أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: سمير مصطفى توفيق الفيل-مصر

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

ـ شاعر عامية .

ـ روائي وقاص ومسرحي .

ـ له مساهمات واسعة في  النقد الأدبي .

ـ خاض تجربة الصحافة لعقد من الزمن .

ـ المؤهلات: دبلوم معلمين 1971، ليسانس آداب وتربية 1988.

ـ عمل لفترة طويلة  ناظرا لمدرسة الإمام محمد عبده بدمياط ، ثم موجها للمسرح حاليا .

 

أصدر الأعمال السردية الآتية:

ـ رجال وشظايا، "رواية " ،الهيئة العامة للكتاب ،1990.

ـ خوذة ونورس وحيد، "قصة قصيرة " ، دار سما ،2001.

ـ أرجوحة "قصة قصيرة "،مركز الحضارة العربية ،2001.

.كيف يحارب الجندى بلا خوذة ؟، "قصة قصيرة "،المجلس الأعلى للثقافة ،2001.

ـ ظل الحجرة "رواية "،مركز الحضارة العربية ،2001.

ـ انتصاف ليل مدينة  " مجموعة قصصية " ، اتحاد الكتاب ، 2002.

 

ـ قدم أعمالا أخرى منها:

ـ مواجهات ،مديرية ثقافة دمياط ،مارس 2000 .

ـ تقاطعات ثقافية ،مديرية الثقافة بدمياط ،مارس 2001.

ـ "انكسارات القلب الأخضر ،قصص عبد العزيز مشرى "،سلسلة آفاق عربية ،مايو 2003.

ـ "الحكيم وحماره "،سلسلة عين صقر ،هيئة قصور الثقافة ،1999.

 

أصدر خمسة دواوين شعرية هي :

ـ الخيول ،مديرية الثقافة بدمياط ،سبتمبر 1982 .

ـ ندهة من ريحة زمان ،الهيئة العامة للكتاب ،1991 .

ـ ريحة الحنة ،مديرية الثقافة بدمياط ،1998 .

ـ نتهجى الوطن في النور ،هيئة قصور الثقافة ،إبريل 2000 .

ـ سجادة الروح ،إ قليم شرق الدلتا الثقافي ،مايو 2000 .

ـ فازت رواية "رجال وشظايا  "بجائزة القوات المسلحة كأفضل ثاني رواية عن حرب أكتوبر 1997 ، كما حصلت نقس الرواية على جائزة أبها الثقافية 1992.

ـ فازت قصته" فى البدء كانت طيبة "بأول جائزة مصرية عن أدب الحرب "مجلة صباح الخير ،"1974 ،وحصلت قـــصة " النحيب " على الجائزة الأولى لمسابقة مجلة النصر ،1985 ، كما حصلت قصة "قرنفلة للرحيل" على نفس المركز1987.

ـ كرمته الدولة فى العيد الأول للفن والثقافة 1979،كما كرمه مؤتمر أدباء مصر فى الأقاليم الدورة 12بالأسكندرية 1997 .

ـ كرمته هيئات محلية عديدة ، منها : مديرية الشباب والرياضة ، جمعية تنمية المجتمع ،

 قصر ثقافة السويس ، مركز شباب شرباص ، وهيئات أخرى عديدة.

ـ حاز على المركز الأول فى مهرجان مسرحة القصة القصيرة "إقليم شرق الدلتا الثقافي " عن عرض "إطار الليل "نوفمبر 1999.

ـ حصلت مسرحيته "حكاية من هناك " على الجائزة الأولى للمسرح ،مسابقة منظمة الشباب 1974 .

ـ قدم  للإذاعة المصرية " البرنامج العام " عملين إذاعيين هما :" وجوه من أكتوبر"1991 ،" أوراق أكتوبرية"1996.

ـ عمل محررا ثقافيا فى جريد ة " اليوم "السعودية في الفترة من 1991 إلى 1995 ،ثم مراسلا لنفس الجريدة من 1996 إلى 2000.

ـ شغل موقع أمين عام مؤتمر دمياط الأدبي لثلاث دورات ،ثم نفس الموقع لمؤتمر إقليم شرق الدلتا الثقافى 2003 .

ـ قدم أغاني وأشعار أكثر من 35 مسرحية في قصور الثقافة ،وفاز عن أعماله تلك بعدة جوائز متقدمة .

ـ اهتم بفكرة إجراء حوارات مع المثقفين والأدباء الغرب ، والمستشرقين وأنجز في ذلك ما يقترب من حدود ستين لقاء تم نشر أغلبه فى " اليوم "، "الجسرة "، "الثقافة الجديدة" ،وغيرها .

ـ أعد عنه ملف فى مجلة" أوراق "التى تصدر من إقليم شرق الدلتا ، تضمن دراسات عن أدبه .

ـ أصدر عنه الناقد جمال سعد  محمد كتاب "طاقة اللغة وتشكيل المعنى" عن دار الإسلام للنشر .  .

ـ شارك في مؤتمرات عديدة ، منها : مؤتمر الرواية العربية في دوراته الثلاث ، أيام الحكيم ، الثقافة في عالم متغير ، وغيرها .

ـ ساهم في الإعداد لملتقى دمياط الثقافي الأول وحصل على درع المحافظة 2003.

ـ حصل على منحة تفرغ من الدولة في مجال الأدب قطعها فور إنجاز روايته " وميض تلك الجبهة " 2001.

ـ قدم مساهمات هامة في مجال النقد والبحث في مواقع على الشبكة العنكبوتية ( الأنترنت ).

ـ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو نادى القصة .

ـ رئيس نادى الأدب بدمياط 1982ـ 1991 ، ومن 1995ـ 2005.

ـ أمين عام مساعد مؤتمر أدباء مصر بالأقاليم 2003، 2004، 2005.

 

ـ من أعماله في مجال النشر الألكتروني :

ـ وميض تلك الجبهة ( رواية )

ـ شمال يمين  ( مجموعة قصصية )

ـ صحيفة أحوال (مجموعة قصصية )

ـ صندل أحمر ( مجموعة قصصية ) .

ـ هذا كل ما اشتهي ( شعر) .

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

على حافة الليل كان اليمام

الهدف

التزحيف

ياقات حمراء 

مشيرة

صورته

الزلنطحي

 

ياقات حمراء

 

عرفنا أنه ابن ناس من أول وهلة . بنظراته الواثقة ، ووجهه الخمري المستدير الذي لم تلوحه شمس بعد ، وبتلك الابتسامة العريضة التي استقبل بها خبر توزيعه على سلاح المشاة .

كنا على ثقة أنه لا يكذب علينا – في نوبات الراحة – حين يحدثنا عن أعمام له ، وأخوال يحملون رتبة اللواء أو العميد ، ويمكنهم بإشارة إصبع أن يوزعوه على أسلحة الخدمات التي لا مشقة فيها ولا تعب .

تأكدنا أن سراج مصطفى ، والذي سيصبح في الأيام التالية محامي المعسكر له مخ مختلف . لقد أراد أن يخدم بجد ، ورغم بكاء الأم ، وتوسلات الأب بالتوسط له عند أصحاب الأمر والنهي كي يتم توزيعه في وحدة مناسبة إلا أنه رفض رفضاً تاماً .

وها هو بيننا ، واحد منا وعلينا ، يضع يده في جيب سترته فتبرز علبة سجائر " الكنت " ، يعزم علينا عزومة مراكبية ، ويشعل سيجارته بكل ترفع وكبرياء .

وسراج مصطفى القرانفلي ، ابن الناس ، أخذ في أول يوم خدمة درساً لن ينساه ، عندما سأله الأومباشى عويضة عن مؤهله ، فرد بثقة بانت في نبرات صوته : ليسانس حقوق . . يا أفندم .

لحظتها ارتبك الأومباشى ، لعلها ثوان قليلة ، وانطلق كالمدفع " المتريوز " مهاجماً العسكري المستجد : عليك أن تدفن شهادتك هذه في أقرب حفرة . وانس الليسانس ، وإلا ستتعب .

وجعله يتحرك خطوة للأمام ، ويقلع طاقية الرأس ، ويختبر صلابته بأن ضربه في كتفه ضربتين قويتين ، وسأله على الفور : بماذا شعرت ؟ ، على الفور رد المحامي سراج : لا شيء يا أفندم .

وقبل أن يكمل جملته جاءته اللكمة في بطنه مفاجئة ، قوية ، ولقد حاول العسكري المستجد امتصاص الصدمة ، لكن تقلصات الوجه فضحت ألمه الذي أخفاه في حشرجة مكتومة .

أمره بالرجوع للصف ، واستمر طابور التدريب الأولي : صفا . . انتباه . . الخطوة المعتادة ، للخلف در ، استرح . والشمس تصب حممها ، اقترب أومباشى آخر لم نكن نعرف اسمه ، لكن قسمات وجهه ، وطريقته في الحديث دلت على أنه متطوع ، استلم الطابور بعد راحة خمس دقائق ، وهمس الأومباشى عويضة في أذنه . وهو – بدوره – لم يكذب خبراً فجأر صوته في الخلاء : سريعاً جري ، مع الوثب لأعلى .

وانطلقنا في جري دائري حول وتد خشبي تم دقه في ساحة التدريب ، والكل يلهث ، وينساب العرق خيوطاً ، تنحدر تجاه العينين ، فنتألم من الملوحة ، ونهمهم : كفى . . يا أفندم .

والأومباشى المتطوع لا يكفيه إلا أن نطب ساكتين ، وقد صعّب الأمر علينا بأن جعلنا نصعد التبة الصناعية ونهبط مرات ومرات ، وعساكر منا تتساقط ، وهو يجذبها بعنف ، ويدفعها للطابور من جديد ، حتى تقطعت أنفاسنا ، وامتقعت وجوهنا .

نظرت للعسكري سراج ، كان يغالب ألمه ، والعرق يصنع دائرتين واسعتين تحت الإبطين . وجاء الأمر صارماً كالسيف : قف . . لليمين حذا . .

لحظات التقاط الأنفاس . انتظرنا الأمر استرح لنمسح بالمناديل الكاكية عرقنا دون جدوى . خبط الأومباشى المتطوع سراجاً في كتفه : ما هذا البلل

لم يرد المحامي المنخرط في الخدمة حديثاً ، فالسكوت في الجيش من ذهب .

ونظر إلى البنطلون الواسع الفضفاض ، كانت هناك خيوط لا تكاد تبين من عرق : هل عملتها على نفسك ي عسكري ؟

تقدم سراج خطوة للأمام ، ونطق بقوة : أنا متظلم . . ما يجري هنا ضد أبسط حقوق الإنسان .

شخر الأومباشى ونخر ، وأطلقها كالقذيفة : نعم ، يا روح أمك .

ثم بدأ الأمر بالزحف الثعباني ، والأرض قطع من حصى ، لها سخونة لا تطاق . ولم يجد سراج مصطفى القرانفلي مفراً من تنفيذ الأوامر بكل دقة

وبعد انتهاء طابور الزحف ، سأله الأومباشى المتطوع : ما شعورك الآن ؟

تأمله العسكري من قدميه إلى أعلى الرأس بنظرة كلها غل وأسى ممتزجين : شعوري أنك جاهل!!

ضج الموقع كله بالضحك ، حتى أن بعضنا ضرب كفاً بكف ، فقد كانت ملاحظته صائبة ، وعرفنا فيما بعد أن الأومباشى الذي يكدر سراج ، ما هو إلا راسب إعدادية .

توقف الهرج والمرج حين جاء الأومباشى عويضة واستلم الطابور ، وشكر الأومباشى المتطوع : شكراً يا أومباشى فؤاد .

كان الأومباشى فؤاد المنصوري – وهذا اسمه الذي عرفناه فيما بعد – يمضي نحو " الكانتين " ساحباً خجله خلفه ، وكانت الهمهمات المكتومة تعلو ، وتنخفض طيلة الربع ساعة المتبقية من طابور التدريب .

وقت الراحة تحلقنا في مرح صاخب حول العسكري سراج ، المحامي الذي يتحدث عن حقوق الإنسان . غمز لطفي فرو بعينه الحولاء ، وهو يسأله : أتدافع عن نفسك أم عنا ؟

بنبرات صادقة ، لا اصطناع فيها : أنا مثلكم .

خبطه توفيق مصيلحي الأهبل في كتفه بمودة : أصيل يا ولد . اعطني سيجارة " كنت " .

في لحظة لم تبق في العلبة إلا ورقة السلوفان المفضضة ، فطوى العلبة ، فركها في يده ، اتجه نحوي : الجيش هذا . فيه من الحياة كثير . لا يمكنك تفصل بين النبيل الرفيع ، وبين الدنيء الوضيع . فيه معاناة وتعب ، لكن له قانونه . عليك أن تفهمه . ستخسر كثيراً إن فرضت عليه شروطك .

شردنا جميعاً ،وصاح فيه العسكري صبري الأرناؤوطي : أهي مرافعة يا أستاذ ؟

عاد الضحك من القلب ، وعمنا صفاء نقي ، غسل أرواحنا المجهدة .

بعد أسبوع واحد ، زارت الكتيبة سيارة جيب ، ارتج لها المعسكر كله ، ونزل منها ضباط كبار ، بشارات أركان حرب الحمراء المثلثة على طرفي الياقة ، ودوىّ صوت البروجي ، وتم جمعنا في غير وقت طوابير التدريب . واهتم الصولات بالزي ، ونظافة الخيام ، ورفع علم جديد على سارية ساحة التدريب الأساسية .

وجاء الضابط أنور عدواً ، وهو يسأل : أين الباشا سراج مصطفى ؟ ضحكنا جميعاً للفظ " الباشا " . تقدم من العسكري ، وهو يسأله في ود كذوب لا يخفى على عاقل : مبسوط يا سراج ؟

هز العسكري سراج رأسه ، فلم يعرف الإجابة بالضبط . إلا أنه أخذه من الصف ، وهمس في أذن الأومباشى عويضة : يبدو أننا ستأخذنا داهية .

وفي خيمة القائد ، جلس سراج مصطفى مع أقاربه ، قدموا له لفائف طعام وحلوى ، وقروصة سجائر " كنت " ، وسأله قريب له عن الحال ، فرد على الفور : هي تجربة .

نظر إليه عمه اللواء ، وهو يختبر عناده : أننقلك إلى السرية الطبية لتكون قريباً منا ؟

تجهم العسكري مصطفى ، ونسي الرتبة التي يتحدث معها : قلت أنني مستريح هنا .

تنفس القائد في راحة ، وجاءت زجاجات المياه الغازية ، ودارت على الرتب ذات الياقات الحمراء . والغريب أن العسكري سراج ظل واقفاً كالألف عند باب الخيمة التي تدور المروحة في سقفها ، والتي يشغل الركن الأيسر جهاز تليفزيون . حتى أنه رفض زجاجة المياه الغازية .

وحين أوشكت الزيارة على الانتهاء ، قال خاله المقدم : أنت تعرف تليفون كل منا ، حدثنا عند أي مشكلة .

قال لهم ، وهو يستدير عائداً إلى الطابور : لا مشاكل لديّ . . المشكلة عندكم في الجيش نفسه .

وقد ركبوا سيارة الجيب الأنيقة ، وهم يتابعون سيره إلى الجمع المصطف ، ولم يدهشهم حديثه ، فقد كانوا يعرفون أنه متمرد بطبعه . لكن لديهم إحساس لا يخيب في أنه سيعرف الكثير من أمور الحياة في هذا المكان الموحش ، المنقوع في الخلاء .

من مجموعته : شمال .. يمين ـ سلسلة كتاب ( موجة ) ـ القسم الأول

 

بعض ما جرى في الأساس *

التزحيف

 

 

نحن في الأساس . والأساس 45 يوماً ، لا تزيد ولا تنقص . تستلم مهماتك ، تحمل المخلة ، تتحول من فرد مدني عادي ، إلى عسكري لا يتحرك إلا بالأوامر .

والجيش متاهة . الداخل فيها مفقود ، والخارج مولود . من كل جنس ولون ، وهيئة وشكل ستجد البشر : حانقين ، سعداء ، ممرورين ، لاهين ، عدميين ، متفائلين . من النقيض إلى النقيض . لكن الزمن ممتلئ بأمثال هؤلاء وهؤلاء . كل شيء كان يتوقعه خليفة مرسي الشموطي إلا موضوع التزحيف .

لقد بحث له عن سبب أو علة دون أي فائدة . فما الدافع الذي يجعل عساكر الأساس يقومون من النجمة ، وقبل شروق الشمس ، ليغسلوا وجوههم بما تيسر من ماء الجراكن ، قبل أن يخرجوا مشمعاتهم المتينة ، بلونها البني الغامق ، وتيلها المنسوج راقات ، يثبتون الطرف بقطع الزلط والحجارة ، ثم يمسكون الطرف الآخر ، ويمضون لتسوية أرض الميدان الواسع الذي لا نهاية له .من مربط خيام الأفراد ، وحتى السور البعيد البعيد الذي تعرفه الكلاب ، فلا تتجاوزه إلا بنباحها الواهن .

هناك عدة طرق للتزحيف ، أبسطها أن يُحدد لكل فرد مقطوعية يسويها بمعرفته ، ويتحمل خطأ وجود أي مساحة فيها نتوءات أو تعريجات . هذا هو الشائع والمعمول يه في أساس 2 ، 4 .

لكن هناك معسكرات تدريب أخرى تأخذ بنظرية " الجشتالت " فتقوم كل سرية بالتزحيف الجماعي ، فكأنك في حضرة رتل من سيارات الميدان تمضي في ذات الاتجاه ، وبنفس السرعة ، دون أن تترك بوصة فراغ واحدة .

كل شيء مقبول ، ومعقول ، ومحسوب في ذهن خليفة إلا هذا الأمر ، وهو يسأل كل من يقابله في صوت هامس خشية التبليغ عنه من أي واحد ابن حرام : أريد أن أعرف ضرورة التزحيف ؟

ظل يسأل ، ولا أحد منا يجاوبه ، ويضع له العقل في رأسه .فليس من المعقول أن نسأل في كل كبيرة وصغيرة . هناك في العسكرية تكتيكات واستراتيجيات ، وما نحن إلا عساكر بلا ظهر أو سند . بل الغريب أن يصدر مثل هذا السؤال عن خليفة بالذات ، وأبوه كما علمنا منه يُصلح الأحذية عند أبواب جامع السيد البدوي . يضع السندان على الأرض ويبدأ عمله قبل الظهيرة كل يوم وحتى يشطب آخر فردتين ، وكله برزقه .

مرسي الأب – والله أعلم – عوّد ابنه على التلصص على الحديث ، والسؤال عن كل أمر ، من طقطق إلى السلام عليكم .

ربما كان لحوحاً في مسألة التزحيف ، أما أن يحولها إلى قضية عمره ، فهذا معناه أن دماغه

" جزمة " قديمة .

وهذا ما حدث له من جراء اللت والعجن في موضوع مفروغ منه . فقد حوله الأومباشى إلى الصول ، لما سأله الصول عن السبب . أشار الخبيث إلى العسكري المستجد الذي لم يكن له خبرة بأمور الدهاء : أسأل عن التزحيف . لماذا نقوم به ؟

والصول عرفة أبو غزالة الداهية وجدها فرصة للتنكيل بنا جميعاً ، بأن يوقع الأذية بهذا الأبله ابن " الصرماتي " .

والمثل قال : " اضرب المربوط ، يخاف السايب " . ولكن للأسف كلنا مربوطون من أعناقنا منذ اليوم الذي دخلنا فيه منطقة الفرز ، وجردونا من الثياب إلا ما يستر العورة ، وبحثوا عن الفتق والبواسير والسل و . . . . . . . .

عندما انتهوا ، وختموا الورق بالكودي الأسود بكلمة " صاغ " صرنا لا نسأل ، ولا نجرؤ على رفع الحنجرة بصوت حتى لو كان واهناً .

الضابط أنور – وهو ضابط مخلة ، لا قلب له – ربت على كتف العسكري الغلبان ، وسهاه في الكلام : خير يا دفعة ؟ ، ابتسم الغر ، وبانت نواجذه : فقط ، أسأل عن التزحيف . هل كل جيوش العالم تزحف مثلنا؟

الضابط أنور ، تركه ، وراح يقلب السكر في قعر كوب الشاي ، وعاد إلى مكتبه في وسط الخيمة ، وقد أدرك أن الفأر قد وقع في المصيدة . شجعه على الكلام أكثر ، فأضاف ابن مرسي الشموطي : التزحيف تضييع وقت . أريد أن يصل صوتي للقيادة .

لسان حال الضابط : اللهم طولك يا روح .

لكنه يطلب المزيد من الكلام السائب ، ربت على كتفه بتشجيع ماكر :

قل كل ما عندك . . يا عسكري .

وضع الكوب على حافة المكتب – وهو منضدة ملخلعة قوائمها ، أما سطحها فمن خشب جميز مسوس – وسوى أطراف شاربه ، وأمر بطابور ذنب 8 ، 9 .

وقبل أن ينصرف ، وخزه في صدره : ها . . أتريد أن تعدل الكون . . يا روح أمك !

ربما فكر في صفعه ، لكنه تراجع ، وقرر حرمانه من الإجازة الشهرية ، وخدمتين " كينجي " زيادة .

وحين رجع العسكري خليفة ، بان عليه الإرهاق بعد دورانه في ساحة التدريب حاملاً المخلاة ، والعرق يشر منه ، وهو يلهث وصوته يطلع بصعوبة : لن يقنعني أحد بأن التزحيف ضروري ، حتى لو قصفوا عمري .

وفي الخيط الأول من فجر اليوم التالي ، كنا نزّحف رمال الموقع بهمة أقل ، وكان العسكري خليفة يشاركنا الأمر متعباً ، موجوع القلب ، فقد قضى نوبة الكينجي وهو يكلم نفسه : التزحيف خطأ .

كان أغلبنا يرى الأمر نفسه ، ولم يكن أحدنا على استعداد لذلك العقاب الصارم ، فالجيش له عبرة حفظناها مراراً وتكراراً : " نفذ الأمر ولو خطأ

ولقد رأينا مصير من جرؤ على مناقشة الأمر ، فما بالك لو رفضه .

استمر التزحيف ، وحين سوينا الأرض ومهدناها ، هبت عاصفة صغيرة ، فمسحت كل ما فعلناه . ضحك العسكري خليفة وهو يشير إلينا بيده : زحف يا عسكري ولو خطأ . .

كانت ضحكته منقوعة بمرارة وحزن بلا حدود .

* من مجموعته : شمال.. يمين ـ سلسلة كتاب ( موجة )ـ القسم الأول

 

بعض ما جرى في الأساس *

الهدف

 

 

كانت أسنانه تصطك ، وقلبه يرتجف ، وهو يقبض على بندقيته ، ويستعد للتقدم نحو التبة ، كي يرقد على بطنه ويستعد لإصابة الهدف .

للمرة الأولى في حياته التي يقيض له أن يضرب ناراً ، أو يسمع صوت الذخيرة الحية ، وهي تخترق الشاخص ، وتصطدم بقطعة المعدن الصغيرة بالحائل الصخري العنيد .

يسمع كثيراً عن حوادث الثأر بالصعيد ، لكنه من بحري ، وقد شرب مهنة الأب ، التي أخذها عن سابع جد ، ويده تلك التي تحفر زهوراً في الخشب الزان والسويدي تُلف في حرير .

هو الآن يستعد لتلك اللحظة الفارقة في حياته ، وعليه أن يفعل المستحيل كي يكتم أنفاسه ، ويضبط زاوية التنشين حتى لا تطيش طلقاته .

ليس عليه أن يفكر في الورشة ، ولا في عدة الشغل التي تركها في البنك ، ولا في صورة ´سعاد حسني " التي تضحك لزهور النرجس من حولها ، وتغني بصوت كله مرح " الدنيا ربيع "

الرمل الأصفر يحاصره ، بلونه الأخرص ، وخشونته ، والشمس تسقط وراء ظهرها ، فتثير حنقه .

ركب السيارة إلى التبة منذ الصباح الباكر ، وراحت العجلات تنهب الطريق ، ومفاصل المقاعد الحديدية تتكتك ، وترجه رجاً ، فيستند بمرفقه على ساق من يجاوره . غشيه حزن لا يعرف دوافعه ، وفي انحدار خيط العرق على رقبته تأكد أنه لا يحلم ، فاليوم هو ختام الكلام النظري ، والدخول بكل ثقة في معمعة الفعل .

في أفلام السينما التي يحرص على مشاهدتها صباح كل جمعة ، كان يبسطه أن يشاهد المعارك الحربية ، والجيوش تتحرك في جحافل مرعبة ، بينما الرصاص يفتك بالجنود من الطرفين .

كانت البنادق والمسدسات في أيدي المتحاربين ، وكان يجلس مسترخياً في كرسيه المعتاد آخر الصالة ، وبالقرب من الحائط ، تتثاءب ، وهو يغالب وخمه ، ومنديله المطوي بعناية في جيب السترة ، يمسح به وجهه ، فتملأ أنفه رائحة "سيكريه " . هو الآن في قلب الفعل ، والصول يرفع يده بالعلم الأحمر ، ويأمره بالتقدم ثلاث خطوات للأمام .

" انتباه " . لأول مرة يعي أهمية هذا اللفظ ، فيحلله إلى حروفه قبل المزج ، ويدرك أن حالة الانتباه للهدف تعني له الكثير .

حمل السلاح الآلي ، وشعر بأن ثقله لا يحتمل ، والسونكي المدبب للأمام في غطرسة ثقيلة ، أكدت له خطورة الأمر .

خشخشة الصدور من حوله ، يسمعها ، وتسقط نظراته على أسراب نمل تتحرك يمين المدق ، ثم ما تلبث سحابة خفيفة أن تعبر فوق الهدف ، فتظلله لثوان معدودة ، قبل أن ينكشف عن ضوء صريح ، لا ريب فيه .

" انبطح " . أمر لا مجال فيه للتراجع . على نفس الخط الوهمي ينبطح البوطسى ، والأرناؤوطي ، وسراج القرنفلي .

كل يقبض على سلاحه في استماتة ، يلصق الدبشك بكتفه لصقاً ، ويغمض عينه اليسرى ، وتحط ذبابة على أنفه فيكاد يجن ، لكنها تبعد – ربما رأفة به – فيضع كل همه في الخط الواصل من فوهة البندقية إلى أسفل منتصف الهدف .

" استعد " . تنفتح في هذه اللحظة طاقة نور لتأخذه إلى عالم آخر ، حيث عليه أن يثبت رجولته . هي لحظة أشبه بلحظة الجنس ، واكتشاف عوالم الأنثى ، وسحرها الخفي .

ربما كانت اللحظة بقسوتها ، وخشونتها ، على النقيض تماماً . لكن الاصبع سيضغط ضغطته القوية بلا أي إحساس بالذعر . وقتها يدخل دنيا أخرى .

" اضرب " . وقف شعر رأسه ، ويسراه تحتضن مقدمة البندقية الملساء ، وصدغه يضغط بقوة على الدبشك الأملس ، ورائحة عرق تنفذ إلى نخاشيشه .

" اضرب " للمرة الثانية . اكتشف أنه لم ينفذ الأمر بعد ، وحينئذ هصر الزناد ، فشم رائحة البارود ، وارتج صدره فبادر ، بإطلاق رصاصات تلو رصاصات ، وعينه المفتوحة تدمع ، لكنه يواصل الرمي حتى نفذت طلقات الخزنة .

" انهض " . كان انساناً آخر لا يعرفه ، يهب من انبطاحه القسري ، وثمة رائحة بارود تختلط بعرق يتصبب من جبهته ، في تلك اللحظة لم يعد لديه شك في أنه قد ترك خلفه كل مفردات الماضي .

لم ينفض عن ثيابه بقايا الرمال العالقة بنسيج القميص ناحية المرفقين ، داخت رأسه لزمن يقترب من اللحظة ، وجد ساقيه تتحرك للمؤخرة مع زملاء الرمي .

ولقد شعر أنه أطلق رصاصاته الأولى ، وصار خفيفاً ، قادر على التحليق ، والارتفاع في الفضاء الفسيح إلا أن روحه البريئة أشعرته بالذنب .

تفادى النظر في عيون الزملاء ، وفي الليل ناوشه شعور خفي بالرضا عن نفسه ، ولاحظ الشعيرات التي بدأت تنبت في صدره أسفل وأعلى الثديين ، وحول السرة !

في الليل شعر بأن روحه تنتحب نحيباً خفياً ، وكان عليه أن يضع رأسه على الوسادة الخشنة ، ويخفي دموعه التي تسللت على غير إرادة منه !

* من مجموعته : شمال.. يمين ـ سلسلة كتاب ( موجة )ـ السم الأول

أضيفت في15/10/2005/ خاص القصة السورية/ المصدر: الكاتب

 

 

 

على حافة الليل كان اليمام

 

 

( حين يصير الحنين يماما على الكف ،والراقصون مدائن لا تقفل الليل أبوابها ، والصباح* )  (( *إلى علي الدميني ، والمقطع السابق من ديوانه بياض الأزمنة)) 

 

هذا بالضبط ما لم يفكر فيه البارحة . لقد نام خالي البال من أي شيء يكدر صفو هدوئه ، صحيح هو مسجون ، ولكنه يشعر بالراحة الأكيدة أن رأسه لم تعرف الانحناء . تذكر كلمات سبارتاكوس الأخيرة ، وابتسم لطيف الشاعر الذي هده المرض ، ومات في الغرفة رقم 8 . كان أمل دنقل جنوبيا مثله . عبر البحر الأحمر الذي شقه موسى بعصاه يتسلل التمرد من بين الشعب المرجانية ، وأسماك الكنعد وسلاسل الجبال المنحدرة في انكسار مميت .

دق بقبضتيه الباب الحديدي الثقيل ، فأتي الحراس شداد القامة ، أزاحوا غطاءا معدنيا ثقيلا ، ونظروا من خلال الكوة شديدة الضيق .

كان قد ابتعد عن الباب بمسافة بوصتين ، رمقوه في غضب أن أزعجهم ، لكنه حدق في ملامحهم بشيء من المرارة ، وهم انتظروا أن يتكلم ، ويفصح عن سبب استدعائه لهم في هذا الوقت المتأخر من الليل بتلك الجلبة التي لم يعرفوها عنه.

كانت ليلة توافق منتصف الشهر العربي ، لكن القمر بان مختنقا بغلالات الغيوم التي تتكاثر في مرورها البطيء ، أما زنزانته فتطل من الخلف على ساحة واسعة أشجارها خرساء وصامتة .

تمهل وهو يتراجع عدة خطوات ليلاصق الجدار ، حدجه كبيرهم فيما تصلصل المفاتيح في خطاف معلق بجيبه : ماهذه الجلبة؟

قال وهو يرتب الكلام ، وذاكرة الجبلي تناوشه وتلح عليه أن تكون عبارته سهلة ومفهومة : اليمام ؟

يتأكد له الآن حقيقة أن الروح هي التي نادته أن يرى اليمام في زرقته ، وهو الشيء الذي أفاق عليه من نوم قلق ، وشعر بالحاجة إليه بصورة لم يمر بها من قبل أبدا . غالبه خاطر أنه مجرد حلم ، وعليه أن يحتفظ به لنفسه ، أو أن ينتظر طلوع الصباح ليحكي ما رآه لرفاقه ، لكن شيئا أقوى منه دفعه أن يكون في حضرة اليمام .

مكث يغالب هذا النزوع القوي الذي ألح على وجدانه ، حتى أنه تصور يماما جبليا بالذات له ريش بني غزير حول الهيكل الضئيل ، وزغب خفيف يكسو الرقبة . أكمل بنبرة بدت محايدة منزوعا عنها أي إحساس بالرجاء أو التمني: أريد أن تأتوا لي باليمام .

هل هذه هي مطالبه فقط في هذا الوقت الذي يخلد فيه الجميع للنوم الثقيل والراحة الأكيدة ، أعاد الحارس إطلالته ، أما هو فقد راح يمسح بيده غبارا خفيفا كان يحجب الرؤية كاملة عن عدستي نظارته ، وأتاه صوت الحارس محتجا : أي يمام تقصد ؟

بروق العامرية لوحت للسجين لحظة وتمددت في فضاء شكلته أيد خفية ثم ما لبثت أن تبددت : ألا تعرف اليمام؟

كان المكان يعبق بدخان سجائر انطفأت منذ فترة ، والزنازين غارقة في صمتها الليلي . في الخارج تهبط قطرات مائية لا تكاد ترى ، وتتكثف على أوراق الأشجار وبتلات الأزهار كقطرات ندى : أعرفه . وهل كل هذه الجلبة لآتي به في هذا الوقت؟ وهب أنني أحضرته ، فهل القوانين هنا تسمح بذلك ؟

عدل بيده ياقة سترته البيضاء التي تثنت أطرافها ، ورنا نحو الفضاء الذي كان قمره يجاهد بقوة حتى تبتعد تلك السحب الرمادية البليدة .

بدت قضية عمره أن يرى اليمام ، وينصت لهديله . هكذا كانت الرؤية أن والده قد ناداه كي يجلس معه تحت شجرة تين عملاقة ، في ظل فروعها المتشابكة ، وفي جلستهما حطت يمامة على المقعد الخشبي المستدير .

قال العجوز : لا تحزن .

رد بنبرة الواثق : إن الله معنا .

امتدت يدا العجوز ولامست تقاسيم وجه الابن الذي تذكره صبيا يلهو في أزقة القرية:أصبر يا بني .

رأي الغضون تهتز تحت الجفنين : سأفعل يا أبي .

مسح بعينين سوداوين صافيتين خضرة المكان الذي لم ير أجمل منه في كسوته العشبية الزاهية ، وانجابت أحزان حسبها لن تتزحزح يوما : ما أجمل زيارتك . لا تتركني هنا بمفردي كن معي .

رقت حواشي الكون ، وأسراب من الطيور تمر فوقهما مغردة ، فيما تساقطت بعض أوراق من الشجرة الكثيفة ولم تكن صفراء أبدا ، بل كانت بنفس خضرتها الداكنة : أنظر أبي ؟

قبل أن يجيب اختفى أبوه تماما ، لكن نظرات وجهه التي بدت باسمة ومضيئة ظلت تخايله فيما سمع هديلا متناغما لليمامة التي طارت بعيدا بعيدا.

تحتم عيه أن يطلب اليمام في الغرفة الضيقة . لا كتب معه ، ولا أوراق . سحبوا دفترا صغيرا تم تهريبه إليه وتركوه في عزلته مع نوبات الحراسة .

لقد ألف وجوههم ، وتعود تجهمهم . كان يعرفهم بسعال بعضهم ، أوبطريقتهم في الخطو ، أوبلهجاتهم التي غالبا ما تنم على كونهم جنوبيين ، لكنه جنوبي مثلهم وإن دفعته ظروف الدراسة ونزوح الأهل منذ سنوات بعيدة أن يتجه شرقا . طلع صوت الحارس وهو يسوي شاربه : بالله عليك لا تلهو بنا . أي يمام هذا الذي آتيك به؟

تململ قبل أن ينسحب عائدا ومن خلفه تابعه الأصغر رتبة : خذ سيجارة دخنها ، ثم أكمل نومك .

في تلك اللحظة بالذات والتي مد فيها الحارس يده بسيجارة من الكوة تناهى إلى الجميع صوت خافت للهديل ، راح يتصاعد ، ويتصاعد .

بقت اليد معلقة لحظات ، ولما لم يمد السجين يده كي يأخذها مضى الحارس مع زملائه نحو مكان خدمتهم ، فيما حطت يمامة بنية اللون بريش ناعم على حافة النافذة الضيقة المشغولة بالسلك .

كان عليه أن يصعد على حافة مقعد خشبي كي يمسد شعرها ويحط بيده الأخرى على جسمها الدافيء ، حاولت اليمامة أن تدخل الحجرة عبر ثغرة في الحديد المشغول ، لكنه أبعدها برفق ، وأبقاها حيث هي . كمنت لحظات ثم هدلت من جديد وهي تعاود انطلاقها . طيرانها في هذا الليل الطويل الذي يبدو أنه على وشك أن يتبدد .

القاهرة 5/ 4/ 2005

 

 

 مشيرة

 

 البنت مشيرة أم ضفيرتين صغيرتين سارحتين على الظهر ماتت اليوم .

 مشيت في الجنازة البسيطة وكان قلبي يبكي ، ووجهها يلوح لي طوال المسافة الممتدة من جامع البحر التي خرج منه جثمانها وحتى قرافة الست الوالدة قرب " تعاليق شيحة ". بنت صغيرة بغمازتين ، ووجه باسم تستقر به عينان يسكنهما غيط برسيم أخضر في موسم النوار .

نعم هي البنت مشيرة ابنة خالتي خيرية التي تغلبني في المذاكرة بنباهتها ، وعيونها التي تضحك وبشرتها البيضاء حتى إنني كنت وسط الأولاد كلهم والبنات القادر أن أخطف يدها وأضعها على حافة الشباك وبجوارها يدي السمراء ، وأهتف بها : مصر والسودان ، وعلى ضحكنا تأتي خالتي خيرية بكوبين من الشاي المحلى بالسكر وروح النعناع ، تسألني : أمك فين ؟

 وهو سؤال لا تنتظر إجابته إذ هي تعرف أنها لابد أن تأتي في موعدها قبل أن تبدأ حلقات المسلسل الإذاعي في الخامسة والربع مساء ، ثم تمتد السهرة والضحكات ، والفرفشة حتى موعد القرآن ، وقتها يسكت الجميع ، وكأن على رؤوسهن الطير ، وتبدأ التلاوة ، فتقوم مشيرة بدخول المطبخ لتعمل فناجين القهوة المحوجة بالحبهان ، وتكافئني بفنجان قهوة سكر زيادة ، ويكون من واجبي أن أفتح الأطلس ، واشرح لها تضاريس دول العالم التي تدرسها ، وأفهمها للمرة المليون  مقتاح الخريطة : الأخضر يعني سهول ، الأزرق بحار ، البني جبال . تضحك وتقول : مفروض البني يبقى بن !

 النعش فوق سيارة مكتوب عليها بخط منمنم " سيارة تكريم الإنسان " ، لكن الأكتاف شالتها داخل الخشبة وأودعوها المنحنى المعدني الأبيض . لمحتها تشير بيدها أن أجلس أمامها بالضبط كي تشرح لي محيط الدائرة ومساحتها . قال لي الأستاذ بشرى بندلي أنني لن أفهم شيئا طالما لم أحضر المنقلة والمثلث قائم الزاوية والفرجار . وصدقت نبوءته ، فحين كبرت قليلا ، وامتنعت عن ارتداء الشورت ، ودخلت الإعدادية لم أفهم مطلقا لماذا نركز بسن الفرجال على المركز ، وندور بقوس واسع يصنع هذا المحيط المنحني . كنت في رعب أن يجذبني المركز كقاع جب بلا قرار إلى عمقه المستحيل .  فضلت دائما أن أكون بعيدا عن هذا المركز ، بل بذلت محاولات مستميتة كي أخترق المحيط نفسه بأي طريقة وأهرب من الدائرة اللعينة ، وقد كانت نبيهة وذكية ، تعرف أن المساحة = ط نق2، وهو الأمر الذي لم أفهمه بسهولة ، مع قانون المحيط الذي هو 2 ط نق . وظل سوء الفهم يلازمني وسوء الحظ يتبعها ، والدائم هو الدائم ولا إله إلا الله .

 شقت الجنازة شارع الحدادين ، وعرصة ساحل الغلال ، في شهر رمضان كانت تنزل في هذا الزقاق تلعب بحق الورنيش القديم لعبة " الأونة " وكنت أراها تحجل بسرعة ، وتقفز برشاقة ، وأنا محمل بأطقم كراسي السفرة والحز فوق رقبتي يؤلمني ، تراني فتتوقف خجلى ثم يدب فيها روح التحدي وتكمل لعبتها ، ولما كانت أمي قد وصفتني بالمؤذي فقد كان من الخطأ ألا أفسد توقعاتها . من السهل أن أستند لجدار بيت قديم وأزحزح الكراسي واحدا واحدا بزعم أني أستريح ، وما علي كي أبدو شريرا إلا أن أمحو بقطعة البطانة التي تسند كتفي حتى لا تدمى وأوقف اللعبة .

 

وقتها تندفع البنات الصغيرات : والنبي .. نكمل الأونة !

وأمتنع حتى تحضر هي ، وتضع حقلي البرسيم في عيني مباشرة فأتصنع الغضب : صغيرة أنت حتى تلعبي معهن .

 أشعر بالنوار يتفتح فتزهزه الدنيا ، وتطير فراشات مبرقشة وتحط على كفي : نعم صغيرة ، لكنني أطول منك .

 تشب على أمشاطها فتطولني ، وتنحدر الجنازة نحو شارع البدري ببلاطاته المربعة البازلتية الصغيرة ، ونهم بأن ندخل الدرب الضيق من ناحية الحدادين  فتوارب المقاهي أبوابها ويقوم الرجال ، ويصوبون السبابة في مواجهة النعش الموضوع بالسيارة ، ويتلون التشهد فيما تخفف العربات المنطلقة من سرعتها ، وتركن بجوار الطوار حتى يمر المشهد .

 في ركن الحجرة وجدتها تصفف شعرها ، كنا قد كبرنا ودخلنا الثانوي ، والسطح ضاق بألعابنا القديمة ، داخت أمي في علاج سعال الصدر ، لكنها تذكرت أن أمها قد حمصت قشر الرمان ،فاندفعت نحو العش الخيزراني الأعواد وسحبت حفنة من القشر ، وذهبت به للوابور الذي أشعلته ، ثم غلت القشور ، ومدت يدها بالكوب . كان شعرها أسود ، وضفيرتاها قد طالتا وانسدلا على كتفين صغيرين ، وكانت السماء في انحدارها البعيد تذكرني بالدائرة ، ويشغلني أن يكون هناك حد للأفق . راهنتها : من يمكنه أن يجري ويجري ليبلغ الأفق ؟

 قالت وهي تستعيد أسماء الأبطال في ذهنها : السندباد .

 قلت وأنا بين الشك واليقين : ولا هذا أيضا . تعالي نجرب أن نبلغ الأفق . أن نطول الانحدار البعيد بأيدينا . ركضنا مسافات بعيدة ، ونال منا التعب واكتشفنا أن هناك أشياء لا يمكن أن نطولها أبدا .

تابعت الجنازة سيرها ، وصرنا في صرة الميدان الشهير ، ومن بعيد كان دكان الأب تاجر الحبوب مغلقا من سنوات بعيدة بنفس القفل الضخم النحاسي ، وقد صدأت المفصلات ، لمحت ابن عمنا الدكتور لطفي وقد جاء مغبرا من السفر ، أصبح في أول صف والشمس تلهب الوجوه ، ونداءات الباعة تأتي واهنة .  كان باعة المشمش قصير العمر ، والبرقوق فاكهة الذوات ، وكانت بشائر البطيخ ، وأنا أخفي عرج خفيف يناوش قدمي .

سألتني وأنا أحمل جمجمة أخيها طالب الطب بيدي : ألا تخشى أن يطلع لك صاحبها في الليل .

تفحصت الفك واستدارة الصدغين ، ووضعتها بجوار مزهرية بها وردة قرنفل بيضاء : أنا لا أخاف . فقط لعلي حزين .

فقد كانت الأحلام تتبخر ، والحجرة الملحقة بالسطوح تكشف عن شرخ كبير في السقف والجدار . قالت لي خالتي خيرية : لو انهد البيت أين نذهب ؟

وجمت للسؤال ، والتفت للسلم الخشبي الحلزوني الذي كان يسرسب بعض التراب في تكتم شديد : لا تخافي يا خالتي .

 وفي لحظات الغروب تسرب إلى قلبي شجن عظيم ، وأنا أرى الإرهاق في وجهها وهي تذاكر دروس الكلية . كانت قد انعتقت من الجغرافيا ، والأطالس ، لكنها تسأل هذه المرة عن دورة حياة الكائنات . أطلعتني على فراشة محنطة وقد كتبت اسمها باللاتينية ، ومجموعة صخور ة صلبة  لها أسماء عجيبة . ضحكت في وجهي وهي تسألني : هل نصير في يوم ما مثل هذه الأشياء . قبل أن أجيب سمعنا صوت ارتطام عنيف . كانت طيارتان ورقيتان قد تشابكت خيوطهما وسقطتا فوق السطح في لحظات الغسق الشاحبة . لم أجب عن السؤال المحير فقد انهمكنا في فك الخيوط المتشابكة وتخليص الطيارتين من مشكلة صنعتها الرياح .

مدخل شارع صلاح الدين مكتظ بالباعة والدراجات والسيارات المسرعة ، تتقدم الجنازة ببطء ونهر النيل الذي خلفناه وراءنا يعكس ضوء الشمس ، وخالتي خيرية تشتكيني لأمي ، لأنها تعتقد أنني أغويت ابنها نصحي  وشجعته أن يعبر النهر جيئة وذهابا ، كان رهانا قديما وقد كسبه ، حين أمسك برهان الفيومي ثيابنا ، ولما خرجنا خفنا سوء العاقبة فجلسنا نتشمس ، ولكن الجنايني طردنا فارتدينا ملابسنا على عجل ، وكشفت البقع المبتلة جريمتنا النكراء ، كان الرهان على من يستطيع أن يعبر النيل ، ويمكنه كذلك أن يحفن بيديه بعض أسماك الشبار . عبرنا بسهولة ، وتبقت المغامرة الأخيرة صعبة التحقق حتى انتزع نصحي القميص وجعل منه " شلبا " لاقتناص سمكتين . كانت الزعانف مشرعة ، والقشور الفضية تلتمع ، وقد غلبني .

وفيما كانت خالتي خيرية تكيل لي الاتهامات رأيت  مشيرة تبتسم في سرها  فقد عرفت أن شقيقها قد كسب الرهان ، وأصبحت في نظرها خاسرا ، ولكي أفوت عليها فرصة الشماتة والتلذذ بانهزامي أخبرت خالتي بأنه قد حصل مني على خمسين قرشا كاملة بعد عبور النهر ،ثم انطلقت اهبط السلم ممسكا بالدرابزين ،  واللعنات تلاحقني ، ونظرة الانتصار رأيتها تذبل ومشيرة تحدجني بنظرة محتجة ، تمزج الصمت بالاستنكار ؛ فهي تعرف أن " علقة " ساخنة ستكون بانتظار شقيقها أما أنا فمدرب على مثل هذه الأمور . تابعتني وأنا أمرق كالسهم من السلم ، رمتني بدعائها : يا رب تموت !

اقتربنا من الجبانة ، وراح باعة السمك علي الجانبين يلمون طاولاتهم ويزحزحزنها إلى الخلف قليلا ، وقد قالت لي ، أنها اختارت أن تتزوج من مهندس معماري يعمل بالعراق ، وهي فرصة لتغير نمط حياتها . رحت أحدثها عن الحر الشديد ، وقرص الشمس الذي يلتهم البدن ، وينخر العظام . كانت مصممة ، ضحكت : العمر واحد والرب واحد .

في فرحها كانت جميلة بثوب أبيض يزيدها رقة ، وجاء نصحي وعقد حاجبيه ، ومنحني سيجارة ، فسألته عن حـُـق النشوق الذي كانت أمه تفضله . لكزني بكوعه ضاحكا ، في حين دقت الدفوف ، وشعرت أن خالتي تكاد تطير من الفرحة ، كانت أمي تزغرد ، وهي تنظر للسماء البعيدة . وقتها تذكرت الدائرة بمركزها الممعن في مشاكسته ، والمحيط الذي فشلت دائما في العثور على بداية مؤكدة له .

 وفي العراق انقطعت أخبارها ، لكنني علمت أنها أنجبت البنين والبنات ، ومثلها فعلتُ .

في مرة كنت أصعد درجات بنك مصر . وجدت امرأة متلفعة في الأسود الغطيس ، كانت تشير لأحد خلفي ، نظرت ورائي لم يكن سوى الجدار  ، ولوحة التعامل بالدولار تضيء بأسهم صاعدة هابطة . مددت يدي ، متسائلا في حيرة : حضرتك . تقصدينني أنا ؟

 اقتربت ، وهي تعنفني : أترى خيالك ؟

كانت مشيرة بشحمها ولحمها  ، وقد تغيرت كثيرا وانحنى ظهرها بعض الشيء ، وكانت معها فتاة رائعة الجمال بفستان أزرق مشغول بورود كبيرة : أنسيت مشيرة يا نساي.

 سبحان الحي الواحد القيوم ، وحدبات القبور  تظهر على البعد ، والخوص الأخضر في أيدي النسوة ، والبكاء الخافت يتصاعد ببطء درجة درجة . سلمت عليها بحرارة : لكنني لم أعرفك .

 مالت تضم الفتاة من منكبيها : مشيرة الصغيرة .

 ضحكت : بدون حقلي البرسيم .

 كانت جميلة وبرسيمها أفتح قليلا ، ولم يكن النوار قد تفتح بعد ، فموسمه لم يقبل .

 قلت لها وأنا أشير إلى السواد : ما بك؟

 زوجي الله يرحمه مات في العراق . خبطت رأسي بكفي : البقاء لله .

 وعليها نادى صراف البنك ، فتبادلنا العناوين وأرقام الهواتف التي لن تطلب أبدا ، وتقدمت السيارة حاملة الجثمان فتوقفت بجوار الطوار ، وأنزل النعش ،فحملته الأيدي بخشوع وورع ، وكان من المستحيل أن أنسى يدها وهي تربت علي حين فصلوني من الخدمة لدخولي دائرة السياسة بدون أن اعرف أن ط نق 2 غير ممكنة هناك ، حملقت في الأفق البعيد : أبتعد عن مكائدهم  .

 ضحكتُ والكتاكيت تتقدم نحوها وهي تصوصو ، وخالتي تقدم لي شايا قليل السكر ، وهي تشتمني : فوق لنفسك . حرام عليك أمك .

 ولقد أكدت لها أن الدائرة لم تصنع كي نسجن فيها ، وأن علينا واجب دائم أن نصنع ثغرة مهما بدت ضئيلة فهي ضرورية لتحرير أرواحنا .

 قالت وهي مهمومة : الحكومة ستبهدلك .

 وحين جاءت أمي وذكرتني بلعبة مصر والسودان ، كانت حافة الشباك مشغولة بصبارات ونباتات زينة ، وقلل قناوي بغطيان من الفخار المحروق ، فلم نمارس لعبتنا القديمة رغم أن قلوبنا ضحكت .

 اتجهنا للمدفن ، وداست أقدام المشيعين  الخوص القديم الأصفر ، وتفادينا طوبات فارقت قبور قديمة ، فيما  رأيت المدخل على هيئة نصف دائرة ، وسـَّـع اللحاد الحفرة بيدين مدربتين ، صرخ في الواقفين : تصريح الدفن .

 امتدت يد مرتعشة ، فتح الورقة وقرأ الاسم ، بهدوء وروية كشفوا الغطاء ، وحملوا الجثمان ، ودلدلوه ، ثم أهال اللحاد التراب ، ووقف الملقن يمارس عمله ، وكانت هي مشغولة في هذا الوقت بالذات في إفهامي أن مساحة الدائرة ط نق 2 . وكان الوجع يملأ قلبي أن الأفق هناك بعيدا وبلا انتهاء ، ربما انحدرت دمعة فقد عجزت عن رؤية الصخرة وهي تسد الحفرة واللحاد يثبتها بالجبس وخليط الأسمنت ، ولقد رأيتها تلوح لي : إذهب ، سأكون بخير ، ولم يكن ممكنا إلا أن أرى حقلي البرسيم مليئان بخضرة زاهية ، وكان النوار يهتز بتأثير الريح ، وأوشكت أن أفقد اتزاني فسمعتها ، أوقن أنها لم تكن تكذب عليَّ : لقد بلغت حد الأفق . هناك نهاية مبرقشة بالتعب والزرقة  يا بن خالتي .

 استعدت خضرة حقلي البرسيم وأنا أمضي وحدي نحو الشوارع المأهولة بالبشر المحزونين . كنت أعرف أنك ستدركين غايتك . وضعت رأسي على كتف خالتي التي ماتت من ربع قرن مضى . قالت لي وهي تنخرط في نحيب مؤثر : لقد سبقتك إلى  هناك . أنا جهزت لها الأرائك!

دمياط  19/ 5/ 2005

 

 

صورته

 

ما الذي جعلني بغير إرادة مني أفز من نومي قبل أن تدق السادسة صباحا؟ أتحسس ذقني النابتة كشوك القنفذ . أرفع عن بدني الغطاء ، وأتجه من فوري إلى الحمام . أوارب ضلفتي الشباك ، وأضغط زر النور مغمضا عيني عن الضوء الباهر ، أمد يدي شبه منوم باحثا عن ماكينة الحلاقة على الرف الزجاجي ثم بعد دقائق أخرج مشدود القامة لأبصر أجسادهم الصغيرة ملتفة بملاءات رقيقة تعتذر للشتاء عن تأخره ؟

أصفق الباب خلفي ، وأتحسس عظام الترقوة ، وثقل البيادة التي خلفتها منذ أزمان ؟ هل هو نداء خفي أم توق عارم أن أذهب إليه وأحدثه مثلما كنت أفعل حينها ؟

لماذا هذا العسف وروحي مثقلة بنظرته المحددة ونداء متخاذل يشدني إلى قاع الجب؟

حين انشق الصمت بقذيفة عمياء ، واجهت الموت والعجز ، إذ غلت الرمال ، وغطى وهجها وجهي . لم أر منه سوى أشلاء منثورة تصرخ مطحونة في كمد وغيظ ، والجنازير تدور ، والتروس العملاقة تصخب .

 يدي تهتز بفنجان القهوة البني ، وشمس الصحراء تدبغ جلدي . قالت لي نظرته الوجلة : " لا تنس أن تكفنني !" .

لم أفعل لأن الزرقة بانت آفاقها المحترقة تضغط على صدورنا بنيران كثيفة . همس الشاويش فتحي :" ننقل الموتى ازاي ، والرمل الطاهر يتاويهم ؟"

قماش الأفرول الكاكي تمزق تحت الأبط . إندلع ألم هائل في الحلق ومرارة ، قلت ولم يسمعني أحد : " نكفنهم ، ده لحمنا الغالي " .

ارتجفت شفاههم اليابسة ، قال الشيخ يحيى : "الرمل غسيل طاهر، والرمل كفن ".

إلتف شريط أسود حول الصورة في إطارها الخشبي . كانت نظرته حزينة ، وضعت يدها في حجرها وهزت الرأس : ربنا يغفر له . ولم تمسح الأم دمعة تسللت للوجه الشاحب الهضيم .

هي ـ المرأة الشابة ـ التي تقدمت مني ، جلست في مواجهتي تماما : " محارب حس بألم ؟ ندهني قبل ما يودع ولا نده العيال ؟ " .

شفتان يابستان تتحركان باللوعة والأسئلة . اختلط لحمه في النقطة 145 بالأرض الرملية وشجيرات الصبار القزمية ، وخنافس سوداء تجري مجنونة بالضجيج ،وأربطة الميدان ، وجثث الدبابات الخرساء تفوح منها رائحة تزكم الأنوف .

على عتبة البيت رفعت وجهه الصغير أتأمله . من فرط تشابهه مع أبيه أنكرته !

ضحك نفس الضحكة لكنها كانت خالية من خشونة ألفتها ، سألني : "معاك حاجة حلوة  ؟ " .

ندت عن صدري تنهيدة ، أخذته من يده وهبطت السلالم . عند البقال كانت صورته أيام الشباب مع أولاد الحتة بنفس ابتسامته الأخاذة خلف الزجاج مثبتة . تأملتها ، قلت لصاحب الكشك : " إديني شيكولاتة بسرعة " .

امتدت يدي بالنقود ، نسيت في اضطرابي أن آخذ الباقي . قلت في نفسي سوف أظل حريصا على زيارته .

اليوم كم من الأعوام مرت ولم أره ؟ جاء الجرسون وتناول حسابه سألني : " تطلب حاجة تانية ؟ " .

نظرت حولي ، كان يوم عطلة ، والراديو يذيع أغاني حماسية ، وحناجر تصرخ ، فتنهمر كلمات زنة ألف رطل . تناثرت شظاياها في عقلي ، تطحن مشاعري بضراوة لا قبل لي بها .

هبت ريح باردة ودقت ساعة الميدان السابعة ، قلت : " لعله انتهى الآن من الجامعة ! "

ناوشتني الذكرى ركبت المترو على غير إرادة مني ، وقهوة الصباح البنية حركت أحزاني القديمة .

هبطت في الميدان ، وتهيأت لرؤية البيت . تفحصت المكان فلم أجد له أثرا .

سألت وعلمت أن صاحب البيت استخرج رخصة بالهدد ، وأن الأسرة التي كانت تسكن بالإيجار نقلت عفشها منذ أعوام ورحلت إلى جهة غير معلومة .

في المنحنى واجهني كشك البقالة . كانت الصورة مازالت مثبتة ، وقد أكلت الشمس نضارة الوجوه ، ومحت الملامح . اشتريت قطعة الشيكولاتة ، وسرت على غير هدى أبحث في الطرقات ...

 

 

الزلنطحي

 

الولد فرج مختار العفشة جاءه الأعور وهو في عربة الترحيلات ، فظل يمسك بطنه من ناحية تحت السرة ، ويعض على شفته السفلى ، وهو يقول بينه وبين نفسه أنه مغص خفيف .  مجرد مغص جاءه من التهام نصف حلة المحشي التي جاءت " زيارة " لخميس الخرم زميله في التخشيبة .

لذا فقد كان كل ما فعله أن جلس القرفصاء ، وراح يئن أنينا خفيفا ،  ومحركات السيارة تدور ، والعادم يحجب رؤية من هم تحت الصاج المولع ، ثم ارتفع الأنين شيئا فشيئا حتى أدرك زملاؤه أن الموضوع جد لا هزار فيه ، فراحت القبضات تدق الصاج الغليظ دقا ، والسيارة تمرق من تحت سفح تل  المقطم ، متجهة إلى مقر النيابة في السادسة صباحا وخمس دقائق فقد كان صوت الشيخ محمد رفعت يخترق الغبش الخفيف بغبرة صفراء ، ويطلع من جوف " الرداوي " كي يعلن عن مولد يوم جديد.

كانت عربة قديمة متهالكة يزحف الصدأ في أركانها حتى يوشك أن يأكل الهيكل كله ، ومن الطبيعي أن تكون هناك مقاعد خشبية غير أن الحكومة رأت توفيرا للنفقات وتوسعة على المساجين ومن دفعته أقداره لركوب الرزايا أن تلخلع الألواح ، وتبقي على الزوايا والصواميل حتى إذا ما جاءت لجنة حقوق الإنسان للتفتيش كان من السهل تركيب تلك الألواح على عجل ، بل والإسراع بمسحها بقطعة جوف خضراء من بقايا مكتب الباشا الكبير .

الولد فرج مختار العفشة ـ وشهرته الزلنطحي ـ أمسكوه من أسبوعين وكان هاربا من قضية مخدرات  ، ورغم أنه قد تفنن وحلق شعر رأسه ، ونتف حاجبيه حتى صار أقرب للعفريت فقد أوقعوا به ،  وعرف الجميع أنه لا يقع إلا الشاطر ، وأن دليلة التي حلقت لشمشون شعره بالحيلة لم تكن تفعل ذلك صدفة فدماء الدهاء تسري في عروق صنف النساء .

النساء أحباء الله إلا في ساعات الغضب وهي قليلة ، فهم لا يطقن أن يجمع البعل بين زوجتين رغم أن هذا من شرع الله ؛ فما  أن يشتموا أن الرجل سوف يفعلها ويتزوج على " القديمة " ، وينسى العشرة ، ويرفس النعمة ، ويتغاضى عن العيش والملح حتى يفور هذا الدم ،  ويغذي اليافوخ بعشرات الحيل التي تسقط الغريم سقوطا مدويا .

الولد فرج مختار العفشة عيناه زائغتان ؛ فزوجته حلاله قمر 14 ، ولها عينان ما بين الأزرق والبنفسجي ـ فشر اليزبيث تايلور التي كان يضع صورتها فوق فراشه مباشرته قبل أن يتزوج و يخش دنيا  ـ لكن القلب وقع ، ورفرف في الصدر ، واندبح بنظرة قتالة .

فراح إلى بيت دلال  وطلب اليد بالحلال ، ووضع على الصينية جنيهين من الذهب اللماع طراز الملكة فيكتوريا ، وفتل شاربه ، وهو يسمي ساعة أن جاءت بالشربات ، فكانت تخطر كالغزال ، حينها رنت الزغاريد في الحي كله ، وبرفة رمش جاء الصبيان بالكبش فعقروه ، وأسالوا دمه على العتبة التي تتصدر مدخل البيت في الزاوية ، وجاءت النسوة العواقر اللاتي ينتظرن مثل هذه اللحظة فغمسن أصابعهن في الدم اللزج الساخن ،  ورسمن خيوطا فوق الجبهة وحول دائرة الثديين ، وبعيدا عن العيون البصاصة فوق السوة طلبا للخلفة وجلبا للذرية التي تسند الضهر.

ما أن علمت محاسن ابنة عمه ، والتي هي ستره وغطاه بالفعلة النكراء حتى أصابها الخفيف ، ولأنها ماكرة وتلعب بالبيضة والحجر ، فقد كتمت في قلبها وهشت وبشت في وجه زوجها وهو راجع ، وبسطت المائدة في العصر ، وقبل أن يخطف الأربع ركعات الفرض راحت تطوف بالمنقد حجرات البيت وفوقه البخور الجاوي لتطرد الحسد والعيون الصفراء التي تندب فيها رصاصة .

في الليل هجم رجال المباحث ، وقلبوا البيت عليه ، لكنه كان قد قفز من شباك مفتوح على  المنور ، وذاب في الظلمة الحالكة ، أما كبير البصاصين فقد دس يده تحت المرتبة وأخرج طربة حشيش تزن حوالي كيلوجرامين ، وقبل أن يحرزها جاء الباشا المتوسط فقطع بالسكين قطعة للذكرى ، وضعها في جيب الساعة ،ثم لفوا الحرز في السلوفان ، وكانت تقف بالقميص الشفتشي تلوك اللبانة في فمها ، فدقت على صدرها وهي تتمتم في حسرة : ماقدروش على الحمار قدروا على البردعة .

 لم يسألها الباشا المتوسط عن زوجها فهي ليست غريرة لتدل على مكمنه ، لكنه نظر نحوها في ارتياب ، وحدجها باحتجاج خفي : هنجيبه!

ورأتها فرصة لتعلن عن شعور كان يتنازعها  بين الأسى العميق والإحساس بالتشفي : أبقى قابلني .

والولد فرج مختار العفشة الذي ركع يلحس التراب الآن في أرضية العربة صار بوجه ممتقع يصرخ كالنسوان ، ويجأر بصريخ متقطع : يا أولاد الكلب .. يا حكومة .

وسّـع له الزملاء في الأرضية مكانا ، وأناموه على جنبه السليم ، ودلكوا بأصابع خفيفة الجانب الموجوع ، ثم بدأت دقاتهم تشتد على الصاج حتى صارت القلعة التي كادوا ينتهون من المرور تحت سورها ترتج .

تمهلت السيارة ، وتوقفت فيما أطل وجه صول مخضرم : جرى أيه يا أولاد المجانين ؟

لوحوا له بإشارات يفهمها من وراء الشبك السلك أن فرجا يموت من الوجع ، فاختفى لحظات ، وأطل وجه باشا لطيف الوجه أراد أن يبدأ بالهجوم قبل أن يأكلوه : فيه أيه يا أولاد ستين كلب؟

قال أقدم المساجين والملمومين رتبة : يا أفندم الزلنطحي تعبان قوي.

أشار الضابط أبو دبورتين بيده أن يوسعوا له ليلقي نظرة ، فصعب ذلك جدا ، وتصاعدات أصوات الاحتجاج : مفيش في قلبك رحمة ؟

وصاح آخر وهو يخفي وجهه في عتمة الهيكل المشحون بالأجساد : حكومة بنت حرام .

 فيما وضع السجين عرفة فص أفيون تحت لسانه ، وطوح برأسه وهو يبحلق في الولد الشاب الضابط الذي يخب في الميري : ألحقوه يا باشا . باين عليك ابن ناس صحيح ومتربي.

ولكن الولد فرج مختار العفشة رغم أن وجهه كان مصفرا وجسده كله يرتجف جاب الكلام  من صرمه وهو يوشك على الموت : أحملكم المسئولية.

وكان يعرف في محنته هذه أن محاسن هي التي فعلتها ، فمن يعرف أنه قد حلق شعر رأسه ( زيرو ) غيرها ، ومن رآه منتوف الحاجبين كالبرص سواها ، وكونهم جاءوا له في الليل الغطيس ، وكمنوا في المدخل حتى صعد وبيده سطل اللبن ليبيع للزبائن ، وما أن طرق الباب حتى أحاطوا به وامسكوه .

 قال بقلب ميت : أنا سعد بياع اللبن .

 كشف الضابط وجهه فكان كالمسلوخ ، سأل محاسن وهي تلوك اللبانة: هو ده جوزك؟

 وجف قلبه ، وهي راحت تتأملته من فوق وتحت ، وراحت تقلب فيه كأنها تشتري كيلوجراما  من الطماطم من فوق عربة خضار  ، ومدت إصبعيها الإبهام والسبابة ، ونتفت شعرتين : مش عارفة .

 لكن الضابط كان مصرً ان هذا هو فرج ، سألها وروحه تكاد تصل للحلقوم : هو ده جوزك يا ست محاسن ؟

 وهنا وجد المخبر صابر فرصته ليعلن للباشا أن كل شيء بالأصول ، فصوب الكشاف في وجهه ، ومع التماعة الضوء رأته يهز رأسه متوعدا ، فحدجته بنظرة مستاءة : أهو كلهم زي بعض . قطيعة الرجالة .

 وهو هنا بعد الفيش والتشبيه ، ومضاهاة البصمات مقطوع تماما في رقدته  على الألواح الملتهبة  في عز حر أغسطس ، والوجع يتصاعد حتى كاد يصل إلى اليافوخ .

أطل الضابط وهو يحاول أن يفهمهم وجهة نظره : جواب المأمورية من التخشيبة للنيابة . ده خط سير مستحيل أعدله .

رد خميس وقد تناسى حلة المحشي التي طارت في بطن هذا الجشع : يعني هو خط السير أنزل من السماء . غيـّـره!

 امتقع وجه الضابط ، وسمعوه يتصل بالمأمور الذي كان نائما بجوار زوجته طرية اللحم ، فالساعة لم تتعد السادسة والنصف ، وقد زجره المأمور : أتصرف يا حضرة الملازم أول .

وهو ابن ناس ، رباه أبوه على احترام مشاعر الناس ، يعرف أن هؤلاء بشر ، لكنهم بشر ملاعين ، وفي سنوات الكلية علموه الشخر والنخر وقولة " نمرة " وهي الأخف في العرف السائد . لقد قرر أن يعدل خط سير العربة نحو أقرب مستشفى ميري، وليكن ما يكون .

 كاد يبكي وهو يحدثهم بقلب مفعم بالطيبة مع نبرة شر متصنعة : يا رجالة . أنا هاوديه المستشفى بس أسمع منكم كلمة شرف.

 ردوا جميعا في صوت يكاد يكون واحدا : واحنا رجالة مع الرجالة .

تهادت العربة في طريق معاكس باتجاه المستشفى ، ومن كان يرقب الطريق فقد رأى أصحاب عربات الفول يكشفون القدر النحاسية عن أفواه يتصاعد منها البخار ، ورأوا الأمهات  يهبطن بقمصان الباتستا الخفيفة من البيوت لشراء الأرغفة الساخنة ، وملأ الأطباق بالفول المدمس محلى بقرون شطة خضراء .

كان الشيخ محمد رفعت قد ختم التلاوة ، و جاء الصول ، وأمام الباب الداخلي حرك المزلاج الحديدي ، وتقدم من الباب الموارب ، قال بصوت أقرب للرجاء منه إلى الأمر : وسعوا له من فضلكم .

 تقدم خميس الخرم وهو يسحب جسد المريض ، وكانا مكبلين في " كلبش " واحد " ورفع للصول معصمين أحدهما ساخن مستعفي ، والآخر بارد متخشب : بسرعة يا صول حمودة .

 وأعمل الصول مفتاحا صغيرا في "الكلبش"  فانفتح الترباس وحرر المعصم من الأسورة الحديدية .

كانت فرصة للمرحلين كي يشتروا سجائر ، ويشربوا ماءا مثلجا من أولاد الحلال ، وامتدت أيد كثيرة بسندويتشات الفول والفلافل ، وعلى " التروللي " تمدد جسد فرج مختار العفشة ، وقبل أن يذهب معه الضابط ربت برفق على كتف الصول والإثنين عساكر المصاحبين للترحيلة : فتحوا عنيكم . دول اولاد حرام .

بعد الكشف الظاهري أمر الطبيب المناوب بتجهيز حجرة العمليات ، وشخـّـص المسالة  بأنها انفجار الزائدة الدودية . هرعت الممرضات لتجهيز الحالة ، وتعقيم المشارط ، ولم يقبل الطبيب الجراح  أبدا بدخول الضابط حجرة العمليات ، حتى وهو يهمس في أذنه : لو هرب سيادتك هاروح في داهية .

 ما كان من الطبيب إلا أن صرخ فيه : يا سيادة الملازم باقولك عملية . فيه عملية تنفع تتم على أيدي البوليس .

وفي الخارج كان الصباح يشقشق ، والأولاد مع البنات ـ حيث لا مدارس ـ  يذهبون  إلى ورشهم ، وكانت الشمس تخترق ما تبقى من سحب متناثرة قليلة ، ووجد الولد عرفة مساحة من الشباك تبلغ 50 سم 2 ليشير بيده عدة مرات لمريضة بالصدر كي تهبط نحوه ، وتضع بين يديه علبة بسكويت بالفراولة ، مع وردة بيضاء فيما كان سعالها يشق صدرها الضعيف .

لم يعرف أحد من الذي أبلغ أسرة الزلنطحي بما حدث ، فقد أتت محاسن وهي تلطم خديها ، والكحل يسيل من عينيها من أثر البكاء ودخلت من الباب الرئيسي بعد أن سجلت بياناتها ودفعت رسوم الزيارة ، وبعدها بدقائق جاءت دلال العروس الجديدة ، وهي بملاءة لف سوداء محبوكة على جسد يضح بالأنوثة ، ومن الباب الخلفي دخلت بعد أن دفعت المعلوم .

 التقت الضرتان أمام الباب المغلق ، وكان الضابط يزرع الطرقة ذهابا وإيابا في قلق واضح ، وهما تبادلتا نظرات حانقة متفجعة .

 وحين صعد الصول حمودة السلم ليسأل الضابط عن شيء يريده ، وجد المرأتان جالستين في مقعد خشبي على مقربة من حجرة العمليات يتكلمان بحميمية واضحة .

 أشار له الضابط أن يشتري له علبة سجائر ، فاستغرب الصول : لكنك ـ سعادتك ـ لا تدخن ؟

هز رأسه بأسى : من اليوم سأدخن .

 وخرج الطبيب ليعلن للضابط أن العملية انتهت بخير ، وأن الحالة استقرت ، فاندفعت المرأتان نحوه لمزيد من الاستفسارات ، فما كان منه إلا أن أشار للضابط : سيادته يطمئنكم .

أعطى لهم ـ للمرأتين والضابط ـ ظهره ، واتجه لحجرته ، وبعد أن أفاق الزلنطحي من البنج ، تحرك متوجعا ، وقعت عيناه على  الضابط الذي كان يرمقه بحيرة ممتزجة بغضب متكتم ، فهز رأسه ممتنا ، فيما أغمض عينيه عن عمد رغم توسلات دلال ونحيب محاسن  .

بصعوبة أراح الزلنطحي  رأسه على الوسادة ، وقد علم كل أفراد الترحيلة ـ بعد شهر من حدوثها  ـ  أن الضابط قد خصم منه 15 يوما من راتبه ، وتم نقله لشرطة المرافق لأنه قد أخل بمقتضيات العمل الوظيفي .

القاهرة  12 /6 / 2005

 

أضيفت في 01/07/2005/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية