أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: مراد بوكرزازة-الجزائر

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

ليسانس في الحقوق والعلوم الإدارية جامعة قسنطينة عام 1989

يكتب القصة القصيرة منذ 1983

نشر في عدة صحف وطنية منها: الشعب، أضواء، الشروق العربي، النهار، المساء

كما نشر في عدة جرائد ومجلات عربية بتونس ولبنان والأردن والكويت والسعودية والمغرب

 

من إصداراته

-شرفات الكلام رواية منشورات الفارابي 2001

-الربيع يخجل من العصافير مجموعة قصصية 2004

-مجموعة قصصية بالفرنسية: دار publibook…paris france 2007

له مخطوطان واحد في القصة والآخر في الرواية

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

سيلفيا

الكراسي الفارغة

قصة للتسلية

الطريق 

أنا لا أحبني

القصة الأخيرة

يوميات مواطن

أغنية في البال

الربيع

المدرس

ليل الغريب

عطش الكلام

 

الطــريــــــق...!

 

وأنت تسقط مديدا إلى الأرض...كنتُ أسرع الخطى لأتلقَّفك... كنتَ المشروع الوحيد الذي كان يمكن أن يتلقَّفني لحظة السقوط الكبير... لكنك كنت مستعجلا جدا... !!

تراك كنت تركض لأفق تبدَّى لك فضاءً للأمان... أم أنك اكتشفت أخيرا النافذة التي طالما انتظرت انفتاحها... أم تراك ككل الموتى... !! الذين سبقوك... حملت سرَّك العظيم ومضيت... كم تحدث الناس عن موتك...

 

كنت تحتاج التفاتة بسيطة منهم... حين كنت حيا... لماذا لم تحاول الموت قبل اليوم... أكاد أجزم أنك كنت سترتاح قليلا...

حدث كل هذا في لحظة خاطفة واحدة... كنت تخرج علبة الثقاب... وتحضّر سيجارة لاحتراق آخر... لم تقل شيئا ذاك المساء...وصمتك الجبار القاهر الذي لن أنساه كان مكابرا كما العادة، هل كان ذنبي أن أنصت إليك بهذا الشكل...؟! هل كان ذنبك أن صمتك ثرثار لهذا الحد...؟!

من منا... كان المذنب... أيها الموت الذي اختطفت أحدنا... وتركت آخرنا للأسئلة...؟!!

 

 في الليالي التي كانت المدينة تنام فيها ملء الجفون... وتحلم بصباح عاهر... كنت تقف عند مفترق الطرق... مشرعا صدرك للطلقات الغادرة... مسرجا قلبك للخناجر التي قد تخرج من جوف العتمة... رغم ذلك... كم كنتَ تحب الليل... وكم كنتُ أعشقه...!!

 

طفلين كنا... نركض بكل الصدق، بكل الانبهار الأول...مع أن صوت الصراصير، ونقيق الضفادع كان يزرع في النفس فراشا حائرا لخريف مباغت...

في اللحظات التي كنا نسقط فيها إلى عمق القرارات السحيقة، كنا نحتمي بالأماني... خيباتي لا تنتهي، كلما قلت هنا سأحط الرحال، هنا سأرتاح، يطلق القطار صفيره، كي أبدأ رحلة همجية جديدة، قلت لي ذات ليلة شتوية ماطرة... أحيانا يخيل إليَّ... أن الألم خلقه الله لبعض النماذج وكفى... أجبتك، كم مرة فاجأنا المطر... كم مرة أدركنا الصباح ونحن نستسلم للتبغ الرديء، والحكايا التي لم تكن تنتهي...

 

دونما شعور أجدُني أحيانا عند عتبة البدايات... يوم تعارفنا، يوم التقينا للمرة الأولى... أحسست وكأنا سقطنا من سنة قديمة معتقة...

"كنتُ أحبها جدا... وما زلت... على مقاعد الدراسة علموني... كيف أغني لها... لعيونها: تورطت فيها، صرت أنبض لأجلها، وفي المحطات العسيرة... كنت أقول في نفسي... يكفيني حضورها الكبير كي أستمر"

 

قلت لي... ولم أكن أختلف عنك كثيرا، كانت أجملهم على الإطلاق وفي الصيف العظيم الذي كانت ستروي فيه للبحر حكاية الرمل والبحارة... الذين عادوا محملين بسيرة الأسفار البعيدة... تعثرتْ... سقطتْ الجرة من على كتفها... كم كان موجعا ذاك المساء... لم تبكِ...! لكنها حين وحدها مع وحدها بكت طويلا، كما لو أنها تودع عزيزا...!!

كنت أعتقد أنها مع أول الخريف... تبيح للطيبين فاكهة الأرض... لكنها الطعنات كانت تجيء من كل نافذة... هل جربت يا صديقي طعنة النوافذ.

 

يبدأ الموت هناك... بإغراء ماكر... وينتهي بمفترق طرق تقود كل الجهات فيه إلى الجحيم...! أرأيت كم توجع مفترقات الطرق...؟!

 

هل رحلت حقا...؟!

هل صرت من سكان العالم الآخر...؟!

 يؤلمني الأمر جدا... حين أذكرك... أذكر الأشياء التي لم أقل لك أم أنك ككل المفاجآت الجميلة...تجيء متأخرا وترحل على عجل...! ألم يكن ممكنا أن تمنحني بعضا من وقتك كي أصل إلى منتصف الحكاية... ثم أجرؤ على الاعتذار للراوي...لأن النهار أدرك تدفق التفاصيل...! أكاد أجزم أن الراحل يقدم توطئة وداعه الكبير قبل أن يمضي...

 

ما معنى أن تحب الموسيقى بكل هذا الهوس... والرقص، لـمَ كنت تمارسه طقسا محببا إليك...

في ليالي الراحة... كنت تسرع لأول شريط راقص...تشعل الدنيا بالغناء والصخب... لتقول أن الكرنفال في القلب بدأ... وأن طبول البدايات تقرع الآن كما لو أن كل الكون يحتفل....

كنت ترقص حتى يهدك التعب...

وحين تتهالك على سريرك... تغرق في تأمل موخز...

 

وحدها لفافة التبغ – كانت تعرف: أينه الرماد الآن...كي أسأله عن رجل كان يقف على الرصيف... يشير للعابرين بدهشته فلا يعود إليه غير صدى حيرة ذاهلة...!!

 

في المساءات التي أعقبت سفرك إلى سماء بعيدة... بعيدة... كنت تكتب كثيرا من الرسائل... تذكرت القريبين جميعا... كتبت إليهم واحدا، واحدا... وكنت تقرأ لي بعض المقاطع... يظل الشاعر شاعرا...!

 

قلت لي وأنت تصف لي، لها... لهم... ما فعلته المحطات بمسافر اقتطع تذكرة للنسيان... وقف في مهب الريح... البرد... والانتظار... أ رأيت كم هو قاس الانتظار، مع أنه الخيط الوحيد الذي يربط بعض الناس بالكون...!!

 

كنت تختبئ خلف شجرة علَّك تنقذ آخر عود ثقاب... وحين اشتعال سيجارتك... جذبت نفسا عميقا... ألقيته في الهواء زفرة احتجاج ولحظة النفس الثاني... كان الرصاص يجتاح المكان... لم أختف كنت أبحث عنك.. وفجأة تراءى شبحك المترنح... "يدك اليسرى التي لن أنساها" كانت تتحسس قلبك...واليمنى رأيتها مشلولة... كنت تسرع الخطى إلى صدري (الميت...!!) غرقت في حضني، كان الدم ينزف منك...حارا متدفقا... لم أقوَ على حملك... تهالكتُ على الأرض... حملتُ رأسك بين يدي... وبكيتُ في (سري)،...

-        لا تخف إنه جرح بسيط...!!

قلت لك لكنك ابتسمت بحرارة (بيتم...!!)

-        إني ذاهب إلى هناك...!

قلتَ...! إلى ذلك النور... هل تراه... هناك... نعم... هناك...!

ثم صمتَّ... لم تغلق عينيك كانت نظرتك إليَّ...

وفي لحظة وجدتني وحيدا... معزولا...!!

كان صوتك يملأ الأرجاء... "تراها تذكرني... نعم أحبها... الحلم... الربيع... الشمس... الأصدقاء... ذاهب... النور..." !.   

1995

 

 

 

قصـــة للتسلية...!

 

حاولت أن أنام...

أن أنسى لساعة أو ربما أقلّ، أن الجثة ما عادت تحتمل أكثر...    أن أكذب على الأغنية الأخيرة... أتموه لهذا الذي يترصد الخطى... لكن الصوت الذي انبعث من مكان ما... قال حكمته ومضى...

 

الليل مازال طويلا تماما كالأماني التي نرهق العمر في الركض خلفها...

والصباح حكاية قرأتها –ليتني لم أفعل- في كتاب مدرسي لم أعد أعثر له على أثر...!!

 

* * *

-        إلى أين الآن...؟!

صار السؤال سخيفا مبتذلا...!

جف الحلق من فرط الغناء أو البكاء...

وأتى الحريق على حريقه...

أ مازلت في الرماد جذوة تشهد بالحقيقة...

هل ستكون الريح رحيمة على دمي الذي أودعته سر الفناء الكبير...!!

 

* * *

يا امّه... في زمن الكذب الفادح...

تعب الجواد...

تعب الصهيل...

تأوهت الصحراء...

- العطش...!!

قد يكون... آخر ما وصل من أنين القتيل...!!

 

* * *

أحتاج مدينة...

ربما يريحني أن تشبه قسنطينة...!!

أحتاج زقاقا يقود إلى وجه ما...!!

أحتاج كفا... تتقن الاحتضان...

 

منذ أكثر من موت وأنا أعبر من فجيعة... إلى ما يأخذ شكل قبر... أليس من حقي شبرٌ والأرض عامرة بالحفر...!!!

 

* * *

بودي

تقول الروح

أن أغفو ليلة هناك...

ثم تشير بحيرتها لآخر نجمة في سماء بعيدة...

أعيد للفوضى ترتيبها...

أعيد لليل عتمته الحميمة...

فيطل قمر من ورق سميك:

ليس من حق الشعراء الإقامة في الفرح أكثر من قصيدة...

أرضى بالوهم... أسميه الدرب الذي يقود يوما ما إليَّ...

وعند نهاية النص أوقع...

أوقع كي أكتشف أني ذاهب في الليلة الموالية إلى سراب جديد...

تنتهي الحياة... يمضي العمر ويظل السراب...!!!

 

* * *

-        قل...!

-        أعيدوا لي طفولتي...!

-        قل...!

-        إني أرى الأحبة يغادرون تباعا...

-        قل...!

-        إني عيان... عيان بزاف...!!

 

* * *

ماذا يحدث لو أني ما غادرت قلبي لحفلتكم...

لا رغبة لي في الرقص أو الموسيقى...

لا رغبة لي في لقاء أحد...

ماذا يحدث لو أني احتضنت حزمة أوراق.. وقلت... سأكتب ليتمي رواية أحرقها حين ينهيني الرماد...!

ماذا يحدث لو اعتكفت بزاوية وظل حجمي يتقلص...

كي أتوسد صمت عنكبوت... قد يكون اختياري الجديد...!!

منذ أمنية وأنا أطرق باب شارع يحمل إسم شهيد...

يغني خرابي لامرأة ما قرأتِ الشعر يوما...

منذ دمعة وأنا أجتهد في استعداد الذي يفلت من بين أصابعي...

- سيدي الرئيس هل يرضيك موت مواطن...؟!

منذ...!

منذ الطفولات الأولى وأنا أبكي بالسنوات الست:

ما جدوى أن نمتلك الآن ما أرقنا عند البدء...!!

كنت أحب العنب

تطاولت على سور فيلا...

في المرة الأولى سرقت عنقودا...

وفي المرة الثانية

سرقتني غرفة طفل –ربما كان في سني-

فيها سرير... صغير... وفيها دراجة مهملة... وكثير من اللعب...!!

في عيد... بعيد...

لبست بدلة جديدة وحذاءً لماعا...

كانت هدية غني صدمني بسيارته

تمنيت يومها أن تصدمني سيارة أخرى عند عتبة عيد جديد...

كي أرتدي بذلة – ربما كانت أجمل من الأولى...!! 

* * *

أعترف أني كلما خرجت لصباح آخر أني أخرج لحتفي...

أني شربت البحر... لكن القارب ضاق بروحي...

أن رأسي يعج بالعصافير لكن الجسد قفص صغير...

- أني عييت... عييت خلاص.

كثيرة هي أمنياتي...

كثيرة هي ميتاتي...

سأقول لقسنطينة:

متى أصحو على جسر يقود بيني وبيني...!

1996

  

صــــابـــــر...!!!

 

أنا... لا أذكر أني حملت إسما أو لقبا... في يوما ما...

شهادة ميلادي تقسم على أني لم أتعدَّ الثلاثين من عمري...

وجثتي تؤكد أني تجاوزت التاريخ بتعب وأغنية مقهورة...

كل صباح... أكتشفُني في قلب الورطة... أحاول -أنا المنهمك- أن أبتسم –كما يفعل السعداء للناس... ليس من حقي أن أدخل مواقيتهم بذقن غير حليق أو سروال منكمش... ليس من حقي أن أحدثهم عن الكوابيس التي توقع لحظة لقاء الرمش بالرمش في مناورة فاشلة للنوم.

ملني كل أهل الحي... ومع ذلك مازلت أصر على احتجاز وَهْمٍ لـمـا تبقى من حضور الروح المذبوحة.

 

- خويا، الله يسترك حق قهيوة برك...!

أقول مستعطفا...!!!

يناديني المعارف - صابر-

فلا يستدير يأسي كي يصدق دمعة أخيرة...

حقيقتي حمامة تبكي منذ بدء النواح...

ينام أهل الحي في غرفة ضيقة أو شقة فاخرة...

وأحمل -أنا اللامعني الآن- شبحا نحيفا، جوعا للقمة دافئة...

وغصة بحجم الشمس للطابق الأخير... أفترش صورة أمي التي ماتت قبل الأوان... وملامح أبي الذي لم أر يوما...ثم أمازح "الكرتون" والحصيرة القديمة:

- الصابر على مشقة الدنيا... آو حاب يرقد...!!

 

كثيرا ما أفكر في كتابة مذكراتي... في أن أقول مثلا... إني أتنكر للموت منذ عشرين سنة...

عند الرحيل توجع الناس الدنيا... عند رحيلي توجعني أنت...

قالت أمي... حين غادرتْ إلى سفر... أعرف أنها لن تعود منه...!

 

هكذا...!

كما يحدث في الحياة... وفي الكتب التي لا تموت...

وجدتُني أغادر جدارا وسقفا لم أعد قادرا على دفع إيجاره...

كل محطات المسافرين... تعرفني... بالقرب من كل كرسي ثمة حكاية تنام...

الآن... أنا الذي لم ينم يتمي رغم إرهاقه الكبير... كل مشردي المدينة أعرفهم واحدا واحدا... أعرف المعتوهين... المثقفين... أعرف الساقطين... ونساء الليل...

وأعرف كل تجار الحبوب والمخدرات...!

أنا أعرف المدينة كلها... والحياة تدعي أنها ما رأتني يوما...!!

 

منذ عشرين سنة وأنا أنتقل من بناية لأخرى...

في سطوحها سيرة لعصفور وحيد... حط على كتف مساء... فاشتعلتِ العزلةُ فيه بالغناء...

كلما قلت:

- ربما... هنا...

يجيء القرار:

- نحن لا نثق في الغرباء...!

كلما قلت:

- هنا... ربما...

يجيء الليل حاسما عنيفا

- تحتاج القطط المشردة والكلاب الجائعة لأنيس...

صابر – turbo-

صار إسمي مؤخرا...

ربما لأني أتقن صناعة السجائر السحرية الخاصة...

كلما اختليت بخراباتي في زاوية... أدفن مدن الطفولات المسلوبة في قطعة كِيف...

يصير السطح –سطح البناية- بيتا حميما أعلق فيه صورة مكبّرة لأمي... وكل الشهادات التي تثبت موتي في كل المرات:

- الدنيا بنت الكلب...!

يتراجع خوفي... لا أفكر في شيء يسمى الأمس... أو معجزة تدعى:

غدا...!

ثم أنام...!

وصباحا... أقوم برأس ثقيل... وأعقاب سجائر... تقول حجم الأوهام التي أقمت فيها...:

- اشحال سوفريت يا الزوالي...!

مازالت الشمس تشرق وتغيب...

ومازالت الفصول المتعاقبة تتداول...

ومازال حزني يكبر يوما بعد آخر...

 

أشد ما أكره العيد... في صباحاته الهمجية يخرج الأطفال... ببذل جديدة وبالونات ملونة، ويطل يتمي على الفرح:

- لِـمَ كل هذا العداء...؟!

 

أشد ما أكره الشتاء... في مساءاته الثقيلة... يذهب الناس... لدفء... لسهرة... لعشاء ساخن... ويذهب بردي لبرده:

- ما معنى الجليد...؟!

 

أشد ما أكره رمضان... يتكئ الصيام... على شربة... على رائحة... عبقة... وكسرة خميرة... ويعود الريق إلى مراراته الأولى:

- اللهم إني صمت لك... وعلى خوائي... وبؤسي أفطرت...!!

لا رغبة لي بالنوم هذه الليلة...

بي حاجة ماسة لأن أركض في شوارع المدينة...  لم يعد بوسعي أن أحتمل الأبواب التي تنغلق ليلا... أصوات الملاعق والصحون التي ترتطم...!

لم يعد بوسعي أن أسمع أمًّا تنادي واحدا من أبنائها... فيرد مبتهجا:

- آني جاي...!!

لم يعد بوسعي أن أصدق سيجارة معطوبة أو كأسا مهشمة...

سأصرخ اللحظة والوجع يسبق الصدى...

ليس من حقي الحياة...

صابر كره...

صابر عيا...

صابر ما يشبهش لإسمه خلاص...!!!

1998

 

 

الكراسي الفارغة...!!!

 

أيتها الكراسي الفارغة... معذرة إن جرحت صمت القاعة فيك... أعرف أنهم يحبونك... بصخبهم، بفوضاهم، ينتظرون، يهللون، يصفقون، وكثيرا ما يرقصون... ثم ينصرفون...

 

أجيء أنا... الليلة من ضجيج الداخل ووجع الذي يحدث... لا أحتاج ضوءا أو ديكورا... لا أريد لونا أو موسيقى...

أجيء كما أنا... بكل التعب الممكن... بملابسي القديمة... وهذي الغصة التي تكبر الركح بقليل... أقول كلاما... أو لغوا... أتفجر في حضرتك دفعة واحدة قبل أن أقول للموت:

- بإمكانك أن تدخل...؟!

 

أيتها الكراسي... الفارغة... لا تتعجلي... الأمر لا يتعلق بدور درامي... "ببروفة"... لا... أقسم لك بيأسي الجبار وكل الذل والضعف الذي أشعر به اللحظة...!

إنسان أنا... لا أشبه كل الناس...

حلمت منذ الطفولة الباكرة بحبة حلوى وبذلة تليق بالجسد الصغير... حلمت بعصفور يغرد من أجلي...

حلمت ببيت فيه أم وفيه أب...

لكني كبرت بعدها بألف دمعة... كل حلم كنتُ أدفنه في صمت...

لهذا كبرت هكذا... عامرا بالعقد... بالخوف... والبرد...

 

أيتها الكراسي الفارغة... ربما كانت هذه فرصتي الأخيرة... كي أقول، من يدري...؟!

مر التاريخ... على جثتي... ظلت الأماني تودعني واحدة بعد أخرى حتى ألتقيها... غفوت في عينيها عمرا... ثم تخلت عني حشرة صغيرة عافني رمشها...

لم أستوعب الحكاية...

كانت الأسئلة...

كانت المرارة...

ثم كان البكاء...

عند البدء... كتبتها حرقة مكابرة لكنها انتشرت في دمي... تكاثرت... صارت الليل...المدن التي أزور والتي لم أر...!

صارت المطر... الطريق... كل الدروب...!

والغاية التي....... لن ... أدرك...!!

بعدها أخذت شكلا مميتا مغايرا...

صارت الكأس... الغياب الذي يحيل لحضور قاتل...

وصارت الذي صارت...!!

 

أيتها الكراسي الفارغة... لم أكن يوما مولعا بالعشق... وقصص الوجد...لكني أقول... الذي أشعر به...!

آلاف تعاقبوا على الركح...

قالوا... الفرح... الحزن... الموت... الحياة...!!

لي الحق في أن أصرخ الآن بكل الألم فيّ: آ.......ه...!!

 

أيتها الكراسي الفارغة... هذه ليلتي من يدري، قد أموت بعدها... لأن الشارع في مدينتي أمسى لأخبار الدم والخراب:

"مئة قتيل... في مجزرة وحشية...

عشرات الأطفال يذبحون...

انفجار أكثر من عشر قنابل...عدد الضحايا في تزايد مستمر...!!

لا يمكن أن أطيل السهر خارج البيت... لا يمكن أن أثق في أقرب الأصدقاء... لا يمكن...!

 

أيتها الكراسي الفارغة... أصر على أني لا أتحدث عن فيلم خيالي أو نص يكسر روتين النصوص المتداولة... لكني أنقل لك وشوشة الرصيف... سر انحناء الأشجار... وإضراب العصافير عن الغناء أو بناء الأعشاش...

 

أيتها الكراسي الفارغة... يوم غادرت الجامعة... كنت عامرا بالحلم... والحياة... قلت... سأصير محاميا أدافع عن المظلومين والمقهورين... سأحارب الظلم... الرشوة... والقهر... لكني انتهيت إلى الصحافة... فتحت قلبي وصفحاتي لأنات الناس... كنت محاميا على طريقتي... لكنهم كسروا الناي...

قطعوا جناح البلبل الذي كنت أخبئ للشتاء الأخير...

وأحرقوا رسائل الأطفال وصورهم...

عندها... حملت دمعة أمي وبعض الصور القديمة وغادرت...!!

رفضتني كل المطارات... كل المحطات...!!

أرصفة بلاد الآخرين صرخت في وجهي:

- ليس من عادة تربتنا أن تحتضن نبتة للجراح والعويل...!!

فعدت...!

عدت سنبلة مقهورة... لا تجرؤ على أن تحيِّي النسيم...!!

أ رأيت –أيتها الكراسي الفارغة- كم أنا مهزوم... مكسور... ووحيد...!!

 

أيتها الكراسي الفارغة... احتمليني هذه الليلة... ولك أن تختفي... أن تنهاري... أن يغرقك الطوفان...!!

أن تندثري... فذاك القرار السليم...!

لن تندمي...!!

غدا... ربما جاءك المصفقون... كي يحرقوا حطبك بالدجل والهراء...!!

حطبك... يكون قد أحضره حطاب فقير...!

حطبك... يكون قد صنعه نجار وحيد...!

 

أيتها الكراسي الفارغة...

بعد الذي حدث... وجدتني بقلب ليل... فيه صوت صفارة إنذار... صوت صرصور... وصوت موت... عادة ما يجيء صامتا...!

 

أصدقائي... ودعتهم... في العتمة الماطرة والمقمرة –على حد سواء-

بعضهم عاد بجنون...!

بعضهم عاد بعاهة مستديمة...!

والبعض الآخر... عاد... لا... لم يعد...!

 

أيتها الكراسي الفارغة...!

صدقيني... أنا لا أبالغ... لا أغالي...

الأمر... هنا... لا يحتاج للغة... لأسلوب... لتسلسل...

الأمر... هنا... يتعلق... بالحقيقة...!

 

بعد الليل العصيب... وجدتني بالجريدة من جديد... الجريدة القديمة التي قد تغلق أبوابها...! مازال الظالمون والرديئون سادة الوقت والمكان...!

في بيتي البسيط الزهيد –الذي لا يزيد عن غرفة ضيقة واحدة...

ثمة قطعة من روحي... يأكلها مرض خبيث: السرطان...!

كل لحظة... كل ليلة قبل أن أنام... أودّعها استعدادا للرحيل الكبير...!

 

عاد السفر من جديد يملأ حقائبي بالشوق الباكر... وصباحات المدن التي لا أعرف...

يجب أن أغادر هذا الخواء المهول... هذا الفراغ المتوحش...!

أموت جدا... إن مكثت بعض الوقت هنا...!

ليس من حقي أن أحب –من جديد-!

ليس من حقي أن أتزوج...!

الأشجار في حيِّنا عارية تماما... أخاف على عشي من الاندثار...

إن كنت تقدّرين موقفي –أيتها الكراسي الفارغة- فامنحيني تذكرة للغياب الجليل... وابكي يوما إن عادت جثتي ملفوفة في غصتها...

 

أيتها الكراسي الفارغة...!

سأنصرف الآن...

لا أحتاج لضوء... لستار...

لا أحتاج تصفيقا...

سأخرج في صمت... تماما كما دخلت...!

وإن منحوك الفرصة... قولي لهم...

"الكراسي الفارغة كانت النص الوحيد الذي استوعب خيبة الدنيا... خراب المعاني...  وفوضى المواقيت...؟!!"

 

أيتها الكراسي الفارغة...!!

..........................

..........................

..........................!!!

09-09 -1997

 

 

سيــلفيــا...

 

سيلفيا تقول: إنها انتظرتني، انتظرتني طويلا، وإنها كانت واثقة من أني سأجيء من بلاد بعيدة كما عشاق القصائد المستحيلة وأنها لن تضيع وقتا في الخطوات الأولى البليدة... وأنها ستعاتبني جدا عن كل السنوات التي بذّرتها في البحث عنها.

 

"خلفي كما لو أن الأمر كان ماثلا أمامي، تركت مدينة تغرق في مطر طوفاني... تتخلص من غصاتها الواحدة تلو الأخرى، تركت صديقا حميما أخفى دمعة وشهقة، تركت أمّا تصلي الفجر وترفع قلبها داعية:

- ربي هون على فلذة الكبد، وجع غربة وسفر لا يعرف منتهاه...!!

 

سيلفيا تضحك جدا كلما نظرت إليها، وتقول إنها لا تصدق أن الحلم يشبه الحقيقة جدا... وأنها كانت تتوقع لقاءنا في محطة حافلة أو قطار... وأني سأجيء مخبولا مسرعا... أخرج ورقة نقدية أدفعها ثمن التذكرة... وأني سأتسمَّر في مكاني حين أصطدم بعينيها البحر، بشعرها الحقول عند الصباح، فأذوب في ارتباكي قبل أن أعتذر.

-هل يمكنني الجلوس...؟!

-أخيرا... جئت...!!

 

"خلفي كما لو أن الأمر كان ماثلا أمامي، تركت جريدة قديمة، تجر خبرا باردا...تركت رصيفا غيَّر جلده علَّه يرتاح من ضمير خطواتي التي كانت تؤنبه مع أول الليل، وتركت أخا يجلس على كرسي متحرك... يحلم بلحظة واحدة خارج أسوار بيته القديم المتآكل، يحلم بصباح فيه صياح أطفال، فيه قطعة طبشور ودرس جديد، يحلم بمساء يختلط فيه بالناس، يرى أصدقاءه الذين مازالوا يمشون، ويرى طفلته الوحيدة تخرج من مدرستها ملهوفة:

- لقد جاء أبي...!!"

 

سيلفيا تخطف سيجارتي، تشم رائحتها... تدعي التدخين... وتقول هازئة: من المؤكد أنك استهلكت كل تبغ الدنيا وأنت تكتب عني... نصوصك الكبيرة قرأتها نصا نصا... أنا لا أشتري الجريدة عادة إلا لأقرأ صفحاتها البيضاء...هناك أكتشف حجمي الحقيقي، هناك... أنصت بشكل واضح لصهيل جيادك المفجوعة...

 

" خلفي كما لو أن الأمر كان ماثلا أمامي... تركت في زاوية حميمة رمادي ودمعي الذي سكبتُ على وطن لا يحتضن ولا يخلي السبيل...تركت أصدقاء لا أعرفهم بالأسماء، لكني أعرف جيدا غرقهم في كأس أو وهم تركت بوقًا يملأ الشوارع والجرائد بالهراء وتركت راقصة رديئة توزع الموت بالتقسيط قبل أن تنتهي لسهرة يقال إنها: ...Très privée 

وأن ضيوفها من V.I.P  Very Important Personality  .

 

سيلفيا تقوم من مكانها... تحوم حولي كعصافير المكاتيب البهية، وتقول إنها كانت تتوقع أن تجدني شاهقا كالنخيل، وأن تجد بجيوبي عشرات القصاصات لحضورها المبتغى، وأن تشم عطور عشرات النساء على صدري.

وتقول إنها تحب حقيبتي جدا، ففيها تواريخ كل المدن التي عبرتني، وفيها كل اللحظات التي كنت أنتهي فيها عند المحطات لوحدي مع وحدي، وفيها مقابر الروح وهي تجتاز جسر الأمنيات الشهيدة.

 

" خلفي كما لو أن الأمر كان ماثلا أمامي... تركت امرأة... في أكبر شوارع المدينة، تحاول أن تتنكر لقصائدي التي كان أنينها يملأ الدنيا، تهرب تارة للموسيقى الصاخبة وتارة من المرآة... ترش فستان النوم بالمكر والعطر وتنتظر رجلا بدينا ينسى بعد أن يجتاز عتبة الباب الذين أهرق دمهم، ويغرق في حضنها مسلوبا من جبروته وأوامره...!.

 

سيلفيا تحتضن يدي... كما لو أنها تختصر الكون في ربيع واحد... وتقول إنها كانت تتوقع أن أحدثها بإسهاب عن طفولتي، وأني منذ البدء كنت أرسمها عند الأفق وإلا ما ركضت آنذاك بكل ذلك التوحش، وتقول إن قسنطينة تشبه بيروت جدا... لو أني أعرتها جسرا... كي تمنحني كرزا... وإنها أحبت "رحبة الصوف، السويقة، وباب القنطرة"* كما أحببت سور، صيدا... وساحة الرومية.

 

"خلفي... كما لو كان الأمر ماثلا أمامي، تركت أرملة طيبة، ما عاد بوسعها أن تنام بعد أن صار مقتسمو ميراثها كثرا، منذ ألف صباح وهي تخرج للبحر شمسا مطعونة في الضوء والتألق، وتنتظر بحارا لا يجيء، تقول القوارب إنه يقيم في غياب... وألم الطعنة الأخيرة، وتقول بعض النساء البليدات:

إنه مشغول بعشيقاته عند كل ميناء...!!

 

سيلفيا تغادر دون أن تستأذن... تمضي مسرعة... وتقول إنها كانت تتوقع أن ألحق بها، أن أطلبها للزواج –مثلا-

-لك أن تختاري بيروت أو قسنطينة !

-أفضل الإقامة في قلبك...!!

تقول ضاحكة...

ثم تردف

-ما رأيك في سفر إلى آخر الدنيا؟!

-تقصدين صدري...!!

فتسرع الخطى... أجذبها من شعرها

-إلى أين...؟!

 

* شوارع قديمة في قسنطينة.

أسألها !

-إلى مكان بإمكاني أن أخبئك فيّ بعيدا عن أعين البشر...!

-بي رغبة جامحة في أن أغفو سنة...!

-جرب راحة كفي...!

 

" خلفي كما لو كان الأمر ماثلا أمامي، تركت زقاقا ضيقا ربما قاد يوما للهاوية، تركت شابا في المنعطف الأخير، يجتهد في إشعال سيجارة -مغايرة- وزوجا يدعي النوم كي تعود امرأته بقفة عامرة في آخر المساء، وتركت عصفورا مبهورا على غصن وحيد:

-كلما تذكرت الشتاء صار خوفي مضاعفا...!!"

 

سيلفيا تقول إن الأحلام تنكمش حين نلامسها... وتقول إني أجمل مجنون... قابلت، وإني أشبه دفاترها الشخصية جدا... وإنها تخاف أن تنتهي... إن صيَّرتُها نصا...

 

"خلفي كما لو كان الأمر ماثلا أمامي، تركت حزمة أوراق مهولة البياض والاتساع وتركت حلما ورديا ينام في سؤال بحر: سيلفيا...!!!"

09-1998

 

 

 

أنــا لا أحبــني...!!!

 

- ما بك...؟!

أشعر أني أتهاوى يوما بعد آخر... إلى قرارات سحيقة...

أن العالم صار خرابا كبيرا... وأن الكون يدفن كل ليلة دمعة في قلب عصفور.. ذبيح...!!

 

- ما بك...؟!

لا شيء على وجه التحديد... لكنها الأشياء تسحب أشياءها وتمضي لقدر مجهول... تحزم الحقائب... لا تبكي... لا تودع القريبين... لا تلتفت للخلف... تركض... تركض... وأنا أحاول عبثا اللحاق بها... هدني التعب:

- لم أعد قادرا على الجري...!!

 

- ما بك...؟!

دونما غصة... أو صدمة معينة...

وجدتُنِي بها الصباح... لا شمس فسَّرت يأسي... ولا الساعات استوعبت حكمة الوقت... وجدتني بها الرصيف... أجر جثة متمادية في الطول والإرهاق... لا الواجهات عكست ملامحي التي أكره... ولا الطريق لعن خطواتي السافلة...: !!

Rien ne va ...

 

- هل...؟!

ربما هو الموت...!

قد يتسلل يوما من ثقب نافذتي... إلى جثتي...

يعتذر لي عن كل السنوات التي قضيتها بانتظاره...

أرقب يده... يد إغفاءة رحيمة –ربما-:

- المشكلة أني لا أريحك...؟

 

- هل... ؟!

ربما هو الجنون...!

منذ وقت طويل وأنا أسائل  المرآة:

- لِـمَ لا أشبهني على الإطلاق...؟!

- وهل من الضروري أن تشبهك...!!

أوف عييت...!

 

- أَفِقْ...؟!

هذا لا يعني أني نائم... أو أني أحلم –مثلا-

منذ الطفولة الباكرة وأنا أمارس سهوا لا أقدر على تفسيره...

يجيء على شكل سؤال... فأمد له كفي:

- غدا تكبر وتصير تعجبا عظيما... !!

 

- أَفِقْ...؟!

المشكلة أني لا أنام حتى حين تموت المدينة ويفنى الكون...

المشكلة أني أحلم بوسادة... بحقيقة... وبعض الحلم فقط...

المشكلة:

لقد نسيت...!!

 

- الجرح... ؟!

أني أتوق للقاء امرأة...

لا تسألني عن آثار النساء في أنفاسي وصدري...

تقبل خطاياي كما هي... قبل أن تبتسم:

- تواطأ... العالم امرأة... افتحه بشموع هذه الليلة –أقصد ليلتنا-

 

- الجرح... ؟!

أني أتوق لأسبوع... لا رصاص فيه... ولا مذابح...

أشتري جريدة الصباح... فأراها عامرة بوجوه الأطفال وابتسامتهم:

نحن سادة الغد...!

يقول آخر الأناشيد...!

 

- الجرح...؟!

أن أبدأ يوما ككل الناس...

أن أشرب قهوة بطعم ومذاق...

أن أختلي بعشيقة من عيون الغروب...

وليلا... أنام...

أنام دون حلم أو كوابيس...!

 

- مستحيل...!

أن يوقفني غريب في الطريق فيحييني مرة بسؤال حميم:

لمَ أنتَ حزين...؟!

 

- مستحيل

أن ألتقي بعاشق نتقاطع في إسم امرأة... في خيانة... في غدر واحد... ثم نكتب نصا مشتركا:

- الكأس...!

 

- مستحيل...!

أن أعود إلي... أعتذر لي عن الغياب الكبير... وعن الهزائم والخسائر العظمى التي اقترفتها في حق نفسي...!

 

- أمنية...؟!

أمي...

يا الإجابة الوحيدة... لزمن الأسئلةِ المـُرِّ الكاوي:

- "راني عيّان... خليني ليلة نبات في ريحتك وريحة شعرك..."

- "وليدي... أرواح... أرواح... اشكون حرقك هاذ الحرقة...؟!"

18/01 /98

 

 

 

 

القصــــة الأخيـــــــرة .... !!

 

توطئة: لا تتراجع فالخلف خيانة عظمى...!

 

اطمئني... لن أتأخر أكثر من هذا... !!

سأذهب إلى قبري راضيا مرضيا... لن أشتكي... لن أحتج...!

سأكتفي بدمعة صامتة... أسكبها وأنا أدخل تلك الحفرة...

ولن أعتذر للجميع...

وعلى أبعد تقدير... لن أستدير كي ألقي على وجوههم القذرة كلمة وداع...

لأنهم ببساطة: قذرون... قذرون جدا...!!

وبكل الغرور الممكن أقول: كنت الطاهر الوحيد وسط تفاهتهم... لأنهم ما التفتوا يوما إلى موتي الذي كانت توقِّعه الأرصفة، الأغاني وغربتي المميتة...!

 

أما أنت... فلكِ هذا الذي خلقك يوما... كي تنزلقي إلى تربة مارسَ فيها الشيطان الرديء عهره... لن أغفر لك...

إلى الجحيم...!!

اطمئني، فالجمر اقتات من دمه واستحال إلى رماد...

ومن عمقه لن أطلع كما العادة مغنِّيا حزينا لا يجرؤ على النظر إلى نايِـه المقهور... فالحكايات الشاعرة لم تعد تهمني... وتلك الرومانسية التي سكنتُ ذات صدق ضحكتْ على طيبتي وهشاشة الغناء فيَّ... .

أعترف أني كنت تافها... نذلا وحقيرا...

أعترف أني لا أستحق الحياة...

لِـمَ لا يبيد البشر الحشرات الوديعة...

وأنا أتفه حشرة تنعم بالحياة، بالهواء والمكان...؟!

 

اطمئني... فقد مللت الكذب الرديء...

مللت لعبة الشرنقة المعلقة...

ودمي لن أهدره بعد الآن...

بحثا عن نص، عن فكرة...

فقد اكتشفت أن أفضع حرفة هي:

La prostitution des idées ...  

معذرة إن هربت للفرنسية، فهذه اللغة أحيانا تصير معوقة وجبانة... تمارس عفتها في حضرة القبيلة ثم تدفع جسدها لأول عابر مع الليل...

وسخ... أنا...

أعرف هذا... لا أحتاج إلى تذكير ثم إن أشد ما أكره: الموعظة...!!

 

اطمئني... فقد صدقت الحكاية... كل الحكاية...

ووصلت للخاتمة...

خاتمة اللعبة التي كنت طرفا فيها...

كنت غبيا وساذجا...!

أعرف هذا... أيضا...!

كنت بدويا... أكثر من اللزوم...

لن أسأل كيف التقينا...

ولا حتى كيف تشابكت أصابعي مع أصابعك يوما...

لن أتحدث عن أسرار القبلة الأولى... فأعداء الحب لا يحبون هذا... مع أنهم مدمنون على المجلات وقنوات الخلاعة...!

- ما... بي...؟!

سؤال تافه... أقسم لك بيأسي...!

لا شيء... لا شيء على الإطلاق...! 

 

اطمئني... فلن آخذ من وقتك الكثير، فربما كنت مدعوة لحفلة أو وليمة أو مشروع ليلة حمراء، لن أزعجك بعد اليوم، لك العطر، لك المساحيق، لك كل المواعيد المهربة والشرعية،          ولي الحقيقة... كما هي دون أقنعة...

لن أطرق بابك بعد اليوم، لن أقف كما المعتوه تحت نافذتك لعلك تخطئين، فتزيحين الستائر وتبتسمين كي يهدهد يأسي دمعي المؤجل:

- إنك الوحيد الذي تحب... ؟!!

 

اطمئني... فلن تؤرقك خطواتي بعد اليوم، لن يداهمـك وجـهي –ذلك القبيح- في الزحام،

لن تدهشك ارتعاشاتي، ولن يركض بكائي خلف جفن لك...!

أمنية بعيدة أنت... لا... أمنية مستحيلة... لقد اقتنعت...؟!

الشوارع التي كنت أقف فيها بانتظارك... سترتاح...

والمحطات التي كنت ألاحق فيها ظلك لن تكون لغير الحافلات والمسافرين البلداء...

وقصصي... لن أكتبها... لن أنشرها... سيرتاح كل القراء مني... فقد كنت ثقيل الدم... الروح...و....... القلم...!!

 

اطمئني... سأحزم حقائبي وأحمل جثتي وأغادر دون رجعة،

لن أتحدث للناس، للأجانب... عن أم تكره أبناءها، تمقت الذين غنوا وماتوا من أجلها...!!

لن أقول لهم بأن البواخر التعيسة كانت ظهرا أمينا على أوجاعنا وميتاتنا...

نحن الذين تورطنا كثيرا في الحلم...!

لن أقول لهم بأننا أضربنا عن الكتاب، عن الخبز، عن الأطفال والحب...!!

لن أقول هذا...؟!

صرنا آلهة دم وخراب، صرنا آلهة دمع وخوف كبير...

سأقول هذا... ثم أصمت للأبد... قبل أن يجيء أعداء العصافير لإسكات صوتي...

 

اطمئني...

فأنا... وحيد... وحيد...!

لا أصدقاء... لا عائلة... لي...

لا قلب في الصدر ينبض...

لا حياة في الجثة... فأنا جسد طويل... طويل... مفرغ من أي معنى...

يحمل كل مساء كبرياءه ويحفر قبره في صمت...!!!

 

اطمئني...!

فكفني... جاهز منذ عمر...

سأحمله معي... رفقة غصّتين:

- أنت........... والوطن...؟!!!

كي أموت للأبد...

 

اطمئني...!

لقد متّ...!!!

10/1996

 

 

يوميـــات مواطـــن صـــالـــح..!

 

هذا المساء لا يشبه المساء في شيء...

للمرة الأولى يسحب الرصيف رصيفه...

للمرة الأولى يعتذر الجدار للجدار...

إذا ما جاء تعبي عند آخر النهار يسألني عن وسادة... عن وهم... هل أقول له أني نمت باكرا... أني لم أعد أفرق كثيرا بين الساعات...؟!

* * *

منذ أكثر من سنة... ضاع الدرب من الخطوة... صرت ملهوفا على الركض مع أن الهاوية توقِّع دائما المنتهى!!

منذ أكثر من سنة وأنا أذهب للشمس أشتمها... ما معنى أن يولد منك صباح معتوه مضروب في ضوئه وسر البدايات...!!

منذ أكثر من سنة وأنا أقف في مهب العبث والريح أبحث عن "شيء" ضاع مني.. أحاول جاهدا استرداد هذا الذي يفلت مني.

في كل الحالات... كنت أتبنى وهما ينتهي عند حدود الورق... وأمام المرآة  أنكمش:

- لهذا الحد... أنت وحيد

* * *

قسنطينة...!

يا غصتي العظمى... يا شهقتي العالية –بارعة أنت في الفرحة... في النفاق... وفي الهراء... أما زال الجسر فيك يربط بين الأحاديث البليدة... واللاجدوى...

كالسماء البعيدة كنت...

كنهرك الوسخ صرت...

متى تتعرين؟!

صباحا تقفين كالغواني على أرصفة الجسد...

وليلا... تصحو الشرقية فيك...

مدينة أنت برأس "دوار" أم دوار بجسد مدينة...!!

* * *

كل صباح... أقوم مهزوما...

أغوص -كما يفعل الشعراء- في يتم حميم... ومن فنجان القهوة تطلع امرأة المدن المستحيلة تلفُّني بابتسامة تشبه نصا لن أدرك... ثم توشوش لدخان السجارة:

- حاول...

فأقف... وأغادر...

بين البيت ومقر عملي... تعبرني السيارات والبشر... وحين أحمل القلم كي أكتب عمود الصباح... تتملكني رغبة في التقيؤ... تقيؤ المدينة التي ابتلعت مرغما...

* * *

منذ عشر سنوات وأنا بهذه الجريدة القديمة أكذب على الناس وعلي... وأحدثهم عن قسنطينة التي تشبه الأمهات... التي تشبه عشيقات القصائد... والتي تشبه نساء الأسفار...

وعندما أغادر... المكتب... أكتشف أني كنت مقيما بالفكرة...!!

قسنطينة تشبه النهايات المرعبة... تشبه زوايا الحشيش والمخدرات... وتشبه الأكواخ بأسقف القصور....!!

* * *

مساؤك ورد وقلبي...!

يقول صديقي الذي ما التقيت منذ أسبوع...

أرد:

مساؤك أنت لأني أشفق عليك مني...

يجلس... يسترق النظر لملامحي... يصمت قليلا:

اشتقت إليك...

تقول يده التي تربت على كتفي...

- كان من المفروض أن لا يغيب صوتك حين انطفأ العالم...

أعاتبه...

فيطلب فنجان شاي... يحتسيه على عجل...

- لنمشِ...!

يقول باسما...

أرافقه...!

منذ آلاف الأسابيع ونحن نعبر الشوارع ذاتها...

- ماذا كان سيقول عنا محمد بلوزداد لو أنه مازال حيا...

- سيكون مشغولا بحسناوات قسنطينة، بتجارها، بلصوصها... بالذين ما برحوا أكاذيبهم...

بالذين تاجروا –حد الاستنزاف- بأحلام الفقراء...

نصمت...

نمشي...

نقف أمام الواجهات التي نحفظ عن ظهر قلب... ثم ننتظر امرأة تجيء في الموعد نفسه، بفتنة متجددة:

- كلما رأيتها أشعر برغبة جامحة في البكاء...

يقول صديقي...

- إننا نشترك في رغبة واحدة... في موت واحد... وعشيقة واحدة...

تعبر المرأة... غير آبهة بنا...

تقوم القيامة...

- لا امرأة بعدها...!

- كل الألوان تليق بها...!

- سأوقفها في الغد...!

- هل تقصد ذاك الذي لن يجيء...

- من يدري ربما كان خلاصي على يديها...

* * *

ننتبه من ثورتنا... نكتشف أننا بشارع عبَّان رمضان

- أخويا أعطيني نشعل...

بلطف أناوله سيجارتي... أبتسم بحنو... يجذب أنفاسا عميقة... وحين الاشتعال يمضي... لا يلتفت حتى إليّ:

- الغاشي هذا عمرو ما يتربى...!!

أقول باستياء... يضحك صديقي باستهزاء

- أنت متحضر زيادة عن اللزوم...

أدفعه...

- أشعر بضيق في التنفس، لنهرب لمكان خال...

* * *

تنتهي عند Monument *... في أعالي المدينة:

- المرأة الحديدية هي الوفية الوحيدة في هذه المدينة...!!

- تقصد أنها مذ كانت قسنطينة وهي تنتظر... لا يرد... ينكمش كمن يشعر بالبرد... يفر إليه أكثر:

- كيف كان الأسبوع...

    يسألني بتواطؤ...

- كالذي مضى منذ عشرة أعوام...

 

 

* Monument: معلم من معالم قسنطينة

أجذب نفسا من سيجارة تكاد تنطفئ

 

" هذا البلد، يضيق يوما بعد آخر... بيتنا صار غابات بوم... الصحيفة التي اشتغل فيها تنحدر مع كل طبعة إلى ما يشبه الموت الرديء... أكاد أفقد صوابي..."

يبكي -صديقي- بيتم باهر

 

" منذ ولدت وأنا قطعة جليد تتوق لشمس حقيقية، اذهب لامرأة شارع بلوزداد... ترجاها كي تجيء معك... هي الوحيدة التي أغفو على سفوح رموشها..."

نصمت...

نبتعد عن بعضنا...

ينظر صديقي صوب جبل... ويقول كلاما لا أفهمه ولا أسمعه...

وأنخرط في تفكير لا مجدٍ... أسأل قسنطينة... لمَ أنتِ عالية حد الوضوح والتألق...

لمَ أنتِ منحدرة حد الغبن والعتمة...

يلسعنا البرد... يطوقنا الليل...

نمضي...

عند وسط المدينة... نفترق...

- أراك في الأسبوع المقبل...

- في نسخة اليوم أو ربما أسوأ...

1998

 

 

 

أغنيـــة في البــــال...

 

* البارحة...!

البارحة فقط... كما لو أن الأمر كان غدا بكل الأمل فيه... كنتِ هنا...!

تملئين العمر فرحا طفوليا... تعِدِين القلب بربيع مهرب من الكتب العتيقة... قليلة هي المرات التي كنا نتقاطع فيها... كأني كنت أنهب اللحظة... أصيرها أبدًا... أقيم فيه...

أنا المنفي من حضورك الباهر... إلى رصيف لم يكن يوما رحيما على الأزهار وأحلامي الصغيرة...!!

- ربما كنتَ آخر ما أفكر فيه...!!

هذا الذي أسمعه عادة من لامبالاتك... من انشغالك بكل الدنيا... إلا بتعبي الذي يجيء شرفتك محتفيا بشمعته الأخيرة... وآلاف الدموع التي سكبها في حضرة الليالي الشتوية الطويلة المرة...!

- أمنية مستحيلة أنا...!!

لهذا الحد يمكنك أن تكوني قاسية...!!

لهذا الحد... تافهة كل الطفولات التي أحمل لك كل مساء...!!

 

* حواس...!

هل أجرؤ... على أن أسمي قسنطينة... مدينة...؟!

وبيتك يسحب ستارا ويسرج المساء للعتمة وللريح المعتوهة...

هل أجرؤ على أن أرفع رأسي للسماء... أن أقول أن هذه المضيئة تدعى: الشمس...؟!

أن أصدق هذه الزرقة الفادحة... أن أقول أن  القلب يعيش حالة صفاء مذهلة...

هل أجرؤ على أن أبدأ يوما جديدا... أن أقول للقهوة... هذا مذاق مبتغى ثم أخرج للناس:

إني أتنفس...!

كذب كل المواقيت...!!

كذب كل الساعات...!!

كذب كل المعاني...!!

إني أنحدر... إلى عمق... إلى هاوية... أحتاج لكفٍّ... قد تكون كفّكِ...

لماذا كفُّك بالذات... يتمي لا يفسر الأشياء كثيرا... لكنه يتشبث بالحقيقة الأولى والأخيرة...!

 

* أسئلة جارحة...!

ما معنى أن يضيق الكون كلما غابت خطواتك عن الدنيا...

أن يصير شارعك... أبهى مدن العالم...

أن تشتعل كل هذه القناديل كلما لمحت طيفك وسط الزحمة...؟!

أن تنطفئ النجوم كلما مررت بالقرب منك وما التفتِّ للهفتي...؟!

ما معنى أن يتحول المقهى إلى زنزانة...

أن يصير الدرب المؤدي لبيتك عيدا يهدهد يأسي وأغنياتي...؟!

ما معنى...؟!

 

* لقاء...!!

منذ ألف سنة التقينا...!

كعلامة استفهام عائمة كنتُ...

كالإجابات المقنعة... المقنعة جدا... كنتِ

في المساء إياه... الذي خطفتني فيه ابتسامتك... كنت سأعترف... من مدن الجليد أنا...

في قلبي برد كبير... وفي سفوح الروح ثمة شيء كالحيرة أو الذهول...

دعيني أغفو ليلة على الرموش... عند الصباح لم أستيقظ...

الليالي النادرة لا يجب أن نعيشها مرتين...!!

لكني لم أفعل...!!

منذ ألف سنة التقينا...!

كاليتامى... بفائض دمع كنتُ...

كالأمهات الطيبات... الطيبات جدا كنتِ...

في الليلة إياها... التي بدأ القلب عدًّا لا يقدر عليه... كنت سأبكي كحمام المساءات الحزينة...

في دفاتري مدن همجية... وأسفار لم أرغب يوما فيها...

دعيني أغفو ليلة على شاطئ الزرقة البهية...

عند الصباح ربما كنا –البحر وأنا- واحدا...

لكني لم أفعل...!!

 

* ضباب...

الوقت... ربما كان آخر الليل... أو أول الصباح...

في شارع يلفه الضباب رأيتك تركضين... ركضت... عند المنعرج توقفت... استدرت...

كنتُ أقف مذعورا مبهورا...

ابتسمت...!

لم أصدق...

مددت يديك...

استدرت للخلف... (قد يكون المقصود شخصا آخر!):

- جئت من أجلك...!

جملتك كانت مرفوقة بالشموس... وبأرض يعمرها الياسمين

- من أجلي... أنا...!

كمن لا يصدق...

- نعم... من أجلك... !!

ووجدتني أمد لك يدي... أتحسس وجهك... وأغرق في شعرك...

منذ ألف عام... وأنا أحلم بكلمة كهذه... أحبك... أنت لا تعرفين... كل ليلة أوقِّعها:

- غدا... أعترف لها...!

- لماذا تأخرت... كنتُ سأسعد جدا...!

حلَّقت حولنا العصافير

- منكما نستمد غناءنا...!

غردت...

- كنت خائفا... لهذا فضلت الفكرة...!

- ضمَّنِي إليك...!

في لحظة...!!!

تكاثف الضباب... عادت بالركض... بقوة هذه المرة... ركضت في إثرها... لم أجدها... صرخت:

- لا... لا... لا...!!

استفقت... اكتشفت أني كنتُ أحلم...!

لم أحاول النوم ثانية... أسرعت للورق... كتبت لك رسالة أعرف أنها لن تصل إليك...!!

 

* ما لم أكتبه... بعد الحلم إياه...

كنت مقتنعا أني لم آت هذا العالم... سعيدا...

بالكاد... كبرت... صرت رجلا يشبه الناس قليلا أو أختلف عنهم كثيرا... (...!!)

كنت أنام... وأصحو...!

ونادرا ما أقول:

- غدا...!

وفي مساء ما... صادفتك...!

تغيرت خارطة العالم... والأشياء

فقدت مذاقا وطعما...

أمسيت خطوة مرتبكة... لا تأبه بالتعب وتسعى...

بعدها...

حاولت إصلاح العطب... تناسيت أو ربما تنكرت...

ثم اكتشفت...

أني أبدأ مع كل نهاية... وأنغمس حد الذوبان حين الاعتقاد أني أضحيت مغايرا، مختلفا...!!

 

* اعترافي:

أحبك...!

أحبك... وكفى...!!

...................

...............!!!!

1998 

 

 

 

الربيع... يخجل من العصافير...!!!

 

بعد ساعة يجيء... العام الجديد...!

المدينة... تغرق في صخب الأغاني والموسيقى...

وأنا وحيد... وحيد كعصفور منطفئ...

لا فرح سيلتفت للشموع التي قد أشعل...

غرفتي باردة... كفجر شتوي...

وقلبي... موال يقيم في عين دمعة...

إني أبكي...!

* * *

تمنيت أن نلتقي -أنا وأنت في زقاق ما...

أن أفرح كاليتامى ببذلتي الجديدة صباح العيد...

أن أدعوك لسهرة في قصيدة... أو في الروح...

فلا تمانعين...

أتأبط ذراعك... كما لو أني أمسك بأسرار الدنيا...

وفي بيتنا... نشتعل وترين لأغنية واحدة...

لكنك... غبتِ...

ربما لأنك مشغولة بوليمة أخرى... أو أن يتمي لا يعنيك...

 

أتنامين الآن...؟!

الساعة تزحف نحو منتصف الليل...

وموتي يزحف... نحو نهاية لا تجيء...!!

* * *

منذ عام... أو منذ البدء...

وأنا أخلص لمواعيد المساء/الهباء...

أرقب عبورك من رصيف... إلى مكان قصي فيَّ...

أمني العمر... بمقطع مستحيل:

- اليوم... ربما...!

منذ عام... أو منذ البدء...

وأنا أتبنى ساعة وحيدة... تطلين خلالها كقوس قزح...

أنسى أني تعبت من صباح يكفر بي... ومن قهوة دون ابتسامتك...

ثم أتكئ على خيبة حميمة:

- هذه المرأة ربما كانت نصي الأخير...

منذ عام... أو منذ البدء...

وأنا... أذهب لسرير لا يحبني... لوسادة مرهقة...

لسؤال حارق مرير:

- أليس من حقي...؟!

أعترف... أني أحبك...

أني أعيش لأجلك...

وأني أمتلأ بحضورك حد البذخ...!

أعترف... أن النساء اللائي قابلت... كن مجرد نساء...

أن الأسفار... أسفاري ما كانت... إلا بحثا عنك...

وأنك المرأة الوحيدة... في هذا الخراب العظيم...!!

أعترف... أني مسلوخ... حد العظم...

وأني... مجروح... في الوريد والشريان...

وأنك أولى الفرص وآخرها...

أعترف...

* * *

إنها... منتصف الليل إلا عشر دقائق...

السيارات تعبر من فرح باهر... إلى آخر جنون مكابر...

الناس يرقصون... يغنون... يستعدون...

وأنا... هنا... في زاوية بياض... لا أريد أن أقتنع...

أكتبك نصا مخطوفا في حبره... وفي صدق الفكرة:

- تلك المرأة لِـمَ لا تجيء...؟‍‍‍‍‍!

* * *

مذ ركض يأسي... إليك...

‍أنا... لم أعد... أنا...

صرت شبحا خاويا... ينكمش كلما وقف أمام الصرح العالي...

مذ... تعثرت الخطوة عند بابك...

لم يعد الصباح بطعم...

لم يعد المساء بمذاق...

صار الليل ثقيلا... كهموم الحكماء...

صارت النجوم... مجرد قناديل باهتة:

- لماذا يسهر حزني وحيدا...؟!

* * *

خمس دقائق... تفصل عن العام الجديد...

إني أسمع... صخبا... في كل الدنيا...

وفي قلبي...

وأسمع امرأة تميل على كتف رجل:

- كل سنة ونحن معا...!

إني أرى الناس تذهب للناس...

وأرى... حفلة ضخمة... يمر قمر وقيثار...

وفيها شاطئ... بمركب وحيد...:

- أي الدروب تقود إليك...

دقيقتان... وحل العام الجديد...

بطاقتك ما سلَّمتها... لك...

العطر الذي اشتريت لك... يتبخر... والقنينة تنوح:

- لِـمَ غبتَ... يا غالي...؟!

* * *

إنها منتصف الليل تماما...

دعي الروح... تصرخ... احتضارها الأخير:

كل سنة وأنت دمعي... الكاوي...

كل سنة وأنا يتيم ووحيد...!

* * *

إنه العام الجديد...

إني أكتب بعينيك البحر... برقية متأخرة...

سأدعي... أني نمت... أن العام لا يعنيني...

أني لا أنتظر... شيئا على الإطلاق...

التوقيع: رجل يبكي...!!

31/12/1998

 

 

المــــدرس...!!!

 

بعد أيام... ربما سافرت روحي... إلى سماء سحيقة...

إني أودع الناس... الدنيا... وأخرج من ساعات نهار... من توقيت ليل...

إلى مدار بعيد...!

كل صباح... أكتشف أني أذهب لضوء باهت... وأدخل نفقا طويلا... كالألم...

- هل حانت ساعة الرحيل...!

وأنت هنا... إلى جانبي... تدارين شهقة... ودمعة متحجرة...

لم يعد كذبك –الجميل- ينطلي عليّ:

- قريبا... تقوم...

حتى ملامحك... لم أعد أتبينها جيدا... بالكاد صرت أتعرف إليك...

أتعرف لطيف حميم... يقف عند وسادتي... يمنحني جرعة أمل كاذب... أو يدثرني في ليالي الشتاء الباردة...

أشعر بذنب فادح الآن... منذ كم سنة وأنت هنا... على سفوح اليأس... ترددين أغنية للوهم...

قريبا تنطفئ المصابيح... يسدل الستار... وتدخل الحكاية... قلب النسيان...

لن أنساك... سأحاول بكل ما أملك من قوة أن أذكرك... أن أذكر صغيرتنا الوحيدة:

- بسمة...!

لكما الله...!!

* * *

منذ عشرة أعوام... أو ربما أكثر التقينا...

كنت قد أنهيت سنتي الثانية بالتدريس... وأدخل الثالثة...

وكنت تدخلين للصف في عامك الأول... تحملين مجموعة كتب... وخجلا طفوليا باهرا:

- لا أكاد أفرق بينك... وبين التلاميذ...!

كانت جملتي الأولى...!

- لها الحد... أبدو صغيرة...

كان ردُّك الأول...!

ويوما بعد آخر... كنت تكبرين...!

في عيون الأطفال الذين أحبوك... في قطع الطباشير التي كانت تملأ جيوبك...

في الإرهاق الكبير... عند آخر النهار...!

- أنت تجهدين نفسك زيادة عن اللزوم...!

عاتبتك بحنو عند باب القسم...!

- قليل من التعب يكفي... كي أدرك القمر...!

ابتسمت... وأنت تسوين خصلة شعر... سقطت على جبينك...!!

 

وتزوجنا...

- كان يجب أن أنتظر ثلاث سنوات كي ألتقيك...!

قلتُ...

- كنتَ أجمل تلميذ... وأجمل هدية في عامي الأول...!

أجبتِ...!

لكن الربيع ما عمر طويلا...!

فجأة...!

وجدتُنَـا... تحت المطر... في شتاء بائس...

خمس سنوات... مضت... ونحن هنا... في بيت واسع... دون ضجيج... أو صراخ طفل.

دون أن أدري تغيرتُ...! لم أعد العاشق... الذي يقصد عشه ملهوفا... صرت أمقت البيت... أسهر طويلا... في محاولة للفرار مني...:

- كنت رفقة الأصدقاء...!

كلما دخلت عند الفجر...!

ولم تعودي... التلميذة... المدرِّسة... التي التقيت... من كتاب تهربين... إلى سرير منفرد...

- بي رغبة جامحة في النوم...!

تقرين... كلما التقت نظراتنا...!!

* * *

في نيسان الذي لن أنسى...

عادت الشمس لنافذتنا...

في المساء... الشاعر... المغاير... كنت... ألقي الجثة على الأريكة...

وأتخلص من محفظة... ثقيلة... بالدروس والهموم...!

كنتِ تقفين... بمحاذاتي... وتبتسمين...!

نظرتُ إليك... وجدت شبها كبيرا... بينك وبين التلميذة الجديدة التي جاءت مدرستنا في اليوم الأول...

صببت القهوة في فنجان...

- ارتشف... كي أسعدك بالنبأ الجميل...

وأنت تناولينني... الفنجان...

- حدسي يقول...

وأنا أشعل لفافة تبغ...

- إني حامل...!

في لحظة... تراجعت الصحراء... تهاوى الصمت والخواء...

ومن الجدران... طلعت حدائق كالجنة... فيها خضرة... فيها نافورة... وامرأة حبلى مني

- أحبك...!

سقط الفنجان... سقطت لفافة التبغ...

قمت مسرعا... احتضنتك... كانت يداك تسبقني:

- متى حدث الأمر...!

قلت بلهفة...

- يقول الطبيب إني في شهري الثاني...

أجبتِ وأنتِ تحضنين بطنك...

ركعت... وضعت رأسي... على ضفة الحلم...

- أدعوك رسميا لعشاء فاخر... خارج البيت...!

وفي المطعم الذي احتضن قصة حبِّنا... قلت للشمعة:

- إن كان ولدا... نسميه فاتح...!

- وإن كانت بنتا... نسميها بسمة...

قلت وأنتِ تخفين يدك بين يديّ...!!!

* * *

وجاءت بسمة...!

انتظرتها طويلا...

أرهقتني الليالي... وأنا أرقب صرختها... وجهها الصغير... شعرها الذهبي... بكاءها...

- إنها تشبهني جدا...

قلتُ

- انظري إلى عينيها...

استطردتُ...

وكنتِ تضحكين...!

كنت سعيدة... ببسمة...

بسمة التي أحالت بيتنا إلى حلم...

- إنها تعيد الحياة لقصتنا...

قلتِ

- وتوقِّع وردة تدعى: غدا...

استطردتِ...!!

* * *

فجأة...!

هبت الريح من نافذة بعيدة...!

- أنت مصاب بسرطان الحنجرة...!

قال الطبيب وهو يعاين نتيجة التحاليل...

خرجت...!

لا أعرف... من أين... وإلى أين...؟!

للمرة الأولى... أرى قسنطينة... غابات رعب ومنحدرات توحش...

للمرة الأولى... أنحدر إلى قرارات سحيقة... إلى أرض لا أعرفها...!

عند عتبة البيت... لم أجرؤ على الطرق...

كانت يدي ثقيلة...

كل الرغبات كانت مبتورة...

لكني... دخلت...

دخلت كي أصطدم بك... بوجه بسمة... بالجدران... بالسقف... بغرفتنا... بسريرنا...

- هل ظهرت نتائج التحاليل؟

قلتِ

- أنا... مصاب بسرطان الحنجرة...

دون تردد... أجبتك وغرقت في نوبة بكاء حادة...!!

لم ننم ليلتها...!!!

كنتِ تتقلبين... على نار الأسئلة...

وكنت أعلق مرارة وخيبة في اللامكان..

حاولت أكثر من مرة... أن أهرب من وجه بسمة... من يتمها الباكر... من دموعها التي ستفيض...

وكنتِ صامتة... صامتة جدا...!

لكني كنتُ أسمعك... وأرد على النار والرماد... بالكذب... والوهم...

وعند الصباح كنتُ أعدُّ حقيبة –ربما كانت الأخيرة- وأغادر صوب المستشفى... تمنيت... أن أوصيك... أن أعدك... أن أطمئنك...

لكني لم أفعل...

لم أستدر... كي أرى وجهك الحاني... كي أمسح دموع بسمة التي بدت مضطربة –تراها عرفت مصيري...!

 

وغادرت...!

في الطريق... بين البيت والمستشفى... كنت أنظر للأزقة والدنيا... كأني أودعها... قطعة... قطعة... لأن الذي يدخل لمواجهة السرطان... كأنه يواجه الموت:

- تراني... سأعيش...؟!

* * *

أكثر من ثمانية أسابيع... وأنا طريح هذا الفراش...

لم أعد أحتمل أكثر...!

مللت الحقن... وجوه الأطباء والممرضين...

ليلا... يصير خوفي مضاعفا... عادة ما أتخيل شبحا فارغ الطول... يجيء بكل القسوة.. كي يهددني...:

- هذه ساعة أخيرة...!

فأقوم مفزوعا من سريري... أصرخ:

- خلفي... أرملة... وطفلة رائعة: بسمة...!!

 

وكنتِ هنا... إلى جانبي... تجتهدين في إخفاء جفن منتفخ... في الوقوف في مهب السقوط والانهيار:

- قريبا تغادر...!

تقولين...

ثم تمضين... ويعود الليل... كضيف ثقيل لا أحبه... كي أغرق في عتمته... في الغثيان... وفي هذا الألم القاهر الذي يمزّقني...!

أكثر من ثمانية أسابيع... وأنا بالحجرة -2- أودع المرضى... على نجمة... على نفق... شَعري تساقط تبـاعا... شواربي لم تعد... بيد أني وقفـت يوما أمام  المرآة فصـرخ الميت الحي –أنا-:

- أنا لم أعد أشبهني على الإطلاق...

* * *

أنهيت فترة العلاج الأولى...!

وعدت للبيت جنديا خسر كل معارك الدنيا...

حين اجتزت عتبة غرفتنا... تهالكت على السرير... تقيأت كل المدن التي عبرتني...

وكنت تحتضنين يدي:

- بسمة... تريد أن تراك...

ووقفتْ –بسمة- أمامي... فتحتُ ذراعيّ... كي أحتضنها... لكنها ظلت واجمة للحظة، ثم فرَّت:

- هذا الرجل لا يشبه أبي...!

قالت بسنواتها الثلاث... ثم بكت...

ركضت صوبها... حملتها:

- أنا بابا...!

قلت وأنا أخنق بكاءً مريرا...

- بابا بشوارب كبيرة...

قالت منكمشة...

- لقد حلقتها...!

- وشعرك... هل حلقته هو الآخر...!

- نعم...!

قلت مازحا –رغم القهر-

ووجدتها... تميل على كتفي... تحتضن عنقي...

- بابا... أحبك...!

قالت...!

وكنتِ تبكين... تبكين...!

وفري دموعك... فغدا... صباح بائس... وليل عصيب... ؟!

* * *

أسبوع كامل... وأنا أدخل الغيبوبات العميقة...

أسبوع كامل... وأنا أتقيأ سائلا أصفر...

ثم أعود لوسادة...

لم يعد بوسعي... أن أنتج سؤالا واحدا...

لم يعد بوسعي... أن أعي الذي يحدث...

وفي صباح صيفي حار... كنت أحمل حقيبة ثانية... وغصة –ربما كانت المليون-

وأبدأ مرحلة العلاج الثانية

* * *

كرهت المستشفى...

كرهت الدواء...

كرهت الدنيا...

لكنني... كنت أقاوم...!

من أجل بسمة...

ربما...

من أجل أمها...

ربما...

من أجلنا جميعا...

ربما... أيضا...

* * *

كل صباح... أترك الجثة لهم... أتمدد على طاولة حديدية... أغمض جفوني...كي تبدأ الأشعة الحمراء حريقها...

فأرى بابا كبيرا... ونافذة... أهرب بينهما إليَّ...

وعند المساء... أستفيق... فلا أتبين غير ملامحك... لا أحس إلا بأصابعك التي تمسح العرق على جبيني.

 

"منذ الطفولات الباكرة... وأنا أرد جور الثلج... أجتهد كي أدرس...

منذ الطفولات الباكرة... وأنا عامر بالبرد والخوف..."    

قلت لك... ذات مساء...

 

"أبي... مات قبل الأوان... وزوج أمي ما كان يوما رحيما عليّ...

انتظرت طويلا... حتى جئت... فهل تقبل أن تكون زوجي وأبي...؟!"

أجابت... باكية...!

مسحت دموعها... وعدتها...

كان بودي أن أعوضها... أشعر أنها بالكاد... بدأت تتذوق طعم الأمان...!!

* * *

سنة تمضي الآن على الذي حدث...

فقدت القدرة فيها على التحرك... على المشي... على الوقوف...

لا أبارح سريرا نتنا...

كلما دق جرس المدرسة... أسحب –بصعوبة بالغة- ستار النافذة... وأطل على الساحة... وأراهم الأطفال... يركضون... يتعاركون... يشاكسون...!

هل يذكر الأطفال... أني كنت يوما هناك... في القسم... أحمل طبشورا... أرسم شجرة... برتقالة... وعصفورا:

- هذه ملامح الربيع...!

هل تذكر -قسنطينة- إن غادرت يوما... أني كنت أملأ شوارعها بالصخب... والنزق...!

هل تذكر نساء قسنطينة... أني كنت مفتونا... بالشعر الطويل... والعيون الخضر...

* * *

غدا يكبر الأطفال... ويغادرون إلى جهة أخرى...

غدا تكبر بسمة... وتدخل المدرسة... هل سأوقِّع دفترها... وأشتري هدية لعلامتها الكاملة في الحساب...!

- إني... أحلم... وأسفار لا تستثير أحدا...!!

10/1997

 

 

 

 

ليـــــل الغــــريــب...!!

 

- هل نامت المدينة...؟!

منذ آلاف الأعوام وهي تخلص لسباتها العميق... تعانق وهما مبتذلا وتنسى أني هنا... وحيد... مقهور... أحتضن صورة امرأة في الحريق المهول...

وأدعي أني ما تألمت يوما... ما بكيت... أصيّر اللحظة تاريخا عامرا بالشرفات... بالشموع والقبل المبتغاة...!!

 

- هل نامت المدينة...؟!

مذ كان الليل وهي تذهب للوسادة مطمئنة... راضية... مرضية... تترك الشوارع الخالية للقطط والكلاب الهائمة... وأنا هنا... رجل يقطر بالشعر... بالدم... بالأغاني... باليتم الباكر... والخيبة المتجددة... ويوقع نصا لامرأة تحلم اللحظة برجل آخر... ولن تلتفت للقصيد الذي وقعه الغريب في ليله الطويل....!!

 

- هل نامت المدينة...؟!

لقد فعلت ذلك مئات الأعمار... وأنا مخبول يحاول أن يقوم من موته الأخير... وأن يقول أن الفرح يبدأ مع هذه المرأة... وأن الأمان سرٌّ تخبئه في صدرها وأن عينيها البحر أكبر من سرِّ الموج وأكبر من تعب البواخر ونزق البحارة...!!

 

- هل نامت المدينة...؟!

بعد المغيب مباشرة...

وبعد المغيب إياه... قام الجرح من نزيفه المباغت... وسأل الأنثى الحائرة:

ما شكل وسادتها... ما رائحة غطائها... هل تذكرني... هل تأذن بأن أحط الليلة على كفِّها فراشة أحرقها كرنفال حضورها... هل تأذن بأن أفتح غرفتها...

أصرخ وخلفي أجيال من العشاق:

إني أحبك... أحبك حدَّ الاختناق... حدَّ الانتحار... حدَّ الموت 

فتأتي مسرعة إليَّ:

لأجلي لا تمت يا غالي... لأجل الرقصة المشتركة...

أميل على كتفها واللغة صبية خائفة ومرعبة:

كثير عليَّ هذا البذخ... أرجوك... دعيني أموت...!!!

* * *

ما لم يقله الغريب...

- أ صحيح تحبُّني...؟!

كنت أعبر الشارعَ كل يوم لأجلكِ... أعبره ملهوفا للوجه الحقيقة... للقامة الشموخ... للأنثى جدا... خلفي دم بلوزداد* يعاتبني:

- ألم تتعب بعد...؟!

- لك الشهادة وشارع باسمك... ولي هذه الأنثى ونص لا أجرؤ على توقيعه...!

 

- أ صحيح تحبني...؟!

صرت أحب الخامسة مساءً... ففيها ألتقيك نخيلا مكابرا وهامة محببة... فيها ألامس يدك... وأغرق راغبا في اكتشاف سر الماء... وفيها يبدأ التوقيت الحقيقي للربيع وفيها أنطفئ حدَّ العتمات حين تغادرين...!

 

- أ صحيح تحبني...؟!

حين التقيتكِ حدث ما يشبه الزلزال والإعصار... ما يشبه المطر المباغت والزقاق الحميم... ركضت إلى خزانتي... لبست أحلى بذلي... ولأجلك –لو تعلمين- انتقيت أغلى عطوري...

 

* شهيد من شهداء الثورة

- أ صحيح تحبني...؟!

إني أهرب لأبعد زاوية في الكون... أحمل كل مناديل الدنيا... وأستأذن اليتامى في أحاسيسهم... أنا سيد الدمع الأول... دعوا الأنهار تفيض مني... دعوني أغرق في بكاء قاتل...

 

- أ صحيح تحبُّني...؟!

نعم أحبك... وأموت الآن غير نادم...!!

 

* * *

تفاصيل...

- ما اسمك...؟!

- أمنيتي أن تحمل لقبي العائلي لليلة واحدة...

- ما سنك...؟!

- أكبرها بعشر غصَّات أو سنوات –سيان-

- ما بك...؟!

- إني أحبُّها... أخفي سري وأنطفئ...

- هل تحلم...؟!

- نعم... بالموت بين خصلات شعرها... 

- لها الحد... ؟!

- لا يمكن أن تتصوري يا غالية...!!

 

* * *

حميمان...

- أ رأيت...

ليتني ما التقيتها... أنا الذي غادرت العالم في صمت... أن الذي ما بكاه أحد...!

- ما الذي قالته لك...؟

- حدثتني عنه... عن أحلامها... عن حبيبها... ولم أجرؤ على أن أسألها... إن كانت تعرف قبري... الأحراش التي نبتت عليه... ولا حتى الكفن الذي مزقت لأجل ابتسامتها...!

- هل طالت الجلسة...؟!

كنت أضحك في سري من الشوارع التي لا تحمل اسمي وأنا أوقع في كل خطوة شهادة بطولية...

- وحين غادرت...!

كنت سأكتب... لكن وجهها طلع من البياض... استلطفت الملامح... احتضنتها ونمت....!

صباحا... كانت الأوراق جميعها تحمل اسمها... تساءلت:

هل تنشر الجرائد بياض شاعر يحمل اسم امرأة...!

 

* * *

رسالة إليها...

بي رغبة لأن أكتب لك حتى الصباح... وربما حتى آخر العمر...

بي رغبة لأن أغادر بيتي... لأن أذهب لمكان اللقاء اليومي...

لأن أستحلف الشجرة التي تتكئين عليها بأن تفشي لك بالسر...

وبي رغبة أيضا...

لأن أنسحب من مواقيتك... من رصيفك... من عينيك...

وأن أعود ثانية للنفق المظلم... فهناك ألتقي... العشاق... الوحيدين...‍‍‍‍!!

لن أنخرط هذه المرة في اللغو... أو البكاء...

لن أحدث أحدا عنك... سألتزم الصمت وأعدّ الهزائم... قبل أن أمضي لربي:

- أي الأبواب تقود للجحيم...؟!

إني أعترف بأني نزق ومتهور... وأني لا أستحق الحياة...!!

 

إني أعترف بأني عمَّرت أكثر مما يجب... وأنه حان الأوان للسيرة أن تكتمل...!!

هنيئا لك... لقد متّ...!!!

2001

 

 

 

 

عـــطــــش الكــــلام...!!

 

 

 

سبع سنوات تمضي الآن على رحيلك الباكر...

سبع سنوات وأنا أقف عند سفوح الروح غيمةً حائرة تحاول أن تعي الذي حدث...!

سبع سنوات... توقف الوقت... كل الوقت فيها...

فستان نومك الوردي مازال ملقى في الزاوية إياها... مازالت مكاحلك... وعطورك قابعة في مكانها... ومازالت أقراطك تغفو بالقرب من المصباح الصغير...!

رشدي... ابننا الوحيد... مازال هو الآخر... يسألني بإلحاح:

- متى تعود أمي من سفرها...؟!

- الذين يسافرون إلى سماء بعيدة عادة ما يطيلون الغياب...!

- ولماذا تركتها ترحل...؟!

- كان الأمر أكبر من إرادتي... كنت هديتها لي...!!!

 

سبع سنوات تمضي الآن على رحيلك الباكر...

وأنا أجتر خيبة لا أقدر عليها... وأجتهد –عبثا- في تفسير هذا الثقيل الذي يجثم على صدري...

التقينا... في معرض كتاب... في اللحظة التي كنتُ سأحمل فيها رواية... كانت أصابعك تسبقني إليها...

- ذاكرة الجسد*...

قلت

- أنا مهوسة بالذين يكتبون عن قسنطينة...!

 

 

* رواية لأحلام مستغانمي

- هل قرأت مالك حداد؟

ابتسمت

- السماء لا يمكن أن تكون زرقاء...

- إلا إذا غطت مدينة كقسنطينة...

 

ودون أن أدري وجدتُنِي أدعوك لشاي... أحدثك عن الفن... عن الأدب... عن... "أنا..."

وكنتِ تنصتين... إليَّ...:

- سنتزوج أنا وأنت...

حين كنا نغادر قاعة الشاي غير آبهين بالنظرات الفضولية التي كانت تلاحقنا...!!

 

سبع سنوات تمضي الآن على رحيلك الباكر...

لم يتأخر الثلج فيها عن السقوط والذوبان...!

- لا أصدق أني معك... في بيت واحد...

- وأمام نافذة واحدة...

- إن كان المولود بنتا... سأسميها بيروت...

- إن كان ذكرا... سأسميه رشدي...!!

كلما تقدم الوقت... تتضح ملامحك على وجه رشدي...

عيناه... رموشه... نظرته... وحتى حزنه الصغير الحميم...

 

سبع سنوات تمضي الآن على رحيلك الباكر...

وأنا أخرج  للأزقة والعتمة بحثا عنك...

يخيل إليَّ... أنك بانتظاري في أحد أمكنتنا المقدسة... أنك تسمعين أغنية كنا أحببنا... أنك ترسمينني على زجاج قاعة الشاي إياها...!

مشكلتي تبدأ معك أكثر كلما أمطرت...

- حين تمطر... تصير قسنطينة أبهى مدن الدنيا...!!

- أنت عاشقة متطرفة...!

ونحن نغادر المطعم -تلك الليلة- لم أندهش... حين باغتني ركضك... جريت خلفك:

- هل نسيت أنك...؟!

- بالعكس...

- أنت مجنونة...!

- خبِّـئني فيك...

وأنا أمضي في الدرب الطويل... أرمم جدران القلب... وأحتضن وسادتك:

- تصبح على خير...!

- تصبحين عليَّ...!!

 

سبع سنوات تمضي الآن على رحيلك الباكر...

وأن أهرب من أسئلة رشدي –المجرمة-:

- كل أترابي يعودون رفقة أمهاتهم...!

- ألا أكفي أنا...!!

يبكي... تماما كما بكيت يوم ودعتك:

- أريد أمي...

- حين تكبر سنذهب إليها...!

ثم أدجج غرفته باللعب الجديدة

- هذه الدمية تشبه أمي أليس كذلك...؟

- لا... أمك كانت أجمل...

- وهل ستسافر إلى سماء بعيدة؟

- لا... الدمى لا تسافر...!

- متى نسافر أبتي...؟

- غدا... يا صغيري... نم الآن...؟!!

 

مضى أكثر من ألف غد... وأنا أكذب على رشدي... على دموعه... (وعلى يتمنا...!!)

حين نزورها... ستفرح جدا... سترضعك حليبها... لأنها ذهبت للنجمة المتألقة... وثدياها يقطران... كن بطلا وتغذى كي تكبر سريعا... حتى إذا ما جاءت بيروت... اسخر منها:   

- لم أترك لك شيئا...!!!

 

سبع سنوات تمضي الآن على رحيلك الباكر...

وأنا أحمل جثة متمادية في التعب والقدم... أدخل ساعات الناس وفناجين قهوتهم... أتطاول على موتي... وأشرح الحكمة للذين لا حكمة لهم...:

- مسكين مازال كأبطال الروايات الرومانسية

يقول أولهم...

- !Son problème c’est la fidélité...

يرد ثانيهم.. هازئا...

- هذي عقّارهاsure  يكون صحيح...!

يستفز ثالثهم...

ثم يضحكون... يقهقهون...

وحده ريقي المر... يسافر إلى مكان ما في صدري:

إني وحيد... ومهزوم...!!

 

سبع سنوات تمضي الآن على رحيلك الباكر... وأنا أخرج لشرفة بيتنا... بعد منتصف الليل...

السيارات التي تقف بمحاذاة باب البناية... أقول:

- ربما أقلَّتها هي...!

أصوات الأقدام التي تجيء من آخر الشارع... أقول:

- هذا كعب حذائها...!

الليلة... لن أطيل البقاء... الحمى تقتات مني... السعال يكاد يفجر صدري...

سأدخل لسريرنا... أحتضن وسادتك:

- تصبح على هديتي إليك: رشدي...!

- تصبحين على وفائي...!

 

ملحوظة: النجمة التي سافرت إليها تلك المرأة... لا تنطفئ مهما تغير الجو... وتصير أكثر لمعانا كلما أمطرت...:

المطر لا يمكن أن يكن حميما وخصبا إلا إذا سقط على قبرها وعلى قسنطينة...!!!

09/1998  

 

أضيفت في 02/05/2007/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب / بواسطة الكاتبة زكية علال

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية