أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتبة: سعاد القادري

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتبة

بطاقة تعريف الكاتبة

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتبة

 

ولدت في درعا سنة 1966.

عضو جمعية القصة والرواية.

أهلية التعليم الابتدائية

تجيد الإنكليزية.

 

مؤلفاتها:

1-على حافلة الحلم.

2-أنا و 12 قصة.

3-عرس النار.

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتبة

صرخة في مملكة السكون

 نبوءة عاشق

في الطريق إليك

جفون النشوة 

 

جفون النشوة

 

هز إليه بجذع النخلة..، هزها بكل ما تبقى لديه من قوةٍ لم يتساقط منها شيء.. نظر إلى السماء..‏

معدته مغارة جوفاء، يضرب الهواء جدرانها دون شفقة، فيصفق تصفيقاً مخيفاً، يضيع فيها الصوت والصدى..‏

انتظر قليلاً.. ثم عاد يهز.. لم يجده..‏

تسلقها، ومضى يدوس بقايا السعفات كأنه يرتقي درجات حجرية.. فيرى العناقيد.. عناقيد الرطب تزداد اقتراباً،..‏

قهقه في أعماقه..، ابتسم وجهه..، زالت معالم الأسى عن جبينه، تذكر كل الوجوه التي كانت تعبر مرآة حياته.. تذكر عثرات زمانه، أيامه السالفة، أصدقاءه الذين ما عرفوه وما صدقوه..‏

أنكرته الذكريات.. أنكرها.. ورأى العالم أمامه أكواماً من الرطب، تمنى لو يستطيع دعوة كلّ الذين تذكرهم ليروه وهو يبلغ الرطب بعد لحظات، ويغمض جفون النشوة.. يصفق ويناديهم:‏

انظروا.. لقد وهبني الله ما أريد..‏

قهقه من جديد.. وبصوت مدوٍ كساعة من ساعات العواصف الرعدية الليلية.‏

نظر إلى الأسفل، جذر النخلة بعيد جداً.. لكنه.. فجأة أصبح أعلى منه..‏

نظر إلى السماء من جديد..‏

راح يهز بقايا جذور لشجرة كانت قد قلعت منذ زمن بعيد.. بعيد..!!‏

(( .. حبة خوخ .. ))‏

كل ما فيه كان كبيراً..‏

رأسه، أنفه، كرشه، ذقنه، شعر رأسه، حذاؤه‏

حتى زجاج نظارتيه، وأعوام عمره المكومة خلف ظهره..‏

لذا يستخف بكل شيء..‏

بحبي، بقلبي، بشعري وطولي..‏

وكل ما يمكن أن يراه مني..‏

المهم.. قلت أقدم له قلبي، عله يرضى ويبتسم مرة واحدة.‏

ولأن قلبي صغير جداً..، حسبه حبة خوخ كان يبحث عنها‏

منذ زمن.. قضم بشدة لم يكن طعمه حامضاً..، بل نز‏

عصيرٌ أحمر حلو المذاق.‏

لعق أصابعه..، لعق أطراف فمه بلسانه الأحمر..‏

وراح يبحث عن حبات رملٍ حمراء.. لم يجد..‏

كان النحل قد سحبها جميعاً، وراح يضعها سياجاً لبيته..‏

بكى وانتحب بصوت طفلٍ صغير..‏

فتلونت حبات الرمل من جديد بلونٍ أشد احمراراً من‏

عصير الخوخ الطازج.‏

 

 

في الطريق إليك

 

الأبواب مقفلة دونها، والستائرُ مسجاةٌ تنوحُ وتنوح وتحمل في غابة الليل سلةً من نرجسٍ وأقحوان وقرنفل أحمر وياسمين.. لتهدي للمحبّة والحبيب زهرة...‏

حاصرتها الدروب الضيقة التي سارت بها بين الكروم والبساتين بحثاً عن ذلك الحبيب الذي هتف يخبرها بمكانه على قمة ذلك الجبل..‏

امتشقت كومة من الحجارة تبين أنها غطاء بئرٍ عميقة.. زلقت إحدى قدميها وبقيت الأخرى تتأرجح بين الحجر والهواء.. ثم تهاوت.. تهاوت..، ترددت صرخات استغاثاتها فعمت الأجواء وغطّت وجه الغابة الكئيب ورؤوس الأشجار المثمرة في الحقول التي نادتها أن تعرِّج عليها، وتقطف شيئاً من ثمارها اليانعة..، فرفضت..، ثم استسلمت لألم السقوط.‏

فتحت عينيها لتجد كفها وقد أمسكت بأسماله البالية.. راحت كفاه العريضتانِ ترفعانها إلى الأعلى..‏

أوصلها لمكانٍ يمكن أن تستريح فيه.. تسترجع أنفاسها الهاربة، وأعصابها المسفوحة على غطاء البئر..‏

بعد ساعةٍ من الزمن رفعت جفنينِ متعبينِ عن عينينِ.. كسولتين..‏

كان أمامها وجهاً مغبراً جميلاً..، مسحت جبينه بحنانٍ يمينها..، تغيّر لون وجهه كمن لدغته عقرب سوداء فسرى سمُّها في جسده، فصار شاحباً مصفراً كوجوه اليتامى.. كان يبدو غير حقيقي..‏

ملامحه صامتة..، جافة..، كأنه مليكان يجلس خلف مكتبه..‏

مسحت بيدها جانباً من وجهه..‏

أعلن مسؤوليته عن طفلها المنتظر..‏

وارتاح للقرار.!!.‏

 

 

نبوءة عاشق

 

عندما استولدتك من بنات أفكاري ذات فجر، لم أكن أعتقد يوماً بأنك ستنتهين هذه النهاية وسترسمين أحلامي وأحلامك بريشةٍ سوداء وألوان قاتمة، نادتك أحلامي بأكثر من زيَّ ظهرتِ..

وحين لمحتُ في عينيك ابتسامة اعتقدت..

لم يكن كذباً ما باحت به عيناك ذات ربيع حين كشفت سرها لشقائق النعمان، وبكت، لا لم يكن ادعاء حين نادتني قمرها الجميل، لا ولن يكن حلماً سفرك الدَّائم إلى جزر قلبي المنفية البعيدة..

عندما كنت تجيئين، كنتُ ملحداً بوجودك حقيقة، لا شيء يثبت ذلك، ولا شيء يبرهن قدومك من عالم البشر سوى طرقات حذائك على الممر الرّخامي المؤدي إلى غرفتي، وتلك النظرة الحادَّة التي كانت تعرّيني وترميني بعيداً.

تغارين من زميلي في العمل ومن أشياء أُخرى.

مع صديقةٍ لكِ قمتِ بزيارتي، ليس ذنباً اقترفتُه حين ادّعت صديقتك بأنّها تحبني وأنا أُحبُّها، اكتفيتِ بالعبور بين الفنية والأُخرى.

عيناك تنطق كلاماً آخر لا تبوح به شفتاك، أشعر بحقدٍ تجاهك، أحبّكِ...،تحدثينني عن شابٍ يحبك وينتظرك، حدَّ الجنون مخلصُ لك في حضورك وغيابك، مللت حديثكِ عنه، مللت رؤيتكِ له ملاكاً لا يحملُ سوى الحبَّ.

كنتُ أُراقب عينيك...، ترى هل رأُته؟!

أحاول الغوص لأعماقكِ، لأعرف إن كان قد دار حديثُ هاتفي بينك وبينه.

كنتِ ترتدين مدينةً أخرى تتوقين لزيارتها، مدينة قاحلة، لا تقويم يربط أيامها... ومع ذلك كنتِ تحبينها...

تجاهلتِ وجودي وتماديتِ في مدحه وإظهار التعلّق به، ينفق دون حساب، كلّ يوم تضيفين إلى محاسنِه صفةً جديدة.

ضبطتني أكثر من مرَّة أُفتش أوراقك، لأقرأَ ما تكتبين عنه، أُفتش عن كلِّ حرفٍ تكتبينه لأعرف إن كان بطلاً لأحلامكِ.

بماذا تخاطبينه..؟

ما النداء الّذي تنادينه به؟

وهل تذكرين اسمه صراحةً أم ترمزين له بشيء من صفاته..؟

أتمنى لو أقرأ أفكارك لأكتشف تصوركِ له، وعندما أبحث عنك دائماً أجده هو، أَصفع أَحلامي بقسوةٍ، أستمدها من جبروتكِ وأمضي..

ثم قنعتِ بأنني أُحبّكِ أنت لكنك حائرة، مترددة، ترسمين لمغامرةٍ غير عادية، ومع هذا ترفضينها، نخرج معاً نتحدى عشاق العالم، ربما هو عطشُ الأعوام المتراكِمة خلف ظهري هو ما شدَّني إليكِ، وربما جرأتك وثقتك بنفسكِ أكثر مما يجب هي التّي  جعلت لحظات العشق تقترب بيننا وتتلاصق حارقةً كلَّ المراحل وبدأت من النهاية..

فهل تسمينه مثلي عشقاً أم جنوناً..؟‍!

قلتِ لي ذات حزن:

إنني وأنا منقادةُ خلف جنونك أو عشقكَ أَعرف أنني إلى أيَّ كهفٍ أَسير... كهفٍ سارت إليه مئاتُ النساء وربما ولا واحدة..

أغمض عيني .. أغمض عقلي..

صنعتُ منكِ أُنثى تحبُّ وتحلم..

رفضتني بعد زمنٍ طويل بحجة أَنَّ حبَّنا شاع بين الناس ويجب معالجته بزواجٍ آخر..

هل هو هروب من ا لماضي أم خيانة لمبادئ قديمة كنتِِ تضعينها تاجاً على رأسك..؟

أم هل كان حاضراً في أيامك دون أَن أشعر بوجوده حين التيقتكِ؟

أَكنتِ تحلمين بأطفال منه حين كنتِ تتحدثين بحنانٍ غريبٍ ولهفةٍ لاحتضان أبناءك حين تصبحين أُمَّاً لأطفالي.

الهم في منتصف عمره الآن والقمر الّذي كان مهتماً بإظهار أَدق التفاصيل في الكون من حولنا ذات فرح بات شاحباً، والكتب الّتي جمعتنا يوماً ـ حولي هي الآن وبين يدي ـ لم تعد تعطيني ذاك الشُّعور، إنها الآن تشعرني بالملل وتتوقف الأوراق عند ورقةٍ واحدة ليطلّ وجهكِ، قامتكِ، بكل َّ جبروت.. تنهين كلَّ أفكاري إلاّ فكرةً تدور حولك وبك ومنك فلماذا لماذا أحببتكِ؟ تفلسفين الأمور كما تريدين، وترددين أقوال الحكماء بأنَّ الحبَّ يجب ألاَّ ينتهي بالزواج، وأنَّ الزواج مقبرة ا لحب.

كأنَّك خائفة أن ننسى كلام الحبَّ وأشعاره في دوامةِ الرَّكض خلف رغيف الخبز، وإحضار الحليب والعلاج للصغير، وشراء ثلاَّجة أو سجادة أو لوازم الأولاد المدرسية..

ولم أستسلم بسهولةٍ، جادلتكِ كثيراً.

حاولت إقناعك بأشياء جميلة في زواجنا، بأنني لن أنظر إليكِ كامرأة مهمتها فقط أن تغسل الثياب وتنظف المنزل، وتطهو الطعام وتنظف الأطباق وتقدم الطعام..

بل سنحلم ونحلم ولن يغدو الحبُّ بيننا شيئاً ثانوياً أبداً..

أحببتني بعمق، لكنك كنتِ متعجلة لطمس لحظاتِ عشقنا الصُّوفية بسرعةٍ كأنكِ كنتِ تخجلين من ارتعاش يدكِ حين لامستها يدي مصادفة أو ...

كنتِ في شغفٍ للقائه، حرتُ بماذا أُودعكِ، لم يبق لي قدرة على الكلام، انطلقت إليه بلهفةٍ قتَلَتني، كثيراً ما طلبتُ منكِ أن تتريثي في اتخاذ القرار كأنَّك لم تسمعيني..

كنت تحبينني وتعلنين ذلك، كنتِ متعجلة للقائه وكنتُ أتمنى أن يتوقف الزَّمن طويلاً، لكنك بوجهك الحالم فيه، وجهكِ الّذي لم يحمل حزن وداع حبيب  أضعتِ قدرتي على الكلام.

صرتُ مثلك أحاول إنهاء وقوفي أمامكِ دون تلويح منديلٍ أو يدين، تضرعتُ إلى اللّه أَن أنساكِ لتهنئي بحلمكِ البراق، دفنتُ حلمي بأن أبني لكِ قصراً من نورِ ودفء على قمةِ جبلٍ نزع حدائقه حباً ووفاءً، فكيف استطعت وبطعنةِ سكين تمزيق لوحة القصر بعد أن أكملنا تفاصيله الدقيقة، كيف أنهيتِ حكايتنا بهذه القسوة، أكان قرارك إرادياً حين أعلنتِ نهاية قصتنا، واخترتِ مدينةً بعيدة، بوجوه جديدة، ترسمين بها أحلاماً أُخرى وتنسين كلَّ شيء.

قبل أربعةِ أعوامٍ كان عليَّ أن أتزوج.

أما أنت فقد زرتِ كلَّ دور الأزياء العالمية وقلَّبت مجلات الموضة والمكياج، فشلتِ في أن تمنحيه طفلاً، ولم ينجح في أن يصنع منك امرأة كانت ستغدو شيئاً عظيماً.

تمر بك الأيام لا تعني لكِ شيئاً، كأنها لم تضف شيئاً لعمركِ وهي تتكدس خلف ظهركِ، أكواماً متلاحقة سريعة، تقفين في مكانكِ، ترتحلين إلى الصمَّت مكتوفة اليدين، تتلاشى أحلامكِ، تنهزم أعيادكِ دون ابتسامةٍ، لا شي إلاَّ الهمُّ و الفراغ  والوحدة تسكنكِ.

كسائحةٍ عشتِ معه خمسةَ أعوامٍ، عدت في نهاية الرِّحلةِ بكثير من التذكاراتِ الثمينة والملابس والذكريات المرَّة عن امرأة وقفت حائرة بين رجلين أحدهما أحبها وحلم بأشياء جميلة، والآخر تزوجها لتمنحه الأبوّة فتكتمل سعادته.

لكنها لم تتخلص من حبها القديم رغم كل شيء فعاشا سائحين غريبين لا يربطهما شيءُ سوى (فِيَز) وبطاقات عبور مدن جميلة بعيدة لم تستطع أن تعطيهما أملاً بطفل، فقال لها ارحلي..

عودي من حيث أتيتِ..!!

شيءُ ما كان يرقبني أن أمرَّ بهذا الدرب دون سواه ومن هذا الاتجاه دون سواه.

عند بائع ساعاتٍ رخيصة الثَّمن توقفت لقد رجاني أكثر من مرّة وكنت أتجاهل ساعة يدي الّتي أُصيب الزَّمن فيها باحتشاء مفاجئ، ناولته السّاعة فكان أن مررتِ أمامي، تجاهلتُ وجودكِ، شددتُ يد ابني الّذي كان يقف بجانبي، فصرخ متألماً، رحتُ أنظر إلى غطاء السّاعة وأراقب عملَ الرجَّل، وأَطلب منه أن يسير الزَّمن بدقةٍ وأُحمَّله مسؤولية أيّ توقف مفاجئ.

أعرف أنك حين تناغين طفلتي وتبتسمين، تبكين بحرقةٍ وبداخلك شهوةُ لبكاءٍ قديم لا تتحقق.

طفلتي الّتي بالمصادفة تحمل اسمكِ وقد غدوت جارةً لنا في بيت أهلكِ، لا تدرك أنكِ إذ تناغيها تقولين لها الكثير، وإذ تطيرينها في الهواء لتضحك..

تبكين في أعماقكِ كما بكيتُ ذات جنون.

هل كان بكائي ذات يوم دليل مراهقةٍ إذ بكيتك أم أنّ مشاعري تبلدت الآن.

 

 

 

صرخة في مملكة السكون

 

لحظات السعادة تفر هاربة، هذه حكمة الشقاء، وهنا يمر الوقت شحيحاً، عاجزاً، يتقلب على فراشه لا ينام ولا يدع عيناً تنام.‏

وكيف لها أن تمضي هذه الساعات القرون في هذا السجن المنسي في الفضاء الفاصل ما بين سمائنا وسطح هذا البيت.‏

أوقفتُ كل الذكريات في رتل طويل جانباً، محاولة إفساح المجال أمام أفكار صافية عمرها لحظات قصيرة، لكن هيهات.. هيهات، كل الحوادث التي تتمنى أن تنساها تحشر نفسها في الشق الصغير الذي وجد ليدخل في قعره، فلا هي تنسى ولا هو يعرفها..‏

لا شيء ينحشر في رأسي إلا الذكريات المرة، تمر بائسة على أرض من الأحلام قاحلة.‏

عند المساء تجلس نساء حارتنا على الحجارة السوداء، يطفن بالحديث شرقاً وغرباً وقد يرسو عند هموم إحداهن عبر دروس لتعليم حياكة شال من الصوف أو جوارب طفل صغير أو زوج من القفازات.‏

يصعد المصلون درج المسجد المبلط والذي طالما عددت درجاته فارتسم في طيات ذاكرتي العدد سبعة بكافة أشكاله.‏

أتابع أقدام المصلين تصعد وتنزل الدرج، ولو سئلت عن عددهم أجبت..! ولوصفت ملابس كل واحد منهم، يذهبون بخطاً سريعة متلاحقة.‏

أبي ليس مثلهم، فهو ينقِّل خطواته نقلاً بطيئاً، ومن السهل جداً رسم مواقع أقدامه وتعداد خطواته ما بين درجات المسجد وبين باب الدار الخشبي الناظر أبداً إلى بيت الشمس الذهبي وقت الغروب ليودعها كل يوم بمساميره الصدئة والتي ترسم على أطرافه أكثر من زوج من العيون.‏

يوما الخميس والجمعة يختلفان عن غيرهما من الأيام حيث يأتي العميد بسيارته البيضاء إلى الحي.‏

هو مثلي أيضاً نسي اسمه، فهم لا يذكرون اسمه.‏

الجميع يقول جاء العميد وذهب العميد، وكذلك ساعي البريد، حتى أولاده فإنك تسمع الناس يقولون: ابن البريد وابنة البريد.. تُرى ما اسمه..؟‏

وما هو اسمي..؟!‏

هذا العميد حريص على الأشياء القديمة الجميلة والتي تُشعر الإنسان بارتباطه الوثيق بماضيه، ففي بيته جناح خاص للأشياء التي قاربت على الاندثار، هو الآن يسكن في المدينة.‏

عندما غادر القرية وكثيرون مثله قالوا إن في المدينة أشياء أخرى أفضل، فيها كهرباء وماء نقي أفضل من ماء البركة التي تنتظر ماء المطر لتملأ فتأتي نساء القرية لغسل الملابس والأصواف وحتى الحبوب التي تعد للتخزين للشتاء..، وفي المدينة شوارع ومصانع، ومدارس.‏

أما القرية فبيوت متراكمة، متلاصقة الجدران، موسيقاها المدوية في الصباح والمساء هي أصوات الأبقار والماعز والخيول والأغنام والدجاج والكلاب الجائعة ومصاريع الأبواب المتعبة وأشياء أخرى لم تكن تشجع أحداً على الرضا والمكوث في القرية، ففضّل الكثيرون الهرب بعيداً حيث الرخاء والسعادة..‏

ثم عاد العميد بعد مدة من الزمان وبدل أن يضع سيارته في موقف السيارات قرب المقبرة بعيداً عن بيته المتربع في صدر التل الذي يحتضن بيوت القرية... مشى بسيارته ووضعها أمام بيته لأن كل شيء تغير تماماً فقد وشت الجرافات بين البيوت المتلاصقة فباعدت بينها لتمد طريقاً أسود معبداً تسير عليه السيارات.‏

لم يكن العميد يحلم أن تصعد الجرافات سفح التل يوماً لتقتلع بيوتاً من الطين مالت توشوش بعضها البعض وتقتلع حجارة كانت مخبأ للصغار في لعبهم وبحثهم عن الحرامي.. لقد زالت تلك المظاهر.. ولولا هذا لم أكن أنا أيضاً أحلم بأن أرى درجات المسجد والمصلين وأعمدة النور التي لا تصحو إلا متأخرة.. بل سأرى سطوحاً طينية متلاصقة.‏

المهم هنا وفي هذا السجن لا أحد ينادي أحداً.‏

وأنا لا أتذكر اسمي فقصة هذا الحصار المفروض علينا طويلة وأبدية، أسبابه مجهولة للجميع، أما نحن فنتقبل الحياة بكل هدوء، يرافق هذا الهدوء شيء من الملل والاستسلام لسلطة الأب.‏

إذا سألتم عن عمري أقول لكم إنني كما يقال آخر العنقود ولا مناص من هذه الحقيقة فأنا أحمل الرقم خمسة وأنا أصغر أخواتي وعمري أربعون عاماً، ستعجبون من تذكري لعدد سنيني وعدم تذكر اسمي.. تُرى ما هو اسمي..؟؟‏

ما هو اسمي.. هل هو..؟‏

لكنها ماتت قبل أيام وهي من عمري، وعمرها أربعون عاماً، هكذا قالت النساء الجالسات على الحجارة آسفات نادبات (...) التي قضت في عز شبابها وكانت متزوجة من ابن عمها عصبي المزاج، سيئ الخلق، رغم غناه بالمال لكنها لم تحتمل غيرته، ليس عليها بل منها، حيث كانت مضرباً للمثل في الجرأة وحسن التدبير والذكاء.. تعذبت كثيراً، طائعة صابرة،.. أصيبت بمرض في رأسها ولم ينفعها جلوسه قرب فراشها باكياً كئيباً حيث نُقلت إلى المقبرة سريعاً.‏

الحمد لله أنني لست (...) لكان الله توفاني بسبب زيجة حمقاء.‏

أم أحمد تتمنى أن تزوجني لابنها أحمد لكن أبي يرفض تزويج بناته، وأنا أهز كتفي هنا على سطح هذا البيت، أرفض الزواج من ابن العجوز الثرثارة التي لا تنقطع شكواها وحكاياها عن أمراضها والأطباء.... هل أنا.. (...)؟‏

ربما.. أو لا.. مستحيل.. فهي أم غالب، وأنا لم أتزوج قط، وهي أيضاً كغيرها من نساء القرية التحقت بدورة لتعليم الكبار ومحو أميتهن، تحمل كتباً ودفاتر، تروح إلى المدرسة وتجيء.. أما أمنية كهذه بالنسبة لي فهي محبطة مقدماً تصطدم دوماً بعناد الأب دون محاولة النطق بها، فتحولها إلى هاجس يجعلها مستحيلة، فأضحك من تفكيري أن أكون (...).!!‏

مع أن باب بيتنا لا ينفرج وتزقزق صيصانه إلا لخروج أبي إلى المسجد وعودته منه، وفي طريقه يحضر أغراض البيت من خضار ولوازم أخرى ويحضر معه القش الملون وخيوط الصوف لنشغل وقتنا بالنسيج فالوقت طويل جداً ولا شيء يشغلنا سوى الصمت في مملكة الخواء.‏

تسولت نظرة إلى عيني أم غالب، رجوتها أن تخبر المعلمة برغبة خمس فتيات بالقراءة وفك الرموز المعقدة، علها تلزمه فيفك الحصار ولو قليلاً.. لكنها ارتجفت، أما المعلمة فقد بكت، بكت كثيراً.. واقشعر جسدها الذي يستقبل الشمس بصباحها ويودعها بمسائها دون خوف أو وجل، دون سؤالها كل غروب، ما هو اسمي..‏

ما هو اسمي.. يجب أن أعرفه..‏

الصمت يخيم على جلستنا، كأننا في محكمة، أما عن القاضي فهو أب عجوز ظن من تجربته الشخصية أن الحياة لا تحمل لنا إلا ما حملت لأمثالنا من عذاب وألم وعار..‏

لأن حياتنا مأساة والموت خير..‏

نقر على كتابه الأسمر القديم وأصدر حكمه قبل عقد الجلسة وسؤال المتهمين، وكان حكمه مبرماً، لا يقبل الطعن، سجن مؤبد لخمس فتيات في بيت طيني عتيق يشبه وكر الأرانب ولا يختلف عنه سوى أن زائراً واحداً يدخله بين الحين والآخر، هو ممدوح ابن أختنا فاطمة التي تزوجت قبل قرار المحكمة ولم تطل المكوث في الحياة..‏

يأتي ممدوح كل أسبوع ليحدثنا عن حبه لوردة والنوادر والطرف التي يبدعها أهل القرية عنهما وبعد أن تزوج من حبيبته وفرح الجميع بذلك صارت الحياة رتيبة مملة جديرة بالمقت والاشمئزاز.‏

منجزات الحضارة لا تهمنا بشيء، المهم المحافظة على هذا المذياع العجوز فهو بحاجة لكثير من التودد والتقرب والتربيت على الكتف كي ينطق كلمته وهو يخرس تماماً في أيام العطلة حين يحضر فارس في إجازته الأسبوعية من دمشق فيطلق العنان لآلة التسجيل فيخرس مذياعنا الهرم خجلاً وجلاً وكذلك مذياع أم عبد الله التي تنتظر أن تستمع لأخبار أبنائها الذين رحلوا بعيداً تاركين أبوين عجوزين دون أي وداع..‏

أسماء أخواتي غير مهمة أيضاً فهن جميلات جداً وذكيات وبارعات في كل الأعمال..‏

أما أمي فقد شاب انتظارها لشيء مجهول ربما لن يعود فلم تستطع صبراً، فارتحلت إلى الدار الأبقى، فبقي في السجن خمس فتيات وحاكم عجوز، قرر قراراً لم يستطع التراجع عنه حفاظاً على حفنة عناد تسيطر على رأسه الأشيب، رغم معرفته في قرارة نفسه بأنه أخطأ كثيراً.‏

المهم ورغم هذه التأملات أنا لم أجد اسمي ولم أتوصل لطريق يريحني من التفكير به..‏

إنهم ينتظرون أن أنزل عن سطح بيتنا كما عودتهم بعد إنهاء تأملاتي وزيارتي للقرية خلال هذه الفرجة الضيقة ما بين السماء وبيتنا.‏

سأمكث هنا حتى يناديني أبي أو أي أحد آخر باسمي.. سأنتظر..‏

وسأنتظر حتى أسمع اسمي وأعرفه وسأصرخ بأعلى صوتي بأنني فلانة.‏

 

أضيفت في 16/02/2006/ خاص القصة السورية

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية