الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 22/01/2009

دراسات أدبية للكاتب: د. السيد نجم

من أدب المقاومة العراقية

إلى صفحة الكاتب

 

لقراءة الدراسات

 

 

الدراسات

"ايسوب" حكاياته وشخصيته

من أدب المقاومة العراقية

 لماذا روايات الأجيال /النهر..تاريخية؟

وقفة مع مصطلح الأدب العبري

 شات... رواية واقعية رقمية رائدة لمحمد سناجلة

متى يواكب الإبداع الأدبي الخالد الحدث التاريخي؟؟

مدخل في تعريف أدب المقاومة

الحضور الأدبي في الانتفاضة

الرسم بالكلمات.. عند السيد نجم

 

 

من أدب المقاومة العراقية

قصص "كليشان" والمأساة المحزنة

 

 

 

عندما خاطبنى الاعلامى الدمث د.هيثم الزبيدى مدير ومسئول موقع "ميدل ايست أون لين" حول ترشيحي لقراءة مجموعة قصص لشابة صحفية عراقية المولد والإقامة "كلشان البياتى", حيث أنها تدرج تحت مسمى "أدب المقاومة".. شعرت بالفرح, وقبل أن أبدأ القراءة.

السبب الحقيقي لسروري, ما حدث منذ شهر تقريبا في حوار بالبرنامج الثقافي بالإذاعة المصرية, لمناقشة نقدية حول كتابي الأخير "المقاومة والحرب في الرواية العربية".. أسقط في يدنا جميعا, عندما تأكد لنا أن الأدب لم يشارك في التعبير عن التجربة الحربية العراقية منذ الغزو الأمريكي على العراق في مارس2003م!!

المعتاد وحسب من انتهيت إليه من قراءة "أدب الحرب", و"أدب المقاومة" في كل التجارب العربية وغير العربية, أن يشارك الأدب: شعرا ونثرا, قبل المعارك وأثناءها وبعدها, بينما التجربة العراقية الأخيرة, لم نسمع ولم نقرأ مشاركة, سواء قبلا أو بعدا.

لذا سررت عندما أرسلت القاصة "كليشان" مجموعتها, وهى تؤكد أنها تريد نشرها خارج العراق, فليس من المتاح (الآن على الأقل) إمكانية نشر أية كتابات تعبر وتصنف ضمن أدب المقاومة.

اطمأن قلبي بداية, لأن العراق ما زالت بخير.. فسررت.

أما السبب الذي تجدد لسروري, فهو بسبب ما شعرت به, كانطباع عام ودون الدخول في أية تفاصيل حول المجموعة.. فالقاصة لها عين ترى (فنيا), وعقل متفتح (موضوعيا), وقارئة غير مدعية وجادة.

لذا أسرعت في كتابة تلك الكلمات حول المجموعة التي أرسلت لي بلا عنوان جامع  لها بعد, وان بدت لي من حيث الشكل, متكاملة, مترابطة, تتمحور حول موضوع واحد.. أصيل, هو تجربتها الشخصية ورؤيتها حول تجربة غزو العراق.

 

لتلك الأسباب سررت, ويجب أن تكون الاحتفالية المناسبة بتلك المجموعة, وأرجو أن تلقى المجموعة بعد نشرها في كتاب الاهتمام الواجب, لموهبة صاحبتها الحقيقية, والتي أظن أنها سوف تضيف إلى تيار القصة العراقية والعربية, ما نراه مناسبا لموهبتها المتفتحة.

 

تتكون المجموعة من خمس قصص قصيرة هي على الترتيب (والترتيب هنا هاما في القراءة, وهى ملاحظة أولى لصالح الكاتبة, التي التزمت بموضوع مشترك, وحالة للقراءة متكاملة):

"أنفلونزا الصورة".. "صحوة المنصور".. "رسول الخليفة".. "اليوم مات المعتصم".. "أحزان صغيرة, أحزان كبيرة".

 

القصة الأولى تبدأ بإهداء: إلى كل رجل ليس اسمه "صائب". وتنتهي في القصة الأخير بالإهداء نفسه. 

كما تبدأ القصة الأولى بالكلمات التالية: "استقر رأيي على إعادة صور مرفقة برسالة مقتضبة تتضمن اعتذار مقتضب أيضا (أعيد إليك الصور مع الاعتذار), واكتفى بهذا القدر من العبارات, ولن أزيد بعدها كلمة واحدة.."

أما آخر قصة فتنتهي بالكلمات التالية: "ولإزالة حزني (أنها علاقة حب) استمع في ليلة (خميس) إلى (قراءة لدعاء جميل) تبثه قناة المنار الفضائية, واستمع إلى ترتيل (سورة يوسف) على قناة (المجد الفضائية), واستمع إلى خطبة عالم دين كبير على فضائية أخرى, استمع إلى قصيدة شعر من شاعر مرهف الحس تبثه قناة دبي في برامجها الثقافية, استمع إلى أبيات المتنبي, وبشعر الشعراء أبو تمام , وأميرهم أحمد شوقي, وعمر بن أبى ربيعة , وابن الرومي, والحمداني, والحلاج الصوفي.. وأنا حزينة , أبكى بكاء امرأة فقدت زوجها فجأة, مثل أم فقدت فلذة كبدها فجأة, تقصف أبى الأحزان واللواعج ذاتها, وتنتابني الانتكاسات ذاتها, وتبدو لي الحياة بوجهها المعتصم والحزين والمجرد من كل شيء"

وبالقراءة المباشرة يشعر القارئ الربط النفسي والمعنوي والترابط في المجموعة من السطر الأول إلى آخر سطر.. ولا يبقى سوى السؤال: ولماذا كل هذا الحزن؟! والإجابة هي جملة الأفكار والمشاعر التي تتضمنها الخمس قصص.

 

تتناول القصة الأولى "أنفلونزا الصورة", إحداهن تعيد "صور" تبادلتها مع صديق (لعله صائب), الذي عرفته عن طريق شبكة الانترنت, تعارفا, وربما تحابا, لكنها قررت: لا حب بعد الآن, ولم تخبرنا بالسبب. أخبرتنا أكثر بالتاريخ و"الحجاج بن يوسف الثقفي". أما المعالجة الفنية, تعد من الحنكة والدلالة بحيث طالت القصة, فقد عرضت القاصة رأى الأهل والأقارب والأغراب حول موضوع "الصور".. وباتت الصور رمزا فنيا, ما بين موافق على اقتنائها, وبين معارض, بل من يتشاءم أو يتفاءل.. حتى بدت الصور سببا للهلاك بمعنى ما.. فقد طردها (شخصية القصة) من العمل: "حبك للصور وجمعها في ملفات الدائرة بدلا من المعاملات يضر بالصالح العام, أنا أعتذر عن قبولك (موظفة) في دائرتي".

 

القصة الثانية "صحوة المنصور", هي صحوة بعد المرض (أنفلونزا القصة الأولى), ناقشت فيها فكرة الصحوة, وكيف أن هناك صحوات بعد الموت؟!

صحوة الملك الإله "كلكامش", إلا أن المفضل "صحوة العمل", وصحوة "سنحاريب" ملك الملوك وملك الجهات الأربع, و"زنوبيا"ملكة تدمر, لكن "حمورابى" لم يحص (لأنه واضع القانون وبقى رمزا على حمايته) كانت صحوة كاذبة خادعة ووهمية, أما "الحجاج" فقد صحا لمرة واحدة أثناء احتفال أهالي "الكوت" بذكرى بناء مدينتهم, لكن هناك صحوات متكررة مثل صحوة "تولستوي" بعد قراءة كل رواية من رواياته, حتى "هولاكو" له صحوة والتي بدت أيام الاحتفال بغزو التتار لبغداد, وتتعدد الصحوات : مدام كوري, عثمان الموصلي, الخليل الفراهيدى, ابن ماجد, الرشيد وزبيدة وسلالة الرشيد..وبنو العباس.

إلا أن "المنصور" لم يصح, لا في الكرخ ولا في الرصافة.. توقعوا صحوته مرة بعد محنة بغداد الأخيرة, وقد ضربت بالقنابل العنقودية وبالصواريخ.. لكنه أبدا, لم يصح.

شعر الجميع بالقلق, توقعوا أن يصحو في الذكرى الأولى لسقوط بغداد, وفى المنطقة الخضراء تحديدا.. ذهب الجميع إلى هناك على أمل ملاقاته, "لأنه إذا لم يصح, فقد تتبدد الآمال جميعا" (وهى جملة القصة الأخيرة).

 

أما القصة الثالثة "رسول الخليفة".. هل هي البشرى أو نذير الشؤم؟ هكذا رسل الخليفة, إما يجيء ومعه بشرى الخير كله, وإما يجيء للهلاك؟

الراوية متألمة من جراء أزيز الطائرات المقاتلة التي تلهو في سماء بغداد بلا حد ولا ربط.."في الحرب لا توجد ليالي مطمئنة" هذا هو شعورها وشعور الجميع. رويدا شاركت الأمطار والعواصف الطائرات.. حتى جاء صوت صهيل الخيل يستقر أمام باب دارها.. انه رسول الخليفة, وعندما أحضرت الأم رقاقة الجلد التي تحمل رسالة الخليفة ويبدو أنه القاها على سرير الراوية, كانت دعوة الخليفة بإحضار قائده العسكري "سعد", سأله: ألم تحرر العراق؟.. منذ متى وأرض المسلمين تصول وتجول في سمائها طائرات الكفر..؟!

فقال سعد: "الله أكبر.. الله أكبر.. حي على الجهاد.

وتنتبه الراوية على خبر يشغلها على الستاليت بسقوط طائرة .. إنها إذن الطائرة التي أقلقت منام سكان بغداد كلهم. وليجيء الصوت الطارق على الباب ثانية: "أنا رسول الخليفة.. أمير المؤمنين غاضب".

 

"اليوم مات المعتصم".. عنوان القصة الرابعة, حيث الهدؤ خيم على المدينة (بغداد), توقفت الحياة, الهدؤ خلق جوا من الرعب.. وكان ما توقعه البعض من انه الهدؤ الذي يسبق العاصفة. فقد هاجمت القوات الأمريكية المدينة, وداهمت البيوت , وقبضت على احداهن. امرأة مقيدة ومعصوبة العينين بين ايادى الجنود.

خلال تلك اللحظة, انتبه الجميع على صوت المؤذن يعلو فوق المئذنة, يقول: مات المعتصم, مات الخليفة.. الخليفة مات.

فبدلا من أن يتابع الرجال الجنود ومعهم السيدة المقيدة, "اتجهوا جميعا إلى حيث المقبرة التي سيوارى فيها جثمان الخليفة"

 

وكانت آخر القصص, "أحزان صغيرة, أحزان كبيرة", قرار واضح بالإعلان عن نهاية علاقة الراوية ب"صائب", صديق القصة الأولى. لكنها حزينة, لأن المرأة التي لا تحزن على حب ليست أنثى. لكنها ما عادت ترى شيئا غير الحزن, وبالتجربة تأكدت أنه لا يرفع الحزن إلا حزن أقوى منه, الأحزان الصغيرة تضيع في بوتقة الأحزان الكبيرة.

لكنها أعلنت تمردها, وأنها امرأة حديدية, لا تعبأ بالأحزان.. ولأنها لا تكسرها الأحداث, ضياع وطن, سقوط قيم, كيف تكسرها علاقة حب فشلت؟

لكنها شعرت بالحيرة وربما الفشل.. تقول: "كل الكائنات الحية وغير الحية تموت, وتذبل, ويختمر جسدها, إلا "الوطن" هو وحده حي لا يموت..."

سمعت أحد الرجال يقول, بأنه يشعر بسعادة غامرة وهو على صدر جندي العدو المحتضر, يراه أجمل من صدر امرأة.. تتركه الراوية وتذهب لتقرأ شعر البحتري والحلاج وأبوتمام وابن الرومي.. "وبدت لي الحياة بوجهها المعتصم, الحزين, المجرد من كل شيء"..وتنتهي القصة والمجموعة!!

 

نحن إذن أمام مجموعة من القصص التي تدرج في مقام "أدب المقاومة".. أليس أدب المقاومة, هو الأدب المعبر عن الحرية للذات الواعية لهويتها, وتسعى من أجل الخلاص.. لها ولمن حولها. لكن السؤال: كيف الخلاص؟

ارتمت الكاتبة في أحضان التاريخ!!.. وحده لم يعد يكفى؟ وهذه قضية أخرى!

تتميز القصص بالوحدة الموضوعية, وبالأسلوب الرشيق غير المتقعر ولا المتعالي على القارئ, وبوضوح الفكرة, والسعي إلى الهدف بأقصر الطرق.

إننا إمام موهبة حقيقة, نحلم معها بالخلاص.. ولكن ليس على طريقتها.

أضيفت في12 /12/2005 /  خاص القصة السورية / المصدر الكاتب

 

 

 

"ايسوب" حكاياته وشخصيته

 

 

بقلم: السيد نجم

 

"حكايات ايسوب" من أشهر الحكايات القصصية والتي يقرأها الصغار على درجة المتعة نفسها للكبار. وقد أعتبرها البعض امتدادا للحكايات الخرافية التي وردت على لسان الحيوان وتسمى أحيانا "حكايات بيديا" نسبة إلى راوي الحكايات الهندي, والتي ترجمها "ابن المقفع" ب"كليلة ودمنة".

ومع أهميتها لم تترجم "حكايات ايسوب" إلى العربية إلا خلال السنوات القليلة الماضية بقلم "إمام عبد الفتاح إمام" (ترجم أكثر من مائتي حكاية, وأعيد نشرها في مشروع "الكتاب للجميع" الذي يعيد نشر أهم الكتب في عدد من الدول العربية وفى الوقت نفسه).

 

تتميز الحكاية الخرافية بأنها قصيرة وعلى لسان حيوان على الأغلب أو بعض ظواهر الطبيعة, تحمل في طياتها دلالات أخلاقية . أي أنها أخلاقية بالدرجة الأولى وليست تاريخية, وهو ما يميزها عن القصص المعروفة الآن. كما أنها تضم الأمثال والحكم وحكايات المغامرات والأحداث العجيبة.

وجدت الحكايات الخرافية في بداية الحضارة ألاغ راقية, وقبل "ايسوب" (ربما في القرن السابع أو الثامن قبل الميلاد). والطريف أن أغلب تلك الحكايات تنسب إلى "ايسوب" منذ القرن السادس قبل الميلاد.

وقد استمرت تلك الحكايات وراجت بعد فترة من حياة "ايسوب", بل وظهرت في بلاد الرومان وغيرها من بعد. بعض تلك الحكايات الخرافية عرف صاحبها مثل أول مجموعة يونانية بقلم "بابيروس" وان قيل أنه جمع حكايات "ايسوب" وحولها إلى صياغة شعرية. وكذلك عرف "أفيانوس" الأديب الروماني  في القرن الرابع الميلادي. ومع ذلك توجد العديد من الحكايات مجهولة النسب حتى الآن.

 

وقد ازدهرت الحكاية الخرافية في أوروبا في العصور الوسطى, وظهرت مجموعة هامة بقلم "مارى دى فرانس". وبعدها ظهرت صورة أكثر تعقيدا سمين بملاحم الحيوان..مثل المجموعة المنتسبة للثعلب رينار وهو الذي يرمز إلى الدهاء الإنساني.

وقد استفاد الأدباء والشعراء من تلك الحكايات في أعمالهم الأدبية والمسرحية في مرحلة متقدمة. وهو ما تجلى بارزا في أعمال الشاعر الفرنسي "جان دى لافونتين". ثم تتابع توظيف الحكايات الخرافية ليس فقط في الآداب الغربية بل والعربية أيضا.

 

الطريف أن يتحدث الباحثون عن "ايسوب" كما حدث مع غيره من المشاهير ..وتساءل البعض:هل "ايسوب" شخصية حقيقية؟"

مجموعة تعتقد أنه من عادة اليونانيين أن ينسبوا الأعمال المجهولة إلى مؤلف ما..إن لم يكن لها مؤلفا. كما يرى فريقا آخر أن "ايسوب" شخصية شبه أسطورية وأنه المؤلف الحقيقي لتلك الحكايات.. بل ونسبوا إليه صفة الإصلاح والصلاح, حتى أنه أصلح من أحوال بعض الكهنة في عصره. أما الفريق الثالث (منهم هيرودوت) يؤكد أنه شخصية حقيقية غير أسطورية, بل وكان عبدا في أثينا وقد أعتقه سيده. وقد لاحظ البعض وأكد أنه شخصية حقيقية, وذكره بعض أعلام الإغريق في كتاباتهم (أفلاطون-أرسطو-أرستوفان-أكسينوفان).

وأي ما تكون الحقيقة, فالحكايات حقيقة ملموسة , حفظها التاريخ, وترجمت إلى العربية أخيرا. ومن المناسب سرد حكاية أو أكثر للتعرف على هذا الفن الإنساني الرفيع.

 

حكاية "الثعلب والقناع":

" دخل الثعلب يوما منزل ممثل, وراح يعبث بجميع محتوياته, فوجد من بين ما وجد قناعا على شكل رأس غول أو "بعبع" , وهو من عمل فنان موهوب فأمسك به بقدميه وراح يقول: يا له من رأس جميل ! خسارة أن لا يوجد فيه مخ!"

المغزىالأخلاقى: تريد هذه الحكاية أن تقول أن بعض الناس الذين يملكون مظهرا جسديا مؤثرا ينقصهم العقل!!

  

حكاية "العلاج السهل":

" تجمعت الأنهار يوما وتقدمت بشكواها إلى البحر, فقالت: "لماذا عندما نصل إليك ونغمرك بمياهنا العذبة الصالحة للشرب تقوم أنت بتحويلها إلى مياه مالحة غير صالحة للشرب؟" استمع البحر إلى شكوى الأنهار ولومها في صمت , ثم أجاب في هدؤ:

"العلاج بسيط: لا تأتوا إلى, وعندئذ لا تكون مياهكم مالحة!"

المغزى الأخلاقي: تسخر تلك الحكاية من الذين يقدمون لغيرهم اتهامات لا مبرر لها!

 

حكاية "الحمار في جلد الأسد":

" ارتدى الحمار يوما جلد الأسد وراح يرعب الوحوش كلها, لكنه التقى بالثعلب وأراد أن يخيفه مثل بقية الحيوانات , فقال له الثعلب:

         "صدقني كدت أنا نفسي أخاف منك لولا أنني سمعت نهيقك!"

المغزى الأخلاقي: الأغبياء يتخفون في ثياب الآخرين , ثم يفضحون أنفسهم لأنهم لا يكفون عن الثرثرة.

- هذه نماذج ثلاثة مختارة من المجموعة المنشورة , لعلها تعبر عن ملامح الحكاية الخرافية, وسمات الكاتب "ايسوب" إن كان حقيقي أو لم يكن

 

 

وقفة مع مصطلح "الأدب العبري"

 

بقلم: السيد نجم

 

هناك استخدام متنوع وبأكثر من صياغة, حين التعبير عن الأدب المنتج في إسرائيل. عند الكتاب العرب تارة يستخدم "الأدب اليهودي", وتارة "الأدب الصهيوني", ومرة "الأدب العبري", ومرة أخرى "الأدب الاسرائيلى".. وكلها للتعبير عن أدب واحد.

لذا يلزم بداية فض الاشتباك والبحث عن أقرب المصطلحات الدالة عن ذلك الأدب (شعر- قصة- رواية- مسرح) وربما فنون الأدب الأخرى, الشفهية والمكتوبة.

 

: ما المقصود بالأدب الاسرائيلى؟

صفة "الاسرائيلى" ترجع في الأصل إلى تلك القوانين التي وضعتها السلطة اليهودية بعد معارك عام 1948م. وهو "أي شخص توافق الدولة الصهيونية على أن يكون من أبنائها, يهوديا أو غير يهودي.

وهنا وقعت السلطة هناك في تناقض واقعي واضح. فالعرب الذين صمدوا للنزوح ولم يتركوا الأرض, بعد إعلان إسرائيل.. وأيضا اليهود المنتشرين في العالم كله (وهم الأغلبية), ولم ينزحوا إلى إسرائيل.. يلاحظ المتابع أن الأول حرم من الجنسية الإسرائيلية, بينما الثاني يحملها ويتمتع بها.

فالقانون المسمى "قانون العودة" الذي صدر في 5يولية عام 1950م, أعطى لكل يهودي في العالم حق الهجرة إلى إسرائيل, بلا قيد أو شرط.

كما جاء "قانون الجنسية" الذي صدر في 14ابريل عام 1952م ونفذ في 14 يولية عام 1952م.. أعطى الجنسية الإسرائيلية, أعطى الجنسية لكل يهود إسرائيل, بينما علق العرب الرابضين على الأرض فيها, بشرط ضرورة إثبات الجنسية الفلسطينية قبل 14 مايو 1948م تمهيدا للنظر في منح الجنسية لهم!.

(الطريف أن زاد العرب بعد الحروب العديدة مع العرب والدول المجاورة, اضطرت الجهات الرسمية هناك إطلاق لفظ (فلسطيني) على العرب داخل الأرض المحتلة, إلى جوار "اسرائيلى" لليهود داخلها أيضا)

الخلاصة أن الاسرائيليى هو "كل يهودي يقيم داخل إسرائيل, أو يقيم خارجها, بشرط أن يكون صهيونيا, متمسكا بالولاء لإسرائيل.

وبالتالي "الأدب الاسرائيلى" هو الأدب المنتج عن هؤلاء اليهود, والمعبر عنهم.

 

ما المقصود بالأدب اليهودي؟

"اليهودي" هو نسبة إلى سبط "يهوذا" (بالدال أو الذال), وهو واحد من أبناء "يعقوب/إسرائيل" العشرة, ومنهم "سليمان" و"داود" أعظم حكام إسرائيل.. فانتسب الشعب كله إلى عشيرتهما, فكان اسم "اليهود".

"يهوذا" مشتق لغويا من أصل سامي قديم, وهو مادة (ودي) التي تفيد الاعتراف أو الإقرار والجزاء, أو المعنى عند العربي (الدية).ز وفى العبرية اكتسبت هذه المادة معنى الإقرار والاعتراف بالجميل, وتقديم الشكر.

كثر استعمال لفظة "اليهود" بمعنى رعايا مملكة يهوذا في جنوب فلسطين, كقوله:

"في ذلك الزمان استرد رصين ملك آرام ايلات للأدوميين. وطرد اليهود من البلاد"

(2ملوك6:16).

ومع الزمن أصبحت لفظة "يهودي" تعنى أحد بنى إسرائيل عموما. ويبدو أن لفظة يهودي في أذهان أمم العالم, لها معنى كريه مبكرا. فقد جاء في التلمود عند الحديث عن عيد البوريم:

"إن كل كافر في تلك الأزمان كان يدعى يهوديا"

(المحلة:71:13)

واضح أن كلمة "يهودي" بدأت مصطلحا عنصريا, يجمع العنصرية العرقية والغرور السياسي. فكان رد الفعل من الأمم الأخرى أنها استخدمته وصمة عار وسبة في وجه العبريين. بات اليهودي يفضل "الاسرائيلى" ويهرب من "اليهودي".

بالتالي فالأدب اليهودي يعد مصطلحا محدودا وقاصرا.. وإجمالا "الأدب الاسرائيلى" يتضمن صفة العنصرية, و"الأدب اليهودي" يتضمن صفة العصبية الدينية.

 

:ما المقصود بالأدب العبري؟

"العبري" في الفكر الاسرائيلى بالمعنى العنصري, وتطلق على اسم واحد من الأجداد الساميين هو "عابر بن شالح بن أرفكشاد بن سام", ويصفونه بأنه أكثر أبناء نوح خيرا.

يلاحظ أن "العرب" من أبناء عابر هذا, فالتوراة تذكر من أبنائه "يقطان" (التكوين 25:10), وهو "قحطان في العربية, والذي ينتمي إليه كل قبائل العرب في اليمن وحضرموت وغيرهم.. كما أن العرب الشماليين أو "العدنانية" ينتمون إلى "إبراهيم" سليل "عابر", شأنهم في ذلك شأن بنى إسرائيل.

في بعض مراحل التاريخ اليهودي, كانت كلمة "عبري" تستعمل مرادفة لكلمة "يهودي".. جاء في (سفر أرميا 9:24).

وبعد العودة اليهودية من السبي البابلي في القرن الخامس قبل الميلاد, أصبح استعمال "العبريين" مخصصا للرعيل الأول من اليهود, بينما "اليهود" و"إسرائيل" للأجيال التي جاءت بعد السبي.

أما في العصر الحديث, كلمة "عبري" ترتبط على السنة اليهود بالمقدسات التراثية القديمة..

 

وخلاصة ما يمكن أن يرصد من متابعة المصطلح في الإعلام والفكر الاسرائيلى اليوم, أنهم يطلقون على أتباع الشريعة لفظة "يهودي", وأتباع فكرهم "صهيوني", واسم دولتهم "إسرائيل"..فيما يلاحظ استخدام عبارات: "اللغة العبرية", "الثقافة العبرية", "الجامعة والصحافة العبرية". أي غلبة المصطلح "عبري" على الجانب الابداعى والنشاط الذهني, وهو ما يجعلنا نميل إلى استخدام مصطلح "الأدب العبري" في دراساتنا لأية نماذج إبداعية ذات سمة النشاط الذهني.

هامش:

راج مصطلح "الأدب الصهيوني" عند بعض الكتاب العرب, وقد قدم "د.عبدالوهاب المسيرى" تعريفا له في "الموسوعة الصهيونية" قال: "الأدب الصهيوني هو وصف اتجاه عقائدي عام للعمل الأدبي, وإشارة لبعض الأعمال ذات المضمون الصهيوني الواضح, بغض النظر عن الانتماء القومي أو الديني أو الحضاري أو اللغوي للمؤلف"

أمثلة في الرواية: رواية "دانيال در وندا" للكاتبة المسيحية "جورج اليوت", وكتبت باللغة الإنجليزية.. رواية "الخروج" للكاتب اليهودي "ليون أوريس" و"مائير لفين".

في المقابل هناك روايات وأعمال إبداعية تكتب بالعبرية, داخل إسرائيل, ولا تعد من تصنيف "الأدب الصهيوني".

عموما يعد الأدب الصهيوني, مصطلح عام ومجرد, ولا يعد تصنيفا أدبيا, أشبه بمصطلح "الأدب الرأسمالي" و"الأدب الاشتراكي".

أضيفت في04 /12/2005 / خاص القصة السورية / المصدر الكاتب

 

 

 

 

شات... رواية واقعية رقمية رائدة لمحمد سناجلة

 

بقلم: السيد نجم

 

أخيرا صدرت "شات" الرواية الرقمية الثانية للروائي الطبيب الأردني "محمد سناجلة". أصدر الروائي منذ أربع سنوات روايته الأولى "ظلال الواحد". وجاءت "شات" معبأة بخبرات تلك السنوات, جديدة وعميقة, ليس على المستوى الاسلوبى واللغوي والمهارات الإبداعية التقليدية, بل وعلى المستوى التقني لإخراجها فنيا. الرواية معده للقراءة على شاشة جهاز الكمبيوتر وليس كالرواية التقليدية. . وتعد متعة بصرية وسمعية وذهنية معا. 

استخدم الروائي "محمد سناجلة" لتحقيق ذلك, برنامج "فلاش ماكروميديا"..  وإخراج فني استمر شهرين كاملين, وهى على موقع اتحاد كتاب الإنترنت العرب على الرابط:

www.arab-ewriters.com

 

يذكرنا الإخراج الفني لها بالإخراج الفني للأفلام السينمائية حيث تبدأ الرواية بغلاف رقمي بصري تتساقط فيه الأرقام من أعلى الشاشة إلى أسفلها ثم يظهر عنوان الرواية" شات" متوهجا في منتصف الشاشة.

"العدم الرملي" هو عنوان الفصل الأول, الذي يفتتح المشهد فيه بلقطة ليل حالك السواد ثم تتضح الرؤية قليلا مع بزوغ الشمس وأشعتها التي تتكسر على صحراء ممتدة مترامية الأطراف، وتتحرك الرمال والكثبان الرملية مع صوت ريح الصحراء لتعطي رؤية مشهدية بصرية كاملة لأجواء هذا الفصل الذي يصور حياة بطل الرواية في العالم الواقعي

وباستخدام التقنيات الرقمية المختلفة المستخدمة في بناء صفحات الويب وبالذات تقنية النص المترابط( هايبر تكست) ومؤثرات المالتي ميديا المختلفة من صورة وصوت وحركة وفن الجرافيك والأنيميشنز المختلفة يقدم لنا السناجلة رواية رقمية بصرية لم تشهدها الرواية العربية من قبل وتعتبر فتحا جديدا لهذه الرواية وتأسيسا حقيقيا لرواية الواقعية الرقمية كرواية قادرة على حمل معطيات العصر الرقمي والتعبير عنها.

تدور أحداث الرواية في الواقعين الحقيقي والافتراضي وترصد الرواية لحظة تحول الإنسان الواقعي من كينونته الواقعية إلى كينونته الجديدة كإنسان رقمي افتراضي يعيش ضمن المجتمع الرقمي بتجلياته المختلفة

تبدأ أحداث الرواية في العالم الواقعي وفي صحراء سلطنة عمان تحديدا حيث يعمل بطل الرواية في إحدى الشركات متعددة الجنسيات وتصور الرواية جدب هذا الواقع وفقره ووحدة الإنسان المفزعة فيه ويعزز هذا الشعور حركة الرمال والكثبان الرملية التي تأتي كخلفية للإحداث مع صوت صفير ريح الصحراء وليلها المدقع وكأنما يريد أن يقول "سناجلة" إن هذا الواقع لا يمكن عيشه أو الاستمرار فيه، هو رعب الوجود الإنساني في العالم الواقعي.

تنتقل الأحداث إلى العالم الافتراضي بانتقال بطل الرواية من وجوده في العالم الواقعي إلى كينونته الرقمية وولادة الإنسان الافتراضي الذي يعيش في المجتمع الرقمي، وتأتي الرؤية الخلفية البصرية للمشاهد باللوحات الجميلة والمصحوبة بالموسيقى التي يعلو صوتها تدريجيا..  للتعبير عن الوجود الافتراضي الجديد والجميل, الوجود البديل.. عن لحظة الانتقال هذه من الوجود الواقعي إلى الوجود الرقمي/الافتراضي,  فبدل الصحراء المجدبة وحركة كثبان الرمال وأنين الريح تأتي المشاهد كلوحات مبهجة مع صوت الموسيقى, وكأنما يريد أن يقول الروائي إن العالم الافتراضي هو الحقيقي الذي يجب أن يكون.

كما ويتم استخدام مقاطع من أفلام سينمائية لتعميق الأفكار المطروحة حيث نشاهد مقاطع من فيلمي

  American Beauty & The Matrix

واستخدام هذه المقاطع بذكاء في الرواية, وهو ما أضاف متعة جديدة على الرؤية البصرية الحركية للرواية الجديدة.

 ومن الواضح تماما أن سناجلة يستخدم في هذه الرواية لغة مختلفة تماما عن اللغة التي اعتدناها في الرواية العربية التقليدية وهو يطبق تماما ما قاله سابقا في كتابه التنظيري "رواية الواقعية الرقمية "من أن لغة الرواية الجديدة لن تستخدم الكلمات فقط:

" في لغة رواية الواقعية الرقمية لن تكون الكلمة سوى جزء من كل، فبالإضافة إلى الكلمات يجب أنْ نكتب بالصورة والصوت والمشهد السينمائي والحركة"

تعد رواية "شات" بما أضافته من جماليات وإجادة في التقنيات, مع رواية "ظلال الواحد" السابقة عليها (صدرت عام 2001).. شهادة ميلاد عملية بأننا نشهد الآن في عالمنا العربي, وللمرة الأولى, نشهد ميلاد فن رائد وجديد, حتما سينال ما يستحق من تقدير, بقدر ما بذله الروائي الشاب "محمد سناجلة" من جهد فني وفكري رائد, وربما عصبي أيضا (وقد عايشت شهوره الأخيرة عن قرب).

وتأتي " شات" لتعزز التجربة وتضيف إليها أبعادا جديدة خصوصا بعد اكتمال الأدوات التقنية لدى الروائي. . وربما تصبح تلك الرواية دعوة إلى المبدعين العرب والنقاد للانتباه لهذا الفن الجديد في جنس الرواية, الذي قد يشي بميلاد جنس أدبي آخر جديد!!

ملاحظة: لقراءة الرواية يجب تنزيل برنامج الفلاش ماكروميديا أولا.

أضيفت في07 /11/2005 /  خاص القصة السورية / المصدر الكاتب

 

 

 

لماذا روايات الأجيال /النهر..تاريخية؟

بقلم: السيد نجم

 

يبدو أن الربط بين جنس الرواية الأدبي والتاريخ حقيقة يجب التوقف أمامها ومعها حين الولوج إلى تناولات عالم الرواية المختلفة. فالتاريخ "زمان- مكان- أحداث" وكذلك الرواية!

حتى أن نشأة الرواية ارتبط إلى حد ما بالمادة التاريخية للحكى والقص, كما أن السرد التاريخي أحيانا ينحى منحى القص, حتى قبل أن تعرف الرواية.

فيدعى بعض الروائيين أنه يكتب عن أشخاص حقيقيين, محاولة منه كي يصدقه القارىء, وبعض المؤرخين (أغلبهم) من القدامى أضاف من خياله الكثير على الحدث التاريخي.

كان تعريف "هيجل" للرواية "بالقرن الثامن عشر بأنها: "ملحمة حديثة برجوازية, تعبر عن الخلاف القائم بين القصيدة الغزلية ونثر العلاقات الاجتماعية". ومن المؤكد أن ما كتب في شكل الرواية (عالميا) وبعض العربي, كان تاريخيا, وفى العربية وضح ذلك للتعبير عن منعطف جمعي تاريخي تعيشه الأمة.. ومن هنا كانت نضالية في بعضها.

إلا أن الأمر في حاجة إلى مناقشة, خصوصا أن جنس الرواية عمل قابل للتكيف مع المجتمع على حد تعبير "رولان بارت", خصوصا أن الرواية تقوم على تشكيل الرؤية إلى العالم من خلال الشكل (الذي هو من شخصية الروائي) وعلى المضمون (الذي هو وجهة النظر)..الأول عنصر جمالي والثاني فكرى.. حتى وصلنا إلى فكرة "الخطاب في الرواية" من خلال الشخصية, الوصف, السرد, المونولوج, الحوار, الحيز, الزمن...".

لسنا بصدد التأريخ للرواية أو تعريفها, فقط لإيضاح العلاقة بينها وبين التاريخ..التي هي مزدوجة ووطيدة. كما جاءت روايات جورجى زيدان وغيره من الرواد, كأنها لإحياء الموتى التاريخيين, وهو ما اتضح من بعده في رواية "حديث عيسى بن هشام" وكأن التاريخ الفردي وتوظيفه في الزمان من جوهر النسيج الروائي. حتى نضجت الرواية ونضج التوظيف التاريخي فيها وبها.

ورواية "الأجيال" أو "النهر" مرتبطة بهذا البعد الزمني (التاريخي) وان اعتبرت تقنيا أكثر نضجا.. وفيها يسعى الروائي إلى إبراز حركة الأجيال وخصائصها جيلا بعد جيل (غالبا خلال فترة نضالية للجماعة أو الشعب)

ربما من المناسب الإشارة إلى جذور الرواية "النهر" أو "الانسيابية" أو "الأجيال". فقد كان "رومان رولان" الفرنسي, أول من كتبها, حيث بدت الرواية في القرن التاسع عشر في أزهى عصورها التاريخية (كما وكيفا), وقد نضج مذهبان أدبيان "الرومانتيكى" و"الواقعي". ثم ظهرت الطبيعية عام 1870م.

ومع بشائر القرن الجديد ظهرت رواية المغامرات في أمريكا على يد الكاتبة "بيشر ستو", كما كانت أعمال "هانز أندرسون" الدينماركى الخرافية..بات للرواية مكانة متميزة في الغرب.

الاسم الاصطلاحي فرنسي, يعنى النهر الكبير الذي له عدة فروع, وفى الرواية هي الرواية الطويلة جدا التي يشترك في صنع أحداثها..عدد كبير من الشخصيات المنتمية غالبا إلى عدة أجيال.

يعرفها البعض بأنها: "الرواية الحديثة التي ترتبط بتقليد فني طويل وقديم هو الفن الملحمي وتتخذ من الشكل الدائري إطارا لها, وداخل تعريجات النهر الروائي تقدم دلالة شاملة, وتحليلا نفسيا للطبائع, وتصويرا تاريخيا واجتماعيا عظيما, وتقدم الرمزية الأخلاقية أو الفلسفية."

ثلاثية "بين القصرين-قصر-السكرية" للروائي "نجيب محفوظ"

(كرر الروائي نجيب محفوظ في أكثر من مرة, أنه كتب العمل كرواية واحدة, ونظرا لظروف النشر لجأ إلى النشر في ثلاث كتب, نشروا على التوالي أعوام 1954-1957و1957)

الروايات تناول بانورامى للكثير من التفاصيل الحياتية الاجتماعية الاقتصادية السياسية بل والفكرية للمجتمع القاهري (القاهرة القديمة) تحديدا. وهو في ذلك يتتبع مصائر شخصياته فردا في ضوء ما خطط له من ملامح ومسارات.

الرحلة تعلقت بإحدى الأسر البرجوازية الصغيرة, ومع آخر جيلين منها بحي الجمالية, حيث الملامح المميز لشريحة التجار (أهم شريحة بالمجتمع حينها), مع إبراز الملامح الاجتماعية المتمثلة في عدد من المفاهيم..الرجولة, العلاقة الزوجية..وغيرها.

"أمينة" زوجة مسالمة مستسلمة لكل أوامر ومفاهيم "السيد أخمد عبدالجواد زوجها", ترعى بيتها وأولادها.."ياسين" من زوجة أخرى" الذي لا هم له سوى العبث والجنس, و"فهمي" الثوري الرافض للكثير من الظواهر السياسية من الملك حتى سيطرة الأب, و"كمال" الصغير الذي يكبر ليعبر عن التوجه العلمي للمجتمع القاهري الجديد..ثم "زينب" و"خديجة" البنتان المتناقضتان في كل شيء, من الجمال إلى السلوك. وكما امتد النهر مع "كمال", بدأت روافد جديدة مع أولاد الابنتين. خديجة تنجب "احمد" الشيوعي فيما بعد, و"عبدالمنعم" المنضم إلى تنظيم "الإخوان المسلمين" الاسلامى., ومع ابن خالهما "رضوان ياسين" تتشكل ملامح الجيل الجديد..وملامح الحياة السياسية التي اتسمت بالتناقض والثورة.

غلبت الأحداث السياسية ووضحت الحركة النضالية بالقاهرة, من خلال "السيد أحمد" في جلساته ورفقائه منذ البداية..ولا يمنع أن يكون ذلك أثناء سهرات الأنس:

 "قال السيد إبراهيم الفار: "أبحر سعد من الإسكندرية اليوم" قصر الشوق ص7 لتتابع الدوارات والآراء حول أحداث الثورة (ثورة 19).

وتستمر الأحداث لنتابع ذروتها ص 171, فالأم المسالمة الأمية تسأل ابنها المتعلم:

"كنت مارة بالأزهر في الطريق إلى الحسين فقابلتني مظاهرة كبيرة تهتف بهتافات ذكرتني بالماضي, هل جد جديد يا أبنى؟

قال: الإنجليز لا يريدون أن يذهبوا بسلام"

قالت بحدة وفى عينيها نظرة غضب:

"الانجليز, الإنجليز متى تنزل عليهم نقمة الله العادل؟"

واضح من القراءة السريعة للثلاثية الدور الهام الذي أولاه الروائي للبعد السياسي والأحداث السياسية اليومية والآراء المختلفة فيها, حتى يمكن للمتابع أن يرصد الأحداث الحقيقية خلال تلك الفترة..صفحة بعد أخرى. ذلك مع كل الآراء والتوجهات السياسية الهامة, مثل: إنذار 4فبراير سنة 1942, والإفراج عن سعد زغلول ثم وفاته فى الجزء الثاني, وفى الثالث تجلت مفاهيم الرواية النضالية, رواية الأجيال..جيلا بعد جيل:

"عندما مرا بدكان الشرقاوى, وهو يقول:"كلفتني كريمة بان أستبضع لها بضائع للمولود المنتظر. ودخلا الدكان, وراح ياسين ينتقى ما يريد من لوازم المولود المنتظر: قماطا وطاقية ومنامة, وعند ذلك تذكر كمال أن رباط العنق الأسود الذي استعمله عاما حدادا على والده قد استهلك, وانه يلزمه آخر جديد ليواجه به اليوم الحزين, فقال للرجل حين فرغ من ياسين:

-رباط عنق أسود من فضلك.

وتناول كل لفافته وغادرا المكان ".. السكرية ص332

ويبرز تواصل الأجيال, واستمرار الحياة, على الرغم من كل شيء.

رواية "مكابدات عبدالله العاشق" للروائى "عبدالخالق الركابى"

واحدة من الروايات العربية "عراقيةوالحفيد.فت على شكل رواية النهر, حيث تعالج الفترة من الاحتلال العثماني حتى الاحتلال الانجليزى للعراق, ثم جيل الثورة هناك.

ثلاثة أجيال موزعة بين الجد والأب والحفيد .."خلف", "عبدالله", "صمد عبدالله". الأول يمثل جيل المعاناة والمفأجاة, حيث استبداد واستغلال الاحتلال العثماني ثم الانجليزى, وقد اختار الروائي المكان في إحدى القرى الحدودية, فساعد على إبراز الجانب الاجرائى والأفاعيل الشرسة للاحتلال.

الثاني, وهو يمثل جيل اليقظة, والرغبة في التحرر مع تحدى السلطات الاستغلالية المحتلة, كما بدت التحديات وبالتالي النضال من خلال الحياة اليومية والحياتية..مثل مقاومة "بشار" الذي طمع في "نرجس" التي عشقها "عبدالله"..وبلا ادعاء أن تكون نرجس هي الرمز للعراق الجديد, مجرد الفعل المقاوم دلالة هامة. وقد أشار البعض أن تكون "نرجس" هي العراق, دليل أن عمد عبدالله إلى اخصاء "بشار", وهذا العقاب وحدة يحمل دلالة الرمز.

الثالث, هو جيل الثأر والثورة, جيل الكفاح المباشر, بلا ترميز أو إيحاء بالنضال. فمقتل "الشيخ عميل السلطة ورمز التسلط..وحده, يعنى أفعال العمل النضالي من أجل تحقيق المزيد من التحرر والتحقق أيضا.

قد يؤخذ على العمل الروائي, قدر التعليمية أو التلقينية أو المباشرة..في الكثير من الأحيان يبدو وكأن الروائي له هدف ويسعى إلى إبلاغه, دون البحث في التقنيات الفنية الخبيثة والمرغوبة. وهو الأمر الذي يجب ألا نتوقف إمامه طويلا بالنظر إلى سنوات كتابة ونشر العمل, في الثلاثينيات من القرن الماضي.

إلا أن العمل يمثل رواية النهر أفضل تمثيل, ويبرز العمل المقاومى / النضالي بين طياته جليا, سواء من أجل البحث عن الهوية, أو إظهار الآخر العدواني بكل مساوئه.

تتبع استشهاد "عبدالله العاشق" باستخدام السرد المباشر, والاسترجاع من خلال معايشة الشخصية وابنه "صمد". حيث أبرز الروائي نشأته ثم عمله لدى "الشيخ" الذي يمثل الوجه الآخر بما يحمله من مساوىء الإقطاع والاستغلال أو أصحاب السطوة والمال. فلما أحب "نرجس" رفضه الأب للفوارق الاجتماعية بين الأسرتين. ومع ذلك وضح الروائي كيف أنه رفض فعل الخطأ أو "الاغتصاب" كحل اجبارى على أهلها لتزويجها له..

"أن تموت أأولا.ن ينالها أولا..شيء واحد شخص أمام عينيه المعتكرتين...الخزي...الخزي الأبدي...سواء قتلها أم لم يقتلها سيظل الخزي يلاحقه" ص82

أما أن يفعلها "بشار"..يغتصب نرجس, فلم يجد عبدالله إلا أن يقتل غيه رجولته التي هي أهم وأقسى ما يمكن أن يعاقب به الرجل.. قطع أعضائه التناسلية.

من شدة وطأة أفعال "الشيخ" هرب "عبدالله", لستشهد بشظايا القصف العشوائي من الإنجليز على أهل القرية, معبرا عن جيل يحاول ولكنه الأضعف قليل الحيلة.

إجمالا الشيخ عميل للإنجليز كما كان أبوه "أبوالليل " عميلا للعثمانيين, ويبدو أن اهتمام الروائي بشخصية عبدالله غلبت, فبدت الكثير من الشخصيات باهته إلى جواره, وهو مأخذ فني لا يقلل من دلالة العمل, ومن كونها رواية نهر..أبرزت تاريخ بلد عربي خلال فترة زمنية طويلة.

ثلاثية "الصعود فوق جدار أملس", "جبل ناعسة", الجهينى" للروائي "مصطفى نصر"

هذه الثلاثية نموذج آخر من روايات النهر النضالي, فقد استبدل الروائي وحدة المكان بدلا عن وحدة الأسرة, وان عبرت الروايات الثلاث الأجيال المختلفة والكفاح من اجل الخلاص من الفقر وقلة نسبة التعليم والعادات الاجتماعية والظواهر السيئة مثل تعاطى المخدرات...الخ.

يعتبر حي "غربال" بالإسكندرية من الأحياء القديمة الفقيرة بها. وقد نزح إليه جماعات من أهل صعيد مصر وشكلوا هذا التجمع السكاني. ومع كل المتناقضات بالحي, كانت السلبيات الاجتماعية التي أبرزها الروائي.

ففي رواية "الصعود فوق جدار أملس" المكان هو فندق أو "لوكا ندة" قديمة متهالكة. داخل الفندق تمارس كل المبيقات والمفاسد, وكأنه تجمع شامل لكل ما هو سيء خارج الفندق.

بينما رواية "جبل ناعسة" أصبحت فيه الشخصيات هي التاريخ, ومن خلالها يتعرف القارىء على أصول المنطقة أو الحي كله.

أما رواية "الجهينى", فقد اتسعت الرقعة المكانية وكان حي غربال صراحة هو المكان والأرضية التي يتحرك عليها الشخصيات وتدور الأحداث.

يمكن الإشارة إلى بعض الشخصيات المحورية وإبراز الجوانب التي تشي بأسباب النضال أو المقاومية بالتالي, ومنها:

"نبيل" وأختيه "عزيزة" و"أمال" في رواية فوق جدار أملس, يبدو نبيل متلصصا ويسعى للكشف, إلا أنه لا يعرف عما يتلصص عليه, وان بدا أنه يتلصص على كل غرف الفندق لأسباب نقترح منها الأسباب الجنسية والتطفل. بينما سوء سلوك "عزيزة" وممارسة الجنس مع "صابر" وأيضا "أمال" سيئة السمعة.. لا يعنى سوى البحث عن شيء ما, مع نزعة إلى رفض واقعهم.

أما "جابر عبدالواحد" في رواية "جبل ناعسة" وهو الكاتب الذي وجد الشهرة في القاهرة, وعشق الراقصة "سامية خضر".. فقد بدأت الرواية به في زيارة له للحى, وتنتهي بزيارة الأخ الأكبر "صبحي" الذي قتل "أنطونيو" انتقاما منه لأنه أقام علاقة جنسية بالأم (أم جابر وصبحي". وسواء جابر أو غيره من شباب الحي, فلا يعنون سوى الانتهازية أو الحلم المجهض.

ثم "عباس الجهينى" في رواية "الجهينى", الذي هو الأمي, القادم من الصعيد بلا أي مؤهل سوى الاستغلال والحيل الخبيثة مع الذكاء الفطري الموظف لغير أغراضه. يرشح نفسه في تنظيم "هيئة التحرير" في الخمسينات, بينما النموذج المثقف أعتبر ثورة مضادة, وهو "الدكتور إسماعيل الجهينى " وهو عم عباس.  وفى هذه الرواية تحديدا بدت ملامح المكان القميئة والتي لا يمكن أن تنتج إلا النبت القميء.

كما كانت هناك الشخصيات النسائية القميئة, التي بوجودها تبدو وتنكشف الشخصيات الأخرى وتضيف لأحداث الرواية/الروايات..مثل "بدرية" صاحبة اللوكاندة, والتي طردت زوجها.. و"أنصاف" أو أم جابر التي رفضت قتل عشيقها, وان كان ذلك من ابنها. أما "خضرة" في رواية "الجهينى" فهي النموذج المضيء بين أغلب العناصر النسائية في الثلاثية. فهي المأوى والمستقر لكل قادم جديد إلى الحي, وتسعى لكل مشكلته.  

يبقى الإشارة هنا إلى أن تلك الثلاثية, لها خصوصيتها التي تتمثل في أن الآخر العدواني ليس بالضرورة عدوا من الخارج أو محتلا.. ربما الجهل والفقر والمرض والسلوك البغيض والنزوات الشريرة..الخ هو العدو والواجب مقاومته.

خاتمة:

يمكن إبراز علاقة رواية النهر بالتاريخ في العناصر التالية..

1-جوهر هذه الأعمال الروائية, يعتمد على ملاحقة شخصيات عديدة, لأكثر من جيل, في بيئة اجتماعية تبرز الملامح الاقتصادية المعرفية..للطبقة الوسطى أو الطبقة الدنيا..أو من بيئة ريفية أو حضرية.

2-في الغالب العدو هو عدو أجنبي, وقلة هي التي تبرز جانب آخر من الأعداء, وأيضا تدعو لمقاومته بالتالي.

3-الاعتماد على عنصر الوصف والتحليل ضمن تقنية الحكى.

4-غالبا تقع تلك الأعمال ضمن أعمال المذهب الواقعي, وهو الملائم حتما مع الخاصية الأولى.

5-العناصر السابقة مجمعة تبرز وجهة نظر الروائي..التي هي الانتماء وإزكاء روح النضال والكفاح..روح التاريخ.

أضيفت في07 /11/2005 /  خاص القصة السورية / المصدر الكاتب

 

 

قضية

(متى يواكب الإبداع الأدبي الخالد الحدث التاريخي؟؟)

بقلم: السيد نجم

 

لم تلق أحداث الحروب العربية المعاصرة, ولا انتصارات صلاح الدين الأيوبي, الرصد الخالد في قصيدة أو قصة أو رواية.. هذا ما يردده البعض؟!!

عن فترة "صلاح الدين" رصد "العماد الأصفهاني" (519-597هجرية) وهو الذي عاصر الأحداث, بل عمل كاتبا لدى "صلاح الدين". جمع أشعار الفترة من أواخر القرن الخامس وحتى السبعينيات من القرن السادس في كتابه "خريدة القصر وجريدة العصر", ثم سجل في مقدمة كتابه أن الشعر لم يواكب الحدث, ولو انه حدثا عظيما. وهى نفسها المقولة التي ترددت حول الذاكرة الثقافية / الإبداعية لتسجيل أحداث الحروب العربية المعاصرة!!

في البدء ..  العمل الإبداعي (نثر/شعر) يقع دوما في دائرة السؤال القديم/الجديد: هل هو انعكاس مباشر للحياة الواقعية؟ إذن بما يتميز عن لغة الحياة اليومية التقريرية؟ ثم وان كان مستقلا عن الواقع..بما سينتهي إليه , هل إلى عالم مثالي منعزل؟؟

ليصبح السؤال: كيف يمكن للعمل الإبداعي أن يظل مستقلا ومتصلا بالواقع.. دون الوقوع في المحاكاة أو الشطط؟؟

نظرة تاريخية .. المتابع للمنتج الإبداعي العربي سوف يتوقف أمام عدد من الملاحظات, في مجملها على علاقة بالتجربة الحربية والأحداث الجسام ذات الصلة بالعامة والخاصة.

: النثر العربي قبل الإسلام في الجزيرة العربية اقتصر على ما يمكن أن نطلق عليه الفن الحكائى (القصص), والخطب في الأسواق, ونوادر السمر في المجالس, ولم يحرص أحدهم على تسجيلها كاملة وبدقة(ربما بسبب نقص وسائل التسجيل, فيما عدا الذاكرة البشرية التي وجدت في الإيقاع والموسيقى الشعرية, عونا للحفظ والاحتفاظ بالمنتج الإبداعي الشعري).. وقد يرجع القول بأن الشعر ديوان العرب إلى هذا السبب, وليس للشعر نفسه كجنس إبداعي.

مع ذلك للعرب ككل شعوب العالم, لها حكاياتها وقصصها وأساطيرها.الملاحظ أن كل شعوب العالم لها هذين الضربين من القص..المروى والمكتوب.فمن الشعر للهند"المهابهاراتا" وللفرس "الشاهناما" و لليونان "الإلياذة".. ومن النثر للعرب "أيامهم" و"دون كيشوت" بأسبانيا و"الأيام العشرة" لإيطاليا وغيره.

لقد لعب التاريخ دوره الهام في فن النثر القصصي الحكائى ذاك, يمكن إجمالا القول بأن الاختلاف بين الشعوب في موضوع القص, أن اهتمت أغلب الشعوب بأسلوب الحكى و جماله أكثر كثيرا عما هو الحال في القصص العربية التي بدت أسلوبا مهلهلا و تأليفه ركيكا.. (د.مصطفى عبد الشافي /كتاب التراث القصصي عند العرب).

أغلب الظن أن انفصل القص عن التاريخ, وبدا مستقلا بعد نزول القرآن..فكانت قصص الأولين والأمم الماضية, وتحدث عن الأنبياء. وهو ما افرز فيما بعد القصص الديني. كما اعتاد الخلفاء الاستماع إلى القصاص في مجالسهم, فكانت قصص أخرى غير التي يعرفها و يقرأها العامة..والتي هي غالبا أخلاقية وتسعى للموعظة الحسنة.

كما قال بعض العرب بمثل ما قال به الغرب. فقال د. محمد غنيمى هلال:"لم يكن للقصة قبل العصر الحديث عندنا شأن يذكر", وقال توفيق الحكيم:" كل تفكير العرب و كل فن العرب في لذة الحس والمادة, لذة سريعة, مفهومة, مختطفة اختطافا".إن التسليم بتلك المقولة يجعلنا نقول أن العرب غير كل الشعوب حتى البدائية .. وقد تغلب الافتراض الأخير ودلل عليه برفض فكرة القياس على المنتج الحكائى القديم بنفس أدوات القياس الحديثة.

ارتبطت القصة العربية القصيرة منذ نشأتها بالأساطير القديمة التي روت أحلام الإنسان البدائي وعلاقته بالمجتمع والطبيعة وما وراء الطبيعة. منها قصة فتنة الزهرة للملكين هاروت وماروت, ومنها ما كانوا يتحدثون به عن القمر حين أراد أن يتزوج البدران من الثريا. ومنها ما تحدثوا به عن أصنامهم: هبل رب الأرباب, واللات و العزى و ثالثهما مناة. ومنها حديثهم عن الكعبة والحجر الأسود والصفا والمروة, وقصة عام الفيل, وقصص الغيلان وشياطين الشعر, ثم قصصهم عن العرب البائد كأرم ذات العماد وعاد وثمود, وحديث العماليق كعوج بن عنق..وغيرها  مما يشير إلى  ارتباط القص بالتاريخ و الأحداث الحياتية .

:أما عن الشعر ارتبط الكثير من الشعر الجاهلي بأحداثهم الهامة, مثل قصيدة"مهلهلية" في يوم البسوس.. كذا بالنظر إلى المعلقات أن أربعا من المعلقات السبع, تتناول الحرب مباشرة (وليس الصراع بعامة) وهى معلقات: عنترة بن شداد, زهير بن أبى سلمى, عمرو بن كلثوم, والحارث بن حلزة. حتى أن الناقد العربي القديم "محمد بن سلام الجمحى (متوفى231هجرية) هو صاحب نظرية نضوج الشعر العربي قبل الإسلام بالحرب. كما أن "ابن سلام" في كتابه "طبقات فحول الشعراء" أرجع قلة الشعر عند أهل قريش والطائف وعمان إلى قلة الحروب.

فيما ترى "د.ريتا عوض" في كتابها "بنية القصيدة الجاهلية" أن مقولة ابن سلام لها وجاهتها وما يبررها.. أما القول بربط الشعر بالحرب فيحتاج إلى مناقشة لعدة اسباب, منها: أن جانبا كبيرا من الشعر الجاهلي لم يلتفت إلى الحرب.. كما أن الشاعر العربي لم يواكب الفتوحات الإسلامية (التي هي حروب أيضا)..باستثناء القليل مما قيل حول موقعتي بدر وأحد. والمثال "عمرو بن أبى ربيعه" الذي عرف بالغزل , بينما مات في معركة بحرية !!

وترجع الباحثة سبب ما أصبح عليه الحال بعد الإسلام, مع رفضها لنظرية الربط بين الشعر والحرب, ترجعه إلى سببين: أولهما عام, حيث مازال الشعراء على فهم وتكوين أصول قبلية, بينما الفتوحات والمفاهيم القومية لم تتغلغل في النفوس بعد. ثانيهما خاص لأن الشاعر يكتب شعره اختياريا, وحسب مزاجه وتوجهه الخاص.

هاهو ذا "جميل بن معمر" شاعر الغزل يرفض الحرب قائلا:

"يقولون جاهد يا جميل بغزوة

وأي جهاد غيرهن أريد

لكل حديث بينهن بشاشة

وكل قتيل بينهن شهيد "

:ومع ذلك يمكن الجزم بأن باهتمام العرب بالأيام فيما بعد, كما فعل "ابن الأثير" الذي جمع حوالي السبعين يوما, والميداني جمع مائة وثلاثين يوما, وهكذا فعل الأصفهاني و غيره. الهام هنا الإشارة إلى أنه لم تصلنا قصص عن العرب في الجاهلية, لا يعنى عدم وجود تلك القصص, فقد تأكد أن الشعر أيضا في الفترة الأولى من الجاهلية لم تصلنا. خصوصا أن الأيام كانت من أغزر ينابيع القصص الشعبي و القومي و البطولى, حتى عصر التدوين فدونت. وربما سر غلبة القصة الشعرية أو القصيدة القصصية هو افتتان العرب بالشعر قبل غيره من الفنون .

:ثم كانت الأمثال و الحكم في الأدب الجاهلي وكلها تحمل في حياتها قصصا عديدة. أما بقايا القصص ومنها قصة امرئ القيس "يوم دارة جلجل", وقصة عمرو بن كلثوم ,وقصة نديمي المنذر "بن ماء السماء" وغيرها.

أصبحت القصة في صدر الإسلام, انعكاسا للقصص القرآنية, ثم أكسب الفتح الإسلام النثر العربي أفقا جديدة ومنابع أصيلة.. ومن أشهر القصاصين الصحابي" تميم بن أوس". وقد ذكر المسعودى أن الخليفة"معاوية بن أبى سفيان كان يحرص على سماع القصاصين. أغلب تلك القصص مرتبطا بالبيئة العربية وبأخلاق العرب وعاداتهم.كما يمكن القول بأن عمر بن أبى ربيعه اصطنع أسلوبا قصصيا في مجال العاطفة وتصوير الواقع.ولا يمكن إغفال القصص الشعرية مثل قصة الغزل العذري التي كانت تروى شعرا مثل جميل وبثينة, وكثير وعزة وغيرهم.

لما اتسعت الدولة الإسلامية أيام العباسيين, كانت ألف ليلة وليلة, كليلة ودمنة, وشهرتهما حتى يومنا هذا لا تغفل.وان كانت أصولها من غير بلاد العرب إلى أنها تحولت للتعبير عن البيئة العربية .

كما لا يمكن إغفال القص في فن المقامات, بحيث تناولت موضوعات أقرب إلى القص الحديث المتنوع مثل: الطعن في الأدباء, الهزل و الإضحاك, المدح, الوعظ, المقدرة اللغوية, وغيرها.وان بدت متميزة أكثر في رسم الشخصيات. وهاهو الحوار يبدو من ملامح القصائد القصية على يد شعراء كبار مثل أبونواس وغيره ممن شاركوا في التجديد و الإضافة إلى الشعر العربي عموما.

:يجئ الآن السؤال حول القصص الطويل , وهل وجد منه ما يجعلنا نشير إلى هذا الجنس الأدبي أو الشكل القصصي المعروف الآن؟

هناك ثلاث قصص طويلة لا يمكن إغفالها: رسالة الغفران, رسالة التوابع والزوابع, رسالة حي بن يقظان.

الأولى لأبى العلاء المعرى, وقد كتبها ردا على رسالة أحد معاصريه من الكتاب"على بن منصور الحلبي" المعروف بابن القارح. والرسالة تعتبر قمة تطور الأدب القصصي عند العرب وهو ما أكدته د.بنت الشاطئ في دراستها الهامة حولها.

و رسالة"التوابع و الزوابع"لابن شهيد الأندلسي, مما يشير إلى أن الفن القصصي لم يكن في الشرق العربي فقط, إنما امتد حيث بلاد الأندلس وقد كتبت قبل رسالة المعرى. لقد اتخذ الكاتب وادي الجن , واتخذ من الجن أبطالا حملهم آرائه في معاصريه من الأدباء و الشعراء الذين ينافسونه.

أما قصة حي بن يقظان لابن طفيل , تحمل آراء و فلسفة الكاتب في الحياة. أكثر ما تتميز به أن أسلوبها جزل وسلس بالإضافة إلى ما تتمضنه من أراء وأفكار عميقة وفلسفية. وقد نالت تلك القصة ما تستحقه من اهتمام حتى يومنا هذا.

:مع ذلك كتبت القصيدة العربية رفيعة المستوى على يد اثنان من فحول الشعر العربي: أولهما هو "أبا تمام" (متوفى 231 هجرية) , ففي ففتح المعتصم "عمورية" كان مولد أول قصيدة حربية ناضجة بعد الإسلام وفى ذروة التقدم الحضاري للعرب. في بائية أبى تمام يقول:

"فتح عمورية تعالى أن يحيط به

نظم من الشعر أو نثر من الخطب

فتح تفتح أبواب السماء له

وتبرز الأرض في أثوابها القشب"

أما ثانيهما هو "أبا الطيب المتنبي" الذي يصفه البعض بأنه شاعر الحرب الأكبر, والملفت (وهو ما رصدته د.ريتا عوض" في دراسة لها بمجلة العربي العدد 539) أنه جاء والأمة العربية/الإسلامية في حالة من التحلل الحضاري أو تكاد.

الطريف أن الشاعر خلد قائدا لم تتفق على كفاءته الوثائق التاريخية وهو "سيف الدولة الحمدان"! , وقال فيه:

"ولست مليكا هازما لنظيره

ولكنك التوحيد للشرك هازما"

فالانتصار ليس بين ملكين, بل هو انتصار الدين والتوحيد على الشرك.. تجاوز إذن الانتصار حدود الانتصارات التقليدية إلى آفاق أبعد وأرحب.

 

يبرز السؤال: هل هناك انفصال ما بين النضج الثقافي, والنضج الاقتصادي والسياسي؟ هل يمكن أن تكون الأوضاع الاجتماعية /الحضارية في حالة انحلال أو تكاد, ومع ذلك تنمو الثقافة و(الإبداع) تحديدا.

لابد أن نقول بما قال به بعض المستشرقين, أن الانحلال الاجتماعي والاقتصادي عند العرب قبل الإسلام, لم يمنع النضج الثقافي. كما نقول بما تقول به "د.ريتا" من أن اجمل واعظم منجز شعري عن "الحرب" جاء على الحالتين: التقدم الحضاري, والانحلال الحضاري. 

ولا تناقض أن نقول أن ما جاء معبرا عن الحروب الصليبية ومعارك العرب المعاصرة, على عظم النتائج التي انتهت إليها.. أن المنتج الأدبي حولهما لم يكن على المستوى الذي برز على يد شعراء الجاهلية, وأبى تمام, والمتنبي(وان عبر الجميع عن التجربة الحربية, وحول صراع مصيري خطير.).

لكننا نضيف بعض الأسباب, ربما لو جمعت معا أو درست أضافت بعدا آخر, ذلك من خلال التشابه أو أوجه الشبه بين الحروب الصليبية والحروب العربية المعاصرة(منذ النصف الآخر من القرن العشرين حتى الآن):

أن كلتا الحدثين حول قضية/قضايا محورية أصيلة, ومع ذلك لم تحسم نهائيا بالحرب. ففي خلال المعارك المتفرقة للحروب الصليبية, ما بين المد والجذر, كانت تتفاوت الإنجازات, ولم تحسم "القضية" بعد معركة محددة منها. كليهما استتبعت بعدد من الاتفاقيات أو لنقل الإجراءات أو المعارك الدبلوماسية.. كما لم يشعر العرب بانتهاء الحرب وجنى ثمار نتائجها في الحروب الصليبية بعد انتصار صلاح الدين, حيث تتابعت الحملات على مصر (ثلاث حملات شرسة).. تماما كما ندعى الآن.. أنه لم تحسم نتائج معارك/المعارك العربية المعاصرة.. القضية الأصيلة التي هي جوهر الصراع. الفرق الوحيد أن الصراع القديم كان محدد الهدف وواضح أكثر كثيرا من الصراع العربي/ العربي والعربي/ الاسرائيلى والأجنبي الآن!, غير واضح لتعدد أغراضه ومناحية, وليس لعدم فهمنا من أهدافه!!

نخلص إلى حقيقة جلية أن الكاتب/ الشاعر/ المبدع ..يبدو أنه لم يزل يستشعر خطرا ما الآن , فيكثر على نفسه الفرحة والتعبير عنها.. وربما الحق أنه ينتظر الحسم في القضية/القضايا المحورية وأصل الصراع, وهو في ظني الحال مع المبدع أيام الحروب الصليبية !!

أضيفت في07 /11/2005 /  خاص القصة السورية / المصدر الكاتب

 

 

 

الحضور الأدبي في الانتفاضة

بقلم: السيد نجم

 

لعل الشعر أكثر أو أسرع الفنون إيجابية, فالشعر دوما سباقا في كل المواقف الحياتية الخاصة/ العامة, وهو حال الشعر مع الانتفاضة الفلسطينية.

كما كانت القصة القصيرة عنصرا مشاركا وإيجابيا, مع قلة عددها نسبيا مقارنة بالقصائد الشعرية.

وان كانت الرواية من أرسخ الأشكال التعبيرية الأدبية في تنوع مواقفها ومساحتها الزمنية والمكانية, وبالتالي تتيح مجالا كبيرا للتعبير عن الأحداث الكبرى في حياة الأفراد والشعوب.. إلا أنها أيضا الأقل في التعبير عن الانتفاضة وهو ما يرجع إلى عوامل تقنية الرواية كفن مركب وطويل, واحتياج الروائي إلى البعد الزمني اللازم لتعمق الفكرة والبحث عن أغوارها, ولأهمية توافر الرؤية البانورامية لتلك الأحداث الهامة.

وهو ما يبرر عدم توافرها بكثرة الأشعار أو حتى القصة القصيرة حول الانتفاضة. ومع ذلك كانت هناك بعض اليوميات أو السير الذاتية التي تفاعلت بين ألذات الأدبية والانتفاضة.

 

ربما يكون من المناسب الإشارة إلى عدد من تلك المجموعات القصصية والرواية بل والنثريات التي أفرزتها التجربة والتي تناولت "الانتفاضة" موضوعا لها:

قصص: "السيناريو والمقدمات في الأمواج البرية/ إبراهيم نصر الله- 1990" – "أن تكون هنا/ امتياز ذباب -1993" – "حمام في ساحة الدار/ جمال بنورة 1990" – "حكاية الناس والحجارة/ رشاد أبو شاور-1989" – "الدوائر البرتقالية/ عبدالله تايه -1991" – "أزهار إلى مقبرة المخيم/ عمر محمود محاميد -1990" – "قف للتفتيش و من يخاف؟/ غنام صابر غنام -88و89" – "دماء على قارعة الطريق/ محمد عفانة -1992" _ "حيطان من دم/ زكى محمود العبلة – 1990" – "مفترق البيارات/ أحمد السعيد نجم -1991" – "أنفاس الجليل/ الأعمال الكاملة – محمد نفاع -1998"....

روايات ونثر: "الخيمة المحاصرة/إبراهيم العلم -1993" – "حوار مع اسرائيلى/ أحمد توفيق عوض -1992"– "جليلة, في جذور الانتفاضة/ أكرم النجار-1990"– "انتفاضة/ جمال بنورة -1999" – "تمتمات آخر الليل/ حسين فندى مهنا -1989" – "احمد محمود والآخرون/ رواية بقلم زكى درويش-1989" – "أسئلة صعبة في زمن الانتفاضة/ سعادة سوداح -1989" – "رسائل لم ترسل بعد/ عزت الغزاوى -1991" – "ونحن يا مولانا/ على فتح الله الخليل -1989" – "عودة الأشبال/ فاضل محمود يونس -1986" – "زغاريد الانتفاضة/ محمد وتد-88 و89 في جزئيين"– "أنصار شاهد على عصر الجريمة/ ناصر الدمج -1991" – "البالوع/ أحمد يعقوب يعقوب"– "صباح المواطن/ هابل عساقلة -1989" – "إنهم هناك/ يحيى الجو جو"....

 

الانطباع العام التي تثيره تلك الأعمال, أن الانتفاضة حادث تاريخي ولم يمر دون أن ترصده الأقلام, وبالتالي يبقى لأدب المقاومة دوره الهام في الذاكرة القومية للشعوب.

هناك نماذج من الأعمال التسجيلية والتي رصدت بعض أحداث الانتفاضة, وان تعددت الآراء الفنية حول قيمة "التسجيلية" فنيا ونقدية, إلا أن الحرب العالمية الأولى هي التي أفرزت هذا الشكل الروائي على يد الكتاب الروس.. أي من خلال مفاهيم "المقاومة", والتسجيلية تعد من أهم ملامح "أدب المقاومة". يكفى الإشارة إلى العملية الفدائية التي نفذتها "دلال المغربي" وقد رصدها "فاضل يونس" في روايته التسجيلية "عودة الأشبال".. وغيرها من الأعمال.

كما بدت بعض الأعمال وكأنها مزيج من القصة القصيرة والسرد الروائي والشعر, وربما الموتيفات الشعبية كما في "البالوع" لأحمد يعقوب, وهو ما جعله يعنون الكتاب ب"نصوص". الهام هنا أن التجربة نفسها (التجربة المقاومية والحربية) أفرزت الشكل نفسه في العديد من الأعمال العربية, مثل "بردية من أكتوبر" للشاعر "أحمد الحوتى" بعد معارك أكتوبر والعبور في عام 1973.

ثم نشير أخيرا إلى تلك النثريات التي اتخذت من الحوار شكلا, وان بذل أصحابها جهدا ما, ربما تصلح لأن تصبح رواية حوارية. إلا أن هذا الشكل في ذاته يعبر عن جوهر البحث في ألذات والآخر ضمن محاور "أدب المقاومة". منها "حوار مع اسرائيلى/أحمد رفيق عوض -1992" حيث البحث عن الحق والحقيقية, بل والبحث عن جوهر الإنسان في كل ما يدور على الأرض الفلسطينية.

   

بعض محاور أفكار القصص القصيرة المعبرة عن الانتفاضة, والراصدة لأحداثها, وهى:

: قسوة العدو الإسرائيلي في مواجهة الانتفاضة.. وهو ما عبر عنه "محمد نفاع" في قصة "الجنرال".. ذاك القائد العسكري الذي أمر بجمع الأطفال لقتلهم أمام أعين أمهاتهم.

: دور المرأة في الانتفاضة.. وهو من إيجابيات الانتفاضة أن جعلت من دور المرأة في الحياة متكاملا, وغير مقتصر على الدور التقليدي للمرأة بل شاركت في الكفاح. ففي قصة "صباح بعد انحسار الغطاء" للكاتب "محمد نفاع". تظل المرأة تعانى الآم المخاض, الانتفاضة. بينما زوجها في المعتقل الإسرائيلي, تسترجع ذكرياته معها, وتفرح عندما تلد, وكأن حضور زوجها (المتصور) وقد حضر مع لحظات الولادة, حقيقة واحدة.

: دور القيم الروحية في تزكية الانتفاضة.. وهو ما عبر عنه القاص "فياض فياض" في قصة "طز..قيد له", فيكون نداء "الله أكبر" داخل المسجد محفزا لمواصلة الانتفاضة, وقد أشار إلى محاولة اليهود سرقة المقدسات الإسلامية في القدس.

: إبراز الجانب الإنساني للإنسان الفلسطيني العربي, بالرغم من كل الوحشية التي يتعرض لها.. وهو ما برز في قصة "الحاجز" للقاص "نبيل عودة" حيث يستوقف الجنود الإسرائيليين أحد الأطباء الفلسطينيين لعلاج مصابا إسرائيليا, وبعد تردد يوافق الطبيب.

: وهناك بعض القصص التي انشغلت بنقد الموقف العربي, مثل أحداث الحرب الإيرانية/ العراقية, وكذلك أحداث غزو الكويت.. وهو ما أثر بدرجة ما على ما يجرى على الأرض الفلسطينية.. وضح ذلك في قصص: "دماء/ محمود سعيد", و"الجندي الآخر/عبد الستار خليفة".

 

قليلة هي الرواية المعبرة عن تجربة "الانتفاضة" (نسبيا). وقد أشار إليها "د.مصطفى عبد الغنى" في كتابه "الاتجاه القومي في الرواية" يقول: "ويلاحظ في ذلك كله أن الروائي لم يصنع بطلا واحدا- على كثرة الأبطال الأسطوريين وغلبة أدوارهم –وإنما تحولت الانتفاضة- في حد ذاتها- إلى حالة (أسطورية) غير عادية, تنسج خيوطها هذه الحركة اليومية المستمرة من نضال آلاف الكوادر والمقاتلين في الأرض المحتلة, أو داخل المعتقلات الإسرائيلية غير الإنسانية, وحالة الحصار التي تفرض على المخيمات بشكل مستمر لإرغامهم على التسليم, أو استخدام الأسلحة المحرمة دوليا, وما أكثرها, للنيل من الأطفال والنساء والشباب الفلسطيني, أو–حتى- بمواجهة أولئك المتعاونين مع القوى الصهيونية ضد حركة المقاومة واستمرارها.." ص340

وقد اعتمدت محاور تلك الروايات على عنصرين أساسين:

: تصوير وقائع نضالية/مقاومة..حيث كتب الروائي "محمد نصار" رواية "نزيف القلب" راصدها مجزرة "مخيم جباليا" ضمن أحداث الانتفاضة حيث استشهد ثمانية عشر فلسطينيا. صور الروائي الكثير من صور الاضطهاد والقسوة في معاملة الأسرى والمعتقلين وذويهم.تتبع الروائي أحد الأسرى الذي أشفق على زوجته وطلب منها الموافقة على تطليقها. رفضت الزوجة, لكنه طلقها, لتتزوج ابن عمها وتصاب بمرض تفقد بعده الذاكرة. أما وقد خرج الأسير من المعتقل, لم يعثر على أسرته, حتى وجد زوجته المريضة تسير في إحدى المظاهرات وتصرخ للإفراج عن زوجها الذي لم تعرفه.

: تصوير الحياة اليومية في ظل الاحتلال.. كتب الروائي "عبدالله تايه" رواية "العربة والليل" التي تتضمن تفاصيل أحوال سكان المخيم تحت ظل أوامر حظر التجول المستمرة والممتدة والتي تصل لعدة أيام. فيقل من يخرج للعلاج أو لشراء طعاما لأطفاله, أو حتى للعثور على جرعة ماء.

 

وقفة مع بعض القصص والروايات:

إجمالا يمكن القول بأن الخطاب الأدبي خلال الانتفاضة تحريضيا ومتفائلا, والشخصيات إيجابية..وربما قصة "اسحب تربح" للقاص "صبحي حمدان" تبرز هذا الجانب بقدر من البساطة حينما تعامل مع بائع الترمس الذي يسعى للانتهاء من البيع سريعا حتى يتفرغ للمشاركة في أعمال الانتفاضة الجارية في شمال المدينة !

 

لم يعد الكاتب الفلسطيني حريصا على تلك البكائيات التي شاعت في شعره وقصصه منذ 1948م..حتى أن الدارسين استسهلوا استحضار موضوع "سقوط الأندلس" في الشعر الفلسطيني قبل الانتفاضة, وتعددت الدراسات حول نفس الموضوع. وهو بالحقيقة التي تعامل بها الأديب الفلسطيني مع موضع الأندلس حتى أن استحضار رموز الأندلس المكانية/ الأدبية /بل والقيادات الحاكمة مع استحضار الوقائع الأندلسية الشائعة.. كان من الظواهر الفنية في الأدب الفلسطيني قبل الانتفاضة.. ونرجو ألا تعود !!

أضيفت في22 /01/2008 /  خاص القصة السورية / المصدر الكاتب

 

 

مدخل في تعريف أدب المقاومة

بقلم: السيد نجم

 

شاع استخدام مصطلح "أدب المقاومة" خلال النصف الآخر من القرن العشرين. وربما لعبت آثار معركة يونيو67 دورا في شيوع المصطلح, بحيث راج وانتشر أكثر من مصطلحات شاعت قبله: "أدب المعركة", "أدب الحرب", "أدب النضال"..كما رسخ بعد الانتفاضة الأولى والثانية  وحتى الآن. حان الوقت الآن للاقتراب أكثر من المصطلح, ربما نصل إلى تعريف له.

 

يعد "الوعي" أهم ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات الأخرى. وهو ما يتبدى على عدة صور..في المقام الأول في (الإنسان/الفرد) بكل مستويات وأبعاد الشخصية الذاتية , التي هي شديدة التعقيد بطبيعتها. ثم يتبدى في الفرد داخل الجماعة في مواجهة جماعة أخرى(أو في مجتمع بمواجهة مجتمعات أخرى) أو (في مواجهة الطبيعة من حوله/حولهم)..ثم كفرد في جماعة في مواجهة المجهول أو المستقبل, وبالتالي تتوالد الأسئلة الوجودية الكبرى حول الوجود والعدم, والحياة والموت, وغيرها.

إلا أن هذا "الوعي" على علاقة جدلية بين "الفرد" و"المجتمع"..ما بين الأنانية والانتماء لجماعة ..ما بين المنفعة الذاتية والمنفعة الجماعية.. ما بين الخاص والعام, وهو ما يولد "المعرفة" (التي هي اجتماعية المنشأ والطابع والتوجه) التي تسعى لفهم الذات والآخر وكشف أسرار الطبيعة والمجهول.

وإذا كان المجتمع (أي مجتمع) يتشكل في حدود زمانه..الذي هو "الماضي", بكل الخبرات والتجارب والمعارف .. ثم "الحاضر" وهو المتشكل بفعل الماضي, وأصبح له وجوده الآن .. ثم "المستقبل" الذي هو في الحقيقة رؤية الجماعة (تلك الرؤية هي العنصر الفاعل في تشكيل الواقع الحاضر).

لكن تلك الرؤية تتشكل في المجتمع بحسب مفهوم "المصلحة" أو "المنفعة" , في إطار ثقافة المجتمع نفسه أو إطار النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.

بالتالي فان "الوعي" الذي هو مبعث المعرفة في إطار حركة المجتمع نحو النافع له.. هذا الوعي قادر على تحريك الأفراد, الجماعات, الشعوب, والأمم..بحيث يتحول إلى طاقة بشرية هائلة , ذلك لأن "الوعي" قابل للتوظيف الأيديولوجي أو قابل للتوجيه والإدارة بالمعنى العام.

لكن السؤال الأهم هو: "الوعي" بماذا ولماذا؟ وماذا نعنى ب"الوعي" في حديثنا حول "أدب المقاومة"؟

بداية "أدب المقاومة" بمعنى ما فعل مقاومي..ولما كانت "المقاومة" تأتى بين "الحرية" و "العدوان"..لنقل أن الإنسان جبل على "الحرية"..لكنها المنفعة الخاصة في مقابل منفعة خاصة أخرى, فكان "الآخر" لدراسته وفهم تفكيره وحركته, لمواجهة  "الآخر العدواني" في المقابل..ولتكون "المقاومة" إذن!

ويعد الوعي بمفهوم الحرية  والعدوان  والمقاومة, هو المدخل للوصول إلى تعريف مناسب لأدب كل همه الدفاع عن الذات (الجمعية) في مقابل (الآخر العدواني).

 

أولا: الحرية:

تسعى كل الكائنات الحية وبالفطرة إلى التحرر من الأضرار, وذلك بفعل بيولوجي (حيوي) مشترك وعام, وهو الواضح في فعل التقيؤ للتخلص من السموم من الجهاز الهضمي (كثير من الحيوانات تتقيأ أيضا), والعطس للتخلص من الإفرازات المحملة بالميكروبات الضارة في الجهاز التنفسي . مثل تلك الأفعال البيولوجية لا تعد أفعال إرادية معبرة عن حرية صاحبها, بل هي أفعال منعكسة شرطية.

وهذا الفعل المنعكس الشرطي (الفعل الحيوي) يبدو جليا ومباشرا , عندما يتعرض الإنسان إلى خطر شديد ومفاجئ..فغريزة البقاء وراء تلك الأفعال المباشرة السريعة المندفعة , وحتى يحرر الإنسان نفسه من أجل الابتعاد عن مصدر الخطر بالهروب.

بمضي الوقت ومع اكتساب الخبرات اللازمة , يكتسب المرء أو الكائن الحي (وب التكيف) قدرا مناسبا من السلوك المقاوم من أجل التحرر. لكن السؤال: عن أية حرية تلك التي نعنى؟ (التي ليست أكثر من فعل منعكس شرطي وبلا وعى لا يعبر عن حب الحرية أو حتى الرغبة الحقيقية فيها؟!)

مع ذلك, يمكن القول أنه بالتكرار وحساب النتائج, تكتسب الخبرة اللازمة , وتتشكل خبرة "التكيف الفعال" وهو ما يطلق عليه operant conditioning  , وبتكرار هذا التكيف الناجح يكون ذلك الأثر المسمى ب"المعزز", فالطعام معزز للكائن الحي الجائع (مثلا), وللنتيجة المعززة للطعام يتكرر تناول الطعام كلما شعر الإنسان بالجوع..(أو الكائن الحي عموما).

 

لكن هناك الكثير من صور العدوان اليومي على الأفراد, وبعيدا عن الأفعال المنعكسة الشرطية, ترى ما هي صور الخلاص من تلك المنغصات الآنية اليومية الحياتية في الأفراد وربما الجماعات الكبيرة والشعوب. درس العالم "ب.ف.سكينر" تلك الحالة وانتهى إلى ثلاث صور من الخلاص:

 

-الهرب.. أي الابتعاد عن المتاعب في محاولة سريعة لتجنب المشاق. ويؤكد العالم أن "الهرب" لعب ومازال يلعب دورا هاما في هذا الإطار , ربما يفوق دور الكفاح من أجل الحرية بالطرق المباشرة. وهذا الهرب غالبا ما يتجلى ويصبح وسيلة ملحة عندما تزداد الظروف البغيضة وتصبح أكبر من احتمالات الأفراد والجماعات.

-الهجرة أو ترك البيت أو الانسلاخ من حضارة أمة بأكملها (كما يفعل الهيبى).. هي الوسيلة الثانية التي تستخدمها الأفراد , كي تكون خارج مدى المشكلة .

-الهجوم ..على من ينظمون أو يتسببون تلك الظروف الشاقة غير المحتملة.

هذا النمط الثالث من سبل النجاة غير الموجهة أو المباشرة بلا إرادة أو إدارة كاملة وواعية, يفسر به "سكينر" ظاهرتي "التخريب" و"الشغب" التي تندلع أحيانا في المجموعات الفئوية أو بين الطلاب والعمال أو حتى الشعوب المقهورة, وهما من أشكال العدوانية غير المباشرة.

 

بداية يلزم الإشارة إلى بعض المصطلحات التي قد تتوازى أو تتداخل مع مفهوم "الحرية", حتى يمكننا في النهاية الاقتراب من مصطلح الحرية , وأية حرية نعنى ونحن نتحدث عن المقاومة.

"الكرامة" .. وهى من أكثر المصطلحات ارتباطا بمفهوم الحرية عموما. والمتابع قد يعزى الكثير من الأحداث العنيفة بين الأفراد , وحتى بين الشعوب, إلى حدوث ما يمكن أن يوصف بأنه إجراء ما أو سلوك ما و قد أساء إلى كرامة الطرف الآخر. ونضيف , إجراء ما أو سلوك ما أساء إلى قيمة أحد الأفراد(أو الشعوب)..أي أن الكرامة بمعنى ما مرتبطة بمفهوم القيمة عند الأفراد أو الشعوب.. أي أن "الكرامة" و"القيمة" مصطلحان مترادفان لمعنى واحد.

وتعد الكرامة من الأفعال المعززة, أو من المعززات الإيجابية عند الأفراد /الشعوب , كما يلاحظ أن التصفيق والهتاف فعل إيجابي معزز لأحد المطربين (مثلا) المجيدين.

 

لكن الحقيقة تؤكد أننا لا نمتدح شخصا ما أو شعبا على السلوك المنعكس الشرطي, ولا على أية استجابة بيولوجية, لأنه ليس صاحب فضل فيما حدث وكان. لكننا نمارس المديح فورا أمام أي رد مناسب لأحدهم مارسه في مواجهة سلوك ما أو فعل ما هدد كرامته وقيمته. فنثني على المرء الذي وضع الواجب قبل الحب ..أو وضع الحق والواجب قبل القرابة والنسب. كما نمتدح هؤلاء الذين يظلون على حال الوفاء لفكرة عليا أو لحركة مقاومة على الرغم من تعرضهم للاضطهاد. أي أننا نسعى دوما على تأيد الأفعال المعززة ونشجع صاحبها على تكرارها.

والطريف أنه هناك علاقة طر دية بين المديح والإعلان عن مديحنا, وبين السباب وقيمتها العليا. حتى أننا نشعر بالمبالغة وربما تحول التقدير إلى نفاق لو كان المديح أكثر كثيرا من قيمة النتيجة والسباب آلتي نمتدح شخصا ما عليها.. ويصبح التقدير أقل قيمة وتأثيرا .

 

وفى خطوة تالية, يمكننا الادعاء أن الإنسان يكون أقل مقدار من الحرية, والكرامة, وهو تحت أي تهديد مادي. أي وهو تحت تهديد "العقاب" أو "الحبس" أو غير ذلك. كذلك حال الشعوب, بحيث يصبح الشعور بفقد الحرية والكرامة والقيمة وهى تحت تهديد الاحتلال أو الهيمنة أو السيطرة الأجنبية.

وفى عجالة نعرض لبعض التعريفات المباشر ل"الحرية". نبدأها بمحاولة خاصة قدمها "هكسلى" , رفضها البعض على الرغم من أن مبرر ما يقوله هو دعوة للحرية. يقول:

"إذا وافقت أية قوة عظمى على أن تجعلني دائما أفكر بما هو حق, وأفعل ما هو صحيح, على شرط أن أكون على شكل ساعة  فأعبأ كل صباح قبل أن أغادر سريري , فأنني سأقبل العرض فورا"

فالمثلية المثالية مرفوضة بداية, حتى مع حسن النوايا.

 

:الحرية.. قضية نتعرف عليها وتثيرها نتائج بعض السلوكيات البغيضة.

:الحرية.. حالة يستشعرها المرء (أو الشعوب) مع غياب السيطرة التعسفية.

:الحرية.. حالة ذهنية تبدو واضحة بأن يعمل المرء ما يريد أو يرغب.

:قال "جون ستيوارت ميل"..الحرية هي أن يعمل المرء ما يريد.

:قال "ليبنتير".. تتكون الحرية من قدرة المرء على أن يعمل ما يريد.

:قال "فولتير".. تتوفر الحرية بالنسبة لي , حين أستطيع أن أفعل ما أشاء.. لكن لا أستطيع أن امتنع عن الرغبة فيما أريده حقا".

:قال "جو فنيل".. إن القدرة على أم نريد شيئا هي مسألة الحرية الداخلية, وتقع خارج اللعبة (أي خارج لعبة الحرية).

 

كما يقول "ب.ف.سكينر" إن من يريد شيئا يعمل على الحصول عليه حينما تلوح الفرصة. لكن الرغبة في شئ ليست شعورا به, وليس الشعور هو السبب الذي يجعل المرء يتصرف للحصول علي ما يريد. إن بعض الحالات الطارئة تزيد من احتمالات قيام السلوك (مثل الجوع والنزوع إلى تناول الطعام), وفى الوقت نفسه تخلق ظروفا يمكن الإحساس بها.

ويتابع بقوله:"فالحرية هي مسألة الحالات الطارئة التي تعزز السلوك, وليست هي قضية المشاعر المنبثقة عند تلك الحالات . ولهذا التمييز أهمية خاصة , حينما لا تنجب الحالات الطارئة هروبا أو هجوما مضادا."

كما يضيف.."يمكن تصور الحرية "أحيانا" على أنها قلة المقاومة  أو الكبح, فالمرء يكون أقل حرية تحت تهديد العقاب..الخ. لكن السيطرة السلوكية أو الكبح بواسطة ظروف التعزيز فهي أمر مختلف."

 

والحرية هي التي تكسب البعض صفة "الصلاح", لأن الشخص الصالح هو الذي يسلك سلوكا جيدا مع أنه بإمكانه أن يسلك سلوكا سيئا.

كما أن الحرية في النهاية , تهدف إلى خلق عالم يكون "العقاب" فيه أقل شيوعا أو حتى غائبا.. حيث تتولى "الحرية" الأمر كله مع دخائل الأفراد والجماعات. هي الحرية المسئولة إذن عند الأنا, تجاه الآخر الغائب الحاضر. 

 

ثانيا: العدوان Aggression

هو ظاهرة التعبير عن الصراع..الصراع الداخلي (بين المرء ودواخله) والصراع الخارجي (بين الأفراد والجماعات والدول) .. في مواجهة تتسم بالعنف. غالبا يتبدى الصراع الداخلي على شكل معضلات نفسية ومشكلات تصل ذروتها بالانتحار. أما الصراع الخارجي فيتبدى فيعبر عن نفسه بالمشاجرات بين الأفراد والجماعات , والمعارك بين الدول.

وقد نال موضوع "العدوان" جانبا من أحكام القرآن الكريم, أشار إلى صوره ودوافعه في العديد من السور والآيات:

"فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كان فيه , وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو, ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين" ..سورة البقرة آية 36

"قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو" سورة طه آية 123

"وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة, قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها, ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك, قال إني أعلم مالا تعلمون" سورة البقرة آية 30

 

وللعدوان صور متعددة في القرآن غير القتل:

-العدوان اللفظي "بالسب".. "أن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطون إليكم أيديهم وألسنتهم و ودوا لو تكفرون" سورة الممتحنة آية2

-العدوان بالتهكم والسخرية.. "زين الذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين أمنوا" سورة البقرة آية212

-بالشماتة .."إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلوني فلا تشمت بي الأعداء"سورة الأعراف آية150

-العدوان بالغيرة (المضمرة).. "إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا  ونحن عصبة أن أبانا لفي ضلال مبين" سورة يوسف آية 8

وهناك صور  أخرى ..مثل العدوان بالبغضاء وبالكراهية, مع صور العدوان على النفس.. سواء الصريح أو المضمر. والأخير يتوافق مع مفهوم "العداوة" أو hostility   أو العدائية..أي الرغبة في الإيذاء ربما تصل إلى درجة من الإيذاء البدني ..وهو ما أشار إليه "زيلمان " في كتاباته حول العدوان.

 

وهناك عاملان يزكيان العدوان أو السلوك العدواني, العامل السيكولوجي أو النفسي, والعامل الأيديولوجي أو العقائدي أو السياسي.

الأول (النفسي)..يتسم بالانفعالية الزائدة , وهو في الأفراد كما في الجماعات والشعوب. فقد عرف عن الهند تلك السمة الانفعالية, فالميثولوجيا الهندية مليئة بالعنف "البراهماتية" , حيث صراع الآلهة معا, وبينها وبين البشر. بينما عند الصين على العكس, ففي تعاليم البوذية يقول "كونفوشيوس" :"الجنرال العظيم حقا هو الذي يكره الغزو وليس حقودا أو انفعاليا".

الثاني(الأيديولوجي)..هو الذي يفسر لنا مقولة في الحرب , : إن الصراع وحده لا يكفى لإشعال الحروب, لأنه (أي الصراع) تابع لإرادة  وإدارة سياسية تسبقه..أي أن الحرب تلي فكرة الحرب. وهو وحده ما يبرز أهمية وجود عقيدة قتالية عند الجيوش المتحاربة.

 

وجد الباحثون صعوبة في تقديم تعريف واحد للعدوان. ربما يرجع ذلك إلى تعدد المفاهيم حول وظيفة العدوان..منها ما هو بغيض كريه, ومنها ما هو واجب ومشروع, بل وتحث عليه الأديان والقيم العليا..مثل الحفاظ على العرض والشرف.

عموما هناك العديد من محاولات التعريف:

1-التعريف اللغوي..مادة "عدا" في المعجم الوسيط: عدا عدوانا بفتح (العين والدال) جرى . وعدا عدوانا (بفتح العين وفتح الواو) تجاوز الخد. وهو ما يعنى  أن الحد الفاصل بين العدوان كتقدم والعدوان كاعتداء هو تجاوز الحد (أي أنه فرق كمي).

أما aggression  في المعجم الإنجليزي Webster's فتعنى الإعداد للهجوم, والاعتداء على إحدى البلدان, وهى بذلك أقرب للمعنى المباشر المتداول للمفهوم العام.

2-التعريف النفسي.. (يجدر الإشارة إلى أننا سوف نتخير بعض التعريفات التي تلقى الضوء على الموضوع, دون التوقف عند غيرها –خصوصا تلك الخاصة بأحوال سلوك الطفل_)

 

تعريفات تعرض للسلوك العدواني:

-يعد السلوك عدوانيا, إذا كانت نوايا المعتدى تبطن شرا وتقصده.. أو إذا كان السلوك هجوميا (جسمي أو نفسي) أو تدمير ممتلكات.. إذا كانت النتيجة مؤلمة على الآخر (نفسي أو مادي) .

-تعريف "هيلموث" ..انه ضرر أو محاولة الإضرار للآخر, أو أنه سلوك قتال يوجه مباشرة من إنسان ضد الآخرين.

-تعريف "انجلش انجلش" .. هو أفعال عدوانية نحو الآخرين وما يشتمل عليه من عداء   معنوي نحوهم , وهو أيضا محاولة لتخريب ممتلكات الآخر.

-تعريف "بارون" .. انه شكل من أشكال السلوك يوجه مباشرة , بهدف إلحاق الأذى والضرر بالكائنات الحية.

 

ويقسم العدوان من حيث الشكل إلى :

..عدوان ضد المجتمع anti-social aggression ويشمل الأفعال المؤذية التي يظلم بها الإنسان نفسه أو غيره. وتؤدى إلى إفساد المجتمع (اعتداء على النفس والمال والعرض والعقل والدين).

..عدوان يرعى المجتمع pro-social aggression ويشمل الأعمال المؤذية التي يجب على الفرد النهوض بها, لرد ظلم (خاص/ مجتمعي) أو للدفاع عن النفس و الوطن والدين ..وهو في معنى "فرض عين" مراعاة لقوله تعالى:

"كتب عليكم القتال وهو كره لكم, وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم"

سورة البقرة آية 216

 

ربما يلزم الإشارة إلى بعض المصطلحات التي تتصل ب"العدوان" ومرتبطة به. منها "العدائية (هي العدوان دون أن يصل الأذى بالمعتدى عليه) ومن الباحثين من سوى بين العدوان والعدائية. كما يوجد "الغضب", الغيرة", "الحقد", "التوتر", "الإحباط".أما "الإرهاب" و"التطرف" فلهما وقفة قصيرة.

- ما الإرهاب؟

..هو عملية متعمدة من الإيذاء المادي الصريح, لإثارة حالة من الترويع والقهر للآخر..تمارسها جماعات بهدف تحقيق هدف سياسي/أيديولوجي معين.

شاع مصطلح الإرهاب في العقدين أو الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين, يمكن القول الآن أن "الإرهاب" أصبح شكلا من أشكال الحروب في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية(انتهت في 1945م), مع بعض الإضافات على أرض الواقع..حيث تلاحظ أن بعض الدول تمارس الإرهاب وليست جماعات صغيرة, كما أصبح الهدف منها ليس التأثير المؤقت المؤلم..اقترب من مصطلح "الحرب" الصريحة. ولم يعد للإعلان عن جماعة ما أو هدف ما أو حتى لتحقيق ألم محدد ومحدود..أتسع المفهوم الآن.

:"الإرهاب" هو..استخدام متعمد للعنف أو التهديد بالعنف, من قبل جماعة ما أو دولة ما..من أجل تحقيق هدف/أهداف استراتيجية..أو حتى حالة من الرعب والتأثير المعنوي الذي يستتبع بمزيد من العنف.

:"الإرهاب" هو..نوع من أنواع العنف المتعمد , تدفعه دوافع سياسية, موجه نحو أهداف غير حربية , تمارسه جماعات أو عملاء سريون  لإحدى الدول.(وهو تعريف وزارة الخارجية الأمريكية – في العقد التسعيني من القرن العشرين).

:"الإرهاب" هو..القتل العمد المنظم الذي يهدد الأبرياء ويلحق بهم الأذى, بهدف خلق حالة من الذعر من شأنها أن تعمل على تحقيق غايات سياسية, لكن المشكلة..أنه أحيانا ما توصف بعض العمليات الثورية من أجل التحرير والتغيير بصفة العمليات الإرهابية ..كما فعلت وسائل الإعلام الغربي مع العمليات الفدائية الفلسطينية . وكذلك اعتبرت حكومة "ريجان" .."الكونترا" في نيكاراجوا مقاتلين من أجل الحرية على العكس من الاتحاد السوفييتي (في حينه) . وهو الأمر الذي يكشف البعد الأيديولوجي  الكامن وراء مفاهيم وتعريفات  وأشكال الإرهاب (تعريف الباحث الأمريكي "كوفيل" عام 1990م.)

-ما التطرف؟

هو الهوس العقائدي fanatcism  (قديما كان يعنى الهوس الديني فقط, بات يعبر عن الهوس العقائدي كله). من خصائص السلوك الإرهابي . ثمة رابطة بين اتجاه المتطرف وسلوكه, وغالبا ينتهي المتطرف إلى حلول ترضى ذاته التي تتجه إلى التعصب المتطرف.

وهناك تداخل بالفعل بين المصطلحين "الإرهاب" و"التطرف", لذا يلزم استيعاب بعض المصطلحات التي قد تكون السبب في هذا اللبس.. وهى:

..التصلب, وهى حالة من الاحتفاظ باتجاه أو رأى أو التمسك بأسلوب عمل على الرغم من أن الشواهد تؤكد أن هذا التمسك ليس صوابا.

..الجمود الفكري, وهى حالة العقل المغلق, ويقاوم التغيير, وغالبا ما تلحق به صفة المتعصب بالجامد فكريا, سواء كان يمينيا أو يساريا.

..التعصب, وهى حالة خاصة من التجمد الفكري, بالإضافة إلى أن صاحبة يرفض كل الاتجاهات والجماعات الأخرى. أن محور ظاهرة التعصب هو العدوان وقابليته للتبرير والإسقاط والنقل.. والمتعصب يشير دوما إلى أن المجتمع يموج بمناخ عدواني.

 

 

ثالثا: المقاومة:

تقع "المقاومة" بين "الحرية" و "العدوان" ..حيث الحرية هي المسعى الواعي للتخلص من "الأضرار" (فالعطس مسعى بيولوجي , ولا إرادي للتخلص من أضرار مسببات الأمراض في الجهاز التنفسي.. بينما الفعل الحر يتسم بالإرادة الواعية لمواجهة تلك الأضرار). وحيث أن العدوان يبدأ من التهكم والاحتقار حتى الإرهاب بكل أشكاله والحروب النظامية. فالفعل الواعي الحر المناهض للفعل العدواني هو الفعل المقاوم.

 

إذا كان سلوك الإنسان يحدده الخصائص الوراثية التي تعود إلى تاريخ تطور الجنس البشرى, والى البيئة التي تعرض لها بوصفه فردا..فان البحث العلمي يرجح كفة السبب الثاني. وإذا كان الوعي الإنساني بمفاهيم الحرية والعدوان معززا للاستجابات الصحيحة , فستكون هي "المقاومة".

 

إن الكفاح في سبيل الحرية هو نتيجة اغراءات أو معززات اجتماعية عندما يصل التحدي إلى أقصاه وربما إلى حد الحروب, وقد يكون الكفاح بلا معززات اجتماعية مباشرة , فيسعى المرء إلى التمرد أو إلى حياة الاكتفاء الذاتي.

 

لذلك تمثل "المقاومة" الرابط الموضوعي بين العدوان و الحرية. فلا مقاومة غير مدعمة بمفاهيم الحرية  لمجابهة العدوان , ولا حرية بلا مقاومة في مواجهة عدوان ما.

يزداد الصراع كلما قويت المقاومة , لكن هذا الفعل القوى قد يعبر عن نفسه بالعنف, وإذا اتجه هذا العنف إلى "الذات" أو "الأنا" أساسا ..تكون المقاومة السلبية, وإذا اتجه العنف إلى "الآخر" أساسا ..تكون المقاومة الإيجابية. ولكليهما دوره وتأثيره.

 

فالمقاومة السلبية هي أقرب التشبيهات إلى تجربة الزعيم الهندي "غاندي", وقد أشار إلى ملامح تلك المقاومة السلبية في كتابه "في سبيل الحق" أو "قصة حياتي" وان كان عن غير عمد.. حيث الصراع يؤدى إلى إرادة ثم قرار ثم فعل..ذاك الفعل الذي يعبر عن نفسه بالعنف . إذا اتجه العنف إلى الذات أصبحت مقاومة سلبية, وإذا اتجه إلى الآخر أصبحت مقاومة إيجابية.

 

ويمكن تعريف المقاومة السلبية بالتالي :"هي فعل العنف النابع عن إرادة قوية اتخذت طريقها  نحو تنفيذ قرار له سمة "الجماعية" , نحو تحدى الآخر (المعتدى) عن طريق توجيه العنف  نفسه تجاه الذات و الآخر (الذي هو غالبا أقوى) ..غالبا تبدو أهداف ووسائل  ونتائج المقاومة السلبية جلية تماما, مما يتيح للآخر فرصة المواجهة , فيتجدد الصراع , وهو هدف في حد ذاته.

 

أما المقاومة الإيجابية فهي الشائعة في رؤوس الجميع, وهى الجانب المرغوب من "العدوان". ولا يفترق الإيجابي عن السلبي في المقاومة, إلى في اتجاه إدارة الصراع وتوجيه العنف..إذا اتجه العنف إلى الذات باتت مقاومة سلبية, وإذا اتجه إلى الآخر العدواني , باتت المقاومة إيجابية.

بينما المقاومة الإيجابية  هي الأقرب إلى الأذهان , وهى الجانب الإيجابي والمرغوب من "العدوان".

إن الفعل المقاومى هو..فعل العنف , المدعم بالوعي, والنابع عن إرادة موجهة (دفاعا عن قيم عليا) موجها إلى الآخر العدواني بكل السبل حتى يتحقق الهدف الأسمى. وقد يتجه هذا الفعل المقاومى العنيف الواعي إلى "الأنا" أو إلى "الآخر العدواني"..وفى الحالتين بهدف الدفاع عن حق ومواجهة باطل و إلا أن الموجه إلى الأنا أساسا تكون حجم الأضرار المباشرة السريعة نحوه أقل حجما ..لذا تحتاج المقاومة السلبية إلى زمن أطول لتحقيق الهدف..(أحيانا).

إن المقاومة في جوهرها ترتكز على أمرين:فعل المقاومة – هدف المقاومة. فهي حالة مواجهة , رافضة, تزكيها الرغبة في حماية "الذات" الجمعية , لمواجهة "الآخر" العدواني .. دون النظر إلى قوة الآخر وعنفه , ولا نتائج المجابهة , من أجل إعلاء إنسانية الإنسان , وتأكيد حريته وكرامته.  إنها فعل له قيمة نفعية وأخلاقية للفرد والجماعة ولتحقيق: الحق في مقابل الباطل. الخير في مواجهة الشر. العدل ضد الظلم. غلبة الحرية على القهر والتسلط والمذلة.

 

-  الحرب ذروة الصراع والمقاومة؟

..الحرب هي قانون أثبتته الأحداث والتاريخ على أنها أزليه, يعبر عنه صراع الجماعات . لكن الصراع وحده لا يكفى , انه تابع الرادة وادارة سياسية تسبقه..فالحرب تلي فكرة الحرب.

 

..الحرب هي البديل عن عدم وجود تشريع قانوني قوى قادر على حل النزعات بين الجماعات والدول , وبالتالي فالحرب مسعى (غير واع ربما) لفرض قوانين بعض الجماعات (الدول) على أخرى أو لفرض قوانين جديدة .

..الحرب هي النزوع إلى العنف النفسي , فالعنف أو الميل إلى السلوك العنيف كما هو في الأفراد يوجد في الجماعات والأمم.

..الحرب هي العقد العنيف لتحويل بعض الدول والأمم إلى سوق تجارية لدول أخرى , أو لجعلها مصدرا لمواردها الخام.

..الحروب هي صوت مرتفع في مقابل عجز صوت الحكمة .

وتلقى "فكرة الحرب" اهتمام كل الأديان السماوية .ففي "اليهودية" إقرار بشريعة الحرب والقتال في أبشع صور التدمير والتخريب والهلاك والسبى..كما جاء في سفر التثنية , الإصحاح العشرين , عدد 10وما بعده: "حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح, فان أجابتك إلى الصلح وفتحت لك, فكل الشعب الموجود فيها يكون لك بالتسخير, ويستعبد إلى يدك, فاضرب جميع ذكورها بحد السيف, وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة , كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك, وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب الهك..."

وتوجد فكرة الحرب في المسيحية, ففي عهودها الأولى كانت رافضة لفكرة الحرب:"..من ضرب بالسيف سيهلك أو يجن...". ثم تبنى القديس "بولس" فكرة الدعوة إلى احتمال استخدام القوة (مع زيادة عدد المسيحيين). ثم كان القديس "توماس" صاحب فكرة "الحرب العادلة" أي من أجل قضية عادلة..والآن تعلن الكنيسة أن عدالة الحرب تحددها عقول أصحاب الرأي الراجح بالمشورة.

أما الإسلام فكان لفظ "الجهاد" بديلا للدلالة على الحرب كلفظة شائعة. وفى بداية الرسالة كان التوجيه الإلهي إلى الرسول (صلعم) في مكة هو "وأصبر لحكم ربك بأعيننا" سورة الطور آية 48. وفى المدينة تقرر الإذن بالقتال حين يطبق الأعداء:" أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير.." سورة الحج ,آية 39. وفى السنة الثانية من الهجرة , فرض الله القتال وهو كره للمسلمين:" كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبو شيئا وهو شر لكم , والله أعلم وأنتم لا تعلمون" سورة البقرة آية 126.

إذن فالحرب هي أعلى صور العنف/ الصراع الشرس/ المقاتلة/ التعبير عن النزعات الشريرة / التعبير عن عجز القانون المنضبط الضابط/ الرغبة في فرض إرادة  على إرادة أخرى / ..

إلا أنه يلزم الإشارة إلى أن العمليات الحربية تتسم بالتالي: "أنها ليست عمليات فردية, بل جماعية , بينما عمليات المقاومة في غير الحروب النظامية تتسم بأنها قد تكون فردية أو جماعية (جماعات صغيرة). كما أن الحرب قد تكون مشروعة أو غير ذلك حسب الأسباب والدوافع, بينما عمليات المقاومة دائما مشروعة. وتعبر الحرب بغيضة لو كانت هدفا في ذاتها, أما عمليات المقاومة فهي مشروعة في ذاتها. ثم أن الحرب تعبر عن الصراع بين البشر طوال تاريخ البشرية, بينما عمليات المقاومة تعبر عن نزعة الإنسان إلى الحرية والى حياة أفضل. وهدف الحرب هو تدمير الآخر, بينما هدف العمليات المقاومة هو حماية الذات من قهر الآخر العدواني. والحرب ليست مطلوبة دوما, بينما العمليات المقاومة مطلوبة دوما . وعن الوسيلة,, فوسيلة الحروب الأسلحة المادية, بينما وسيلة المقاومة بالإضافة إلى الأسلحة المادية , الفكر والفن والمأثور الشعبي وغيرها. كما أن الإبداع المعبر عن الحرب يكسب الدب خصوصية ومذاق خاص يرجع إلى خصوصية التجربة الحربية, بينما الإبداع المعبر عن المقاومة يرسخ للمفاهيم والقيم العليا فقط.

ما سبق إشارات للتفرقة بين عمليات المقاومة للعنصر الذي يظن أنه الضعف, في مقابل الحرب التي تبدو أحيانا وسيلة مقاومة, إلا أن الحرب ليست دوما للمقاومة, بل ربما للعدوان. 

لكن السؤال الآن.. كيف يمكن للإنسان التعبير عن تجربة المقاومة إذا كانت من أجل ترسيخ المفاهيم والقيم السماوية والإنسانية العليا؟؟

وهذا هو السؤال الذي حاولت الإبداعات والآداب الإجابة عليه , وهو ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح "أدب المقاومة".

 

أدب المقاومة:

يهدف أدب المقاومة إلى إزكاء روح المقاومة والوعى لدى العامة.. فقد يعانى أحدهم من الظروف الكريهة والاحتلال وغيرها, لكنه يتعايش معها , دون رغبة في تغييرها. ويبدو أن الحكمة القائلة:" أن تكون عبدا واعيا لعبوديتك أفضل من أن تكون عبدا  جاهلا سعيدا" مناسبة الدلالة في هذا الصدد.

ويخطئ الأديب إذا ما جعل الحرية حالة ذهنية دون أن يتجاوزها بعمل أدبي أي أن يتعامل بفاعلية وإيجابية , من أجل تحقيق الهدف الأسمى في التحرر.

أدب المقاومة الحق هو أدب التعبير عن صراع "الأنا" خلال سعيها لتحقيق رغباتها الواعية بالجماعة أو الوطن.انه الأدب الذي يسعى لترسيخ قواعد الوجود الإنساني ..الخير والسلام والنماء في مواجهة العدوان والشطط.

إجمالا يمكن لأدب المقاومة أن يحقق أهدافه من خلال مناهج متباينة:

.. التركيز على الظروف البغيضة  التي يعيشها الإنسان تحت نير الاحتلال أو الاستبداد وغيره.

.. تحديد "الآخر" مع المزيد من كشف خططه ووسائله وحيله, حتى يمكن المواجهة والانتصار عليه.

.. يقوى أدب المقاومة دعوته بحث الناس على العمل , مع الاستشهاد بالنماذج الناجحة في التاريخ وفى الواقع المعاش.

.. واجب أدب المقاومة تغيير الحالات الذهنية والمشاعر , دون الوصية بإجراء عمل معين مكشوف ومباشر , أي تهيئة الناس وتزكية اليقظة والانتباه , دون إصدار الأوامر والتعليمات .

 

منذ أن استخدم البشر الأحجار وفروع الأشجار كأسلحة للمقاتلة, وحتى أواخر القرن العشرين مازال البشر يبتكرون من أجل وسيلة قاتلة أكثر فاعلية!.. ولعبت الحروب والاستعداد لها دورها في توظيف العلم لأهدافها. وقدم العلم منجزاته في الانشطار النووي واستخدامات "السيلنيوم" في الأجهزة الإلكترونية المبتكرة..إلى رجال الحرب من أجل الهدف نفسه!!

منذ تلك الفترة السحيقة من التاريخ الحربي للإنسان وحتى الآن , مازال الصراع قائما ,ولا توجد بشائر اختفائه, على الرغم من الحربين العالميين في قرن واحد (القرن الماضي) حيث قتل 175مليون إنسان (مع حساب القتلى في الحروب الإقليمية).

وطوال تلك الفترة, سجل الإنسان تاريخه الحربي, منذ أن رسم الثور الهائج مقوس الظهر والبطن, نافر القرنين على جدران الكهوف, مرورا بتلك الحفائر والآثار التي رصدت معاركه وانتصاراته حفرا أو نحتا أو نقشا, ثم كانت القلاع المدججة الحصينة هنا وهناك, حتى كانت كل معطيات التراث الشفاهى للجماعات والشعوب من مورثات الأساطير والملاحم, بل والأغاني والنوادر والحكايات, وحتى كانت وسائل الرصد والحفظ الحديثة من كتب وأفلام ووثائق.. وغيرها من موسيقى ورقص وجم الفنون.

 

لقد رافق هذا الصراع/الحروب دوما المنجز الإنساني التواق إلى قيم العدل والحرية , منجز مقاومي لكل النزعات الشريرة, ألا وهو الإبداع المقاومى(فنون وآداب).

إذا كان أدب المقاومة هو:"الأدب المعبر عن الذات الواعية بهويتها, المتطلعة إلى الحرية..في مواجهة الآخر المعتدى. ومحافظا على القيم العليا من أجل الخلاص الجمعي(من الجماعة حتى الأمة)..".

انه إذن الأدب المعبر عن الرغبة في مواجهة الآخر العدواني, من خلال إبراز القوى الذاتية وتنمية عنصر "الانتماء" والرغبة في "الفداء" من أجل الجماعة والوطن.

ويشير التاريخ الأدبي أن الأدب (والفنون) رافق الإنسان طوال تاريخه الحربي. ويمكن أن يقسم إلى ثلاثة أقسام : ما قبل المعارك..أثناء المعارك.. ما بعد المعارك. ولكل منها ملامحها وخصائصها الفكرية والفنية, والتي يمكن إجمالها (غالبا) في تلك العناصر:"الدعوة إلى استرداد الحقوق المغتصبة"..""الدعوة للجهاد".."الحنين إلى الديار والوطن ".."الدعوة إلى قيم العدل والإصلاح".."التغني بالبطل والانتصار"..كما أن البكائيات تعد ضمن عناصر تناولات أدب المقاومة وإبداعاته , وهو ما تلاحظ في الإنتاج المقاومى خلال فترة انهيار الدولة الإسلامية في الأندلس, مع الدعوة للثأر والبحث عن البطل والبطولة, وطلب النجدة.

 

الآن ..وبعد كل المنجزات العلمية التي حققها الإنسان, وتطبيقاته في إنتاج ألالآت الأكثر فتكا وشراسة..ترى ماذا يقال في أدب المقاومة وفنونه؟

قد يلزم الإشارة بعض الإحصاءات ذات الدلالة.يقال أنه عندما هاجم الأسطول الإنجليزي الإسكندرية عام1881م, أطلقت المدافع ثلاثة آلاف قذيفة, نجحت منها في إصابة الهدف حوالي عشر هذا العدد.

وفى الحرب الأمريكية الفيتنامية , حاول الطيران الأمريكي  تدمير جسر"تان هوا",فكانت 800طلعة فاشلة, بينما تمكنت أربع طائرات من طراز أف4(مسلحة بالأسلحة الذكية) في وقت لاحق, من تدميره في أول محاولة.

كما تتمكن طائرة واحدة من طراز اف-117 في طلعة واحدة ,أن تحقق ما كانت تقوم به عدة قاذفات من طراز بي-17 في 4500طلعة(خلال الحرب العالمية الثانية)!!

وهكذا تتطور القوى التدميرية بفضل العلم!..ويكفى الإعلان بأن حربي "كوسوفو" و"أفغانستان"..كانت الأولى أول حرب في التاريخ حسمت دون تدخل القوات الأرضية, وبدون خسائر في الأرواح من جانب الطرف الأكثر تقدما تقنيا, وكذلك الثانية إلى حد كبير.

 

ما كان خلال العقد الأخير من القرن الماضي,وبدايات القرن الحالي..هناك عدة ملامح جديدة: الحروب أصبحت أقصر زمنيا, وتحقيق الانتصار لأحد الأطراف (الأكثر تقدما) محسوما بشدة,وأن المواجهات القريبة أو المباشرة غير متواجدة..ربما تبدأ وتنتهى الحرب دون أن يرى أحد الجنود جنديا من الطرف الآخر...

ماذا يقال في أدب (فنون المقاومة) الآن؟

الإجابة بعد هذا العرض والمقدمة الطويلة, في جملة وحيدة..لقد أصبح أدب المقاومة وقائيا(أي يمكنه أن يعمل قبل بدء المعارك فقط)..أما القسمة السابقة :قبل وأثناء وبعد المعارك فلا محل لها من الإعراب !! لذا قد يعتبر "أدب المقاومة" الآن أكثر أهمية عن أي وقت مضى.

إجمالا يمكن تقديم التعريف التالي لأدب المقاومة:

" هو الأدب المعبر عن الذات (الواعية بهويتها) و (المتطلعة إلى الحرية) ..في مواجهة الآخر العدواني . على أن يضع الكاتب نصب عينية جماعته وأمته , ومحافظا على كل ما تحفظه من قيم عليا..وليس متطلعا إلى الحرية بمعنى الخلاص الفردي".

أضيفت في22 /01/2008 /  خاص القصة السورية / المصدر الكاتب

 

 

 

الرسم بالكلمات.. عند السيد نجم

(قراءة في روايتين)

 

بقلم: محمد محمود عبد الرازق

 

هل أتحدث عن صديقي الفنان, أم عن صديقي الإنسان, السيد نجم؟.. روايتاه "أيام يوسف المنسي" و"العتبات الضيقة" بددتا تلك الحيرة. فقد خاض "السيد نجم" خضم الحياة, فاتحا ذراعيه, متلهفا. أبت إلا أن تفغر فيها في دهشة, قذفت به إلى ميدان القتال ليعايش الموت في كل لحظة. وأبشع الموت: عذابات المحتضر, المبقور البطن, المضغوط الصدر, المشوه. دخل الموت عقر داره الكبير بلا استئذان, وداره الصغير. مرة بسبب الحرب, ومرة بسبب مرض زوجته. صراع مرير يذكرنا بعذابات "يحيى حقي" مع زوجته الأولى, وهو ما سجله في لوحة "الموت" عام1945م.

(تجربة قاسية, لم يعد إليها "حقي", وقد أرسل أحد أصدقاء "فلوبير" برسالة إليه, يصف مرض زوجته. فرد الأخير: أمام ناظريك منذ الآن لوحات بديعة تتيح لك دراسة طيبة, والثمن فادح, هيهات للبرجوازي أن يفطن أننا نكتب بدم قلوبنا)

لهذا كله نتجاوب مع عدم رصد "السيد نجم" لمراحل التجربة, مكتفيا بلحظات خاطفة أدت وظيفتها. كانا يقاومان المرض –رغم قسوة وطأته- ليعيشا حياة عذبة مفعمة بالبهجة: "زوجتي السمراء النحيلة, تسير معي معلقة بعضد ذراعي الأيمن تحيطها بثديها. يظن من يرانا أننا نكاد نهم بالطيران, أو ربما أخشى على قدميها من تراب الأرض. قد يلمح أحدهم أعراض المرض, وقد أودى بكل مفاصل جسدها, فيمصمص شفتيه, يتمتم, سواء بسواء.. فهي تلتقط النظرات من بين الشعيرات الناعمة المنسابة فوق عينيها, تشغل يدها اليمنى بتهذيب القصة فوق جبهتها الضيقة. باتت عادة لا تبرحها.. أغمغم في أذنيها: "أحبك", تبتسم في صمت. ليس خجلا ولا اشتهاء, فقط لتشجعني على المزيد, أصبح الصمت بيننا لغة تعرفني بها وأعرفها".

و"كانا يغمضان عيونهما ويسيران في طرقات وسط المدينة, يصغان مالا يرانه, ويتفاديان الحفر والمطيات. وفى البيت كانت تسير بخطواتها نصف المشلولة لتضع الحذاء في قدمه. ومن عاداتها أن تفاجئه برغبتها فى زيارة مكان ما: "كأنها تسعى لرؤية الدنيا قبل فوات الأوان". طلبت منه أن يقضيا ليلتهما في أحد الملاهي, حدث ذلك فور خروجهما من زيارة عيادة الطبيب الشهرية. فيسعى هو إلى نزع البسمة من الشفاة, يعقب: "بشرط أن تشربي حتى الثمالة"!".. وهو ما يعكس فكرة تفانى الحبيب في حبيبه ساعة المغيب المنتظرة, مع قدرة على الصمود وسط العواصف والأنواء. ويتابع الزوج الحبيب: "لعلك نذرت زيارة أحد الملاهي لو تحققت أمنية, فهي عادتك, تعلقين إنجاز كل شيء بالنذور".. وبعد وفاتها كان يصب بعض عطورها على الوسادة وينام.

ومازال صديقي يقبل على الحياة بعينيه الخضراوين المشعتين ذكاء وحيوية, يستريح إلى مكانه في مقهى "ركس", والى صحبة جماعته "نصوص". فيهبه المكان, وتهبه الصحبة من روحها دفئا وهدفا.. هكذا يظن. والظن عندي أنه هو الذي يعطر المكان, ويبعث الحياة في الجماعة, ولولاه م كانت الصحبة, ولا تعدت جماعة "نصوص" العتبة الثانية من "العتبات الضيقة".

            ......                         .......                      ........

لا يعتمد "السيد نجم" على تجاربه الخاصة وحده, لذا نجده يدرس "الآخر" ويدرس عالمه دراسة وافية, حتى نشعر بأنه هو وليس غيره. ففي روايته الأولى "أيام يوسف المنسي" أدخلنا عوالم تضيف إلى معلوماتنا الكثير.. من بيئات وشخوص كنا نجهلها وان كنا نعرفها, مثل المخابز والسلخانة ومساكن الإيواء. هذه الرواية لم تنل حظها من الدراسة النقدية.

نتعرف على معالم "الفرن" البلدي, لا من خلال الرصد الخارجي, وإنما من خلال التوظيف باعتباره عنصرا من عناصر الدراما. يقول: "...سرعان ما مللت الحوائط المتشققة المطلاة بالهباب, سئمت مشهد الأرفف الخشبية الممتلئة بالحوامل المصنوعة من سعف النخيل وعليها أرغفة الخبز. قد ترص تلك الحوامل فارغة حين زمن التنظيف ومسح الأرضية التي اختلطت عليها الأتربة بالدقيق والردة ووقود ماكينة الاشتعال الأسود.. تلك التي صنعت طبقة يصعب وصفها أو إزالتها!.. ويكره منظر العنكبوت الغامض الرمادي, ونظرات من حوله, وتشكيلتهم الغريبة التي جمعت من شتات الأرض.. منهم من لا يجد مأوى, والهارب من حكم نفقة, والفار من الثأر, والمهجر من مدينة السويس"

كما كان الزمن داخل الطابونة, له سمات خاصة.. "فالعمل في كل الأوقات.. ولا وقت للطعام.. يلقمون أثناء العمل الخبز الساخن بلا غموس, أو مع كوب الشاي الذي يفضلونه باردا". ويترك الكاتب للقارىء استنتاج السبب. وقد يلقمون العيش مع حبات الطماطم والخيار "وقد يضعون فيه "السمين", تلك الدهون التي يشترونها من "بيومي" الجزار, قديما كان يرسلها بلا مقابل, الآن يطالبهم بمبالغ تفوق قدراتهم.. "الرجل بيومي انسعر, لو طال يبيع وساخة البطن, يعملها".

"وقت الراحة يبدأ بعد منتصف الليل, ليبدأ عمل جديد, يرصون الأرغفة المتبقية, ينظفون الطابونة وبيت النار, ويرصون أجولة الدقيق, ثم يجهزون العجين وتخميره..إنها فترة المزاح, الذكريات والحكى والخدر. ينفرط عقد اللسان.. يصفون فحولتهم وأوجاع الزمن, ويهون ما في النفوس من أسرار".. تلك الفقرات وغيرها تبرز قدرة الكاتب على استخدام اللغة العامية البسيطة في موضعها.

عمل "السيد نجم" في "السلخانة", واستفاد من معلوماته عنها, ثم أبدع شخصيات بالرواية: "حيرم العضل" الذي يعمل "هباشا" في عنبر الأكابر وملوك السوق, أو عنبر الحكومة.."المعلم فيه يفك عشرة من معلمين السوق", وكذلك هباش العنبر بعشرة!. داخل العنبر الهباش ملك: "غرضنا ينتهي الحكيم من الوردية بأقل خسائر ممكنة من الذبائح.. ياما خفيت عنه العيوب, وضحكت على أجدعها حكيم. لو كانت الذبيحة فيها "السل" نقشرها, ولو "حصاوى" نخايل الحكيم لغاية ما أزيحها..وياما كنا ننقل رؤوس حيوانات صغيرة مكان رؤوس حيوانات كبيرة....".

واضح أيضا توظيف الكاتب للغة الشعبية مع مزجها ببعض مفردات الفصحى. وأسلوبه العامي يذكرنا بأسلوب "يوسف إدريس" و"أمين ريان". ويشعرنا السيد نجم بقدرة العامية على الانطلاق, كما في النعوت المعبرة عن نفسية البشر:"السهن, الساكت, الداهية, الخبيث, الهليهلى, المدهول, المتنمر, المحتاس, الدقرمة, البلوة, الفهلوى, المدردح, الحرك, اللهلوبة, الناصح, الخيبة..."

كما وصف "الهباش" في سلوكه وملابسه المميزة:"نحيل, فارع الطول, تعلو وجهه ندب, بتمنطق بحزام أسود عريض تملؤه نتوءات...",  و"الهباش" يبدأ حياته صبيا يسرق "السقط", وهو الأجنة التي يقرر الطبيب إعدامها.. فإذا ما اشتد عوده وتميز بالصوت الجهوري وملامح الفتوة يصبح هباشا.. ثم وصف "بنات فرنسا" وهن المكلفات بإلقاء المياه على الذبائح.

             ........                  ........                ........

أما روايته "العتبات الضيقة فتسمى الأماكن بأسمائها الحقيقية, ويخفى الأسماء الحقيقية للشخوص, وان أصر على ظهور "عم كامل"- جرسون المقهى "ركس" باسمه.. صاحب الملامح العثمانية أو المملوكية, مما أكسبه بعدا تاريخيا.. تحترم فيه اعتزازه بنفسه, وصمته, وخطواته الزاحفة على الأرض, يسعى جادا لتلبية رغبات الزبائن بدماثة خلق. 

كما تعرفنا في الرواية على الكثير من رواد المقهى, وتاريخهم.. منهم "حورية" العاهرة غير التقليدية في علاقاتها المتميزة مع الزبائن, بعد التوبة.

كما تعرفنا على "عرفة" الذي جاء من الريف ساعيا لأن يحقق نفسه, واحدا من كتاب الرواية, ويسعى لكتابة رواية, بدأها ولم تنته حتى انتهت "العتبات" كلها!

ثم رصد لمجموعة من الأدباء "أظنخم" مجموعة "نصوص", ورصد حواراتهم ومعاناتهم الأدبية والحياتية.. من خلال رصد متغيرات عقد الثمانينات على منطقة "وسط البلد". أظن أن "نجيب محفوظ رغب في جعل "العتبة الخضراء" هي موضوع رابع للثلاثية, إلا أنه لم يكتبها, وكتب "اللص والكلاب" التي تعد بداية مرحلة جديدة له.

       .......                 ........                 ......                 .....

حاول السيد نجم على مستوى الموضوع, أن يتابع ما بدأه بروايته الأولى "أيام يوسف المنسي" من رصد للمتغيرات والمتناقضات في مرحلة ما بعد قوانين الانفتاح. وعلى مستوى الشكل, أراد أن يستغنى عن الفصول باللوحات. ولا بد للوحة –في نظرنا- أن تتكون من فعل واحد أو تصور مكانا أو شخصية. ولا ضير بعد ذلك من اتصالها بعضها ببعض. أما لوحات الرواية فلم تخرج عن كونها فصول تعتمد –أساسا- على السرد لا التصوير, بكل ما للفصول الروائية من سمات. رغم محاولة تطويقها بكلمات "بيكاسو" في البداية وقبل الفصل الأخير تحت عنوان: "الخروج". في "الخروج" الأول يقول: "قال بيكاسو عن لوحة الجرنيكا.. انه فيها لا يرسم, ولكنه يبحث".. وهى عبارة عميقة لبحاثة يغوص في أعماق النفس البشرية التي هزمتها الحرب, بفرشاته والوانه. وعلى الكاتب الذي يريد أن يبحث أن يغوص مثله بقلمه.. فاللوحة رسم قوامه الكلمات, كتلك اللوحات البديعة التي شاهدناها في روايته الأولى, وحرصنا على استعراض بعض منها دون تدخل يذكر منا.

وفى "الخروج" الثاني يقول: "..عندما حللوا لوحة "الجرنيكا" لبيكاسو..وجد أن الفنان رسم عدة لوحات, في أغلبها عناصر اللوحة الأصلية.."الثور- حصان- امرأة تحمل طفلا يبكى ويده ممدودة للمصباح –محارب مجندل.. في مرة واحدة تحتوى على جميع العناصر وفى نفس الأمكنة تقريبا".   

يبدو أن الروائي حاول الاهتداء ببيكاسو في كتابة الرواية, فجعل راويها روائيا يبحث عن موضوع رواية جديدة بعد نشر روايته الأولى. وتنتهي "الرواية" دون أن يفرغ من كتابة "الرواية".

لقد اختار الموضوع, وغالبا له صلة بحياة الكاتب.. ثم يسعى الراوي سعيا حثيثا لجمع الحقائق باستعراض مرحلة ما. وتتراكم التفصيلات, كما تراكمت اللوحات السابقة على الجرنيكا.. تمتزج بحياة الراوي وتشكل جبلا وعر المسالك, ويضع كل هذا على بساط البحث, ثم يكتب بعض الأجزاء, ثم يتم بجريمة قتل لم يقترفها, وكأننا إزاء مؤامرة من العصر على شاهد العصر. فقد ذاق متع البحث, وقلق إماطة اللثام عن الوثائق, وبهجة اكتشاف الشخوص لكنه لم يمكن من متعة إعادة الخلق.

.. الكاتب –هنا- لا يقدم لنا رواية.. وإنما رواية الرواية. يذكرنا السيد نجم بما فعله "سايمنز" عندما أراد أن يكتب قصة حياة "البارون كورفولا". لقد اكتشف في أثناء جمع مادته أن البحث أكثر تشويقا من قصة حياة كاتب صغير الشأن يتخيل أنه عظيم.. وقرر "سايمنز" ألا يكتب قصة حياة, وإنما قصة بحثه عن المخطوطات, وتتبعه للرسائل, وللناس في البندقية. وفى هذا السياق كان يحدثنا "سايمبز" عن "كورفولا" على اعتبار أنه موضوع للصيد في الأدغال. كما نجد في أثناء السرد القصصي صورة ممتعة للكاتب نفسه, فامتزجت السيرة الذاتية بسيرة الغير.. وهو ما وضح أيضا بين سطور رواية "العتبات الضيقة" للسيد نجم.

 

أضيفت في 07/11/2005/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

كيفية المشاركة

 

Hit Counter

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية