أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: علي ديبة

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

أديب وكاتب قصة عرف بأدبه الساخر وبغزارة إنتاجه، له العديد من الأعمال الروائية والقصصية والمسرحية والشعرية.

 

مؤلفاته:

-سيرة القديس.. رواية

-الحطب.. رواية

-لعبة السلطان.. رواية

-قوبــــاز.. رواية

-السياسي.. رواية

-احتجاجات غير رسمية.. رواية

- تلاشي الزرقان.. رواية

-مثل الفينشار.. مسرحية

-شيء ما يشبه الضحك.. مسرحية

-ثمن قبلة عزيزة.. مجموعة قصصية

-الهزيمة الأولى للعتابا.. مجموعة قصصية

-سفارة جحا.. مجموعة قصصية

-وبعض دواوين الشعر 

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

دولة الفصعان

برسم الضحك

أدب عرق الجبين

 لماذا الإحراج

أحلام ابن المقفع

مهمات خاصة باليانكي

قضية قيد التحقيق

 

لماذا الإحراج؟

 

تُرى من بثَّ هذا الخبر الكاذب؟ كيف انتشر كل هذا الانتشار؟ إذ من غير المعقول أن يلتئم شمل الناس هكذا، من غير دعوة تقوم بها واحدة من الجهات المعنية..‏

منذ الصباح الباكر، قبل أن تطارد خيوط الفجر بقايا تلك العتمة الهاربة, بدأت وفود من أهل المدينة تقترب مترددة من سور البناء الضخم لهذه الدائرة أو تلك. ما كادت الشمس ترفع الغطاء الأول عن وجهها حتى أغلقت كافة الدروب والمنافذ التي تصل بين الناس وبوابة هذا المبنى.‏

كان المشهد محيراً وغريباً بعض الشيء، فالجمع بكامله لم يكن ملتحماً ذاك الالتحام الذي نعرفه في اللقاءات والاحتجاجات والمظاهرات، كان مجرد كتل من الناس بعيدة عن التنسيق والانسجام والتآلف، أو هي مقسمة على جماعات، وكل جماعة لا تكترث بالأخرى، بقدر ما بدت منطوية على ذاتها، تتطلع نحو تلك البوابة بشيء من الترقب والانتظار. ثم تبين لكل متمعن وباحث وصحفي وإعلامي أن كل جماعة من هذه الجماعات هي أسرة كاملة مكملة بأركانها الثلاثة، الزوج، الزوجة، الأولاد، ما عدا قلة قليلة من الرجال، الذي اصطحبوا معهم إلى هذه الساحة أكثر من زوجة. بعد أقل من ساعة تغيرت صورة المشهد، فقد وجد الأولاد متنفساً جديداً للتعارف واللعب والعبث، كذلك النسوة اقتربن من بعضهن، جمعتهن صروف الأيام التي دفعت بهن إلى ما يشبه الاستجداء في هذه الساحة.‏

إذا كان خبراً كاذباً قد دفع بهذه العائلات للوقوف أمام هذا البناء وحول سوره الكبير، فإن اجتهاداً مجهول المصدر حمل الرجال إلى تحمل مسؤولياتهم، غادروا الساحة وعادوا إليها مسرعين، كل منهم اصطحب قطعة ما من أثاث بيته، هذا جاء بكراسٍ، وذاك أحضر فراشاً، وسواه حمل سريراً، ليقينهم أن البيوت بساكنيها وليست بمفاتيحها، ويبقى الأثاث حارساً قانونياً، لا يستطيع أحد ما اغتصاب بيت مفروش.‏

هكذا اكتظت الأرصفة بالأثاث، والساحة بما يدرأ عن السيقان تعب الوقوف والانتظار. الباعة الجوالون وجدوها فرصة لا تعوض، من باعة البارد والساخن، إلى باعة السندويش وصحاف الحلويات، إلى باعة الجوارب والسترات والكنزات. لم يبخل أحد على زوجته، أو على أولاده، كيف لا؟ والأيام تفتح أبوابها الضاحكة أمام آمال كانت شبيهة بالأحلام البعيدة، لِمَ لا؟ وهم بانتظار لحظة تختلف عن سواها من لحظات العمر، كلها ساعة، لا يهم إن زادت قليلاً أو كثيراً، لكنهم في النهاية سوف يستلمون مفاتيح بيوت جديدة، ويخلصون من الأجرة والإيجار، من العقد السياحي وضرائب البلدية.‏

وجدها الشطار العابثون فرصة لا تعوّض، جاؤوا بطلبات مطبوعة وجاهزة، مزينة بطابع عمل شعبي، ممهورة بدمغة تشبه خاتم المختار، فصارت الورقة النقدية الخضراء الثمينة لا تساوي أكثر من عشر ليرات في تلك الساحة. وليت اللعبة اقتصرت على مثل هذا الاستلاب، فقد نشط عدد من المحتالين، منهم من ادعى معرفته بهذا المدير أو ذاك، ومنهم من أمسك بهذه الطلبات، ليبيع الدور الأول في السوق السوداء، والأرقام التي تبعد عنه خمسين متراً بالمزاد العلني.‏

ارتفعت الأصوات محتجة، اهتزت القبضات متوعدة الفساد والمفسدين، فالمرء قد يغض طرفه عن جانحٍ يسلبه قليلاً من المال، ولعله يتناسى بعضاً من عذاب روحه وجسده، لكنه في أحوال مشابهة لهذا الحال، لن يتناول عن حقوقه قيد أنملة، أو يراهن على أمل غمر أسرته بالفرح والسعادة والحبور.‏

وقف مدير ذلك المبنى حائراً، ماذا يفعل؟ كيف يتصرف؟ تفّ من فمه غاضباً، صرخ بمن حوله ساخراً:‏

ـ كأنني أمام حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة؟! أكاد أجزم أن مساً ما أصاب عقول الناس، وإلا كيف صدقوا أن الحكومة ليست بحاجة لكل هذه المباني، وأنها رأت فيها زيادة لا مبرر لها، فقررت توزيع هذا الفائض الضخم على الذين يعيشون تحت سقوف مستأجرة، وأين هي الحيلة التي تنقذنا من بلاء، لا يعلم سوى الله كيف ينتهي؟‏

جاءت الحيلة جاهزة من غير تعب ولا شقاء، فقد اتصل محافظ المدينة بكل مديري المؤسسات والإدارات، أكد لهم أن الدولة جادة في توزيع مبانيها الفائضة، وما عليهم سوى تسجيل أسماء هؤلاء المساكين، وقبول طلباتهم، وتنظيمها في لوائح لدراستها وإقرارها فيما بعد..‏

سنوات مضت وما زالت الحكومة تبحث عن عدو من الطابور الخامس، عن شخص أوقع بها كل هذا الحرج... وحتى اليوم لم تتخل الحكومة عن الفائض من مبانيها الواسعة، وبالتالي لم توزعها على الشعب، وما زال أصحاب تلك الطلبات ينتظرون...‏

 

 

 

أدب عرق الجبين

 

أقسم وأغلظ في قسمه أنه لن يدفع قصائده إلى الطبع في مجلة أو صحيفة، ولا في تلك الدوريات التي تعنى بالأدب وتهتم بشؤونه، فقد ملّ انتظار مواده، وسئم وعود العاملين فيها والقائمين عليها.‏

حملته ذاكرته إلى يوم بعيد، تأبط فيه الصباح تاركاً مدينته وراء ظهره، تطارده نصائح الأصحاب والندماء، الذين تمنوا له النجاح قائلين: ماذا تنتظر؟ اقصد العاصمة، العاصمة مطبخ واسع لصناعة نجوم السياسة والسينما والأدب والاقتصاد.. ستجد فيها تلك الرعاية التي يحتاجها إبداعك، ابحث عن صداقات مفيدة، تشبث بمن ترى فيهم نفعاً لأدبك، طريقك لن يكون سهلاً منبسطاً تحت قدميك، إنها درب شائكة ووعرة، اجتازها بحكمة وإصرار..‏

وقف عند بوابة الجريدة متردداً، تمنى لو أنه حمل حقيبة سوداء أسوة بغيره من الداخلين إلى حرم ذلك المبنى والخارجين منه. مضى خلف قدميه، عبر الحاجز غير مكترث بيافطة كتب عليها: راجع الاستعلامات. استوقفه صوت يصرخ به: إلى أين يا أخ؟..‏

-إلى الجريدة!‏

-ماذا تريد من الجريدة؟‏

عاد الأستاذ راغب أدراجه،وقف أمام نافذة الاستعلامات، أجاب متلعثماً:‏

-أين أجد الأستاذ بسام الملح؟‏

-ماذا تريد منه؟‏

-سوف أطلعه على قصائدي، ربما ساعدني في نشرها..‏

-الأٍستاذ بسام الملح لن ينفعك في شيء، هو محرر الزوايا الاقتصادية.. الأستاذ سعيد الحلو الرئيس المسؤول عن قسم الثقافة..‏

صافح الأستاذ راغب سعيد الحلو بكل تقدير واحترام، ثم بادر إلى إطرائه ومدح قصائده وأشعاره، ابتسم سعيد الحلو ابتسامة ماكرة، تكاد تكون ذابلة صفراء، قبل أن يقول: أنا لا أكتب الشعر يا صديقي، ولم أكتبه يوماً، ثم دعاه إلى الجلوس. كأن الرجل سكب برميلاً من الماء البارد فوق رأس الأستاذ راغب، ودفع به إلى أقرب مقعد كي لا يسقط أرضاً. نظر الأٍستاذ فيما حوله، اصطدمت عيناه بعيني صبية تلف ساقاً فوق ساق، وقد تكشف ثوبها القصير بعض الشيء عن بعض مفاتنها. زمَّت شفتيها بامتعاض كأنها تقول له: ليتك تأخرت قليلاً. نظرت إلى ورقة بين يديها، تابعت القراءة قائلة:‏

-مدّ البحر الأزرق عكازيه، أنصت إسفلت الشارع لهمس الغواني...‏

كحّ الأستاذ راغب مبدياً رغبته بالاعتراض، أعاد لسانه إلى الوراء، ثم ابتلعه أمام كف سعيد الحلو المرفوعة. كاد لا يصدق ما يسمع، فقد جاءت شهادة سعيد الحلو طافحة بمديح مبطّن، وإطراء يحمل أكثر من معنى، بينما كان ثغر الفتاة يفترُّ عن ابتسامة من تلك الابتسامات التي تحمل دعوة للسفر على متن من جنون الفوضى.‏

بطلب من هذا المحرر المسؤول، أخرج الأستاذ راغب قصيدته من جيب سترته، ثم لم يسمح له بالانتقال إلى الشطر الثاني من البيت الأول، قاطعه قائلاً:‏

-ستبقى قصيدتك قيد الدراسة، سوف ننشرها إذا كانت صالحة للنشر، ونعتذر منك إذا لم تكن كذلك.. رافقتك السلامة.‏

أسابيع مضت على انتظار عقيم، أدرك الأستاذ حجم المسافة التي تحتاجها قصائده كي تولد وترى النور. ابتسم وهو يقلّب صفحات الجريدة، خرجت من بين الأسطر تلك الابتسامة، التي تحمل دعوة للفوضى، خاطبته صاحبتها ساخرة: مدّ عكازيك أيها الشاعر العاجز، توكأ على أنثى، ربما تسافر بك فوق حافلة من الفتون، فلا تعود خائباً.. هزّ رأسه قليلاً، عض شفته أسفاً من عبارات وكلمات، رأى فيها ذاك المحرر شبه معلقة، فصدّر بها صفحته، وذيّلها باسم يسهل نسيانه...‏

كأنّ السماء أبت إلا أن تزيد من قهر الأستاذ راغب، والأيام أصرت على عبث يضيف إلى عذابه عذاباً آخر. اعترضه شاب، صافحه بحرارة، أبدى مودة لم يلمسها به من قبل، مدحه بما فيه وبما ليس فيه، ثم دعاه إلى أقرب مكان من تلك الأمكنة التي يرتادها الهاربون من تعب الأيام. احتسى الأستاذ قهوته، سئم كلاماً معسولاً، ملَّ عبارات تمجد أخلاقه، وكان لا يعلم أن دعوة الشاب ليست نقية، ولا هي خالصة هكذا لوجه الله تعالى.‏

ملأ الشاب صدره بهواء المكان، ثم زفره بوجه ضيفه قائلاً:‏

-مؤلفي هذا واحد من مجموعة دواوين شعرية كتبتها، سوف أطبعها على التوالي، تحتاج إلى مراجعة وتدقيق، فأنا –كما تعلم- لا أتقن اللغة، ولا أملك ناصيتها، وأنت باسم الله وماشاء الله فقيه زمانك وسيبويه عصرك وأوانك..‏

شعر الأستاذ بشيء من الاعتزاز، لِمَ لا وقد وجد من يقدّر أدبه ويعترف بمكانته، كيف لا وقد وجد نفسه راعياً للأدباء ومهتماً بإبداعهم. انتابه إحساس لم يشعر بمثله فيما مضى، أقبل على المخطوط، لم يترك شاردة صغيرة، ولا واردة كبيرة إلا وأمسك بها، عمل به فكاً وتركيباً، قدّم وأخر، قرب وبعد، أعاد للفاعل ما فقده، أبعد عن المفعول ما ليس له، ألغى العناوين المتكلفة، استبدلها بمثيلات شعرية، ثم اضطر في نهاية المطاف إلى إعادة صياغة المخطوط كما يجب أن يصاغ، حتى لم يبق من النص القديم سوى الجلد الخارجي..‏

لم يدفع الشاب مخطوطه الجديد إلى الطباعة كما وعد،ولا المؤلفات التي تلته، مدّ رجليه، حرّك ذراعيه في كل الاتجاهات، توكأ، ألقى قصائده على المنصات وفوق المنابر، وليته لم يلقها، لا لأن النصوص ليست صالحة، إنما لأنه لم يحسن قراءتها، لم يكترث للغط الأدباء أو يهتم لنقدهم، حمل نصوصه على كتفه، جال بها طولاً وعرضاً، تبنتها برامج التلفزيون، الصحافة الثقافية والإعلامية، حتى الوزارة شربت هذا المقلب، وطبعت باسم الشاب مؤلّفاً لا يبرئ ساحة الأستاذ راغب على ذنب اقترفته يده بحق الأدب...‏

قد ينجح المرء في كذب ما، خاصة كذب المال والتجارة، إلا الادعاء والكذب في الأدب، فإن حبلهما أقصر من خيط السّبحة. صحيح أن تلك المؤلفات حققت لذلك الشاب أمنية كان يحلم بها، فهي على الأقل وضعت اسمه في لائحة أدباء المدينة، وحجزت له مقعداً بين مقاعد أصحابها، لكنها ملأت روح الشاب بالغرور، صار يمشي في وسط الشارع غير مكترث بكل المحركات الصغيرة والكبيرة، التي تمشي على البنزين والديزل، يقبض على منتصف حقيبة سوداء منفوخة بالكتب والأقلام والأوراق، وسواها من اللوازم التي لا علاقة لها بالأدب ولا بما يحتاجه الأدباء في حياتهم.. وليت غروره وقف عند مثل هذا الحد، إنما دفع به إلى تناول من يشاء من عباد الله وخلقه، الذين شابت ذؤابات رؤوسهم بين سطور الكتب ومفردات المعاجم. اتهمهم جميعاً دون استثناء، فكتاب فلان من الأدباء محاكاة للأديب العالمي لوركا، وبحث الأديب علاّن تجميع أكثر مما هو إبداع، وسواه لا يعرف باب الأدب من محرابه...‏

في زمن لاحق تخلّى الشاب عن لسانه، أو هو ابتلعه بعد خواء انتهى إليه، ولعله وجد ببعض التغييرات في هيئته ما يملأ فراغه، فماركس لم يكن مسرّح الشعر، ولا همنغواي حليق الذقن، وسواهما لم يفكر بكياسة ثيابه، وغيرهم لم يهتم بربّاط حذائه، راحت العيون تلاحقه، والنظرات تطارده، حتى صارت سيرته على كل شفة ولسان.‏

في واحد من ملتقيات الأدب، باح الأستاذ راغب بالسر، روى حكايته مع الشاب من بدايتها إلى نهايتها، ثم فاخر قائلاً:‏

-جميع القصائد في ذلك الديوان، الذي طبعته الوزارة، هي من تأليفي..‏

سأله الأول:‏

-لعلك قبضت ثمناً طيباً لقاء تعبك؟..‏

-لم أقبض منه فلساً واحداً، لكنه حفر لي حاكورة بصل كنتُ أحضّرها للزراعة.. ضحك الثاني حتى اغرورقت عيناه وقال:‏

-ربما كانت أول حكاية لأديب يأكل من عرق جبينه..‏

 

 

برسم الضحك

 

أبغض الحلال عند الله هو الذي لا يسمّى، جملةٌ رماها القاضي بوجههما متأففاً، ثم عقب قائلاً:

 

 

- عشرون عاماً مضت على عيشكما معاً, ذقتما من طعم الحياة حلوها ومرها، أنجبتما ولدين اللهم صلي على النبي الكريم ، كأنهما قطفتان من الحبق, كلٌ منكما حصّل تعليماً عالياً,‏

 

 

أي أنكما تملكان مؤهَّلاً ينأى بكما عن الجهل, وتملكان دخلاً يبتعد بأسرتكما عن الفقر والعوز والحاجة, لا أجد مبرراً لما أنتما عليه من الخلاف، وأكاد أجزم أن مشكلة كبيرة تخفيانها عن القضاء, و إلا لماذا سُدّتْ الأبواب بوجه صلح يجمع بينكما, ولا يجر أسرتكما إلى كل هذا التداعي والخراب .‏

أجهشت المرأة ببكاء حزين, أطلقت لدموعها العنان, ولعلها جاهدت لكسب عواطف القاضي والاستئثار بها, فأظهرت أمامه مهاراتها لإبراز ضعف الأنثى, ثم استرسلت في دفاعها قائلة:‏

- لا أدري ماذا أقول عن هذا الرجل الذي كان زوجي؟ كيف أعيش مع مَنْ باع الخبز والملح بثمن بخس, ونسي زوجة أقسَم لها آلاف المرات واعداً بالحب والوفاء والإخلاص؟ لماذا فضّل على قسَمِه لحظة عابرة, تكاد تكون غباراً ولحظة من تلك اللحظات التي تدوسها أقدامنا ..؟‏

عند آخر عبارة رفع القاضي نظارته، رمى الزوج بعين نصف مفتوحة حملت جميع ألوان اللوم والعتب والتقريع, توعّده بإشارة صريحة وجهها إليه برأس قلمه، كأنه يطالبه بكشف معصية مستورة، اعتبرها وراء كل هذا البؤس .‏

حار الزوج فيما يقول, خاف من ظنون زرعتها امرأته في رأس القاضي, تمنى لو يواجه تهمته هذه بضحكة مجلجلة ، ينتقل صداها من غرفة إلى غرفة ومن بهو إلى بهو، فيسمعها القاصي والداني في بناء المحكمة.. ولولا خوفه من عاقبة تزيد في طينه بلة ، لفعلها وترك لهاة حلقه تهتز من ضحك لا يتوقف. لم يكترث بالنظرات المصوبة نحوه, ولا بقلم أحس رأسه المدبب يكاد يخترق بوابة صدره. نظر إلى امرأته نظرة لا تخلو من المودة والحنان, ذكّرها بما بينهما من الوداد والحب, خاطبها صادقاً:‏

- عشرون عاماً وأنا أسامرك، أحترم رغباتك, أشاطرك أفراحي, ألوك منفرداً أحزاني وأوجاعي, لم أتأفف ولم أحتج، رفضت دعوات الأصدقاء وولائم الأقرباء للفوز بحبك ونيل مرضاتك، وبقيتِ غير قانعة ولا راضية، نقلتُ عملي إلى غرفة تشبه القبر فراراً من ظنونكِ بقريناتي، أين هو الخطأ إذا كلمتني شيماء؟ أو حدثتني غيداء, أو صافحتني هند؟‏

بدت المرأة محرجة خجلة أمام صراحة لا تتمناها ولا تريد الدخول في تفاصيلها, تمنت لو يعانقها زوجها كعادته ويدعوها للخروج من المبنى كله ولا يتم ما بدأه, فيكشف السر عن مشكلة ليست في حقيقة الأمر مشكلة. وكيف تتحقق رغبتها وهي التي اضطرت رجلها إلى رفع الغطاء عن المحظور والمستور؟‏

اقترب الزوج من منصة القاضي غير آبه, قال بصوت مرتعش قليلاً:‏

- معاذ الله يا سيدي أنا لست ممن يرتكبون المعاصي, لكن النفس الأمارة بالسوء، تفرض نفسها في لحظة ما, فينجرُّ المرء خلف مغامرة محدودة ومشروطة, لا تتعدى وقتاً بسيطاً من أوقات السعادة..وإليك ما حصل يا سيدي.. تركتُ ورائي نهاراً مليئاً بالتعب والشقاء، انزويت فوق مقعدٍ جانبيٍ في السيرفيس، تركتُ بصري يتمعّن المحال والأرصفة والمارة، لا أحد مهتم ولا مكترث بمن يتفحص أو يراقب، الكل في حال من السعي واللهاث والجري. في هذه اللحظة من لحظات التأمل والتلاشي، جلستْ إلى جواري سيدة لم أنتبه ولم أبالِ لها، حتى أنني لم أنظر إلى وجهها, فاجأتني هذه الأنثى بجرأة لم أعهدها بسواها من النساء، دفعتْ فخذها حتى لامس فخذي، تركت مرفقها يحك خصري ويداعبه، ما هو إلا زمن يسير حتى صارت أصابعها تنام في كفي، نظرتُ خجلاً بطرف عيني إلى وجهها, خلتُ نفسي أغوص في برميل ممتلئ بالماء البارد، لم تكن تلك المرأة سوى زوجتي..هذا هو الذنب الذي اقترفته يا سيدي، الذنب الذي أشعل غابة سعادتنا, وخلّف حياتنا وراءه سعيراً ورماداً..‏

خفضت المرأة بصرها استحياء, بحثت عن دفاع يبرّئ ساحتها, تجاوزت نظرات القاضي النافذة، التفتت إلى زوجها التفاتة مشحونة بالغضب وقالت :‏

- قل لي لو لم أكن أنا التي وجدتها بجوارك، هل كنت ستشعر أنك غصت في برميل ماء بارد, أم أن أحاسيسك ستنتقل بك إلى فرن أكثر حرارة من أفران الخبز العادية..‏

صمتٌ أطبق على فضاء المكان, ابتسم القاضي ابتسامة حيادية, حار بما يقول، لاشيء أمامه أو بين يديه يستحق العناء، كيف يصلح ذات البين ويوفق بين رأسين يعرّضان أسرتهما للتفكك والضياع؟ مسح جبينه براحته، حك صدغه, نظر إلى المرأة العنيدة نظرة لا تخلو من الاتهام, وجه رأس قلمه المدبب نحوها, أشار به إشارات متباطئة , ثم خرج عن وقاره, استسلم لضحكة شبه مكتومة وقال:‏

- سوف أروي لكما حادثة مشابهة جرت معي شخصياً, تجاوزناها أنا وزوجتي، التي استحقت تقديري واحترامي بعدما سمعتُ منكما ما سمعت. قبل زمنٍ تلقيت رسالة على هاتفي الخلوي تقول: هل أنت شاب؟ أجبتُ: اجل أنا كذلك. تلتها رسالة تقول: أ أنت متزوج؟ حرتُ بما أجيب، لا ادري كيف ولا لماذا استهوتني المداعبة، أجبتُ: ما زلتُ مشروع زواج, عقبتها رسالة لا تخلو من حرج، سألتني : هل أنت وسيم, أوجزت جوابي بكلمة واحدة: لا بأس . طالبتني قائلة: أرسل لي صورتك. بقيتُ حائراً ليوم كاملٍ، حتى ساقني تفكيري إلى مبررات ورطتني بما لم أحسب له حساباً . أرسلت لها شبه صورة لي ، كنت قد تصورتها قبل عقدين من الزمن وربما أكثر، ما زلت حتى هذه اللحظة أتساءل لماذا لبيتُ طلب امرأة مجهولة لا أعرفها ولا تعرفني . بعد يوم واحد رنّ هاتفي رنته المميزة ، ابتسمتُ مزهواً بانتصار تحقق لي، برسالة تحمل لي صورة انتظرتها على أحر من الجمر . على عجَل فتحتُ غلاف هاتفي , انتزعتُ مفاتيحه انتزاعاً، تاهت نظراتي فوق تلك المساحة الضيقة، خلتُ نفسي جمرة متقدة رمى بها القدر إلى قاعٍ جليدي.. هكذا صرت حين وجدت نفسي وجهاً لوجه أمام صورة زوجتي ..‏

أظهرت المرأة المدعية دهشة ما مثلها دهشة, فتحت فاها ، جحظت عيناها، لم تنتظر بقيةً للواقعة، لم تبالِ كيف بدلت زوجة القاضي رقمها القديم برقمٍ جديد, تأبطت ذراع زوجها دون سابق إنذار ولا مقدمات ، التفتت إلى الوراء ، نظرت في عيني القاضي ذاته وقالت مهمهمة ومستغربة : قاصٍ يحتاج إلى قاضٍ ؟!‏

 

 

 

دولة الفصعان

 

قصة قصيرة ساخرة

حدثٌ عجيبٌ احتارت في أمرِه المؤسساتُ والوزارات ودوائرُ الأمن ، عُقِدت لأجله آلافُ الاجتماعات ، أسفرتْ عن عدد لا يحصى من المقترحات ، لماذا وكيف ؟ ما هي الأسباب ؟ من هو المسؤول ؟ أين هو التقصير ؟

 

بدايةً لم يكترثْ أحدٌ بالأمر ، هكذا تبدأُ الكوارث ، لا أحد يبالي بها حتى تستفحلَ، حينها تكثر الدراساتُ والتكهناتُ ، التوصياتُ , الظنُّ والاختبارات .. أما هذا الحدث ، فقد ظل لزمنٍ طويلٍ في الأدراج ، طيَّ الكتمان ..

 

حال طارئ ومستجد لفتَ انتباهَ طبيب مراقب ، وجد نفسَه أمام ستِ إصاباتٍ متماثلة في جناحهِ ، شخّص مرضاه ، تفحّص إصاباتِهِم ، وجدها أكثرَ من متشابهة، النتائجُ في جميع الحالات واحدة ، أما الأسباب فعلمُها عند الله والضالعين في العلم ، جميعُهم مصابون في ركبِهم ، الازرقاقُ عينهُ ، تمزق الغضروف ذاتُه، مستوى التسمم ، الأوجاع ، كلهم يعرجون عرجاً واحداً . صورةٌ واحدة قفزت خارجةً من رأسِهِ ، وقفتْ بين عينيه ، تخيَّلَ فيها أهلَ المدينة ، بل سكانَ البلادِ كلِّها يعرجون في مشيهِم .

 

جنَّ مديرُ المشفى من كلماتٍ قالها الطبيب المراقب ، صرخ بوجهِه :

- حجِرْ يا منظوم ؟! تصور حالَ الذعر إذا وصل هذا الخبر للناس ؟ بين أيدينا قليلٌ من المصابين ، قد تجد نفسك غداً أمام ألفِ أعرج..!؟

 

هاجس الخوف من العدوى تمكن من رأس الطبيب ، سارع إلى حُقنٍ ، ظنها تحميهِ من بلاء يجهلُهُ .

 

أربكت الأسابيعُ التاليةُ وزير الصحة ، شكا إليه مديرو الصحة ارتفاعاً في عدد الإصابات ، ماذا يفعل ؟ كيف يتصرف ؟ إلى متى يتكتمُ على هذا المرض اللعين؟ لماذا لا يطلبُ اجتماعاً للهيئةِ ، ويضع الحكومة أمام واجباتها ، فتنزاح عن كاهلهِ مسؤوليةً قد يتوجّعُ رأسُهُ من وقعِها ؟

 

في اجتماعٍ موسعٍ للهيئةِ ، بقي وزيرُ الصحةِ صامتاً ، ظل يحركُ كرسيَّهُ يميناً ويساراً ، كلمةٌ واحدةٌ خرجت به عن طورهِ . نهض كأن به مسّأ ، صرخ بالمجتمعين غاضباً :

- حجِرْ ؟! كيف فكرتم على هذا النحو ؟ فكروا بألسنٍ سوف تتهمنا ؟ بتحقيقات لن تنتهي؟ بما ستتناقلُهُ وكالاتُ الأنباء ؟ بسمعةٍ سيئةٍ قد تطالُ الدولةَ ؟ ربما قاطعتنا الدولُ االقريبة ، واستغلت مرضنا الممالكُ البعيدةُ ، مخافةَ انتقالِ العدوى إليها..فكروا يا سادة بما يساعدُنا على فهم هذا المرض واستيعابِهِ ، جندوا قواكُم لمعرفة أسبابهِ ، إنها سمعةُ الوطن ، مصيرُنا جميعاً بين أيديكم..

 

بقيت المشافي مشرعة الأبواب ، كلُّ شيءٍ عاديٌ ، ماعدا كماماتٍ التفّتْ أربطتُها حول رؤوس الأطباء والممرضات وسواهُم من الموظفين والعمال . لا أحد يعلمُ كيف تسرّبَ الخبرُ إلى خواص الناس وعوامهِم ، ولا كيف فسروه بشكلٍ مقلوبٍ . منهم من زعَم أن أدويةً أفسدَها التخزين ، كانت وراء ولادةِ جرثومٍ مجهول الهوية والتكوين ، آخرون أشاروا بأصابعهم إلى صفقاتٍ مشبوهةٍ قامت بها وزارةُ الصحة ، وتسابق السياسيون إلى اتهام شركاتٍ لا يهمُّها سوى الربحِ ، بزراعة فيروسٍ ما ، ومن ثم تصديرِه إلى بلادهم ..

 

تدخلت وسائطُ الإعلام ، حشرتْ أنفَها ، ركض إعلاميوها خلف كلماتٍ قيلت هنا، وعباراتٍ ترددت هناك ، اتفقت الآراءُ في جانبٍ ، واختلفت في جوانب أخرى ، كلٌ صار يغني على ليلاه ، هذا يحللُ ، وذاك يركّبُ ، بعضهم سعى وراءَ الأسباب ، وبعضٌ آخر أمسك بقليلٍ من النتائجِ . كذلك الحكومةُ , هي الأخرى هزّت أكتافَها، عقدت اجتماعاً استثنائياً وطارئاً لدراسةِ موقعِ هذا المرض وأخطاره على الصحة العامة .

 

توحّد رأيُ المجتمعين ، اتفقوا في خُطَبِهم وكلماتِهم ، أجمعوا على نكران الإصابةِ والتسترِ عليها، حرصاً على سمعةِ البلدِ ، كيف لا و مشافي المدنُ جميعُها لا تخلوا من مصابين في ركبهم ؟! من أين أتى هذا العرَجُ وكيف جاء ؟ أية جرثومةٍ خرقت أمنَ البلادِ ونالت من سكونِها وأمنِها ؟ ماذا يفعلون ؟ كيف يتصرفون للتستر على آفة توضعت في سيقانِ العباد . فكروا بفتح محجَرٍ سري في قفرٍ من صمت البراري ، بل اقترح أحدُهم ملمّحاً إلى إمكانية الخلاص من المصابين بذريعة ما .. وبقي سؤالٌ يتيم يطوف في فضاء حيرتِهم ، كيف يمنعون أولئك العُرج الخلقيين ، الذين ولدوا هكذا ، من التجول في شوارع المدينة ؟ حتى لا يختلطُ الحابلُ بالنابلِ ، وترى فيهِم منظمةُ الصحةِ العالمية إثباتاً ودليلاً على زعمٍ مازال قوامُهُ الشكَّ والظن..

 

توجهّت الحكومةُ إلى منظمة الصحة العالمية بكتابٍ شديد اللهجةِ ,استنكرتْ فيه اتهامَها بالتستر على ظاهرة غريبة ومبهمة ، ظاهرةٌ تحوِّل في طبيعة الجنس البشري تحولاتٍ مخالفةٍ لعلوم الأحياء , وسواها من نظريات النشوء والتطور والارتقاء..

 

في زمن لاحقٍ خففت الحكومةُ لهجتَها ، فقد تلقت عروضاً سرِّية من شركات غربية ضخمة لإنتاجِ الدواء ، شركاتٌ مهتمةٌ بالأمراضِ المستعصيةِ ، الساريةِ والمعدية , الظاهرة والخفية الطارئة ، أبدت فيها استعدادَها لدفع مبالغَ طائلةً لقاء خزعٍ وحقنٍ تأخذُها من المرضى المصابين في رُكَبِهم . كما تدفع نسبةً من أرباحِها بعد اكتشافِها هذا المرض ، وتصنيعِها الدواء واللقاحات الخاصة به .

 

فرحت الحكومةُ بربحٍ جاءها على بارد المستريح ، فرصةٌ غير متوقعة فتحت أمامَها باباً للخلاصِ من عجزٍ كبير في ميزانيتها ، سببهُ خسارةٌ دائمةٌ ، ونزفٌ لا يتوقفُ في مشاريعِها الاستثمارية والإنتاجية والاستهلاكية . خاف مستشاروها من عبث هذه الشركات ،من طمعٍ يسرق نصيب الدولة ، فتخرجُ من هذا المشروع الرابحِ صفرَ اليدين . ألح المسؤولون فيها ، أكثروا من الاستفسار والسؤال : أين هي نتائجُ البحوث ؟ كيف كانت نتائجُ الدراسات ؟ متى تنتهي ؟ نريد سلفةً ماليةً على الحساب ، مرضانا بحاجةٍ إلى مساعداتٍ تقيهُم شرَّ الفقرِ والعوَز ..

 

فشِلت مخابرُ تلك الشركات المهتمة فشلاً ذريعاً ، حار الباحثون فيها بأمر هذا المرض حيرةً ما بعدَها حيرة ، أدركوا حجمَ هزيمتهِم أمام عُصيَّةٍ لا تفسيرَ لفعلها، ولا دليلَ على وجودها، سوى تهتكٍ في غضاريف الرُّكَبِ المصابةِ . فكرت إداراتها بالاستقالةِ بعد خسارةٍ كبيرةٍ لحقت بخزائنِها . اتفق خبراؤها ومستشاروها على طعم جديد يُرمى في حلق هذه الحكومة ، علّهُ يسكتُها ويكسبُهم مزيداً من الوقت.

 

بسريةٍ تامة ، وسط إجراءاتٍ أمنيةٍ مشددة ، بعيداً عن الإعلام وفضائحِه ،عقدت الحكومة اجتماعاً طارئاً ، لِمَ لا وكشوفُ تلك الشركات وردت حاملة على صفحاتِها الغريبَ والعجيب ؟

 

وقف وزيرُ الصحةِ ، زرع نظراتِهِ في وجوهٍ تتطلعُ إليه ، قال بصوتٍ رصينٍ جادٍ:

- تلك الشركات تطالبُنا بحر بٍ نشنُها على الفجل ، إنها ترى فيه وسيطَاً وحاملاً وناقلاً لهذا الفيروس اللعين..

 

اتخذت الحكومةُ بالإجماعِ قراراً صارماً يمنعُ زراعةَ الفجل وبيعَهُ ، كما طلبت من أجهزتها الإدارية ، ومؤسساتِها الفاعلة ، تنظيم حملاتِ توعيةٍ ، تحذر الناسَ من تناولهِ سرأ ، أو حتى الاقتراب منه ..

 

سعى أولئك المديرون العاملون في أمرتِها إلى إثبات وجودهِم ، عمموا كتباً على فروعِهم ، والفروع استصدرت مذكراتٍ وأوامرَ إدارية ، انتهت بمسيراتٍ حاشدةٍ تحذرُ الشعبَ من الفجل ، العدو اللدود..

 

رغم كل هذا وذاك ، ورغم الإعلانات القماشية والجدارية ، واللوحات الخشبية والبلاستيكية واليافطات ، التي كلّفت الحكومة الملايين من عملتِها ، زاد الإقبالُ على الفجل ، صار سعرُ الفجلة الواحدة يساوي ثمنَ غرام من الذهب على السعر الحالي ، وليتَ الأمر اقتصر على ذلك ، أو توقفَ عند هذا الحد ، فقد احتل الفجلُ مقامَ السمك الفريدي والسلطاني وكبش العويس ، وتلاشت أمامَهُ صناديق الشمبانيا والويسكي والفودكا ، حتى صار من يمتلك ربطةَ فجلٍ كاملةٍ يمكنُهُ إدارةَ مؤسسةٍ وتوظيفَ من يشاء من عباد الله وخلقِهِ ، أو حتى نقلَ ابنهِ من الجبهاتِ البعيدةِ إلى حضنِ أمهِ ، وربما استطاعَ فكَّ الحبلِ من عنق المذنبِ وتعليقَ عنقِ البريء به..

 

وجدت تلك الشركات ، التي دسّت أنفها ، وأخذت على عاتقها الكشف عن أسباب هذا المرض ، بفوضى الحرب على الفجل فرصةً سانحةً . دفعت بعملائها وجواسيسِها وسياسيِّها، وسواهُم من الأطباء والباحثين والعلماء إلى داخل البلاد ، تمكنوا بما حملوه معهم من الفجل الطازج ، والفجل المحفوظٌ ، والمعلب ، من الدخول إلى ذلك المشفى، ومقابلةِ المرضى المصابين في رُكبهم .. لم يتركوا شاردةً تغيبُ عنهُم ، أو واردةً لا يعرفون من أمرها شيئاً ، استجوبوهم ، هددوهم بموتٍ يسكنُ مفاصلَ أجسادِهِم ، إن هم عادوا إلى بلادهم ، من غير حقيقة تفيد عرجَهُم الغريب.

 

أ مرٌ واحدٌ وجدوه مشتركاً بين المصابين ، جميعُهم شعروا بوخزةِ الألم الأولى أثناءَ سفرهم ، كلُّ واحدٍ منهم قال : رفعتُ فخذي ، أسندتُ ركبتي إلى ظهر مقعد الراكب الجالس أمامي طلباً لبعض الراحة ، شعرتُ بنصلٍ يخترقُ صابونتَها وينزلقُ داخلاً فيها .

 

عقدت الحكومة اجتماعاً طارئاً ، قال وزيرُ الصحةِ متشائماً :

- لا أدري ماذا أقولُ لكم عن هذه الشركات ؟ ولا بماذا أصفُها ؟ بالأمس دفعتنا إلى حربٍ على الفجل ، اليوم تطلب منا مراقبة البولمانات وتفتيشها، أنا لا أرى علاقةً تجمع هذا المرض ببولماناتٍ يركبُها آلافُ المسافرين يومياً ؟ ربما يطلبون منا في المستقبل نكشَ قبورِ أسلافِنا ، أو اقتلاعِ الأشجار المثمرة ، بحجة البحث عن فيروس لا يعلمون من أمره شيئاً ، لماذا لا نفكر نحن بمشكلتنا ؟ فلا نعطي لغيرنا هذه الفرصة الثمينة . دعونا نتعامل مع هذه الرُّكب المريضة على نحو ما ، نجري تجاربنا عليها وفق إمكاناتنا ، نحقنها بما هو متوفر لدينا ، لا نستثني حتى عصير البصل ، المهم أن لا نسمح لأحد بالتفكير عنا ..؟

 

أسئلةٌ صعبةٌ بقيت تدور في فضاء من الشكِ والريبةِ ، وضعتْ الحكومةَ في دوامةٍ من الحيرةِ والقلق . فكر رجالُها بشركات النقل والمنافسات بينها ، بدولٍ تخالفُها ، بأخرى تتفقُ معها ، بمن يفكر بتشويه سمعة الدولة ، دون فائدة ..

 

سارع رجالُ الأمن إلى حواسيبِ الشركات ، إلى أروماتِ التذاكر، اسمٌ واحدٌ تكرر ذهاباً وإياباً بعدد أيامِ السنةِ . وقف محمود العرجون بين أيديهم ، ارتعد أمام أسئلةٍ خطيرةٍ لم يحسبْ لها حساباً ، أخرج من جيبِ محفظتهِ إبرةً طويلةً ،تشبه المسلّة ، وضعَها أمام المحققين قائلاً : أنا مندوبُ ورْشةٍ لتصنيع الجرابات وتوزيعِها ، يشتعل رأسي غضباً في اليوم الواحد ما يزيد على عشر مرات ، من قليلي الذوق وعديمي الإحساس ، الذين يدفعون ظهر مقعدي بركبهِم ، وأقسم بالله العظيم ، أنني لم أتقصد أذيةً أو عاهةً ألحقُها بأحد ، لعل هذه الإبرة اللعينة ، التي كنت أدفعُ بها في ظهر كل مقعد أجلس عليه نكاية بهؤلاء الناقصين ، تحمل في رأسها ما تبحثون عنه..

 

أربكت الحقيقة أعصاب الحكومة ، لِمَ لا وقد فقدت مورداً ، كان سينقذها من التزامات كثيرة أخذتها على عاتقها . أعيدت تلك الإبرةَ إلى صاحبها ، أُطلق سراحَهُ ، رُفِعَ حظر التجول عن جميع العرجان المصابين والخلقيين، سُمح لهم بالظهور في طول الشوارع وعرضِها . أوعزت الحكومة لوسائطِها الإعلاميةِ والفضائية بنقلِ مشاهدَ حيةً ، لكل الذين يمشون برجلٍ ونصف ، آملة بعروضٍ تأتيها من شركاتٍ عملاقة تحرص على شكل الجنس البشري وتحافظُ على بقائِه..

 

 

 

أحلام ابن المقفع

 

مات الأديب الأخضر، عنوان عريض تصبّح به القراء والمستمعون والمشاهدون، انتشر الخبر انتشار النار في الهشيم. الذي يعرف الرجل معرفة حقيقية هزّ رأسه، والذي يعرف اسمه ولا يعرف أكثر من ذلك أسف بعض الأسف، أما الذين لا يعرفونه ولم يسمعوا باسمه فقد ظنوا أن البلاد خسرت علماً من أعلامها المهمين.‏

 

يوم طبع كتابه الأول لم يجد من يواجهه بحقيقة كتابه، حتى الكاتب الكبير ابن المقفع الثاني، فضّل ابتلاع لسانه على معمعة يخرج منها خاسراً مهزوماً، وكيف يجرؤ على قول الحقيقة من يجد نفسه محاصراً بالباطل؟ حتى لو وقف وقفة عنترة العبسي وشهر قلمه بدلاً من سيفه، فإنه سيجد من يتهمه بقلة الأدب، وافتقاره للياقة واللباقة واحترام الرأي الآخر وسواها من المصطلحات التي تمرر جملاً من خرم إبرة، وربما تحاك حوله حكايات تضعه هو وعائلته في برميل من نفايات المدينة.‏

 

في اليوم التالي مشى هذا الأخضر مشية الطواويس بين موظفي الدائرة التي يديرها، لم لا؟‏

 

وهو الذي أضاف إلى ثيابه الأنيقة ثوباً لا يحلم به كثيرون من أقرانه وأترابه، ممن يلهثون خلف وجاهة يستكملون بها زينتهم. جلس خلف مكتبه يتقبل التهاني بإنجازه، الذي كرّسه أديباً لا يشق له غبار، ومفكراً لا يأبه بما قاله كونفوشيوس، ولا يكترث بما رواه هوميروس، أو سواهما من عظماء العرب والعجم.‏

 

عُقدت الندوات والاجتماعات لدراسة كتابه، الذي جاوز الخمسين صفحة بقليل، لقاءات بدأت ولا تكاد تنتهي، انبرى فيها أصحاب الأقلام من أرباع النقاد وأنصاف الكتاب لتقديم شهاداتهم والإدلاء بآرائهم، هذا اشتغل على اجتهاد ما أنزل الله به من سلطان، وذاك عمل حسب مقاييسه، فكان كمن يوازن بين البيضة وبين الكوكب الذي نعيش على ظهره، وآخر اتكأ على عضلاته، فرفع مصطلحات لا تعترف بها مدارس الغرب، ولا تأخذ بها حلقات البحث في أدب الشرق، وسواهم وقف متلعثماً، فصفّق كمهرج فقد شكل وجهه.. وبقي ابن المقفع الثاني يرسم ابتسامة خرساء يرثي بها كتبه الثلاثين، التي لم يكترث بها أحد.‏

 

في كتابه المذكور، وكان عنوانه «الطاووس الذي تعلّم النباح» استنفرت الصحف الرسمية والخاصة، خصصت زواياها الفكرية والأدبية لمطالعات تجاوز عدد كلماتها عدد كلمات الكتاب بخمسة أضعاف. محطات البث المرئي والمسموع، جنّدت برامجها القصيرة والطويلة، الصباحية والمسائية، لتغطية أمسيات أدبية أدرج فيها اسمه كعلامة فارقة، ترفع من شأن الأدب العربي المعاصر وتنتشله من مآزق الحداثة وما بعدها.. وبقي ابن المقفع الثاني ينظر بعينين حزينتين إلى كتبه الثلاثين، يسألها الشفاء من بلاء تمكن من تلك الخلايا المسؤولة عن جلد الروح ومقدرتها على التأمل والانتظار.‏

 

في واحدة من تلك اللحظات التي تضيق خناقها على الروح، سأل نفسه ساخراً: هل أقفع كتبي وأضعها بين أيدي الناس ليعرفوا من أنا؟ كاد يفعلها لولا حلم جاءه على جناح نسمة رطبة، فحملته الرؤيا نحو البعيد، حطت به فوق قبر لا يشبه القبور.. ولأن الأحلام كما يقولون ليست من صنع اليد، خرج جده الأول من قبره غاضباً، صرخ بحفيده مستغرباً:‏

 

لعلك تظن أنني اكتسبت لقبي الشهير لأنني قفّعت كتبي،؟ لا بدّ أن غريمك المتأدب سلبك الباقي من لبك، وإلاّ كيف فكرت على هذا النحو؟ فكر بجيوبك التي قفّعها الخواء، قارنها بجيوب غريمك المنتفخة، بولائمه وعزائمه، بمن حوله من الطبالين والزمارين، بمروجين يكرسّون بضاعته التافهة في مزادات الأدب وأسواق الفكر. اسأل نفسك لماذا كتبت رسائلي عن الأدب الصغير والأدب الكبير؟ فكر على نحو مشابه، أحل سؤالي إلى كتاب أو كتيب تخطه، أو حتى قصة قصيرة تكتبها، فتحصل على جواب يعيد إلى ميزانك المضطرب بعضاً من العدالة الضائعة..‏

 

لم يستفد ابن المقفع الثاني من نصائح جده، أو هو فشل في تحقيق رسائل تشي بأحزان روحه، فانكفأ باحثاً عن عنوان يضم بين دفتيه رقماً جديداً يضيفه إلى كتبه الثلاثين. استبعد غريمه الأخضر من هواجسه، نفاه بعيداً عن ذاكرته، لكن الحياة لا تتبرأ من الأحياء حتى لو تظاهروا بالموت. فقد نجح غريمه في السفر إلى الهند، وليت سفره كان للمتعة أو للسياحة أو للاطلاع، ليتها كانت رحلة من تلك الرحلات الخاصة، التي تقام لزيارة تلك المعالم التي نحلم بها، كتاج محل، أو رؤية سقف العالم في جبال هيمالايا، إنما وقع الاختيار عليه كوسيط أدبي يحمل في جعبته إلى تلك البلاد معرفة بالقديم الموروث من ثقافتنا، وسواها من الحوامل والمستجدات الطارئة عليها.‏

 

كثيرون هم الأدباء الذين ضحكوا في سرهم، أو قالوا هازئين: لا بد أن حكومة الهند ستجد نفسها أمام مشعوذ، لم تعرف مثله بين ملايين المشعوذين، المنتشرين فوق أراضيها الشاسعة؟‏

 

لم تطل إقامة الرجل في تلك البلاد، عاد إلى بلده بجعبة لا تختلف كثيراً عن جعبة الحاوي.‏

 

ولعل رحلته تلك تشابهت من حيث ندري أو لا ندري، بغياب الزير سالم تلك الغيبة الطويلة عن قبيلته، حسبما ورد في سيرتنا الشعبية، والتي حقق فيها الفارس الشاعر انتصارات، لم يتمكن من تحقيقها في حربه على جسّاس الغادر، قاتل أخيه كليب.‏

 

كأن الله سبحانه وتعالى فرض على أهل الأدب والفكر عقوبة من عقوباته التي لا تغتفر، في كل لقاء ومجلس ومحفل يلتقون فيه، يصادر هذا المتأدب أحاديثهم، يملي عليهم رغباته، يفرض على آذانهم سيرة سفره إلى الهند. فإذا رأى أحدهم مشهداً ما، وأراد وصفه أو التعقيب عليه تأثراً به، قاطعه الرجل وطلع على الحاضرين بمشاهدات رآها في الهند، وإن تحدث باحث عن مستجدات فكرية قرأ عنها أو سمع بها، اعترضه ممانعاً ولاغياً، ليبحث في فكر سمع به في الهند، أو لسرد حكايات لا يعلم سوى الله مدى صحتها، تبدأ ولا تنتهي إلا بتبرم وامتعاض ينفضُّ معه الجمع، وألف شتيمة تنزل صامتة على الهند وعلى شبه القارة الهندية، وعلى الطيارة التي أقلعت بمتأدبهم إلى تلك البلاد، ليعود إليهم بكل هذا الوجع..‏

 

حين فرغت جعبة الأخضر، الذي هو بلا لون واضح، وأحسّ أن حكاياته صارت معروفة لدى القاصي والداني، دفعت به بنات أفكاره مسافات على دروب أكثر غرابة، فقد سعى إلى الإفادة من وقت كان يقف فيه خلف المنبر ليقول دونما حياء أو خجل:‏

 

ـ أثناء زيارتي للهند، استقبلني رئيس وزرائها، استمر لقاؤنا قرابة الساعة، قدمت له بياناً عن واقع ثقافتنا العربية، أبدى الرجل إعجابه بمقاطع فكرية وأدبية قرأتها له، ولا أخفي عنكم فرحاً كاد يخرج بي عن رزانتي، حين قرأ لي فقرات من كتابي الطاووس الذي تعلّم النباح.. كادت سماء نيودلهي لا تتسع لفرحي وأنا أسمعه يشيد بثقافتنا وفكرنا، ويشكرنا على ما قدمناه للهند خدمة لثقافتها، كان دليله عليها الممثل الهندي الشهير «شامي كابور» الذي جاء اسمه كنية دالة على أصله الشامي العربي..‏

 

والغريب أن هذا المتأدب لم يخجل من ادعائه وتلفيفه الواضحين، ولا من إسفافه وابتذاله فيما ذهب ثم عرفنا لماذا جاء بمقدمة كهذه المقدمة، حين تابع كلامه مبرراً لما سيرميه على أسماع الناس مما كتبه فوق السحاب، يوم عاد إلى وطنه، فقال:‏

 

ـ كان مقعدي محاذياً لجناح الطائرة، خجلت من احترام المضيفين الزائد، تساءلت وسألت نفسي: لماذا العالم كله ينظر إلى أدبنا وأدبائنا نظرة إعجاب وتقدير واحترام.. من الهنود وغير الهنود، من الغرب الأميركي إلى أقاصي بلاد بوشكين وليرمنتوف، من فرنسا أم العظام أمثال هوجو وروسو ولامارتين، إلى إسبانيا موطن سرفانتس ولوركا، من بلاد الغال إلى جبال الألب.. صحيح يا سادة زمار الحي لا يطرب، ولكم أن تعيدوا النظر في هذه التعليقات التافهة، التي تتناول أدبنا وتصفه وصفاً لا يقبله حتى الأعداء، اليوم، بل الآن أنا أدعوكم للتصفيق والتصفيق الحار لما ستسمعونه مني، حتى لو لم تستسغه آذانكم، أو عصيت عليكم عباراته، أو كانت في غير مكانها..‏

 

واستمر صاحب هذا اللقب الأخضر في كلام لا معنى له لأكثر من تسعين دقيقة بالتمام والكمال، ثم وعد الحاضرين في نهاية طوافه الغريب بترجمة كتب عن السنسكريتية، ونقل مثيلتها عن العربية إلى عشر لغات مهمة تعيش في الهند والباكستان وبنغلادش.‏

 

ودّع جمهور الحضور هذا المتأدب بتصفيق طويل وحاد، لا لأنهم أرادوا شكره ومكافأته على حصاد جميل وضعه أمامهم وبين أيديهم، بل لأنه غادر المنبر ونزل تلك الدرجات عائداً إلى مقعده.‏

 

كاد ابن المقفع الثاني يفقد عقله، ولعله فقد بعضاً مهماً منه، انتابته قشعريرة لم يشعر بمثلها من قبل، خال معها أن فصل الشتاء وضع رأس تموز تحت مقصلة من جليده البارد، وجدها فرصة ثمينة للإفادة من كتبه، رماها إلى حضن موقد جائع، ثم تمدد إلى جوارها، وتنعم بدفء لم يتنعم بمثله من قبل.‏

 

ولم تنتهِ الحكاية، حملت إليه أحلامه صورة باهتة لغريمه، ولأن الأحلام ليست من صنع اليد، مات الأديب الأخضر، هو وليس سواه، بين أنياب ضبع جريح أفلت من حديقة الحيوانات.. والغريب العجيب في هذا الموت الذي سبق موته الحقيقي، أن هذا الضاري اختاره من بين مئات الفارين تلبية لأمنية صعبة تعشش في الذاكرة المتعبة للأديب المنحوس، ابن المقفع الثاني..‏

 

ولم ينته الحلم، فما جرى بعد الموت كان أكبر وأعظم، حملت الحشود جثمان أخضرها، مشت في صفوف منتظمة تحت نعشه، رسمت أحزانها خطوات بطيئة على درب صاعدة، وإيقاعات مجلجلة عزفتها فرق وترية ونحاسية وصوتية، فإذا بنافخ البوق يصرخ بالناس لاهثاً: أما زالت الطريق إلى الهند بعيدة؟‏

 

ولم ينته الحلم، جاءت وفود لا حصر لها، من الهند وجوارها، من غرب أوروبا وشمال أمريكا، قصدوا البلاد للاطلاع على إرث ثقافي تركه هذا الرجل الشهير وراءه، زاروا بيوتات الثقافة، المكتبات الوطنية، بحثوا في كل التسجيلات المسموعة والمقروءة والمرئية، لم يجدوا له فعلاً أدبياً يستحق الذكر. عادوا من حيث أتوا، ثم أرسلوا للبلاد بطاقة تعزية فريدة في نوعها، كتب عليها: موت أديبكم بين أنياب ضبع، أرحم من موت سواه غيظاً.. تعازينا لكم.‏

 

ولأن الأحلام ليست من صنع اليد، لكز صاحب الرسائل في الأدب الصغير والأدب الكبير حفيده ابن المقفع الثاني، صرخ به: انهض، هاهي فرصتك، اكتب رسائل طويلة، تصف فيها ربع أديب تمكن من الاحتيال على نصف قرن من تاريخ الأدب..‏

 

أفاق الحفيد تعباً، رمى عينيه فوق رماد كتبه الثلاثين، أمسك قلمه، كتب على ورقة مغبرة بخطٍّ مهزوم: انتهت الحكاية. ألقى بها إلى الموقد، وراح يركض في طول الشارع، آملاً الوصول إلى جبال هيمالايا..‏

 

 

مهمّات خاصة باليانكي

 

جلس خلف مكتبه الصغير، أمعن نظره في أرجاء الغرفة، خزنٌ حديدية مخلعة تملأ المكان، مكاتب خشبية باهتة اللون، سجلات مبعثرة هنا وهناك، مكانس، لا شيء يرتاح له البصر، كل الأشياء تشي بقرفه من هذه الدائرة وأدواتها.‏

 

لو كانت هذه المؤسسة ملكاً ثابتاً له لما كانت كما هي عليه الآن، خال نفسه يلبس طقماً من تلك الأطقم الكحلية التي يرتديها المديرون العامون والوزراء والدبلوماسيون، يتمدد فوق كرسي وثير، يعكس المكتب البلوري صورة وجهه، وإلى جواره سكرتيرة فارعة الطول، من اللواتي لا يهتممن للريح سواء أتت من الباب أم من النافذة.‏

 

بعد زمن يسير تتوافد البقية الباقية من رجال الدائرة، موظفون، عمال، مستخدمون، مراجعون، فيمتلئ فضاء الغرفة باللغط، قبول، رفض، توسل، كلام خافت، صراخ وشكوى، تظلمات.. تنهّد حتى أشبع صدره من مواجع همومه، لا أحد في هذه الدائرة يكن له شيئاً من المحبة، جميعهم يصوبون نحوه عيوناً حمراء، حتى أولئك الذين يتوددون إليه، لا لاحترام يكنونه له، إنما لخوف من سلاطة لسانه، واجتناباً لأذية قد تلحق بهم.‏

 

منذ اليوم الأول، حين وطأت قدماه بلاط الدائرة، تبدلت أحوالها، كل من فيها أعلن الحرب على بعضه، الموظفون فيما بينهم، المدير مع معاونيه ورؤساء أقسامه، العمال والمستخدمون آلوا إلى مآل عجيب، هذا يترصد ذاك، وذاك يراقب الآخر، والآخر ينصب فخاً لسواه، كيف فعل هذا ما فعل؟ ماذا أكل ذاك وشرب؟ من اتصل بمن ولماذا؟ حتى المراجعون صاروا يحاذرون الحيطان في هذه المؤسسة العجيبة، وإلا توقفت أعمالهم وأشغالهم، وصارت ملفاتهم تحت رحمة كان وأخواتها..‏

 

حار الموظفون بأمرهم، ماذا يفعلون حتى لا تغرق سفنهم؟ أين هو الحل وكيف؟ بحثوا عن السبب، أشارت أصابع الاتهام إلى ظهره، كيف يتجنبونه وهو القابع بينهم؟ كيف يتجنبون أذية قد تلحق بهم؟ اجتمعوا، تشاوروا، تساءلوا، ماذا يريد منهم؟ هم على استعداد لتلبية جميع رغباته. تراخى خلف طاولته، اتكأ على سطحها الفارغ، راح يحلم بالانتقال إلى واحدة من الشركات المهمة الناجحة، ربما وجد فيها ضالة يبحث عنها..‏

 

خاطرٌ ما عاد به إلى مقاعد الدراسة، راحت الضحكات تطن في أذنه، وأصوات الاحتجاج تتعالى غاضبة: قلمي مسروق، دفتري ممزق، محفظتي، حتى المدير فقد ساعته وسبحته وخاتم المدرسة، ضحك ساخراً من موجه راح يفتش عن سترة أبقاها منشورة على مسند كرسيه. برز وجه جاره على المقعد شاحباً بعض الشحوب، خاطبه متهكماً:‏

 

ـ أأنت من يتمنى ويرغب بدائرة منظمة ومرتبة؟! مديريات وإدارات كهذه لن تستقبل أمثالك، وإن فعلت فإنها ترميك خارجاً بعد أول سيئة يستشعرونها منك.. من كان مثلك لا يحلو له العيش إلا في المستنقعات والمياه الآسنة.. أنت تحيا في نعيم ما بعده نعيم، لا أحد يحاسبك على دوام، لا تقوم بأي عمل، تجلس وراء مكتبك، تشرب الشاي، تدخن، تثرثر على عباد الله وخلقه، الصالحين منهم والطالحين، تتناول من تشاء، وتَعُف عمن تشاء، ثم تقبض ما تيسر ثمن رذالة ترعب بها أقرانك..‏

 

عقد الرجل ما بين حاجبيه، كأن العبارة الأخيرة نتفت شعرة من وبرات جلده، مع ذلك هزّ رأسه واستغرق في الضحك، تذكّر جار منزله، كان يصرخ به صراخ المتألم المفجوع:‏

 

ـ هذه رذالة وليست عمل خير كما تدعي.. وهل إصابة القطط وقتلها وتركها تتعفن من حولنا عمل خير؟‏

 

باع الجار الأول بيته بثمن بخس، رحل غير آسف على حي يقيم فيه هذا الرجل، كذلك فعل جاران آخران، والرابع سلمه لمستأجرين، والخامس استنجد بالشرطة والقانون والمحاكم دون جدوى، وهل الحاكم والمحكمة والقانون ورجال لا عمل لهم سوى فض مثل هذه النزاعات التافهة بين الجيران؟‏

 

مرة أخرى عادت به ذاكرته إلى الوراء، إلى صباه في تلك القرية التي لعنت الساعة التي ولد فيها. لا أحد في تلك القرية أعاد شقاوته إلى شقاوة الطفولة، فقد كانت أكبر من ذلك بكثير، ربما انتظر الملعون الموسم أكثر مما كان ينتظره الفلاحون أنفسهم، لا لحاجة يسعى إليها أو يريدها، بل لإيذاء متعمد لم يسبقه إليه أحد. كانت سنة قاسية بما يكفي، هذا يشتري، ذاك يستلف، وسواهما يستدين، والموسم دائماً هو بيدر الخلاص وبيضة القبّان، الكل ينتظر آخر ابتسامات الربيع في أيار، الناس يحلمون بنهاية سعيدة تأتي على همومهم وأحزانهم، وذاك الصبي ينظر إلى حقول الحصاد، يتوعدها مع أصحابها بشر مستطير. يوم كان الحصّادون يشحذون مناجلهم فرحاً، غسل الشقي هراً بالنفط، وضعه في كيس ومضى به بعد الغروب. عند واحدة من زوايا الحقول البعيدة، أضرم النار في ذيل الحيوان المسكين وتركه يزرع الرعب والبكاء والعويل في كل بيت من بيوت القرية.‏

 

اكتمل طاقم الموظفين، تقدم المراجعون حاملين ملفاتهم، صرخ هذا اللئيم بالمستخدم، طالبه بنصيب الدائرة من الصحف. مال عن ظهر المكتب قليلاً، واختبأ خلف تلك المساحة من الورق. تسمرت عيناه أمام إعلان مدهش وعجيب، يا لهذا الغرب وإعلاناته، مرة يريدون بطلاً للعالم بتقشير البصل، وساعة يريدون ملكاً للعلب الفارغة، وأخرى يفتشون عن أقبح وجه، يغدقون الأموال الطائلة لأجل تفاهات لا أحد يعلم شيئاً عن مسوغاتها ومبرراتها.‏

 

اليوم يريدون بطلاً للرذيلة، بطلاً يخالف كل الشرائع والتشريعات السماوية والأخلاقية، يمتلك تجارب حية في القذارة والقسوة وسوء الخلق، قام بأعمال أضرت بمحيطه وبأقرب المقربين إليه، لا يهاب ولا يرتهب أو يخشى أو يتردد أمام رادع ولا وازع، والشرط الوحيد للاشتراك بهذه المسابقة، أن يكون المتسابق قد بقي بمنأى عن يد القانون، وسجله العدلي نظيف لا تشوبه شائبة.‏

 

لم ينم اللئيم ليله، بقي طوال الليل ساهراً يراجع حساباته، من أذى؟ كيف أذى؟ عدد الذين أوقعهم في شركه، قام بإحصاءات لا تستطيعها الشياطين. صباح اليوم التالي، كان أول الواقفين أمام نافذة الاستعلامات لتلك السفارة، ضحك الموظف ضحكة صفراء ذابلة من أوراق صارت بين يديه، خاطبه بصوت مرتعش قليلاً:‏

 

ـ الكلمة الأخيرة للسفير، عد بعد ساعتين..‏

 

مدّ يده إلى جيبه، مرّر مبلغاً من المال عبر النافذة، دفع به إلى راحة الرجل.‏

 

ضحك الموظف وقال ساخراً:‏

 

ـ لن أدعك تذكر هذه الواقعة في جداول امتحانك لهذه المسابقة.. عد بعد ساعتين...‏

 

حقق هذا الوغد ما لم يحققه سواه، أجمعت على اختياره كل اللجان، التشريعية، الجنائية، والأخلاقية، النفسية والتربوية، منحوه كأس البطولة في حفل حضره سفراء ووزراء، مندوبون عن شركات صغيرة وعملاقة، تجار ووسطاء ورجال أعمال، وسائط الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية.. وحدها سفارة بلاده تمنعت عن الحضور، وفي وقت لاحق أسقطت عنه الحقوق المدنية، ثم تنكرت لمواطنها وانتزعت منه الجنسية.‏

 

كل الدول التي تقدم إليها طالباً حق اللجوء السياسي رفضت طلبه، وهل الدول بحاجة إلى وغد يصب على نارها زيتاً، وحدها الولايات المتحدة رحبت به، خصته بمنزل صيفي، وآخر شتوي، سيارة فارهة ومرتب لا يحلم به، وهذا البطل ما زال ينتظر مهمة لا يعرف متى توكلها إليه الإدارة الأمريكية ومخابراتها..‏

 

 

قضية قيد التحقيق

 

شتم وسبَّ, تفَّ مِنْ فمهِ, صرخ بأعلى صوته:‏

 

ـ يسع جوف الإنسان جعيلة متبلة, كيف لا يسع كلمة قد تجره من عنقه إلى المحاكم؟‏

 

جمعته بمحمود الشاهد صحبة متينة بعض الشيء, صداقة تخللها احترام وود وقليل من المزاح, لا يعكر صفوها عرض, أو أرض ولا مال, حرصَ كلٌّ منهما على رضا الآخر, واستشعر راحته, فلا يأتي أحدهما بما يرمي حجراً في سِكْرِ صاحبه, مع ذلك قُطِعَتْ حبال المحبة بينهما, وآلت إلى نهاية لا تحمد عاقبتها.‏

 

ألقى رأسه المتعَب على مسند كرسيه, أغمض عينيه, ترك زحاماً من الأسئلة اللائمة ينزاح في فضاء من حيرته, لماذا يا محمود؟ أين هي صحبتنا؟ ألهذه الدرجة هان عليك الخبز والملح؟ تنهد ملء رئتيه, زفَرَ من أعماقهما أنيناً موجعاً, ماذا يفعل؟ غداً موعد المحاكمة, غداً يقف بين يدي القاضي, ماذا يقول له؟ هل يذكر الحقيقة ويتنكر لفعل قام به؟ وإن فعل هل يقسم اليمين فراراً من عمل هو مسؤول عنه؟‏

 

قبل أيام أربعة, أسلمه محْضِر المحكمة بلاغاً, تحدد فيه موعد المحاكمة.. كاد لا يصدق ما تقرؤه عيناه: المدعي محمود الشاهد, المدعي عليه: عابد شيخ الطبل, وموضوع الدعوة: ارتكاب جناية عن سابق إصرار وتصميم, قشعريرة باردة سرت بين كتفيه, ثقل أمسك بمفاصل قدميه, كلُّ شيء بدا بعينيه باهتاً ورمادياً, الأرصفة والمارة, أبواق السيارات والزحام, إنها المرة الأولى التي يقف فيها متهماً أمام العدالة, سابقة صعبة, لم يفكر بها من قبل, أو تخطر على باله حسابات مشابهة لهذه الحسابات...‏

 

خرج صوت من أعماق روحه, لامه مؤنباً: لو أنك أحسنت اختيار أصدقائك لما كنت الآن ترتعش كطائر جريح, محمود الشاهد لا يستحق أسفاً تندم عليه, ولا حزناً موجعاً على أيام احتضنتكما سويعاتها الفرحة, كيف نسي ما كان بينكما من عهود المحبة؟ كيف تلاشت مودته, واهتزت أركانها عند أول هبة من ريح الحياة الساخنة؟ فدفع بك إلى مكان لا يرتاده سوى الخصوم والقتلة والمجرمين...؟‏

 

صخبت أمواج الحيرة في رأسه, ماذا يفعل؟ كيف يصل بمن كان صاحبه إلى قناعة تعيده إلى رشده؟ فكر بوسيط يجمع بينهما, وسيط يحمل اعتذاراً يعيد بعض الصفاء إلى سمائهما العكرة..‏

 

احتل وجه المختار مساحة ذاكرته, لِمَ لا؟ المختار رجلٌ شهمٌ, يحبُّ الخير ويسعى إليه, كلمته كلمة, لا يجوز إهمالها أو تجاهلها, يحترمه الكبير والصغير من أهل الحي وسكانه. قد يتمكن من أبعاد المشكلة, ويصل بين خيوط قطعتها حراب فرضت نفسها عليهما.‏

 

رمى المختار هدوءاً واتزاناً يتحلى بهما, ضحك مقهقهاً كما لم يضحك من قبل, مسح دمعه بباطن كفه, قال للرجل:‏

 

ـ رحم الله والدك, هو الآخر كان صاحب طرفة, لكنك سبقته مسافات بفعلك هذا.. لا أدري ماذا أقول لك؟ مهمتي لن تكون سهلة مع صاحبك.. ابن الشاهد رجل صعب المراس, عنيد, يصعب معه استبدال قناعة تحتاج إلى تبديل.. انتظر مني هاتفاً عقب زيارتي لبيت الشاهد.‏

 

أحس عابد شيخ الطبل بدمٍ حارٍ يتقِّد في عروقه, غداً موعد المحاكمة, والمختار لا صوت له ولا خبر, أحس بخيبة تهدم ما بقي في نفسه من حيطان الأمل.‏

 

نظر إلى الهاتف نظرة حملت في معانيها احتقاراً لم يشعر به من قبل, أمضى يومين قابعاً إلى جواره, ينتظر رنيناً يحمل إليه خلاصاً من مأزق يشلُّ ثلاثة أرباع تفكيره, تساءل ممتعضاً:‏

 

ـ لماذا يا مختار؟ أين هو وعدك؟ أم لعلك نسيت مشكلتي واكتفيت بما هو مضحك منها؟ حين أراك لن أسألك عما جرى, لن أعاتبك على وعد قطعته على نفسك, سوف أسألك عن شرف الكلمة, وأطلب منك تفسيراً لمعنى لن تصل إليه معارفك الباهتة البالية..‏

 

حملته ذاكرته الغاضبة إلى وجه المختار, استحضرت شاربه المعقوص إلى الأعلى, تمنى لو يمسكه به ويجره منه قائلاً: من ينسى كلمة أو وعداً, ليس من حقه ترهيب الناس بمثل هذا الشارب..‏

 

نهض ابن شيخ الطبل من مكانه, أمسك بسماعة الهاتف, أدار قرصه مرة, مرتين, ثلاث مرات, ثم أعاد السماعة إلى مكانها. مشى على أرض الغرفة ذهاباً وإياباً, تخيل نفسه واحداً من تلك الضواري, التي رآها حبيسة أقفاصها في حديقة الحيوانات, لماذا لا يطلق عنان غضبه الآن, ويصب ما يريد قوله في أذن هذا الدجّال وليكن بعدها الطوفان؟‏

 

هكذا بقي عابد الشيخ الطبل بين كرٍّ وفر, بين إقبال وإدبار, اختلطت مشاعره وأحاسيسه, حتى لم يعد يقوى على مواجهةٍ تعيد إليه بصيرة, صار في أشد الحاجة إليها.. في بحرٍ من شتات روحه واضطرابها, حمل إليه صوت جرس الباب بعضاً من سفنه الغارقة. جلس المختار. رمى يمين جسده فوق دكّة بجانبه, قال وهو يفتل طرف شاربه:‏

 

ـ ابن الشاهد مصر على إدعائه, يعتقد أنك السبب في عقمه وعدم إنجابه.. أنصحك باستشارة واحد من المحامين البارعين..‏

 

لم يغمض جفن لابن الطبل, ظلت الأسئلة تراوده حتى الصباح, لماذا فُصمت تلك الأواصر الحميمة بينه وبين صاحبه؟ أين هو الوفاء لذكريات الأيام؟ كيف وصل به مزاجه إلى هذا المفترق الصعب... أخيلة تراءة أمام باصرته, قوس المحكمة, القاضي ومطرقته الفاصلة, نداء المتخاصمين بأسمائهم.. بحث عن وجه صاحبه بين تلك الحشود, نظر في عينيه, تمعن بحاجبيه, هذه الملامح ليست ملامحه, الثغر منقبض, الفك متراجع, تمتم قائلاً: لا أظنه صاحبي الذي أعرفه؟‏

 

نظر القاضي في ملف بين يديه, قلّب صفحاته, زمّ شفتيه, كتم ضحكة كادت تنطق بما يعتمر نفسه, سأله مختصراً:‏

 

ـ قل لي يا عابد كيف ولماذا أعطيت صديقك مثل هذا الدواء؟‏

 

وقفت الكلمات في حلق المدعى عليه, هل يعترف بالحقيقة كاملة أم يتنكر لبعضها؟ هل يتفهم القاضي دعابة ولدت من رحم تلك اللحظة؟ أم يدينه ويقيم عليه الحد؟ شجعته ابتسامة رسمها القاضي بين عينيه, أجابه صادقاً:‏

 

ـ بعد زواجه بأسبوع, دعوته مع عروسه إلى عشاء في منزلي, لم يرحم بطنه, أكثَرَ من الطعام والشراب, وجع صعب نال منه, سألني حبة تخدّرُ آلام رأسه. قلبتُ صيدلية بيتي رأساً على عقب, لم أجد فيها ما يضع حداً لآلام صديقي, فأعطيته حبة مانعة للحمل, دواء تستخدمه زوجتي, فعلت ذلك يا سيدي على سبيل الدعابة والطرفة, وليس بقصد إضعاف قدرته على الإنجاب كما يدعي.. والمهم فيما جرى يا سيدي, صاحبي الذي اتهمني تهمة باطلة, ويصلبني الآن أمام محكمتكم الموقرة, قد شفيت آلامه, وعاد الصفاء إلى رأسه أكثر من ذي قبل..‏

 

بين دفاع ودفاع, وملف, وتقرير, ومذكّرة, كاد القاضي يدفع بالمتهم عابد شيخ الطبل إلى خلف القضبان, لولا أن الله أنعم عليه بالفرج, حين أنجبت زوجة صاحبه محمود الشاهد توأماً من الصبيان الذكور..‏

 

أضيفت في 06/01/2009/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية