍ مُنغّمةٍ، ومقاطعَ وألحاناً، لكان مجرّد موسيقا تُحدّدُها الأصواتُ والتراكيبُ التي تُتيحها اللغةُ، وتفتقر إلى ذلك التنوّع الكامن في الصوت المفرد، والتوافق المتعدّد، والمعقّدِ المتاح للموسيقا .

 

لماذا الموسيقا:

اقترن الشعر العربي منذ القديم بالغناء، لأن الفطرة الإنسانية مجبولةٌ عليه. وقد أدرك المهتمّون بأدب الأطفال، قيمةَ الموسيقا في الشعر، ورأوا فيها جاذبيةً قوية تجذب الأطفال إليها، بسرعة إيقاعها، ورتوبها النابع من الوزن والقافية .

وإذا كان الشعرُ والغناءُ يؤثّران فينا نحن الكبار، فإنهما في الصغار أشدّ تأثيراً، لأنهم يمثّلون الفطرة البشرية التي لم تغـيّر طبيعة الحياة فيها – بعدُ – كثيراً، فنراهم يُقبلون على الشعر المنغّم الذي صيغ على بحور الخليل القصيرة، بتفعيلاتها السريعة. نظـراً لما توفّره لهم من متعةٍ نفسيةٍ، وتحقّقه من راحةٍ ضروريةٍ، حين تسمح للطفل أن يستظهرَ القصيـدة، ويتوقّـفَ في الإلقاء عند نهاية كل شطرٍ، ليلتقط أنفاسه، ثم تسمح لـه بأن يستريح مع القافية عند كل بيت ٍ. وهذا قد لا يحقّقه لـه الشعر الحديث، الذي يخفت فيه الإيقاع، لأنه يعتمد على التناسق، والتتابع النغمي، لتظلّ فيه التفعيلة، المحور الأساس .

إن الشعر يخاطب الوجدان لدى الكبار والصغار، ولما كان وجدان الطفل ميداناً بكراً، فإنه أكثر استعداداً لتقبّل الشعر والترنّم به، والتأثّرِ بما توحيه الصورُ، والانفعالِ بالإيقاع الذي يطرب لـه فيدفعه للغناء، والإتيانِ بحركاتٍ تعبيريةٍ عفويةٍ، لكنها متناسقة ومنسجمة مع النصّ، قريبةُ الشبه من حركاتِ الرقص، كما فعل ذلك الطفل الذي اندفع من باب المدرسة بحيويةٍ زائدةٍ، وما إن وقع بصرُه على أوراق الأشجار الصفر، التي تتساقط في الخريف، ويتلاعب بها الهواء لتحطّ على الرصيف، حتى أخذ يقفز فوقها، ومعها، قفزاتٍ متواليةً وهو ينشد، موقّعاً كلمات الشاعر"سليمان العيسى" على لحنٍ عفويٍ، انطلق على لسانه :

ورقاتٌ تطفر في الدربِ

والغيمة شقراءُ الهـدبِ. . .

ومثلُ هذا الطفل، تلك الطفلةُ التي جعلها الفرح بالنجاح، تنطلقُ غيرَ عابئةٍ بالعالم من حولها، عندما خرجت من باب المدرسة، فأخذت تتراقص في خطواتها، ويحضر الشعر، فتتغنّى بكلماتٍ استحضرتها حالة الفرح، من دون أن تدري : (1)

يُحكى أن البنت الحلوه

قالت يومــاً للأستاذ

أحظى دوماً في تقديري

" جيّد جـدّاً أو ممتاز "

إن الطفل بفطرته وبراءته، لم تمرّ عليه السنون الطويلة، لتمسح عن شغاف قلبه الفطرة والبراءة، فتسلبه شيئاً من حساسيته، لذلك فهو يتأثر وينفعل بما يقرأ، ويضفي خياله على المحسوس ظلالاً وارفةً، فإذا كانت الصور قريبةً من متناولـه، وكان الإيقاع ملائماً مستساغاً، سهُل ذلك عليه في الكشف عن جوانبَ من معانيها، وأراح الآخرين من عناء الشرح والتفسير، وهذه وظيفة تشارك فيها الموسيقا مشاركة فعّالة.

ونظراً لأهمية الشعر الغنائي للطفل، فقد عوّلت التربية عليه، وأولته عنايةً خاصةً، لأنه يحقّق أهدافها التي تنحصر في اللغة والتربية والأخلاق، أكثرَ مما تحقّقه بقية الأجناس الأدبية الأخرى .

وتُميّز الدراسة الموسيقيةُ، بين موسيقا الشعر الخارجية التي تنبع وتتشكّل من الوزن والقافية، وبين الموسيقا الداخلية التي تتشكّل من مزاوجةِ الألفاظِ وتوازنها، وحُسن اختيارها، وتلاؤم حروفها، والشاعر الحقّ هو الذي يستطيع التوفيق بين النغمتين الخارجية والداخلية في القصيدة.

وتبرز الحاجة الكبرى للالتزام بالوزن، ومراعاة وحدتي البيت والقصيدة معاً، ومراعاة القافية السهلة النطق، القوية التأثير، العذبة الإيقاع، والأوزان القصيرة المجزوءة والمشطورةِ، التي تحقّق للطفل حرية التعبير، المتمثّلة في تفعيلاتٍ تتيح لـه أن يمتلك نفسه، ويلتقط أنفاسه من دون  إرهاقٍ، وتحقّق بإيقاعها المتعة والفرح، وتُغذّي في نفسه حاجته إلى الانطلاق والمرح واللهو والغناء. (2)

والشعر عندما يُغني من شأنه أن يحقّق فوائد متعدّدةً. نفسيةً وتربويةً. مثل بروز روح التنظيم في المدرسة لاعتماده على الترديد الجمعي في حصص النشيد والموسيقا والمحفوظات، كما يَعود على الأطفال بفوائد صحيةٍ. حيث يُقوّي الحناجر، ويروّض مجاري الأصوات، وينظّم التنفّس، ويدّرب الأذان على التقاط النغمات، كما يُعَوّد على أدب الإصغاء، وينمّي الذوق والإحساس بالجمال، وترقيق الشعور وتهذيب الأحاسيس، والتحبيب بالفضائل، والنظر إلى الحياة نظرةً واعيةً متفائلة .

نخرج من ذلك كله إلى حقيقة هامّةٍ، لم ينتبه إليها إلاّ من رزقه الله حسّاً مرهفاً، وذوقاً رفيعاً مؤدّاها أن في داخل كلٍ منا – والطفل واحدٌ من هذا (الكل) – إيقاعاتٍ كامنةً في شعورنا، تستجيب على نحوٍ معجزٍ (إلهيٍ) لإيقاعات الشعر والموسيقا، ولذلك كان الشعرُ الموزونُ المقفىّ أنجع وسيلةٍ لإيصال الصور، وتحويل اللغة، ونقلها من نطاق الألفاظ الحسيةِ المجرّدةِ إلى الفنّ الشعري بنغماته الإيقاعية، وتبدو فائدةُ ذلك، فيما بعد، عندما يغيب الكتابُ، وتبقى آثار القصيدة، وإيقاعاتها الخالدة في النفس، ولذلك يمكن القول : إن القصيدة التي نُقَدّمها إلى الطفل بحسٍّ موسيقيٍ مهذّب، يمكن أن تكون اكثرَ وسائلِ التعليم قدرةً على التهذيب.

يقول صالح هواري، معلّقاً على بيتين من إحدى قصائده (3) ومؤكّداً على ضرورة الموسيقا الداخلية والخارجية .

قالت لنا الشجرة   لا تقطعوا ساقي

الطير لا يشـدو   من دون أوراقي

" غنائيةٌ عذبةٌ يستسيغها الطفل، ويرتاح إليها، وهي غنائيةٌ من الوزن، وغنائيةٌ في التأليف، والانسجام التركيبي بين المفردات، والحسّ الداخلي الذي يختلج في صدر الطفل، وهو ينشد القصيدة...

أوزان الشعـــر:

إن معظم الذين كتبوا للأطفال في سورية، هم ممن تمرّسوا بالكتابة للكبار، وعملوا في حقل التعليم والتربية، لذا فإن القول إن على الشاعر أن يكون على درايةٍ تامةٍ بعلم العروض صحيحٌ، ولكنه هنا غير واردٍ. لكن ما تجدر الإشارة إليه هو أن الموهبة تمثّل الركيزة الأولى في التجربة الشعرية، تضاف إليها القيم الجمالية الثلاث المتمثلة في (الموسيقا) و (الصور الخيالية) و (الثروة اللغوية) .

في الموسيقا يمكن أن نتساءل : - هل يستوفي شعراء الأطفال جميع البحور، وبقدرٍ متساوٍ؟ .

- أم أن بحور الخليل الستة عشر مع المتدارك، لا تجذب إليها الشعراء الذين يكتبون للراشدين بنسبٍ متساويةٍ، فكيف سيُقبِل شعراء الأطفال عليها كلها ؟.

 إن النظرة الفاحصة لأوزان الشعر الطفلية، تشير إلى أن ثمة بحوراً يكثر استخدامها، وإلى جانبها بحورٌ قليلة الاستخدام، وأن الشعراء لا يُقبِلون إلاّ على ما يعتقدون أنه أصلح للأطفال من جهة، وما ترتاح إليه نفوسهم – أي الشعراء – وما تألفه من الإيقاع، من جهة أخرى، وقد اتضح أن شعراء الطفولة تداولوا في قصائدهم أوزاناً معيّنةً، بصورة ملفتةٍ للنظر، وقد قام الباحث "فـالح فلوح "بإحصاء الأوزان في (37) نشيداً للشاعر "سليمان العيسى" نظمها على البحور الخفيفة المجزوءة، فوجد أن مجزوء الخبب والمتقارب يحتلان المرتبة الأولى (22) نشيداً، ثم مجزوء المديد (4) أناشيد، وثلاثة أناشيد لكل من مجزوء الرجز ومجزوء البسيط، وكان لكل من مجزوء الوافر والرمل نشيدان، وللهزج نشيد واحد .

 ولا شك أن الأوزان الخفيفة السريعة الإيقاع، التي تريح الشاعر، كما تريح الطفل، تساعد على إيصال فكرة القصيدة، وصورها، ولغتِها باختصارٍ شديدٍ، مما يُسَهّل عليه فهمها وحفظها، ومن ثم إلقاؤها إلقاءً معبـّراً .كقول الشاعر " سليمان العيسى " في قصيدة " ديمة تغنّي "

 [ ديمة ] :   

             معناها حلـو ناعــم

                   معناها المطر الدائـم

التنـــويــع في الأوزان:

يرى بعض شعراء الحداثةِ أن تنويع الوزن في القصيدة الواحدة أمرٌ مستحّب. بل قد يكون ضرورياً في بعض الأحيان، مسوّغين ذلك بأن التنويع يمنح النصّ حريةً أكبر في تقديم نفسه للصغار، كما أن من شأنه أن يخلق داخل النصّ نفسه طاقةً إيقاعيةً أكبر مما لو جاء النصّ كله على وزن ٍ واحدٍ رتوبٍ، قد يُدخل الملل إلى نفس الصغير .

كما يمنح التنويعُ القصيدةَ حركةً تؤثّر في الأسلوب المؤلّف من الفكرة والمعاني وتجعله ينبض بالحيوية التي تجذب الطفل .

وهذا الرأي على وجاهته، لم يأخذ به إلاّ قلّـةٌ من شعراء الأطفال، في حين التزمت الأكثريةُ بالوزن التقليدي، في البحور المجزوءة والمشطورة، ولكنها لم تلتزم بالقافية، إذ تلاعب عددٌ من الشعراء بها. كما أن عدداً آخر من الشعراء قد تلاعبوا بالتفعيلات داخل القصيدة الواحدة. بغية الوصول إلى إيقاع مميّزٍ، وكثيراً ما اجتزأ الشاعر "سليمان العيسى" شطراً من التفعيلة، ليحقّق به وقعاً موسيقياً محدّداً، كما في قوله :

(يُحكى أن العصفورة )

وهذا من المتدارك، لكنه غيَّرَ في آخر تفعيلةٍ، فجاء وزنه :

فعلن. فعلن. فعلن. فع .

وقد يعدّل في ترتيب التفعيلات، فيجعل كل شطرٍ مستقلاً بذاته. مثل :

عندي علـبة       للتلـوين

فيها أقـلام                التلـوين

وقد يقود التلاعب بالتفعيلات زيادةً أو نقصاً وجوازاتٍ عروضياً، إلى تنوعّ الوزن والقافية، ويؤدّي إلى لونٍ قريبٍ من النثر، كقوله أيضاً.

  ماذا تقول الشمس في الصباح

   مستفعـلن مستفعلن فعـول

   تقول إني أشـرق

    لكي يسرّ الـزنبق

   متفعلن مسـتفعل

    ويضحك الصغـار

   متفعـلن فعــول

إن التدقيق في وزن هذا المقطع يبين مدى التصرّف الذي أباحه الشاعر لنفسه، والذي يرى فيه ضرورةً فنيةً تحقّق جاذبيةً للطفل، ولكنّ الواقع المستفاد من آراء الأطفال يبدو مخالفاً لذلك، وربما أدّى هذا التلاعب بالوزن والقافية إلى انخفاض الدفقة الإيقاعية، فلا يرقى في موسيقاه إلى المرتبة التي حقّقها الشاعر في أشعاره التي جاءت على السليقة، فلامست الفطرة الطفلية، وجعلتها تتعلّق بها، مثل :

ماما ماما          يا أنغامــا

تملأ قلبي          بندى الحـب

و :

عمي منصور نجار                 يضحك في يده المنشار

وبالعودة إلى مقطع "ماذا تقول الشمس" الذي رأى فيه الشاعر ضرورةً فنيةً لجذب الطفل، نجده في الحقيقة يقترب من النثر على الرغم من براعته، التي تظهر جليةً في اقتناص الموسيقا والقافية :

تقول إني أشرق           لكي يسرّ الزنبق

ويمكننا كتابة المقطع بشكل نثري على النحو الآتي :

" ماذا تقول الشمس في الصباح ؟ تقول : إني أشرق، لكي يسرّ الزنبق، ويضحك الصغار، ويبدؤون الدرس و الكفاح. " (5) .

وقد يخالف الشاعر المألوفَ في ترتيب تفعيلات البحر في البيت الواحد، ويعيد ترتيبها بشكلٍ مغايرٍ لما تعوّدت عليه الأذن العربية كما في هذا المقطع :

اسمي ديمه

فعلن فعلن

هل تدرون

فعلن  فعل

يا أطفـال

فعلن فعل

معنى ديمـة

فعلن فعلن

معناها حلو ناعم   فعلن فعلن فعلن فع

إن الطفل الذي يقرأ هذا المقطع سيتقبّل الوزن والإيقاع، وهو لا يعلم أن الشاعر قد تلاعب بترتيب التفعيلات التي اعتمدها الأجداد، والتزموا بنظامها وتناسقها التزاماً شبه كاملٍ، ولكنَّ الدارسَ قد يقبل ذلك من الشاعر أولا يقبله، لأن الخبرة والتجربة تشهد للشاعر بباعه الطويل في التربية، و تمرّسه بالكتابة للكبار والصغار معاً.

تنوّع القافيـــة:

ليس تنوّع القافية بجديد على الشعر العربي، فقد عرفناه في ببعض القصائد العباسية ثم في الأدب الأندلسي، فالمهجري …. ومع الانفتاح على الثقافات العالمية في العصر الحديث، دخلت الشعر العربي بعض أشكال الحداثة الفنية، فوُجِد الشعر الحرّ، والمنثور، وقصيدة التفعيلة، ونظراً لحداثة أدب الأطفال في وطننا العربي، فقد تأثّر بهذا الوافد الثقافي، ووُجدت فيه القصيدة القصيرة جداً التي كتبت بأسلوب النثر الفني، وكان طبيعياً أن توجد القصيدة التي تنوعت قافيتها، احتذاءً بمعطيات العصر الثقافية من جهة، وطبيعة الجمهور الذي تتوجّه إليه من جهة أخرى .هذا الجمهور الذي يتطلّب تقديم الأنموذج الجديد المؤثّر، ولمـّا كانت القافية بمنـزلة محطةِ استراحة، يلتقط فيها الطفل أنفاسه عند الحفظ و الإلقاء، فقد ظلّ كثيرٌ من الشعـراء متمسّكاً بها، لأنها في رأيهم تساعد على الإلقاء، والتعبير الموحي، الذي يشارك فيه النطق، وتعبيرات الوجه، وحركات اليدين، كما قد يشارك الجذع في الانحناء والتمايل تأثّراً وطرباً، وقد شهدنا مثل هذه الانفعالات الجميلة، الصوتية والجسمية والوجدانية في إلقاء الأطفال الروّاد في الفصاحة والخطابة، تلك الانفعالات التي تضيف على الإلقاء تلويناتٍ جذّابةً، تجعل الطفل يعبّـر عن معاني الجمل في القصيدة، أكثر مما يعّبر عنها الشاعر نفسه.

في المقطع السابق من قصيدة (ديمة) وجدنا الشاعر "سليمان العيسى" قد تساهل إلى حدٍّ ما بالقافية، لكن هذا التساهل لم يشكل ظاهرةً في الشعر السوري، وعند الشاعر نفسه، وإنما ظلّ ذلك في نطاق التجريب، والتنويع، والاجتهـاد الشخصي. وسنقف على ذلك مفصلاً لدى دراسة القافية .

ومن الواضح أن توزيع التفعيلات وتنويعها في بعض الأحيان اقتضى تنويع القافية، التي تريح الشاعر قيل أن تريح الطفل لأنها تخلّصُه من أسر القيد العروضي، والالتزام بضوابطه التي قد تعيق تركيب الجملة، فتمنعه من التعبير عما ينبغي رسمه في صوره الشعرية. كما في هذا المقطع من قصيدة (قريتي في سفح الجبل) (6) لموفق نادر :

                  من منكم يعرف قريتنا

                    حسنٌ

                    هيّا كي نرسمها

                    هل شاهدتم ذاك اليوم

                    جبلاً يعلو فوق الغيم

                    في صفحته

                    يزهو الشجرْ

                    أخضر مرقوشاً بالثمرْ

                    هو ذا بيتي تحت القمر

                    هل لاحظتم ؟...

إن هذه الميزة التي تتميّز بها القصيدة الحديثة، والمتمثّلة في القدرة على تطويع الأوزان بتنويعها، وعدم الاعتماد على القافية الواحدة الرتوبة، لا يمكن أن يُحسن استخدامها سوى شاعرٍ متمّرسٍ لكن. بعض الشعراء أتاح لنفسه التصرّف بالشكل الفني للقصيدة، فجعل في بعض الأحيان الشطرَ في تفعيلةٍ، ثم تأتي الشطورُ بعده في تفعيلةٍ أو تفعيلتين أو ثلاث أو أربع، والغاية من ذلك إيجاد (موسيقا داخلية) تتشكّل من توالي الأصوات في أثناء تأليف الألفاظ والتراكيب، بحيث تكون هذه الأصوات متقاربة المخرج في النطق، ومبتعدةً قدْرَ الإمكان عن الأحرف الحلقية.

ومع أن هذا النمط يريح الشاعر – كما ذكرنا – إلاّ أن معظم الشعراء كانوا حذرين من الإقدام على مثل هذا التلوين والتشكيل في شكل القصيدة الطفلية، وتساهل بعضهم في القافية، فنّوعوا فيها كما سنرى بعد قليل.

البحــور الثـقيلـــة:

المقصود بالبحور الثقيلة في شعر الأطفال، تلك البحور بتفعيلاتها الكاملة، كـ (الطويل  والبسيط و الكامل) وغيرها، كما يطلق اسم البحور الخفيفة على المجزوء والمشطور منها، وهي ما اتجه إليه شعراء الأطفال بصورة عامة.

إن الإيقاع شيء لصيق بالفطرة الإنسانية، وقد وجد عدد غير قليل من الشعراء، أن الشعر الموزون المقفّى، هو أكثر ألوان الشعر تلبيةً لحاجات النفس البشرية، ويتلاءم مع الفطرة التي جُبلت عليها، لذلك اعتمدوا – أحياناً البحور الكاملة، فلم يراعوا متطلّبات جمهور الأطفال، الذي يختلف اختلافاتٍ متعدّدةً عن جمهور الراشدين، وكأنهم يعيدون تلك النظرة القديمة التي كان ينظر فيها المعلمون والمربون ورؤساء القبائل إلى الصغير، على أنه طفل كبير، من دون مراعاة للاعتبارات التربوية والنفسية والجسمية، فجاءت قصائد هم على هذا المنوال، كقول الشاعر " عبد الكريم الحيدري " في قصيدة (الربيع) : (7)

عاد الربيع فتاه الكون واحتفلا

بعـودِه و سـرورُ الأنفس اكتملا

فيا ربيعاً حلّت أوصافـه وزهت

أيامـه وغـدا في حسنـه مثـلا

ما إن رأى البرد جيشاً أنت مرسله

من الخطاطيـف حتى فـرّ مر تحلا

والقصيدة، في الديوان من الشعر الموزون المقفّى، في أحد عشر بيتاً. التزمت بتفعيلات البحر البسيط كاملةً (مستفعلن فعلن مستفعلن فعل) وغير خافٍ على القارئ العادي مدى ثقل هذا البحر الطويل التفعيلات على النفس، فكيف سيكون وقعه على الأطفال، فضلاً عن أن القصيدة ليس فيها شيءٌ من الطفولة، وأين قول الشاعر في الديوان نفسه في قصيدة (العصفور والطفل) التي كانت مقرّرة في منهاج الصف الثاني من المدرسة الابتدائية في الخمسينيات :

  أماناً أيها الطفلُ                 ودعْ ما يفعل النذلُ

             أخي لا تمـشِ كالوحش

             تمدّ الكـف للبــطـش

             بأفـراحـي وبالعــشِ

             فعيـشي بعدُ لا يحـلـو

             فـرفقـاً أيهـا الطفـل

   تصوّر حزنَ أهليكـا    إذا أخفاكَ مخفيكا

             فإن الأم تبكيكا

     وعنك الدهر لا تسلو  فعطفاً أيها الطفل 

وقد يستغرب القارئ أن يجد مثلَ هذا الثقل موجوداً لدى الشاعر "سليمان العيسى" وهو الذي آلى على نفسه التجديد، واستخدام " اللفظة الرشيقة الخفيفة الظلّ، البعيدةِ الهدف، التي تُلقي وراءها ظلالاً وألواناً، وتترك أثراً في النفس. . " والصورة الشعرية الجميلة الملّحنة أو التي يستطيع الطفلُ تلحينها عفوياً بنفسه، وغناءها نغماً يستدعيها موقفٌ معين " كما مر في المقطعين السابقين من قصيدتي أوراق الخريف، والبنت الحلوة. . .

 ولعلنا نتلمّس آثار ذلك في " نشيد العمال " مع العلم أنها القصيدة السورية الوحيدة في كتاب الصف الخامس الابتدائي. الجزء الثاني .المقرر في العقد الأخير من القرن العشرين. يقول "سليمان العيسى " :

بأيدينا صنعنا المعجــزات

بنينا الرائعات الباقيــات

رفعنا كل ساريةٍ و ســدٍّ

على النيل العظيم على الفرات

وملءُ زنودنا الوطن المفدى

وملء عيوننا في النائبـاتِ

ونحن حكاية الزيتون فيـه

وأغنية السنابل مائجـاتِ

بمجد الصمت في الدنيا قنعنا

وأعطينا فأغدقنا الهبــات

ونحن الشعب قاعدةً و روحاً

ونكتب نحن ملمحة الحيـاة

ويبدو أن الشاعر لم يكتب هذه القصيدة للأطفال، وإنما هي قصيدة للكبار يقدّمها للصغار، ليتعرّفوا إلى العاملين في الوطن، ولا يمكن أن ننظر إليها كنصّ للأطفال، لأنها خاليةٌ من لغتهم وصورهم وموسيقاهم... وأين منها قصائده الراقصة الجملية في مثل هذه الموضوعات، كما في قوله في لُعْبَتهِ؟

سمّيتها مها        قلبي يحبّها

وقوله في الأرض المقدسة:

فلسطين داري     ودرب انتصاري

الأوزان الخفيفــة:

في الشعر موسيقا، وهذا يعني التنغيم والإيقاع، وقد ذكرنا أن الإيقاعات فطرية في النفس الإنسانية، تستجيب على نحوٍ معجزٍ لإيقاعات الشعر، وهذا مصداقٌ لما رأيناه وسمعناه في السابق، قبل انتشار الإذاعة والتلفاز من حفظ العامة الأزجالَ، والأشعار المبثوثة في القصص الشعبية كقصة الزير السالم، وسيف بن ذي يزن، وأبي زيدٍ الهلالي وسواها، ولولا هذه الخاصةُ الفطرية لما تيّسر للشاعر أن ينطلق الشعر على لسانه، لولا جريان اللغة في ألفاظها و تراكيبها على السليقة الموسيقية، وقد علمنا في تاريخ الأدب أن الشعر كان أولاً، ثم استخرجت منه الأوزان، و قد انبثقت أهازيج الأطفال في الموروث الشعبي من الكلمات العفوية والألحان العفوية، وأوجدت لها أوزانا لا تبتعد كثيراً عن أوزان الشعر العربي، ومنها مثلاً أهزوجة (وقفة العيد)

بكر العيد و نعيّد           و ندبح بقرة السيد

و السيد ما لو بقره                ندبح مرتُه هالشقره

ومن الموروث الشعبي الحديث : أهزوجة (إبراهيم هنانو) :

طارت طياره بالليل         فيها عسكر فيها خيل

فيها إبراهيم هنانو                 مركّب بنته  قدامه

ولولا السليقة الموسيقية في النفس الإنسانية لما حفظ الأطفال أغاني الدعايات التلفازية، و لكنها مع الأسف لا تخدّم الأهداف التربوية للطفل العربي.

إن هذه الأهازيج الشعبية التي تعلّق بها الأطفال في فترةٍ مبكرةٍ من تاريخنا القديم والحديث وإلى جانب أغاني ترقيص الأمهات، لم يستغلّها شعراء الأطفال، مع أنها تضع بين أيدينا وثيقةً هاّمةً تؤكّدّ على ضرورة الالتزام بالبساطة والعفوية عند تقديم النصّ الشعري ليسهل حفظه واستظهاره، ومن ثم بقاء أثره ممتدّاً إلى ما بعد فترة الطفولة.

  وكان توجّه الشعراء قريباً من ذلك حين التزم معظمهم بالبحور الخفيفة، والقافية المريحة التي تخلو نهاياتها من الحروف الثقيلة على النطق، ولجؤوا إلى مجزوء البحور ومشطورها، حتى تحوّل الشطر في بعض الأحيان إلى بيتٍ، وتحولت التفعيلـة إلى شطرٍ، وغدت الدواوين صغيرة الحجم، تصلح للجيب، وتضاءل عدد كلماتها حتى إنه في الأعمّ لا يتجاوز الألف كلمة، وقد أحصيت كلمات ديوان (أناشيد للصغار) للشاعـر " سليمان العيسى " فبلغت /970 / كلمةً باستثناء حروف الجرّ وحروف العطف، وهذا مؤشر صحيّ واضح على أن القصيدة الطفلية تحوّلت إلى طفلة بالمعنى المجازي، وكان لها نمنمات الطفولـة، وتمتماتها وأغاريدها. كما كان لهـا جدائل شعـر،  وثياب قصيرة، وأقلام تلوينٍ، ورحـلات حالمـة، وأعشاش عصافير، وفراشات حدائق، وحبوب سنابل، وزنود عمال، وعرق فلاحين، وحنان أم، وعطف معلمة، وجمال وطنٍ، وآيات من خلق الله .

إن رشاقة القصيدةِ، وخفّتها بالمفهوم الجمالي، إضافة إلى أن مداها القصير، وإيقاعها السريع، يحقّق جميع الأهداف التي تنشدها التربية، ويلبي حاجة الأطفال إلى المرح واللهو والانعتاق، من نطاق الزمان والمكان والواقع، وتساعدهم على التسامي بمداركهم ومشاعرهم، وقد راعى ذلك عددٌ كبير من شعراء الأطفال .

يقول "موفق نادر" في قصيدة (من ليالي الشتاء) (8) :

  هيّا نلعب بالكلمات

   من يعجز يسقِ الغنمات

   فلنبدأ حالاً فلنبدأ

   - ميم : مطر

   - لام : لامع

   - سين : سيف

   - قاف : قاطع

   صاحت ماما : راء رائع .

ويقول "صالح هواري"، معبّراً عن مثل هذا التوجه (9) الذي وعاه جيداً :

" وأول عاملٍ في توفير هذه الغنائية هـو استخدامي الأوزانَ القصيرة، المأخوذةَ من البحور المجزوءة :

يا عمّنا النجار              قلوبنـا تهواك

لم يبتسم لولاك             بابٌ ولا شباك

ومثل تلك الرشاقة نجدها في قصيدة (سعد) للشاعر "مصطفى عكرمة" (10) :

يا سعدُ أتذكر يا سعدُ        ساعاتٍ نقضيها نشدو

أمواج البحر تداعـبنا       والمــوج يجئ ويرتدُّ

يا سعدُ أتذكر يا سعدُ ؟

ومن القصائد التي تميّزت برشاقة تنغيمية راقصة " نشيد بابا " للشاعر " سليمان العيسى " :

بـابـا بابا                يومك طابا

دمت ربيعاً                 دمت شبابا

 ولعل الرشاقة الشعرية استهوت الشاعر "جمال عبد الجبار علوش " فصدر ديوانه : (لمن يغني النهر) (11) حافلاً بهذه الحلّة شكلاً وإخراجاً و تعبيراً، إذ يقع الديوان في /670/ كلمة وفي (48) صفحةً، وأوزان قصائدهِ قصيرة، وقوافيه متنوّعة، لكن ما يلفت النظر في الديوان وجود القصيدة القصيرة جداً، ومنها :

1 - العصفور :

يختــال بيــن الـدور

بأجمــــل الألــوان

من نايــه المسحـــور

يـــوزّع الألحـــان

2 – الشمس

صبيــةٌ شقراء

تمــدّ

- حين يستفيق الصبح –

وجههـا

فيسطع الضياء

3 – النهــر

يجري من الأزل

ويقطع السهول

تصفّق  القُبَـل

في ثغره الخجول

وقد أغرت النظرةُ التربوية الشعراءَ، ومعظمهم ممن يعمل في حقل التربية والتعليم، بتعريف الأطفال بشيءٍ يسيرٍ من صنعتهم، صنعة (النظم) للتحبيب بالشعر، كقول "سليمان العيسى " في الطفلة عبير :

أنا الشِعرُ والشاعرة                أنا نغمة الوتر الساحرة

ويحكي عن طفلةٍ تكتب الشعر في قصيدة " الطفلة الشاعرة " :

هذه النغمــــة من بحر الرمـل فاعلاتن فاعلات فاعلات

حين ترويها نضال في خجل           فالعصافير تغنّي الكلمات

وفي ديوان " ألعابنا الحلوة "(12) اكثر من هذا القصد التربوي التعليمي، حيث يتّضح التركيز الشديد على خصوصية الرشاقة، والغنائية في القصيدة الطفلية :

قصيدةٌ صغيـرةٌ في دفتـري

يا لحنهـا ما أعذبـــه !

جعلتهـا في خاطـــري

ترنيمـــةً محبّبــــة

...

قصيدتي مزيّنة

بزهرةٍ وسوسنه

الورد فيها واعدٌ

والحبّ يبني موطنهْ

...

قصيدتي القصيرةُ الصغيرهْ

ولحنُها عصفورةٌ وجدولُ

غنيتُها وإخوتي

(مستفعلن مستفعلُ)

...

قصيدتي (أبياتُها) عن روضةٍ

أو غابةٍ من الكرزْ

و(بحرُها) في موجهِ

يشدو بأشعار (الرجزْ)

قصيدةٌ صغيرةٌ أحببتُها

سمعتُها من شاعرْ

زيّنت منها دفتري

ما أجمل الدفاترْ

لقد نجح عدد من شعراء الأطفال في تقديم قصيدة طفليةٍ رشيقة، حتى يمكن أن نرى في سعيهم الحثيث إلى قصيدةٍ خفيفةٍ، أن هذه الخفّة والرشاقة تدخّلت حتى في الشعر التعليمي، الذي يعدّ من الألوان الصعبة، كما في قصيدة (قال المعلم) (13) :

    قال المعلم الحبيب فـي مهابـة

    ودرسـنا الجديد فـي القواعـد

  فجهزوا الأقلام والدفاتر

    لنبدأ الكتابة

    . . .

   ويكتبُ المعلم الحبيبْ

    الاسمُ : (معنٌ) أو (وليدْ)

   والفعلُ : (يسعى) أو (يُشيدْ)

  و (لن) و (كيُّ) الناصبه

   تقول لي مداعبه :

    الجملةُ المفيده :

  ما أروع (القصيدة) !

التشابــــه:

لكنّ هذه الرشاقة الموسيقية واللغوية قد أوقعت عدداً من الشعراء في (التشابه) مع غيرهم، في الألفاظ والتراكيب، والصور، ويمكن أن نُرجع السببَ إلى بقايا أثر النصّ الإبداعي الأول لدى قارئ الشعر الثاني، وشدّةِ تأثّره بالنصّ إذا كان متميّزاً يحمل في ثناياه مقومات نجاحه، وربما وُجد التشابه بسبب دوران عدد من الشعراء في فلك موضوعات واحدة، وربما كان السبب عائداً أيضاً إلى السبب التقليدي المتمثّل في (وقوع الحافر على الحافر) وربما كانت هناك أسبابٌ أخرى، ولنضرب بعض الأمثلة :

يقول "سليمان العيسى" في قصيدته المدرسية المشهورة :

أرسم علمي                فوق القمم

ويقول "جرجس ناصيف" :

علمي يسمو               فوق القمم

ويقول "سليمان العيسى" في بردى :

بردى بردى                حبّ وندى

وفي ديوان (مجد الطفولة) يقول صاحب هذا البحث :

بردى بردى                ظلٌ وندى

ويقول "سليمان العيسى" في الحروف الهجائية :

ألفٌ باءٌ             تاءٌ ثاء

هيا نقرأ             يا هيفاء

ويقول "بيان صفدي" :

ألفٌ باءٌ            تاءٌ ثاء

هيا نقرأ            يا أسماء

وفي ديوان (نهر الحب) لصاحب هذا البحث :

ألفٌ باءٌ            تاءٌ ثــاء

قرأت ليلى         مع أسماء

الخلّل العروضي:

قد يُعجب المرء حين يعثر في شعر الأطفال على عثراتٍ عروضيةٍ، ومعظم كتّابه من المعلمين، ومعظم هذه العثرات لا يمكن للطفل أن يكتشفها بنفسه، وقد يحفظها بعثراتهـا، و هذا مناف للتربية، ومن المؤسف أن تكثر هذه الاخفاقات حتى لدى المتمرّسين، وقد جاء "بيان صفدي" على جانب كبيرٍ منها، في دراسته التي أشرنا عليها من قبل. (14)

لكنّ بعض الدارسين قد يقفون من الخلل العروضي - في قصيدة الطفل تحديداً - موقفاً تسويغياً، حين يتصدّون لدراسة ظاهرة الوزن والموسيقا، ويوجِدون دائماً ما يبيح للشعراء التجاوز، وكأنهم يريدون القول إنهم يبتدعون بذلك أنماطاً موسيقيةً جديدةً، قوامها تداخل البحور، وتنوّع التفعيلات، وهذا ما ارتآه " فالح فلوح " في بحثه عن القيم التربوية السائدة وتقنيات العمل التربوي في أناشيد الأطفال لسليمان العيسى، مسوّغاً للشاعر تلاعبه بالأوزان والتفعيلات، بغية الوصول إلى إيقاعات جديدةٍ ومتميّزةٍ شائقةٍ تؤدّي إلى ألحان متحرّكةٍ غير نمطية.

ونحن إذا سلّمنا بهذا الرأي، وأفسحنا المجال للشعراء أن يجرّبوا في الوزن والإيقاع، كلٌّ حسب مزاجه، لدخلنا من جديدٍ في متاهة الشعر الحديث، وشعرِ التفعيلة، والنثرِ الفني مع أننا في غنى عنها، ونحن نُعَلّمُ الأطفال مبادئ لغتنا، ونحبّبهم بالغناء والموسيقا. لأن " الشعر الذي نلاحظ فيه القافية والوزن وأقسام التفاعيل في جميع بحوره، وأبياته، هو خاصّ من خواصّ اللغة العربية، دون غيرها من لغات العالم أجمع، ومنها اللغات السامية التي تنتمي إليها لغة الضاد... " (15)

يشير الشاعر " بيان صفدي " في بحثه " شعر الأطفال ونماذج من سورية " إلى بعض الهنات الوزنية في قصيدة الطفل، كما في " سلوى تغني " (16) [ كتاب أسامة الشهرية ] في قول الشاعر " معشوق حمزة":

أغسل  وجهي      قدمي ويدي

وأمشط شعري

وقوله :

فيه الورد         وجدولْ ماء

فيه الطير         وأحلى غناء

وقوله :

تحتك ترتاح

يومنا أفراح

وقوله :

اسمها عندي        أحلى كلمة

فالاختلالات واضحة في " أمشط " و " أحلى غناء " و " يومنا أفراح " و " اسمها عندي ".

وحين يضيق به الوزن يضطر إلى تغيير الحركات المعروفة لكلمة من الكلمات، ففي قوله :

يومنا درس ولعبٌ

وأناشيد كثيرة

فإما أن نقرأ " لِعْب " فيستقيم الوزن، [وإما أن نقول " لَعِب " وهو الصحيح، وعندها يختلّ الوزن.

ومن الاخفاقات الصعبة والإيقاعات المرتجلة يورد نماذج قصيرة لكل من " محمد قرانيا " :

بردى غنّى                 أحلى غناء

و"سعيد قندقجي" :

فاشهد فرحي      وراقب غضبي

و"جمال علوش " و" الضرورة القبيحة " في " طيارة أبي " بدلاً من " طيارٌ أبي "

طيارُ أبي

وأنا ابن النسر العربي

ويعترض على الشاعر " شوقي بغدادي " لاستخدامه الجملة الطويلة وإيقاعها في حكاياته الشعرية، كما في " القمر على

السطوح ": (17)

يروى عن سلطان في مملكـــةٍ

أن المرض دهــــــــاه

وأضناه سنيين طويلــــــة

فاختار جميع أطباء المملكـــة

وقاسوا من أوهام السلطان كثيرا

إذ أمـــر برميهم في السجن

لأنهم عجـزوا عن وصف علاج

ينقذه من علته المجهولــــة

يقول " بيان صفدي " : أعتقد أن الشاعر لو ترك الوزن جانباً، وكتب الحكاية نثراً، لكان أجدى للقارئ لأن مبرر الكتابة الشعرية، أن تبتعد عن تقريرية النثر من جانب، وتستفيد من إمكانية الإيقاع من جانب آخر، وهذا ما لم نلحظه في الحكايات. . بل إن أشدّ العجب تملكني عندما لاحظت الإهمال الواضح من قبل الشاعر في صياغته هذه الحكايات، فهو لم يتورّع عن الإخلال حتى بالسلاسة العادية للإيقاع، فراحت تتكرّر المتحرّكات الخمسة مراراً. مثل : " المرضْ دهاه " و" المملكة وقاسوا "... " وسواها. .

ويأخذ على الشاعر " ممدوح السكاف " عدم الصواب في الجمع بين سلامة اللغة والوزن في قوله :

فيفرد الكفين        والوجه والشفتين

وقوله :

رقيقة القسمات      سريعة اللفتات

ويعترض على ثقل الإيقاع في قوله :

جاء بابــا        جاء بابا

يحمل حلوى       بل ألعابا

وقوله أيضاً :

تسأل قمرُ          - أين علمي ؟

يسأل عمرُ         - أين قلمي ؟

ويسوّغ " بيان صفدي " في دراسته، تشدّده " في الإيقاع والابتعاد عن الضرورات، لغايتين شديدتي الأهمية في شعر الأطفال، فنحن عندما نغيّر في تحريك كلمة من الكلمات لضرورة شعرية، نكون قد شوّهنا تعلّم الطفل للمفردات الصافية، والفصيحة معاً، ثم إن التقيّد بالابتعاد عن الجوازات العروضية – خاصة القبيحة منها – خدمةٌ لميل الطفل الطبيعي إلى الإيقاع الرشيق والراقص .

ويأخذ على الشاعر " خيري عبد ربه " عجزه عن كتابة قصيدةٍ سليمةٍ عروضياً، كما في النماذج المقتطعة من القصائد :

أن هيا تعال لكي نلعب

 و :

بنطالي جديد لم يغسل

  و :

فمضيت إليها لأعتـذر

عن وسخٍ أفقدني جمالي

  و :

لموج أغنّي فتسمعني

  و :

أوطان العرب هي وطني

 و :

هذا وطن نحن جنده

 و :

للجدّ تغنّي معاولنا

 و :

نرقص ولنا أرض حلوة

 و :

ينادي للأمام

  و : 

نتحدّى التعب ولا نتعب

ثم يعلّق متسائلاً باستنكار : " هل يجوز أن نقدّم للطفل نصوصاً تحمل مثل هذه التراكيب، والاختلالات العروضية ؟ "

 وإذا كنّا نعدّد هـذه الهنـات العروضية، فلن يغيب عن بالنا أن عشرات القصائد ظلّت سليمة الوزن، وقد ساعدت البحور القصيرة، والمجزوءات والمشطورات على هذه السلامة .

خاتمـــــة:

إن موسيقا الشعر العربي على الرغم من مضي عشرات السنين على معرفتها وتذوّقها، فإنها ستظلّ أثيرة للنفس الإنسانية، مهما توغّلت البشرية في ميادين الحضارة والعلوم، وكما سيظلّ الشعر واحة العربي، ستظلّ الموسيقا أحد مقوّماته الهامّة. لأنها ،كما رأى الشعراء الرمزيون الذين تأثروا بموسيقا " فاجنر " من أمثال " مالارميه " منحتهم ما كانوا يتوخّون من شعرهم أن يقوم به، فغدت أشعارهم مادةً أساسية تعبّر عن خلجات نفوسهم تعبيراً موسيقياً، ذا رنين ونغم، كأنهم يستكملون به مالا تستطيع معاني الألفاظ أن تؤدّيه من الأحاسيس والمشاعر، والحقيقةُ أن أهمية موسيقى الشعر لم تغب عن أجدادنا منذ نشأته، فهذا حسّان بن ثابت يطلب ممن يريد أن يقول الشعر أن يتغنى به، لأن الغناء وسيلته، نجد ذلك في قوله:

تغنَّ بالشعر إما كنت قائله إن الغناء لهذا الشعر مضمار

ولذلك أيضاً سُمّيَ الأعشى صنّاجة العرب، ولا غرو في ذلك فإن تأثير الموسيقى في الشعر أسرع من تأثير عناصره الأخرى وأبقى.

الإشـــــارات:

1 – محمد قرانيا. ديوان نهر الحب. وزارة الثقافة. دمشق 1994 .

2 – هناك أنواع للشعر هي : الأغنية للغناء، والنشيد للإنشاد، والأوبريت للتمثيل، والمسرحية  الشعرية، والقصة الغنائية الشعرية .

3 – الموقف الأدبي. ص 176 تشرين الأول 1988.

4 – القيم التربوية السائدة وتقنيات العمل التربوي. في أناشيد الأطفال لسليمان العيسى. بحثٌ  أُلقي في المؤتمر العـــام الثاني عشر لاتحاد الكتاب العرب ومهرجان الرابع عشر. دمشق  1979 .

5 – استفدنا من البحث السابق لفالح فلوح .

6 – الغيمة تمرح. ص 49 .

7 – حديقة الأشعار المدرسية. ص 57 .

8 – الغيمة تمرح. ص 20 .

9 – الموقف الأدبي. ص 176 تشرين الأول 1988.

10 – مجلة أسامة العدد / 31

11 – لمن يغني النهر. وزارة الثقافة. دمشق 1996 وعدد كلمات الديوان / 760 / كلمة.

12 – ديوان ألعابنا الحلوة. وزارة الثقافة. دمشق 1996 .

13 – ديوان نهر الحب. مرجع سابق.

14 – مجلة الموقف الأدبي. ص114 تشرين الأول 1988 العدد 208 – 209 – 210 .

15 – اللغة الشاعرة ؟. عباس محمود العقاد. ص 27. مكتبة غريب القاهرة.

16 – ص 6 – 5 و 21...

17 – كتاب أسامة الشهري. ص 20  

 

 

الفصل السـادس: ظـاهرة التكرار

 

عَرَف الشعرُ العربي (التكرارَ) أو (التكرير) على امتداد عصوره، وقد تبلوَر في العصر الحديث. إذ عدّه النقّاد لوناً من ألوان التجديد، يضفي على القصيدة - إذا أُحسن استخدُامه - حليةً إيقاعية، ودلالية موحيةً، وذلك بما يمتلكه من طاقات، من شأنها أن تغنيَ القصيدة، وترفعَ من مكانتها الفنية.

" و لعل أبسط أنواع التكرار، تكرار (كلمةٍ) واحدةٍ في أول كل بيتً من مجموعة أبيات متتاليةٍ في قصيدة، وهو لونٌ شائع في شعرنا المعاصر. يتّكئ عليه الشعراء، في محاولتهم تهيئة الجو"  (1) الفكري. كقول الشاعر " سليمان العيسى " في قصيدة " عاش الحبّ " (2) :

عدّوا واحـد

عـاش الحبّ

عدّوا  اثنـين

سـار الركب

عـدّ ثلاثـة 

يا عبّــاس

عدّوا الأربـع

وقف النـاس

عدّوا الخمسة

أسمعُ جَلَبَــه

عدّوا الستـة

مرّت عربــه 

عدّوا السبعـة

أمي تعبـــه

وهكذا تتوالى الأعداد حتى العشرة، بعد فعل الأمر (عدّ) بغية تحقيق قيم تربويةٍ بإيقاعٍ محبّب، ويتّضح أن الذي عوّل عليه الشاعر، ليس التكرار نفسه، مع أهميته، وإنما الذي عوّل عليه هو ما بعد التكرار. إذ ظهر الارتباط العضوي جلياً في السياق بين الفعل المكرّر (عدّ) وما تلاه. ومثل هذا نلمسه في قول الشاعـر " طه حسين الرحل " في قصـيدة " ماما " حيث استهلّ البدايات بلفظ (أول) : (3)

أول اســمٍ ردّدتُ : ماما

أول لفـظٍ أحببـتُ : ماما

ولأول مخلوق صليتُ : ماما

يا رب احفــظ لي : ماما

نـــور العين ماما

أول ما أبصرتُ النور

كــان بعيني: ماما

لكن التكرار لكلمة (أول) لم يؤدِ الغرض الذي أدّاه التكرار في القصيدة الأولى، لأنه قد سُلِبَ إيحاؤه بتكرار لفظ (ماما) في أواخر الأبيات، ناهيك عن الإيقاع الموسيقي المتميّز الذي رفلت به قصيدة (عاش الحبّ ).

وعمد الشعراء إلى تكرار (العبارة) لأن التكرار يحقّق فيها بُعداً نفسياً من شأنه أن يساعد على التغلغل إلى أبعد مدى في تحريك إحساسات الطفل، ويُنبّهه إلى الفكرة، بإيقاعها المتوازن الذي قد لا تحقّقه (الكلمة) كقول الشاعر " جمال عبد الجبار علوش " في قصيدة " عيد الشجرة " : (4)

تحيا الشجــرة

رمـز الخضـرة

هيا  ننشـــد

تحيـا الشجـرة

يحيـا الغــرس

ويحيا الــزرع

يحيــا  وطـني

الحلـو الرائــع

تحيـا الشجــرة

وقريب من هذا قول الشاعر " خضر عكاري " في قصيدة " قالت لنا المعلمة " (5)

قالت لنا المعلمـة

هذا أوان الامتحان

مرحى... . .له

مرحى... . .لها

بشرى... . .له

بشرى... . .لها

قالت لنا المعلمـة

إن من شأن التكرار المساعدة على إبراز قيمة الإيقاع من جهةٍ، وإيصال الفكرة من جهة ثانية، إضافة إلى دلالاته الإيحائية، مما يعمل على تحفيز الطفل، وتلهّفه للمعرفة .

ونظراً لاستخدام البحور المجزوءة والمشطورة، في شعر الطفولة، فإن عدداً من الشعراء، وجد أن من الطبيعي اللجوء إلى تكرار (الشطر، أو السطر الشعري) وهذا كثيرٌ في القصائد، ومثاله، قول الشاعر "معشوق حمزة " في قصيدة " العيد غداً " (6) .

العيد غداً ســـوف يزور

وغداً. . وغداً سـوف يزور

والبسمة. . سوف تكون لنا

فالعيد غداً سـوف يزور. .

هيّا نضحــك. هيّا نلعب

فالعيد غداً سوف يـزور ..

وتكرار البيت من شأنه أن يؤدّي دور " عمل النقطة في ختام عبارةٍ عامة تمَّ معناها، ومن ثم فإنه يوقف التسلسل وقفةً قصيرةً، ويهيّئ لمقطعٍ جديدٍ " وقد قَدّم في القصيدة السابقة نماذج فرعيةً، لبهجة الأطفال، وهم ينتظرون قدوم العيد، ووقف كل مقطع نفسَه على أنموذج فرعي، ولحدٍّ انتهى عنده، وقد وجد الشعراء، والنقاد في هذا اللون سرّاً من أسرار نجاح التكرار في القصيدة .

أما تكرار عبارة، أو شطرٍ، أو سطرٍ شعري معين في نهاية مقاطع القصيدة، فهو لونٌ شائع في الشعر العربي، وقد لجأ إليه شعراء الأطفال، بغية توحيد القصيدة، وتحديد سيرها في اتجاه محدّدٍ يهدف إلى وضع الطفل في عالمها الشعري .

ويمكن تلمّس ذلك في قصيدة " أنشودة عبير " للشاعر "سليمان العيسى " (7) حيث وظّف التكرار لتأدية دور (لازمة) غنائية سنعرض لها بالتفصيل، بعد قليل :

عبير عبيـر

نسيم غديـر

فراشة حقل

بجفني تطيـر

تقول : أنا الشعـر والشاعــره

أنا نغمــة الوتـر الساحــره

عبير عبيـر

نسيم غديـر

فراشة حقل

بجفني تطيــر

لقد تجلّت مهمة التكرار في ربط مقاطع القصيدة، فأظهرت عذوبتها، وغنائيتها الموسيقية، وشفافيتَها اللغوية، حيث يجد الطفل المتلقي نفسه، يعيد منتشياً، بعد نهاية كل مقطعٍ، اللازمةَ التي تُوحِّد ما بين المعاني، لأن التكرار يشدّ الطفل، ويمنحه متعةَ الشعور برعشة السعادة، وهو ينتقل من نغمة إلى أخرى، ثم يعود إلى الأصل، فيجـدّد في اللحن، مع الحفاظ على وحدة القصيدة، وترابطها، حيث يغدو التكرار ذا صلة قوية ببناء القصيدة العام، إذ يستحيل، حذفه، أو تبديله من دون أن يؤدّيَ إلى التأثير على فنية القصيدة .

وعَرَف شعرُ الأطفال تكرارَ (الحرف) الذي يُعَدّ من أدقّ أنواع التكرار، ومنه قول الشاعر " ممدوح السكاف " في قصيدة " أميرة " (8) حيث كرّر الواو العاطفة :

وتغسل

 اليدين

وتغسل

 الخدين

وتلبس

الثيابـا

وتأخـذ

الكتابا

ويكرّر (أو) العاطفة، في قصيدة (في الملعب) ص (66 )

  نقفز مثل الأرنب قفــزا

  أو نجمز كالقطة  جمــزا

  أو نهوي كغزال غادِ. . .

  أو نزحف مثل التمساح . .

  أو نحجل كالبطة حجــلا

ويظهر تغلغل الحرف لدى الشاعر بصورة ملفتة للنظر، إضافة إلى نوعي التكرار الآخرين، وقد برز تكرار (أداة النداء – يا) التي يحدّد بها الشاعر الكلمات التي تأتي بعدها، ويعرّفها، لأنها تكون نكرةً قبل دخول الأداة، لا تحمل دلالة محدّدة، فترسم الأداة معنى جديداً للاسم المنادى، الذي يريد تثبيته في أذهان الأطفال  عليها لدى الشاعر "معشوق حمزة " في قصيدة " يا شجرة " (9) .

يا شجرة

يا شجرة

يا غصنا

أخضـر

يا ظـلاً

أسمر. . .

يا شجرة

يا شجرة

يا بيت العصفور

يا فرحاً وسـرور

ويكرّر الشاعر " سليمان العيسى " الحرف في كثير من قصائده، كتكرار أداة النداء (يا) في قوله :

يا رمل

يا أنعم من حرير

يا موج

يا أزرق يا مثير

وتكرار " كي" الناصبة في قصيدة " الأطفال يقولون للشعراء ":(10)

اكتبوا لنـا

اكتبوا لنا

كي تكونوا

مبدعيـن

كي تكونوا

رائعيـن

كي تكونوا

مثلنــا

لكن ما يلاحظ على تكرار الحرف في أغلب النماذج الشعرية، أنه يأتي عادةً مصحوباً بكلمةٍ كما في ثلاثٍ من القصائد السابقة، ففي قصيدة (أميرة) اقترن الحرف بالفعل :

وتغسل اليدين

وتغسل الخدين

وفي القصيدة الثانية، اقترن الحرف بالاسم ليشكّل أسلوب نداء :

يا شجرة  يا شجرة

وفي القصيدة الثالثة (الأطفال يقولون للشعراء) اقترن الحرف بفعل متكرّرٍ:

كي تكونوا                 مبدعين

كي تكونوا                 رائعين

وهذا الأنموذج الأخير يمكن إدراجه ضمن تكرار العبارة، أو الشطر، ويبدو أشدّ تأثيراً على ذائقة الطفل من حروف العطف التي يكثر استعمالها في الشعر والنثر، لأن الناصب يمتلك دلالة استشرافية تدفع الطفل للتحفّز واليقظة، أكثر مما تؤدّي الحروف العاطفة، فيما لو قال الشاعر – على سبيل المثال :

أو تكونوا         مبدعين

أو تكونوا         رائعـين

إن التكرار الذي استخدمه الشعراء المعاصرون، بصورةٍ مكثّفةٍ، وَجَدَ لـه مرتعاً خصباً لدى شعراء معينين، أكثر من غيرهم، غالباً ما يكونون من مبدعي قصيدة الراشدين الحديثة، في حين ظلّ شعراء آخرون في منأى عن التعامل مع هذه الظاهرة الأسلوبية، وما وُجد في أشعارهم إنما جاء عفو  الخاطر، تطلّبته لغة القصيدة وإيقاعها، ومنه قول الشاعر " مصطفى عكرمة " في قصيدة " وهج  الجراح " (11)

حملنا السلاح فعزّ السلاح

فنحن لعزّ السلاح سلاح

فتكرار لفظ " السلاح " معرّفاً ومنكّراً، أربع مرات في بيت شعري مؤلفٍ من ثماني كلمات، خرج عن دلالته الطفلية، كما أنه عقّد المعنى، ولم يقدّم في القصيدة شيئاً ذا بالٍ، سوى الوزن العروضي الذي يُرضي نزعةَ الشاعر في موسيقية المفردة، بابتدائها بحرف الحاء، والحاءُ مع السين يحقّقان للأذن جرساً محبّباً، وأفضل منه في الإيقاع والدلالة قولُ الشاعر، في قصيدة من أجمل أشعاره : (12 )

يا سعدُ أتذكرُ يا سعدُ

ساعاتٍ نقضيها نشدو

أمواجُ البحـر تداعبنا

والموجُ يجيء ويرتــدّ

يا سعدُ أتذكرُ يا سعــدُ

نلهو ونعدّ الأمواجـا

أفواجاً تتلو أفواجــا

ونعاتب أمواج البحر

إن ضجّ الموج أو اهتاجا

يا سعدُ أتذكرُ يا سعدُ

التكــــرار الفنــي:

من الشعراء الذين استهوتهم ظاهرة التكرار، يمكن أن نشير إلى كل من : " سليمان العيسى، ممدوح السكاف، معشوق حمزة، وبيان صفدي، حتى ليمكننا القول– بغير حرجٍ – إن التكرار لدى الأخير الـ " صفدي " يكاد يتغلغل في ثنايا كل قصيدة من قصائده الطفلية، بجميع أنواعه وأساليبه. ويشكّل ظاهرةً فنية متطوّرة. واهتمامُ الشاعر بهذه الظاهرة يعود إلى طبيعة التجربة الشعرية الحديثة التي خاض غمارها منذ ستينيات القرن العشرين، في تعامله مع شعر التفعيلة، أسوةً بشعراء جيله، ومن سبقوه قليلاً، سعياً منه لتثبيت الإيقاعات الداخلية، وتسويغ الاتكاء على التكرار، ليكون مرتكزاً صوتياً يتغلغل إلى آذان الصغار، بالانسجام والتوافق والقبول، فيملك عليهم مشاعرهم المرهفة، ويؤثّر على إحساساتهم الغضّة البريئة .

وإذا كان التكرار لدى الكبار يحقّق الإيقاع الموسيقي المرغوب، ويضع المتلقّي في رحاب العوالم النفسية المرسومة، فإنه لدى الشاعر المتمّرس، يمكن أن يحقّق للصغار أضعاف ما يحقّقه للكبار، وهذا ما جعل هذه الظاهـرة تشكّل لدى بعض شعراء الأطفال في سورية نظاماً خاصاً، داخل كيان القصيدة، يقوم على أسسٍ نابعةٍ من صميم التجربة، ومستوى عمقِها وثرائها، وقدرتها على اختيار الشكل المناسب، الذي يوفّر لبنية التكرار التأثيرَ المناسب للأطفال، من خلال فعاليته التي تتجاوز حدود الإمكانات النحوية واللغوية الصرف، لتصبح أداةً موسيقيةً دلاليةً في آن واحدٍ، يساعدها على تأدية دورها الفاعل، انطلاقاً من كونها مكمّلاً موسيقياً للكيان التشكيلي العام للقصيدة، كما سيظهر في وظائف التكرار الفنية الآتية :

أولاً : التكرار الاستهلالي:

وهو لونٌ " يستهدف – في المقام الأول – الضغطَ على حالـةٍ لغويةٍ واحدةٍ، وتوكيدها عدّة مرات، بصيغٍ متشابهةٍ، ومختلفةٍ، من أجل الوصول إلى وضع شعري معينٍ، قائمٍ على مستويين رئيسيين، إيقاعي ودلالي " (13)

ففي قصيدة الشاعر " معشوق حمزة " " سلوى تغنّي " (14) يتكرّر الفعل (أغني) ثلاث مرات في المقطع الأول، ومرتين في كل مقطعٍ من المقطعين الثاني والرابع، بينما افتقدها المقطع الثالث :

كالعصافير أغني

للندى

للفراشات أغني

و غدا

حين أكبــر

سأغني للوطن

.. .

بالورود

بالقلم

أرسم الآن بلادي

و أغني كل يوم

للعلم

.. .

تشرق الشمسُ صباحاً

وتغيب في بلادي

وتعود من جديد

لتنير

دربنا للعلم

والعيش السعيد

...

أنا مازلت صغيرة

ورفيقاتي معي

يومنا : درسٌ

ولعبٌ

وأناشيد كثيرة

وغدا حين نكبر

سنغني للوطن

لقد ورد الفعل أربع مراتٍ مسنداً إلى (ياء المتكلم) المفردة (أغنّي) ومرةً واحدةً مسنداً إلى (ياء المتكلم) بصيغة الجمع (سنغنّي) مسبوقةً بـ (سين الاستقبال) و هذا التكرار الذي استهل به الشاعر القصيدة، قد عمد إلى تأخيره في ابتداء المطلع، وقدّم عليه شبه الجملة (كالعصافير أغني) لتظهر (الحالية) المتوخاة من حالة المغنية، ومع ذلك فقد وردت العبارة – في سياقها الاستهلالي – مقبولةً، لتنسجم مع الإيقاع من جهةٍ، ولتتواشج مع الفكرة التي ينشدها الشاعر في البداية، ومن ثم في تضاعيف النصّ من جهة أخرى. إذ تدور الألفاظ والتعبيرات حول فكرة الغناء، فعمِلَ التكرار على التوكيد الإيقاعي المتوالد من التكرار الصوتي، حين ردّ العجزَ على الصدر، ثم حين عمل على إيجاد وظائف جديدةٍ، أكبر من التوكيد، وتحقيق التناسق الإيقاعي المتولّد عن التكرار الصوتي (أغنّـي) و بيَّن توزيع ذلك على مقاطع القصيدة، مما يؤسس لنمط من التناسق الإيقاعي المتولّد من التكرار الاستهلالي، الذي يستهدف – أيضاً – " الإحاطة بوضعٍ شعري معينٍ، وفق سمةٍ دلاليةٍ واقعيةٍ، محدّدةٍ، ليس من خلال التكرار ذاته. بل من واقع التكرار الاستهلالي ". (15 )

ثانياً: التكـــرار الختـامي:

 و"يؤدّي دوراً شعرياً مقارياً للتكرار الاستهلالي، من حيث المدى التأثيري الذي يتركه في صميم تشكيل البنية الشعريـة للقصيدة، غير أنـه ينحو منحى نتجباً [ تحصيلياً ] في تكثيفٍ دلالي وإيقاعي، ويتمركز في خاتمة القصيدة ". (16)

فإذا كان التكرار ترسيخاً لعنوان القصيدة، كما في قصيدة " جدّنا السندباد " للشاعر " بيان صفدي " (17) فإن البعد التأثيري لـه، يكون أكثر اتساعاً وأهمية، إذ لم يكتفِ الشاعر بالتركيز على الفكـرة من خلال العنـوان، وإنما جعل العنوان، نفسه (لازمـةً) تحمـل بعديها الدلالي والإيقاعي، فكرّر العنوان خلال النصّ، حتى غدت اللازمة (خاتمـةً) تلخّص الهدف الفكري، وتكثّفه في العبارة ذاتها من غير تعديل :

جدّنا السندباد

جــدّنا السندباد          طاف كل البــلاد

لا يملّ السفـــر                 لا يخاف  الخطــر

جدّنا السندباد

و لهـــذا انفتح                 عـــالم للفـرح

و الـذي لا يهاب         كل تلك الصعـاب

جدّنا السندباد

في الرحيل الطويـل        كل شيء جميــل

باسم كل البحـار          سوف يدعو الصغار

جدّنا السندباد

لقد حفلت القصيدة بخصوصيات العنوان، والخاتمة، ومن العنوان وحتى الخاتمة، برزت ألوان التكرار، الاستهلالي، والمقطعي، لتغدوَ القصيدةُ بعد ذلك نصّاً ذا دلالاتٍ كبيرة، وبنيةٍ إيقاعية مشحونة بطاقة موسيقية، يحمل – النصّ - في داخله سرّ نجاحه، وقد سَمَحَ الإيقاع المتوازن، والإيحاء التعبيري أن يعملا على اتساع المشاعر العاطفية، ودغدغة الذائقة الجمالية، وتحريض مخيّلة الطفل للتحليق مع رمزٍ من رموز تراثه الخالد، في شخصية قصصيةٍ حكائيةٍ من أمتع حكاياتنا الشعبية التي تدخل العوالم السحريـة .

وقد ساعد مجزوء البحر الوافر على إحداث الأثر الفعّال في موائمة الإيقاع الموسيقي مع التكرار التعبيري. حيث تشكّلت وحداتٌ تعبيرية إيقاعية شملت القصيدة كلها، من العنوان حتى الخاتمة، مروراً بالمقاطع، وقد غدت هذه الوحدات التعبيرية الإيقاعية في النهاية بمنـزلة النتيجة، أو المحصّلة الاحتفالية التي هدفت إليها القصيدة، بغية توصيلها إلى ذهن الطفل المتفتّح على حبّ المغامرة، وحبّ الإيقاع .

ثالثاً: التكرار المتدرّج (الهرمي):

 يُعَـدّ هذا النوع من أهمّ أنواع التكرار الفنية، نظراً لما يتطلّبه من خبرةٍ و مهارة " تستلزم بناءً شكلياً على شيء من التعقيد، يفضي إلى نتائج شعريةٍ مهمةٍ، يقف في مقدّمتها الإسهام الكبير في تطوّر إيقاعية القصيدة، وتعميق طاقاتها الموسيقية.

ويخضع هذا التكرار _ ضرورة _ إلى هندسةٍ، تنبع أساساً من طبيعة تجربة القصيدة، وما تفرضه من صيغة تكرارية، تتلاءم مع واقعهـا وخصوصياتها " (18)

ففي قصيدة " أسئلة " للشاعر " بيان صفدي " (19) نجد ما يستلزم أسلوب الأسئلة من هندسةٍ هرمية متدرّجة البنيان، تنداح بينها الأجوبة، فيغدو كل (سؤال) (مدماكاً) يليه (الجواب) في عمارة القصيدة الهرمية، التي تشبه إلى حدٍّ بعيد في إيقاعاتها المتواترة ما اصطُلح على تسميته في فن الغناء الشرقي (القرار) و (الجواب) حيث يتحقق التنغيم والانسجام و الاتساق والمواءمة، من خلال الإيحاءات العامة التي تولّدها المفردة الشعرية ذاتها، ولم يكن بمقدور الشاعر أن يوفّر مثل هذا العالم الخصب في قصيدته لولا تمرّسه بكتابة القصيدة الحديثة للكبار ؛ حيث تظهر الروح الدرامية التي تلفّ جوّ القصيدة، متدرّجةً، متصاعدةً... لتنتهي نهاية مؤثرة :

  أسئلة

                هل تبكي النسمة ؟

  - تبكي عند النافذة المكسورة.

                        ·                     هل يبكي العصفور ؟

-يبكي في الأرض المهجورة.

                        ·                     هل تبكي السمكة ؟

-تبكي إن جفّ النهر .

                        ·                     هل يبكي المركب ؟

-يبكي إن هاج البحر .

                        ·                     هل تبكي الغيمة ؟

-تبكي في الأرض القفر.

                        ·                     هل تبكي النحلة ؟

-تبكي إن مات الزهر .

وكي يظهر هدفُ التكرار الهرمي جلياً، يمكن توزيعه حسب الشكل المتدّرج الآتي :

·                        هل تبكي  ؟

                    - تبكي

·                       هل يبكي؟

                     - يبكي

·                       هل يبكي؟

                     - يبكي

·                       هل يبكي؟

                    - يبكي

·                      هل يبكي؟

                     - يبكي

·                      هل يبكي؟

                          - يبكي

إن نظرةً فاحصةً إلى هذا الشكل الهرمي البصري، تؤكّد استغلال الشاعـر للمدى المرسوم إيقاعياً، والانسجام الكامل بين الإيقاع / الموسيقا، والبكاء / الصوت المؤثّر، والمعبّر عن الحزن. لهذا اقتضى من الشاعر اللجوء إلى الإيقاع البطيء الذي ابتدأ به، وأضفى جوّاً مأساوياً على النصّ الشعري، حيث يصل في نهايته إلى الذروة الهرمية، إذ يغدو (الموت) نتيجة طبيعية للفاجعة الإنسانية التي تترتّب على مشاعر الفقر والجوع والخوف، كما يتبيّـن من الجدول الآتي :

مسلسل

الباكون

المكان والزمان

النتيجة

1

 بكاء النسمة

 عند النافذة المكسورة

 الإحساس بالفقر

2

 بكاء العصفور

 في الأرض المهجورة

 الإحساس بالوحشة والجوع

3

 بكاء السمكة

 عند جفاف النهر

 الإحساس بالهلاك

4

 بكاء المركب

 عند هياج البحر

 الإحساس  بالخوف

5

 بكاء  الغيمة

 في الأرض القفر

 الإحساس بالعدم

6

 بكاء النحلة

 عند موت الزهر

 الإحساس بالموت

ومن قراءة الجدول، يتبيّن أن التكرار الهرمي الدرامي، قد شاركت فيه الأنوثة والذكورة، فثمة أربعٍ إناثٍ : النسمة، السمكة، الغيمة، والنحلة... وذكَران اثنان هما : العصفور والمركب، وهذه المشاركة في البناء التي تغلب عليها الأنوثة عددياً، بنسبة الضعف، إنما اقتضتها متطلبات القصيدة الطفلية التي تميل إلى تأنيث الطبيعة والشخصيات، أكثر مما تميل إلى التذكير، بغية إضفاء جماليةٍ، وعذوبة على الحياة، تجسّدها الأنوثة الخالدة التي تجذبنا إليها – حسب تعبير " غوتة " – إلاّ أن الملفت للنظر أن فعل (البكاء) على الرغم من دلالته الإنسانية، كان من قِبَل شخصيات حيوانيةٍ طبيعيةٍ، جامدة ومتحرّكة، وهي مذكّرة ومؤنثة مجازياً، وقد استطاع أن يحرك الجوامد، ويبعث الحياة في السواكن، وذلك بإيجاد علاقاتٍ، وروابط وشيجـة تربطها ببعضهـا، حين أضفى صفة " الأنسنة " على الجميع بغير استثناء، وجعلها تحسّ، وتشعر،  وتتحرّك، وتشترك جميعاً في الأجوبة التي تعبّر عن حالات إنسانية خاصة، تدفعها للبكاء عندما لا يكون الوسط الذي يتحرّك فيه محقّقاً لها الحياة الإنسانية.

كما يشير التكرار الهرمي إلى بروز ثنائيةٍ تُعَدّ من أهمّ سمات هذا اللون من التكرار، هي ثنائية (السكون والحركة) التي عبّرت عن الحالة الإنسانية بربطها بين الأسئلة والأجوبة، وقد تجسّدت في القصيدة بصورةٍ جليةٍ، كما يتبين من الجدول الآتي :

الحالة

تجسيد الحالة

الحالة

تجسيد الحالة

 السكون

 في النافذة المكسورة

 الحركة

 في النسمة

 السكون

 في الأرض المهجورة

 الحركة

 في العصفور

 السكون

 في جفاف النهر

 الحركة

 في السمكة

 السكون

 في المركب

 الحركة

 في هياج البحر

 السكون

 في الأرض القفر

 الحركة

 في الغيمة

 السكون

 في موت الزهر

 الحركة

 في النحلة

وعلى ذلك تكون الأسئلـة (متحركةً) مشفوعـةً بإشـارات استفهـام (؟) تصِلُها بأجوبةٍ (ساكنةٍ) تمتدّ بردودها إلى الأسئلة، بإشارات اعتراض (-) و لكنها – مع الأسف – لم تنته بنقاطِ النهايات(.) كما تتطلّب فنيّة البناء الهرمي، وقواعد علامات الترقيم، ومع ذلك فإن الإيقاع والدلالات، والجوّ الدرامي، كل ذلك ساعد على معماريةٍ هرميةٍ متدرّجةٍ فريدة، راعت مبدأ السكون والحركة في صياغة السؤال والجواب، وتمتّعت بانسيابيةٍ حيويةٍ واضحةٍ، يندر مثيلها في شعر الأطفال.

 رابعاً : التكرار الدائري:

ويقوم " على تكرار جملةٍ شعريةٍ واحدة، أو أكثر في المقدمة، والخاتمة، وربما لا يجيء التكرار في جُمل الخاتمة مطابقاً تماماً لجمل مقدمة القصيدة، إنما يتطابق في جزء كبير منه، مع الحفاظ على روح التكرار، ومناخه، مع احتمال حصوله (نتيجةً) تُسوّغ تطوّر إنجازِ فعلِ القصيدةِ على الصعيد الدلالي " (20) و يمكن أن نمثّل لهذا النوع بقصيدة (الحاسوب) للشاعر " أسعد الديري " :( 21) 

  معلومات...

  معلومات...

  هذا عصر المعلومات

  هيّا نقرأ...

  هيّا نكتب

  هيّا نجمع. . هيّا نضرب

  عبر الشاشة

  سوف نشاهد

  وطني العربي

  و طني الصامد

  كل العالم سوف نراه

  بغرائبه...

  و عجائبه...

  عبر الشاشة سوف نراه

  معلومات...

  معلومات...

  إنّا جيل المعلومات

 لقد تكرّرت المقدمة الاستهلالية للقصيدة " معلومات. . معلومات. . " في الخاتمة معزّزةً بتوكيد " إن " الحرف المشبّه بالفعل مع اسـمه وخبره : " إنا جيل المعلومات " مع الحفاظ على بنيتها اللغوية، والصوتية في النتيجة التي سبقت السطر الأخير من الخاتمة " معلومات. . معلومات. . " و يمكن توضيح ذلك في الجدول الآتي :

المقدمـــــــــة

الخاتــــــــمة

معلومــــــــات

معلومـــــــات

معلومــــــــات

معلومـــــــات

هذا عصر المعلومـــات

إنّا جيل المعلومـــات

إن الجدول يثبت حجمَ التكرار المتوازن بين كل من المقدمة والخاتمة، مما يؤكد دائرية التكرار، وما ينتج عنه من قيمٍ إيقاعيةٍ نابعةٍ من التردّد المتباين للأصوات المتجانسة، على الرغم من (عملية) الفكرة. وحداثة الموضوع، وصعوبته في الشعر .

خامساً : تكرار اللازمـة:

يكثر هذا النوع في الأناشيد والأغاني، حيث " يقوم تكرار اللازمة على انتخاب سطرٍ، أو جملةٍ شعريةٍ، تشكّل بمستوييها الإيقاعي والدلالي محوراً أساساً ومركزياً من محاور القصيدة.

 ويتكرّر السطر، أو الجملة من مكان إلى آخر على شكل فواصل، تخضع في طولها و قصرها إلى طبيعة تجربة القصيدة من جهة، وإلى درجة تأثير (اللازمة) في بنية القصيدة من جهةٍ أخرى، وقد تتعدّد وظائف التكرار حسب الحاجة إليها، وحسب قدرتها على الأداء والتعبير. " (22 ).

و يمكن تقسيم تكرار اللازمة إلى ثلاثة أنواع :

آ - اللازمة القبْليـة:

وهي قليلة الظهور، حيث ترِد في بداية القصيدة، و يستمرّ تكرارها في بداية كل مقطع، لتشكّل مفتتحاً يُلقي بظلاله الإيقاعية والدلالية على جوّ القصيدة، ويمكن أن نمثّل لهذا النوع بـ " أنشودة ريم " للشاعر "سليمان العيسى " (23)

  ريمْ ريم          مرّ نسيـم

  في بستان اللوز

  قالت زهرة لوز

  اسم الزهر قديمْ  سميناها ريم

            ...

  ريمْ... ريم

  زهرة لوزٍ        ما أبدعها

  نصغر معها      نكبر معها

  نصبح من بعض الألعاب

  نفرش للورد الأهـداب

  اسم الورد قديم

  سميناهــا ريم

...

ريم تغني وهي نشيد

حلو مثل صباح العيد

ترسم لعبتها الشقراء

حبة كرزٍ خيط ضياء

لون الكرز قديم

أحلى لونٍ ريم

ريم الحلوة يا منثورة

حملتها يوماً عصفورة

زرعتها في الدار

قالت للأشعار

لحنك أنت قديم

أحلى نغمٍ ريم

إن تكرار اللازمة الاستهلالية " ريم " في مطلع القصيدة، ثم في بداية كل مقطع، قد حقّق غرضه التنغيمي، والدلالي، ويمكن توضيح ذلك في الجدول الآتي :

المقطــــــــع

اللازمــــــــة

المتمّمـــــــات

1

ريـــم ريــــم

مرّ نســـــــيم

2

ريـــم ريــــم

زهرة لوزٍ ما أبدعهــا

3

ريـــــــــم

تغنـــــــــي

4

ريـــــــــم

الحلــــــــوة

إن اسم " ريم " غدا قوام اللازمة المركزية، إذ تكرّر مرتين في المقطع الأول، ومرتين في المقطع الثاني، ومرةً واحدة في الثالث، ومرة أيضاً في الرابع، وأخذ شكلاً محورياً في المقاطع الأربعة، كما يظهر في الرسم الآتي:

                           اللازمة المركزية

                                ريـم

1 – مرّ نسيم     2 – زهرة لوز ما أبدعها      3 – تغنّي      4 – الحلوة..

وتتضافر متمّمات اسم " ريم " في الدلالة، لتشكّل معنىً جديداً، ينبثق من خلال المقاطع " ريم " مرّ نسيم، زهرة لوزٍ ما أبدعها. تغنّي الحلوة " وهذه العبـارات والمفردات، قوام الفكرة العامة للنصّ، وقد عمل التكرار (تكرار اللازمة) على تجلّي الطفولة العذبة بإيحاءات عالمها السحري الآسر، الذي شفّ عن جماليات الطبيعة، فتوحّد معها، حيث تتحوّل دلالياً إلى المعاني الإنسانية، التي تقوم على الحياة السعيدة، والطفولة البريئة، فـ " ريم " هي الجمال الإنساني المطلق، حلوةٌ، تشبه زهرة لوز بديعة، وقد مرَّ عليها النسيم، وهي تغني بعذوبة.

ب - اللازمة البَعديــة:

 وتتكرّر في نهايات مقاطع القصيدة، لتشكّل بها استقراراً دلالياً وإيقاعياً، يهب القصيدة عنصر الارتكاز والتمحوّر، كما يضبطها بفواصل إيقاعيةٍ منتظمة، وهذا النوع يحقّق – أكثر من النـوع السابق – اتّساقاً موسيقياً ينتظم عموم القصيدة، وهو النوع البارز في (لازمات) شعر الأطفال، ويكثر في الأناشيد والأغاني، وتمثّله قصيدة " يا معشر الأطفال " للشاعر " ممدوح السكاف " : (24)

  يا أمل القضية           وراية الحريــة

  والزهرة البرية           والضحكة الندية

            والحبّ والجمـال

            يا معشر الأطفـال

  غنّوا معــي            غنّــوا معي

  طــيروا معي         طــيروا معي

            إلى مرابع الخيـال

            يا معشر الأطفـال

 

 

  بلادنا جميلـة           خميلة ظليلـة

  نسائم عليلـة            وأنهر طويلـة

             سخيـة الغلال

             يا معشر الأطفال

  تعلّموا وعلّموا            حبّ الوطـن

             حـبّ الوطــن

  وأخلصوا وأبعــــدوا  عنه المحن

           عنـه المحـــن

           على مدى الأجيال

           يا معشر الأطفـال

لقد عمل تكرار اللازمة البَعدي " يا معشر الأطفال " عَمَلَ الخاتمة المقطعية، في المستويين الدلالي والإيقاعي، إذ ربط الطفل بالهدف العام للقصيدة من خلال أسلوب النداء الذي غدا بمنـزلة المنبّه إلى دور الطفولة، وجمال الوطن، وضرورة الحفاظ عليه، وحمايته .

لكن بعض النقاد - على الرغم من كثرة هذا النوع في شعر الأطفال - يرى " من حيث الأداء الوظيفي لتكرار اللازمة، سواء على المستوى الدلالي، أو الإيقاعي، أن اللازمة القَبلية تؤدّي دوراً وظيفياً أكثر أهميةً، لأن دخولها في بنية القصيدة، وطبيعة عملها، إذا ما وُظفت على نحو صحيح، وبما يناسب حاجة القصيدة إليها تشكيلياً، يستدعي نفاذاً حرّاً، ومنطلقاً في بنية القصيدة، بما يؤمِّن إنجازاً واضحاً ومصيرياً بالنسبة لها، لأن موحياتها ترشح عمودياً، من الأعلى إلى الأسفل، على عموم فضاء القصيدة، ومساحة فعالياتها، على العكس من اللازمة البَعدية التي تؤدّي دوراً وظيفياً محدوداً بحكم استقرارها في نهايات مقاطع القصيدة على شكل ثوابت (نَتَجيّة) إلى الدرجة التي قد تبدو في بعض الأحيان زائدةً " (25) .

 

ح - التكرار القَبْلي و البَعدي للاّزمة الواحدة:

وهو نادرٌ. إذ يجمع هذا النوع بين استهلاله وخاتمته المقطعية، بيتاً شعرياً أو أكثر، يكون حشواً بين طرفي اللازمة ،كقول الشاعر " ممدوح السكاف " في قصيدة " القطار " (26) :

  يا أيها القطـار

  لا تطلق الصفير

  كأنه الزفيــر

يا أيها القطـار

             يا أيها القطـــار

             طـرْ بي إلى الغيّاب

             أوصل لهم خطـاب

             يا أيها القطـــار

  يا أيها القطـار

  قد آن للغريب

  رجوعه الحبيب

  يا أيها القطـار

لقد استهلّ الشاعر كل مقطع بعبارة " يا أيها القطار " وأنهاه بها، وبذلك تظهر سيطرة اللازمة على القصيدة مبنىً ومعنى. إذ أوجدت لها حيّزاً إيقاعياً كبيراً يتواءم مع البُعد الدلالي للسفر والغياب والرسائل، في ست جملٍ شعريةٍ، مقابل ست جمل مختلفة لباقي القصيدة، ترتبط ارتباطاً عضوياً باللازمة القَبلية / البَعدية، كما يظهر في الجدول الآتي:

اللازمــــــــة

موضعهــــــــا

الرابـــــــــط

 يا أيها القطـــار

 قَبْلِيـَّـة

 لا تطلق الصفيــر

 يا أيها القطـــار

 بَعْدِيـَّـة

 كأنه الزفيــــر

 يا أيها القطـــار

 قبليــة

 طـرْ بي إلى الغيّاب

 يا أيها القطـــار

 بعديــة

 أوصل لهم خطـاب

 يا أيها القطـــار

 قبليــة

 قد آن للغريــب

 يا أيها القطـــار

 بعديــة

 رجوعــه الحبيب

سادساً: التكرار التراكمي:

يظهر هذا اللون من التكرار متراكماً في القصيـدة بصـورةٍ غيـر منتظمة، إذ يعمد الشاعر إلى " تكرار مجموعةٍ من المفـردات، سواء على مستوى الحروف أم الأفعال، أم الأسماء تكراراً غير منتظم، لا يخضع لقاعدةٍ معينة، سوى لوظيفة كل تكرار وأثره في صياغة مستوى دلالي وإيقاعي محدّدٍ، ودرجة اتساقه، وتفاعله مع التكرارات الأخرى، التي تتراكم في القصيدة، بخطوط تتباين في طولها

وقصرها"(27)

ونظراً لتوّزعه الفوضوي، فإنه يدخل المقدمة، وسياقَ القصيدة، ونهايات المقاطع وبداياتها، وخاتمةَ القصيدة، حيث يتغلغل في ثنايا النصّ الشعري، لتحقّيق تنوّعٍ إيقاعي، تنتج عن تجمّعات صوتيةٍ

معيّنةٍ، ويمكن أن نمثّل لـه بقصيدة " في الملعب " للشاعر " جرجس ناصيف "(28) حيث يكرّر لفظ " لعباً " في معظم القصيدة بغير تحفّظٍ :

هيا جرياً هيا لعبــاً

لعباً لعباً لعباً لعباً

هيا قفزاً هرولْ عجلْ

هيا عَدْواً هيا خبباً

لعباً لعبـاً

يُمنى. يُسرى. قدّمْ. أخّرْ

اِخفض قَدَماً. ارفع كعباً

لعباً لعباً لعباً لعبـا

اركض. أسرع. اقذف كرةً

حقّقْ هدفاً. حقّقْ طرباً

لعباً لعباً لعباً لعبـا

ارفع ثقلاً. سدّد سهماً

فاز (النادي) قلبي وجبا

لعباً لعباً لعباً لعبا

في ملعبنا لعبي مرحـي

ولمدرستي حقٌّ وجبــا

لعباً لعباً لعباً لعبا

روّض جسماً تصنع عقلاً

اِلعب. اِمرح. تصنع عجبا

لعباً لعباً لعباً لعبا

ومن الواضح أن التكرار قد اشتمل على أسماء، وأفعال، وأسماء أفعال، وتوزّع على القصيدة توزيعاً فوضوياً. من حيث الكثرة والقلّة، كما يتبيّن في الجدول الآتي :

تكرار ثنائي

أداة التكرار

تكرار سداسي

أداة التكرار

تكرار (29) مرّة

أداة التكرار

ارفع

فعل أمر

هيّـا

 اسم فعل أمر

لعباً

اسـم

ارفع

فعل أمر

هيّـا

 اسم فعل أمر

لعباً لعباً   لعباً لعباً

أسمـاء

وَجَبَا

فعل ماض

هيّـا

اسم فعل أمر

لعباً لعباً   لعباً لعباً

أسمـاء

وَجَبَا

فعل ماض

هيّـا

اسم فعل أمر

لعباً لعباً  لعياً لعباً

أسمـاء

تصنع

فعل مضارع

هيّـا

 اسم فعل أمر

لعباً لعباً   لعباً لعباً

أسمـاء

تصنع

فعل مضارع

هيّـا

 اسم فعل أمر

لعباً لعباً   لعباً لعباً

أسمـاء

حقّقْ

فعل أمر

لعباً لعباً   لعباً لعباً

أسمـاء

حقّقْ

فعل أمر

لعباً لعباً   لعباً لعباً

أسمـاء

وقد ساعد هذا التوزيع غير المنتظم للتكرار على ظهور الإيقاع بنبرةٍ عاليةٍ، وفّرتها نغمة (الخبب / بحر المتدارك) الذي عَرَفَ العرب فيه نوعاً من إيقاع سير الإبل، وقد خدم الوظيفة اللغوية من جهة، والدلالية من جهةٍ ثانيةٍ، لتناسقها وانسجامها مع الهدف الفكري، والقيم التربوية، حيث حاول الشاعر إيجاد صيغةٍ وزْنيةٍ، أو نغمةٍ إيقاعية تعبّر عن (درس الرياضة) وألعابه، وحركاته التي يمارسها الأطفال في مدارسهم وملاعبهم، وقد ظهر جلياً أسلوب (الإيعاز) المترافق مع الحالات الرياضية والأوضاع الجسمية وحركات اليدين والقدمين، في أفعال، وأسماء حركية، انسجمت مع الإيقاع الموسيقي المتوازن المصاحب لمثل هذه التدريبات الرياضية .

سابعاً: أنواع أخرى من التكرار:

لولا استثناءات قليلة، فإن ثمة أنواعاً من التكرار تكاد تكون محصورةً في شعر الأطفال، لأن شعر الراشدين لم تظهر فيه إلاّ قليلاً، ومنه قول " أبي الشمقمق " في هجاء "بشار بن برد " .

هلّلينه هلّلينـه

 طعـن قثّـاءٍ لِتينه

إن بشار بن بردٍ

 تيس أعمى في سفينة

ومثله قول " أبو حامد بن محمد الأنطاكي المعروف بأبي الرقعمق " في " قرى الضيف "ج1 ص (392) :

خذ في هناتك مما قد عرفت به         مما به أنت معروف ومشهور

  واحكِ العصافيرَ صي صي صي صصي صصصي

  إذا تجاوبن فيَ الصبح العصافير

وعلى غرار " هلّلينه هلّلينه " و" صي صي " وجد شعراء الأطفال أن أدوات الأطفال الغضّة تستلزم مثل هذا اللون من الترديد المنغّم الذي يتساوق مع التلحين والتطريب. لذلك عمد كثير منهم إلى محاكاة أصوات استقوها من الطبيعة الحية المحيطة بنا، كأصوات الحيوانات، وأصوات حفيف الأوراق، وتمايل الأغصان، وطقطقة الجوامد، وتكتكة الآلات المتحرّكة الأخرى، ثم جعلوا منها (لازمات) غنائية تارةً، وغلغلوها في ثنايا القصائد تارةً أخرى.

ويمكن أن نحصر أنواعها في المجموعات الثلاث الآتية، التي تنقل التكرار الإيقاعي بوصفه قيمةً جمالية، وتعبيرية :

آ - محاكاة أصوات النبات :

قبل الوقوف على النماذج الشعرية، لا بدّ من التنويه إلى أن المقصود بالمحاكاة هنا، ليس معناها الفلسفي أو النقدي كنظرية لها مصطلحاتها، وإنما المقصود بالمحاكاة، في شعر الأطفال، نقل صوت من الطبيعة الحية، أو الجامدة بصورةٍ فنيةٍ يُدخل الطفلَ في جوّ إيحائي يحقّقه الإيقاع الصوتي قبل الدلالة، لأن الموسيقا، أبرز مقومات شعر الأطفال، ومن شأنها تجميل ذائقة الطفل بالتنغيم والترقيص والترديد، إضافة إلى معطياتها الدلالية التي لا تنقل الواقع أو تمثّله، وإنما تعمل على إيجاد شيءٍ موازٍ لـه قد يكون أكثر إيحاءً وجمالاً. . كالاستهلال بالخشخشة في قصيدة " أنشودة المطر " للشاعر " طه حسين الرحل " الذي يعمل على تعميق المشهدية الشعرية : (29)

خشْ خشْ خـشْ

أوراقي صفـــر

خش خش خـش

وحياتي ظلمــاء

لا خير ولا أنـداء

لا عشب ولا أفياء

ماء. ماء. ماء.

يبدو لفظ الخشخشة ذا دلالة إيحائيةٍ كبيرةٍ حيث ارتبطت بمستلزماتها الطبيعية البيئية، وما يترتّب عليها من حالةٍ نفسيةٍ وإدراكية. فالأوراق الصفر، والجفاف والظلمة يلفّان المقطع الشعري الذي انتهى باستدعاء المطر (ماء. ماء. ماء) فبدا كأنه تضرّعٌ وابتهالٌ، كما عملت الخشخشة " خش. خش. خش " بتكرارها الرتوب على صياغة إيقاعات متوالية، هادئةٍ وساكنة، تتناسب وجوّ الهمود والسكون الذي يساعد على وضع الطفل ضمن حالةِ طقسية جافّة. يترقّب فيها المطر .

وقد يلجأ الشاعر إلى وصف حركة النبات، ويقف عند تمايل الأشجار فيضفي عليها صفة  (الأنسنة) فلا يجد في تمايلها إلاّ غانيةً راقصةً تفيض بالخير والفنّ كما في قصيدة " النخلة " للشاعر  " بيان صفدي " (30) التي تفيض حركة وإيقاعاً :

ميلي ميــلي

طاب الثمر

فعلى خيـرك

عاش البشر

ميلي. . ميلي

لا ترتـاحي

واهدي ثمـراً

للفــلاح

ونقل الشاعر في قصيدة " رسالة الربيع " من ديوانه " الأغاني " (ص 22) صوت طقطقة الشبّاك – والشباك نباتٌ جاف - الذي لم يتمالك نفسه الساكنة، التي حرّكتها لمسات الربيع الندية، وكم كان جميلاً من الشاعر لو أنه عمد إلى تكرار (الطقطقة) هذا الصوت الموسيقي، ولم يكتف بتكراره في سطرٍ شعري واحد :

غداً.. غــداً

يــد الربيـــع

تـرشّ كـل بيت

ودون صـــوت

بحفنةٍ من  النــدى

وباقةٍ  من الــورد

طَقْ. . طَقْ ..طَ.طَقْ

ينفتح  الشبّـــاك

ينهض طفل مسرعـاً

يسأل :

 - من هناك ؟

لقد أضفت الطقطقة حركةً وحيويةً على الجامد الساكن، مما ترتّب عليها تحريك الطفل " ينفتح الشباك / ينهض طفل مسرعاً " ليحقّق قيمةً تربوية، هي هدفٌ بحدّ ذاتها.

ب – محاكاة أصوات الآلات:

إن " بيان صفدي : بارع في اقتناص ألفاظ التكرار الإيقاعية في قصائده الطفلية، كما يتضح من النماذج التي تغطي جميع حالات المحاكاة، ومنها على سبيل المثال (اللملمة) الصوتية التي استهلّ بها قصيدة " أغنية للجميع " (31) ثم جعل منها خاتمةً مقطعيةً بَعديةً، يخاطب بها الطفل، محاكياً نغمة آلات المصانع التي يعمل فيها العمّال:

لم لم. . للم        لم لم . . للم

هل تسمعون       هذا النغم ؟.

.... .

يا  رائحـين       إلى العمـل

و قادمــين      مع  الأمـل

وسـائريـن       بلا مــلل

ستنشـدون       هذا النغـم

لم لم. . للم        لم لم. . للم

ولكاتب البحث قصيدة بعنوان" دير ياسين " في ديوان " ألعابنا الحلوة " * حاولت تجسيد دعوة النفير إلى الحرب، واستحضرت صـوت قرْع الطبول في المعارك، ومحاكاة أثر الفاجعة بإيقاعٍ درامي، يضع الطفل في جوّ المعركة التي تُفرض من وقت لآخر على الأمة العربية داخل أرضها، كما حدث في قبية، ودير ياسين، وصبرا وشاتيلا وجنين ورام الله. وسلسلة المذابح المتواصلة التي يقوم بها الجزّار الصهيوني، فجاء تكرار الصوت استجابةً لحالةٍ شعوريةٍ، تساعد على إشاعة جوّ إيقاعي ملوّنٍ بألوانٍ عاطفيةٍ مثيرةٍ، عبر خطٍ درامي متصاعد تماشى مع دلالته التعبيرية :

           بم. بم. بمْ !

           سال  الدمْ !

           صوت  المدفعْ

           فجراًيقرعْ

           يهوي طفلٌ !

           غضٌّ يرضع !

           بم. بمْ .! !

           .. .

           بمْ. بمْ. بمْ !

           جدّي شيخ الحاره

           ذاك المسكين الممتاز

           بمْ. بمْ !!

           هذا ظلمْ !

وحاكى كثير من الشعراء صوت الساعة ونقلوا (تكتكتها) وأظهروا اهتماماً بالغاً بصوتها الإيقاعي، منطلقين منه إلى الزمن، واستغلاله دلالياً وتربوياً، وبيّنوا دور الساعة في التنبيه، وضبط الوقت، وتنظيمه.

يقول " معشوق حمزة " في قصيدة (الساعة) : (32 )

           دقتْ. . دقت

           وسط البيت

           قلت لها :

                     قولي

                     من أنت ؟

           قالت :

           اسمع

                    هذا صوتي

           تك تك

           تك تك

                   كل الوقت

                   ...

           هيّا أسرع

                   وانشف

                           بالمنشفة

           وافطر

                   واذهب

                           للمدرسة

  ولكاتب البحث، في قصيدة " رنين الساعة " من ديوان " نهر الحب ": ص (39)

           تِك تَك تاكْ

           تِك تَك تاكْ

           تلكَ الساعة

  رنّتْ فجراً

  وسنا الصبحِ

           قد حيّـاكْ

           تِك تَك تاكْ

           تِك تَك تاكْ

ويجسّد الشاعر " محمد بري العواني " في مسرحيته الشعرية " شطة في ورطة " صوت البوق عندما يرقص الأطفال على المسرح :

           تَمْ تَمْ، تَمْ تَمْ، تَمْ تَـتَا   تَمْ تَمْ، تَمْ تَمْ، تَم تَـتُو

           تَمْ تَمْ، تَمْ تَمْ، تَمْ تَتي    صاح الديك قومـــوا

ح – محاكاة وَقْع المطـر:

اهتمّ شعراء الأطفال بالمطر نظراً لما لهذه (النعمة) من مكانة إسلامية وتراثية، قال الشاعر " سليمان العيسى "

  مطرٌ. مطر

  بالنعمة أنهمر

وحرص الشعراء على الاستفادة من قطراته المتلاحقة، وصوت إيقاعه، وإيحاء لفظه في توشية أشعارهم و اختاروا لذلك ألفاظاً تعبيرية تتناسب في الدلالة مع صوت الإيقاع الموسيقي الذي احتفلوا به احتفالاً متميّزاً، فالشاعر " بيان صفدي " خصّه بقصيدةٍ جعل عنوانها " المطر " (33) و أنزل قطرة المطر على البداية، لتكون استهلالاً إيقاعياً قَبْلياً، ثم لم يتوان عن جعلها خاتمةً بَعديةً للمقاطع التالية، بغية رسم الجو الذي يتلاءم وحالة الطقس الممطر الذي يوافق نفسية الأطفال:

  قطرة... قطرة... يا مطر

  قد سمعنا خطـاك

  فاروِ كل الشجر

  أنت أ حلى ملاك

   .. .

كفّنا تلوّحُ

والوردة تُسبّح

أنت ضيف الشجر

وصديق الزهر

من أعالي السماء

جئتنا بالعطاء

قطر.. قطرة .. يا مطر

   ...

وعلى مثل هذا التوتّر، عزف الشاعر " طه حسين الرحل " في قصيدة " أنشودة المطر " ص (28) :

-الغيمة:

  جئت إليكم...

  جئت إليكم...

  بعد غيابٍ طال شهور

  جئت حملت الخير إليكم

  من نبعٍ حلوٍ مسحور

  من كل الأنحاء

  جمعت الأجزاء

  وجئت أحيّي الأرض بالمطر

  مطر. . مطر. . مطر. .

و لم يكتفِ الشاعر " بيان صفدي " باستغلال الفرح الذي يصاحب قطرة المطر، وكما هتف للنخلة " تمايلي تمايلي " فإنه يهتف للقطرة (نقّري) في " ديوان تحيا الشجر " ص (27) :

  تراقصي. . تراقصي

  يا قطرة المطر

           للناس

                    والبيوت

                             و الشجر

                   ...

           نامي

على الأوراق والدروب والسطوح

ورفرفي

على جناح الريح

وأين شئت

           فاستريحي

ونقّري على الزجاج

واسقي وروداً ذبُلت

على السياج

د - محاكاة أصوات الحيوانات:

تملأ الحيوانات الأليفـة مخيّلـة الصغـار، يتخيّلونها، ويحاورونهـا، فتضفي على عالمهم المتعة والفرح. فالطفل الذي يشاهد الفراشة الملونة تزهو بألوانها، وترفرف بجناحيها من زهرةٍ إلى زهرة في فصل الربيع ما يلبث أن يغني فرحاً :

تراقصي تراقصي

فراشة العبيــر

و زيّني حقولنـا

بالرائع النضيـر

وتبرز صورة " الديك " أكثر من غيرها في شعر الأطفال في سورية، و يمكن أن نردّ سبب هذا الاهتمام بهذا الطائر الأرضي إلى أن جميع شعراء الأطفال هم من الذكور– و يندر أن نجد شاعرةً خصّت الأطفال بديوان مستقل، ومنطق الذكورة يقتضي النظر إلى ما لهذا الحيوان الأليف في الموروث الشعبي من معاني (الفحولة) التي تتواءم مع نظرة الذكَر إلى (فحولة) الحياة. فالديك رمز للنهوض المبكّر، والدعوة إلى العمل. وغالباً ما يميس النصّ بأجواء ريفية حيث يعيش الفلاح مع حيواناته الأليفـة، وقد ارتبط في الذاكرة الشعبية بالموروث الديني، فهو الذي يوقظ الناس لصلاة الفجر... .

 يقـول الشاعـر " خيري عبد ربه " في قصيدة " نشيد الصباح " من ديوان " الفصول و قصائد أخرى " [ وزارة الثقافة 1979

ص 91 ]

الديك صاح

كي كي. .  كي كي

الفجر لاح

كي كي. .  كي كي

فهيا هيا للعمل

نسقي المزارع بالمياه

النوم معناه الكسل

بالنوم لا تعلو الجباه

الشمس أعطت للسنابل

من لونها لون الذهب

ولكل فلاح وعامل

مدّت شعاعاً من قصب

وينقل الشاعر " وليد مشوّح " صوت الديك في قصيدة " الوطن والأمل " حيث نعود بالصوت إلى تنغيم الإيقاع الذي يربط الطفل ببيئته الفطرية : (34)

كوكو صاح الديك

ومثله قول الشاعر " بيان صفدي " في قصيدة " صياح الديك":(35)

صاح الديك

كوكو. . .كوكو

جاء الصبح  هيّا اصحوا

وأكثرَ شعراءُ المسرحية الشعرية من أصوات الحيوانات، على ألسنة شخصياتهم. لأنها تخدم الغرض الفني ، فجسّد الشاعر" محمد بري العواني " في مسرحيته الشعرية " شطة في ورطة " صوت الديك والدجاج عند الهياج، وليس الصياح من خلال الرقص التعبيري للأطفال:

بُقْ بُــقْ                 بيقْ بيقْ

نحن دجاج                 في إبريقْ

وعبّر الشاعر " طه حسين الرحل " في " أنشودة المطر " عن عدّة أصوات كرّرها في القصيدة الواحدة، مما يشهد لـه بالخبرة التربوية، والإلمام الجيد بخصوصيات شعر الأطفال : ص (30 )

 الخروف :

          أين الظل ؟. .

           وأين المرعى ؟. .

           كل نهارٍ فيه نسعى

           أين الساقية الثرثارة

           ألقت في الوادي أشعار ؟

           وجرى الأطفال حواليها

           هرب الغيم وعاد إليها

           أين النبع ؟. .

           أين الزرع ؟. .

           ماع. . ماع. . ماع. .

 النحلة :

           وز. . وز. . وز. .

           قد سكتت أنهــار

           وز. . وز. . وز. .

           أين شذى الأزهـار ؟

   &n