الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 19/01/2009

دراسات أدبية - الأدب الفلسطيني / نماذج قصصية وشعرية2

الأدب الفلسطيني تحت الاحتلال وفي المهجر

 

 

لقراءة الدراسات

 

 

الدراسات

 جسد بين الغيوم

كيمنسانيا دير ياسين

رائحة الدم

الوصول إلى المنعطف

صابرين

نصف جسد

فلسطين لفلسطين 

يا أحمد العربي 

 

 

 

 

أبي 

الحزن والغضب 

موال 

طفل من شعبي 

 

 

شيء جديد 

  قصائد قصيرة

كلمات عن العدوان 

 مدينة الحقد والجوع

بطاقات من الميدان

رباعيات 

 وهم

 الجياد

السجن والكفاح 

 وأخيرا نور اللوز 

 بيت الجنون

عندما تقاوم الجزور

 

نصف جسد

 

بقلم الكاتبة: إيمان حامد الوزير

 

على نافذة موصدة تراكمت جموع الثلوج ترصد حركات المكان ، لم يكن لذلك المكان أبوابا بل مجرد  نوافذ يُقذف من خلالها كل من تسوّل له نفسه الخروج عن النص .

حول المحيط كانت الثلوج تشهر بنادقها مترقبة شبقه لاقتناص قلب حرف قد يفر من المعتقل ، وذات سهد قرر أحد الحروف لثم الخوف المسجيّ بداخله ، فأطلق ساقيه للريح ،  يقتحم بكل قوة زجاج النوافذ مخترقا جموع الثلج التي راحت  تطارده بأزيز رصاصها، حتى أصابته إحداها في جناحه الأيمن ، لم يثنه ذلك عن مواصلة التحليق لبرهة ، حتى أجبره عمق الجرح على السقوط  بين كومة قمامة كانت تروم المكان ، فأسرع بالاختباء داخل علبة فارغة متضجراً بدمائه ، ينهكه الإعياء  ، كان سيل الدم المتدفق منه أثناء الطيران  أثرا كافيا لجنود الثلج كي يصلوا إلى المكان ، لكن أحدهم لم يخطر بباله أن يكون مختبئا داخل تلك العلبة ! ولما يئس الجمع من لقاء الضحية 

صاح أحدهم قائلا : اللعنة عليه !!!!!! أين اختفى هذا الحرف اللعين ؟ ولم يجد ما ينفث به غضبه سوى تلك العلبة الملقاة أمامه فركلها بقدمه ، فتدحرجت واصطدمت بكمٍ هائل من المهملات والحرف بداخلها يتضور من الركلات الدائرية التي قلبت كيانه رأسا على عقب في تصادمات مشحونة تزيدها دائرية العلبة غيلة أفقده الوعي !

أفاق من غيبوبته على ضوء يثقب عينيه بأشعة رصاصية ، شعر بجسده يسبح في بركة ضحلة ، نصفه داخل العلبة والباقي خارجها ، عبثا حاول النهوض دون جدوى ، واستحال جسده إلى كمٍ من الآلام والهذيان في آن واحد ! ، تغلب ألمه على هذيانه حين سمع صوت كلاب السجن تنبح بالقرب منه ، فعرف أنه هالك لا محالة وعاد إلى هذيانه من جديد .

كان كمّ الماء البارد الذي صبوه فوق رأسه كفيلا بإيقاظه ، ففتح عينيه على صوت يعرفه وضحكة صفراوية لم تغادر مخيلته بعد ، جاء الصوت من مصدره مترنحا يقول له : إلى أين المفرّ أيها الغبي ، ألم تعلم بعد أن عيوننا مركبة ، ترصدك أينما كنت حتى لو في قاع البحر أوفي جوف سمكة

قرش !

كان البرد والماء والجراح قد اجتمعت عليه لتعيده إلى هذيانه من جديد ، لكن مزيدا من الماء الساخن الذي صبوه فوق رأسه أعاده من غفوته فعاد ذاك الصوت الصفراوي يقرع بكلماته من جديد : قل لي من هم الذين أعانوك على الفرار ؟ ، ولماّ لم يجد ردا انهالت الأقدام المحيطة بالصفراوي تركله وتتقاذفه فيما بينها حتى جاءهم الأمر بالتوقف ! واقترب منه هامسا في أذنه وهو يمسح قطرات الماء المختلطة بالدماء : أشعر بك يا صديقي ، كم أنت منهك وخائر القوى ، جائع لا محالة ، وعطشُ أيضا ، كل ما تحتاجه سيأتيك على طبق من ذهب .......ولكن بعد أن تخبرني بأسماء من أعانوك على الهروب .

 رد بصوت منهك : أريد لفافة تبغ وفنجان قهوة !

قهقه السجان بأعلى صوته وأومأ بالقبول : لكن بعد أن تخبرني

خرج صوته خافتا : من يعلم العصفور كيف يهرب من القفص!!!!!!

عادت الأقدام تركله من جديد وشعر بجسده يترنح ويرتفع ويهبط ثم أمسكوا به ورفعوه إلى أعلى وأصواتهم جميعا تنطق بكلمة واحدة : وقع على المحضر !

وضع توقيعه ثم غاب ّ!

استيقظ بعد حين على صوت مطرقة تصعق أذنيه ، وصوت ثقيل يحدثه من أعلى المنصة : ما اسمك؟

ـ حرف !

ـ محل إقامتك ؟

ـ وطن !

ـ ويحك أتجرؤ على النطق بهذه الكلمة في قاعة المحكمة ؟ اجب بكلمة توضح مكان إقامتك !

ـ حسنا جئت من فم طفل جائع كان يلتهم شيئا من كومة قمامة ، ومنفى ترصده بنادق الغرباء و...........

توالت عليه الطرقات تقطع سيل كلماته وتلزمه الخرس ، خرج لحظتها صاحب المطرقة من باب خلفي بعد أن أعلن لجمع الثلوج المحتشد أن الحكم سيصدر بعد المداولة .

جالت عيناه في المكان ينظر في أعين المحملقين فيه ، وراح يحدث نفسه :

ـ كم أنا مهم ! واختفائي أهم ! كل هؤلاء قدموا ليشاهدوا محاكمة حرف بائس ؟

عاد القاضي من جديد إلى قاعة المحكمة وأطرق بشكوشه قائلا : حكمت محكمة المداد الدولية بإعدام نصف الحرف نظيره جرائمه الحبرية والإبقاء على نصفه الآخر، على أن يتعهد النصف المتبقي التزام الأدب والتعامل مع  الرقميات والحبريات والورقيات وفق قواعد الأمن !.......فهل تتعهد ؟

كان الذهول قد اعتراه بعد سماع الحكم ثم قال : كيف أتعهد وقد أصبحت نصف حرف ولا ادري أي النصفين سيبقى لي !

ابتسم القاضي ورد عليه : سأجيبك ـ رغم أن هذا ليس من حقك ـ سنقطع نصفك العلوي ونترك لك الباقي

ـ ولماذا لا يكون العكس ؟ ألا بجدر أن أوقع على ما طلبتم وفق استنباطات عقلية ، كيف سأوقع بنصفي السفلي ؟

ـ لا يحق لك الاعتراض على قرار محكمة الحبر الدولية ، ( سنترك لك نصفا سفليا ) !!!

ـ بلا عقل !!!!!!!

ضحك الحرف بهستيرية تزايدت تأججا مع صوت طرقات القاضي ، وانتابته لحظة مجون دفعت بالجمع المحتشد من الجنود إلى ركله ورفسه وهو لا يزال يضحك

ويضحك..

 ويضحك ....

ويضحك ...

حتى غابت قهقهته إلى الأبد ! 

أضيفت في13/04/2006/خاص القصة السورية / المصدر الكاتبة (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول الأدب الفلسطيني)

 

 

صابرين

 

بقلم الكاتبة: ملاك أحمد الرحاب

 

بسكينة انسلت صابرين من سريرها ودست جسدها المتعب في كرسيها المتحرك ... اعتادت عليه واعتاد عليها ... صار بينهما لغة وتفاهم عميق ... لم يعد يهرب منها و يتملل كلما حاولت تطويعه لها .

وجهت كرسيها ناحية الشرفة لتطل على البحر وتشهد معه الغروب ... ها هي الشمس تلوح لها مودعة لتشرق في مكان آخر...أخذت صابرين نفسا عميقا ...ولوحت للشمس مودعة .

البحر مضطرب قلق ... صوته المتكسر يزيد من غربة روحها...ويأخذها إلى شاطئ غزة حيث موطن ذكريات الطفولة وهي تلعب مع أنس ... يتدافعان نحو الموج بمرح طفولي يهربان من الموجة القادمة بخوف مصطنع ... ثم يلحقان الموجة المنحسرة بتحدٍ ... عندما أكبر سأكون طبيبا لأعالج عيني جدي ليرى البحر ... وأنا عندما أكبر سأكون ... يرد أنس بسرعة ... ستكونين لي ... تخجل صابرين ... انظر الموجة قادمة هيا ...

جالت عيناها على الأمكنة كأنها تراها لأول مرة ... تؤلمها رؤية الشفقة تسكن عيون من يحيطون بها ... دموعهم التي تذرف عليها في الخفاء وأمامها ... تحيل نفسها المعذبة إلى هواء ... وتدك كبرياءها بصمت ... ويزيد من إحساسها بعجزها ... تدعو الله أن يأخذها عنده ...لعلها تجد خلاصها وترحم قلوبهم .

تومض عينا صابرين بذكرى اقتحمت المكان... ترمش ... ترتعش الشفاه ... تنكس رأسها على راحة يدها تهزه ... تنهمر الدموع لعلها تغسل خيالات تلك الليلة ... الصفارات وأزيز الطائرات يصم أذن الليل ... ضجيج ارتطام يستفز لجة الوسن ... ونحيب يخطف الأمن ويبعث الخوف ... لم تشعر بنفسها إلا وهي طائرة من على سريرها والدماء تتناثر في الأماكن ... وآخر صيحة لها يمّهْ يابا ... "ياااه ... كفي أيتها الذاكرة عن تعذيبي ...النفس غريبة ... وغربة الروح ... تنخل الوقت ... وتُبْذَرُ في رمال ناعمة ... فلا تنبت نبتة خضراء... ولا ينفع معها طول هطول المطر ".

 

تَلَعْثُم غثاء البحر على رمال الشاطئ وأنينه حين يتلاشى يُبعثر فيها طاقة مختزنة ... مكبوتة تريد التحرر من صدرها ... طاقة كهربائية تزيد من توتر قلبها ... هذا الكائن الصغير الذي يعيش في مساحة ضيقة في صدرها يتحكم بها ... شَقَى بها وشَقِيت به ... أرهقته بحزنها ... وأرهقها بخفقه ... يتبادلان التنكيل ببعضيهما ... شقها الحزن شقين ... شق باكٍ ميت... وشق يجاهد الحياة ... يقاوم و يتعايش مع موت الآخر ... مرة تَغْلِب الميت ومرة يغلبها .

تحمد الله ... ما زالت يدها اليمنى تتحرك ... لتطرز معاناتها على أثواب أو شال طويل لا ينتهي ... لا تريده أن ينتهي تطرز كل مساحة فيه حتى لا تبقى فيه مساحة سوداء ... لعل روحها تشرق وتصبح زاهية كألوان طبب الحرير ... علها تمسح دمعتها ... لتتواصل مع الحياة ... بعد أن سلمتها الصدمة للشلل والخرس ... كطباع اليهود الغادرة كانت تلك الغارة ... حصدت العائلة بأكملها... غارة تعللت بتصفية أحد النشطاء ... فأبادت مجمعا سكنيا كاملا ... الصدمة سلمتها لكرسي متحرك وحرمتها من استكمال تجهيزات عرسها ... لم يبق لها غير التعفر بغبار الذكريات .

حبها للبحر خفف عنها الكثير وأعطاها فضاء رحبا لتطلق حزنها ... فتخفف من ثقل قلبها فتهجع الأحلام تحنو عليها بالأمل ... خيط شعاع تتعلق به حتى تقاوم فناء روحها . مازال الموج يعلو ويتشاقى مع الرمال ومازالت أنفاس صابرين تعلو وتسلبها الهدوء والأمن. في لحظة تماهي ... أشرقت عينا صابرين... تنهدت بآهة لو مزجت بماء البحر لأسرجته وتطاول الموج فيه ملتهبا. شيء ما سرع النبض في قلبها ...شيء ما حرك في خيالها طيفا تعيشه ويعيشها قادما من ناحية البحر... مادا يديه... تعالي... أمسكت بقبضتها سرج كرسيها ... تحاول النهوض إليه ... آتية ... لا تتركني ... خذني حيث أنت ... لا أريد إلا إلاك ...خذلتها ساقاها فانهارت مطأطئة رأسها حزنا ... تنفر الدموع ثائرة على عجزها . فارقته بإرادتها وأسكنته ذاتها ... تحبه حد التضحية... لم تشأ أن تشقيه بحالها ولم تشأ أن تلمح نظرة شفقة بعينيه فتشقيها ... تعلم عميق تعلقه بها... وتعرف جيدا أنه لن يتخلىَ عنها- رغم ظرفها - وسيبقى إلى جانبها ممسكا بيدها . هذه تضحية لن تقدر على ردها ولم يبق منها إلا خيال روح نحيلة ... ممنوعة من الحركة ... مشلولة ... خرسااااااااء ... قصيدة رائعة الجمال ... ولكنها حزينة تسكن كرسيا متحركا . كان ضروريا أن تفكر بسرعة .. كيف ؟... كيف تنسحب من حياته وبسرعة قبل أن تفقد الإرادة وترتمي بين ذراعيه مستسلمة ...امتطت جناح السفر خلسة ورحلت .

فجأة جفلت صابرين... يد دافئة تلمس كتفها... التفتت: أنس !

أضيفت في13/04/2006/ خاص القصة السورية / المصدر الكاتبة (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول الأدب الفلسطيني)

 

 

الوصول إلى المنعطف

 

بقلم الكاتبة: لبنى ياسين محمود

 

ركب في الحافلة وانتظم في مكانه....  دفع بدريهماته الى يد الجابي وقال باقتضاب: الى القدس, نظرة دهشـة سكنت عين الجابي ,  فقال  تقصد الى اورشليم....  فرد الشاب مرة اخرى باقـتضاب : القـــدس .

سارت الحافلة والشاب في مكانه متسمر دون حراك , اخرج من حقيبته الصغيرة جريدة ما , وأخذ يقتل بها الوقت .. دونما أي اكتراث بأي شئ حوله , دخلت الحافلة الأراضي السليبة , تعرضوا للتفتيش , ولرؤية الثبوتيات الشخصية , كأنما هم الدخلاء ....قال الشاب في نفسه: حيف علينا ...ما بيحقلنــا نـدخل بلـدنا ؟؟

ثم عاد كل مسافر الى مكانه , وأكملت الحافلة سيرها .... هذه المرة رمى الشاب الجريدة من يده وتعلقت عيناه بالنافذة , والشوق يكاد ينطق منهما .. المشاهد تتوالى أمام عينيه وهو يتمعن كمن يرسم لوحة , أو كمن يحاول الأحتفاظ بأكبر قدر من الوطن في الذاكرة ... أو ربما يحاول التعرف على  ملامح بلده بعد سنين من النفي و الانتظار .

وصلت الحافلة الى المحطة الأخيرة ... القدس , تحرك الشاب بخطوات ثابتة نحو الباب تاركاً حقيبته الصغيرة وراءه , فما كان من السائق الا أن ذكره بها , الا أنه أجاب باقتضاب بامكانك الأحتفاظ بها لو شئت , فرد السائق بلهجة فلسطينية صرفة : عزا.. لكن ليش حاملها كل هالطريق.

لم يجب الشاب ببنت شفة واكتفى باكمال سيره نازلاً من الحافلة ... توقف على الرصيف و استنشق كل ما تستطيع أن تبتلعه رئتاه من هواء ..انها أول نسمة فلسطينية مرت به منذ  زمن بعيد,  ونظر الى ساعته كمن ينتظر شيئاً ما  أو ربما أحداً  ما , ثم ما لبث أن حث السير ..كانت نظراته ثابتة نحو الأفق .. وكأنما هو يسير نحو هدف يعرفه جيداً , أو لمهمة محددة , وربما نظر حوله بين الحين والآخر متذكراً أو متشوقاً أو حتى ربما مستغربا , ومن وقت لآخر  كان يمر به جنود اسرائيليون فهم منتشرون في كل مكان من القدس كالتربة...انما حصاد التربة الخير وحصادهم القتل والدمار .. أما هو فكان كل ما مر به أحد هؤلاء الجنود حدق به بحقد.....بكره ....باباء العربي المجروح و الكرامة المغدورة .

ما زال المنعطف بعيداً .. ذلك المنعطف الذي حمل على صدره اسرته الصغيرة ومنزله البسيط , الذي زرع أبوه في حديقته الصغيرة شجرة برتقال وشجرة ليمون وزيتون , وما وسعته تلك الحديقة الصغيرة التي كانت ملعبه هو واخته ...يكاد يشتم رائحة ترابها اذ اقترب منها , أحس فجأة بعينين ترقبانه .. نظر حوله فرأى جندياً يضع على صدره النجمة المسدسة , اسرائيلي اذاً لماذا يتبعه ابن الملعونة, صرخ الجندي بصوت حاقد توقف مكانك ... توقف الشاب ونظر الى وجه الجندي تمعن في تقاسيمه القاسية , صرخ الجندي اخرج اوراقك و انبطح أرضاً , عاد زورق افكار الشاب يحمله الى تلك الحارة بعد المنعطف , نفس الجملة كانت آخر عهده باسرته الصغيرة قبل قتلهم وترحيله عن تراب الوطن , وبعدها توقف الزمن عن الدوران في ذاكرته ... بدأ الشاب يسترجع ذلك المنعطف, شجرة الياسمين التي كان يقطف من زهورها هو واخته ليصنعا طوقاً يكلل صدر أمهما الحنون  قطعتها يد اسرائيلية ,أخته الصغيرة ذات الضفيرتين والأعوام الستة ذبحتها يد اسرائيلية ... أبوه ذو التقاسيم الهادئة  المتزنة والبشرة السمراء التي اكتسبها من عناق الشمس لجبينه  أثناء عمله في حقله الصغير .. قتلته يد اسرائيلية , وتذكر أمه وهي تمد يدها له بالحلوى التي يحبها  , تذكر دموعها في لحظات احتضارها الأخيرة , لم تكن تبكي خوفاً من الموت , انما بكت وهي ترى اسرتها الصغيرة تنتهي في لحظات غادرة... أين أمه ؟  رشاش اسرائيلي أوقف قلبها عن النبض... ذلك القلب الكبير الذي لم يعرف سوى العطاء , منزله .. أين منزله الذي يسير الآن ليقف على أطلاله وقوف العاشق المشتاق ؟! هدمته قنابل اسرائيلية .

تفقـد المسدس الجديد  الذي كان قد اشتراه بعد أن ادخر ثمنه  قرشاً تلو الآخر , لم يكن من السهل الحصول على السلاح , لكنه فعل المستحيل حتى حصل عليه , و فعل ما هو أكثر من ذلك حتى مر به من الحدود بسلام , وعليه الآن أن يقتل هذا الجندي  , فهو لن يكتفي بطلب الأوراق سيقتله كما فعل سابقاً مع أبيه..  ثم انه  اقتنى المسدس  لكي ينتقم لعائلته وليس ليبعد شبح الموت عن نفسه اذ انه مات منذ زمن بعيد , منذ قتـلت اسرته واحداً وراء الآخر ونجا هو باعجوبة جسداً من دون روح .. سيقتلونه هو يعلم هذا تماما , لكنه لن يموت قبل أن يثأر لعائلته فذلك كان ديناً في رقبته عاش لأجله وسيموت لأجله أيضاً فما معنى الحياة دون وطن ولا هوية و لا أسرة ؟ يده ما زالت تتفقد المسدس وعيناه تتفرسان في ذلك الوجه الشيطاني , وفي ذاكرته يمر شريط من الذكريات القاسية لا يستطيع ايقافه ,  تلك الحياة الهانئة التي كان يعيشها قبل أن يأتي هؤلاء , وطيف أمه وأبيه  وخاله وعمه وزوجة خاله وابن خاله واولاد عمه وجده وجيرانه , كلهم ..كلهم قتلوا على يد الاسرائيليين , دونما أي ذنب اقترفوه ... بسرعة خاطفة رفع المسدس و أفرغه في جــوف الاسرائيلي الذي يتـربص به فوقع صريعاً يتخبـط في دمائه, هاله لون الدم الذي لم يكن احمر كدماء اهله , وانما كان اسود  بلون الفحم الذي كان في السابق  منازل عامرة وحدائق خضراء , بلون الحقد والكراهية والشر الذي في قلوب هؤلاء الأسرائيليين , ما زالت الأفكار تتوارد في رأسه بينما عيناه شاردتان ...شعر بقضبان من النار تخترق عدة أماكن في جسده ووقع على الأرض نازفاً , لكنه يجب أن يصل الى المنعطف ولو زاحفاً عليه أن يبشر عائلته بأنه أوفى  بوعده, أخذ يجر نفسه زاحفاً باعياء على الأرض التي ما زالت تحمل آثار قدميه و أقدام أصحابه ,  ربما ما زالت تحمل رائحتهم ... رائحة دمائهم, زحف مقترباً من الحائط المتهدم .. انها مدرسته أو هي آثار مدرسته على الأصح  , عليه أن يصل قبل أن تنتهي لحظات حياته الباقية ... معركة بين الحياة و الزمن .. ما زال يضغط على جرحه النازف , ما همه  وهو المتعود على تحمل الألم صامتاً منذ الأزل ؟! أخذ يصغي .. خيل اليه انه يسمع صوت اخته تناديه لم يبق للوصول إلى لمنعطف الا القليل , لكن ما بقي من حياته ربما كان أقل , ابتلع حشرجة كادت تخرج من فمه وجر نفسه ثانية  ,  فتح اصابعه فاذا هو يفبض على صورة قديمة لأسرته كسرتها يد الزمن وروتها دماؤه النازفة  حتى فقدت معالمها , ها هو سور حديقتهم الصغيرة ..متهدم ..لم يبق منه سوى بضع أحجار , نظر الى الصورة وفي عينيه فرح طفولي شديد ... اهو فرح اللقاء ام فرح الانتقــام أم فرح الوفاء بوعد كان يبدو لوهلةمستحيلاً , بدأ يخط على الحائط بدمه كلمة عاش من أجلها .. و ها هو اليوم يموت من أجلها , هو أمي فبعد أن احرقوا مدرسته وقتلوا أهله لم يعد الى أي مدرسة ,  ونسي الحـروف التي كان بالكاد بدأ يتعلمهـا عندما حدث ما حدث , لم يعد يعرف كيف يكتب اسمه, لكنه كان يعرف تماماً كيف يكتب تلك الكلمة , أنهى الحرف الأول ...ثم الثــاني ...فالـثالث ...وأخذ يقـاوم لكي ينهنيها ..أصبحت الكلمة ( فـلـسـط .... ), لكـنه لفـظ أنفاسه قبـل اتمامهــا.

 

 

رائحة الدم

 

كان الوقت يقترب من الظهيرة في القدس , وأصوات أزيز الرصاص تأتي مبعثرة من كل الاتجاهات وصوت ارتداد الأحجار عن الأجسام المختلفة يسمع من هنا وهناك ..والأم الثكلى تمارس أعمالها المنزلية بآلية أتقنتها منذ عصور .. بينما عقلها يقلب الأحداث والأحزان والذكريات على مائدة الأسى , وكعادتها اتجهت إلى سرير أصغر أبنائها و أخرجت من تحته كيساً من الخام وفتحته وأفرغت بعض الأحجار في كيس ورقي, جلبته في يدها لهذا الغرض , وحملت ذلك الكيس و مضت إلى حاوية القمامة في مطبخها ,ووضعته في داخلها و قلبته مخفية إياه عن الأعين ,هذا دأبها منذ استشهد آخر من فعل من أبنائها , محرضاً بموته أصغر أشقائه, وآخر من تبقى منهم على قيد الحياة ,على أن يخرج إلى الطرق مع أقرانه ليقاوم بالحجارة ,إذ أنه الآن رجل هذا المنزل المتشح بالحزن , شأنه شأن أغلب بيوت فلسطين أن لم يكن كلها.

كانت الأم تحاول التحايل على الزمن بعملها ذاك ..والنيل من قدر كانت تعلم تماماً في أعماقها انه آتٍ لا محالة ,إذ أن رجل البيت ذو السبعة أعوام يناضل في محاولة مستميتة للخروج بأحجاره الصغيرة والانضمام إلى قافلة الشهداء, لكنها كانت تمنعه قائلة لم يبق لدي غيرك ,ثم انك ما زلت صغيراً.

كان أصغر من أن تفقده ..وأوهى وأنحل من أن يخترقه رصاص العدو, كما فعل مع أخيه منذ أقل من شهرين فألحقه بمركب من سبقه ,لحق بأخيه الأكبر الذي قضى في عمل استشهادي , وأخته التي مضت بانفجار , وأبيه الذي غرس آخر ذريته بذرة نور في أحشائها وخرج ولم يعد , وكأن الشهادة كانت خالاً أو شامة أو أحد ملامح الأب وتفاصيله انتقلت بالوراثة إلى أبنائه فمضوا يلحقون به واحداً تلو الآخر ..حتى أنها لم تعد قادرة على البكاء ..صار قلبها يحترق بصمت مقدس استمد قوته شيئاً فشيئاً من كل شهيد فقدته ,أما هذا ..صغيرها هذا فلم تستطع الوقوف مكتوفة اليدين إزاء إصراره على المقاومة ,لقد وضعته وحدها, وربته وحدها, و لازمها كظلها لوقت طويل ..كيف كبر فجأة ابن السنين السبع, و صار قادراً على الوقوف في وجه جنود لا قلب لديهم ولا رحمة ,يقتلون الأطفال كما يقتلون جندياً مدججاً بالسلاح هاجمهم بغتة , وبضمير أقل ما يقال عنه أنه ليس حاضراً, أو ربما سقط وفق نظرية التطور نظراً لعدم استخدامه, وفقدان الحاجة إليه لديهم, (إذ أن العضو الذي لا يستعمل يتلاشى وينتهي كما تقول النظرية) ,مؤكدٌ أنهم كانوا وراء اكتشاف هذه النظرية عندما حاول أحدهم أن يعرف أين الضمير الإسرائيلي وأين القلب الإسرائيلي هذا إن أسقطنا الحديث عن الأخلاق والإنسانية والرحمة و...و...وهكذا فقد كان السلاح الأخير الذي تمتلكه هذه الأم هو المماطلة متذرعة بحجة ما وسرعان ما وجدت الأم هذه الحجة ,فأخبرته أنها ستسمح له بالانضمام إلى أقرانه عندما يمتلئ هذا الكيس بالحجارة شريطة أن يضع فيه كل يوم ملء كفيه لا أكثر, وأخذت تنقص منه بحذر كلما زاده مطمئنة قلبها إنها قد وجدت الحل أخيرا .

وبينما هي غارقة في ذكريات أكثرها مؤلم ..إذ اندفع صغيرها من الباب صارخاً , وعيناه تقدحان شرراً :(أولاد الكلب يدخلون البيوت ), توجست الأم خيفة فأخذت الطفل في حضنها و عانقته بقوة كأنما هي تعانقه للمرة الأخيرة .

 

فجأة ضرب الباب بقوة وهمجية يعرفها كل بيت في فلسطين جيداً , وما أن فتحت الباب حتى اندفع بضع جنود مدججين بالسلاح وكأنهم في طريقهم إلى ساحة القتال , وانتشروا في المنزل بسرعة , وأخذوا يرمون كل شئ على الأرض باستهتار , أفلت الطفل من يد أمه وركض إلى غرفته خائفاً على الكيس الذي أمضى قرابة الشهر يجمع فيه الأحجار ترقباً ليوم إطلاق يديه وسراحه , كان الجندي قد وجد الكيس  حمله و كأنه قد وجد أسلحة للدمار الشامل في كيس من الخام , عندما اندفع الطفل محاولاً الإمساك بكيسه, فتلقفه الجندي بضربة بكعب بندقيته أطاحت بسنينه السبع قرب سريره متألما ,رفع الطفل رأسه فإذا بحجر قد أفلت من يد الأم وهي تفرغ من جعبة القدر محاولة تأخير يوم طفلها وسقط بجانب السرير, التقط الصغير الحجر وجرى خلف الجندي ورماه بكل ما أوتيت عضلاته الواهنة من قوة ,لكن الحجر بالكاد لامس ظهر الجندي , الذي التفت وأفرغ رصاصه في صدر الطفل مخلفاً إياه غارقاً في بركة من الدم , هذه المرة لم تستطع الأم أن تثكل بهدوء كما اعتادت أن تفعل, فقد حملوا الموت إلى داخل منزلها, بعد أن أغلقت الباب لكي يظل خارجاً ..وقتلوا آخر صغارها فلم يعد لديها المزيد ممن تخاف أن تخسرهم,فاندفعت بكل قوتها نحو القاتل الذي افرغ ما تبقى من الرصاص في صدر الأم ,فارتمت إلى جوار صغيرها غارقة بدمائها هذه المرة ,بعد أن سبحت في دماء أسرتها فرداً فرداً , وفقدتهم واحداً تلو الآخر ,أما الآن فلن يؤلمها رحيل صغيرها هذا ما دامت راحلة معه .

 

خطر في بالها كل تلك الأحجار التي كانت ترميها في القمامة بالخفاء, والباب الذي أوصدته في وجه الصغير فإذا بحجر واحد فقط , في عقر دارها يودي بحياته .ابتسمت و هي ترى كيس الأحجار و قد حمله الجندي خارجاً به وهي تتمتم بما تبقى لديها من قوة ساخرة: هل ستصادرون الحجارة أيضاً؟؟ فلتفعلوا ..سننتزع أحجار بيوتنا ونقاتلكم به.

كان صوتها أوهى من أن يسمع بالنسبة للبشر, أما بالنسبة للجنود فلم يكن من ضمن وظيفة آذانهم الإصغاء إلى ضحاياهم, إنما يسمعون ويرون فقط ما يريد حقدهم الأسود أن يسمع و يرى, وبالطبع لم يكن هذا الحديث مدرج في تلك القائمة, وإن كانوا يدركون ذلك تماما في أعماق بشاعتهم.

خرج الشياطين من المنزل ,حاملين كيس الأحجار..تاركين جثتين هامدتين تسبحان في الدم ..ورائحة الطعام الذي كانت قد طهته منذ قليل تختلط في تناقض عجيب مع رائحة الدم ..والبارود ...رائحة تعرفها جيداً كل بيوت فلسطين وعائلاتها.

 

أضيفت في13/04/2006/خاص القصة السورية / المصدر الكاتبة (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول الأدب الفلسطيني)

 

 

كيمنسانيا (1) دير ياسين

 

بقلم الكاتب: نزار ب. الزين

 

 

بدأت محنة الإنسانية  منذ نظر ساسة العصر إلى التفاعلات الإجتماعية نظرتهم إلى التفاعلات الكيمياوية، والقصة التالية هي ثمرة  إحدى تجارب الكيمياء الإنسانية، كما صممها عتاة الصهاينة، بنيتها على الواقع وأتممتها من الخيال .

شهد رعنان أفدح كارثة تحل بقومه خلال إحدى أنجح عمليات جيش الإنقاذ العربي؛  مما خلف في نفسه شعورا بالذنب لوقوفه تجاهها موقف العاجز، فقد انهمرت القنابل على حي ميشاروم  فزرعت الدمار في أرجائه ودفعت بسكانه إلى الهجرة الجماعية نحو  غربي أورشليم  دون أن يتمكن من إيقافها.

وفي إجتماع  ضم قادة الأرغن زفاي لئومي  والشتيرن ، عرض رعنان فكرة إنتقام تعتق أرشليم من الحصار المفروض عليها و تفرِّغ  المنطقة كلها من الفاسطينيين.

صاح رعنان في وجه معارضيه :

- يجب أن نستثمر سقوط القسطل ، يجب أن ننتقم لأهالي ميشاروم،  لدينا أسلحة حديثة وذخائر بعد أن يسَّر البريطانيون لنا نهبها من مستودعاتهم ، فماذا ننتظر؟

أجابه يهوشَع بهدوء :

- القرية التي تتكلم عنها ساقطة عسكريا ، مكالمة مع المختار ، تجعلهم يهجرونها دون إراقة قطرة دم .

رد عليه  رعنان و قد شبت فيه نيران الغضب :

-الدم .... الدم  ...الدم ، وماذا عن  الدم اليهودي الذي يراق في كل مكان كل يوم، ماذا عن مذابح  ومحارق الهولوكست ، وماذا عن والدي وأخي اللذان اقتادهما النازيون و لم أرهما منذئذ ؟ ماذا عن ثلاثة آلاف سنة من الشتات ؟

أجابه موشي مهدئا :

- أهلك و أهلي جرت تصفيتهم هناك ، أما هنا فليس أكثر من قرية  ساقطة عمليا، إنها محاطة من جميع الأطراف بمستوطناتنا ، ولا داع لإهدار رصاصة واحدة فيها .

فرد رعنان دون أن تخبو حماسته :

- نحن بحاجة إلى دمائهم ، تجعل الرعب يدب في قلوبهم و قلوب بني جلدتهم ، فيرحلون عن أرض الأجداد ؛ هذا ما نريده ..

- وماذا عن اتفاقية عدم الإعتداء التي تربطنا بهم ؟  تساءل يهوشع فرد عليه رعنان متهكما :

- لا تساوي ثمن الورق الذي  كتبت عليه .

- والبريطانيون ؟

- سيحتجون بداية – كعادتهم – ثم يصمتون !

- وماذا عن الدول العرببة المحيطة  بنا من كل صوب ؟

- كل زعمائهم بلا استثناء أحجار شطرنج بيد الإنكليز  والإنكليز في صفنا من الباطن .

هنا تساءل هتسل :

- وما هو موقف الهاغانا

- معنا طبعا ، على أن يبقى الأمر سرا  ، فهي الوجه العسكري للوكالة اليهودية كما تعرفون .

وانتهى الإجتماع بالموافقة على الخطة و طلب من رعنان أن ينفذها بقيادته .

*****

في عصر ذلك اليوم اتصل يهوشع هاتفيا بمختار قرية دير ياسين و دار بينهما الحوار التالي :

- كيف حالك يا مختار ؟

- نحمد الذي لا يحمد على مكروه سواه

- أفهم من  رنة صوتك أن سقوط القسطل بلغ مسامعك

-  بلغني

- ومقتل عبد القادر ؟

- أجل، بلغني إستشهاد عبد القادر الحسيني ، تغمده الله بواسع رحمته .

- أمر محزن أن يموت الناس هكذا بلا مبرر .

- الله يصلح الحال.

- القتلى يتزايدون يوما بعد يوم  يا مختار .

- قافلة الشهداء لا نهاية لها ، ولكن هل من أمر خاص ؟ أم إنها مجرد شماتة ؟

- شماتة ؟ أبدا أبدا يا مختار؛ نحن آدميون قبل كل شيء ، و لكن الأخوان في المنطقة يودون التأكد من سلامة اتفاقيتنا .

- طمِّنهم ، من طرفنا لا زلنا على العهد  طالما أنتم باقون عليه .

- شالوم.

- شالوم عليكم و رحمة الله.

*****

كان عدد من وجهاء القرية في مضافة المختار، يصغون إلى المذياع الوحيد  فيها، عندما ابتدرهم  قائلا :

- يا إخوان، أنا لست مطمئنا إلى هذه المكالمة، قلبي يحدثني أن وراءها ما و راءها  !

ثم أخذ الرجال يناقشون وساوس المختار، إلى أن قرروا في النهاية أنها أوهام لا تستند إلى أي منطق وعلى الأخص بوجود اتفاقية عدم الإعتداء التي لم يجف حبرها بعد.

*****

ولكن.....

قبيل ظهور شمس اليوم التالي ، سقطت القنبلة الأولى في ساحة القرية ، إلا أن القنبلة الثانية سقطت فوق منزل اسماعيل، كان أفراد العائلة جميعا في الحقل  خارج القرية، ذهبوا لتعشيب الزرع وتنظيفه من النباتات الطفيلية ، عدا أم اسماعيل العجوز التي خنقتها الأنقاض.

وكان آخرون قريبون من عائلة اسماعيل، في طريقهم أيضا إلى الحقول ، جمدهم الدوي، ولكن عندما سقطت القنبلة الثالثة على بعد أمتار منهم،  فأصابت شظاياها بعضهم ، عادوا إلى القرية مهرولين يحملون أو يجرون جرحاهم .

ذُعر المختار، فخرج إلى الزقاق يستطلع ،

الأهلون يندفعون نحو منزل إسماعيل ..

قائد المليشيا أبو حسن، يهيب بهم أن يعودوا إلى منازلهم وأن يحموا أطفالهم، فما سقط من القنابل الثلاث إن هي إلا اختبار لدقة التصويب .

أدرك المختار معنى ما قاله أبو حسن ، فاندفع إلى منزله ثم تناول الهاتف طالبا ( جبعات شاؤول ) ، ولكن اسلاك الهاتف كانت قد قطعت منذ الليل.

مضافة المختار امتلأت الآن بالرجال من كل الأعمار ، لقد اتخذوا قرارهم بالمقاومة حتى النفس الأخير

وراح أبو حسن مع جنوده الثمانين – الذين توقفوا عن التدريب منذ عقد تلك الإتفاقبة –  يبنون تحصينات سريعة حول القرية اشترك في بنائها الصغار والكبار ، ذكورا وإناثا ؛ ومن حين لآخر  يسقط جريح برصاصة أو يتمزق آخر بشظايا قنبلة، وإذ يهدأ القصف قليلا، يُحمل الجريح إلى مدرسة القرية .

وهناك يغطى من استشهد بملاءة  بينما تحاول، فدوى، الممرضة الوحيدة، بمساعدة نساء أخريات تضميد الجروح. وعند انتصاف النهار امتلأت المدرسة بالجرحى والقتلى، وكان اسماعيل من ضمن الجرحى فقد مزقت شظية ساقه  .

تمكن المدافعون حتى الظهيرة  من صد ثلاث موجات هجومية، إلا أن الرابعة بدأت تنجح وخاصة بعد أن قامت طائرة بإلقاء قنابلها فوق التحصينات فدمرت معظمها .

مقاتلو ( الأرغون و الشتيرن ) أخذوا يتسللون إلى قلب القرية، ثم انخرطوا في قتال ضارٍ، من بيت إلى بيت ومن خرابة إلى خرابة .

واستمرت المعركة ضارية حتى  العصر، عندما  نظر فؤاد  إلى نجاده  فوجده  خاليا ، فتذكر رمانتيه ( قنبلتيه اليدويتين ) فجسهما ثم صاح بمن بقي حيا  من رفاقه : " سأحاول شق طريق للإنسحاب ، فليتطوع أحدكم لحماية المؤخرة ، زودوه بما بقي من ذخائركم  " .

 ثم اندفع نحو الجنوب في مقدمة زملائه .

سبعة من رفاقه لم يتمكنوا من الإنسحاب فلجؤوا إلى ما بقي سالما من منازل القرية .

*****

غضب روبنسكي – وهو قائد إحدى المجموعات – إذ لم تكن هذه المقاومة العنيفة  في حسبانه فاقتحم أول منزل  ...

صاحت سيدة مذعورة :

- ليس في البيت أحد غيري و غير أبي العاجز وأطفالي

- والرجال أين هم ؟ ثم أضاف :

- إنهم  يقاتلوننا  طبعا !

ثم نصحها أن تغلق باب منزلها جيدا خوفا من انتقام الجنود، غادرها  ليقوم بتلغيم المنزل من جميع جوانبه ثم ليفجره بمن فيه. وعدَّ في سره (( واحيد ))

ثم رفس بقدمه بابا آخر ، وبعد أن عد من فيه فوجدهم ثمانية مذعورين من جميع المقاسات والأعمار ، طمأنهم،  ثم فجرهم وعدَّ (( إشنين)) .

وهكذا انتقل وشرذمته ، من بيت إلى بيت وهو يعدّ: (( شالوش .. أرباع ..... )) أسرة يصلونها بطلقات رشيش، وأخرى يذبحون أفرادها ذبح النعاج ، وغيرها يدفنونها تحت حطام منزلها المدمر..

وعلى فراش الموت  تشبث أبو نضال بقنبلة يدوية بيد كادت تتخاذل من الضعف ، عندما خلع بعض أفراد مجموعة روبنسكي باب داره ، استجمع بقايا قوته فانتزع أمان القنبلة بأسنانه، ثم ألقاها بين أقدامهم، وقبل أن تصدر عنهم أية ردود فعل تناثرت أشلاؤهم مختلطة بأشلائه.

جن جنون روبنسكي فاندفع مع من بقي حيا من وحدته يفتك بمن تطاله أيديهم .

*****

كانت الممرضة- فدوى - منهمكة بتضميد الجراح، أمروها بالتوقف ، توسلت إليهم أن يتركوها لمهمتها الإنسانية، مشيرة إلى ذراعها حيث شارة الصليب و الهلال الأحمرين ؛ قهقه إلياهو عاليا – وهو من الشتيرن – ثم وجه إليها رشيشه فمزق جسدها الغض، وأجساد من حولها من الجرحى ، ثم أخذ يتلو بالعبرية  بعد أن  ضبط موقع قلنسوته السوداء : " وإن مدن الشعوب التي يعطيك الرب نصيبا فيها فلا تستبق منها نسمة " ثم أضاف بصوت مجلجل : " إنه  عصرك  ياهوووو ، لقد ولّى عصر الآخرين  ياهوووو، إنه عصرك يا  إله اسرائل  ويهوذا والسامره "

*****

اجتمع من بقي على قيد الحياة في ساحة المدرسة بناء على أوامر رعنان ، وقد أحاط بهم عناصر المليشيات مصوبين إلى رؤوسهم  بنادقهم .

أمروهم الآن بالجلوس على ركبهم  ورفع الأيدي فوق الرؤوس.

ثم أمروهم أن يتجمدوا بلا حراك .

ثم جاء من يفصل الرجال عن النساء ، ومن بين الرجال اكتشفوا الشبان السبعة؛ فانهالوا عليهم بكعوب بنادقهم وكعوب أحذيتهم ضربا. ثم ألقوا بهم مكبلين في شاحنة ، بينما كانت دماء أكثرهم تنزف وعقول بعضهم تحت رحمة الإغماء .

قال إتسل  وهو يشير إلى جميع الأسرى:

- إنهم ملكي يا رعنان

فرد عليه روبنسكي معترضا:

- فيما عدا الشبان السبعة، لقد لحقت بسريتي أفدح الخسائر !

فتدخل رعنان حاسما الأمر:

- قسمة عادلة ، وليبارككما رب إسرائيل .

*****

عندما بلغ إتسل حي منتفيوري، أمر برش وجوه أسراه بالماء الآسن .

أنزلوهم من الشاحنات ..

مزقوا ثيابهم ..

عرّوا صدور الفتيات..

لم يأبهوا لتوسلاتهن وعويلهن..

وعندما حاولت عجوز ستر حفيدتها ، مزقها أحد وحوشهم بحربة بندقيته .

وصل الآن قارعو الطبول، وبدأ الموكب .

في شارع الملك جورج، خرج السكان من بيوتهم وأخذوا يقذفون حطام دير ياسين الآدمي بما تطاله أيديهم من أحجار وزجاجات فارغة وقمامة .

*****

مع إنبلاج الصباح كان الشبان السبعة يتهالكون في الحفرة الكبيرة التي حفروها بأيديهم وقد أدركوا أنها ستكون قبرا جماعيا لهم ، كان ثلاثة منهم على الأقل ينزفون .

وبينما كان روبنسكي يصب البنزين في الحفرة وعلى حوافها، أدرك أحدهم نيته، فحاول تسلقها، أصابته صلية رشيش فأردته في الحال ، فاستسلم الباقون لمصيرهم.

أشعل روبنسكي النار...

أمسكت بهم النار ، فأخذوا يرقصون معها رقصة الموت ويودعون الحياة بصرخاتهم المدوية .

كان روبنسكي خلال ( نيرونيته ) المبتكرة ، يصيح صيحات هستيرية تتخللها عبارات باللغة البولونية :

". انتقمت لكم أيها المضطهدون منذ بابل  .. هكذا سيكون مصير ( الغوويم ) وكل من يحاول مس شعرة من جلود بني إسرائيل ، وكل من يحاول وقف انتشارنا في مملكة رب إسرائيل  من الفرات إلى النيل ..."

ظل روبنسكي واقفا إلى  جوار الحفرة إلى ما بعد خمود آخر لهب  فخمدت معه- من ثم - نيران حقده ، ثم نكص إلى القرية المكلومة .

*****

كان إتسل قد عاد بعد طوافه بأسراه في شوارع أرشليم إلى القرية. أمرهم بالإلتصاق بأحد الجدران، فتهالكوا على بعضهم بعضا كالأموات، وإن هو همّ  باصدار الأمر بإعدامهم ، ظهر يهوشع في سيارة ( جِب )  من مسروقات  الثكنات البريطانية، وإلى جانبه وخلفه بعض القادة.

تحدث أحدهم مع  رعنان  وقادة  العملية الآخرين ، بحزم  مشفوع  بالود:

- كفى قتلا .

الإذاعات العربية و الأجنبية بدأت تجسم الأمر..

المندوب السامي البريطاني تدخل بكل ثقله ، ونحن مرغمون على إبقاء حد أدنى من العلاقة مع الإنكليز .

سلِّم الأسرى إلى الصليب الأحمر في أرشليم،  ولا تنس التخلص من الجثث .

*****

وفي دير ياسين

فرغ لتوهم أبطال ( الأرغن زفاي لئومي ) من دفن آخر جثة في بئر القرية، وكانت جثة طفل ذكر ، فصل أحدهم خصيتيه، رمزا لإستئصال  آخر  عنصر عربي من المنطقة .

وعلق إلياهو وهو يمسح عرقه :

- ما أعمقها من بئر، كيف اتسعت لكل هؤلاء ؟

وبينما كانت جرافة تهيل التراب فوق الجثث ، وتملأ ما بقي فارغا من البئر لتسويه بالأرض المجاورة ، كان الأبطال الميامين ينتظمون في حبل بشري، يطول  شيئا  فشيئا، في ممارسة لطقوس ( الهورا ) أي رقصة النصر !

أضيفت في13/04/2006/ خاص القصة السورية / المصدر الكاتب (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول الأدب الفلسطيني)

 

 

جسد بين الغيوم

بقلم الكاتب: ناجي ظاهر*

  

ذلك القنفذ، لا أدري من أين أتى، ولا كيف احتل المساحات الشاسعة الواسعة من فكري. في كل مكان أراه. هو في البيت والشارع، والساحات العامة، في الباصات، وفي الأماكن التي أذهب إليها كلما ضاقت الدنيا. منذ وضعت قدمي في بحر الكهولة وهو يتقافز في الظلام، يراوغني، ويخرج لسانه شامتًا بي وبما صار إليه حالي كأنما هو يقول لي: أنت لا تستطيع أن تلمسني.

الغريب العجيب أنه يلوح مثل شعاع غريب في النهار وما اقترب منه، حتى يخرج لسانه ويختفي، سحرني ابن الحرام. جعل من نفسه شعاعًا لا ينتهي في لحظات تعاستي وحزني.

جربت كل الطرق للوصول إليه، لم أفلح، حاولت وحاولت، لكن المحاولة باءت بالخيبة. قلت له تعال عندي لك بحار من الفرح والنشوة، وآفاق لا محدودة من الأحلام اللامتناهية، ولم يستجب، بقي يقفز من مكان لآخر، دون أن يقترب.

قلت له:

-  تعال.

فقال:

- خذني. أنا بين يديك.

حاولت لمسه، فلم أنجح. شربت الكأس الأولى، والثانية، والثالثة، لاحظت أنه يقترب مني كلما شعر بي منتشيًا. أفرغت زجاجات الخمرة جميعها. لم يبق في الحانة شيء أشربه. نظرت في المرآة فرأيتني أعود شابًا. بحثت عن كأس أخرى أدفئ ظمأ الروح. بحثت في كل مكان عن كأس أخرى، وفجأة ظهر في أقصى الحانة، كان يحمل بيده زجاجة عسلية، تناولتها منه بحنو، شربت وشربت. كانت كلما أشرب منها تمتلئ. قدمت له، للقنفذ، كأسًا فشربها بكرعة واحدة. بعد ذلك أخذت أقدم له الكأس وهو أيضًا. لامس كل منا الآخر دون أن يخاف. دون أن يختفي. أنا أشرب وهو يشرب والزجاجة لا تفرغ. ودبت فينا النشوة، قلت:

-أريد أن أرى الدنيا.

قال:

-ومن منعك؟

قلت:

-أنت.

قال باستغراب:

-أنا؟

قلت:

-أنت من حرمني النوم.

قال:

-أنا لم أقصد أن أضايقك. أردت فقط أن أكون شعاعًا من فرح كهولتك.

ذكّرني بما أنا فيه، فوضعت رأسي بين يدي. وقررت أمرًا.

قلت:

-أريد أن أذهب إلى رأس الجبل.

قال:

-هذه الليلة أنا معك حتى الفجر.

لم أعر كلماته الملغوزة أهمية.ومضيت.في رأس الجبل.عندنا.إلى الزجاجة العسلية،امتلأنا خمرا.عند وصولنا اخذ يقدم لى الكأس تلو الأخرى،وأنا أيضًا.وبعد لحظات اكتشفت أنني اشرب من كأسه،وهو من كأسي،بالضبط مثلما يفعل العشاق.في ساعات الليل المتأخرة خطرت لي خاطرة.فلماذا لا أنتقم منه،واشفي غليلي؟!

الآن جاء حَبه إلى طاحونتي،سأريه من أنا.ومن هو.سألقنه درسًا عن حكمة الكهول وطيش الشباب.سأجعله يندم على كل لحظة اختفى بها،وتركني وحيدًا.

واقترحت عليه أن يخلع كل منا ثيابه.الغريب أنه وافق،وابتدرني قائلا:

-ها أنذا خلعت ملابسي.والآن ماذا تريد ؟

قلت:

-أريد أن أتحداك.أنت تحديتني بما فيه الكفاية،ولن اسمح لك أكثر.إما أنا وإما أنت.

قال:

-كيف سيكون التحدي؟

واقترح قبل أن افتح فمي،وتفوح منه رائحة الخمرة،أن يرفع أحدنا الآخر.والذي يرفع مرات أكثر يكسب التحدي،ويكون له ما يريد ورهن إشارة الآخر.في اللحظة الأخيرة،قبل أن أقترب منه،أدركت ما أراد أن يفعله بكهولتي،فوقفت مفكرًا.وقلت بسرعة:

-أنا أقبل التحدي.لكن ليس بعدد المرات،إنما بالقدرة على الرفع ، ومن يرفع الآخر إلى الأعلى،إلى السماء،يكسب التحدي.

وبسرعة لم أكن أتوقعها وافق.كان على استعداد لتقبل كل ما اطرحه عليه.ثقته بنفسه،شبابه،كانت أكبر من أن يتراجع.ولذا أقدم.قال ساخرًا:

-بإمكانك أن تبدأ.

اقتربت منه.رزته.من أين بإمكاني أن أرفعه.وبكل ما لدي من سنوات مختزنة.وأحلام مكبوتة،وضعت يدي حول خضره،ورفعته إلى أعلى.وأعلى.فأعلى.ولامس جسمه كبد السماء.رفعته ورفعته،حتى لم يعد بإمكاني رؤيته.اختفى جسده بين الغيوم السابحة بالفضاء،وهمى مطر أغرق جسدي بلزوجة ممزوجة بالحلم،بتحقيق الذات،بإمساك لحظة فارة.

ومرت الأيام،وأنا أرفعه،وهو يسبح بملكوته المفتوحة على الأبدية.مر اليوم الأول.والثاني والثالث.طلب مني أن أنزله.فأنزلته.لكنه لم ينزل على الأرض وإنما على جسدي.استرخى فوق جسدي العاري ونمنا معًا.عندما أفقت.سألته ما إذا أراد أن يعرفني .فهز رأسه بالنفي.وعدت أساله.وأخذ يجيبني بهزة من رأسه.مشيرًا إلى نفيه...

قلت منتشيًا:

-كان بإمكاني أن أرفعك عشر مرات.

قال وهو يفتح عينيه لأول مرة منذ أيام:

-مرة واحدة،مثل تلك،تكفي.

آنذاك،فقط،أدركت تمام الإدراك أنه أصبح رهن الإشارة.فقد كسبت التحدي.

========================================

*الكاتب ناجي ظاهر: ولد سنة 1951 في الناصرة، وهو من أسرة نزحت من قرية (سيرين)... شارك في تحرير بعض الصحف في الجليل، وهو متفرغ للكتابة... له مجموعتان شعريتان ومجموعات قصصية عديدة نذكر منها: درس نورا، الزهرة اليابسة، بحجم سماء المدينة ، حدث في ذلك الشتاء، وقصتنا المدروسة من مجموعة (درس نورا). لقراءة الدراسة حولها (قراءة نقدية لقصة جسد بين الغيوم)

أضيفت في15/04/2006/ خاص القصة السورية / المصدر د فاروق مواسي (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول الأدب الفلسطيني)

 

 

فلسطين لفلسطين

بقلم الكاتب: د. أسد محمد

أولاد العثرة كبروا ،

ومقابر النوح جاهزة ،

اليتامى ، زرعوا الصفحات خطوات ،

وشبابيك الخريف تفتح لدخول الربيع إلى غرف المدارس علانية ،

الحارس نائم ،

والخيمة وطن وبسملة ،

طقوس تتبدل ،

وأجنحة للعيون اُستكملت،

صباح الخير

صباح الخير

***

زمن في منارة الاعتراف ،

والأنين يفصح عن أمجاد موزعة على الضفاف الأخرى ،

نزل برج الضوء ليكون ترابا ،

وليكون في الدعاء قرى متناثرة على بطاح الأمل ،

فلسطين انتهت من ترتيل أسفار الجروح ،

وزرعتها الأيام في سنيِّها أبجدية ،

الوداع توقف عن الرحيل ،

الرحيل ينبت ثغورا في تراب النظرات ،

عائدون:

حيث الوطن في قرنفلة ،

والقرنفلة التي قطفت ، نبتت في عطرها ،

وبقايا العطش أغرقه العطش بماء الرجوع ،

والانتظار ، عاد من الانتظار ليلقي التحية على وطن اسمه :

فلسطين.

***

أمها الأرض ،

وأمها السماء،

وأمها أبوها ،

وأبوها – هي أبو نفسها

ونفسها من مطر ، وعطر ، ومدار ..

قلبها رجع نهار إلى نهار ،

وبداية في البداية ...

قرابتها : كلمات من كلمات لا تولد من حروف ، ولا من نسق ..

وعائلتها : البراري ، المراعي ، الشموع .. كل الذين لم يولدوا من رحم ،

وكل الذين ينتظرون الميلاد ،

وكلُّ مَن ليس له أماً ،

وكلُّ مَنْ ليس له أباً ،

أما مَنْ ..

يقامرُ ، ويغامرُ و ويعرضُ مائدةً للجياع وللقديسين للبيع ، فهو طي هواه ..

من يتجرأ على اعتراض وجودها وهو عابر ظل ،

من يسأل ، ولا يتساءل عن المصير ،

ركبته الحماقة ،

فمثيلاتها قديسات ، لا يرهبهن خوف اعتلى ظهر الخائفين ،

ولا شجب أدمى حناجر المتسولين ،

ليس من ظهر ، أو من نظرة ، أو رغبة ،

من يعرضها في سوق النخاسين ،

ويقف إلى جانبها كسلعة خيش ،

كل ما في الأمر ، اختبار :

هي خارج الاختبارات

خارج المتاهات ،

واكتمل رونقها ، والراغبون في شرائها جُهّل ،

اختبار لمن تسول له نفسه ،

اختبار لمن يقبل أن يقف في سوق العرض ،

ويكشف أنه ليس من رحم ،

وليس أقل من ابن فراغ ،

وتجرأ على وضع ابنة السماء على طاولة التفاوض :

9528قبل الميلاد- 1948 - 1968- - 2001- 2025- 30052بعد الميلاد ..

أي زمن كان ، أو سيكون ،

أي وقت كانت فيه الخلائق أو ستكون ،

ابنة السماء ليست للبيع ،

هي ابتاعت نفسها ، وانتهى الأمر ،

واشترت نفسها ، لنفسها ، وانتهى الأمر ،

فلسطين لفلسطين ،

فلسطين لزيتونها ،

وزيتون فلسطين لفلسطين ،

وفلسطين لنجومها ،

لبحرها

لنقبها ،

لعكا

لحيفا

لرام الله

لغزة

لموسكو

لواشنطن

لباريس

لجوهانسبرغ

لـ........

فلسطين

للعالم

فمن معه أن يدفع ثمن العالم ،

فليدفع ثمن الشمس ،

ومن معه أن يدفع ثمن الشمس ،

فليدفع ثمن المجرة ،

ومن معه أن يدفع ثمن المجرة ،

فليبقَ هناك ولا يعود..

فلسطين لفلسطين

***

هل سألتَ النجوم كم سعرها ؟

وهل سألتَ القمر كم سعرها ؟

وهل سألتها كم سعرها ؟

هل نظرتَ في عينيها ؟

هل قابلتها ؟

هل تتجرأ أو حتى تقف إلى جانبها في المزاد؟

هل مددت يديك لتدفع ثمن الكعك في الأعياد ؟

ماذا فعلت؟

هل لديك ثمن السؤال ؟

لملم خزيك

وارحل ..

فلسطين لفلسطين

***

أيها الــ..

هل تعرف كم في جسمك خلية ؟

وهل تعرف كم في الفضاء نجمة؟

وهل تعرف كم في المحيطات قطرات ماء؟

عندما تعرف

ابق حيث أنت ولا تأتي ،

لأنك لست أي أحد ،

ولست من يبيع ويشتري ،

فلسطين لفلسطين

***

إن كنت من الذين يحكم بانقلاب،

أو جئت إلى القصر تجرك الكلاب ،

أو وصياً من قبل استعمار ،

أو مرائيا ،

أو مهانا،

أو دون ذاكرة ،

فلسطين تعلمك:

فلسطين لفلسطين .

***

قبل الخطوط الحمراء ،

بعد حدود الأرض ،

في دائرة العاطفة ،

في مجال اللانهاية ،

بعد خطوط القمع ،

وفي قلب ضمير الأم ،

تقيم فلسطين في فلسطين ،

***

فلسطين لفلسطين :

أينما ذهبت ومهما فعلت ،

وأي سلاح امتلكتَ : الوشاية ، النووي ، المدمر ،

الساحق ، الماحق ...

ومهما زينتَ وتزينت وتنكرت وتبرأت ،

فلسطين ليست قطاعا من خيانتك ،

وليس لها من ضميرك المحنط ،

وليس كيسا من هوانك ،

ليست لقادم من بعيد أو قريب ،

ولا للقادم من الاسيكموا أو الحبشة ،

أو لناجٍ من محرقة ،

ليست لمغن أو مطرب أو قديس ،

فلسطين ملك ترابها

ملك زيتونها

ملك سماها

ملك عنبها

وملك الحب .

***

بعد حدود الدم ،

قبل حدود الأحلام ،

في دوائر الشجاعة ،

خارج الهم ،

في فسحة الأمل ،

فلسطين ثابت العدالة ،

خارج الأوطان ،

والقرارات ،

والبيانات ،

والرموز ،

فلسطين تتكلم بكل اللغات :

فلسطين لفلسطين .

***

معادلة تحل نفسها بنفسها ،

وتكشف أمام العالم أجمع ،

أن الحل الوحيد هي مَنْ تعرفه :

فلسطين لفلسطين .

***

تتحمل الظلم ،

تتجاوز ضرب الجلاد ،

تدمى ، ولا تصرخ ،

تفجع ، وتصبر ،

ليتعلم العالم :

أن فلسطين لفلسطين .

*** 

2-3-2006

أضيفت في16/04/2006/  خاص القصة السورية / المصدرالكاتب (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول الأدب الفلسطيني)

 

 

يا أحمد العربي

بقلم الكاتب: أحمد يعقوب

 

كنت المصباح

وكنا في الصبّ فراشة

درنا وندور !! على نَوْلِ النور

نحلج خيط رداء في وطنٍ مصطكٍ

الأسنان ?

 

كنت الجذوة

وكنا بعض رماد

وبنشوة صوفي نتجلى

خيلاً من جمر

يصعد صهوتنا الإعصار

 

كنت الريح

وكنا فيك طواحين يباب

في إسطرلاب اللقلق

درنا وندور

نذري الصخر ثريداً

في وطن صدئت أمعاؤه

 

كنت وكنا

كانت كينونة تكوين كائنة

في كينونة تكوين أو لا تكوين

هل كنت النوى ?

فكنا تيجان الهوا

نطبق فيك بثورة

أن مسك الندى

من نخَّل دمع الروح ..?

كي تثقل أجنحة فراشة ?!

وفراشات تتأرصف وتأرصفنا حتى

عدنا "فسيفساء" غبار

 

كنت الغابة وكنا فيك أيائل متعبةٍ

من هشم أقداح العطشى ?!

وأباح نبيذ الروح لمواسير المدن ?

كيف تذوب على الموشور الصارخ أقواس قزح ?

ما هكذا يُفتت الماس !!

ما عاد الماس المتضور نوراً يتفتت

ويُنثر كالآس بـ "درب الجلجلة"

 

إيه بلادي : ظلي الآن يعلق في ظله

الماء تثاءب وقال كفى للموج

فوق حبال صوتية

ستنشر عملتنا الناسكة

عملتنا : بعض وسائد من قلق

لنعاس صار عتيقاً

 

يا أحمد العربي : أشكوك لحيوان الكنغر

وسأشكو لبلادي صومَ بلاد ...

أضيفت في29/04/2006/ خاص القصة السورية / المصدرالكاتب (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول الأدب الفلسطيني)

 

 

كيفية المشاركة

 

Hit Counter

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية