الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 01/02/2009

دراسات أدبية - الأدب الفلسطيني / الكاتب الشهيد: غسان كنفاني

الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال

إلى صفحة الكاتب

لقراءة الدراسات

 

 

الدراسات

أدب المقومة الفلسطيني

الوضع الثقافي

الأدب الفلسطيني تحت الاحتلال

الكاتب 

الشعر

 قصائد قصيرة

 الأقصوصة

المسرحية

 

الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال

1948 - 1968

مقدمة

 

ليست المقاومة المسلحة قشرة، هي ثمرة لزراعة ضاربة جذورها عميقا في الأرض، وإذا كان التحرير ينبع من فوهة البندقية، فان البندقية ذاتها تنبع من ارادة التحرير، وارادة التحرير ليست سوى النتاج الطبيعي و المنطقي والحتمي للمقاومة في معناها الواسع: المقاومة على صعيد الرفض وعلى صعيد التمسك الصلب بالجذور والمواقف.

 

ومثل هذا النوع من المقاومة يتخذ شكله الرائد في العمل السياسي و العمل الثقافي، و يشكل هذان العملان المترافقان اللذان يكمل واحدهما الآخر الارض الخصبة التي تستولد المقاومة المسلحة و تحضنها و تضمن استمرار مسيرتها و تحيطها بالضمانات.

ومن هنا فان الشكل الثقافي في المقاومة يطرح اهمية قصوى ليست ابدا أقل قيمة من المقاومة المسلحة ذاتها، و بالتالي فان رصدها و استقصاءها و كشف اعماقها تظل ضرورة لا غنى عنها لفهم الارض التي ترتكز عليها بنادق الكفاح المسلح.

 

وفي الفترة التي امتدت بين 1948 و 1968، قدم المثقفون العرب في فلسطين المحتلة، من خلال أقسى ظروف القمع، و الأسر الثقافي، نموذجا تاريخيا للثقافة المقاومة، بكل ما فيها من وعي و صمود و صلابة، و أهم من ذلك، بكل ما فيها من استمرار و تصاعد وعمق.

 

وفي الواقع فان ادب المقاومة -على وجه الخصوص - لم يكن أبدا ظاهرة طارئة على الحياة الثقافية الفلسطينية، و في هذا النطاق فان المقاومة الفلسطينية قدمت، على الصعيدين الثقافي و المسلح، نماذج مبكرة ذات أهمية قصوى كعلامة اساسية من علامات المسيرة النضالية العربية المعاصرة.

 

وحفل التاريخ الفلسطيني،منذ الثلاثينات على الاقل، بمظهار المقاومة الثقافية و المسلحة على السواء، و اذا كانت الثورات المسلحة التي خاضها شعب فلسطين قد انتجت اسماء من طراز عز الدين القسام مثلا، فان أدب المقاومة قد انتج، قبل ذلك و معه و بعده، اسماء من الطراز نفسه، ما زال المواطن العربي يذكرها بكثير من الاعتزاز، و من أبررزها ابراهيم طوقان، و عبد الرحيم محمود، و ابوسلمى (عبد الكريم الكرمي) و غيرهم.

ومن هذه الناحية فان أدب المقاومة الفلسطيني الراهن، مثله مثل المقاومة المسلحة، يشكل حلقة جديدة في سلسلة تاريخية لم تنقطع عميليا خلال نصف القرن الماضي من حياة الشعب الفلسطيني.

 

ولكن ما يميز الادب المقاوم في فلسطين المحتلة منذ 1948 حتى 1968 هو ظروفه القاسية البالغة الشراسة، التي تحداها و عاشها، و كانت الأتون الذي خبز فيه انتاجه الفني، يوما وراء يوم.

 

لقد كان الحصول على نماذج هذا الادب المقاوم صعبا للغاية، و من المؤكد الآن ان هناك نماذج لم يتسير قط نشرها، و لا نعرف فيما اذا مان من الممكن نشرها خلال الفترة الوجيزة القادمة، و كذلك فان ثراثا كبيرا من الشعبي الفلسطيني الذي ولد و ترعرع و انتشر في الريف الفلسطيني خلال العشرين السنة الماضية لم يتسير لنا قط الحصول عليه بالصورة التي تتيح استخدامه لدراسة منفصلة أخرى، و ان كانت الجهود الحالية في هذا النطاق تبشر بامكان ذلك.

في هذا المجال لابد من الاشارة الى أن البحث التالي ليس طبعة جديدة او منقحة لكتابي الذي أصدرته دار الآداب باسم "ادب المقاومة في فلسطين المحتلة"، بل يمكن اعتباره الى حد بعيد دراسة مكملة، خطوة ثانية في هذا النطاق، ولا يسعي الا أن اشير الى أن الكتاب الاول يعتبر مقدمة ضرورية لهذا الكتاب، سواء من حيث التحليل او حيث النماذج.

واذا كان لابد من الاستطراد في هذه النقطة الشكلية، و لكن الهامة، فهناك ملاحظتان لابد منهما:

 

الاولى ان معظم النماذج التي اخترناها في هذه المجموعة حرصنا على ان تكون من خارج نطاق النماذج التي باتت متوفرة الآن،و التي ستطبع في مجموعات شعرية منفصلة خلال الفترة الوجيزة القادمة.

 

والثانية ان دراسات تحليلة عديدة لأدب المقاومة الفلسطيني، هي الآن في نطاق الاعداد منقبل استاذه اختصاصيين في النقد الادبي و البحث، و هذا هو بالذات ما جعل الدراسة هذه تميل باطراد نحو الصيغة الوثائقية، اذا جاز التعبير، أكثر بكثير مما حرصت على الصيغة التحللية.

وبعد. ان ما يهم هذه الدراسة، في الاساس. هو انها تحاول تقديم وثيقة أخرى للادب الفلسطيني المقاوم بعد الوثيقة الاولى التي جاءت قبل ثلاث سنوات في كتاب "ادب المقاومة قي فلسطين المحتلة"، فاذا حققت ذلك فانها لا تطمعه الى شيء آخر.

بيروت 15نيسان 1968

 

 

الفصل الأول الوضع الثقافي

لعرب فلسطين المحتلة

 

يقول فوزي الاسمر، وهو كاتب عربي من فلسطين المحتلة:

"بينما كنت جالسا أتناول وجبة غذائي في أحد المطاعم بتل أبيب، استمعت بالصدفة الى مكالمة تلفونية. كان المتكلم شابا عربيا من احدى قرى المثلث. علمت فيما بعد انها أم الفحم".

-"آلو.فاعد هبوعيل[1][1]؟ أعطني من فضلك السيد قصاب من الدائرة العربية. آلو (كل المحادثة بالعربية) سيد قصاب؟ مرحبا. احمد يتكلم. هل تسلمت رسالتي؟ انني متأسف جدا. لقد كتبتها بالعبرية وطلبت من الأخ قاسم ترجمتها للعربية. متأسف. لقد أنهيت مدرسة عبرية ثانوية ولا أعرف الكتابة بالعربية لذا طلبت منه ترجمتها".

 

ويمضي الكاتب قائلا:

"مكالمة خاطفة تحمل في طياتها الكثير، وأنا هنا لا أضع مسؤولية عدم تعلم العربية، لغة أم أحمد على عاتق أحمد وحده بل على عاتق أحمد نفسه، ألا يخجل من نفسه؟ اننا لا ننكر ان هنالك محاولة من السلطات لبلبلة الجيل العربي الناهض، ولكن أين المسؤولية التي تقع على عاتقه هو؟ انني أتوجه إلى أحمد هذا وكل أحمد آخر في نفس الحالة أن يسارعوا في تعلم لغة أمهم...والا..."[2][2].

 

ذلك المقطع يعطي لمحة سريعة، ولكنها جارحة حتى العظام. عن نوع فذ من النضال الثقافي الذي يخوضه عرب الأرض المحتلة[3][3] منذ عام 1948، للدفاع عن لغتهم وثقافتهم وتراثهم، وفي الواقع فان المعركة هذه تمثل واحدة من أبشع وسائل الاستعمار الاسكاني في سحق الحركة الوطنية ومحاولة اجتثاثها من جذورها. وكي ندرك فعلا ما هي قيمة أدب المقاومة الفلسطيني في فلسطين المحتلة، من خلال النتاج الذي أعطانا في العشرين سنة الماضية، لا بد من إدراك حجم المصاعب التي تشكل التحديات اليومية في الحياة الثقافية العربية في الأرض المحتلة.

 

ثمة اعلان فاضح، يشكل اعترافا مثيرا للدهشة، في هذا النطاق، على لسان اسرائيلي مثقف، خلال مناقشة مفتوحة مسجلة.يقول:

"أعتقد ان الكيان القومي هوفوق كل اعتبار، حتى فوق الاعتبارات الخلقية. ان وجود أقلية عربية في اسرائيل يشكل أكبر خطر عليها، اذا لم يكن الآن وفي هذا المستقبل ففي المستقبل البعيد، وحتى نمنع وقوع مثل هذا علينا أن نعمل كل شيء بشكل لا يثير الاحتجاجات العالمية، علينا أن نجد لذلك غطاء ملائما وعبارات جميلة، ولكن اذا لم يكن بد من ذلك، علينا ان نتجاهل الرأي العام.

 

علينا أن نقصر خطواتهم، وأن نأخذ أراضيهم، كل عربي ينهي المدرسة الثانوية أو الجامعة لا نعطيه عملا وليبحث عن عمل خلال ثلاث أو أربع أو خمس سنوات حتى ييأس ويفهم انه لا مكان له في هذه البلاد وليبحث عن بلاد أخرى، علينا أن نقنع العرب بعدم سماع الراديو العربي، علينا أن نقطعهم عن الثقافة العربية ونضعهم تحت الثقافية اليهودية.

- وماذا سيحدث اذا ما قرروا الاستمرار بسماع الراديو المصري؟ واذا لم يفهموا الاشارة ويغادروا البلاد. ما العمل؟

- سيفهمون، وسيهاجرون.

-واذا رفضوا التخلي عن شخصيتهم القومية او رفضوا الهجرة؟

- لا. سيفهمون!

- كن جريئا وقلها بصراحة: علينا أن نقيم او يشفتز!"[4][4].

وليس في هذا الجدل تصور نظري، فهو في الواقع تعبير عن حقيقة تمارس ممارسة يومية. لقد بات من المعروف "ان مستوى التعليمي في المدارس العربية أضعف منه بكثير في المدارس اليهودية، وكذلك فصل المعلمين الأكفاء وتعيين معلمين انهوا المدارس الابتدائية فقط مكانهم"[5][5].

 

 

ان سياسة التجهيل المتعمد هي سمة بارزة من سمات الاضطهاد الثقافي الصهيوني لعرب الأرض المحتلة، وفي هذا النطاق تبرز مسألة التعليم وانخفاض مستواه في الوسط العربي كشيء اساسي.

 

يعترف ز.آران في مقال له بكتاب "اسرائيل اليوم"[6][6] : ان "53 بالمئة من المعلمين العرب في اسرائيل غير مؤهلين" ويقول م.أساف في الكتاب نفسه [7][7] : ان "عدم توفر اساتذه وكتب وتخطيط بالنسبة للمدارس الثانوية العربية في اسرائيل يؤدي الى اخفاق كبير في امتحانات الثانوية (المتركيوليشن)"، وان المجتمع اليهودي لم يستطع "امتصاص المتخرجين العرب من المدارس الثانوية، ولا طلاب الجامعات العرب"، وانه يوجد "مشكلة أكبر بالنسبة للعرب الذين يضطرون لترك دراستهم الثانوية".

ويعترف أساف بأن نسبة تخرج العرب من الجامعات في اسرائيل نسبة منخفضة، الا انه لا يورد ارقاما، ومع ذلك فبوسعنا ان نتصور هذه النسبة حين يصل الى اعتراف أخطر في قوله ان مجموع الطلاب العرب في الجامعات في اسرائيل، عام 1967، كان 200 طالب فقط (مقابل 19 الف اسرائيلي).

وعلى أي حال لدينا احصاء مروع آخر: "فمن الجيل العربي الذي بدأ التعليم في الصف الأول سنة 1957، ترك المدرسة 45 بالمئة منهم في سنة 1964، أي قبل أن ينهوا الصف الثامن"[8][8] .

 

فاذا كان هذا هو الحال بالنسبة للمدارس الابتدائية فان الوضع لا بد ان يكون أقسى بكثير في المدارس الثانوية والجامعية، فأساف يقول ان 10 بالمئة فقط من العرب الذين تقدموا لامتحانات الشهادة الثانوية عام 1964 نجحوا، أما في عام 1963 فقد كان الناجحون 12 بالمئة[9][9].

ومن الواضح ان هذا الرقم خادع، ففي حين تقول مصادر أخرى، ان هذه النسبة لم تكن أبدا اكثر من 4 أو 5 بالمائة، سنرى ان ز. آران يقول ان نسبة نجاح المرشحين لامتحانات الشهادة الثانوية بين العرب في اسرائيل، كانت عام 1963 ما نسبته 40,2 بالمائة[10][10].

ان الذي يثبت خطورة هذه المسالة هو ان أساف، و آران، يوردان رقمين متباينين جدا عن نسبة نجاح العرب في الثانوية في اسرائيل، في سنة واحدة، في كتاب واحد!

سنجد، بالاضافة لذلك كله، وصفا موجزا، و لكن قاطعا، للأوضاع التعليمية لعرب فلسطين المحتلة، يعطي فكرة شبه كاملة عن حقيقة هذه الأوضاع.

 

نقول منظمة "الارض" في اسرائيل، في مذكرة بعث بها الى يوثانت في مطلع 1964[11][11].

 

" ان نسبة التعليم المرتفعة في ظل الانتداب انخفضت الى الحضيض خلال الست عشرة سنة الماضية، ان نسبة النجاح في شهادة المتركيوليشن (باغروت) في المدارس العربية الخاضعة لاشراف وزراة التربية هي فقط 4و5 بالمائة.

ان هذا الانخفاض يعود الى الأسباب التالية:

1- التدخل المؤذي و الوقح في شؤون التعليم من قبل رجال العسكري و المباحث (شن بت). و لهاتين الفئتين، الحكام العسكريين و رجال المباحث، الكلمة الأولى في اختيار "المدرسين" دون أدنى نظر لكفاء اتهم العلمية، انهم يختارون بناء علىمقدار ما يقدمون من خدمات للحكم العسكري و للمباحث، و يفترض فيهم أن يكونوا مماثلين، متواطئين، و أبواق دعاية للحزب الحاكم.

2- عدم وجود مدارس كافية، فبالرغم من الازدياد المطرد في عدد التلاميذ فان عدد المدارس لا زال محدودا جدا. ان وزارة التربية تتجاهل عن عمد تنفيذ قانون التعليم الاجباري بالنسبة للأقلية العربية.

3- النقص الشديد في الكتب المطلوبة و المختبرات و التجهيزات و الخرائط و الممكتبات.

4- هنالك بعض الموظفين المسؤولين الذين يستغلون وظائفهم فيقومون بنشر بعض الكتب المتدينة، هادفين الربح من ناحية. و تسميم عقلية الجيل الجديد من ناحية أخرى.

هناك خمس مدارس عربية ثانوية في اسرائيل. واحدة منها فقط في (الناصرة) تدرس العلوم... ان سياسة الحكومة السلبية بالنسبة للثقافة العربية ترمى الى محو أي ارتباطات بين الجيل الجديد و بين ماضيهم المجيد، لتخمد كل مشاعرهم القومية و آمالهم في مستقبل مشرق.

وفي الحقيقة، فانها تقدم لهم بديلين احلاهما مرة: إما الهجرة، و إما الانصهار!".

 

ان هذا المقطع في مذكرة "جماعة الأرض"، المتعلق بأوضاع الثقافة العربية. لا يلخص فقط الوسائل الفاشية التي تتبعها اسرائيل لسحق الوعي الثقافي العربي، و لكنها تلقي ضوءا، من ناحية مقابلة. على الصمود العربي، و على النضال في سبيل تقويت هذه المؤامرة.

 

لقد كانت هذه المسألة محل اهتمام عربي متواصل و مستمر في فلسطين المحتلة، و هذا الاصرار على رفض خطة التجهيل الاسرائيلية هو الذي يدفع م. أساف ليكتب[12][12]:

"فيما يتعرض الجيل العربي الجديد الى تأثيرا ت مناوئة لاسرائيل، فان الجيل الأكبر ممتمسك بالماضي، والطرفان ما زالا على صلة يومية بالدول العربية واللاجئبن من خلال الراديو و التلفزيون".

ومع ذلك تمضي اسرائيل عن عمد في حرمان من حق العلم. و من المعروف أيضا ان عدة كليات علمية في الجامعات الاسرائيلية محرمة نهائيا على الطلاب العرب، و هذا ما يدفع محمد دسوقي للتأكيد بأن "التعليم العربي في اسرائيل لا يمكن ان ننتظر منه اية فائدة"، و يلاحظ ان الكتب و وسائل التعليم و المعلمين الأكفياء غير متوفرين. وانه بوجدتمييز بين الطلاب العرب و اليهود في التعليم العالي[13][13].

 

وبعد الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية في حزيران 1967، لاحظ أحدالمرببين الفلسطينيين في الضفة الغربية قائلا[14][14]:

"انني اسمح لنفسي بعد خدمة ربع قرن في التعليم أن أقول ان مستوى المدارس العربية في اسرائيل منخفض جدا. و ان الملدة التي يلقنها الاساتذة للطلاب العرب مادة تافهة. لقد طلبت من أحد أقاربي ان يحضر لنا بعض الكتب التي تدرس في المدارس العربية باسرائيل، و اطلعت على بعض الدوسيهات، و عليه بنيت رأيي، ان ما يدرس للطلاب العرب ما هو الا نوع من التجهيل (خصوصا الأدب العربي و التاريخ العربي) و سوف لن نقبل هذه البرامج عندنا".

وفي نفس المصدر يؤكد احد المعلمين في القدس العربية الشيء ذاته في حديث آخر: "اذا كانت اسرائيل ترى من واجبها تعليم الطلاب التاريخ الصهيوني فنحن غير مضطرين لذلك... لقد اطلعت على قسم من البرامج و اعتقد انني سأكون خائنا لقوميتي و شعبي اذا قمت بتدريس هذه البرامج".

 

وهذه الحقيقة، أي خطة التجهيل المتعمد الذي يهدف الى ارساء استعمار من نوع اقتلاعي، تستدرج بدورها اجراءات قمعية اسرائيلية من نوع آخر، تتبدى في محاربة المعلمين العرب و تشريدهم و منعهم من العمل و وضع سوط التهديد على رقابهم.

ففي آذار 1967، القي اسرائيلي يدعي غديش، يشغل منصب المسؤول عن التعليم العربي في اسرائيل، محاضرة في نادي المعلمين في حيفا، و وجه الى "المعلمين القدامى" الذين دعوا للاستماع اليه تهديدا مباشرا: "على المعلمين القدامى الا يعتقدوا بأنهم ثابتون كالمسمار الذي لا طبعة له، انا سأعمل للمسمار طبعة، و اذا لم أقدر فسأحفر حوله و أقلعه"[15][15].

 

" فالمعلمون القدامى" يشكلون في الواقع جسرا شديد الأهمية في الحياة الثقافية العربية في فلسطين المحتلة، فهم ضمانة استمرار ذلك التيار من الوعي العربي و الاطلاع على مناهج التعليم قبل الاحتلال الاسرائيلي، و من هذه الناحية فهم يشكلون بالنسبة لاسرائيل مشكلة يشبهها غديش بأنها مشكلة المسمار الذي لا طبعة له. بحيث يستحيل استلاله و قلعه من مكانه!

 

ولا تكفي السلطات الاسرائيلية بالطبع بهذا الاسلوب "السلبي" في محاولتها لنسف الجذور الثقافية العربية، و لكنها تلجأ الى اسلوب "ايجابي" مواكب لخطتها. يتبدى في محاولات حقن المجتمع العربي في فلسطين المحتلة بسموم الثقافة الهجينة، و التفاهة التي تهدف الى افقاد ثقة العربي بقيمة ثقافته و بآفاقها و جذورها.

 

ففي كانون الثاني 1961 وزع منشور عربي في اسرائيل، أصدره الشيوعيون العرب، يتهم "شركة الكتاب العربي" التي يشرف عليها حزب العمال الاسرائيلي الموحد (المابام) بأنها "تنزل الى الأسواق، دون حساب للتكاليف، مجلات وكتباباللغة العربية لا هدف لها سوى اغراق شبابنا في مستنقعات العدمية القومية و العدمية الجنسية"[16][16].

 

وفي الشهر ذاته القى موشيه بيمينته الاسرائيلي، محاضرة في الجامعة العبرية في القدس بعنوان "اللغة و الاسلوب في الأدب العربي الحديث" دعا فيها باصرار الى استعمال اللهجة العامية في الكتابة الأدبية و نبذ العربية الفصحى و نسيانها[17][17].و لم تكن هذه الدعوة الا تكملة لمهطط مقصود و مدروس. فجمال قعوار، و هو شاعر و كاتب من فلسطين المحتلة، يكشف هذا في قوله:"كما حاولت السلطات ان تستخلص ادبا ما من مأجوريها كانت تصدم بالابتعاد من قبل الأوساط العربية، لأنه مضمونه بعيد عن أية آمال لابناء الشعب العربي هنا حيث يبث الروح العدمية بين الجماهير العربية ويكبت الروح التقديمية العربية"[18][18]

 

ومثل هذا الصدام الصامت، و لكن المروع، لا يمكن له أن يقف هنا. و هذا هو التفسير الوحيد لعمليات القمع و الاعتقال و الاقامة الجبرية، و أحيانا القتل، التي يتعرض لها الجيل الشباب المثقف في فلسطين المحتلة.

 

ففي 27 كانون الثاني 1967 قتل جنود اسرائيلييون الشاب العربي محمد خليل الزعبي (28) من قرية سو لم قضاء الناصرة في فلسطين المحتلة، "كان المذكور قد انهى دراسته الثانوية منذ حوالي عشر سنوات قضاها في البحث عن عمل، و لكنه لم يتوفق الى ذلك... كما هي الحالة عند معظم الخريجين العرب"[19][19].

وقد قتل الشاب الزعبي من قبل دورية اسرائيلية أثناء محاولته قطع الحدود الى غزة، ولم "ينشر أي بيان رسمي عن حادث القتل المذكور"[20][20].

 

تقول عريضة "القوة الثالثة" التي قدمها الى المحكمة م.شتين، رئيس الحركة، (وكما هو متوقع قوبلت بالاهمال، وحفظت القضية) :

"وكما يعرف جنابكم (الكلام موجه لهيئة المحكمة) فانه يتبع ضد عرب هذه البلاد اساليب التمييز المختلفة، وأكثرهم شعورا بذلك هم المثقفون لأن كل المكاتب الحكومية والعامة مغلقة في وجوههم...لذلك لا يستغرب ان يحاول الشاب العربي الذي افتقد كل أمل في الحصول على حياة ملائمة دخول أي بلد عربي ولو اضطر في ذلك الى مخالفة قوانين الدولة وقوانين الدول العربية على السواء"[21][21].

 

ومن الواضح ان عمليات قتل من هذا النوع تكرر بشكل او بآخر، ويعلن عنها تحت هذا العنوان او ذاك، ولكن نظرة خاطفة على الانباء العادية لن يكون من شأنها الا ان تثير المزيد من الشك، وما زال القراء العرب يذكرون النبأ الذي روى قصة مقتل طالب عربي شاب "بعد أن قفز من القطار أثناء اجازته الجامعية قرب الحدود الأردنية فسقط تحت العجلات وقتل!"[22][22].

ولكن عمليات البطش والارهاب لا تقتصر على ذلك، وهي ليست من ناحية أخرى في حاجة الى اثبات، ويستطيع القارىء للصحف الاسرائيلية ان يجد كل ما يريده من البراهين مختبئا هنا وهناك.

ف "عندما استيقظ الطالب الجامعي يوسف عزيزي (21 سنة) صباحا ليدرس لامتحاناته، وجد رسالة تهديد تنتظره وهي مرسلة من منظمة سرية لقبها اعضاؤها بمنظمة ش.ش و يوسف، ابن قرية كفركنا، يسكن في بيوت الكلاب في قرية الجامعة العبرية في القدس، وقد طلبت الرسالة منه أن يكتب اسمه باللغة العبرية الى جانب اللغة العربية على الورقية المعلقة على باب غرفته والا..

 

"ووصف اعضاء المنظمة المذكورة انفسهم بانهم ذو و اياد طويلة و وحشية و قد أعطي يوسف مهلة ليوم واحد لتلبية أوامر المنظمة والا.."[23][23].

 

وقد يكون هذا النبأ عاديا لو لم نتابع من خلاله كيف لقيت شكوى يوسف المذكور، الى ادارة الجامعة والى مركز الشرطة، اهمالا لا نظير له، اقترن بالمماطلة و الكذب، و وعده قائد المباحث بان يتابع المشكلة و لكنه أعطاه رقم هاتف وهميا، و كان مدير السكن الاسرائيلي قد هدده بالطرد اذا شكا للشرطة..

والنهاية التي تتوج هذه القصة و تعطيها معناها هي أن يوسف اضطر بالفعل لترك غرفته بالجامعة، رغم كل الشكاوى التي قدمها.

انه من السهل الاستنتاج بأن طالبا جامعيا ليس مضطرا لترك دراسته لو لم يكن يعرف بأن "تجارب سابقة" اثبتت خطورة مثل هذه الحالة وجديتها.

 

انه الحرب النفسية و الاقتصادية و السياسية و البدنية التي تشنها السلطات الاسرائيلية على الثقافة العربية و المثقف العربي كان لها الاثر الاكبر في بلورة الانتاج الادبي العربي في فلسطين المحتلة على الصورة التي سنراها، و من ذلك اللجوء غالبا الى الرمز، و لم يحدث هذا اللجوء الا لأن تفسيره "موجود في اكث من سجن واحد، و في فصل اكثر من معلم عربي واحد"[24][24].

وقد وصل هذا القمع في ابشع صورة و أكثرها اتساعا و قسوة، في حزيران من 1967، فقد تلقى مئات من المثقفين العرب اوامر تحديد الاقامة[25][25]بناء على المادة (109) من قانون الطوارىء الاسرائيلي و المعمول به بالنسبة للعرب منذ 1948 الى الان.

ولأن المادة (109) المذكورة تشكل قضية يومية في حياة العرب في الأرض المحتلة، فانه من الجدير تسجيل نصها زيادة في ايضاح الصورة:

 

"المادة (109):

1-يحق للآمر العسكري ان يصدر بالنسبة لاي شخص امرا بخصوص جميع او بعض الغايات التالية:

أ- لكي يؤمن، ما عدا في الحالات المبينة بالأمر او من قبل سلطة او شخص حسب ما هو مبين بالامر، ان ذلك الشخص لن يسمح له ان يكون بأية منطقة في اسرائيل، كما هومبين.

ب- ان يفرض عليه الابلاغ عن تحركاته بالطريقة و في الأوقات و للسلطة او للشخص كما هو مبين في الأمر.

ج- ان يمنع او يحدد ترخيص او استعمال اية أداة من قبل أي شخص كما هو مبين.

د- ان يفرض عليه اية تحديدات كما هو مبين في الأمر بالنسبة لشغله او عمله او بالنسبة لارتباطه او اتصاله مع اشخاص آخرين و بالنسبة لافعاله بما يخص نشر الأخبار او الدعوة لآرائه".

 

مما لاشك فيه ان قانونا مثل هذا لا يمكن ان يمارس في اغنى دول العالم عنصرية وفاشستية، و مع ذلك فان قراءة اخرى له تظل ضرورية، فهدفه ليس الحفاظ على امن مزعوم بقدر ما هو محاولة لالغاء الانسان.

 

ان هذه المادة جزء اساسي في حياة عرب الأراضي المحتلة، و خصوصا بالنسبة للمثقفين، و يندر ان تسمع عن أديب أو شاعر او كاتب عربي في اسرائيل لم يتلق مثل هذا الأمر بين الفينة و الاخرى.

وفي الوقت الذي كان عشرات من المثقفين العرب في اسرائيل يتلقون هذه الأوامر في حزيران الماضي (بالاضافة الى مئات من العرب الوطنيين البارزين) كانت دوريات من الشرطة الاسرائيلية تجمع عشرات من الأدباء و الشعراء العرب في فلسطين المحتلة، و تودعهم السجون.

 

ومن بين أولئك الذين سيقوا الى السجن في ملع حزيران 1967 السادة: منصور كردوش، و صالح برانسي[26][26]. و فخري جدي، و الشاعر حبيب قهوجي[27][27]. و الشاعر سميح القاسم، و الشاعر محمود درويش، و الشاعر سالم جبران، و الشاعر توفيق زياد، و المحامي و الكاتب صبري جريس (مؤلف: :العرب في اسرائيل") وعبد الحفيظ درواشة، و الأديب فرح نور سلمان، و علي رافع، و محمد خاص، و علي عاشور، و الطالب الجامعي خليل طعمة[28][28]. و محمد ريان، و زاهي كركبي، و منعم جرجورة، و نصري المر، و جورج غريب، و فؤاد خوري... وغيرهم[29][29].

 

وحين اطلق سراح بعض هؤلاء فيما بعد "ثبتهم" الحاكم العسكري بأوامر تحديد الاقامة، و الاقامة الجبرية!‍

 

لقد جدد أمر الاقامة الجبرية على صالح برانسي "و بمقتضاه يمنع من مغادرة بيته في الطيبة بعد غروب الشمس بساعة و حتى شروقها بساعة، كما ان عليه. بمقتضى هذا الامر، ان يثبت وجوده مرة في اليوم في مركز الشرطة في بلدته... هذا و قد تلقى البرانسي هذا الأمر قبل سنتين، و هو ما بزال يجدد كل ثلاثة أشهر"[30][30].

 

وكذلك جددت الاقامة الجبرية على عدد كبير من المثقفين و الأدباء العرب في فلسطين المحتلة، و من بينهم الشاعر محمود دسوقي، و صليبا خميس، و الشاعر سالم جبران، و عثمان ابو راس، وزاهي كركبي، و عبد العزيز ابو اصبع، و هشام حافظ اجاره..."و مئات غيرهم"[31][31].

 

ولم تكن الاعتقالات هذه جديدة، كما يظهر بالنسبة للبرانسي، فنحن نعرف مثلا ان منصور كردوش و حبيب قهوجي منفيان منذ ثلاث سنوات على الأقل و مفروض عليهما الاقامة الجبرية في القرى المبعدين اليها.

 

ورافقت هذه الاعتقالات و الاحتجازات عمليات عنف و ضرب وتعذيب كانت جزءا مكملا من المخطط "فبعد نشوب الحرب بيومين (7حزيران) أخذت سيارة الشرطة في قرية الطيبة تجوب الشوارع و تنقل بعض الشباب الى المركز لتدخلهم الى غرفة علقت علىبابها لافتة كتب عليها "غرفة التأديب"، و في هذه الغرفة كانوا يهانون و يضربون ضربا مبرحا دون الادلاء بالأسباب... لقد ثبت بصورة قاطعة ان الذين كانوا يقومون بالتعذيب كانوا خليطا من الرجال الشرطة و بعض المدنيين الذين ينتمون الى سلك آخر"[32][32]-(يقصد المباحث العسكرية).

 

يصف الشاب خليل طعمة ما حدث له في المعتقل في مطلع حزيران 1967، و هو صورة لما حصل للأدباء و المثقفين العرب الذين اعتقلوا في الفترة ذاتها، في تقرير مفصل:

 

"أمرت أن أغادر القدس في حين كنت أستعد للامتحانات آخر السنة، الى منطقة قريتي الرامة و في 5-6، أثناء استماعي لأخبار الساعة العاشرة، دخل الشاويش رقم 13225 و المعروف عندنا ب "أبو سرور" و في يده مدفع رشاش عوزي، و أمرني أن أذهب معه الى مركز الشرطة في كرمئيل، و حجزوني حسب المادة(111).

 

أخذوا مني دفتر العناوين، و فجأة سمعت صوتا يقول: هذه عناوين ناصر. هه، سوف نرسلك اليه الآن، لقد حلت نهايتكم و سوف تحصدكم كما تحصد طائراتنا من القنطرة حتى السويس.

 

واستمر أبو سرور طيلة يومين في اهاني، و كان يكرر دائما: أريد أن أشرب كأسا من دمك. و يقول: البروفيسوريم البهائم الذين يعلمونكم كيف تكرهون الدولة... مارتن بوبر القذر هذا!

ثم أخذوني الى مركز عكا، و عندما دخلنا وجه ابو سرور حديثة الى بعض افراد الشرطة الجالسين و قال:

 

انظروا هذا المثقف الذي يدرس الطب كي يسمم الماء في اسرائيل! و انهى كلامه بلكمة قوية على وجهي مما دفع الآخرين، و عددهم حوالي عشرة، ان يهجموا علي و ينهالوا ضربا و لكما حتى سال دمي و وقعت مغشيا علي، و مع ذلك فقد صحوت على أبو سرور و هو ينهال ضربا بحذائه على جميع أعضاء جسمي، و ماتزال علامات الضرب الى الآن (آب 1967) واضحة على جسمي"[33][33]. و رافق هذا "التعذيب الرسمي" سلسلة من "الاعتداءات الشعبية"، فقد كاد يهود تثانيا يقضون على قاسم عبد القادر،وهو مدير مدرسة أبو ربيعة في صحراء النقب حين ظفروا به في الشارع [34][34]. وقد ظلت هذه المدينة مغلقة في وجوه العرب (وخصوصا سكان قريتي الطيبة وقلنسوة الذين يعملون فيها) عدة شهور بعد ذلك الحادث.

وربما كانت قصة الشاعر حبيب قهوجي نموذجا لما يحدث للمثقف العربي في فلسطين المحتلة،فقد اعتقل في الخامس من حزيران، ووجهت له تهمة "التجسس"، وبعد شهور قليلة اعتقلت زوجته ووجهت لها نفس التهمة، ومع ذلك "فقد اقترحت السلطات الاسرائيلية على الزوجين الاعتراف مقابل السماح لهما بمغادرة البلاد، الا انهما رفضا الاقتراح بشدة"[35][35].

 

وفي موعد محاكمتهما فوجىء محاميهما بأنهما لم يحضروا، "وعندما اتصل بالشرطة أبلغ أن الزوجين قهوجي قد اعتقلا لمدة ثلاثة أشهر أخرى بموجب أوامر ادارية"[36][36]. وقد اشتكى الزوجان أمام اللجنة الاستشارية الخاصة بالاعتقالات الادارية "من المعاملة البربرية التي يلاقونها"[37][37]، ومع ذلك فانه لم يسمح لهما بمقابلة محاميها قبل انعقاد اللجنة[38][38] التي لم يغير انعقادها شيئا.

بالنسبة للأديب العربي في الأرض المحتلة فانه يواجد المسألة بصورة مزدوجة، يقول سميح القاسم معلقا على مؤتمر الأدباء العبريين الذي انعقد في القدس المحتلة في 17 نيسان 1968:

 

"قال شيخ الأدباء العبريين يهودا بورلا في كلمة افتتاح المؤتمر:

"ان أدباء اسرائيل يعملون على تعميق الوعي القومي والقيم الانسانية لدي الشبيبة ولدي الشعب"، ولم تطل فرحتنا بهذا الاعلان، فقد اتبعه فورا بالدعوة الى "الاعتراف بعظمة هذه الايام التي أعقبت حرب الأيام الستة"!".

 

هذا الجانب من التحدي يقابله جانب آخر يجعل المشكلة مزدوجة، يتابع سميح القاسم تعليقه:

 

"...وينعقد مؤتمر للأداب العبريين فلا نسمع كلمة احتجاج واحدة على الاضطهاد الفظ الذي تعرض له، وما زال، الأدباء العرب في اسرائيل نفسها. كثير من الكلام قيل حول محاكمة "الأدباء" في "روسيا" ولكن اعتقالنا نحن، وسوقنا في الشارع مكبلين بالقيود، والاعتداء على حرياتنا اليومية والفكرية، كتحديد اقاماتها واعتقالنا في منازلنا وفرض الرقابة على انتاجنا وطردنا من أعمالنا ومحاولة عزلنا عن الجماهير بموجب القوانين الموروثة عن الاستعمار البريطاني...كل هذه الأمور لم تحظ بكلمة واحدة من مؤتمر الأدباء العبريين ذي القدسين![39][39]".

 

 

هذا الوضع الذي يواجهه الأديب والمثقف العربي في فلسطين المحتلة، والذي تابع باصرار لا مثيل له تحديه طوال عشرين سنة من الاغتصاب، هل استطاع ان يزعزع ثقة العربي بجذور ثقافته وآفاقها، او أن يحول دون شروق الأدب المقاوم الذي يتهوج الآن كشمس متفائلة في الحياة الثقافية العربية عموما؟

 

لقد كان عرب فلسطين المحتلة يدركون مند البدء خطورة المعركة التي يخوضونها تحت سياط الحكم العسكري الاسرائيلي، و منذ البدء عبروا عن وعيهم بالمخطط الموضوع ضدهم باختصار و لكن بعمق، في جملة موجزة تلخص كل شيء: "كل الناس في العالم يقفون على أقدامهم، الا الحاكم العسكري فانه يقف على أذنابه![40][40].

 

ولم يكن هذا التعبير ليغطي التحدي السياسي الذي كان يواجهه عرب فلسطين المحتلة، بل كان يغطي ايضا التحدي الثقافي المبيت ضدهم، و أدى وعيهم هذا لحقيقة "التسلل من الداخل" لتسهيل عملية "الضرب من الخارج" الى بلورة أدب المقاومة الذي كان بدوره ايضا "صمودا من الداخل" لتسهيل عملية "الضرب الى الخارج".

 

لقد أدرك أدباء المقاومة العرب في فلسطين هذه الحقيقة بارتباطاتها السياسية و الثقافية المختلفة "فاذا لم نصوت للحزب الحاكم فنحن غير مخلصين للدولة، و اذا كتبنا قصيدة او قصة و مقالا تعبر عن واقعنا المر فنحن غير مخلصين للدولة"[41][41].

 

و قد ادى ذلك الى تطور في أسلوب التعبير تكيف في الأساس مع متطلبات "جبهة القتال" الثقافية. فقد لجاء الشاعر، مثلا، "لانشاد مقاصده ، شعرا بواسطة الطريقة الرمزية... فالقصيدة الشعرية هي ميدان فسيح للكتابة الرمزية، يعبر فيها الشاعر عما يخالجه من شعور قومي دون ان يفصح عن ذلك، و كم من مرة خاطب الشعراء أحباءهم قاصدين الوطن، فاذا ما كتب الشاعر في قصيدته "الويل يا ظالم.." لا يمكن للسلطات ان تعرف قصده لتتخذ ضده الاجراءات القانونية أما القاريء اللبق فيفهم مرمى الشاعر و يحس بنفس احساساته"[42][42].

 

ولكن هذا الاندفاع في فتح الطريق امام الادب المقاوم لم يحدث بالمصادفة. ليست أهميته في الواقع اكثر من كونه حقق لشعر المقاومة درجة من التقدم الفني اكثر بكثير مما اتيح لفن القصة أو الرواية، و لكن الحقيقة هي انه كان في ذاته نتاجا لوعي عميق بمهمة الأديب و المثقف أمام التحديات الماثلة.

 

لقد أدت تلك التحديات الاسرائيلية اليومية الى اختصار فترة من طفولة العمل الفني في الأرض المحتلة صرفتها حركة الأدب المعاصرة في مناقشة طويلة حول مدى التزام الفن، و عما اذا كان الفن الملتزم نفا خلاقا، فقد كان ثقل المؤامرة الاسرائيلية على الثقافة العربية في فلسطين المحتلة يشكل من تلقائه حلا سريعا لذلك الجدل، و بكلمة أخرى: لم تكن قضية الأدب الملتزم بين الغالبية الساحقة من أدباء فلسطين المحتلة موضع جدل، كان الجدل فيها -أمام التحديات اليومية الخطيرة- يشكل رفاها لم يقبله احد.

 

يقول منصور كردوش، أحد ابرز العناصر الوطنية في الأرض المحتلة:

" الفن و الثقافة سلاحان اذا ما سارا على النهج الخادف رفعا من مفاهيم امة بكاملها، أما الفن و الثقافة المجردان فباعتقادي و البذح و الرفاهية السطحية، و لذلك ارى ان الواجب القومي و الاجتمااعي و التاريخي لكل من حمل القلم او الفرشاة، ان يعمل في الاتجاه الهادف كي يكون صاحب رسالة سامية"[43][43].

 

والمثقفون العرب في فلسطين المحتلة، لأنهم يدركون ان "هناك عوامل تحد من توصيل الثقافة المحلية و الخارجية الى عامة الشعب، منها امكانية النشر و محاربة النتاج الثقافي الهادف"[44][44]. فهم يدركون بالتالي ان " المجتمع العربي في السرائيل يقلد المجتمع العربي الكبير في تصرفاته و يستوعب نداءاته أكثر بكثير من تقليد المجتمع اليهودي المجاور"[45][45]و قد أدى ذلك -بالطبيعة- الى الاعتماد بعض الشيء على الاذاعات العربة، فهي "تبدد هذه الوحشة على العربي [في اسرائيل] و تخفف من و طاة العزة المفروضة عليه"[46][46]. و هي "حلقة بيننا و ين ما حجب عنا من انتاج أدبي و ثقافي في العالم العربي"[47][47]. و لذلك فقد أدى "الراديو و التلفزيون العربي، لنا، خدمات جليلة"[48][48]، الى حد يبدو انه عكس نفسه بقوة على كثير من الانتاج الفني في الارض المحتلة[49][49].

 

ويبدو انه، في الوقت نفسه، أثار حفيظة الاسرائيليين الى حد بعيد، فالاسرائيلي سامي ياكوف يقول: "لا اغالي ان قلت ان مصائر قسم لا بأس به من العرب قررت على ضوءتأثير تلك الأجهزة في مشاعرهم وإدراكاتهم، و هذا يقضي بوضع مخطط شامل لتوجيه أبناء الجيل الطالع التوجيه الصحيح ليصبح محصنا ضد تأثير تيارات ليست في مصلحة ابدا"[50][50].

 

ان استخدام هذه المظاهر، التي و ان بدت لأول وهلة انها صغيرة و عابرة، في نطاق الوعي المسبق لواجبات المثقف العربي في الأرض المحتلة، قد أفرز حركة أدبية ملتزمة، انتهت الى ان تكون علامة من أنصع علامات أدب المقاومة الشجاع في التاريخ المعاصر.

 

وسوف نرى، بعد قليل، كيف ان ذلك كله قد استولد وجهين مترافقين لأدب المقاومة الفلسطيني ظلا معا السمة البارزة و الدائمة لهذا الادب، و هما وجهه المحلي الصامد، و وجهه العربي الذي غنى على الدوام للمسيرة العربية معتبرا نفسه، رغم كل أشكال القمع و الحصار و العزلة، جزءا منها لا يتجزأ.

***

لدينا، على أي حال مثال شديد الأهمية و جدير بالتسجيل لأنه، كما سنرى يعكس الشيء الكثير مما نقصده.

 

لقد اقامت مجلة "هذا العالم" ندوة في مطلع 1967 تحت عنوان "مصائب المجتمع العربي" في اسرائيل، و قد طرحت احدى حلقات هذه الندو موضوع "تأخر المجتمع العربي في اسرائيل" و طلبت من المثقفين العرب هناك الادلاء بآرائهم عن أسباب تلك الظاهرة.

 

يعترف رئيس تحرير المجلة بعد تلقيه سلسلة من الردود: "لم نسمع المديح قط بل النقد و الهجوم، و الخط الأساسي في كل هذه الهجومات كان: "شو دخلكم بهل الموضوع"، و منهم من اتهمنا بان هدف هذه الندوات... هو اهانة للمجتمع العربي في اسرائيل...و أشغال العرب بمعارك جانبية"[51][51].

 

لقد انتهز معظم المثقفين العرب فرصة هذه الندوة ليعبروا عن وعيهم العميق بحقيقة الإشكال الذي يعاونوه و الذي يتمردون عليه، لقد رفضت الغالبية الساحقة من المثقفين العرب المشاركين في الندوة طرح موضوع "التخلف العربي"من الزواية التي يصر الاسرائيليون على طرحه منها، فالتقدم "لا يقاس بمقاييس الغرام و الجنس، كجلوس شاب و شابة معا قي قاعة السينما"[52][52]، و قد وضع معظم المثقفين العرب في فلسطين المحتلة مسالة التقدم و التخلف في سياقها النضالي العميق، مفوتين الفرصة على الرأي الاسرائيلي الذي يعتقد ان التقدم يبرر استعباد المتخلفين.

 

ولم تكن هذه الآراء، في الحقيقة، الا التربة التي أخصبت بذور الأدب المقاوم في فلسطين المحتلة و احتضنتها بحرارة و اكسبتها المناعة التي أنتجت في المستقبل ثقة بالنفس و بالمستقبل لا حدود لها، فهي تبرهن ان الالتزام الواعي كسر القشرة البراقة للخديعة الاسرائيلية الفظة، و فوت على مزاعم التقدم الاسرائيلي فرصة استقطاب الحركة الثقافية العربية و امتصاصها.

 

وهذه في الواقع مسالة شديدة الأهمية و الخطورة، فنحن نعرف مثلا انه في الكثير من الدول النامية فتح المثقفون عيونهم ليجدوا انفسهم محاطين ببريق ثقافة اجنبية ارادت بوسائل مختلفة التوصل عبر العمل الفكري و الفني الى فرض نمط حياة مستوردة، و مما لا شك فيه ان الكثير من المثقفين هؤلاء، بين تنازع الجذور المحلية و بريق الثقافة الغربية، انخلعوا عن جذورهم و ولاءاتهم و انتسبوا الى نمط حياة أخرى.

 

لقد واجه المثقف العربي في فلسطين المحتلة هذا التحدي بصورة اكثر اتساعا و قسوة، اذ انه كان و مايزال يمثل حضورا يوميا مسلحا بوسائل القمع و الاغراء في وقت واحد، لقد واجه الأديب العربي في السرائيل، وهو غالبا رجل شاب قادم من الريف، سطوة التقدم الغربي وجها لوجه، وبريق النمط الأوروبي من الفكر والحياة، ليس على صفحات مجلة أو شاشة سينما او سطور كتاب فحسب، ولكن في تفاصيل الحياة اليومية التي كان يخوض غمارها ساعة فساعة.

 

ومن هنا كان هذا التحدي يشكل درجة أكثر خطورة وسطورة بالنسبة للمثقف العربي في اسرائيل من أي مثقف آخر في العالم النامي تقريبا، لقد كان "التقدم" الاسرائيلي يشكل بالنسبة له فخا له حضوره اليومي، المعنوي والمادي، والذي كان يفتح اشداقه حول خطواته باستمرار.

 

ولذلك فان طرح موضوع "التقدم الاسرائيلي" أمام "التخلف العربي" كان دائما مسئلة لها خطورتها ومحاذيرها، فقد كان هذا الموضوع يشكل بالبداهة السلاح الاسرائيلي الأقوى -فوق وسائل القمع والارهاب- لمحاولة استيعاب المثقف العربي واستدراجه الى نمط الحياة الاسرائيلية بملء ارادته.

 

ولكن المثير للدهشة حقا ان الغالبية الساحقة من المثقفين العرب في فلسطين المحتلة، الذين سألوا رأيهم بهذا الشأن، أبدوا وعيا على درجة عالية من المسؤولية التي يفرضها التزامهم العميق بقضيتهم الأولى، وقد جاءت الأحداث فيما بعد لتأكد لعرب الأرض المحتلة صواب موقفهم حتى من الناحية الشكلية، فبعد عدوان حزيران 1967 "تحطمت الفكرة الفاشية التي تحاول دائما وصم العرب ولتهامهم بالتأخر، تحطمت الفكرة الصهيونية التي تقول بأن العرب في اسرائيل يعيشون على مستوى لم يحصل عليه أي شعب في أية دولة عربية، وجعلت منهم فترينة للاستهلاك الخارجي...كل ذلك تحطم بسرعة البرق بعد ان أطلعنا على مستوى المعيشة في الضفة الغربية وفي قطاع غزة"[53][53].

 

ومما لا شك فيه ان بناة الستراتيجية الصهيونية فوجئوا بلا ريب بنوع الأجوبة التي أدلى بها المثقفون العرب في اسرائيل على استفناء "هذا العالم" حول ظاهرة "تخلف المجتمع العربي في فلسطين بالنسبة للمجتمع اليهودي، و تقدمه بالنسبة للمجتمعات في الدول العربية".

 

لتنبه جيدا الى الفخ المروع الكامن في هذه المعادلة غير المنطقية، ليس من حيث انها مطروحة على شكل سؤال للمثقفين العرب انفسهم، و لكن لانها -قبل ذلك- احد اهم الأركان التي يقوم عليها الغزو الاسرائيلي للثقافة العربية في فلسطين المحتلة، و مجرد وجود هذه المعادلة، مهما كانت نسبة التزوير فيها، وممارستها عمليا على مدار عشرين سنة من الاحتلال، يظهران بالبداهة ضراوة المعركة التي يخوضها المثقف العربي في فلسطين المحتلة، وويظهران، بالتالي، القيمة الحقيقية و الحجم الحقيقي لادب المقاومة الذي يكتسب، بالقياس لكل هذه الحقائق، قامة مضافة.

 

من المفيد في هذا المجال اختيار نموذج للأجوبة يعبر فعلا عن موقف المثقف العربي ازاء هذه القضية الشائكة، و سنسجل ها هنا الجزء الأوفر من جواب المؤرخ العربي بولص فرح من حيفا، الذي سنلاحظ انه انتهز بذكاء فرصة هذا الاستفتاء ليشن حملة على جوانب مختلغة من سياسة القمع الاسرائيلية، و ليقول رأيه، بشجاعة، بكثير من القضايا التي لا يمكن ان يقال رأي عربي فيها في المناسبات الأخرى. و بالتالي يكتسب هذا الرأي قيمة الوثيقة التاريخية التي تشكل علامة اساسة من علامات النضال الثقافي العربي في فلسطين المحتلة.

 

يقول بولصح فرح [54][54]:

"من أين لنا أن نقدم على معالجة هذا الموضوع ونحن في عزلة تامة، نعيش بلا صحيفة او كتاب او تقرير او مكتبة تكون موردا للدرس والتمحيص والتدقيق والبحث والقارنة حتى تكتسب اقوالنا وكتاباتنا طابع العلم ودراساتنا صفة الدقة، والاجابة العلمية، هذا اذا سلمنا ان الموضوع علمي أكثر منه شقشقة لسان، أو ترفيهات فكرية مريحة؟

 

فضلا عن ذلك فانه من حق القارىء ان يفهم في اطار التعريف المحدد معنى التقدم والتأخر الاجتماعيين، ما هي مقاييس التقدم الاجتماعي اوالتأخر الاجتماعي؟ أهي مفاهيم أخلاقية او آداب سلوك اوكيفية ثقافية أو فلسفة حياتيه؟ أهي السعي لسعادة الانسان، كل انسان؟ وكيف تتم هذه السعادة؟ أفي الملكية العامة لوسائل الانتاج او في الملكية الخاصة؟ أم هي نظرة داعية لمصير الانسان؟ للسلم او الحرب؟ للعنصرية والتمييز او للتاخي والمساواة؟ بسلب شعب آخر حقوقة او تمكينه من هذه الحقوق؟

 

...ويلاحظ من خلال نقاش افراد الندوة ان التقدم الاجتماعي، او الايجابية الاجتماعية، هو بخروج ابن القرية الى المدينة وتبنى ظواهرها، وتبديل القمباز والجلباب بالبدلة ولعب ابن القرية الورق في المقهى البدلي، وخروج ابن الناصرة مع صديقته لزيارة السينما، واذا منع عن ذلك "فهنا تكمن الرجعية"، على حد قول السيد شالوم كوهين!

...أما الأخ الشاب محمد مصاورة فيقرر بشطحة قلم: "ان المجتمع العربي [في اسرائيل] متأخر في تفكيره ومفاهيمه الاجتماعية والنفسية، والمشكلة في أساسها مشكلة ثقافة". ومن هذا نفهم ان الثقافة قد تؤخر او تقدم المجتمع المعين، فاذا كان المجتمع على مستوى عال من الثقافة كان مستوى تقدمه الاجتماعي عاليا، اما اذا كانت ثقافة شهب متدينة، تدنت اوضاعه الاجتماعية.

ونتساءل الآن: اذا كانت الثقافة هي المعيار الذي نتعرف بواسطة على تأخر او تقدم المجتمع المعين، فهل كان ينقص الشعب الالماني الثقافة عندما نام ضميره على تدمير حياة الملايين في أفران الحرق النازية؟ ولم لم تقم البدلة الافرنجية، وهي مظهر من يظاهر التقدم الاجتماعي حسب رأي السيد كوهين، على ردع الفرنسيين عندما اشعلوها حربا افنائية ضد الشعب الجزائري؟ ولم لا يقدم الأميركيون المتقدمون تقدما اجتماعيا كبيرا على وقف افناء الشعب الفيتنامي؟

أم هذه سياسة، وتلك اجتماع؟

من قال انه يمكن للمرء ان يفرق بين الفهم السياسي و النظام الاجتماعي؟ أوليست الأولى مظهرا من مظاهر الحياة الاجتماعية؟

 

...السياسة [في اسرائيل] تعمل على تأخير تطوير العرب الاجتماعي على مختلف انواعه، لذلك يناهضها العرب، فهم لا يضحون "بالتطور الاجتماعي على مذبح الهدف السياسي القومي"، على حد قول السيدكوهين، بل هم ضحية مخططات اجتماعية،... وهنا تغدو السياسة اجتماعا واقتصادا، والعكس بالعكس.

ماذا نفهم من كلمة مجتمع متقدم؟ (ألا يعني ذلك) علاقات اجتماعية متقدمة تنفرد بخصائص هادفة الى الخير والعدل والحق؟ فأين التقدم الاجتماعي اليهودي الذي يتكلم عنه السيد جلعادي، الذي يتحلى بهذه الخصاص؟

 

هل الانجرار وراء عجلة الاستعمار يعتبر تقدما اجتماعيا؟ هل تزييف ارادة الأقلية القومية في الانتخابات العامة مظهرا من مظاهر التقدم الاجتماعي؟ أم نزع ملكية اراضي الفلاحين العرب و وهبها الى المهاجرين اليهود، و تمجيد نشاط زبدة المثقفين العرب واصطناع العلماء يدخل ضمن خصائص التقدم الاجتماعي؟

 

فنقطة الانطلاق لأي مجتمع ليست بارتداء البدلة الافرنجية، فقد ارتدى الأتراك البدلة الافرنجية، وتبرنطوا، ولم يغيرهم المظهر وبقوا في عداد الأمم المختلفة، وليس (التقدم الاجتماعي) بالسماح بمرافقة الصبيان للبنات الى دور السينما والتواصل الجنسي المبكر...

...وبعد، فاني اتهم واضع جدول البحث للندوة بأنه اراد ان يتهرب من الواقع العربي في اسرائيل واشغالنا بمعارك جانبية وبحوث بيزنطية مجردة: عن مكانة المرأة والمهور وايجابية اللباس الافرنجي ومرافقة الصبيان للبنات، ونسي ان يذكر، ان في البلاد لا يوجد ناد ثقافي عربي واحد يعمل، وان في البلاد لا يوجد منظمة عربية واحدة تدافع عن مصالح العرب ، و ان في البلاد خوفا شديدا من رجال المباحث الذين لا ضمائر لهم، وان في البلاد خوفا و قلقا على المستقبل، و ان البلاد بطالة متفشية بين العمال العرب لم يسبق لها نظير..."[55][55].

***

وسط هذه التحديات التي حاولنا ان نوجزها هنا [56][56]، كيف قطع الأدب الفلسطيني المقاوم رحلته الصعبة في العشرين السنة الماضية ليصل الى الدرجة العالية التي وصلها الآن؟ ماذا قال؟ وكيف قال هذا الذي آمن به؟ وما هو المستوى الذي حققه في الشكل والمضمون؟

 

ان الصفحات التالية هي محاولة لرصد هذا الأدب المقاوم في طوره الدؤوب والوسائل التي توصل اليه في التعبير، من خلال الاطار الذي سجلته الصفحات السابقة عن المناخ القمعي الفريد الذي يعيشه المثقف العربي في الأرض المحتلة، دون فترة انفراج واحدة، منذ عشرين سنة

 

 

 

الفصل الثاني أدب المقاومة الفلسطيني

ابعاد ومواقف

 

 

 

سامي يقف وحده على خشبةالمسرح في مسرحية ذات بطل واحد، كتبها في الارض المحتلة شاب اسمه توفيق فياض، انه يتحدث عن كابوس يلم به، و فجأة يتوقف، ينظر ناحية الجمهور و يتفحص الجالسين بارتياب، و يقول مشيرا الى الجمهور باستغراب:

 

"ماذا؟ انتم؟ الا تزالون هنا بحق الشيطان؟ اوه! يا للغباء! ظننتم انني سأترك هذا البيت لكم؟ ياللوقاحة! منتهى الوقاحة! كدت أنسى أنكم هنا، كدت انسى تماما. ما كان علي ان أفعل. يتحتم علي الا أغفل عن ذلك مطلقا، انكم تحتلون بيتي، تسرقون حريتي، و دون مبرر، دون أن يردعكم قانون عن ذلك، لا. لا. لن أنسى مطلقا. أعدكم بذلك، انه لسوء حظكم، و لكنني سأبر بوعدي".

 

ان هذا الخروج المفاجىء من المسرحية العادي، المليء بثقل كابوس مشوش ومختلط، يشبه الصدمة الكهربائية، ان نوع من الاكتشاف يشبه أن تشعل ضوءا في غرفة مظلمة، فاذا الامور التي كانت تبدو مشوشة و مختلطة، تسقط الى وضوح مباشر و صاعق.

 

مسرحية "بيت الجنون" لتوفيق فياض علامة بارزة في أدب المقاومة في فلسطين المحتلة، فهي، شكلا و مضمونا، أكثر من صرخة شجاعة، انها تفسير وموقف و نبوءة، فالبطل سامي وحده هو بطل المسرحية، و كلمة "وحده" ليست رفاها تكنيكيا في المسرحية و لكنها اعلان عن الموقف بالشكل، والجمهور الذي يواجهه البطل طرف في صلب المسرحية و حين يقف على مقدمة المسرح يواجه فجأة ظاهرة غريبة فيقول بازتياب:

"لماذا تنظرون الي هكذا؟ لماذا تتخذون جميعكم نفس الهيئة حين أنظر اليكم؟ او احدثكم؟".

 

ان سامي، مدرس التاريخ و الادب، المطرود من عمله، يعيش في غرفته الصغيرة كابوسا مروعا. بينه و بين نفسه، ثمة اختلاط بالامور يأخذ طابع الجنون، و لكنه حين يواجه "المتفرجين" تتضح الامور أمامه كأنما بفعل السحر، ويأخذ حواره مع نفسه طابع الوضوح و المباشرة. و المباشرة هنا ليست ضعفا في الاداء الفني و لكنها ضرورة لها الخاص. و غي النهاية، حين يشعر انه محاصر بالذين جاءوا ليقبضوا عليه بلا سبب، وبالريح الغربية، و بالكابوس، يعلن موقفه كما يلي:

هناك..انت.. هل تسمع؟ انني لا أخافكم، لا أرهبكم، سأتحداكم جميعا، سأنتصر عليكم جميعا.. جميعا، وحدي".

ويخرج سامي من الباب، فيما نسمع صوته يدوي: "وحدي!".

ليس سامي الا كلمة المقاومة، وليست مسرحية "بيت الجنون" الا قصتها، فهو رجل معزول، محارب، ملاحق من الخارج و من الداخل، والى حد بعيد مخدوع وممزق ومشوش و شبه يائس، ولكنه في نهاية المطاف يقاتل وحده، ولا يخاف. ويعد ألا ينسى، وحين يطوف رغما عنه فوق مد الانسان والظروف وجزرهما. يعود فجأة الى الرؤيا الواضحة و المباشرة، ويدق نفسه الى أرضه الحقيقية:

"انكم على حق، طبيعي ان يضيق المجرم بآثار جريمته، وطبيعي أن يدفعه ذلك الى ارتكاب جريمة غيرها. حتى يتمكن أخيرا من القضاء على كل ما يذكره بجريمته الاولى".

 

انه يدرك ذلك، ويمضي مرة أخرى فيقول:

"ما كان علي ازعاجكم بمشكلة تخصني وحدي، لاأدري، ربما كانت تخصكم أيضا، بل لابد و ان تخصكم، انني لم أدعكم الى بيتي".

 

ويشير الى إحدى الحاضرات بين الجمهور:

"هل تخصك هذه المشكلة؟ أعني، أعني ان تكون مجرمة، و ان تقضي على كل أثر لجريمتك. اوه! لم أقصد، ان يكون جنينك من صنع حداد ثم، مث يميته؟ طبيعي الا توافقين!"[57][57].

 

ولكن هذا الانسان الوحيد الذي يواجه منفردا تحديات داخلية و خارجية، ويعقد العزم على المضي بمعركته الى نهايتها، لا يخضع على الاطلاق الى رؤيا مجتزأة أو مصغرة، فسامي نفسه، بطل "بيت الجنون"، يتوصل في نهاية المطاف الى موقف مدرك لجميع أبعاد مسألته، وهو، وان كان يعد المشاهدين بألا ينسى على الاطلاق انهم اقتحموا بيته، ويعتبر أن هذا الاقتحام يلقي على أكتافه مهمة عاجلة، الا انه لا يخدع نفسه باجتزاء مشكلته على هذه الصورة، وهو يرى -بالرغم من تشوشه وثقل الكابوس المباشر الذي يجثم فوق رأسه- الابعاد الاخرى لقضية الاقتحام هذه، ويشير اليها ببراعة متلمسا حدودها المحلية والعربية والعالمية والاجتماعية، أيضا.

 

ان أدب المقاومة في فلسطين المحتلة يتميز بهذه الرؤيا العميقة، فلذلك فهو يقاتل على أكثر من جبهة، وسيكون من المدهش حقا أن يرى الدارس، في انتاج أدباء الأرض المحتلة، ادراكا مبكرا، عبر الشعر والقصة والمسرحية، لكثير من معطيات الموقف الذي اكتشفه الأدباء العرب او على وشك ان يكتشفوه في مختلف البلاد العربية، على العموم، في أعقاب 5 حزيران 1967.

 

سنرى فيما يلي أن أدب المقاومة في فلسطين المحتلة قد ربط ربطا محكما بين المسألة الاجتماعية والمسألة السياسية، واعتبرهما طرفين من صيغة لابد من تلاحمهما، لتقوم بهمة المقاومة. وقد مضى ذلك الادب الى أبعد من هذا، حين أدرك في وقت مبكر أيضا الترابط العضوي بين قضية مقاومة الاحتلال الاسرائيلي وبين قضايا التحرر في البلاد العربية وفي العالم، وعلى هذه الجبهات جميعها، بكل تعقيداتها، خاض أدب المقاومة في فلسطين المحتلة معركة التزاماته.

 

لقد اخترنا مثال "بيت الجنون" كنموذج للبساطة الاصيلة التي تتم فيها عملية الربط المعقدة التي أشرنا اليها، فبطلها الوحيد، الذي تتنازعه تحديات متعددة، يعود بين لحظة وأخرى ليثبت تلك التحديات جميعها حول محور واحد، هو المواجهة المباشرة مع التحدي الاسرائيلي الأثقل. وبالتالي تغدو كل التحديات المذكورة مربوطة الى ذلك المحور بجاذبية لا فكاك منها، ولكنها جاذبية ليس من شأنها الا توضيح أبعاد النزال.

 

ان هذا الواقع الذي تبلور من تلقائه، خلال تطورات متداخلة، قد أدى بدوره الى ظاهرة هامة ينبغي ملاحظتها، فالغالبية الساحقة من أدباء المقاومة في فلسطين المحتلة يمدون التزامهم الى ما هو أبعد من الحدود الفنية، انهم منتسبون فعلا الى الحركة الوطنية بصورة او بأخرى، ويناضلون من خلال تنظيماتها، ويذوقون، في سبيلها، نتائج سياسة القمع الاسرائيلية، لقد بات معروفا -مثلا- ان الشاعر محمود درويش قد اودع السجن مرارا، وان الشاعر سميح القاسم قد ذاق بدوره مرارة الأحكام العسكرية. وقد مارست الحكومية الاسرائيلية ضغطا متواصلا على شركة أهلية اتطرد من بين موظفيها الشاعر فوزي الاسمر بسبب شعره، ونضاله السياسي معا[58][58]، وتعرض الشاعر توفيق زياد الى الطرد من وظيفة، وكذلك توفيق فياض، وغيرهم.

 

ولكن سياسة القمع هذه لم تؤد الى أية نتيجة سلبية، وفي الواقع فان شاعرا مثل محمود درويش قد جدد رؤياه وطور اداءه بصورة مذهلة خلال وجوده في السجن، وكذلك فعل سميح القاسم. وأدت سياسة القمع الاسرائيلية، التي غالبا ما كانت تغطي نفسها بمحاولات لتفتيت المجتمع العربي في الأرض المحتلة، وتأليبه على بعضه، الى ادراك متزايد للوجه الاجتماعي في حركة المقاومة. وقد انعكس هذا، بصورة خاصة، على القصص القصيرة التي تعاملت أولا مع قضايا التقاليد الكابحة داخل المؤسسة الاجتماعية العربية، ورفضتها، في سبيل تجديد دماء المجتمع العربي ليكون قادرا على مواصلة لمسؤوليات المقاومة، والمضي فيها الى مداها، وانعكست أيضا، وغالبا، في شعر الشعراء الشبان مع مطالع تجاربهم. وأي رصد لهذه التجارب سيؤدي الى ملاحظة موحدة تقريبا، وهي ان الشاب يبدأ تجربته غالبابرفض القيود التي يفرضها المجتمع الريفي على علاقات الرجل بالمرأة، او الأب بالابن، الا أن هذا الرفض ما يلبث، وبصورة متسارعة، أن يأخذ أبعاده وأعماقه، ويتوصل الى الارتباط بآفاق التحدي المختلفة التي تواجه المواطن العربي في الأرض المحتلة، ليخرج من ذلك كله بالصيغة النهائية الراهنة، وهي إعطاء أدب المقاومة بعده التقدمي، الاجتماعي، العربي، والعالمي.

 

وحين يتصفح الناقد شعر محمود درويش وسميح القاسم وغيرهما، في أوائل عهد هؤلاء الشعراء بنظم الشعر، يلحظ ذلك بصورة واحدة، فشعر هؤلاء لا يتصف فقط برفض عصبي لظهارة اجتماعية محدودة، ولكنه يتصف أيضا بضعف مثير للدهشة في بنائه الفني.

 

لسميح القاسم مثلا، في أواسط الخمسينات، قصائد رومانطيكية عن المرأة، ذات أفق محدود و موقف جزئي وضعف فني ملحوظ. بعد سنوات قليلة، يسوي بناءه الفكري والفني بصورة فريدة، نلحظها في قصيدته "أنتيغونا" ابنة أوديب الشهيرة:

خطوة، ثنتان، ثلاث

أقدم أقدم

يا قربان الآلهة العمياء

يا كبش فداء ..

في مذبح شهوات العصر المظلم

خطوة، ثنتان، ثلاث

زندي في زندك

نجتاز الدرب الملتاث !

يا أبتاه !

ما زالت في وجهك عينان

في أرضك ما زالت قدمان

فاضرب عبر الليل

بأشأم كارثة في تاريخ الانسان

عبر الليل، لنخلق فجر حياة

يا أبتاه !

أن تسمل عينك زبانية الأحزان

فأنا ملء يديك

مسرجة تشرب من زيت الايمان

وغدا يا أبتاه أعيد اليك

قسما يا أبتاه أعيد اليك

ما سلبت خطايا القرصان

قسما يا أبتاه !

باسم الله وباسم الانسان ..

خطوة، ثنتان، ثلاث

أقدم ... أقدم

وسيعطينا محمود درويش مثالا أوضح على هذا التطور النوعي، الذي ينمو من تلقائه من خلال الممارسة الفعلية للمقاومة.

ففي أواخر الخمسينات يأخذ غضب محمود درويش، شكلا ومضمونا، الوضع التالي حين يشكو من عسف التقاليد التي تلحق الاذى بالفتاة التي يحبها:

وتنام أجفان الحياة

الا بكاء من كئيب موجع

ينسل من اعماق بيت

من بيوت القرية

هي بنت شيخ القرية

تبكي وتصرخ باكتئاب

والسوط محمر الاهاب

ولكن لنلحظ، بعد سنوات قليلة، تلك القفزة التي لا تصدق يقوم بها الشاعر نفسه، منتقلا من ذلك الضعف الفني الملحوظ والتصدع في المضنون، الى درجة عالية جديدة:

لقد تعود كفي

على جراح الأماني

هزي يدي بعنف

ينساب نهر الاغاني

يا أم مهري وسيفي ..

يداك فوق جبيني

تاجان من كبرياء

اذا انحنيت انحنى

تل وضاعت سماء

ولا أعود جديرا

بقبلة أو دعاء

والباب يوصد دوني !

على يديك تصلي

طفولة المستقبل

وخلف جفنيك طفلي

يقول: يومي أجمل

وأنت شمسي وظلي

أن هذه الظاهرة شائعة بصورة تشبهالقاعدة، وراشد حسين يتطور على طريقته الخاصة ضمن هذه القاعدة، ففي قصيدة له في أواخر الخمسينات يغازل فتاته بالصورة التالية:

ونمر في أطيانكم يوما فيصدفنا أجير

قذر الثياب، فتبصقين على التراب

فأحس في عيني إعصارا

وفي بدني سعير

وأقول: يا بنت الأمير !

أنا كل شعري للاجير

وبعد سنوات قليلة سيقفز راشد حسين بدوره قفزة لافتة للنظر في الشكل والمظمون على السواء ، ففي قصيدته "الجياد" يأخذ غصبه ورفضه الصيغة التالية:

في قرانا بين طيات الدخان

يكبر الطفل لكي تكبر بالطفل التهاني

ليقولوا : أصبح المحروس حلما للحسان

أو عريسا صار، في سن الزواج

ابن فلانا

واذا جيل من العرسان يجتاح بلادي

جيل اطفال كبار، كالجياد ملأت أذهانهم أشباح تفكير رمادي

ويمضي يقول: عن الناس:

همتهم ان تلد الزوحة مولودا ذكر

ليقولوا : "إنها بنت أصيل مفتخر

وضعت طفلا ذكر

وجهه وجه القمر

ليقولوا: زوجها فحل عظيم

رجل.. " 

بعد هذا، ليصير ابنهم راعي ذباب

في الخمسينات سنقرأ شعرا كثيرا، في الأرض المحتلة، يركز تركيزا متواصلا على قطاع ضيق من الإشكال الاجتماعي، و في هذا النطاق ترد اسماء القاسم والدرويش و حسين، و كذلك فهد أبو خضرة (و هو شاعر مروهب و صاعد لم نعد نسمع عن)، و أحمد حسين، و عصام عباس، وابراهيم مؤيد، و غيرهم كثير.

 

ولكن بعد ذلك بعذة سنوات سياخذ ذلك التنبه الجزئي آفاقه الأبعد و أبعاده الأعمق، ففي ذلك الوقت المبكر كانت الكارثة الفلسطينية ما تزال حارة، وكان الغضب المجرد، بصورة فاجعة و مذهلة، يطفو الى السطح، شأنه في ذلك شان ما حدث في أعقاب 5 حزيران 1967 في البلاد العربية حين مضى عدد من الكتاب و الشعراء يصبون غضبهم علىجبهة جزئية، الا ان ذلك الغضب ما لبث أن تبلور في صيغة موقف، و مما لاشك فيه ان محمود درويش و سميح القاسم هما طليعة لافتة للنظر في هذا الشأن.

 

بالنسبة لمحمود درويش فان محور المقاومة، كمعركة مباشرة، هو من الوضوح و الرسوخ بحيث يطوع موقفه الاجتماعي دون مساومة، و على صعيد فني، فان العائلة، عند محمود درويش هي ذاتها الوطن، و كذلك الحب، و المسالة برمتها، في ابعادها المختلفة التي تكون جوهر حقيقتها، تنسكب في شعره بصورة موحدة راسخة البناء، و ربما كان هذا المقطع يلخص الموقف:

خبئي عن أذني هذي الخرافات الرتيبة

أنا أدرى منك بالانسان

بالأرض الخصيبة

لم ابع مهري

ولارايات مأساتي الخصيبة

ولكن محمود درويش يعرف أن هذا الموقف لا يزال جزئيا، ولابد من استكماله، فيتابع بانسياب تلقائي، واضعا للبعد الاجتماعي أساسه الأعمق:

ولاني أحمل الصخر

وداء الحب

والشمس الغريبة

أنا أبكي!

أنا أمضى قبل ميعادي، مبكر

عمرنا أضيق منا

عمرنا أصغر أصغر

أصحيح يثمر الموت حياة؟

هل سأثمر

في يد الجائع خبزا

في فم الاطفال سكر؟

انه يدعو دعوته الواسعة:

فاحموا ستابلكم من الإعصار

بالقدم المسمر

هاتوا السياج من الصدور

من الصدور

فكيف يكسر؟

اقبض على عنق الستابل

مثلما عانقت خنجر!

الأرض والفلاح والاصرار

قل لي: كيف تقهر؟

هذي الاقانيم الثلاثة

كيف تقهر؟

وعلى طريقته الخاصة يقول سميح القاسم الشيء نفسه في قصيدته الطويلة "ارم":

أبدا على هذا الطريق

راياتنا بصر الضرير، وصوتنا أمل الغريق

أبدا جحيم عدونا، أبدا، نعيم للصديق

بضلوع موتانا نثير الخصب في الأرض اليباب

بدمائنا نسقي جنينا في التراب

ونرد حقلا شاخ فيه الجذع، في شرخ الشباب

ونصب في نبض المصانع

للمربي، والحقائب، والثياب

نبض القلوب المؤمنات..

ابدا على هذا الطريق

نذوي فدى أشواق سنبلة على وعد العطاء

و نصيح من فرح غرير الدمع في عرس الفداء:

ابدا على هذا الطريق!

شرف السواقي انها تفنى فدى النهر العميق!

ولسميح القاسم ومحمود درويش قصائد كثيرة هي اعلان صارخ عن انتساباتهم الاجتماعية التقدمية، يتبعون في ذلك استاذهم الرائد حنا أبو حنا.

أما على صعيد القصة القصيرة التي لا تزال من حيث مستوى الأداء الفني و الانتشار و الكم متخلفة عن الحركة الشعرية، فانه يوجد تركيز أكثر على الوضع الاجتماعي.

 

ويبدو ذلك واضحا تماما في قصة قصيرة لعطا الله منصور اسمها "رياض يعود الى بيته"[59][59]، و قصة أخرى لزكي سليم درويش اسمها "نقطة دم"[60][60]، و في عدد كثير المماثلة، أهمها "رنين الاجراس" لعبج الرحمن محمد سعيد[61][61]، التي تحوي موقفا طبقيا و تركز على نقد العلاقات الاجتماعية و عدد كبير من القصص القصيرة التي تتعامل مع مشكلات المؤسسة العائلية العربية الريفية و رفضها، أو على الوضع الاقتصادي المتردي الذي يعيشه العربي في فلسطين المحتلة.

 

الا أنه الملاحظ بوضوح ان هذه القصص، التي تشكو في الغالب من تصدع فني كبير، تشكو أيضا من عجزها عن الوصول الى المستوى الذي وصل اليه الشعر في فلسطين المحتلة، في نطاق الربط بين الجبهات التي تتصدى لها حركة المقاومة في صيغتها الثقافية[62][62].

 

وسبب ذلك لا يعود فقط الى أن الشعر وسيلة فنية أكثر رسوخا و أكثر قدرة على الانتشار و أكثر ملاءمة لهذا الغرض فنيا، و لكن ايضا لأن وسائل النشر، في الظروف التي يعيشها عرب الأرض المحتلة، لا تسمح بتطور سريع في موضوع القصة بالذات.

***

لقد حاولنا الى الآن ان نقدم عرضا موجزا للبعد الاجتماعي في أدب المقاومة، و من الواضح ان هذا الفصل بين الأبعاد المختلفة، التي تكون في مجموعها المترابط أدب المقاومة، في فلسطين المحتلة، لم نلجأ اليه الا بسبب محاولة استكشاف جوهر هذا الأدب و أسس منطلقاته و بنيانه العقائدي، و لكن على صعيد عملي فان هذا الفصل مستحيل، لأن أدب المقاومة، كما ذكرنا سابقا، قد توصل من خلال تطور سريع و تلقائي الى ما يمكن ان نسميه موقفا واحدا و لايمكن بحال من الأحوال ان تؤخذ جزئيات هذا الموقف منفصلة الا لغرض دراسي محض.

 

وفي الأساس فان أدب المقاومة في فلسطين المحتلة قد دوره بنفسه، و بالنسبة لشعراء المقاومة على وجه الخصوص فان الشعر سلاح، ما في ذلك شك، و لم تكن كفاءته و جدارته بالنسبة لهم الا التزامه بدوره المقاوم الواعي.

 

بوسعنا اذن نقول ان الالتزام بالقضية الوطنية، الالتزام الواعي، هو الاطار الذي استطاع أن يقود خطوات ادب المقاومة في فلسطين المحتلة نحو مسؤولياته دون ان يفقد أي بعد من أبعاده، هذه الابعاد التي نعود فنقول انها، على تعددها، تدور في فلك واحد هو فلك المعركة ضد الاحتلال الاسرائيلي.

 

ومن هذا المنطلق بالذات سنلاحظ ان شعر المقاومة، مثلا، على عكس معظم الشعر العربي المعاصر، لا يبدأ بالاستخفاف بقيمة الكلمة في المعركة القاسية، بل يدرك دورها و يقدسه و يعتبره مسؤولية جوهرية لا غنى عنها.

لقد رأينا في هذا النطاق كيف قال محمود درويش في اعقاب هزيمة 5 حزيران:

هزي يدي بعنف

ينساب نهر الاغاني..

يا أم مهري وسيفي

وهذا الادراك العميق للعلاقة التي لا غنى عنها بين الأم و المهر و السيف و الاغاني و الايدي متوفر بصورة تثيرالتقدير في شعر المقاومة العربي في فلسطين المحتلة:

فسميح القاسم يبلغ عدوه:

هذي الحروف المدلهمة

ياسيدي أحزان أمة

وبها أروي غرسة

بلظى جحميك مستمحة

لاصيد من وادي الأسى

والدمع للأطفال بسمة

لأرد للثكلى ابنها

لاعيد للمفجوع أمه

فاشحذ مداك على جراحي

انني قربان كلمة!

ويحدد سميح القاسم نفسه دور شعره ومنطلقاته بصورة اكثر مباشرة:

من رؤى الاحلام في موسم خصب

ومن الخيبة في مأساة جدب

ومن دمى الاطفال ، من ضحكاتهم

ومن دموع طهرتها روح رب

من زنود نسقت فردوسها

دعوة فضلى على أنقاض حرب

من جراحات يضوي حقدها

ما ابتنى شعب على انقاض شعب

من دمي ، من ألمي ، من ثورتي

من رؤاي الخضر من روعة حبي

من حياتي أنت ، من أغوارها

ياأغاني ! فرودي كل درب

ويظل سميح القاسم متمسكا بهذا الموقف الى النهاية، و في ديوانه "دمي على كفي" يصر على ذلك:

قصائدنا، موقعة على الفولاد

والاخشاب والصخر

وامتنا تحث الزحف

ما زالت تحث الزحف للفجر

قبل هؤلاء بزمن طويل أرسل الشاعر حنا أبو حنا، من حبسه في سجن الرملة، عام 1958 بطاقة الى رفاقة:

خسئوا، فما حبسوا نشيدي

بل ألهبوا نار القصيد

نار تأجج، لا تكبل

بالسلاسل والقيود

نار، جحيم للطغاة

وزمرة العسف المريد

شرف لشعري ان يقض

مضاجع الخصم للدود

فاعجب لشعر يستثير الرعب

في مهج الحديد

أقوى من السجن المزنر

بالعساكر والسدود

أقوى وأصلب من حشود علوجهم

أبدا نشيدي

وفي قصيدة أخرى:

شعب أنا، ان يحبسوا فردا فكل الشعب ثائر

واذا يصفد شاعر هتف النشيد بكل شاعر

شعب يمد حشوده جسرا على نهر المجازر

ويعانق الفجر الملوح بالضياء وبالبشائر

ويؤكد محمود درويش هذا التقديس لمسؤولية الكلمة والتزامها بصورة فريدة:

قصائدنا

بلا لون، بلا طعم، بلا صوت

اذا لم تحمل المصباح

من بيت الى بيت

ويمضي خطوة أخرى في القصيدة التالية بالذات:

لو كانت هذي الاشعار

ازميلا في قبضة كادح

قنبلة في كف مكافح

لو كانت هذي الكلمات

محرثا بين يدي فلاح

وقميصا، أو بابا، أو مفتاح !

أحد الشعراء يقول:

لو سرت اشعاري خلاني

وأغاظت أعدائي

فأنا شاعر !

وأنا سأقول !

ويقول في قصيدة أخرى عن لوركا:

هكذا الشاعر، زلزال، وإعصار مياه

ورياح إن زأر

همس الشارع للشارع: قد مرت خطاه

فتطاير يا حجر

وهو يعرف ثمن هذه المسؤولية:

رموا أهلي الى المنفي

وجاءوا يشترون النار من صوتي

لأخرج من ظلام السجن

ما أفعل ؟

- تحد السجن والسجان

فإن حلاوة الايمان

تذيب مرارة الحنظل

ويعرف أكثر من ذلك:

شدوا وثاقي

وامنعوا عني الدفاتر

والسجائر

وضعوا التراب على فمي

فالشعر دم القلب

ملح الخبز

ماء العين

يكتب بالأظافر

والمحاجر

والخناجر

ساقولها:

قي غرفة التوقيف

في الحمام 

في الاسطبل

تحت السوط!

تحت القيد

في عنف السلاسل:

مليون عصفور

على أغصان قلبي

تخلق اللحن المقاتل

ولأنه يعرف قيمة الصوت فانه يتمسك به تمسكه بالسلاح:

لكن صوتي صاح يوما:

لا اهاب!

فلتجلدوه اذا استطعتم

واركضوا خلف الصدى

ما دام يهتف: لا أهاب!

وأدب المقاومة حافل بهذا الاعلان الواضح عن مهمة لا تحتمل المساومة و لا التمييع، و لفوزي الاسمرموقف مماثل في قصيدته له، اسمها: "المعبد القديم":

في معبدي القديم لم ازل

الملم الحروف

اذيبها في موقد اللهب

اصوغها نغم

انشودة من العزاء والأمل

ولحنها:

من لحن نارنا وحبنا الكبير

من نور قلبنا المنير

من جرحنا

من جرحنا الذي يلون العبير

من زند ذاك الأسمر الصلب الذي يفجر الصخور

من ارضنا الثكلى، ومن دمع الربيع على الزهور

اننا نلاحظ مرة اخرى محتويات ذلك الاطار الذي اسميناه الالتزام، ونحن نرى الآن في الأمثلة الثلاثة التي اخترناها كيف يصر الشعراء على بعدي موقفهم المقاوم، الاجتماعي و السياسي في وقت واحد، انه التزام نحو الوطن و المحرر، من خلال ادراك دور الكلمة لا الاستهانة بها و اعتبارها مجرد رفاه.

ان شعراء المقاومة في فلسطين المحتلة يمضون في ممارستهم للمسؤولية الى حد أبعد يلخصه لنا سميح القاسم في قصيدة له اسمها "بطاقة الى نجيب محفوظ":

فاغرف من أعماق البئر العذراء

واسق العامل والفران وأولاد الحارة

فالناس ظماء!

اكتب عن شحذ الهمة

واكتب عن أحلام الأمة

طوبى للحرف الشامخ في الليل منارة

والعار لابراج العاج المنهارة

فقضية الالتزام ليست نظرية مجردة، و كذلك ليست قضية التحرير، و الرؤيا الواضحة لأبعاد القضيتين كمبادىء و كرسائل لا تحتمل عند ادباء المقاومة في فلسطين المحتلة غموضا او تشويشا او مساومة، وهذا بالذات ما جعل أدب المقاومة الذي رأيناه في فلسظين المحتلة خلال السنوات العشر الماضية أدبا لا ينوح ولا يبكي، لا يستسلم ولا ييأس، ولا يناقض نفسه ويمر عبر تشنجات عصبية واهتزازات ناتجة عن سوء وعي الموقف إلى حقيقته، لأن رؤياه لم تكن ارتجالا عاطفيا، ولكن وعيا عميقا ومسؤولا لأبعاد المعركة التي وجد نفسه في صميمها، ولذلك فانه تجنب ظاهرة الانتكاسات الذاتية الرومانطيكية التي شهدها معظم الشعر العربي في هذه الآونة، والتي نلاحظ أنها تشتد وتأخذ طابع النواح والهستيريا والتنصل، كما كانت تجربة الشاعر نفسه أكثر بعدا عن ادراك أبعاد التزاماته ووعيها في السابق.

فمقابل ما قرأنا جميعا في الآونة الأخيرة من الشعر العربي، يستقبل توفيق زياد، مثلا، كارثة 5 حزيران 1967 بقصيدة يقول فيها:

يا بلادي! أمس لم تطف على حفنة ماء

ولذا لن نغرق الساعة في حنفة ماء !

بهذا الثبات يكتب توفيق زياد قصيدته الرائعة "كلمات عن العدوان"، وهي قصيدة مفعمة بالحزن ولكنه الحزن الواعي الذي لا يستطيع ان يهدم:

انكم تبنون لليوم وانا

لغد نعلي البناء

اننا أعمق من بحر وأعلى

من مصابيح السماء

إن فينا نفسا

أطول من هذا المدى الممتد

في قلب الفناء

ومحم ود درويش يستقبل كارثة 5 حزيران 1967 بذلك الحزن الذي لا يصدق، الذي يرتد فورا الى نفس جديد من الإصرار:

خسر ت حلما جميلا

خسرت لسع الزنابق

وكان ليلي طويلا

على سياج الحدائق

.. وما خسرت السبيلا !

وفجأة يرتد الى كورس شعبي يشكل خلفية هذا الحزن والتوق، والسد المنيع الذي يتكىء عليه:

يما مويل الهوى

يما مويليا

ضرب الخناجر ولا

ضحكم النذل فيا !

أما سميح القاسم فيستقبل 5 حزيران 1967 بصورة فريدة، في قصيدة عن الفدائي، تنتهي كما يلي، على لسان الفدائي الشهيد"

يا من ورائي

لا تخونوا موعدي

هذي شراييني

خذوها وانسجوا منها

بيارق نسلنا المتمرد

ان مثل هذه المواقف لا يمكن ان تأتي بهذه التلقائية لو لم يكن هؤلاء الشعراء قد أدركوا منذ البدء، ليس فقط أبعاد معركتهم التي راهنوا عليها في نهاية المطاف ولكن أيضا مدى التزامهم ومعناه وكونه أكثر عمقا من مجرد تظاهرة شكلية.

***

ان هذا الكلام يقودنا على التو لمتعابعة استكشاف الابعاد التي التزم بها أدب المقاومة، وقد استعرضنا قبل قليل الالتزام الواعي كاطار هذه الابعاد، واستعرضنا قبل ذلك التلازم بالبعد الاجتماعي لمسألة المقاومة، وأمامنا الآن: البعد العالمي، والبعد العربي.

وكما قلنا فان تجزئة الموقف الى هذه التفاصيل هدفه تسهيل العرض، وقد رأينا في الأمثلة التي استعرضناها نموذجا لاستحالة فصل هذه الأبعاد عن مجمل الموقف.

عالميا يدرك شعر المقاومة التزامه بحركة الثورة في العالم، التي هي في نهاية المطاف المناخ الذي تنمو داخله الحركة الثورية المحلية، تؤثر به وتتأثر منه.

فيما بين أيدينا من أدب المقاومة يلفت نظرنا بصورة مدهشة كمية ونوعية الانتاج الذي يغني لثورات العالم وقضاياه الحرة، وقد تلخص لنا قصيدة لمحمود درويش اسمها: "أناشيد كوبية" جوهر هذا الالتزام ومعناه:

أنا لم ألمس قصب السكر

والأرض الخضراء

لم أركب قارب صياد في البحر الكاربي

لم أضرب قطرة ماء

لم أنزل فندق سياح غرباء

لم أسكر في هافانا من عرق الفقراء

لم أغمس قلمي في جرح البؤساء المحرومين

لم أقرأ أدب الشعراء الكوبيين

لكن عندي عن كوبا أشياء وأشياء

فكلام الثورة نور

يقرأ في كل لغات الناس

وعيون الثورة شمس

تمطر في كل الأعراس

ونشيد الثورة لحن

تعرفه كل الأجراس

والراية في كوبا

يرفعها نفس الثائر في الأوراس

وجذور الثورة مهما مدت أغصانا

تنبت من نفس المتراس

واللهب الأزرق والأحمر والأخضر

يبدأ من غضب واحد

فتدفأ..

واصنع لهبا آخر

يا شعبا يشعر بالبرد

حين قلنا ان ابعاد ادب المقاومة المختلفة يشد نفسه، بجاذبية قوية، الى محور واحد الى هومحور المقاومة نفسها التي يخوضها الأديب المعني، فإنما كنا نقصد تلخيص هذه القصيدة، بجملة.

 

ولكن ليس محمود درويش وحده هو الذي يلتزم شكلا ومضمونا بهذا البعد الحيوي من أبعاد أدب المقاومة، فثمة قصائد كثيرة لفوزي الأسمر، بهذا المعنى، أبرزها "أنا عبد" موجهة لشعب افريقيا، ولسميح القاسم عدة قصائد عن باتريس لومومبا، وافريقيا، وزنوج امريكا، وله أيضا في قصيدته الطويلة "ارم" مقطع اسمه "بطاقات الى ميادين المعركة" وهي سلسلة من القصائد القصيرة موجهة الى المغني الزنجي بول روبنسون، وفيدل كاسترو وكريستوف غبانيا وثوار الفيتكونغ.

وفي قصيدته هذه، "الى ثوار فيتكونغ" يقول:

إسمعها تهدر ملء دمي

إسمعها في الوديان على الغابات على القمم

إسمع صرخات الاحرار وقهقهة الرشاش

إسمع غارات الفاشست الأوباش

وأصيح أصيح بلا صوت:

الموت لآلهة الموت.

ولنلاحظ الآن، هذا الانتقال المذهل:

وأحس بكفي تتقلص

وأغيب لبرهة

وأحس كأني أتربص

بذئاب الغصب على أرض الجبهة

وأصب على الأشباح النار .. وأبكي

ويعود في قزفة مماثلة:

من يجرع في بارات نيويورك الويسكي

من يلقي في المقهى حلوة

من ينشد في الشارع غنوة

من يحرث في امريكا، من يزرع

من يحرث في فيتنام ويزرع

من يبقى في المصنع

من يبقى ؟

يا آلهة الموت القمحى في امريكا

يا آلهة الموت الحمقى !

وفي هذا النطاق نجد قصيدة لراشد حسين عن آسيا "بلد الرجال الثائرين على مماطلةالزمان" وقصيدة أخرى لابراهيم مؤيد اسمها "انشودة زنجي" وهي قصيدة تدل على ولادة شاعر جيد، الا اننا مع الأسف لم نعد نسمع عن انتاج جديد له،وسنرى عددا كبيرا من القصائد، في هذا النطاق، لمحمود دسوقي، وقصائد ذات أهمية قصوى لحنا أبو حنا عن كوبا وعن افريقيا المشرقة.

 

ان الالتزام بالبعد العالمي للمعركة كان دائما من ميزات شعر المقاومة، ومع ذلك فان هذا الالتزام لم يؤد الى تمييع الالتزام بالصيغة المباشرة للنزال، ولكنه أغناه وأعطاه معنى وعمقا وحافزا، عكس تجارب كثيرة حدثت في الفترة الماضية في عدد من البلدان العربية.

 

بهذا المجال يجدر بنا أن نسجل موقفا لمحمود درويش الذي كان ديوانه الأول "عصافير بلا أجنحة" في معظمة، غناء لثورات افريقيا، والذي غنا لثورات العالم بإخلاص وعمق وتلقائيا تبعث على الاعجاب، والذي -أيضا- قدم فيما أرى أجود رثاء عربي للشاعر الأسباني الثائر لوركا، نقول، مع ذلك كله ينظر محمود درويش نظرة واعية للمسألة كلها في قصيدته: "عن الامنيات"، حين يقول:

لا تقل لي :

ليتني بائع خبز في الجزائر

لأغني مع ثائر

لا تقل لي :

ليتني راعي مواش في اليمن

لأغني لانتفاضات الزمن

لا تقل لي :

ليتني عامل مقهى في هفانا

لأغني لانتصارات الحزانى

لا تقل لي :

ليتني أعمل في أسوان حمالا صغير

لأغني للصخور

يا صديقي !

أرضنا ليست بعاقر

كل أرض، ولها ميلادها

كل فجر، وله موعد ثائر !

ان وعي الالتزام بحركة الثورة في العالم يكتسب قيمته مما يؤديه الى الوعي الالتزام بالثورة المحلية، وليس من كونه صيغة رومانطيكية ذات طابع تنصلي عن طريق المزايدة، وهذا الادراك الذي عبر عنه أدب المقاومة العربي بوضوح ومباشرة وحسم يضع البعد الانساني في المقاومة في مكانه الصحيح، الذي يشكل حافزا ومسؤولية، في آن واحد.

يضح سميع القاسم هذا المبدأ كما يلي:

فهناك، في أعماق افريقيا الجواري والعبيد

فجر يمر بكفه فوق الجباه الناحبات

ويصب فيها النور والدم والحياة

وهناك في أعماق امريكا الجريمة والتمزق والضياع

طبل يدق بلا انقطاع

لمدينة تشرى وزنجي ويباع

وهناك، في الافق القريب هناك في الافق البعيد

ليست تتم الأرض دورتها بلا نصر جديد

فاحمل لواءك وامض في هذا الطريق

.. أبدا على هذا الطريق

شرف السواقي أنها تفنى، فدى النهر العميق

ولكن الامر يختلف، من حيث الكم والنوع، حين يتعامل أدب المقاومة مع واحد من ابعاده الأساسية، وهو البعد العربي.

ان طبيعة القضية الفلسطينية تضعها في مركز الوسط من التفاعلات العربية، وبالتالي فان شعر المقاومة في فلسطين المحتلة يمكن ان يوصف بأنه الناطق بلسان تلك التفاعلات والمؤرخ لها.

في ديوان شعر المقاومة ليس بالامكان مرور أي حدث عربي دون يؤرخ في ذلك الشعر، بل ان عدوان 1956 على مصر كان نقطة تحول اساسية في تاريخ ذلك الشعر، وكذلك كانت ثورة الجزائر، وثورة اليمن، وبناء السد العالي وفي هذا النطاق بالذات تبدو ولاءات المقاومة العربية والاجتماعية ممتزجةبصورة عضوية لا تحتمل الفكاك.

سنجد في قصيدة "بطاقة الى الاسطى سيد" لسميح القاسم نموذجا مختصرا وكافيا لما نقصده:

يا أسطى سيد !

إبن وشيد

شيد لي السد العالي

شيد لك

أطفىء ظمأ الغيظ العالي

وامنحنا

وامنح أهلك

كوبا من ماء

وخضارا وزهورا وضياء

يا أسطى سيد

أزف الموعد

والقرية في الصحراء العطشى تحلم

والبذرة في الثلم الصابر تحلم

فادفن أشلاء القمقم

في أشلاء الصخر المتحطم

وابن وشيد

يا أسطى سيد

باسم ضحايا الاهرام وباسم الاطفال

إبن السد العالي !

يا صانع حلم الأجيال !

ان الاختلاط شديد الوعي، في مهمة الاسطى سيد. حيث لا يعرف القارىء لمن يبني السد العالي، لضحايا الاهرام ام للارض العطشى، ام للجيل العربي الاسير في فلسطين المحتلة، يذكرنا بشيء مماثل في قصيدة أخرى لسميح القاسم نفسه. عن صنعاء، غداة الثورة، حين يغني لصحرائه و لمستقبله.

الشيء ذاته نلحضه في شعر محمود درويش، فهو يبدأ قصيدة طويلة له عن "الأوراس" كما يلي:

بيتي على الأوراس كان مباحا

يستصرخ الدنيا مساء صياحا

و تراب أرضي من دمي معشوشب

كي يشرب الغرباء منه الراحا

ثم يقول في القصيدة ذاتها:

فالوحش يقتل ثائرا

والارض تنبت الف ثائر

يا كبرياء الجرح! لو متنا

لحاربت المقابر!

فملاحم الدم في ترابك

ما لها فينا اواخر

حتى يعود القمح للفلاح

يرقص في البيادر

ويقول:

أوراس! يا "أولمبنا" العربي

ذيا رب المآثر

إنا صنعنا الانبياء على سفوحك

والمصائر

اوراس! يا خبزي و ديني

يا عبادة كل ثائر

ويمضي محمود درويش في قصيدة اخرى اسمها "نشيد للرجال" الى تحديد اكثر لهذا البعد في موفقه:

سنخرج من معسكرنا

ومنفانا

سنخرج من مخابينا

ويشتمنا اعادينا:

"هلا! همج هم، عرب!"

نعم!

عرب

ولانخجل

ونعرف كيف نمسك قبضة المنجل

وكيف يقاوم الأعزل

ونكتب اجمل الأشعار!

انه من الجدير بالتسجيل ان سميح القاسم كان اول شاعر عربي يغني لثورة "الذئاب الحمر" في ردفان غداة تفجرها، مدركا بعدها العميق و معناها:

حمت سراياك فاشرب من سرايانا

واشحذ مداك على الجرح الذي عصفت

اركان عرشك آلينا نقوضها فاحشد

يا طامعا بالذئاب الحمر ، ما غنمت

بلادنا القدر المحتوم قاطنها

يا عابد النار ! ما زالت مؤرثة على القنال..

كأسا جرعت بها للذل ألوانا

دماؤه بقلاع البغي نيرانا

فلولك حيات و عقبانا

اطماعك السود الا بعض قتلانا

مذ كانت الشمس، ما لانت و ما لانا

فماذا تعبد اللآنا ؟

وفي ذلك الوقت كتب سميح القاسم قصيدة اخرى اسمها "عروس النيل" عن السد العالي كمظهر نضالي:

اسمعه.. اسمعه!

عبر فيافي القحط في مجاهل الأدغال

يهدر، يدوي، يستشيط

فاستيقظوا يا أيها النيام

ولنبتن السدود قبل دهمة الزلزال

تنبهوا.. بهذه الجدران

تنزل فينا من جديد نكبة الطوفان

و في الوقت ابكر بكثير من التاريخ الذي كتب فيه سميح القاسم و محمود درويش هذه القصائد. كان البعد العربي موجودا بعمق في موقف المقاومة، نذكر هنا قصيدة قديمة [1958] لشاعر من الارض المحتلة اسمه عصام عباسي:

هذى بساتيل العراق

تهدها كتل الحشود

بغداد يا بلد الرشيد

أتيت بالفعل الرشيد

وينتقل الشاعر، في قصيدته نفسها، في جولة في البلاد العربية جميعها يقدم من خلالها موقفا تقديميا مسؤولا، لا يخضع للافتعالات الرومانطيكية التي تؤدي غالبا الى الاحتيال على الذات.

 

ولجمل قعوار [63][63] قصيدة عن الجزائر اسمها "هذي الطريق" تتضمن ذلك الموقف المسؤول بوضوح، و الواقع ان ثورة الجزائر فجرت نوعا فريدا من الشعر في فلسطين المحتلة، و أوقدت حوافز جديرة بالتأمل.

 

فالشاعر حبيب قهوجي الذي غنى قبل ذلك لثورة مصر و معركة 1956 فاتحا المجال امام انعطاف جذري في شعر المقاومة قفز به نحو التصدي المباشر لموضوعاته الاساسية، يقول في قصيدة عن الجزائر:

دم الاحرار لم يذهب هباء

تقدسه شعوب الشرق طرا

بمعتكر الدجي أمسى شهابا

وتبذل دون حرمته الشبابا

ثم يقول:

فيا شعب العراق ، إلام نوم

فدونك في الجزائر كيف تمحى

يحد تمرد الطغيان نابا

جيوش البغي تعطينا ضرابا

ان هذا النداء المباشر للعراق، لتفجير الثورة التي انفجرت بالفعل فيما بعد، في 1958، قد حدا بالشاعر نفسه في وقت لاحق للمشاركة في انشاء حركة "الارض" التي لعبت دورا اساسيا في المقاومة داخل فلسطين المحتلة.

 

في تلك المرحلة بالذات التي امتدت من ثورة مصر في 1952 الى عام 1960. كان الشعر الغالب في الارض المحتلة هو الشعر الملتزم بالصيغة الكلاسيكية من حيث الشكل، و بما يشبه الخطابية من حيث النبرة، منسجما في ذلك مع الزلزال الاجتماعي و السياسي و الثقافي الذي كان يجتاح المنطقة العربية، في الوقت نفسه الذي كان ينسجم فيه مع مرحلة اولية من مراحل تطوره و نشوئه.

 

في تلك الفترة بالذات غنى شعراء عرب عديدون ثورة الجزائر، فبالاضافة للشعراء الذين ذكرناهم توجد قصائد طويلة لراشد حسين و أبي أياس، ومحمود دسوقي وجمال قعوار وحنا أبو حنا، وابن الرامة، وعصام عباس، وفوزي الاسمر، وغيرهم[64][64]، ولكن مما لا ريب فيه ان محمود دسوقي قد دخل الى تفاصيل التفاصيل، بكل شيء يتعلق بالعرب، أكثر من سواه.

طابع تلك المرحلة يلخصه راشد حسين في قصيدته:

سنفهم الصخر إن لم يفهم البشر

دم الجزائر صدر الفجر كعبته

ان الشعوب إذا هبت ستنتصر

و ناره فوق صدر البغي تستعر

ويقول حنا أبو حنا في قصيدة طويلة اسمها رسالة من مناضل جزائري الى ولده:

ولدي! لأجلك قد حملت سلاحي

و رأيت شعبي سيل نار دافق

واذا اللهيب، بريق عينك ساطعا

فلاجل تحرير الجزائر ثورتي

ولا جل رغدك ثورتي وكفاحي

متوثب في موكب الأرياح

و عيون شعبي الثائر الطماح

ولأجل رغدك و ثبتي وكفاحي

ولكن، كما رأينا، فان الصياغة الفنية، التي جاءت فبهذه المرحلة على هذه الصورة الخطابية لم تكن على المضمون، و لقد استطاعت تجارب شعراء المقاومة، من خلال الممارسة، ان تطور الشكل الى الصيغة المعاصرة الحديثة، و في هذا النطاق جرى التطوران: الشكل و المضمون، في اتساق وانسجام و لم ينحر احدهما الآخر، فيما ظلت جذور الالتزام و المعاداة في أصلها هي الرابط الجوهري في هذا التطور.

 

على هذا الاساس، تلقى شاعر مثل توفيق زياد كارثة الخامس من حزيران 1967 مرة أخرى على هذا الصعيد، بثبات:

ثم.. ماذا بعد؟ لا أدري، ولكن

كل ما أدريه ان الارض حبلى والسنون..

ثم يقول:

فارفعوا ايديكم عن شعبنا

لا تطعموا النار حطب

كيف تحيون على ظهر سفينة

وتعادون محيطا من لهب؟

وينتهى الى القول:

كبوة هذي

وكم يحدث ان يكبو الهمام

إنها للخلف كانت

خطوة

من اجل عشر للامام!

وفي الحقيقة، فان البعد العربي في الادب الفلسطيني كان دائما ظاهرة أساسية. و ليس ارتباط أدب المقاومة الفسطيني الراهن بهذا البعد، و تعميقه و وعيه، الا استمرارا لتلك الظاهرة تاريخيا، و لك هذه الملاحظة هي عنوان لموضوع آخر.

***

لقد رأينا، باختصار، اولا كيف يرتبط أدب المقاومة في فلسطين المحتلة الى بعد اجتماعي و يطرح ولاءه للطبقة الكادحة التي على أكتافها تعلق لمقاومة بنادقها و مصيرها[65][65].

ورأينا، ثانيا، كيف يحافظ أدب المقاومة على هذا الارتباط الاجتماعي التقدمي في ممارسته لبعد آخر من ابعاده و هو بعد الالتزام بالثورات التحررية في العالم.

ورأينا، ثالثا، كيف يرتبط أدب المقاومة ببعده العربي ارتباطا عضويا راسخا، دون ان يفقد وضوح نظرته الاجتماعية في هذا الارتباط، و مع ادراك عميق لمعناه و ضرورته و اصالته.

 

ورأينا ان هذه الارتباطات تحدث ضمن اطار من الالتزام بقدسية الكلمة و الايمان الذي لا يتزعزع بدورها و قيمتها و التمسك بمسؤولياتها كسلاح أساسي في حركة المقاومة التي تشمل معنى أوسع بكثير من مجرد المقاومة المسلحة.

ولكننا قلنا أيضا ان هذه الارتباطات الثلاثة، في اطارها من الالتزام الفني المسؤول، تظل تدور حول محور أساسي هو التصدي الشجاع للمعركة المباشرة، اليومية و القاسية والباهظة الثمن، مع العدو المحتل الذي يجثم بثقل مباشر على صدر الوجود العربي، في فسطين المحتلة.

فكيف يعبر أدب المقاومة عن هذه المسؤولية المباشرة، و كيف يخوض معركتها، دون ان يفقد ارتباطاته الاجتماعية و العربية و الدولية؟

 

ان أدب المقامة في هذا النطاق، غزير الانتاج، واذا كانت الظروف التي يعرفها الجميع تحول دون تعقب دقيق لحركة الانتاج هذه على جميع المستويات، فان ما يتوفر بين أيدينا الآن يكفي كنموذج.

لقد رأينا كيف تصدي توفيق فياض في مسرحيته "بنت الجنون" من خلال صيغة فنية متقدمة الى المهمة المباشرة للمقاومة، حين تخلص من تشوشه في لحظة مواجهة ناصعة الوضوح، قرر فيها، مباشرة وبحسم، أنه لن ينسى، وأنه يرفض الاقتحام المعادي، وانه سيقاتل وحده.

سنرى محمود درويش في لحظة مواجهة مماثلة، تشكل نوعا فذا من الصحو الدائم، حين يقول، رافضا التنصل مهما كانت براعة الصياغة:

ذليل أنت كالأسفلت

ذليل أنت 

يا من يحتمي بستارة الضجر !

وثمة لحظة مماثلة، عند سميح القاسم:

.. وأخاف، أخاف من الغدر

من سكين يغمد في ظهري

لكني .. يا أغلى صاحب

يا طيب .. يا بيت الشعر

رغم الشك، ورغم الاحزان

اسمع اسمع وقع خطي الفجر

عبر هذا الصحو، الذي يعي تماما جوهر المواجهة، وقف شعر مقاومة العربي في فلسطين المحتلة مؤرخا ليوميات المقاومة الجماهيرية، جاعلا من انتكاساتها وعذابها وقودا لتجديد توق ملتهب.

 

في قصة قصيرة لفوزي الاسمر، اسمها "رمال ودموع" يروي هذا الكاتب الشاب الذي ولد وعاش في بلدة "اللد" قصة عربي حاول قتل سائق تراكتور اسرائيلي، والمعظلة بالنسبة للمحكمة هي أن السائق الاسرائيلي لا يعرف ذلك العربي، ولم يسبق له أن قابله ولن يعرف سببا للمحاولة.

 

بالنسبة للعربي فأن المسئلة لها تفسير ومبرر، فقد شهد عن بعد ذلك السائق يربط جذع شجرة زيتون كان يملكها، وترمز بالنسبة له الى تاريخ عائلته، محاولا انتزاعها من أرضها، وحين اندفع نحوه ليقتله كان في الواقع يرمي الى الدفاع عن عرضه وشرفه.

 

وتنتهي القصة نهاية مفاجئة حين ترفع المحكمة جلستها لتدارس الحكم الذي ستصدره على العربي.

 

وهذه "النهاية-الاشكال"، هي موقف واضح ومن نوع حاسم، فحكم المحكمة لا يهم على الاطلاق، وأساس القضية موجود ومحلول-في القصة نفسها، والنهاية هي أبعد ما تكون عن علامة الاستفهام التي يخيل للقارىء أنها موجودة في السطر الاخير منها.

لا توجد علامة استفهام في هذا الصدد، وإن كانت القصائد والقصص والمسرحيات التي انتجها ادباء المقاومة تحفل بها من حيث الشكل، الا انها لا تعني الا نوعا من "الاستفهام الذاتي"، اذا جاز التعبير، غايته الاساسية التأكيد بأنه يوجد جواب واحد فقط.

 

لقد رأينا نموذجا لهذا "الاستفهام الاثباتي" في النماذج التي قرأناها من مسرحية توفيق فياض "بيت الجنون" وهو استفهام -كما قلنا- لا يقصد الى التساؤل بقدر ما يقصد الى اثبات انه لا يوجد أي طريق آخر.

وهو استفهام من نوع:

ثم ماذا بعد ؟ لا أدري ! ولكن

كل ما أدريه ان الارض حبلى .. والسنون

كما يقول توفيق زياد في قصيدته "كلمات عن العدوان" التي كتبتها في أعقاب حرب حزيران 1967.

وهو تساؤل من ذلك النوع الذي ضمنه حبيب قهوجي في رثاء كتبه عام 1957 لشهداء كفر قاسم:

جنكيزخان تثاءبت ايامه ؟

أم جند هتلر للدمار ضواري ؟

وتكرر الصيغة نفسها، في قصيدة أخرى، لراشد حسين في ذلك الوقت، يرثي فيها شهداء قرية صندلة:

مرج ابن عامر، هل لديك سنابل

ام فيك من زرع الحروب قنابل ؟

أم حينما عز النبات صنعت من

لحم الطفولة غلة تتمايل ؟

ويطور محمود درويش هذه الصيغة الى درجة حاسمة:

يا وجه جدي !

يا نبيا ما ابتسم

من أي قبر جئتني

ولبست قمبازا بلون دم عتيق

فوق صخرة

وعباءة في لون حفرة ؟

يا وجه جدي !

يا نبيا ما ابتسم

من أي قبر جئتني

لتحيلني تمثال سم ؟

الدين أكبر !

لم أبع شبرا، ولم أخضع لضيم

لكنهم رقصوا وغنوا فوق قبرك

فلتنم !

صاح أنا، صاح أنا، صاح أنا

حتى العدم ..

ولكن بعيدا عن هذه المسألة الجزئية التي توقفنا عندها بسبب تكرارها و ترددها في شعر المقاومة، فاننا نلاحظ ظاهرة هامة عامة، و هي توفر درجة متقدمة من التحدي الواعي، القادر على تحويل العذاب الى حافز ثوري.

لقد لاحظنا ذلك بوضوح في القصائد التي كتبها شعراء المقاومة في فلسطين المحتلة في أعقاب العدوان الاخير، و لكن هذه الظاهرة في الحقيقة تأخذ طابع القاعدة، سواء في مواجهة العذاب الشخصي، أو الجماعي، نهاية بالمستوى القومي.

 

فمن السجن كتب محمود درويش أروع قصائده و أكثرها توجها بالامل و الاصرار و التحدي، و هي قصيدة تذكرنا برسالة حنا أبو حنا التي بعث بها حين كان سجينا في الرملة عام 1958، يقول محمود درويش:

من آخر السجن طارت كف اشعاري

اقول للمحكم الاصفاد حول يدي:

في حجم مجد كم نعلي ، و قيد يدي

في اليوم أكبر عاما في هوى وطني 

تشد ايديكم ريحا على نار..

"هذى أساور أشعاري و اصراري! ‍‍‍‍‍‍‍‍"

في طول عمركم المجدول بالعار..

فعانقوني عناق الريح للنار‍‍‍!

يقول ذلك لأنه يؤمن أن:

المغني على صليب الألم

جرحه ساطع كنجم

قال للناس حوله:

كل شيئ، سوى الندم..

هكذا مت واقفا

واقفا مت كالشجر‍‍‍

ولسميح القاسم قصيدة اسمها "رسالة من المعتقل":

أماه ‍!‍ كم يؤلمني!

انك تجهشين بالبكاء

اذا أتى يسألكم عني أصدقاء..

لكني أومن يا أماه

أومن

ان روعة الحياة

تولد في معتقلي

أومن ان زائري الاخير لن يكون

خفاش ليل

مدبحا، بلا عيون

لابد ان يزورني النهار..

وللقاسم قصيدة طويلة من أربعة أناشيد عنوانها الرئيسي "من وراء القضبان". و قد حالت الظروف دون معرفة النشيدين الأوسطين في هذه القصيدة اللذين صودوا ومنعا بالقوة، و لكن المناخ العالم للنشيد الاول و الأخير يثبتان ما ذهبنا اليه.

 

هذا على صعيد شخصي.. أما على صعيد جماعي فقد غنى شعراء الأرض المحتلة الأحداث اليومية التي مر بها شعبهم الاسير، و قد رأينا قبل قليل كيف سجل قهوجي و راشد حسين مجزرتي كفرقاسم و صندلة، و رأينا أمثلة أخرى في قصص زكي سليم درويش، و عطا الله منصور، فوزي الاسمر و سجل الشعر الشعبي بدوره احداثا يومية [66][66] و تصدى للعملاء في نوع من التشهير الذي كبلهم وشل نشاطهم فعلا، و كذلك في حالات رثاء و تشجيع[67][67]. و قد تابع محمود درويش قضية النازحين بصورة فريدة، و نظم سميح القاسم عدة قصائد عن مجزرة كفر قاسم، واحدة منها لا نعرف الا مطلعها، و حال الحكم العسكري الاسرائيلي المفروض على العرب دون وصول آخرها، أما قصيدته الثانية، عن كفر قاسم. التي القاها في تجمع شعبي ذهب الى القرية المنكوبة لعزاء في الذكرى العاشرة و حال الجنود الاسرائيليون دون وصولهم الى القرية، فقد أدت الى تظاهرة شعبية عنيفة.

 

و بالنسبة لمجزرة كفر قاسم فقد شكلت نقطة انعطاف اساسية في الموقف المقاوم لشعراء الارض المحتلة العرب، إذ من النادر الا يأتي ذكر كفر قاسم كشهادة دائمة على المقاومة.

 

لمحمود درويش، كما رأينا، أناشيد كاملة في ديوانه الاخير "آخر الليل" عن كفر قاسم باسم "ازهار الدم" يخاطب فيها الشهداء الخمسين الذين جزروا في تلك القرية عشية العدوان الثلاثي على مصر، و فيها يتحول الشهداء الخمسون الى اوتار تعزف صمود الشاعر:

لمغنيك على الزيتون، خمسون وتر

ومغنيك اسيرا كان للريح

وعبدا للمطر..

ومغنيك الذي تاب عن النوم

تسلى بالسهر

سيسمي طلعة الورد، كما شئت: شرر!

سيسمي غابة الزيتون في عينيك:

ميلاد سحر!

وسيبكي، هكذا اعتاد،

اذا مر نسيم فوق خمسين وتر

أه ! يا خمسين لحنا دمويا

كيف صارت بركة الدم نجوما وشجر؟

الذي مات هو القاتل، يا قيثارتي

ومغنيك انتصر

ثم يقول:

كفر قاسم!

انني عدت من الموت لأحيا، لأغني

فدعيني استعر صوتي من جرح توهج

وأعينيني على الحقد الذي يزرع في قلبي عوسج

إنني مندوب جرح لا يساوم

علمتني ضربة الجلاد

أن أمشي على جرحي

وأمشي ، ثم أمشي، وأقاوم!

ومثلما عاد محمود درويش في قصيدته هذه الى "كفر قاسم" بعد عشر سنوات من المجزرة، يعود سميح القاسم -بعد عشر سنوات أيضا- الى المكان ذاته في ديوانه "دمي على كفي":

... وزهيرات من البرقوق في صدر امرأة

وعيون مطفأة

وعويل غارق في رهبة المأساة عائم

وانا ريشة نسر

في مهب الحزن والغيظ:

إله لا يساوم!

يوم قالوا: سقطوا قتلي وجرحي

ما بكيت !

قلت: فوج آخر يمضي

ومن بيت لبيت

رحت أروي نبأ الغلة في العام الجديد

ومن المذياع انباء عن العام الجديد:

"مصر بركان، وكل الشعب يحمي بور سعيد

أيها الاخوة، والنصر أكيد.."

يوم قالوا: سقطوا قتلي وجرحي

صحت، والادمع في عيني: مرحى 

الف مرحى!

يوم قالوا، ما بكيت

ومضت بضعة أيام على عيد الضحايا

وأتيت..

وتلقاني بنوك البسطاء 

وتلونا الفاتحة

وعلى أعين اطفالك

يا أم العيون الجارحة

يبس النهر و ماتت في أغاني الحمام

وأنا لا أنشد للموت، و لكن:

ليد ظلت تقاوم!

ولحنا أبو حنا قصيدة طويلة عن كفر قاسم أيضا، قالها بعد عامين من المجزرة، أبرز مقاطعها:

كيف العزاء؟ و كيف يسلو الويل شعب ثاكل؟

عصفت بروحته الخطوب و صارعته نوازل

ما زال يحمل جرحه في صدره.. ويطاول

وتسير في الدماء، على خطاه، غوائل

.. ان السبيل الى العزاء تكاتف وتكافل

ونداء ارواح الضحايا: فلهيب الغافل!

ولهؤلاء الشعراء، الدرويش و القاسم و ابو حنا، قصائد عن الحكم العسكري كقضية يومية يعاني عرب الارض المحتلة منها، وعن الجواسيس الذين يندسون في التجمعات العربية، وعن سلب اللراضي من الفلاحين العرب، والى آخر ما هنالك من قضايا يومية.

 

ولسميح القاسم بالذات قصيدة لافتة للنظر: "كرمئيل"، وهو اسم المدينة التي ابتناها الاسرائيليون في الجليل،فوق أراض سلبوها من عرب قرى "دير الاسد" و "البعنة" و "نحف"، ضمن خطتهم لتهويد الجليل.. وقد أطلق القاسم على هذه المدينة اسم "مدينة الحقد والجوع والجماجم" :

صباح مساء

يطالعنا وجوهها والسماء

ونبسم، لا بسمة الاغبياء

ولكنها بسمة الانبياء

تحداهم صالب تافة

يغطي الشموس ببعض رداء ..

غدا يا قصورا رست في القبور

غدا يا ملاهي

غدا يا شقاء

سيذكر هذا التراب سيذكر

انا منحناه لون الدماء

وتذكر هذي الصخور رعاة

بنوها بأدعية من حداء

ونذكر أنا ..

هنا سفر تكوينهم ينتهي

هنا، سفر تكويننا، في ابتداء !

إن الامثلة في هذا النطاق أكثر من أن تحصي، وتتوفر منها لدينا كمية هائلة باتت تدعوا بإلحاح الى اصدارها في ديوان يضم شعر المقاومة، الظاهرة الاكثر توجها ومعنى في حياتنا الثقافية الراهنة.

 

لقد كان شعر المقاومة، وأدبها على العموم، متفائلا منذ البدء، ولم يكن هذا التفاؤل ضربا في الفراغ، أو هما مقارا، والا لتصدع خلال عشرين سنة من الأسر والعذاب، ولكنه كان نتاجا معافي وشديد المراس لإدراك عميق لأبعاد المعركة وانتسابا اصيلا لجماهيرها الحقيقة وقضاياها، هدف المقاومة وأداتها في آن واحد.

 

لقد انطلق شعر المقاومة من أرض الالتزام ومن التزام الارض، وكشف عن طريق الممارسة والمواجهة اعماقه وأبعاده، وحقق في هذا النطاق -برغم كل المصاعب التى لا تصدق- توهجا فخورا من حيث المضمون والشكل على السواء، يضعه بلا تردد في مقدمة الحركة الثقافية العربية الراهنة.

 

ولذلك فأن أدب المقاومة، وقد ربط نفسه الى اصوله وعرف آفاقه والتزم بارتباطاته الاصيلة، لم يعرف ظاهرة التخلي، ولا التنصل، ولا العتاب والعويل، كان يمارس ادراكه لدوره ومسؤولياته، ولا يحجب نفسه عنها وراء "ستارة الضجر" أو المزايدة الرخيصة اوالمزاح الذي تزلزله أصغر ريح، فهو لم يكن رفاها، ولكنه كان دائما "التزاما" بالسلاح والجمال والمثل، معا.

 

وهذا وحده الذي يجعل شاعرا مثل محمود درويش، وحده تقريبا في قارتنا العربية الشاسعة، يتلقى كارثة الخامس من حزيران (يونيو) 1967 بثبات وصمود ويجعلها حازفا:

وطني !

يعلمني حديد سلاسلي

عنف النسور

ورقة المتفائل ..

ما كنت اعرف أن تحت جلودنا

ميلاد عاصفة

وعرس جداول !

سدوا علي النور في زنزانة

فتوجهت في القلب

شمس مشاعل

كتبوا على الجدران رقم بطاقتي

فنما على الجدران

مرج سنابل

وحفرت بالاسنان رسمك داميا

وكتبت اغنية الظلام الراحل

أغمدت في لحم الظلام هزيمتي

وغرزت في شعر الضياء اناملي

والفاتحون على سطوح منازلي

لم يفتحوا الا وعود زلازلي

لن يبصروا الا توهج جبهتي

لن يسمعوا الا صرير سلاسلي

فاذا احترقت على صليب عبادتي

أصبحت قديسا

بزي مقاتل !

 

 

الفصل الثالث نماذج من

الشعر والأقصوصة والمسرحية

 

  

الشعر

 

 

طفل من شعبي

حنا أبو حنا[68][68]

 

مهداة الى ذلك الطفل وصديقه، اللذين تعاونا فرفع احدهما الآخر ليطل على شباك غرفة سجين، وغالب العتمة في الداخل

 

حتى رآني، فحياني ثم قذف في داخل الغرفة بهذه الكلمات:

"تخفش منهم .. كن شجاع " !

خلف القضبان، من الشباك يطل جبين

كهلال طفل [هل] علي

وضاح الاشراق فتي

كالنعنع غص، كالريحان شذاه حنون

خلف القضبان يطل جبين 

وتشع تفتش في حلك الدهليز عيون

وترف كأجنحة بيضاء

وتحوم في عزم ومضاء

تتحدى العتمة، تبحث عن آثار سجين

خلف القضبان تشع عيون

عينا طفل لما يتجاوز عشر سنين

يستلق شباك السجن

ويطل لكي يبحث عني

ويفيض على أفقي الساجي أملا و حنين

***

وانا في زاوية الغرفة

ارقبه و في قلبي لهفة

وتساورني في الأمر طنون:

هل جاء به عبث وشجون؟

وتطفل طفل في أن يبصر شكل سجين؟

أو أرسل يبلغني أمرا

يتسلق شباكي سرا

كحمامة يمن يحمل لي بشري و شؤون؟

(فالشعب يحبذ بنضاله

عونا من فيلق اطفاله

يرسلهم كحمام زاجل

وكتائب تسعى، وتنازل)

ياطير بشباكي، ما تحمل، يا غصن الزيتون؟

وصمت اراقب عينيه

وتشبث قوة كفيه

بضلوع الشباك الأخضر

كمخاطب نسر لا يقهر

وأنا أترقب.. ما سيكون؟

ويوشوش صوت في قلق: هل تبصره؟

هل تبصره؟

فيرد بوشوشة برما: "لا أبصره

فظلام الغرفة يستره"

ويعود يحدق في عزم

ويسود سكون

وترفرف، تلمع، في حللك الدهليز، عيون

ويوشوشه الصوت الأول:

"ما بالك لا تبصر؟ إنزل

إنزل و ارفعني، سوف اراه أنا..

ثبت قدميك"

لكن ظل على الشباك يطل شجين

يتحدى العتمة، يبحث عن آثار سجين.

ببو تمر على الصمت ثوان

تتألق فيها العينان

ويغرد في فرح صوته:

- "أبصرته.. 

اني أبصرته !

في الزاوية هناك توارى

يجلس ويطارد أفكارا

وعلى الطاوة الصفراء

بعض الصحف، وصحن حساء

ورغيف أسود لم، يؤكل

وسجاير بقيت لم تشعل

وأراه هناك يبتسم

ويلوح بيمناه قل

حيى، فأجبت تحيته

وكسا بالقوة طلعته

وبصوت سحري الايحاء

منحوت من ماس وضاء

هتفت شفتاه:

"اصمد، لا تخشهم أبدا

وتشجع لا ترهب أحدا

اصمد فالنصر لمن صمدا"

و تدفق في الغرفة حولية شلال رنبن

شلال أحاسيس هدار

ينصب على قلبي معطار

يتدفق فيه الشعر فنون

وانطلق الطفل كطير عن الشباك

وسكنت تقيدني أفكاري دون حراك

ويعربد في الغرفة حولي شلال رنين

ومشاعر جامحة حولي شتى وشجون

طفل؟

بل هو جيل الفجر 

وبشائر ألوية النصر

وربيع يعبق بالزهر

يتحدى اعشاب الشر

 ويميس بأردان العطر

في حقل المأساة المر

ويصون الاشواك ليدمي كف الباغين!

طفل من شعبي.. يا مرحى..

طفل؟ بل هو وحي يوحى!

خلف القضبان من الشباك يطل جبين

وأنا شعب، في دهليز الارهاق سجين

درعي صبري، وكفاحي الصامد عشر سنين

وسلاحي العزم اصول به وحماي حصين

وجموعي تبني وحدتها في السجن عرين

وتصد بعزم قهار كيد العادين

وتطل تشعشع في حللك ادهليز عيون

عينا فجر في مقلته نفخ النسرين

وشرار القيد تحطمه أيد ما حنون

فجر الحرية يشرق في سجني المأفون

يطأ العتمات، يبددها، ويدك سجون

ويشع على أفقي الساجي بأسا و يقين

وهتافا يدفق في قلبي شلال رنين:

"اصمد، لا تخشهم ابدا

وتشجع لا ترهب أحدا

اصمد، فالنصر لمن صمدا"!

 

 

موال[70][70]

محمود درويش[69][69]

 

خسرت حلما جميلا

خسرت لسع الزنابق

وكان ليلي طويلا

على سياج الحدائق

وما خسرت السبيلا

لقد تعود كفي

على جراح الاماني

هزي يدي بعنف

ينساب نهر الاغاني

يا أم مهري وسيفي:

"يما.. مويل الهوى

يما.. مويليا

ضرب الخناجر ولا

حكم النذل فيا "

يداك فوق جبيني

تاجان من كبرياء

اذا انحنيت انحنى

تل و ضاعت سماء

ولا أعود جديرا 

بقبلة .. او دعاء

والباب يوصد دوني

قالوا: تحب الجميلة

فقلت: حبي عبادة

الشعر احلى خميلة

والصدر أغلى وسادة

والعرس درب بطولة!

"يما مويل الهوى

يما..مويليا

ضرب الخناجر ولا

حكم النذل فيا"

خسرت نخب الأضاحي

وما أضعت الليالي

لا بأس، إن جراحي

ورد الرجال الرجال

مهرجان الصباح.

الريح تنعس عندي

على حبين ابتسامة

والقيد خاتم مجد

وشامة للكرامة

وساعدي للتحدي..

"يما مويل الهوى

يما مويليا

ضرب الخناجر ولا

حكم النذل فيا"

كوني على شفتيا

اسما لكل الفضول

لم ياخذوا من يديا

الا مناخ الحقول

وانت عندي تصلي

على يديك تصلي

طفولة المستقبل

وخلف جفنيك طفلي

يقول: يومي أجمل

وانت شمسي وظلي!

"يما مويل الهوى

يما مويليا

ضرب الخناجر ولا

حكم النذل فيا"

الارض أم انت عندي

أم انتما توأمان

من مد للشمس زندي

الارض، ام مقتلان؟

سيان ، سيان عندي!

اذا خسرت الصديقة

فقدت طعم السنابل

وان خسرت الحديقة

ضيعت عطر الجداول

وضاع حلم الحقيقة!

عن الورود أدافع

شوقا الى شفتيك

وعن تراب الشوارع

خوفا على قدميك

وعن دفاعي، أدافع

"يما مويل الهوى

يما مويليا

ضرب الخناجر ولا

حكم النذل فيا"

 

 

قال المغني[71][71]

 

هكذا يكبر الشجر

ويذوب الحصى..

رويدا رويدا

من خرير النهر!

المغني على طريق المدينة

ساهر للحق.. كالسهر

قال للريح في ضجر:

-دمريني ما دمت أنت حياتي

مثلما يدعي القدر:

..و اشربيني نخب انتصار الرفات

هكذا ينزل المطر

يا شفاه المدينة الملعونة!

ابعدوا عنه سامعيه

والسكارى..

وقيدوه

ورموه في غرفة التوقيف

شتموا امه، وأم أبيه

والمغني..

يتغنى بشعر شمس الخريف

يضمد الجرح .. بالوتر

المغني على صليب الألم

جرحه ساطع كنجم

قال للناس حوله

كل شئ.. سوى الندم:

هكذا مت واقفا

واقفا مت كالشجر

هكذا يصبح الصليب

منبرا.. او عصا نغم

ومساميره.. وتر!

هكذا ينزل المطر

هكذا يكبر الشجر..

 

شهيد الاغنية[72][72]

 

نصبوا الصليب على الجدار

فكوا السلاسل عن يدي

والسوط مروحة، ودقات النعال

لحن يصفر: سيدي!

ويقول للموتى: حذار!

-يا أنت!

قال نباح وحش:

اعطيك دربك لو سجدت

أمام عرشي سجدتين!

ولثمت كفي، في حياء، مرتين

أو..

تعتلي خشب الصليب

شهيد أغنية.. وشمس!

ما كنت اول حامل اكليل شوك!

لاقول للسمراء: ابكي!

يا من احبك، مثل ايماني،

ولاسمك في فمي المغموس

بالعطش المعفر بالغبار

طعم النبيذ اذا تعتق في الجرار!

ما كنت اول حامل إكليل شوك

لاقول: إبكي !

فعسى صليبي صهوة،

والشوك فوق جبيني المنقوش

بالدم والندى

غكليل غار!

وعساي آخر من يقول:

أنا تشهيت الردى

 

 

أبي[73][73]

 

غض طرفا عن القمر

وانحنى يحضن التراب

وصلى..

لسماء بلا مطر،

ونهاني عن السفر!

اشعل البرق أودية

كان فيها أبي

يربي الحجارا

من قديم.. ويخلق الاشجارا

جلده يندف الندى

يده تورق الحجر

..فبكى في الأفق أغنية:

-كان اوديس فارسا..

كان في البيت أرغفة

ونبيذ، وأغطية

وخيول، وأحذية

وأبي، قال مرة

حين صلى على حجر:

غض طرفا عن القمر

واحذر البحر.. والسفر!

يوم كان الإله يجلد عبده

قلت: يا ناس: نكفر

فروى لي أبي.. وطأطأ زنده:

في حوار مع العذاب

كان ايوب يشكر

خالق الدود.. والسحاب

خلق الجرح لي أنا

لا لميت.. ولا صنم

فدع الجرح والألم

وأعني على الندم!

مر في الأفق كوكب

نازلا.. نازلا

وكان قميصي

بين نار، وبين ريح

وعيوني تفكر

برسوم على التراب

وأبي قال مرة:

الذي ما له وطن

ماله قي الثرى ضريح

..ونهاني عن السفر!

 

 

الحزن والغضب[74][74]

 

الصوت في شفتيك لا يطرب

والنار في رئيتك لا تغلب

وابو أبيك على حذاء مهاجر يصلب

وشفاهها تعطى سواك، ونهدها يحلب!

فعلام لا تغضب؟

-1-

أمس التقينا في طريق الليل

من حان لحان

شفتاك حاملتان

كل انين غاب السنديان

ورويت لي للمرة الخمسين

حب فلانة وهوى فلان

وزجاجة الكونياك

والخيام والسيف اليماني..

عبثا تحذر جرحك العربي

عربدة القناني!

عبثا تطوع يا كنار الليل

جامحة الاماني!

الريح في شفتيك

تهدم ما بنيت من الأغاني

فعلام لا تغضب ؟

ما دام صوتك يا كنار الليل لا يطرب!

-2-

قالوا: ابتسم لتعيش

فابتسمت عيونك للطريق

وتبرأت عيناك من قلب يرمده الحريق

وحلفت لي: اني سعيد يا رفيق

وقرأت فلسفة ابتسامات الرقيق:

الجمر و الخضراء والجسد الرشيق!

فاذا رأيت دمي بخمرك

كيف تشرب يا رفيق؟

الجمر في رئيتك،

من تحت الرماد، غدا يفيق

فعلام لا تغضب؟

ما دام طبع النار في جبينك لا يغلب؟

-3-

القرية الاطلال

والناطور، والأرض اليباب

وجذوع زيتوناتكم

أعشاش بوم او غراب!

من هيأ المحراث هذا العالم؟

من ربى التراب؟

يا انت!

أين اخوك؟

اين أبوك؟

انهما سراب!

من اين جئت؟

أمن جدار؟

ام هبطت من السحاب؟

اترى تصون كرامة الموتى

وتطرق في ختام الليل باب؟

وعلام لا تغضب؟

ما دام لحم أبي أبيك

على حذاء الليل يصلب؟

-4-

انا حملنا الحزن أعواما

وما طلع الصباح

والحزن نار تخمد الايام شهوتها

وتوقظها الرياح

والريح عندك.. كيف تلجمها

وما لك من سلاح

الا لقاء الريح والنيران

في وطن مباح؟

 

 

رباعيات[75][75]

 

وطني! لم يعطني حبي لك

غير أخشاب صليبي

وطني، يا وطني، ما اجملك.

خذ عيوني، خذ فؤادي، خذ حبيبي!

في توابيت أحبائي أغني

لأراجيح أحبائي الصغار!

دم جدي عائد لي، فانتظرني:

آخر الليل... نهار!

ها هنا، يا منجلا كان ابي

يحصد القمح به في كل صيف

انا اسقيك ضياء الكوكب

يا رفيق العمر، فاحصد كل حيف!

ربما اذكر فرسانا، وليلى بدوية

ورعاة يحلبون النوق في مغرب شمس

يا بلادي! ما تمنيت العصور الجاهلية

فغدي أجمل من يومي وأمسي!

شق بالمحراث ثلما بعد ثلم

زرع القمح برفق ثم صلى للغمام

هطلت زخة دم!

أطلقوا النار عليه.. هل سمعتم يا نيام؟

آخر الاخبار من مدريد، ان الجرح قال:

شبع الصابر صبرا !

أعدموا "غوليان" في الليل، و زهر البرتقال

لم يزل ينشر عطرا!

 

نشيد للرجال[76][76]

 

-1-

لأجمل ضفة أمشي

فلا تحزن على قدمي

من الأشواك ..

ان خطاي مثل الشمس

لا تقوى بدون دمي ..

لأجمل صفة أمشي

فلا تحزن على قلبي

من القرصان

ان فؤادي المعجون كالأرض

نسيم في يد الحب

وبارود على البغض

لأجمل صفة أمشي

فلا تشفق على عيني

من الصحراء ..

إن مرارة الحزن

أحليها بسكر غايتي الخضراء

فتصبح مثل ذوب الخمر في الدن !

لأجمل صفة أمشي

فإما يهترىء نعلي

أضع رمشي

نعم .. رمشي !

ولا أهفوا الى نوم وأرتجف

لأن سرير من ناموا

بمنتصف الطريق

كخشبة النعش !

تعالوا يا رفاق القيد والاحزان

كي نمشي

لاجمل ضفة نمشي

فلن نقهر

ولن نخسر

سوى النعش !

-2-

الى الاعلى حناجرنا

الى الاعلى محاجرنا

الى الاعلى أمانينا

الى الاعلى أغانينا

سنصنع من مشانقنا

ومن صلبان حاضرنا وماضينا

سلالم للغد الموعود

ثم نصيح : يا رضوان !

افتح بابك الموصود !

سنطلقق من حناجرنا

ومن شكوى مراثينا

قصائد .. كالنبيذ النحو

تكرع في ملاهينا

وتنشد في الشوارع

في المصانع

في المحاجر

في المزارع

في نوادينا

سننصب من محاجرنا

مراصد تكشف الابعد والاعمق والاروع

فلا تقشع

سوى الفجر

ولا نسمع

سوى النصر

فكل تمرد في الارض

يزلزلنا

وكل جميلة في الارض

تقبلنا

وكل حديقة في الارض

نأكل حبة منها

وكل قصيدة في الارض

إذا رقصت نخاصرها ..

سنخرج من معسكرنا

ومنفانا

سنخرج من مخابينا

ويشتمنا أعادينا :

" هلا ، همج هم ، عرب ! "

نعم ! عرب

ولا نخجل

ونعرف كيف نمسك قبضة المنجل

وكيف يقاوم الأعزل

ونعرف كيف نبني المصنع العصري

والمنزل

ومستشفى ، ومدرسة ، وقنبلة ، وصاروخا ..

وموسيقي

ونكتب أجمل الاشعار

عاطفة ، وأفكارا ، وتنميقا !

 

 

بطاقات الى ميادين المعركة

 

سميح القاسم [77][77]

1-الى الاسطى سيد

  

يا اسطى سيد

إبن ، وشيد

شيد لي السد العالي

شيد لك

أطفىء ظمأ الغيظ الغالي

وامنحنا ، وامنح اهلك

كوبا من ماء

وخضارا وزهورا وضياء

يا اسطى سيد

أزف الموعد

والقرية في الصحراء العطشى

تحلم

والبذرة في الثلم الصابر تحلم

فادفع أشلاء القمقم

في اشلاء الصخر المتحطم

وابن وشيد 

يا اسطى سيد

باسم ضحايا الاهرام وباسم

الاطفال

إبن السد العالي

يا صانع حلم الاجيال !

 

 

2- الى ثوار الفيتكونغ

 

اسمعها تهدر ملء دمي

اسمعها في الوديان على الغابات

على القمم

اسمع صرخات الاحرار وقهقهة

الرشاش

اسمع غارات الفاشست

الأوباش

وأصيح أصيح بلا صوت :

" الموت لآلهة الموت " !

وأحس بكفي تتقلص

وأغيب لبرهة

وأحس كأني اتربص

بذئاب الغزو على ارض الجبهة

وأصب على الأشباح النار ..

وأبكي :

" من يجرع في بارات نيويورك

الويسكي ؟

من يلقى في المقهى حلوة ؟

من ينشد في الشارع غنوة ؟

من يحرث في امريكا ؟ من يزرع

من يحرث في فيتنام ويزرع ؟

من يبقى في المصنع

من يبقى ؟

يا آلهة الموت الحمقى في امريكا

يا آلهة الموت الحمقى ! "

تجلجل ملء دمي

في الوديان على الغابات على القمم

غارات الفاشست الأشرار

وأصيح أصيح بملء فني :

" الموت لآلهة الموت " !

وصباح النصر مشع في أعينكم

يا ثوار فيتكونغ الاحرار !

 

 

3- الى نجيب محفوظ

 

عاشوا ، لم تصحبهم كلمة 

ماتوا ، لم تصحبهم كلمة

فالفصحى والاوراق المصقولة

والانشاء

والحبر الغالي والاقلام الفضية

كانت مسبية

يلهو بمفاتنها النبلاء

والناس البسطاء

عاشوا ، لم تصحبهم كلمة

ماتوا ، لم تصحبهم كلمة

فاغرف من أعماق البئر

العذراء

واسق العامل والفران واطفال

الحارة

فالناس ظماء

أكتب عن شحذ الهمة

واكتب عن أحلام الامة

منارة

طوبى للحرف الشامخ في الليل

والعار لا براج العاج المنهارة

وسبايا النبلاء !

 

4- الى كاسترو

 

قدما قدما في هذا الدرب

ياحاطم اغلال الشعب

قدما يا أول شعلة

في عتمة امريكا المحتلة

قدما ، ما دامت في البيت

أشتات الاوباش الفاشست

قدما : الفجر وقضبان السكر

اسلحة ليست تقهر

يا غوث الجزر المنهوبة

وعزاء الامم المنكوبة

رايات القرصان

ستعوض الى القيعان الى القيعان

شوهاء مخضبة مغلوبة

باسم الحرية والانسان

قدما قدما يا شعبا في كوبا

ما عاد مسيحا مصلوبا !

 

5-الى بول روبنسون

 

من أقصى اطراف الدنيا

ينهل غناؤك في بيتي

ويرفرف في قلبي

عصفورا اسمر منفيا

من أقصى أطراف الدنيا

ينهل غناؤك في بيتي

يا أعمق صوت

ينهل غناؤك في بيتي

يا أقصى لافتة في الدرب

يا فاضح جور الانسان على الانسان

من أقصى أطراف الدنيا :

" بالله ، خذوا أمي للبيت

كي لا تشهد موتي "

وتهوم في عينيا

اشباح الكوكلوكس كلان

يلهون بصلبك في الميدان

يلهون بصلبي في الميدان

وأفيق على ضربة طبل

ويعود الى قلبي الايمان !

 

6-الى كريستوف غبانيا

 

ما زال طويل الاظفار

ما زالت تقذف عيناه حمم النار

ما زالت تحميه دجية

في قلب الادغال الافريقية

ما زال يزلزلنا حقدا لا رعبا

الوحش القاتل لومومبا

ودماء الكونغو ما زالت ، في كل طريق

وصلاة الكونغو ما زالت

والليل عميق

فارفع شعلتك المشبوبة

واضىء للام المحبوبة

فالدرب طويل دون ضياء

والدرب قصير ما دامت

في الموكب رايتك الحمراء

فارفعها ، ولتخفق أبدا

في الدرب على جثث الشهداء

الدرب قصير

الدرب قصير !

هكذا !

مثلما تغرس في الصحراء نخلة

مثلما تطبع أمي في جبيني الجهم قبلة

مثلما يلقي أبي عنه العباءة

ويهجي لأخي درس القراءة

مثلما تطرح عنها خوذ الحرب كتيبة 

مثلما تنهض ساق القمح في الارض الجديبة

مثلما تبسم للعاشق نجمة

مثلما تسمح وجه العامل المجهد نسمة

مثلما يشمخ بين الغيم مصنع

مثلما ينشد بعض الصحب مطلع

مثلما يبسم في ود غريب لغريب

مثلما يرجع عصفور الى العش الحبيب

مثلما يحمل تلميذ حقيبة

مثلما تعرف صحراء خصوبة

هكذا تنبض في قلبي العروبة

***

لن

واحدا تلو واحد

يسقط الميتون تباعا

فاخرس يا بلادي الشراعا

عائد فارس الريح عائد

قطرة تلو قطرة

يمطر الدمع فوق الصحاري

فابشري باخضرار

يا سهوب الرؤى المكفهرة

كان أمسا مقتيا

داسنا باحتقار وولى

وغدا لن نبيتا

مزقا تذرع الارض وهنا وذلا

قسما جذرنا لن يموتا

قسما دمنا لن يطلا

الى جميع الرجال الانيقين في الامم المتحدة!

ايها السادة من كل مكان 

ربطات العنق في عز الظهيرة

والنقاشات المثيرة

ما الذي تجديه في هذا الزمان؟

ايها السادة من كل مكان.

نبت الطحلب في قلبي

وغطي كل جدران الزجاج

واللقاءات الكثيرة

والخطابات الغزيرة

والجواسيس، وأقوال البغايا، واللجاج

ما الذي تجديه في هذا الزمان؟

ايها السادة

خلوا قمر القرد كما شاء يدور

وتعالوا!

إنني أفقد للدنيا الجسور

ودمي أصفر

وقلبي انهار في وحل النذور

ايها السادة من كل مكان!

ليكن عاري طاعونا، وحزني أفعوان

أيها الأحذية اللامعة السوداء من كل مكان

نقمتتي أكبر من صوتي، والعصر جبان

وأنا... ما لي يدان! 

عن روما

روما احترقت قبل قرون

لكن الجذر الضارب في أرضه

لم يفقد في النكبة معنى نبضه

روما عادت... يا نيرون!

 

 

"مدينة الحقد والجوع والجماجم"

عن كرمئيل [78][78]

 

صباح مساء

يطالعنا وجهها و السماء

و نبسم، لا بسمة الاغبياء

ولكنها بسمة الانبياء

تحداهم صالب تافة

يغطي الشموس ببعض رداء!

غدا، يا قصورا رست في القبور

غدا، يا ملاهي

غدا يا شقاء

سيذكر هذا التراب سيذكر

انا منحناه لون الدماء

وتذكر هذي الصخور رعاة

بنوها بأدعية من حداء

ونذكر انا...

هنا سفر تكوينهم ينتهي

هنا سفر تكويننا في ابتداء!

التعاويذ المضادة للطائرات

نحن في عز الظهيرة

نصف قرص الشمس يبكي في الزقاق

والدجاجات يولون على وقع البساطير الكبيرة

وأبي يحشو رصاصات غبية

بين إلحاح نداءات الرفاق:

"راحت "البروة"[79][79]يا ويلي على تلك الشقية

وعلى "الليات"[80][80]يشتد الخناق!"

كنت طفلا آنذاك

كنت أمتص حليب التاسعة

وحليب الفاجعة

كنت جديا حالم العينين

من حولي الآف الشباك

يوم قالت لي أمي بارتباك:

"هذه الليلة لا تخلع ثيابك

ساعة النوم

ولا تخلع حذاءك!"

لم أكن افهم ما تعنيه بالضبط

ولني بكيت!

نحن في ساعات تهويم المساء

نصف قرص القمر المغدور يبكي في الزقاق

لم يعد بعد أني

والشائعات

عن خيانات القيادة

واندفاع الجيش، لكن للوراء

دفعتنا للبكاء!

عسكر "الانقاذ" خرفان تولي للشمال

عسكر "الانقاذ" يلقون البنادق

في الخنادق

وعلى الوحل..

..يزتون النياشين وشارات القتال..

عسكر الانقاذ، يا عار الرجال!

أقبح الفاتح يا ابناء "رامة"[81][81]

أقبح الفاتح يا ناس

فلذوا بالسلامة

ما الذي تجديكم الآن اناشيد الكرامة؟

كنت طفلا آنذاك

علموي أن مجرى الارض في كف السماء

علموني انه، سبحانه، يحيي ويفني ما يشاء

علموني أن اطيع الاولياء

علموني الدجل والرقص على الحبل

واذلال النساء

علموني السحر والإيمان بالاشباح

والرقية والتعزيم

والخوف إذا جاء المساء

علموني ما يشاؤون ولم يستنبئوني ما أشاء

فرس الخضر كفيل بي

وحسبي الاولياء!

ياأبي المهزوم، يا أمي الذليلة!

إنني اقذف للشيطان ما اورثتماني

من تعاليم القبيلة!

إنني أرفضها تلك الطقوس الهمجية

إنني اجتثها من جذرها

تلك المراسم الغبية

إنني أبصق أحقادي وعاري

في وجوه الاولياء الصالحين

إنني أركل قاذورات ذلي وانكساري

للتكايا والدروايش

واقزام الكراسي النابحين!

إنني أصرخ من قعر جحيمي:

يا وحولا لصقت في نعل تاريخي العظيم

إنني أحكم بالموت عليك!

فأعدي كفنا من جلد أنصاف الرجال

واذا شئت، نقوشا و صليبا ونجوما وهلال

ووصايا وابتهال

طرزيها بيديك!

الرعب و البيت الأخير في القصيدة، والخفافيش 

 

1-الرعب

  

حين تغيب الشمس، قالوا، أغيب

في حجرة من وطن! 

احرم، قالوا، من عناق الهموم

بيني وبين القمر

يرعبهم، أعلم، بث الضجر

بيني وبين النجوم

يرعبهم لمسي جذوع الشجر! 

وفي مغيب الشمس، قالوا، أغيب

في حجرتي يا وطن،

قالوا، أكون الغريب

وأنت ملء البدن

فمن ترى يحمل عبر الزمن،

في قلبه، وجهك هذا الحبيب

و من مغنيك.. من؟!

غيري أنا.. يا وطن؟!

 

2-البيت الأخير في قصيدة

 

صعدوا السلم..

أسمع وقع الخطوات المشبوهة

أبصر تحت معاطفهم

عنوان المنزل والفوهة

صعدوا السلم..

همسوا،

ثانيهم يتقدم

يعقف سبابته.. ينقر بابي!

ويلك يا هذا .. عكرت الصمت

ويلك نفرت الصورة

عن آخر بيت.

 

3-الخفافيش 

 

الخفافيش على نافذتي ،

تمتص صوتي

الخفافيش على مدخل بيتي

والخفافيش وراء الصحف..

.. في بعض الزوايا

تتقصى خطواتي

والتفاتاتي

والخفافيش على المقعد،

. . . .

.. في الشارع خلفي

وعلى واجهة الكتب وسيقان الصبايا

كيف دارت نظراتى

***

الخفافيش على شرفة جاري

والخفافيش جهاز ما .. وخبىء في جدار

والخفافيش على وشك انتحار

***

إنني أحفر دربا للنهار!

 

 

كلمات عن العدوان

توفيق زياد

يا بلادي! امس لم نطف على حفنه ماء

و لذا لن نغرق الساعة في حفته ماء

من هنا مروا الى الشرق غماما اسود

يطأون الزهر و الاطفال و القمح و حبات الندى

و يبيضون عداوات و حقدا و قبورا و مدى

من هنا، سوف يعودون، وإن طال المدى

هكذا مات، بلا نعي على الرمل شهيد

طلقة في رأسه، صيحة قهر ووعيد

حفر القاتل في مدفعه رقما جديدا

ومضى يبحث، مثل الذئب، عن رقم جديد

وعلى بضعة امتار بكى طفل وليد

عندما مر على جبهته السمراء جنزير حديد

لا تقولوا لي: انتصرنا

إن هذا النصر شر من هزينة

نحن لا ننظر للسطح ولكنا

نرى عمق الجريمة،

لا تقولوا لي: انتصرنا

اننا نعرفها هذي الشطارة

اننا نعرفه الحاوي الذي

يعطي الاشارة!

انه سيدكم يلهث

في النزع الاخير

اننا نسحبه، من أنفه، سحبا

الى القبر الحقير

ما الذي خبأتموه لغد؟

يا من سفكتم لي دمي

وأخذتم ضوء عيني

وصلبتم قلمي

واغتصبتم حق شعب آمن

لم يجرم ...

ما الذي خبأتموه لغد

يا من أهنتم علمي

وفتحتم في جراحاتي جراحا

وطعنتم حلمي

ما الذي خبأتموه لغد

ان غدا لم يهزم!

انكم تحيون من عشرين عاما

حلم صيف ذا رواء

وتصيدون لأمر الغير

في بحر دموع ودماء.

انكم تبنون لليوم وانا

لغد نعلي البناء

اننا أعمق من بحر، واعلى

من مصابيح السماء

ان فينا نفسا

اطول من هذا المدى الممتد

في قلب الفضاء

أي ام اورثتكم، يا ترى

نصف القنال؟

أي ام اورثتكم ضفة الاردن،

سيناء، وهاتيك الجبال؟

ان من يسلب حقا بالقتال

كيف يحمي حقه يوما

اذا الميزان مال؟

ثم.. ماذا بعد؟ لا أدري، ولكن

كل ما أدريه أن الارض حبلي والسنين

كل ما ادريه ان الحق لا يفنى

ولا يقوى عليه غاصبون 

وعلى ارضي هذي

لم يعمر فاتحون

فرفعوا ايديكم عن شعبنا

لا تطعموا النار حطب

كيف تحبون على ظهر سفينة

وتعادون محيطا من لهب؟

فارفعوا ايديكم عن شعبنا

يا ايها الصم الذين

ملأوا آذانهم قطنا وطين

اننا للمرة الألف نقول:

نحن لا نأكل لحم الآخرين

نحن لا نذبح اطفالا ولا

نصرع ناسا آمنين

نحن لا ننهب بيتا

او جنى حقل

ولا نطفي عيون

نحن لا نسرق آثارا قديمة

نحن لا نعرف ما طعم الجريمة

نحن لا نحرق اسفارا

ولا نكسر اقلاما

و لا نبتز ضعف الآخرين،

فارفعوا ايديكم عن شعبنا

يا ايها الصم الذين

ملأوا آذانهم قطنا و طين

اننا للمرة الالف نقول:

لا! وحق الضوء

من هذا التراب الحر

لن نفقد ذرة!

اننا لن ننحني

للنار والفولاذ يوما

قيد شعرة!

كبوة هذي وكم

يحدث أن يكبو الهمام

انها للخلف كانت

خطوة

من أجل عشر للأمام!

 

 

قصائد قصيرة

 

1-ثلج على المناطق المحتلة

محمود وسوقي[86][86]

أي شيء يقتل الاصرار

في شعب مكافح ؟

وطني -مهما نسوا-

مر عليه الف فاتح

ثم ذابوا

مثلما

الثلج

يذوب !

 

2-أمثال

 

عن جدنا الاول

قد جاء في الامثال:

"واوي بلع منجل" !

كل ما تجبله الريح

ستذروه العواصف

والذي يغتصب الغير

يعيش العمر

خائف! 

 

 

3-شيء عابر

 

لست عرافا،

ولا أفتح في الرمل

و لا أقرا النجوم

انما أعرف أن الظلم

شيء عابر

ليس يدوم !

 

 

4- شجرة التوت

 

عندما مروا صباحا فوقها

همست شجرة توت :

إلعبوا بالنار ما شئتم

فلا

حق

يموت !

 

 

5- آخر مرة

 

عندما داسوا عليها هتفت

جنب نبغ الماء ، زهرة :

ايها المحتل حدك

هذه آخر مرة

هذه

آخر مرة!

 

سراب

 

طوق طوق، وانسف، واقتل كل الأحباب

واحرق بيتي، أحرق زرعي، واحرق كل كتاب

فمحال أن يروي ظمأ العطشان غدير سراب

صبرا لن ينتصر الناب على بسمة طفلي

صبرا يا أمي، صبرا أختي، صبرا واحتملي

سنسمر تلك الايدي فوق الابواب،

وسنذبح ذاك الوحش بتلك الأنياب

سيغني البلبل، سيعشش فوق الاعتاب

وسيطلع فجر الشعب، ولن يطلعه غير الأحباب

 

 

حادث ليلي

 

فتح الباب علينا .. فجأة ..

وانهار أرضا كالجدار

كان في عينيه رعب،

... وعلى الجبهة فرخا جلنار

وعلى الكتف اليسار

ثوبه القطني معجون مع الكتف اليسار.

. . . .

لم يقل شيئا ..

.. قفزنا نحوه ..

.. مزقت الصمت امرأة :

- "أينه .. ؟ ! " صاحت: " أب أولادي الصغار "

لم يقل شيئا .. ولكن

طال من جبيبه منديلا معرق

كان منديلا عرفناه جميعا

كان مخضوبا مخرق

صاحت المرأة "أواه" وراحت . 

.. تتمزق ..

. . . .

- " آه كم موت علينا هذه الايام أن نهرب منه " 

زفر المنهار أرضا كالجدار

وعلى أسنانه شد كمن يبلع سكينة نار

"كنت أمشي خلفه لما سمعت المدفع

الرشاش .. أمشي كنت خد .. كانت

الليلة قمراء، وكان النهر مرآة، وكنا 

نقطع الجسر حفاة صامتين

مثل رتل من لصوص حذرين

كانت الليلة قمراء و كنا عشرة .. عشرين .. خمسين

أنا لا أذكر كم ..

.. لك يا أرض العذاب

يا يوت الطين .. يا رائحة الأهل ..

ويا حفنة عشب وتراب

مثل رتل من لصوص لك كنا عائدين 

نقطع الجسر حفاة حذرين

عندما انقضوا علينا فجأة مثل الذئاب

فتحوا أفواه رشاشاتهم .. متران كانا بيننا

آه كم موت علينا ،

هذه الأيام أن نهرب منه ! !

لم نكن نحمل حتى خنجرا

وتساقطنا على بعض تساقطنا

كرف من ذباب

وهو.. ؟ ! صحنا كلنا صيحة شك وارتياب

وهو.. ؟ ؟

صمت ،

ونشيج ،

وسكاكين عذاب

. . . .

-" جمعونا كلنا في حفرتين

و رموا بعض التراب

لم أكن ميتا ولما تركونا

قمت .. كان النهر مرآة وكانت

ليلة حمراء غرقى في الضباب

وأنا أزحف في صمت وذعر وعذاب

وعلى الأرض أمامي

و كان منديله ملقى ، فعرفته ،

وحملته ... "

. . . .

جلست في قرنة الغرفة تبكي امرأة حبلى

وبنت وصبي

أنت يا محمرة العيني ن.. ما نفع البكاء

عندما نفس الدماء

لا تساوي اليوم شيء‍‍ ! !

*** 

آه يا رائحة الاهل ..

ويا بيتا من الطين ..

ويا حفنة عشب وتراب

كم علينا اليوم ..

من أجلكم ..

.. أن نجرع الموت ..

وألوان العذاب ‍‍‍‍‍! !

ادفنوا أمواتكم وانهضوا

وعلينا كان أن نشربه ..

حتى الزجاج

كأسنا المر المحنى

وعلينا كان أن نذبح

.. ذبحا كالنعاج

ساعة التاريخ جنا 

انما لا بأس ‍‍! هذا لحمنا جسد ..

.. على البحر الأجاج

لضفاف لم تخنا أو نخنا

يا ترابا كله تبر

وياقوت وعاج

حبنا أقوى من الحب وأغنى 

فادفنوا أمواتكم وانتصبوا

فغد -لو طار- لن يفلت منا

نحن ما ضعنا .. ولكن

من ..

جديد ..

قد ..

سبكنا .

 

 

شيئ جديد

 

فوزي الأسمر[82][82]

-1-

لابد من يوم جديد

يوم ،

تخاف الشمس فيه من العبيد

والفجر يهزأ بالقيود 

وبالحديد ،

والطفل يحتضن النشيد

ويدوس بالقدمين ثعبانا حسود

ويدق صدر الارض ، يقتحم السدود

والطفل في ارواحنا شيء جديد .

-2-

في كل فجر عندنا ... يوم جديد

و كلى كواهلنا حديد

سنزيل ذاك الصلب والحمل العتيد

سنزيله

حتى نعانق فجر أمتنا الجديد .

-3-

ما قيمة الانسان ... في الديجور

في اللحن العتيق ؟

في عقر قبر نوره ليل .. سحيق

في وجه بوم ،

لحنها صوت النعيق

ما قيمة الانسان ان هجر الحريق ؟

لاشيء بعد الهجر يكنى بالجديد .

-4-

ما قيمة الحب الملفع بالنعيم ؟

في فجر يوم .. غائم

سئم ... عقيم

الحب قد مج الغيوم

وعانق الفجر الجديد

الحب في ارواحنا شيء جديد .

***

المعبد القديم

 

في معبدي القديم ، لم أزل

ألملم في موقد اللهب

اصوغها نغم ،

انشودة من العزاء ... والامل

ولحنها ،

من لحن نارنا ، وحبنا الكبير

من نور قلبنا المنير

من جرحنا ، 

من جرحنا الذي يلون العبير

من زند ذاك الاسمر الصلب الذي يفجر الصخور

من أرضنا الثكلى ومن الربيع على الزهور ! 

في المعبد القديم

عيون شمعنا تذوب في ضجر

دخانها يفيض .. في غضب

ليلثم الجدار !

ويترك الظلام بقعة من عارنا على جبين

سقفه القديم . 

ما زال ذاك المعبد القديم

يغوض في بخورنا ،

في كل يوم نحرق البخور

هدية لله

لنفس ربنا القديم ! 

و يخرج الدخان

مجمعا في حلقة الضباب 

من غير لون

من دون رائحة

كأن نارنا رماد

وكبشنا هباء ! 

في المعبد القديم

ما زال صوتنا يردد النشيد

مع الف تائة شريد لربنا القديم

لربنا القديم

لنفس ربنا القديم

كي يقبل النشيد

ونارنا... وكبشنا السمين

ويقبل البخور

هدية من قديم ! 

هذي الطريق

"قال عقبة بن نافع و هو ينظر الى المحيط بعد ان تم فتح المغرب:

و الله لو أمرني الجهاد بخوض هذا المحيط بحصاني هذا لفعلت.. "

عزت معانقلنا

مشحونة بالحقد يغلي في مراجلنا

وبطولة كالورد

تعبق في خمائانا

ومضت قوافلنا

للمجد رواها فخار من مناهلنا

تروي عن الارض الخصيبة

بالدماء

وعن الكرامة والاباء

قصصا تضوع على منازلنا

نصرا بلاد المجد

قلب المجد تؤويه منازلنا

نصرا بلاد الله

روح الله في دمنا

الله في دمنا

الحقد ،

حتى تنجلي الآفاق عن شمس

تعانقها مشاعلنا

انا سليلو طارق

أو من مضوا مع طارق 

للفتح عبر المغرب

كل يقول أنا الفتى العرب

في الدم ثورتي وتوثبي

حملوا للذريق الزؤام من السماء

من المضاء اليعربي

حرقت سفائنهم سواحلنا

انا ورثنا الحرب

لا كان التخاذل في شمائلنا

انا ورثنا صيحة لله

ما زالت تدوي في سواحانا

-والله لو أمر الجهاد

يخوض هذا البحر

لاندفعت قنابلنا[83][83]

بالحقد

حتى تنجلي الآفاق عن شمس

تعانقها مشاعلنا

 

 

وهم

 

نزيه خير[84][84]

مزارع الضباب في قلوبهم

و في عيونهم ضراوة الحريق

مداوا يد المصير

لعالم بلا مصير

ورحلة التيار قصة

تمر في نفوسهم

تعود في مدارج الشقاء

منزوعة ..

من كل ما في الصبح من رجاء

منزوعة من فجرها الاصيل

- والوهم - لم يزل خلودهم .. ولم تزل

مزارع الضباب في قلوبهم

وفي عيونهم ضراوة الحريق .. !

 

 

منسية الميلاد

 

ميلادها .. ومضى بغير حكاية

تروي لقاء

***

الناس بالاعياد

لا ضمة .. لا

***

همسة عطرية

رضيت تراقص

***

شمعة الميلاد 

ربيت في الميلاد

***

حزمة نرجس

فمضى و نرجسي الحزن

***

يهادي

لا تحزني .. فغداة يصحبك الندى

في نجوة تهفوا

***

الى الميعاد

و غداة آه من غداة اذا

***

هوى

فعلى طلال و ثوبة

***

انشادي 

و على مشارف

***

صبحة قمرية

نجلاء كحلها

***

النسيم النادي

لا تحزني .. ما كان يضني قولهم :

مسكينة ..

***

منسية الميلاد .. !

 

 

الجياد

راشد حسين[85][85] 

في بلاد الآخرين

يولد الطفل صغيرا 

فيصبون على أيامه دفئا ونورا

ثم يروون له من قصة الشمس

سطورا

واذا الطفل الذي كان صغيرا

رجلا يصبح .. إنسانا كبيرا !

في قرانا يولد الطفل أميرا

فيصبون على عينيه ليلا ونذورا

وعلى جلدته الرخوة يبنون قصورا

واذا الطفل الذي كان أميرا

قزما يصبح .. إنسانا صغيرا

يشرب الوحل ويجتر القشورا

في بلاد الآخرين

يكبر الطفل و تنمو معه كل المعاني

وعلى جبهته تنمو نجوم وأماني

في قراتا.. بين طيات الدخان ..

يكبر الطفل لكي تكبر بالطفل التهاني

ليقولوا : " أصبح المحروس حلما

للحسان" ..

او " عريسا " صار .. في سن

الزواج ابن فلان

واذا جيل من العرسان يجتاح

بلادي

جيل اطفال كبار .. كالجياد !

ملأت اذهانهم اشباح تفكير رمادي

فالاماني تنتي عند " سعاد "

عند اقدام "سعاد "

عند حناء على كف " سعاد " !

ليت أهلي يلدون الطفل طفلا

ثم لا يرمون في عينيه وحلا

عله يزهر في ارض بلادي

جيل فرسان جديد .. في بلادي

يلد الاطفال اطفالا صغارا

ثم يغدون رجالا.. يملأون الليل نارا

علني المح من حولي نسورا

لا عصافير يقلدن النسورا !

في بلادي الآخرين تقلق الناس النهاية

في قرانا تقلق الناس البداية

همهم ان تلد الزوجة مولودا ذكر

ليقولوا " انها بنت أصيل مفتخر .. "

"وضعت طفلا ذكر

وجهه وجه القمر"

ليقولوا : "زوجها فحل عظيم ..

رجل"

او " جواد عربي .. بطل لا يخذل "

" ابنه البكر ذكر

وجهه وجه القمر " !

بعد هذا ليصر ابنهم راعي ذباب

وليكن دودة ارض .. كل ما فيها

تراب !

وليكن ابكم .. أعمى .. وليكن بوم

خراب

وليمت والده ولتمت والدته

ولتمت من فرح قابليته

فهو مولود ذكر

وجهه وجه القمر

امه بنت نبيل .. فرس لا تعثر

زوجها فحل أصيل .. بطل منتصر !

وطن ي.. قل لي يا وطني

مرة تغرقنا بالضوء لا بالوسن

بعد أن أغرقتنا في عسل في لبن

عل اسواق الجواري تتهدم

و الجياد السود للنار تقدم

عل ارتال العصافير تدور

واذا هن صقور ونسور !  

خواطر واصداء

وبكت تعزيه السماء فزادت المنهوك وجدا

هل غارق في اليم يطلب من سماء الكون مدا

ويريد أمطارا تجمد جسمه فيزيد جهدا ؟

لا يا سماء ، توقفي ! فالبائس المحزون هدا !

 سر يا أخي لا تأس ، إن الهزء بالأرزاء أجدى

في صفحة التاريخ نحن نحظ فوق المجد مجدا

سر جدد الأمل الوئيد ولا تكن لليأس عبدا !

 

 

السجن والكفاح

محمود وسوقي[86][86]

 

لن يرهب ، السجن احرارا لنا سجنوا

او عذبوا بنواحي الأرض واعتقلوا

لن يرهب السجن آسادا مزمجة

لا ترهب النفي و التعذيب ما فعلوا

لن يرهب السجن من أملاكه سلبت

و بيته درست آثاره " القلل "

أضحى يهيم ، فلا أرض ولا بلد

و لا بيوت و لا مال و لا عمل

أين العدالة يا من تدععون بها

أفي العدالة " تصريح " و " معتقل " ؟ 

أفي العدالة " تركيز " " مصادرة

و" حاضر غائب " فيهاى كم الرجل"

ثوروا على الظلم والطغيان واتحدوا الى

متى شعبنا للظلم يحتمل

سيروا نحطم قيدا قد علاه صدا

و نهدم الظلم ، لا خوف ولا وجل

مرت سنون على الاوطان حالكة

فما رأي ظلمنا آباؤنا الأول

" دافيد " فكرت ان السجن يرهبنا

لن نرهب السجن والتعذيب .. فاعتقلوا !

هنا نثور على ظلم يحيق بنا و شعبنا

اليوم كالبركان يشتعل ..

شعب وخيام

بلادي أيكفينا لثم التراب

و هذي الحجارة بعد الغياب

بلادي انبقي نزيلي الخيام انبقى

نرافق مر العذاب

أيبقى الشقاء حليفا لنا

أما كنا في المهد صرنا شباب

أتبقى على البعد آلامنا

واحلامنا في البعد شبه السراب

أنبقى نعيش بهذي الخيام

وجوف الكهوف وفوق الهضاب

و أرض ودار وزيتونه

تنادي و تندب فوق الصحاب

تحن الى اهلها النازحين

تبلل بالدمع وجه التراب

بلادي اعلمي في دمي ثورة

أنا عائد رغم كل الصعاب

انا عائد رغم هذي الحدود

الى دارنا بعد طول الغياب

أنا عائد زغردي يا طيور

و زفي الى الاهل بشرى الإياب

 

 

الأقصوصة

 

 

وأخيرا: نور اللوز[87][87]

 

أبو سلام

"في السنوات الرومانسية من صباي قرأت رواية ديكنز، "قصة مدينتين"، واستبطلت سدني كارتن الذي ضحى بحياته لانقاذ زوج المرأة التي احبها، حين بادله اللباس والمكان في الباستيل، وتحت شفرة المقصلة.

 

ومثل غيري من الناس لم يصمد بطل من ابطالي للبلى. بل اقبلوا وادبروا مع اقبال العمر ومع ادباره، حتى لم يبقى لي بطل سوى فيلسوف هيجو، جرنجوار الآفاق البائس، في "احدب نورتردام"، الذي، حين طلبوا منه المبادلة نفسها لانقاذ ازمرالدة الغجرية الحسناء ورفض، فسئل عما يجعله شديد التعلق بالحياة، اجاب: سعادتي الكبرى في قضاء الأيام كلها، من الصباح الى المساء، مع رجل عبقري هو أنا، وهذا شيء جميل جدا".

- والعروبة ؟

- هلا أقلعت عن العتاب والتهكم في مقابلتنا الاولى هذه، بعد انقطاعي عنك عشرين عاما؟

وهذا ما اردته بالضبط حين ذكرت الاستاذ "م" بالعروبة، وقد فاجأني بزيارة ليلية اثارت دهشتي، وأثارت شكوكي، ورجاني ان استمع اليه ببال طويل.

 

لقد كنا صديقين حميمين في سنوات الابتدائية فالثانوية. وكنا، سوية، مؤسسي الجمعية السرية الاولى في مدرستنا الابتدائية لمحاربة الانجليز، التي لم يكن فيها سوى العضوين المؤسسين، ولم تترك أثرا سوى عادة التدخين المزمنة والتي اعتبرناها من مقتضيات العمل السري. ولبسنا النظارات الشمسية السوداء، اخفاء لدموع الرجال، حين احتفلنا بانهاء الدراسة الثانوية، وتوادعنا وتواعدنا.

 

اذ افترقت طرقنا فيما بعد. فسافر " م " الى القدس لانهاء دراسته في الكلية العربية، ثم رجع الى بلدنا حيث عمل مدرسا للانجليزية في مدرستها الثانوية ولا يزال في هذه الوظيفة حتى الآن.

 

ومنذ ان قامت اسرائيل انقطعت صلتي به انقطاعا تاما. وحتى المرحبا اخذ يتحاشاها حين نلتقي عرضا في الطريق. وكانت آلمتني هذه القطيعة في بدايتها، حتى تعودت عليها، واسقطته من حياتي مدركا انه من ذلك النوع من الناس، أشبه ما يكون بامرأة كانت في عزوبيتها لا تقوم عن قراءة قصة حتى تقع على غيرها، فلما وجدت الزوج، لم تعد تقرأ شيئا، ولا قصاصات الجرائد في دورة المياه.

 

وصاحبنا، الذي كنت واياه نتنغم سوية بفتوحات خالد بن الوليد، وبمراثي المتنبي، وبكفرانيات ابي العلاء -العروبة، قد تزوج الوظيفة. فكيف وشأنه ان يحافظ عليها في اسرائيل حيث من مستلزمات ذلك ان تنكر كل صلة بصديقك وبقريبك اذا كان من المشاغبين على السلطة، ولو كان أخاك ابن أمك وأبيك؟

ثم طرق بابي فجأة، في ذات ليلة من الليالي ألتي أطبقت بعد حرب الايام الستة. وقعد قبالي بعد قطيعة عشرين عاما. وقال: استمع حتى النهاية.

فما الذي حط في قلبه أسدا، فتجرأ على زيارتي ؟

ووصل الاستاذ " م" ما انقطع حديثه:

- سقط سدني كارتن من ألبوم أبطالي مع شعرات شفرتي الاولى. ولكن عنوان رواية ديكنز - "قصةمدينتين" - ظل يلاحقني ويسرحني ويؤثر على ذوقي طول هذه السنين الطويلة. وكان هذا التأثير يظهر بأسكال حيرتني في بادىء الامر. ثم استسلمت له. بل اصبحت احمله معي عاطفا عليه، معزا له كما يحمل انسان تعويذة كانت والدته علقتها بعنقه منذ الطفولة.

وفي بداية عهدي بهذا التأثر الغريب شرعت في كتابة "قصة مدينتين" من تأليفي، مدينتين من بلادنا، حيفا و الناصرة. و كتبت فصلها الاول، فاذا القصة تنتهي به، فطرحتها. ثم قررت ان اتخصص قي موضوعين، الانجليزية و المحاماة. و لكننني لم أفعل. و عاجلت قرض الشعر بلانجليزية و بالعربية، فقرضت الهواء، باللغتين معا. و يؤلمني انني لم أنجب سوى ولد واحد، فانني راغب في ولدين اثنين رغبة شديده. و عليك ان تسأل ابنك الذي أعلمه في المدرسة الثانوية فيخبرك ا نني لا أعطيهم للقراءة سوى كتابين معا، و شاعرين للحفظ، و أديبين للمقارنة، و ساعتين للامتحان. و أشاء أخرى في حياتي، لا ضرورة الى ذكرها، تؤكد سيطرة هذه الازدواجية، في ذلك العنوان السحري -"قصة مدينتين"- على ذوقي وعلى عقلي. و لكنك، و لا شك، لاحظت هذا الامر حين كنا صديقين في شبابنا. هل نسيت انكم كنتم تلقوبني بأبي الذقنين؟

- كنت ضخما و منفخ الوجنتين.

- لا. بل كنت مثلكم بذقن واحدة. و أما هذا اللقب فعلق بي كنت أحب ترديد القول: "لا تهمني ذقن ممشطة او ذقن نخططة": ذقنان، ذقن رجل و ذقن امرأة، اثنان، "قصة مدينتين"، هذه هي الازدواجية، تعويذتي التي حملتها حول عنقي منذ الصبا.

 

(ان صاحبي القديم هذا انسان مرتب، في هندامة و في كلامه، و هو مسرف في حديثه دون تكلف. متركه على هواه كما عودته فيما مضى. خصوصا و انني دهشت من زيارته المفاجئة، و أردت أن أستشف غرضه من هذه الزيارة. و لقد اعتقدت انني بدأت أفهم غرضه. قلت في نفسي: أحد أمرين -اما ان وازعا من ضميره ايقضته الحرب فدفعه الآن، بعد عشرين عاما، الى تبرير انقطاعه عني بهذه الازداوجية. و أما ان واحدا ما قد أرسله الي لامر ما، و هو يريد ان يسترد صداقتي بالحديث عن هذه الازدواجية السحرية. فاحترست منه و تشوقت الى نهاية حديثه).

 

فقال:

لذلك لم تطل دهشي حين ارتقت بنا السيارة، لاول مرة بعد حرب حزيران، في منعطفات طلعة اللبن اللولبية، قي الطريق من نابلس الى رام الله.

 

فلتت مني شهقة حين عبرنا المنعطف الاول، وارتج لساني ومقود السيارة في يدي. و هتفت بزملائي الذين كانوا معي في السيارة: عشرين عاما و أنا أحلم بهذه المنعطفات اللولبية. هذه الطلعة لم تغب عن ذاكرتي يوميا واحدا. اني أتذكر كل منعطف فيها. هي اربعة فعدوها. و هذه الجبال المشرئبة تحرس السهل الاخضر. هي عشرة فعدوها. و هذا الهواء النقي، هذا الاريج أعرفه. اني استنشق رائحة رافقثي طول العمر. هذا المكان مكاني!.

(فهمت! الآن فهمت لماذا جاء هذا المسكين الي بعد انقطاع عشرين عاما. يالصديق الصبا، كم قسا الدهر علينا! عذرا على شكوكي. و كدت أقوم كي أعانقه. و لكنه لم يمهلني).

فلم ينقطع الاستاذ "م" عن حديثه:

-بعد الحاحي رضي زملائي بأن اوقف السيارة عند المنعطف الاخير، الرابع. و نزلوا معي لنستنشق ذلك الهواء و لنملاء عيوننا بمشهد الجبال و السهل المحروس. و اشجار اللوز تملأ السهل و الجبل، أما كان أجدر بهم ان يسموها منعطفات اللوز؟ و كان شيء في داخلي يدعوني الى السجود. و كان شيء في عيني يذوب دمعا.. و شعرت شعور المشاهد عجيبة تقع أمام ناظريه. و كأني أحيا مرة ثانية سني شبابي الماضية، في مراتع صباي، لا أراها فقط بل أحياها، و استنشق هواءها و أحس بدماء الصبا، مع زائحة الطابون و القطين تجري مشبوبة في عروقي.

 

و لكن زملائي لم يمهلوني. و سرعان ما أسقطوني من شواهق منعطفاتي الى واقعي في الحضيض. هذا يريد متابعة السفر حالا لان تصاريحنا لا تنص على انه يسمح لنا بالنزول في طلعة اللبن. و هذا يتهكم على ذكرياتي عن هذه الطلعة بأنني في يوم من الايام، قبل عشرين عاما، قد بولت في أحد منعطفاتها. و غير ذلك من الكلام الذي ألفناه نحن الاساتذه حين نبتعد عن طلابنا و عن زوجاتنا.

 

و ظلت طول الطريق الى رام الله فالقدس فبيت لحم، و في العودة، أهجس بهذا الامر المدهش، و استرحم ذاكراتي ان تستعيد ما وقع لي من أمر، في شبابي، في هذه الطلعة، جعلني أقف مأخوذا أمامها، لا أريد مفارقتها أبدا.

 

و لكن دون جدوى، حتى وصلنا اليها في العودة فهبطناها دون توقف. فرآني أحد زملائي مهموما. فوضع يده على كتفي مواسيا، و قال: هي شبيهة بطلعة العبهرية، في الطريق من الناصرة الى حيفا، فلعل الامر اختلط عليك.

 

فرفع حجرا ثقيلا عن صدري.

منذ حوالي عشرين عاما و أنا اسافر الى حيفا مرتين في الاسبوع، حيث أقدم دروسا اضافية في احدى مدارس الثانوية، فأمر بطلعة العبهرية ذهابا وايابا. اقنعني زميلي بهذا التفسير البسيط، مع علمي بانعدام الشبه بين الطلعتين، لانني أعرف سر نفسي وضعفي بقصة المدينتين . لاشك في أن طلعة العبهرية ارتبطت دائما في مخياتي بطلعة اللبن. قبلت هذا التفسير، و أزحت عبثا ثقيلا عن صدري.

 

(يا للانسان! أيذبح في ذاكرته ذكريات لا يقوى على احتمالها؟ كنت احسب أن فاقدي الضمير تتحجر قلوبهم، فلا يشعرون بتأنيبه. فاذا الامر مختلف. و اذا الانسان اعجز من أن يقتل ضميره، فيقتل الذاكرة! اذن، لماذا جاء يحدثني بهذه الحكاية؟).

وقال صاحبي القديم:

-تذكر ان لي معارف وأصدقاء عديدين في الضفة الغربية. من ايام الدراسة وفيما بعد. أستاذه و محامون و اطباء ورجال أعمال وسياسون ووزير ومستوزرون. و لقد زرتهم جميعا. ووصلنا ما انقطع من ذكريات ومن صداقة. وعادوا كما كانوا قبل عشرين عاما من حياتي. ولا يمضي أسبوع الا و أزور أحدهم او يزورني. كنت في الماضي توهمت انهم نسوني، واستحوا بي، وانهم قطعونا من شجرة حياتهم كما يقلم الفرع الجاف لتنمو و لتورق.

ولكننا فرع اورقته الحياة.

-صدقت. جئتهم في بادىء الامر متعثرا، غير متأكد من استقبالهم. فوجدت ما لم أكن أتوقعه من حنين الى صداقة قديمة، و من اعتزاز بها. و وجدت أنهم كانوا يتتبعون أخبارنا. و كانوا يلتقطونها من فم الطير. ووجدت انهم يضعوننا أعلى من الموضع الذي وضعنا أنفسنا فيه. وكنت رغبت في أن أخفي عنهم انطوائي في الصدفة عشرين عاما. فاذا بهم يعرفون ذلك ويبررونه على غير ما أرى نفسي. لقد رفعوا من قدري فارتفعت. وشالوني فطالت قامتي، فأصبح رأسي فوق الضربات.

ولذلك قلت لك انهم عادوا جزءا عزيزا من حياتي، تلك التي عرفتها انت قبل عشرين عاما.

-فهل زرتني الليلة بقامتك الطويلة، علنا ؟

-وهل استطيع أن أزورك الا علنا !

-وهل، لهذا، زرتني ؟

-لا. بل لامر يقلقني ويؤرقني. قلت لك ان دهشتي لم تطل حين أهاجتني طلعة اللبن ومنعطفاتها. فقد أعدت شعوري هذا الى تعويذتي التي لازمتني طول حياتي، الى ازدواجية تفكيري ومنطقي، والى اتصالي المستمر بطلعة أخرى، هي طلعة العبهرية.

وصعدت منطفات اللبن وهبطتها عشرات المرات منذ ذلك الوقت. وحين كان الحنين الآسي الغريب اليها يدهمني كنت أعلله حالا وأريح ضميري.

حتى جاء ذلك اليوم من أيام شباط الماضي، حين عدت مع زوجتي وولدي من زيارة أصدقاء لنا في القدس القديمة. وكان الوقت ظهرا حين بدأنا نهبط منطفات اللبن. زكانت براعم اللوز تتفتح. والوانها البيضاء والحمراء تتعانق في نشوة ربيعية رقصت الجبال العشرة كلها.

- بأي لغة نظمت هذه القصيدة ؟

-بلغة عيني وبلغة قلبي. وستسمعني حتى النهاية :

وظلت زوجتي تلح علي بأن اوقف السيارة، حتى نلتقط اغصان لوز منورة تزين بها البيت. ولم أرضخ لطلبها الا في المنعطف الاخير، الادنى، تقوم شجرة لوز عتيقة اعتقد انها كانت موجودة أيضا في أيامي السابقة.

فنزلنا وقطعنا اربعة أغصان ابتسمت لنا وابتسمنا لها.

وحين سألتني زوجتي: هل اذا زرع غصن اللوزفي التراب ينمو شجرة، اقبض صدري وبدأت أتذكر.

هل تذكر انه في مطلع شبابنا كان لنا صديق، احب فتاة من القدس او من بيت لحم، من هناك، وكنا نحب حبه ؟

-كنا أحب، وكنا نحب حبه.

-بلهذا الصديق كان حبه أجمل من حبنا. وكانت له قصة. وكنا في رحلة. ونزلنا أمام تلك الشجرة في باب طلعة اللبن. و كتن هناك بيت. وكان فيه دجاج وابقار. والبيت لا يزال قائما ولكنني لا أرى الدجاج ولا أرى الأبقار. واستسقينا سكانه ماء. واذا بفتيات، في رحلة من القدس، وهن يقطعن اغصان اللوز المنور. وكانت بينهن صاحبة صاحبنا. والتقيا، وناولته غصن لوز منور. وفررن. هل كنت معنا ؟

-وماذا بعد ؟

-اني أذكر عنه قصة جميلة. لا أدري الآن كيف وصلت الي. فصاحبته قطعت فرعا من الغصن وقدمته اليه واستبقت الفرع الآخر. وتعاهدا على ان يحتفظا كل بفرعة، وان يلتقيا في الربيع القادم، حين ينور اللوز، فيأتي بأهله ويخطبها من أهلها. فكيف كانت نهاية قصتهما الجميلة ؟

-وما اهتمامك كل هذا الاهتمام بأمرهما ؟

-لست أدري. ولكنني احسب ان دافعا قويا يدفعني الى ان افتح صفحات صداقتي القديمة، كلها. كأنما أريد ان أشد حاضري الى روابط ماضي، كلها، حتى لا تنفصم أبدا مرة ثانية. كان ذلك الماضي فياضا بالامل. وكان يحتضن الدنيا وما فيها. وكان نقيا مفتوحا كعيني طفل. وكأنني اليوم أريد ان أتعلق بخيوطه حتى انتشل نفسي من هذا الحاضر. فهل تراني غريقا اتعلق بحبال الهواء ؟

-ثم ماذا ؟

-منذ حرب حزيران وانا أتجول كالملهوف بحثا عن الاصدقاء القدامى. وكلما التقيت أحدهم تأججت لهفتي الى لقيا الآخرين. ومنذ ان تذكرت قصة صاحبنا هذا وانا أفتش عليه، وأبحث عنه،فلا يذكر أحد من أصدقائي قصته. وقد أوقعتني هذه اللهفة في مآزق. وكدت أن لا ألقىصديقا من أصدقائي القدامى الا والح عليه بأن يخبرني كيف تعرف على زوجته !

ولم يبق من أصدقاء الصبا من لم أسأله عن صاحبنا هذا سواك. لذلك جئت اليك. فهل تذكره وتريحني ؟

-كنت دائما غريب الاطوار يا صاحبي. ولكنك الليلة أغب ما كنت. فما هذا اللهفة على معرفة أمر جانبي ؟

-تقول: جانبي ! انني أدرك الآن انني ما انطويت في صدفتي، واحدودب ظهري، الا حين قطعت الصلة بماضي. وما هو هذا الماضي؟ ان الماضي ليس زمنا. ان الماضي هو أنت وفلان وفلان وجميع الاصدقاء. سوية رسمنا لوحة هذا الماضي. وكل منا لونها بلونه الخاص حتى جاءت على صورتها الشابة المشتعلة التي عانقت الدنيا وما فيها. ولن أعيد الصلة بهذا الماضي الا اذا تكاملت اجزاء اللوحة بجميع ألوانها. وصاحبنا هذا، بحبه الجميل، أراه الابتسامة في ثغر هذه اللوحة. أي ماض يبقى بدونه. وماذا يبقى من لوحة الجيوكندة اذا مسحت ابتسامتها؟ ان قصته، التي سيكون اللقاء، عودة الحبيب الى حبيبته، خاتمتها المفرحة، والتي سيكون الفراق الزمن خاتمتها المحزنة، أراها أصدق تعبير عن ربيعية ماضينا، الذي أريده أن يعود كما يعود الربيع بعد كل شتاء.

 

-اراك تعود الى قصة المدينتين، الفرعين، المحب وحبييته، النهاية المفرحة والنهاية المحزنة. أما الحياة فهي ليست خطوطا متمايزة بل هي خطوط متشابكة. فلماذا لا يكون خيالك، الذي أيقضه حنين ربيعي الى جبال شامخة، قد توهم هذه الحكاية؟

-لقد استيقظ خيالي حقا، ولا أريده أن ينام مرة أخرى. لذلك ابحث عن صاحبي هذا. فهل أفهم انك لا تتذكره؟

-دعني أحاول. فاذا تذكرته ابلغتك الامر.

وتركني الاستاذ "م" وهو مهموم كما لم أره مهموما في حياتي. وبقيت مكاني مهموما كما لم أكن مهموما في حياتي. ولعدة دقائق بعد خروجه أمسكت نفسي قسرا عن اللحاق به حتى أهز ذاكرته من موتها.

ولكن، هل استطيع احياء الاموات؟

كيف لا أتذكر قصة الحب الجميلة التي يتلهف الاستاذ "م" على تذكر صاحبها. وكم مرة سألت نفسي: كيف يستطيع انسان ان يقتل في قلبه مثل هذا الحب؟

 

وبعدحرب حزيران، حين زرت السيدة الكريمة، الوفية، في القدس او في بيت لحم، هناك، على حد تعبير الاستاذ "م”، وأرتني غصن اللوز الجاف،الذي لا تزال تحتفظ به، ويكاد يشتعل بالاحمر وبالابيض حين تستعيد قصته، واخبرتني انه زارها مع عدد من زملائه المعلمين، وكان طول الوقت كثير الكلام وشديد الحبور، وانها أدخلتهم الى مكتبتها ليروا مجموعة الكتب والتحف التي جمعتها، وانه لحظ غصن اللوز الجاف، فسألها ما هو، فأخبرته ان اللوز ينور في شباط، فانتقل يحدثها عن المشمش وعن الجمعة المشمشية، دهشت لهذا الامر أشد دهشة.

 

ولكنني الآن، وبعد أن زارني الاستاذ "م"، وحدثني بكل ما حدثني به، فهمت كل شيء.

فاني واثق بأن الاستاذ "م" صادق في نسيانه وصادق في لهفتة على ان يتذكر. فبارادة باطنية غربية نسي حقا انه هو نفسه صاحب قصة الحب الجميلة، والابتسامة التي نورت صبانا.

فهل من واجبي انا ان أذكره وأريحه كما طلب مني؟ ولماذا يجب أن أريحه؟ وهل سأريحه حقا؟

اذا كانت قامته قد طالت، كما قال لي، فستطول يده هذه القصة، فيقرأ. فهل حينئذ سيتذكر، فيعيد الروابط بماضيه، فينتشل نفسه من حاضرها؟

وأخيرا نور اللوز، فالتقيا. وكان الربيع يضحك. وكان القدر يقهقه.

 

 

المسرحية

 

بيت الجنون

توفيق فياض

(مسرحية في فصلين)

توضيح :

ستبدو المسرحية، التي يشغلها من أولها الى آخرها بطل واحد هو سامي، استاذ التاريخ و الادب السابق، ستبدو لاول وهلة و كأن لا علاقة لها بتيار المقاومة العربي في فلسطين المحتلة، الا أن ذلك سيبدو خاطئا عند المتمعن بحقيقة الرموز التي صار من المعروف انها أفضل شيء يتجه له العمل الفني حين يمارس تحت ظل القمع والاحتلال.

 

ومع ذلك فهناك ضرورة لتسجيل بعض الملاحظات التي يمكن لها أن تساعد في فهم المسرحية على صورة أفضل:

أولا: هنالك الكثير من المدرسين العرب في الارض المحتلة قد تعرضوا للسجن و النفي و الابعاد و التسريح بسبب طبيعة الدروس التي كانوا يلقوتها على تلامذتهم، و قد يكون مؤلف المسرحية نفسه واحدا من هؤلاء المدرسين، و هذه الحقيقة ستوضح بعض المواقف التي يقفها البطل.

 

ثانيا: تعرض المثقفون العرب في الارض المحتلة الى محاولات إغراء قام بها المثقفون الاسرائيليون للاشتراك معهم في وضع "قيم مشتركة".. و ثبت فيما بعد أن ذلك لم يكن الا مناورة سياسية لامتصاص النقمة العربية انكشفت للمثقفين العرب و اصابتهم بخبة أمل مرة.. هذه الحقيقة تشكل واحدة من الخلفيات التي يقف "سامي" أمامها، و خصوصا لدى حديثه عن "لبنى".

ثالثا: المفترض ان "سامي" يقف على خشبة مسرح منصوبة في فلسطين المحتلة ذاتها، و بالتالي فان الجمهور الذي يتجه سامي بالكلام اليه في بعض مقاطع المسحرية هو بطل آخر في الاحداث، ليس الا المستوطنين اليهود.

 

رابعا: تشكل المسرحية -الى جانب ذلك كله- حلقة في الحوار الثقافي والسياسي القائم بين المثقفين العرب في الارض المحتلة ذاتها. و سنلاحظ هنا مثلا ان حديث "سامي" عن "ذلك الشاعر" الذي اغتال القمر، في مطلع المسرحية، موجه الى قصيدة لمحمود درويش، الشاعر البارز في الارض المحتلة، اسمها "قمر الشتاء" التي يقول فيها:

" سألم جثتك الشهيدة

واذيبها بالملح والكبريت

ثم اعبها: كالشاي 

كالخمر الرديئة، كالقصيدة

في سوق شعر خائب

وأقول للشعراء :

يا شعراء امتنا المجيدة !

انا قاتل القمر

الذي كنتم عبيده ! "

غ.ك.

 

 

الفصل الاول

 

حيفا - ليلا

في أحد الاحياء المحاذية للبحر. لا يظهر في المسرحية سوى شخص واحد هو سامي الذي كان يعمل مدرسا للتاريخ و الادب.

يرفع الستار عن غرفة مظلمة تماما. يستمر الظلام، بينما يسمع في الخارج من خلف المسرح، صفير ريح قوية ممزوج بشخير نائم.

ينقطع الشخير بينما تستمر الريح في هبوبها. صوت هذيان متقطع يأخذ في الارتفاع شيئا فشيئا، و في نفس الوقت الذي يسلط فيه الضوء الأحمر على يسار المسرح، حيث يسير بعدها ببطء ناحية اليمين.

قي يسار المسرح يظهر باب مغلق فيه مفتاح، ثم نافذة ذات ستار قديم في الصدر. مكتبة صغيرة تحوي بعض الكتب. ساعة حائط صغيرة تشير الى العاشرة ليلا.

 

يستقر الضوء على مكتب في أقصا اليمين تحت ساعة الحائط الى جانب المكتبة.. ترى عليه صورة امرأة، بعض الكتب، و اوراق مبعثرة دونما نظام معين، تحتوي على بعض الكمبيالات المستحقة الدفع.. زجاجة خمر تكاد تكون فارغة و كأس. علبة سجائر من النوع الرديء فيها بعض اللفافات. مصباح كهربائي في طرفه الايسر، مما يدل على انها لاحد المثقفين. في أقصى اليمين من المسرح الى جانب المكتب، باب داخلي مغلق..

 

يسلط الضوء نهائيا على وجه رجل في مقتبل العمر، لحيته طويلة، ولا نظام في شعره البتة، يجلس على كرسي قديم خلف المكتب ويرتدي فوق ملابسه العادية، معطفا شتويا طويلا رثا. يرى مستغرقا في نومه، ملقيا رأسه على ذراعيه فوق مكتبه.. بينما بقي الكتاب مفتوحا أمامه.

تتعدد الأنوار على صفحة وجهه بشكل جانبي.. أحمر.. أصفر.. أزرق.. أخضر. ثم تتكرر بترتيب منعكس الى أن تتوقف عند النور الأحمر.

يتعذب النائم في الضوء، و كأنه يعاني كابوسا، ثم يسلط الضوء الاصفر. و في نفس اللحظة يصرخ بأعلى صوته بفزع، قابضا على عنقه بكلتا يديه مستيقظا.

 

ينظر في أرجاء الغرفة مذعورا.. بينما تأخذ يداه في الارتخاء من حول عنقه. يشعل مصباحه ذا النور العادي، و هو لا يزال يتفحص بنظره كل شيء من حوله متحاشيا النظر الى الجمهور. يطفيء المصباح بينما يظل الضوء الأصفر يلازمه طيلة الوقت أينما و كيفما تحرك، مستقلا عن الاضواء التي يتطلبها السيناريو.

 

سامي: (مشعلا لفافة)

الكابوس.. هذا الكابوس الرهيب! (متحسسا عنقه) مرة أخرى! و كأن اشباح الجحيم، انتقلت جميعها الى هنا.. لتشاركني هذا القبر المتعفن! (محركا عنقه) كادت أصابعه المتوحشة تخترق بلعومي.

(يشعل النور ثانية. ينظر حوله بخوف. يتوقف على الكتاب المفتوح امامه يقرأ بحزم)

انهض ، انهض يا اوزيريس !

انا ولدك حوريس ..

جئت اعيد اليك الحياة ،

جئت اجمع عظامك .

واصل اعضاءك ...

انا حوريس الذي تكون اباه !

حوريس يعطيك عيونا لترى ،

واذانا لتسمع ، واقداما لتسير

وسو اعد لتعمل ....

ها هي ذي اعضاؤك صحيحة ،

وجسدك ينمو ،

ودماؤك تدب في عروقك !

ان لك دائما قلبك الحقيقي ،

قلبك الماضي !

فانهض ، انهض يا اوزيريس ! !

( يغلق الكتاب وهو ما زال يردد و بحزم أكثر )

انهض يا اوزيريس انهض !

( ينظر الى الرسم متأملا، ثم بيأس)

لبنى! أجل لبنى! بل التنين!! من يتصور ان مثل هذه الحمامة الوديعة، تتحول الى تنين رهيب، يغرس مخالبةه المتوحشة في عنقي؟

كدت أجن!! لكم تعذبني أيها الملاك التنين!؟ (بضيق) هيرا! هذه اللعنة لم تمت!

(يطفىء المصباح ناهضا بتثاقل. يدعك لفافته في المنفضة ثم يتجه نحو النافذة. بينما يسمع هبوب الريح بوضوح. يزيح الستار ناظرا الى الخارج.. بأسف)

 

ايه... لا قمر في السماء! (يسدل الستار عامدا. يرفع يده الى اعلى ثم ينزلها بعصبية كمن ينتزع شيئا) قد انتزعه ذلك الشاعر اللعين من الاعالي، و اغتصبه في ليلة مجنونة من ليالي الشتاء، على الشاطىء المقفر! (معبرا بحركة من يده) ثم.. ثم ذوبه بالملح و الكبريت! (بسخرية) هه.. القمر! اجل. القمر بالملح و الكبريت!! (باستغراب) بل و شربه! كما لو كان يشرب خمرة ردئية في ليلة افلاس! (بضيق معبرا بيديه) لماذا لم يخنقه ذلك المجنون خنقا؟ (ينظر الى يديه المتشابكتين بفزع) اوه.. كلا.. كلا.. (يرخي يديه و هو لا يزال يتأملها) كنت أفقد عقلي، لو رأيته يفعل ذلك! مجرد ان اتصوره يفعل!! (يتجه ناحية مكبه، و هو لا يزال يتأملها. يشعل النور ثم يقلبهما متفحصا) خيل الي انهما ملطختان بالدماء! اللعنة...