أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: حسن عبد الرزاق-العراق

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

•التحصيل الدراسي : بكالوريوس علوم حياة

•عضو اتحاد الأدباء والكتاب العرب

•عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين

•عضو اتحاد المسرحين العراقيين

•صدرت له مجموعة قصصية بعنوان (أيام العبير) من ضمن إصدارات الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب في سوريا عام 2002.

•صدرت له رواية في الانترنت بعنوان (قنطرة الليث).

•له  مجموعة قصصية معدة للطبع في دار الشؤون الثقافية في العراق بعنوان (باخوس المدينة).

•كتب ومثل العديد من المسرحيات التي شاركت في مهرجانات المسرح العربي والمسرح العراقي ومهرجان بابل الدولي.

•مقدم برامج ثقافية في تلفزيون الناصرية المحلي.

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

ترانيم الفواخت

ربيع الهررة

المعجب بغبائه

الراعي 

 

الراعي

 

يحج الى البراري هو وأغنامه يوميا .

وحيثما يعثر على الكلأ يحط استه على الارض ويجلس القرفصاء ويعطي وقته للصمت والغناء والتثاؤب.

لامراة في خيمته  الصغيرة المفروشة بالتراب وبساط خلق.. يعني انه لايعرف شيئا اسمه الزمن .. ولاامراة تنتظره فيها لكي  تحاصصه الفراش ولاولد.

ذاكرته براري تلبسها المواسم المتناوبة  وجوها متناقضة الذها على نفسه وجه  العشب الاخضر الطري .. وعدا ذلك لايوجد أي شيء فيها يجعلها تلوّي  نايه حزنا وتخربش حنجرته بحشرجة البكاء.

منذ الفجر يجلس على الارض بمستوى كائناته .. لااعلى من اجرامها ولااقل ارتفاعا منه .   يراقب انشغالها بالتهام الحشيش وعب المياه  ويطرب لذلك  حد الانطلاق بالتغريد بصوت تطرد نبرته مع تصاعد نهمها .......

 وهل يطرب الراعي لصوت اخر سوى  قضم الحشيش الذي تمارسه كائناته الاثيرة؟

هو واغنامه جسد واحد يعيش على ارض واحدة  يشمان التراب  نفسه ويتلقيان الحر والبرد  معا .. ولافرق بين الطرفين عدا ان عصا القرار كانت بيده وقرار الانصياع كان بسيقانها.

الخرفان كانت ممتازة الانصياع .. تستجيب فورا  لظل العصا ان رفعت معلنة عن ايعاز ما  او امر ما .. اوعن بدء رحلة العودة وقت الغروب  .. اذ مامن خروف يعق راع منحه العلف والبراري الرحيبة والذبح المؤجل ريثما يينع جسده باللحم الوفير.

 لذلك تصادم ثغاؤها المستفهم مع بعضه  وتناطحت رؤوسها ذات العيون المندهشة  الحائرة نتيجة اقترابها وتكدسها في بقعة واحدة .. حين راته في صباح يوم جديد يوليها استه  ويصعد بخطوات متعالية منفعلة  تلة عالية  ويحط هناك وينفصل عن الارض التي  كانت توحده  بها  الى الابد.

- لماذا  ؟.. لماذا ؟

كان الثغاء يسال بعضه البعض ،  فاصحابه يخشون ارتفاع الرعاة عنهم  لان قمم التلال تحتاج من طرف الراعي  الى صعود متعب  في الصباح ونزول متعب عند المساء .. وتعب  الجسد يولد في الاعصاب غضبا  ، والغضب عصا منفعلة لاتميز بين الية واخرى عندما يفور تنورها .

- لماذا ؟.. لماذا ؟

ظلت كائنات الراعي تسال  وتصمت .. ثم تسال وتصمت  والذهول يوسع  مقلها البريئة بلاتوقف  ..  ولو ان في سيقانها يوجد  قرار غير قرار الانصياع  ..ولولا خشيتها من العصا الطويلة الجديدة التي لمحتها في يد ه ..لصعدت الى قمة التل لترى ..

  ترى الجرح العميق في جبهة الراعي ..  الذي زرعه في غروب الامس  احد اسمن الاكباش في لحظة هيجان غبية حينما  كان سيده يداعبه بزهو لم تخالطه رغبة  غير سليمة.

أضيفت في16/06/2008/  خاص القصة السورية / المصدر الكاتب

 

 

 

المعجب بغبائه

 

 

في إحدى الساعات التي تلت ظهور القمر، وجدت نفسي جالسا حول مائدة مستطيلة تتوزع عليها أباريق الشراب الذهبية وعلى جانبي وقبالتي جلس حشد من الملائكة بوجوههم النورانية وثيابهم الاستبرقية وقد بانت الوداعة على مظاهرهم وابتسامات الوقار  على شفاههم الرقيقة التي كانت تهمس لبعضها بكلام يشبه حفيف ورق الأشجار.

لازمني ، منذ لحظة جلوسي، صمت مطلق فرضته علي هيباتهم السماوية ، فلم أتكلم بحضرتهم قط ، وانما  تركت عيني تشعان بالزهو ، وفمي يمتص ما وضع امامي من شراب .. واشهد إن ما خصص لي كان كثيرا لان الملاك صاحب الدعوة خصني بكرم استثنائي لكوني بائس الحال على الرغم من وظيفتي الجيدة التي تؤهلني لان أكون من الذين يتفضلون على الاخرين .

كان الجو الذي أحاطني يحتاج إلى شاعر لوصفه.. كل شي فيه يهب النفس نشوة رائعة .. ورود ملونة..ثمار متدلية..  مصابيح حمر وصفر تتجاور على الأغصان.. سجاجيد  ناعمة فوق العشب الرخو .. قطع مشعة من الماس  .. تماثيل صغيرة من الذهب الخالص انتصبت فوق أربع مناضد توزعت على أركان الحديقة. .ومع إنني  أحسست في البدء ببعض الذلة بسبب انصراف الملائكة للتحدث فيما بينهم وتركي مهملا منسيا..إلا أن  النشوة لم  تبارحني واقنعت نفسي بان مجرد وجودي بينهم هو ربح كبير لي فأنا مع كائنات لم تخالط القذارة طهارتها ولم يتلوث نور قلوبها بالادران وهذا أمر طالما تمنته نفسي .

كانوا جميعهم صفحات نقية كوجه الفجر لذلك  طردت الظن السيئ من رأسي فورا حين لمحت أحدهم ، في منتصف الليل و بعد توغل الخمرة في الرؤوس  ، يدس في جيبه ملعقة ذهبية ثمينة ، واعتبرت الأمر مجرد حركة لاإرادية بدرت منه خصوصا وان العقل حين ينشغل بأمر ما ، تبدر من اليد أحيانا تصرفات غير منضبطة.

وفعلا اقتنعت  بعد حين أن الحركة كانت لاإرادية .فثمة ملاك في الجانب الأيسر المجاور لي كرر الحركة نفسها مع قدح ذهبي مضلع الشكل حيث سحبه من المنضدة ودسه أيضا في جيبه بدون إن يؤثر ذلك على انسيابية كلامه مع صاحبه المقابل له.

(إن جدية الأحاديث وعمقها هي التي تنسيهم أفعال أياديهم) ..

هكذا قلت لنفسي ثم قربت الإبريق الرابع مني وبدأت افرغ شرابه البارد في رأسي لعله يطير إلى السماء المرقشة بالنجوم مبتعدا عن ظنونه التافهة فقد  كنت مزهوا بحظي الذي منحني فرصة السهر لمرة واحدة في العمر مع كائنات من طينتي بعد إن أفنيت ألوف الليالي  وأنا أمارس هذا الحلم البعيد المنال .. ولذلك كنت أقاتل نفسي من اجل إن لا يصرعني  شكها السخيف.

بعد جرعات عدة استدار رأسي قليلا صوب جهة اليمين وكانت استدارته اضطرارية فرضها علي ألم الفقرات العنقية ، فشاهدت هذه المرة بعيني الاثنين وليس بطرف إحداهما ملاكا يضع في حقيبته صحنا من البللور أفرغه توا من الفاكهة التي كانت تملاه .

كان هذا الملاك  غاية في الرزانة والجدية، وذا  فم يسيل عسلا نقيا ، أما الوسامة فلا تعطي أي مجال للظنون بان تطفح في النفس ولذلك احترت في تفسير تصرفه هذا خصوصا وان زميله كافاه بابتسامة مشجعة من شفتيه اللتين تشبهان النعمان .

قلت لرأسي بعد لحظات صراع سريعة: لا تدع الأصوات الخبيثة  تصفر فيك. وكنت في قولي هذا عازما على سحق الشك ..  تلك الدودة المؤذية التي أخذت تنبض فيه ،غير إن الدودة تمردت علي وصعدت من نبضها معلنة عن وجودها بقوة حين شاهدت ملاكا رابعا يتناول من على المنضدة سكينا من فضة لها مقبض من عاج ويضعه في حزامه ويسدل عليه طيات ثوبه الفضفاض.

استفزني ما تكرر أمامي ومع ذلك جنحت إلى التخلص من شكوكي بواسطة الاندماج مع نفسي وصرف نظري عن سواي فأنا مع ملائكة وعلى رأسي إن يكون مؤدب التفكير . وفعلا انكببت على الأباريق مستأنفا متعة احتسائها وكنت مقررا إن استمر هكذا حتى انتهاء وقت الدعوة لولا تلك اليد التي خطفت من  أمامي كضوء الشمس الذي تعكسه مرآة سيارة مسرعة.

لقد مر ذلك الضوء بسرعة غريبة وحين تلاشى ترك وراءه مكانا فارغا لابريق من الأباريق الذهبية التي كانت من حصتي.

-ماالامر؟

-لاشيء..لقد سكرت .

-مستحيل.. خمور الملائكة لا تسكر.

-تذكر إن بعض الظن أثم.

-وما هذا الذي شاهدته؟

-لاشيء.

-كيف وقد سرقوا أحد أباريقي الفارغة؟

تلفتت نحو الجانبين مستفهما فوجدت إن كل ماكان على المائدة قد تلاشى: الذهب. البللور . العاج .الماسات اللماعة. الثمار اليانعة ، ولم يبق سوى الغطاء الحريري الذي سيختفي هو الاخر بعد قليل.

تذكرت قول نفسي لي (لقد سكرت) وقلت فعلا أنا هكذا ويجب إن اطرد  من رأسي فكرة ( خمور الملائكة لاتسكر) وعللت ما حصل بانه جزء من تقاليدهم في الحفلات ، أو ربما سكروا هم ايضا   ، واراحني هذا التعليل  وشارفت على تعنيف عقلي ، غير إن المشهد الذي اجتاح بصري أرسل مفعوله إلى داخلي وشلني عن كل حركة وكلام وحولني إلى تمثال تمور في داخله انفعالات جهنمية.

فقد رأيت جميع المدعوين ينهضون واحدا اثر الآخر ويتحركون داخل الحديقة حركات تمويهية ثم تقوم أياديهم الضوئية باختلاس كل ما يقع تحتها بما فيها المصابيح التي كانت تشارك  القمر في اضاءة الحفلة.

تحجرت في مكاني من فرط الذهول لمدة دقيقة أو اقل  ثم غادرت سلبيتي هذه واندفعت باحثا عن الملاك صاحب الدعوة لكي اخبره بالذي حصل، فهؤلاء قوم أنذال استغلوا انشغاله وكافاوا محبته لهم بالسرقة ، وما عليه الا إن يتدارك الامر ويعيد ممتلكاته فورا.

فتشت عن صديقي هذا   في زوايا الحديقة .. وبين أشجارها الكثيفة ..وقرب بركة مائها ، وحينما لم اعثر عليه ، تسلقت احدى الأشجار من ذوات الاغصان الكثيفة  لعلي اجده هناك يمارس متعة الشرب باستعلاء  فهو رغم كرمه وعاطفته الجميلة يحب إن يرى قامته تشمخ فوق الاخرين.

وفعلا وجدته هناك وكدت اصرخ به( انتبه لحديقتك)  ، لكن الذهول أسقطني من قمة

الشجرة إلى الأرض  عندما وجدته هو الآخر قد سرق بعض الأشياء الثمينة وجلس يتطلع بمنظرها لوحده تماما مثلما يتطلع عاشق في خلوة بوجه معشوقته .

صرخت به وحنجرتي تلتهب  بالغيظ:

-كيف تفعل يا هذا مثلهم.؟

فرد علي بسؤال غريب ووجه يشرق بسخرية كثيفة ترافقها ضحكة سوقية استلمها إحساسي كبصقة استهانة بكل كياني:

-وهل تريدني أن احرم نفسي من ألذ متعة أيها المعجب بغبائه  ؟

ثم تجاهلني تماما وانسل مع بقية أصدقائه ومضوا منتشين ..فرحين .. ربما نحو حديقة اخرى  يمارسون بها متعتهم هذه.

 

 

ربيع الهررة

 

قفزت من اعماق النوم إلى سطح داري . ترتطم خطواتي  بالسلمات  ويتكهرب راسي  من هول المفاجئة الغامضة.

صرت فوقه بعد بضع سحجات في ساقيّ وراحتيّ ، غير اني لم اجد فيه سوى مخلفات اطفالي الجافة وصوت مواء يقفز من مكان ما في الشارع.

تضخم فزعي ، وفورا كعادتي في المصائب ، تحوّل راسي إلى حفرة مظلمة لاتحتوي الا على افاعي الظنون وهي تاكل بعضها  بلاتوقف.

-هربوا.

-لااعتقد.

-بل هو كذلك.

-إلى اين ؟ ولماذا يهربون ؟

-ها ..  سرقوا.

-من سرقهم؟

-اللصوص.

-ومن انت حتى يغامر اللصوص  بسرقة اطفالك؟

-اذن اخذهم الجن. لاتفسير للامر سوى هذا . نعم الجن اخذتهم. اليست الجن تخترق البيوت العتيقة الخربة دائما،والا كيف تتبخر امراة مع اطفالها من على الفراش بدون إن يشعر زوجها ولو بنامة خفيفة؟

نزلت من السطح بهذا اليقين الراسخ ، واتجهت فورا إلى الشارع بملابس نومي ، وهناك ركضت مفزوعا وزمهرير شباط يجرّح وجهي وعنقي ، وقطعت الشارع إلى نهايته  ثم رجعت بالسرعة ذاتها ، وبفزع اكثر بعد إن استقبلني حشد هائل من الجن خرج من المزبلة الواقعة في النهاية المظلمة.

كان الشارع فارغا الا  من ليل شباط وبضع قطط تتنافس فيما بينها على قمامة احد القصور الجديدة ، لاتوجد فيه اية ملامح للحياة الادمية  واعتقد انني آخر من سار عليه قبل بضع ساعات حين عدت من عملي الليلي وانا احمل سلة مليئة بالهواء لكي اغفو بعد جولة من الشكوى والتضجر اليومي لزوجتي ، وانا وهي واطفالنا متخمون بالخبز والطماطة فقط.

مررت راكضا قرب القطط ويداي تتصارعان مع سروالي الداخلي الطويل الذي ورثته من الجيش( هو الاخر يريد مغادرتي ايضا) ، فاثار منظري هذا احد قطط القمامة ، وبالذات هرها الوسخ الكبير وجعله ينفجر بمواء طويل استلمته اذناي كقهقهة ساخرة ضاعفت من فزعي وحولت الشارع إلى نفق دامس الظلام جاء من ليل الكوابيس الطفولية يعج بالارواح الشريرة التي تتلبس الحيوانات.

تعثرت بساقيّ ، ارتطمت اليمنى باليسرى أو اليسرى باليمنى لاادري ، وسقطت بكامل جسدي على الأرض واحسست بصفعة الاسفلت القوية وهي ترنح راسي وتحدث فيه شيئا من الدوار.

اردت إن اصرخ مستغيثا ، فالجن سيتمكنون مني، واولهم هذا الهر الوسخ اللعين  اذ سيصعد على ظهري وينشب مخالبه في جهة بلعومي الظاهرة ثم يسحلني إلى حيث يشاء ، لكنني وجدت إن  بلعومي المكتظ باللهاث  لايساعدني على اطلاق صرخة مجدية.

صحت ( اه) فقط ، ورفعت راسي صوب الهر فوجدته لايزال قرب القمامة وبجانبه قطط اربع آخر وقفن يحدق فيّ بريبة ومن افواههن  تاتي نفخات التحذير التي تطلقها هذه الحيوانات حين تريد الدفاع عن نفسها.

دفعت الأرض بيدين مكدومتين  ونهضت مهتزا من البرد   طالبا الهرب خارج هذا الشارع المسكون لكي ابحث عن اطفالي وزوجتي في مكان ليس فيه هذا العدد الغريب من الجن ، لكن احدى القطط جرت باتجاهي يسبقها مواء متالم لتكون بعد لحظات متشبثة بساقي اليمنى وعيناها شاخصتان نحوي بالفة هدات على اثرها  مخاوفي قليلا .

ركض الهر الوسخ  حين وجدها تقترب مني ، واطلق على وجهها نفخة ساخطة  جعلتها تطير من ساقي إلى القمامة ، ثم احتل مكانها واخذ بعد ذلك يدور حولي ومواءه يصفع راسي بقوة .

دار متبخترا  لمرتين ، سيقانه ترتفع وتهبط بتغطرس وعيناه تمسحان جسدي عموديا ، بعدها وقف بمحاذاتي موليا دبره اليّ ورفع احدى ساقيه الخلفيتين وبال عليّ.

سال بوله على سروالي ونزل على قدمي الحافية وانا جامد في  مكاني غير مهتم به ، وبصري مصوب على القطة الهزيلة التي هربت إلى المزبلة ملتحقة بصاحباتها .

ظللت احدق طويلا وانا موزع بين خوفين :

خوف من الجن ، وخوف من راسي الذي ذهب إلى عالم ابعد من عالم الجن ، عالم لايتصوره المرء الا اذا وصل إلى حالة الجنون الحقيقية.

سالت بصوت مسموع ، وصخر قاسي يتساقط على راسي محدثا فيه دويا مدمرا:

-      من انتم؟

وقد كان سؤالي موجها للقط الهزيلة فقط ، غير إن الهر السمين  استفزه السؤال فانتفض ضدي واطلق نفخة تحذير اخافتني فعلا ، ثم نفش شعره وهرول باستهتار وتمكن نحو نهاية الشارع .

تبعته اكبر القطط بلهفة ناقلة جسدها الاعجف خلف ذيله ، وساحبة خلفها بقية القطط التي اكتشفت انها  صغيرة الحجم والعمر ، وحين اصبحوا في منتصف المسافة ، توقف الوسخ واستدار نحو العجفاء ولصق انفه بعنقها وماء باشتهاء شديد.

كان شباط في اوله ، والهررة في قمة امتلائها حيث تتجمر دماؤها بشهوة عارمة لاتقاوم.. شهوة جعلتها تتفنن في ابتداع الحيل واختيار اكثر المناطق رخاوة لدى الاناث لكي تخترقها .

لقد استدرج الهر هذه القطة ، ولااعرف الطريقة التي استدرجها بها. الا انني اكتشفت في تلك اللحظات إن المنطقة الرخوة عندها هي معدتها  بالذات.

ارتمت هي على الأرض حين شمها ومسحت جسدها امامه متقلبة على الجهتين ، ثم استقامت ووقفت بخنوع حيث يقف هو متاهبا للانقضاض.

شعرت بالصخر المتساقط على راسي يتضاعف بغزارة ، ودويه القوي يزلزل الوجود امامي محطما ابعاده لكي يضعني على حافة قيامة نهائية.

كانت الانثى انثاي انا وجسدها الواهن الذي تمنحه الان لهذا الهر الوسخ السمين كان لحد منصف الليل فراش لذتي التي استعيض بها عن لذة الشبع المفقودة من معدتي. غير انها الان اصبحت ملك سواي ، لالشيء سوى انني لااستطيع إن اوفر لها من عملي الصباحي وعملي المسائي سوى الهواء فقط.

تحركت من جمودي ، ثمة احساس غريب حركني ، لاانتفاض رجولتي ولااستيقاظ غيرتي ، بل هو الاعجاب بطريقة الهررة الوسخة السمينة بكسب معيشتها والحصول على ملذاتها.

سرت بخطوات حذرة واضعا داري الخاوية ورائي وتاركا سروالي يغادرني ، وحين صرت على مقربة من الهر المتحفز على انثاي ، قوّست ظهري نحو الأرض وحولت ذراعي الاماميين إلى ساقين اضافيين ، ثم نفشت شعري واطلقت نفخة قططية حادة اقتلعت الهر من مكانه ودفعته بعيدا في اعماق الظلام هاربا بجلده فقط.

انكمش صغاري على انفسهم وقفزت انثاي من اعماق لذتها ووقفت امامي بخوف المحكوم بالاعدام ، لكنني لم افعل الذي توقعوه مني ، بل فعلت العكس تماما، اذ طمانتهم بمواء ابوي رقيق ، ومسحت اجسادهم بوجهي كما تفعل الهررة الرحيمة مع صغارها واناثها ، ثم تحركت امامهم ، متجها بهم إلى طريق حياتنا الجديدة الذي استمر من تلك اللحظة حتى استيقاظي من النوم في الساعة السادسة صباحا.

 

 

ترانيم  الفواخت

 

 

السماء الصيفية تقترب مني  وتدلق على عينيّ  طفولتي المخباة في النجوم.

هربا  من حر سنواتي الصاعد معي الى سطح الدار ،  استقبل الطفولة الهزيلة واهمل تاففات زوجتي التي ستنام مرغمة تحت رطوبة لزجة.

ترنيمة دامعة تتسرب من خلال الرطوبة  .. ترنيمة من صوت نسائي ثقبته نصال المرض فسال منه الانين نارا لاسعة وشمت قلب الطفل ذي الثوب الازرق المقلم بالاسود  بوشم الحزن الابدي.

يعلن الوشم عن وجوده ويقول لي:

(ليس الحر الذي يجلدك بسوطه الان بل انا)

فتهرع الكف اليه وتتحسسه ، ويبقى النظر ملتصقا بالطفل الهابط من النجوم.

 

بجسد شيخوخي تنحني ابتسام على طفلها الاول والاخير.  نوح الفواخت في البساتين لاترنيمة تلك التي كانت تنوحها.

 الجذع الريان الذي نما مع صباي وتزين برسائل مراهقتي  ، يهرم في شبابه وينحني تحت ثوب اسود كالليل الذي كانت احلامنا تفرح بغياب قمره عن السطوح.

ابتسام تنوح ورضيعها يغادر بكاءه ويدخل الى النوم بعينين رطبهما الدمع ،  وبلعوم محتقن سوف لايتلقى الشتائم في الصباح من ابيه   مثلما كان الطفل المقلم بالسواد يتلقاها.

اعبر نحوها على اصابع الحذر .. اعبر بقدمين متقرنتين من فرط البساطيل والاحذية العتيقة المشققة .. يسمح لي بذلك جسر العشق الوردي .. جسر السنوات السابقة لبراري الحروب وسماوات الطائرات وسيلان الحزن من قلبين حجزت الفلوس والتقاليد  بينهما .. فصار احدهما ملكا لرجل اخر ،  والاخر ملكا لانثى اخرى.

اقف امام انحنائها وامد كفا مهدهدة الى راسها المعصوب بالسواد .. والمس العصابة برفق وارتعاش فترتفع عيناها الدامعتان الى الاعلى  وتسالني بخوف :

-من انت ؟

-انا .

يسبقني الطفل المقلم بالسواد ويرد .

 صوته المحتقن من النشيج المكتوم تحت اللحاف  هو الذي يهمس .. صوته الذي حين  سال عن الامراة التي وضعوا تابوتها  على سطح السيارة ذات يوم  ، قال له عمه الممسك بكفه  انها جارتهم ،  فصار قلبه منذ تلك اللحظة لاجئا في بيوت الجيران.

-حميد ؟!

-نعم حميد.

قامة  طويلة تشخص امامها وصوت غض يتكلم معها . القامة لحميد ، لكن الصوت لطفل بحت اوتار حنجرته من النشيج على ام مابرح يسال عن عودتها بلا جدوى   منذ يوم السيارة السحيق.

يرجرجها الاضطراب ويحبس الترانيم في صدرها ، وتستعطف القامة الطويلة  ان تعود الى سطحها المجاور ، فمن سلم المنزل سوف  ياتي ابوها او تاتي امها ، ومن الجدار الفاصل ستمتد رقبة زوجته ، والكل سيقرعون جرس الفضيحة.

-اية فضيحة ؟

-فضيحة الرجل مع حبيبته في ليلة ظلماء.

-ولكن لارجل هنا الان!

-ومن هذا الذي يقف امامي اذن ؟

-انا .

يرد عليها الطفل الازرق المقلم بالسواد وخداه يحاكيان بالدمع خديها وبلعومه يحاكي بلعوم طفلها بالاحتقان.

زهر البراءة في رجولتي لايزال نقي الرائحة ، لم يلوثه سخام زمن طلقات الثار الذي اكل راس زوجها قبل  خمسة اشهر ، ولا الليل الاسود ابو القذارات المتقافزة على السطوح او المتلصصة من الشبابيك او الداخلة من الابواب سرا.

اتركني قامة واقفة تمارس الانحناء التدريجي على احزان حبيبة الامس ، واترك الطفل الهابط من النجوم يبحث  لديها  عن الامومة المدفونة.

تساله ابتسام :

- ماذا تريد ؟

فينوب ثديها الاخر عنه بالجواب عندما يدر حليبه .

- ولكن طفلي يملا حجري!

تقول وهي تتحسس دموع حلمتها المنسكبة على ناري ذات الاشتعال المتواصل على امتداد ضياعاتي المتلاحقة .. ضياع امي .. ضياع حبي .. ضياع ربيع عمري . فارد:

- شاطريني اياه الحجر.

جائع طفل الامس الى حليب وحجر وترنيمة. وابتسام جائعة الى فم وانفاس وصوت يقاسمها لوعة الانين.. وحميد الذي عبر الحاجز على سلم الانين الموسيقي يلجم جوع طفولته ويبحث عن شبع لحبيبة الامس فقط.

تزيح ابتسام رضيعها قليلا .. تشطر حضنها الى نصفين .. فاحتل النصف الفارغ وادع فمي يسحب من صدرها بعض الانين ويراكمه في صدري.

اراقب طفل النجوم فاجده يشعر بدفء الحجر .. واجد دمعه يجف مؤقتا .. ثم ينام مع خفوت صوت الفتاة المنحنية على يتيمين.

النوم ياابتسام ..  النوم سرقته منا الطلقات المسعورة والحاجز الطابوقي  وعسر الحال والرطوبة اللزجة والبساطيل العسكرية والانين المثقب با لنصال  وجولات النشيج ورطوبة الدموع . فلننام قليلا.

 

*

اترك ابتسام تتوسط الطفلين على فراشها وتوزع ذراعيها عليهما، واعبر على امواج الرطوبة عائدا الى تاففات زوجتي.

اسمع شتائمها لي تاتي من خلال شتمها لحظها الرديء . انها مستلقاة الى جانب رجل هارب الى النجوم دائما .. يبحث بعينين شاردتين عن اشياء لاتعرفها.

زوجتي لاتعرف من هو الطفل المقلم بالسواد ..ومن هو عمري الذي اشتعل قصائد خائبة .. ومن هي ابتسام التي اخذها مني شاب الى بيته الثري ثم تركها تعود بعد سنة ونصف الى بيت اهلها ومضى هو الى المقبرة .

زوجتي تعرف فقط ان امي ماتت وليس معقولا ان يظل رجل شارف  على الثلاثين يبحث في صخور السماء اللامعة عن امراة خطفها الموت.

اشعر  بسوط ما يجلدني بقسوة  بسبب خذلاني لهذه الامراة التي  وهبتني ولدين بدلا عن طفل النجوم .. فاغادر النوم على الظهر واستدير نحوها وامرر كف المحبة على خدها غير اني اعثر  هناك على دمع صامت متستر بالظلام .

تتضاعف قسوة السوط الجالد لصدري ويتفشى فيه الم مؤذ ، فامثل دور الغبي واهم بسؤالها عن الذي ابكاها ، لكن زخات الرصاص  المفاجئة  تجتاح صوتي ودموعها والرطوبة واللزوجة وشعاع النجوم وبقايا انين ابتسام في السطح المجاور  وتفرض صوتها المسعور فقط.

انسى كل شيء واقفز نحو طفلي النائمين واحملهما واركض هابطا السلم لحجري نحو جوف الدار الحارة وتتبعني زوجتي.

انزل وسط الظلام محتضنا الطفولة في جانبيّ وهاربا من سواد الطلقات  ، والزوجة تتبعني مولولة ، فتاكل اقدامي المسرعة درجات السلم  المعتم بالسرعة ذاتها التي كان الخوف ياكل احشائي بها.

اتخبط وسط الظلام وارتطم يمينا وشمالا حتى اصل السلمة الاخيرة حسب ما تؤكد  لي ذاكرتي ، فاطمئن قليلا وتزاولني موجة الرعب العنيفة.

اتخلص من خوفي   على طفليّ واتذكر ان لي امراة كانت تولول خلفي ، وارسل الصوت سائلا عنها في أي مكان من ليل السلم اصبحت ، لكن صوتها لم يقابل صوتي بجواب ، ولم تسمع اذنيّ وقع اقدامها الراكضة ، وانما ارى طفل النجوم يقفز في خضم تلك العتمة من حجر ابتسام ويهرع  مفزوعا نحوي ،  ثم يطلب من خلال نشيج مسموع ان اشتري ثوبين ازرقين مقلمين بالسواد والبسهما لولديّ الذين سيستجيران بالنجوم ايضا  في ليالي عمريهما المقبلة.

* الفواخت جمع فاختة وهي نوع من انواع اليمام له ترنيمة حزينة

 

أضيفت في 26/05/2008/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية