الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | الرعاية والإعلان | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

محجوز لدار نشر

أوربية كبرى

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 03/10/2008

القصص

 

 

 

 

 

 

   وتكونين

  ودم

 وغصة

 

بطاقة تعريف الكاتب: سجيع يوسف قرقماز  

 

ـ المواليد: سورية. اللاذقية. رويسة القسيس ,1954.

ـ المؤهل العلمي: إجازة في اللغة الانكليزية وآدابها ,من جامعة حلب ,1984.

ـ العمل: محرر رئيسي في جريدة الثورة , بدءا من 1985.

 

المؤلفات:

1ـ  اللاذقية حضارة المتوسط الأولى .(دار المنارة – اللاذقية ,1988 )

2 ـ اللاذقية ./ نشرة اقتصادية /. (دار المنارة – اللاذقية , 1990).

3ـ دليل اللاذقية /سياحة, تجارة , صناعة, زراعة, خدمات .

(إصدار غرفة تجارة وصناعة اللاذقية 1995).

4 ـ مع جبرائيل سعادة / دراسة في حياته وأعماله /. (دار المنارة 1996).

5ـ مفترق الطرق / مجموعة قصصية / . ( اتحاد الكتاب العرب1999 ).

 

سيناريو وحوار في المجال التلفزيوني:

1 ـ   فيلم: أحلام حمود.

2 ـ فيلم: الديك .

من إنتاج ( الشام الدولية ) بطولة: أيمن زيدان. إخراج : محمد إسماعيل آغا.

 

المادة العلمية والتعليق للأفلام الوثائقية التالية:

1 ـ النهر الكبير الشمالي .

2 ـ الثروة السمكية في اللاذقية .

3 ـ رجل ومدينة (عن حياة وأعمال المؤرخ والباحث جبرائيل سعادة) .

4 ـ اوغاريت , بوابة الحضارة .

5 ـ قلعة صلاح الدين , مسكن دائم للشمس.

6 ـ اللاذقية.

وهي من إنتاج (مديرية الإنتاج السينمائي ـ التلفزيون العربي السوري).

 

أفلام على الـ (C.D):

1 ـ .... وحرف.

2 ـ  القائد الخالد.

3ـ الأمل الواعد.

4ـ أوغاريت.

من إنتاج مركز الباسل للمعلوماتية في جامعة تشرين باللاذقية.

 

إخراج مسرحي:

1ـ الغزاة, تأليف:آغون وولف.

2ـ قصة حديقة الحيوان تأليف:ادوارد أولبي.

 

مسرح ملحمي:

1 ـ أقهت ابن دانييل 1995.

2ـ البعل 1996.

3ـ كارت 1997.

(مثلت في مهرجان الشبيبة للفنون)

اعادة صياغة المسرح (الأسطورة) الأوغاريتي:

1ـ أقهت ابن دانييل.

2ـ كارت.

3ـ البعل.

 

تحت الطبع:

1ـ  أساطير وملاحم اوغاريت

 (دراسة وإعادة صياغة مسرحية تتضمن مسرحيات / أقهت ابن دانييل, كارت,البعل) .

2 ـ و.... حرف (مجموعة قصصية).

 

مخطوطات:

شكسبيريات (مخطوط)

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

  نماذج من أعماله

... وتكـويـن

 

(1)

عندما بدأت بتكوينها كانت في السابعة والعشرين من عمرها . قلت في نفسي :

ـ تأخرت .

لكن عندما لاحظت ما يحدث أدركت أني أملك الوقت الكافي لذلك ، وأنها كانت تنتظرني أنا لأكـونها .

في السابع عشر من شهر الربيع بدأت أشكال ٌ جديدةٌ تتكون في أكثر من مكان في جسدها. تمددت الأشكال ، وأخذت لوناً ورائحةً مختلفين ، يومها قالت لي :

ـ أشعر بالحاجة إلى تغيير ثيابي ، وبأن المرآة بدأت تتلصص علي ، لم تكن كذلك من قبل ، كانت بريئةً جداً .

 

يومها أدركت أنها كانت تستجيب لأصابعي بسرعةٍ كبيرة ، وأنها تتكون بشكل صحيح، مثلها مثل النباتات المنتشرة على شرفة منزلي ، فقد بدأت بالتلصص علي ّ ، ولم أجرؤ / كعادتي الصباحية / أن أقبلها ، و " صباح الخير " ، بل نظرت إليها من بعيد : أصبحت النباتات مراهقات ، لم يعدن تلك الطفلات البريئات اللواتي أقبل كل صباح .

 

(2)

في الشهر السابع تكونَتْ واسترحْتْ . انتظرتها ، وانتظرتْ ، لكنها لم تأتِ . أرسلت إليها آلاف الرسائل مع كل عصافير الدوري المجتمعة في حديقة المدينة ، لكنها لم تأت. لاحقت جسدها الذي تكون بشكل مثير أفقدني صوابي ، لم تلتفت، لم تأت . حلمت باللعب بشعرها الأسود .الغزير. الناعم. الجميل. اللطيف.القادر. الوهّاب .المثير. الطويل .الأجمل من الليل .الواصل قبل المؤخرة بقليل . الـ.....لكنها لم ترسل أي رد .

 

(3)

وفي اليوم السابع من الشهر السابع جاءت، كما تجيء النسمة أواخر صيفٍ جاءت، غزت عينيّ، ووجهي، وشعري، وجسدي، وروحي ..

و ...أيقظتني من عمري .. وفي ذلك  اليوم السابع من الشهر السابع بدأت الرحلة : بدأت أصابع يدي، بهدوء، تتلمس أصابع قدميهـا، ساقيهـا، الـسرة، العـنـق ،الفـم، وأخيراً حـقـقت حلمي / غزوتُ  الشعرَ الأسودَ . الغزيرَ. الناعمَ . كالـلـيلِ. الواصل ... / عندها ضجت بالحديث :

ـ كونّي من جديد .

وتراجعت إلى الخلف بحركة سريعة ،عارية ً  من المجتمع ، فاتحة ً  يديها للسماء ، ناثرةً شعرها الأسود كالليل في كل الغرفة :

ـ كـونّـي .

نظرت فوقي :

- يا آلهة الأرض !!! صرخت بأعلى صوتي ، وشتمتُ جميع رسامي ونحاتي  العالم قهراً منهم:    

 ـ  كيف لي أن أرسم تلك الصورة التي كونتُها أنا ، ثم كونَتها هي ،وذلك التكوين الذي ضمنّا معاً ؟.

عندها عطف علينا رسامو ونحاتو الأرض ، وبدؤوا يحاولون تكويننا من جديد لكنهم لم يفلحوا.

وقتها جاء " ذاك اللامعروف من أوغاريت " وبيده كمشةً من ترابها . وبدأ ...

    

(4)

وفي اليوم السابع أيقظْنا النومَ ، ونهضنا .كنا قد تداخلنا ، وتكونّا معاً ، وكان " ذاك اللا معروف من أوغاريت " ينظر إلينا مسروراً :

ـ لقد كونتكما كما يجب ، أنتما تنتميان إلينا الآن ، انهضا.

ونهضنا عاريين إلاّ من كمشةٍ من التراب الأوغاريتي الذي به تكونّا .

ـ اقرأا باسم أوغاريت ، فأنتما منها .

 

تابع" اللا معروف من أوغاريت " ، وشقّ الغيم َ متجهاً صوب ( الجبل الأقرع) ، حيث( البعل) ينـتظره ، لوّح لنا بجناحيه ، وكانت ضفتا ( نهر أدونيس ) تمتلئان بـ (شقائق البعل النعمان ) ، وكانت الشمس الذاهبة خلف ( المتوسط ) تزيّن  (الجبل الأقرع ) ، وهو يحنو على ابنته الحبـيـبة (أوغاريت )، وكان الأصدقاء يثرثرون عن( أوغاريت)، وعظمة أجدادهم الأوغاريتيين ، أوقفتُهم :

ـ الأوغاريتيون ليسوا أجدادكم ، فالفرق كبيرٌ بينكم وبينهم . تخلّوا عنـي ، تابعـوا تجوالـهم فـي( أوغاريت) ،تابعت حلمي في (أوغاريت)

 

(5)

سبع مرّات اعتلاها ( البعل)، وأنجب منها ( الثور المقدس) سبع مرّات، وسبع درجات بين الولادة والموت، بين النطفة والتراب. عددت الدرجات، وبصوتٍ مرتفع:

ـ واحد،اثنان ،ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة .

بعدها مدخل القبر ، هبطت إليه ، ومن الداخل عددت حتى السبعة  أيضا . سبع درجات  والقبر الأوغاريتي الجميل يغري بالموت .

ـ يبعث الرهبة /قالتها شابةٌ في الثامنةَ عشرةَ.

ـ بل بالطمأنينة/ أردفت امرأة في الأربعين.

ـ وما رأيك أنت ؟ / سألت ثالثة.

ـ يغري بالموت / أجبت بهدوء / شرط أن يتكون الإنسان  بشكل صحيح ، ولا يندم على ما ترك / قلت في نفسي.

 

كان الجميع قد ابتعدوا ، نسوا أني في القبر ، كنتُ هادئاً ،هانئاً ، مطمئناً ...كالنفس الراجعة إلى ربها ...، غفوتُ، لا أدري كم من الوقت، لكن الظلام كان أسود عندما استيقظت ، وحينما انتبهت إلى  وجودي في القبر كان الحلم ضيقاً، وغزاه  الأرق، حاولت أن أطرد الأرق، وأحلم بها ، لكن أخرى أتت بدلاً منها:

ـ تلك الساق، السرة، العنق، الشفة، الشعر الأسود، كل ذلك التناسق لم يأت، بل أتت أخرى متضاربة الأشكال والنتوءات ... لم تأت ثانية.

ـ أيتها الآلهة ماذا يحصل ؟ لماذا؟

 

(6)

عندما بدأت بتكوينها لم أكن أعرف إلى أين المصير . لكن بعد أن كونتُها أدركت.. الآن فقط أدركت  أنها الخسارة الوحيدة في حياتي :

ـ أيها الإله الطيب ، ماذا يحصل لنا أنا وأنت ؟ أنا أكوّن و أنت تكوّن ، ثم فجأة ً يتحطم الطين ، ونخسر كل شيء . يا إلهي كم هو ثقيل هذا الحزن الذي يلفنا أنا وأنت ؟ يا إلهي أيها الـ / .

وضع يده بهدوء  على فمي ،لم يتركني أكمل كلامي ، أحس بعذابي ، عرف مقدار خسارتي ، أمسك بيدي ، قال لي " اللامعروف من أوغاريت " :

ـ انهض .

ونهضت . عارياً إلا من كمشةٍ من تراب أوغاريت .

ـ اقرأ باسم أوغاريت ، وانهض من هذا المكان الجميل  الذي أنت فيه . قم إلى العالم من جديد ، فالشمس قد شوت الأرض التي تنتظر أن تحيى من جديد ، ويبدأ فيها الزيتون بالتبرعم، والدالية بالحبات الخضر . قم فأمامك الكثير .

- وماذا عنها ؟

ـ ستراها من جديد ، أنا من كونكما ، ستكونان معاً من جديد .

 

(7)

نهضت ُ ، قرأتُ باسم أوغاريت ، صليتُ لذاك النائم في حضن الجبل الأقرع ، حملت عصايَ ، تابعت تجوالي بين الحقول ، وهناك رأيتها :

كان (تموز) قد بدا يغور في قلب الأرض ، و(البعل) ينزرع في التربة من جديد .

رأيتها كما (عناة ) تحمل رحاها ، وتستعد لطحن (موت) ، وذرّ بقاياه في الأرض . قبضت على يدها . سرنا.مشينا . ركضنا . سابقنا السحب . انطلقنا بكل سرعة إلى ذلك المكان الذي كان قبراً ، ذلك الموقع الجميل . كان "ذاك اللامعروف من أوغاريت " ينتظرنا . رفع الدرجة الأولى ، الثانية، الثالثة، الرابعة، الخامسة، السادسة ،فالسابعة . مدّ السلم باتجاه ذلك المكان الجميل حيث سندخل :

1 ـ متشابكة أيدينا .  2ـ متداخلة أجسادنا .  3ـ ملتصقة شفاهنا .

4 ـ متصالبة شراييننا .5ـ وبقلبٍ واحدٍ .   6 ـ ونفس ٍ واحدةٍ .  7ـ وروح ٍ واحدةٍ ....                        

دخلنا ذلك المكان الجميل ،  وكان  "ذاك اللامعروف من أوغاريت " قد بدأ يعدّ الدرجات :

- واحد، اثنان، ستة /ودعنا :

ـ المكان يليق بكما / سبعة .

 

صار الظلام أسود ، ازداد سواده ،كنا نمتلك بعضنا بعناقٍ أبدي ٍ  . وكانت روحنا الواحدةُ تهدأ ، تستعد للانطلاق ، وكان  (البعل)حينها  قد شمر عن ساعديه، ليطلع

"بخور مريم "  و "شقائق النعمان ".

19  ـ4 ـ 1999

 

 

... ودمّ

إلى: (نائل وآيتان).

 

حلمٌ يرافقه منذ ولادته، ويعتقد أن الحلم ولد معه، الحلم لا يتغير.

حلمٌ يرافقها ، ولد معها، لم يتغير .

لم يستطع تحديد معالم  حلمه  . لم تعرف حلمها بوضوح .

( نائل) من ـ مجدل الشمس الجنوبية ـ  ، (حورية ) من ـ إنطاكية الشمال ـ.

لم يكن يعرف شيئاً عن حلمها ، لم تكن تعرف شيئاً عن حلمه .

 

عشرين عاماً عاش الحلم معهما ، عندما عادا بعد عشرين عاماً إلى ـ دمشق ـ ، ومن بين آلاف الطلاب المنتشرين في جامعتها، التقت نظراتهما :

نظر مباشرة في عينيها، تطلعتْ مباشرة في عينيه، عندها: سكب  في عينيها بعضاً من حلمه. تحدثا عن حلم، حاولا رسم صورة واضحة للحلم:

"سرب حمام يشكل لوحة ً  نادرة ً  في السماء الزرقاء الصافية، تبدأ الغيوم بالتجمع معكرة ً  صفاء السماء، حمامتان تفصلان عن السرب : واحدة تتجه شمالا ً ، والأخرى جنوبا ً ، والغيوم تتحول إلى خط أحمر قان ٍ  يفصل بينهما "

 

- هذا ما وصلنا إليه بعد لملمة أجزاء الحلم / قال نائل/

-لا تفاصيل أخرى ؟ .

-لم نتذكر أكثر من ذلك ./ أجابت حورية /

-يبدو أن شيئاً يمنع لقاءكما .

-وكيف نعرفه ؟

-لنذهب إلى العراف في معبد ـ داجن -  في - أوغاريت- ، استقبلنا العراف، كان لطيفا ً  معنا، سألنا عن غايتنا، روى له (نائل). فكر كثيراً ، التجأ إلى الصلاة ، انفصل عنا...

تجولنا في -أوغاريت-، تسلينا بلقاء أهلها ، كانوا طيبين معنا. عدنا إليه ، كان قد انتهى من صلاته :

-خلقتما معاً، وستبقيان معاً . عائق واحد في طريقكما . دمٌ جديد..

صمت العراف، صمتنا ، غادرنا –أوغاريت- نزولاً إلى الصخور البيض عند البحر، وكانت مياهٌ تغسل الصمت. 

تقابلت أيديهما، شفاههما، كنت أغوص بعيداً في البحر، كان موجه هادئاً، وأشعة شمس ٍ  جميلة، وكان حب...

 

كانت –أوغاريت- قد أعلنت التعبئة، وبدأت تجمع دماءها من أجل استرجاع منزل البعل الذي بناه (كوثر) في -الجبل الأقرع- ، وتفنن في صنع نوافذه المطلة على -المتوسط - في الغرب، وعلى -أوغاريت- في الجنوب ، وكان جبل الجنوب الشيخ - حرمون - يبعث بالرسائل نسماتٍ باردة حيناً، ويحمّلها للعاصي أحياناً، وكان - البرابرة - شمالاً وجنوباً، يحاولون منع اللقاء. "وكان نهر العاصي لا يكترث بالسدود، ولم يكن يكترث بالحدود، ويعبرها دون جواز سفر ، حاملاً رسالة حبّ ٍ تبعث بها بلادٌ بأسرها إلى عاصمتها المفقودة - إنطاكية- ، وعندما يطل من البعيد على –الجبل الأقرع- كان الجبل يقول له:

-سنسهر أنا وأنت دائماً على هذه البلاد، ونبقى معها، سنحبها، ونتألم من أجلها."*

 

والألم يزين الحب (نائل وحورية) قصة حب مختلفة، ترعرعت بين صخور - المينا البيضا- ، شهودها ملوك أوغاريت ، وأشعة الشمس النقية، وكانت - أوغاريت- القلب .

 

عندما كانا يغيبان خلف الجبل، كانت نجوم السماء مجالاً رحباً لنداءاتهما، كانت (حورية ) تسألني من خلف - الأقرع - :

 

-أنت في القلب ، أخبرني هل أستطيع إرسال رسالة من وراء الجبل / عبر مجموعة الدب الأكبر/ في هذا الوقت ؟ .

 

 ودون تفكير كنت أقول:

-السماء صافية هنا، ستصل الرسالة إلى - حرمون- ويتسلمها ( نائل).

كانت الرسائل تصل. وكلٌّ منهما يؤكد من جهته أن السبب في وصول الرسائل هو -أوغاريت- التي تحدد الاتجاه الصحيح، إضافة إلى جهودي المشكورة.

 

كانت تغني له:

نسمت من صوب سورية الجنوب

قلت أين الملتقى يا حبيبي

 

هو بعيد، و(حورية) تغني ، وتحاول معي إيجاد طريقة تجمعهما إلى الأبد في رباط مقدس. أذكر أني قلت لها شيئاً يساعدها في الوصول إلى حل، لكن بعد الكأس الرابع، الخامس، لم أعد أذكر، أذكر فقط أن شيئاً ما في رأسي يمنعني من النوم، وصوت مستمرٌ لمنبه سيارة إسعاف، صفير، ينتفض رأسي، أخلع عني لحافي، يستمر الرنين، إنه صوت الهاتف:

-أين حورية؟

-حورية !!

-مالك يا رجل ؟

ـ آ ه /نائل/؟                                                                                     

-إي /نائل/

-لا أدري .

-لا تدري؟

-آ .آ . انتظر (نائل) ربما هي في الغرفة المجاورة؟ لا . لا (نائل) ربما في دمشق .

-وماذا تفعل؟

-أذكر قبل الكأس الأخير، وقبل أن يلبسني النومُ قلقاً ومشوشاً، نصحتها أن تلجأ إلى الصليب الأحمر الدولي، وحقوق الإنسان، وحزب الخضر... و /

-هيه ، سجيع ، سجيع ، ماذا تقول ؟

-أنا جاد يا (نائل)

-لماذا؟

-كي تلتقيا

-أنت تمزح .

-صدقني ، ذهبتْ من أجل ذلك.

-وماذا ستفعل ؟

-لا أدري.  لقد حدثَتني البارحة عن حبها الكبير ، وبأنها لا تستطيع العيش بعيداً عنك، فقلت لها الطريق الوحيد أمامك هو الأمم المتحدة .

-وصدّقتْ ؟

-سننتظر أنا وأنت ، ربما تتصل هاتفياً؟ .

 لم تتصل، يومان مرّا ، مساء اليوم الثاني، هبطتْ من سيارة أجرة، ابتسامة تملأ وجهها، ركضت إليَّ:

-وعدوني بحل المشكلة.

-أو تعتقدين؟

-هذا ما فهمته، ما لك أنت ؟

-اتصل (نائل) وهو قلقٌ جداً.

-هل سيتصل ثانيةً .؟

-لا ، سيصل هذه الليلة.

 بعد أن فهم (نائل) أنّ ( حورية) كانت جادةُ في ذهابها إلى الأمم المتحدة، وصليبها الأحمر، قرر أن يبقى قريباً منها.

-ألن تتزوجا ؟    

-لا يهم / قالتْ /.

-المهم أن نكون معاً /قالْ/.  

-تزوجا في إنطاكية /قلتُ/.

-لا نستطيع /قال نائل/. لا يُسمح لي بالذهاب إلى هناك دون جواز سفر (بربري) .

-طيب ، ليكن في (مجدل شمس).

-وأنا لا يُسمح لي بالذهاب إلى هناك /قالت حورية/ .

-إذا ً هنا .

-لا يمكن /غصّا معاً/

-فلتبقيا عندي، وليأت الحل، فلا بد أن يأتي،

-من الصليب الأحمر؟ / قال /

-ربما من الزمن ؟ / قلت غير مطمئنٍ مع إحساسي بأن الأمل يتسرب من بين أصابعي، لكن وكعادته، عند الحاجة الماسة إليه، جاء (ذاك اللامعروف من أوغاريت) جاء يرتدي الأخضر الموشى بالأرجوان:

-أنهض .

-أنت ؟

-أنهض باسم ذاك الذي أبدع الحرف.

 

ونهضتُ ، نهضا معي، سارا صامتين دون أن يعرفا إلى أين، تقدمنا (ذاك اللامعروف من أوغاريت) ، دخلنا قصراً جميلاً . قال :

-قصر (نقماد) ، ملك أوغاريت. 

-صديقي أعرفه ،/ قلت/ .

-أدخلوا بأمان .

 

كان (نقماد) بانتظارنا ، سألنا وأجبنا، سار وسرنا، صعد درجاً يؤدي إلى السماء، صعدنا، سبعاً بسبع ٍ ، سبعين،توقف ( نقماد) توقفنا، ركع، سجد،استقام، رفع صوته كالرعد عالياً،كانت سحابة تظلله، وكان يستمع إلى صوتٍ قادم ٍ من السماء ، خرّ ساجداً ،طال سجوده، طال صمتنا، نهض بهدوء مستبشراً :

ـ الدم في قلب ـ أوغاريت ـ طازجٌ ما يزال .انهضا ،اللقاء في القلب ، موعدكما في ـ أوغاريت ـ ، هي القلب لكما ..

 

وبينما كانت السماء تجمع غيومها ، ورعودها ، وبروقها، وأمطارها ، لتلقي بها في الاتجاهات كافة،تسمّرنا عند  الدرجة السابعة والسبعين بعد المائة السابعة ، كان (نقماد) يواصل ارتقاءه  ، وكان (البعل) بانتظاره عند شرفة قصره العالي الواصل إلى السماء، في حضن الجبل الأقرع,  بدأت العاصـفــة ، وبدأنا نهبط الدرج الواصل إلى الأرض . التـفتّ خـلفي لألتــقط آخــر ظـهــور  لـ (البعل ) و(نقماد) قبل أن ألحق ب (نائل) و(حورية) ، حيث أخذ (ذاك اللامعروف من ـ أوغاريت ـ أيديهما قاصداً     القلب ...

 

كانت ـ أوغاريت ـ ، ورغم العاصفة ، تسيّر الدم بين العروق شمالاً وجنوباً ، ويستمر القلب بالنبض ، وإرسال الدم ، وكان ـ جبل الشمال الأقرع ـ يرسل التحيات إلى ـ جبل الجنوب الشيخ ـ ، وكان ـ الشيخ ـ يرسل الرسائل الداعمة مع النهر العاصي الذي لا ينسى ، وكان الدم يجد بين ذرات التراب منفذا ً هنا ، وآخر هناك ،  وبدأت الأرض  ترتدي  ثوبها   المزركش  بـ :

( شقائق النعمان ).

* من مقدمة محاضرة (انطاكية وشقيقاتها الثلاث) لــ جبرائيل سعادة –22-11-1965

17/ 3 /2000

 

 

... وغصة

 

 

(ابتكرت الحياةُ الموتَ لكي تملأ دائماً رئتيها بهواء آخر، ولكي تظل جديدة ً دائما ً.)

                                                              أدونيــس

 

لماذا تقف (جاكلين)في تلك الشرفة ولا تغادرها ؟ لم أكن أدرك ذلك ،سألتها ولم تجبني .

وأنا أدرك لماذا سمى (هاني الراهب ) ولده"تموز" ، وان لم أسأله عن  ذلك.

لم أكن أعرف قصة (جاكلين) في البداية . وأعرف لماذا أطلق (علي أحمد سعيد ) على نفسه اسم "أدونيس".

 

أحب نوعين من الزهور يخرجان من رحم الأرض مع بوادر الربيع : شقائق النعمان ، بلونها الدامي ، وبخور مريم بالأرجوان ثوباً جميلا ً .

أعي تماماً أنكم لا تعرفون (جاكلين) ،لا تستعجلوا ستتعرفون عليها ، وربما ستلومني هي لإفشاء سرها .

 

أدرك أن البعض منكم يعرفون أن  (البعل، أدونيس،تموز) هي أسماء لرمز ٍ واحد ٍ طقس ٍ واحد ، هو الخصب والتجدد الذي يطلع من الأرض بعد موتٍ  طقسي ٍ  ،والذي يُخرج من نــــهر ـ إبراهيم  ـ ( أدونيس  )، مع كل ربيع، شقائق تنزرع على ضفتي النهر ، وحيث تستمر الحياة في صراع  بين الولادة والموت ، بين الخير والشر، بين الحضارة والبربرية ، ويستمر ( البعل ) رمزا ً  لتجدد الحياة ، وأنيسا ً  لأنبل بني البشر في موتهم الطقسي ، وتظل الصاعقة في يده، وتخضر العصا في يده الثانية ، ولن يحني هامته لقوةٍ في الأرض .

 

تهتز الأرض في مطار (خلخلة) قرب الشام ، ينطلق النسور ، نودعهم بصمت ، وبين السرب والسرب كنا نعود إلى المذياع ،نتابع أخبار الحبيبة (بيروت) ،واجتياح البـرابـرة لهـا .يعود بعضٌ من السرب ،

نعدها: ...غصــة:

ـ ستسمى مدرسة ٌ  باسمه .

ـ أنطلق مع مظلته بعد أن اشتعلت النيران .

ـ تبعثر مع طائرته بعد أن أسقط طائرتين للبرابرة .