الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 01/02/2009

دراسات أدبية - الأدب الفلسطيني / الكاتب: ناهض حسن (فائز العراقي)

يوسف الخطيب ذاكرة الأرض، ذاكرة النار

الشاعر في سطور

لقراءة الدراسات

 

 

الدراسات

اللغة الشعرية 

الأساليب الفنية في شعره 

المقدمة 

 فلسطين يوسف الخطيب

 ظاهرة الثنائيات في شعره

الموقف النقدي في شعره 

 سمات الموقف النقدي

ذاكرة الأرض ذاكرة النار 

 

يوسف الخطيب ذاكرة الأرض، ذاكرة النار

بقلم الكاتب: ناهض حسن (فائز العراقي)*

 

فلسطين في يوسف الخطيب*

 

بقلم: د. علي عقلة عرسان

لست أدري هل يوسف الخطيب فلسطيني أم قضية فلسطين على نحو ما ؟!

ولست أدري أيضاً أهو بعدها القومي في الوسط الفلسطيني أم بعدها الفلسطيني في أمة العرب؟!

أسأل نفسي أحياناً ذلك السؤال نظراً لتداخل نسيج الرجل بالقضية والأمة معاً على نحو عضوي!!.

ولكنني في لحظات ألمحه على رصيف شارع محايد معني بأشياء أخرى ربما ألجأه إليها التعب أو اليأس أو فروض الحياة، فتتملكني الحيرة وأسأل نفسي من جديد: هل هو يوسف الخطيب أم يوسف آخر أخذته الحياة كما أخذت القضية من أيدي أبنائها أحياناً.. وها هو الزمن يتلهى به على نحو ما؟!

معذور أنا في تساؤلاتي وحيرتي.. فيوسف جزء من تكوين مرحلة وهو عزيز عليَّ، والقضية هي كل المراحل وهي الأعز، والأمل في الأمة أكبر من اليأس منها. ويوسف هو القائل:

"إن مرافئ الحنين التي اتَّقد شوقاً لبلوغها ليست إلا مجرد بعيدة وحسب.. فهي قائمة فعلاً في دارات مكان ما، لا بد أن يتراءى يوماً... وفي ذات زمان آتٍ لا بد من أن يأزف آخر الأمر"(( )).

وهو الذي يقول أيضاً:

"أصعب ما في رسالة الشاعر الملتزم، بعد حرب حزيران هو أن عليه، من موقع الهزيمة، أن يبشر بالنصر ومن جوف الظلام، أن يستعجل طلوع الصباح"(( )).

يوسف الخطيب

لغةٌ شعرية معجونة حروفها بالدم والزيتون، مضخمة بالسعتر البرّي ومحفوفة بهالة القداسة المتصلة بالشهادة والقدس والعروبة والرسالة الخالدة.

يوسف الخطيب: وتر تعزف عليه الريح، فتراه يضطرب، ومن اضطرابه ينبعث الحداء: لعرب تعيدهم فلسطين إلى وحدة الصف والموقف والهدف ودار الكرامة.

وحين أقمّش نسيجه الموشى ينزُّ على كفي منه دم الجراح، وتحترق أناملي بزفرات قلب حرَّقه الشوق إلى غزّة هاشم، ودورة الخليل، وحرمة الأقصى، وقبة الصخرة، فاختزن وقده تحت رماد القول، الذي ينم دائماً على روح تماهت بالأمة القضية، أو بالقضية الأمة.

وأراه حين ألمح وجهه في القصيد فارساً تقطّعت به السبل، فغرس رمحه واتكأ عليه من فوق صهوة جواد لا يمل من الوقوف والصهيل، ليرد الفرسان إلى ساحة الوغى ودروب الحرية، وليرد الكرامة إلى الأمة.

يوسف الخطيب تيَّمهُ عشق الوطن، وعشق آخر في الغربة خال أنه يعيده إلى الوطن فهبّراه تهبيراً. وما بين دمشق وبغداد أوضاع قلباً ويداً، بعد أن بح منه الصوت لكثرة ما عزف على شفرة اللسان...

وبقي معلقاً في ذلك المدى تسفعُه سموم الصحراء، يكوِّر "قضاضة" عربية ناصعة البياض فوق الرأس المشتعل شيباً، ويستعير من الهلالي، أبي زيد، ساعداً وسيفاً وربابة، ويخيم في فضاء ممتد ما بين حيفا وبغداد... يعزف الألحان ويكررها على الأسماع.. لعل وعسى؛ وحين يلجئه القيظ والرمل إلى القيلولة، يطل من سفح قاسيون على وطنه وينشد:

"راية البعث في يديَّ، وخوفي

أن بالقدس لاتَ حين تلاقِ

بين حيِّين في السقيفة أبكى

حيّ سورية.. وحيّ العراقِ"(( ))

ولكنه بعد سنين من شي الكبد على رمضاء السياسة، ينتشل بصره من المدى والهم، ويركز بصيرته في الجرح، والألم يعتصر روحه، ويموت صبراً تحت لسانه ويقول:

"ها أنا، أيها الرفاق، وأنتم

قد سلمنا خوارق السندبادِ..

أتحدّاه أن يخوض بحور الملحِ

من جلّقٍ.. إلى بغداد..".

ولكنها حالة غم ثقيلة طال أمدها وتمشرخت في حقول الإحباط الخصبة، جعلته، فيما أراه وفيما أقدر فيه، مثقلاً باليأس وهو يمخر بزورقه المتعب عتمة الليل قبل انبلاج الفجر..

تلك التي تزيغ عيون الأمل فيرى الإخفاق أفقاً، ويرخي قبضة اليد عن المجداف ليعبث ماء السراب به!! مهلاً.. أبا الرائعات من مثل قولك:

بالشام أهلي والهوى بغداد....

ومن مثل:

أكاد أومن من شك ومن عجب،

هذي الجماهير ليست أمة العرب

مهلاً فأمتنا أكبر من ليلها، وأكبر من غرابيب غيوم تتدفق في سمائها، وأكبر من خونة وعملاء ومفرطين بالحق يتناثرون هنا وهناك.. لا يلبث أن يكنسهم الوقت من عتبتها. مهلاً وأنت المقتدي المستبشر القائل:

"خلّ نصف النضال قولاً، ولكن...

خلِّ نصفاً إلى الحسام المجرّد

واحدُ الخلق، من أضاء من الحرفِ

شبا السيف.. فاستضاء: مُحمد".(( ))

أفلا يكون اليوم في سيوف تستضيء بهداه، وببعد عربي جسّده أكثر مما جسده سواه، تقوم بفعل جهادي مضيئ في القدس –والخضيرة- وبيت ليد- والخليل، وفي جنوب لبنان، أفلا يكون في ذلك وسواه ما يبعث الأمل ويغيث الهم فتنبعث من جديد؟!

قد يتشقق قلبك أسىً حين وقع الصوت والفعل في غزة هاشم إساءة للعروبة والإسلام معاً، وإساءة للأحياء والأموات معاً، ونكوص عن كل طريق التحرير والكرامة، وتفريط يخجل منه التاريخ بما لا يمكن أن يفرِّط به مدى التاريخ، وارتماء على أعتاب صهيون يدنِّس شرف الحجارة التي ارتفعت نوراً وناراً بين أيدي أطفال فلسطين، الذين غنيت لهم وشددت ظهرك بهم.. وناديت في صبح فجيعة مرة إلى موسم خصب منهم؛ ولكن ذاك الصوت الخانع المنبعث من دمن "أوسلو" وواي بلانتيشن والمستنبت فيهما، ليس هو صوت فلسطين، ولا هو ترجمان الدم الطهور الذي سال على طرقها من هدار حيفا في الأربعينيات إلى مذبحة الحرم الإبراهيمي في التسعينيات، مروراً بدم في دير ياسين، وكفر قاسم، وقبية، ونحالين، والأقصى، وصبرا وشاتيلا.. و "قانا" الجليل؛ ودم أضاء الحرفَ وأضاءه الحرف في "فردان" وتونس، وكل قرى فلسطين ومدنها يوم كان الشعب انتفاضة والأطفال حملة أر. ب. جي.

يا نداء القدس، ودموع الخليل، ونخوة غزة، وفورة الغضب في ليل بؤس العرب.. يا شاعر فلسطين وسنديانتها العريقة، وضوء زيت زيتونها الذي ينير دروب القلوب إلى الذخائر، ويفتح البصائر على المصائر..

لا يركنن قلبك لليأس.. ولا تحسبن أن حرفك مات أو أمات. فأنت الحادي، ونشوة النداء، وزفرة عشاق فلسطين، وصوت الأمة الذي قطّع أنفاسها المهرولون والمرتمون على أعتاب العنصري المحتل، فذوت وكبت.. وتحتاج إلى من ينهضها وينهض بها؛ خذ ربابتك وقوسك، وردّد ما قلت لنا وما ربيتنا عليه من ساطع القول، متين السبك، جميل النغم، صادق العزم، بطوليّ التطلع.. فلمثل هذا تحتاج أمتك اليوم ليوقظ فيها نخوة ماتت أو كادت تموت، ولمثل هذا يحتاج الشِّعر لكي يستعيد مكانة وتأثيراً وحيوية واحتراماً؛ فأنت لا تحسن الغناء فقط بل أنت من يطربنا غناؤه. فقل لنا يا شيخنا، تصنعنا من جديد، وتُمِدّنا مما تنفد الأقلام والقراطيس ولا ينفد: صادق القول يبعث صادق العزم في أمة تمتد من هذا الآن.. إلى أكاد، ومن طنجة إلى بغداد، قل وأعد فينا القول: أو لست ذاك الذي قال:

"قد ترى أدمعي، وذوبَ فؤادي

وسراج الحياة يخبو رويداً

ذاك أني، لأجل عين بلادي

أستسيغ الردى... ولا أتردَّى"(( )).

لقد ضاع بعض حقك في زمن أضاعت الأمة فيها معياراً وحقوقاً وقيماً وقضايا كبرى ومقومات صراع رئيس من أجل وطن وحق وكرامة، وأنا أستشعر دبيب النمل الغاضب في دمك على حالةِ ترقَّع الشِّعر حللاً، وتشد السروج على الماعز؛ وأستشعر الألم يعتصر قلبك من ظلم ألم بساحتك من رفاق وأخوة وأصدقاء وأبناء عمومة وعشيرة وأمة؟!

من حقك أن يضج دمك بالسؤال الاستنكاري! لماذا؟! ومن حقك أن تسأل عن الشعر فيمن رُفعوا أعلاماً ترفرف في مساحات الإعلام، ومن حقك أن تقول قولك:

"رضيتَ جزاءَ عصياني

ويُعْرَف من هم الشعراءُ،

لا من خِلعةِ السلطان..

بل.. من فادح الثمنِ"(( ))

من حقك أن تفعل..

وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً

على المرء من حدِّ الحسام المجرد

من حقك لأنك لست سمسار حروف يروّج تجارته ألف إذاعة ورعيل متجدد الهمة من ميليشيا الأيديولوجية المنتشية بالدبكة على وقع طبول ينبعث من وراء انبساط الصقيع..

 

ولأن يوسف الخطيب ابن قضية تركض مقطوعة الرأس من بيت إلى بيت في دنيا العرب، وكلما خرجت مطرودة من دار أبيها وهبها عزماً وجدد حركة دمها لتتابع صهيلها في القلوب والدروب حتى وهي مقطوعة الرأس؛ ولأنه شاعر في زمن اندثار قيم في دنيا الشعر، ومقومات في دنيا الفن، وابن أصالتين: أصالة الإبداع، وأصالة النضال تضافرتا فضفرتا جديلة الإبداع الرائعة المنسدلة على جيد الشعر العربي؛ ولأنه نذر نفسه لفلسطين فجعله صدقه وثباته على المبدأ يتنسك في محراب صدق أوصد بابه سماسرة القضية حتى لا يشع منه نور أو يتضوع بخور، وراحوا في أربعة أركان الأرض يبيعون ويشترون، ويتشمرخ على ألسنتهم اللغو حَبلاً كاذباً، لأنه كذلك يدع الثمن الفادح، حتى في ساحة الشعر وأسرة الأدب. لا سيما بعد أن أصبح الشعر في الناس، وأصبح أناس بواسطة الشعر، ما أصبح وأصبحوا عليه من حال يصدق فيها قولك:

"ما دهى الشعرَ، غداً سِحْراً وترقيص أفاعي

وسراويل محيكات بأنوال العَدم

قيل "إبداع" فلم ألق سوى محض "اتباع"

بين مهيارٍ دمشقي.. ومهيار عجم"(( )).

ولكن أنت لك أولوياتك، وأول تلك الأولويات: "ألا ينحني رأس العروبة"؛ وقد يتأتى انحناؤها من الشعر والنثر، كما قد يتأتى من السياسة ومما يجري ساحات الوغى..

ولكن ما هي مهنة الفارس وما هي مهمته، في أمة تعلي شأن فرسانها على مر التاريخ!! وفي الأزمنة التي تحتاج فيها الأمم إلى من يحث على صنع التاريخ؟!.

أليس الاستمرار في النضال من أجل انبلاج فجر حقيقي لا خلّبي، ليقوم الإبداع على أساس، وليقوم الناس على قيم وعقيدة... والكرامة هي في الحياة أساس؟!

أطلت قليلاً وما كان ينبغي لي أن أفعل، وقصّرت كثيراً، فكان ينبغي أن تشمل جولتي ميادين عطائك الأوسع، شعراً ونثراً، عملاً إدارياً وأداءً نضالياً.. ولكن ماذا أفعل أيها الصديق.. والوقت يجحدني وأجحده.. وكل منا لا يرضى عن صاحبه.

كل ما أستطيع أن أطلبه وأن أعد به، في يوم تكريمك هذا، أن تقبل مني وعداً بأن أتوسع في الكتابة عن إنتاجك في وقت لاحق، فأنت فارس قضية، وأنت حين أجول في تفاصيل حروفك: نبض عرق في جسد، نبض شعب ومخيم، نبض شام وعراق، نبض تاريخ وأمة، نبض أقداس القيم، وتراتيل العرب..

فهل نتوافق على هذا الوعد لأرتاح وأنا أزف إليك تقدير الكتّاب لك ممثلاً باتحادهم اتحادك، وأزف فيك فلسطين إلى مجد الشعر.. فأنت غير ما صنع الذين صنعوا من وهم الشعر شعراً، ومن هيولى الشخوص أبطالاً.

لك التحية ولفلسطين، كل فلسطين، التحرير الكامل. ولشهدائنا الخلود، ولأمتنا التي أحببتها وأخلصت لها، النصر بعون الله.

د. علي عقلة عرسان

===========

*لمحة عن الشاعر: يوسف الخطيب

ولد عام 1931 في دورة الخليل(فلسطين).

أنهى دراسته الثانوية في الخليل، ثم تابع تحصيله الدراسي في جامعة دمشق- كلية الحقوق-  وتخرج فيها عام 1955.

عمل في مناصب مختلفة في اذاعات: دمشق، فلسطين، الرياض، صوت العرب، القاهرة، الكويت، بغداد، اذاعة هولندا العربية.

وشغل منصب المدير العام لهيئة الاذاعة والتلفزيون في سورية عام 1965،

 وانتخب نائباً للأمين العام للاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين.

أسس عام 1965 دار فلسطين للاعلام. عضو المجلس الوطني الفلسطيني.

عضو جمعية الشعر.

مؤلفاته:

1-العيون الظلماء للنور- شعر- دمشق 1955.

2-عائدون- شعر- بيروت 1958.

3-واحة الجحيم- شعر- بيروت 1964.

4-عناصر هدامة- قصص- بيروت 1964.

5-ديوان الوطن المحتل- دراسة ومختارات- دمشق 1965.

6-مجنون فلسطين- شعر- دمشق 1983

 

 

مقدمة الكتاب

 

الكتاب الجديد الذي أضعه بين يدي القارئ الكريم:

"يوسف الخطيب: ذاكرة الأرض، ذاكرة النار"

يتضمن دراسة نقدية تتناول التجربة الشعرية للشاعر العربي الفلسطيني المعروف يوسف الخطيب.

للأرض ذاكرة، هي ذاكرة الشعب الحيّة التي تُعطي بتفاعلها الخلاّق مع الأرض، للأشياءِ معناها وقيمتها.

وشاعرنا الخطيب هو شاعر الأرض والوطن بامتياز. الوطن بوصفهِ رمز الوجود، وجوهر الكينونة البشرية والجذر الأول الذي يُحدد هوية الإنسان، وقيمته المعنوية، ويصوغ ذاكرته الأولى ووجدانهِ الجمعي.

تكشف قصائده بوضوح عن مدى تشبثه بتراب وطنه الطهور: "فلسطين العربية"، ودفاعه المستميت عن شعبهِ العربي الفلسطيني في صراعه الوجودي مع العدو الصهيوني المغتصِب.

وهي ذاكرة مُلّفعة بنار المقاومة، ودم الشهداء، ولهذا السبب اخترنا عنوان الكتاب الذي تقدّم ذكره، مُعتبرين النصوص الشعرية التي قدمها شاعرنا الخطيب وثيقة حيّة، ومبدِعة لهذه الذاكرة، بل هي أحد أسباب ديمومتها وتجددها ووثوبها نحو المستقبل.

لماذا يوسف الخطيب؟

قد يدور هذا السؤال في خلد الكثيرين من القرّاء والنقّاد، والمهتمين في مجال الأدب عموماً.

وهو سؤال يستمد وجاهته من أن الحركة الشعرية العربية في الخمسينات كانت مليئة بالشعراء العرب الكبار، لا سيما الرواد منهم: أمثال السيّاب، والبياتي، ونازك الملائكة، وصلاح عبد الصبور، وأدونيس، والماغوط، ونزار قباني، وخليل حاوي، فلماذا إذن تخصيص كتاب كامل عن يوسف الخطيب؟

السبب الجوهري الأول الذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب هو اعتقادي أن هذا الشاعر مثَّلَ ظاهرة فنية – فكرية إبداعية متميزة في الشعر العربي المعاصر بشكل عام، وفي الشعر العربي الفلسطيني بشكل خاص.

وقد تجسّدت فرادته وشخصيته الفنية المستقلة والمتميزة في العديد من الملامح والسمات الفنية الأساسية، ومنها: طريقته في تعامله مع اللغة، وكيفية تطويعه لها، حيث يمكن القول إن لـه قاموساً شعرياً خاصاً يُميّزَه عن كافة مجايليهِ من الشعراء، والأساليب الفنية الحديثة التي استخدمها في التعبير عن رؤاه وأفكارهِ ومواقفه: كالمونولوج، والتناص، والتلوين، والسرد الشعري، والاستذكار "الفلاش باك"، والحوار... الخ، كما تجلّت فرادته أيضاً على مستوى التخييل، وبناء الصورة.

أما فرادته على المستوى الفكري فتتجسد بولعه في استخدام الثنائيات والجمع بين النقائض، وكذلك في زاوية الرؤية لديه، وموقفه النقدي من الظواهر السلبية التي تنخر جسد أمّتهِ العربية.

ولعل فرادته هنا تتجسد بشكل ساطع في نظرتهِ الخاصة للظواهر العامة، وخاصة السياسية منها، وفي طريقتهِ، وسخريتهِ اللاذعة التي وسمت موقفه النقدي بالحِدة، والجذرية، والطرافة، في آن واحدٍ معاً. لذلك أجرينا مقارنة تطبيقية بينه وبين أبرز الشعراء العرب في هذا المجال: عمر أبو ريشة، نزار قبّاني، الجواهري، ومما تأكد لنا أن شاعرنا الخطيب لا يقلّ عن هؤلاء الكبار فاعلية وإبداعاً وشجاعة وعمقاً رؤيوياً وفكرياً.

أما السبب الآخر، فهو قلة الدراسات النقدية الجادة التي تناولت تجربة هذا الشاعر بالنقد والتحليل والتقويم، حتى يمكن القول بأنه تعرّض لظلم فادح من قِبلِ النقّاد العرب الذين لم يولوا تجربته الشعرية الاهتمام المناسب، وركزوا على مجايليه من الشعراء، وخاصة الفلسطينيين منهم، تُرى ألا يقف شاعرنا الخطيب بشموخ أمام العديد من الشعراء العرب الفلسطينيين أمثال: معين بسيسو، وتوفيق زياد، وسميح القاسم ومحمود درويش؟

إذن، لماذا التركيز على هؤلاء مع ضعف الاهتمام بتجربتهِ، -إن لم نقل إهمالها-؟.

لقد دفعني هذا "الحيف النقدي" غير المُسَوّغ إلى محاولة لإنصاف هذا الشاعر، وهي من ثم محاولة لإحقاق الحق، والتعامل بشكل موضوعي مع الظواهر الإبداعية العربية.

إنني هنا لا أبالغ في المكانة الفنية والإبداعية والفكرية التي ينبغي أن ينالها شاعرنا الخطيب في عموم الحركة الشعرية العربية المعاصرة، بل أدعو إلى أن تنال هذه الظاهرة الفنية حقها ضمن سياقها التاريخي- الإبداعي العربي دون زيادة أو نقصان.

ولا بدّ من التأكيد هنا بأننا إذا وضعنا العطاء الشعري الذي قَدمّهُ الخطيب في الخمسينات: "ديوان العيون الظِمّاء للنور عام 1955، وعائدون عام 1959" ضمن سياقه التاريخي في الخمسينات فإنه لا يستطيع منافسة ما أنجزه مجايلوه العرب من إبداع شعري في تلك المرحلة، وخاصة إنجاز السيّاب وخليل حاوي والماغوط ونزار قبّاني.

وهنا يمكن أن نؤكد أن الشاعر كان في الخمسينات في بداية تبلوره الشعري، ولم تكن تجربته قد نضجت بعد –وخاصة فيما يتعلق بمستواها الفني-.

إلاّ أن التطور النوعي الحقيقي بدأ في ديوانه: "واحة الجحيم" الصادر عام 1964، والذي أَهَّلَهُ فنياً لكي يقف على قدم المساواة مع مبدعين فلسطينيين معروفين، أمثال: محمود درويش، ومعين بسيسو، وسميح القاسم، وفوّاز عيد، وتجسّد ذلك على مستوى التخييل، وتشكيل وبناء الصورة الفنية، وزاوية الرؤية، والرؤيا، وكيفية استخدام اللغة وتطويعها، والشحنة العاطفية والوجدانية والوهج الشعوري الذي أدى إلى تألق العديد من قصائدهِ، وَبَثَّ فيها الحرارة والعاطفة الصادقة باعتبارها عنصراً أساسياً في بناء أية قصيدة ناجحة، هذه العاطفة الوجدانية التي أطلق عليها الناقد الجليل يوسف سامي اليوسف اسم: "الرعوش الوجدانية".

ثم واصل الشاعر تألقه الشعري في دواوينه اللاحقة، وخاصة: ديوان: "في الشام أهلي والهوى بغداد"، وديوان: "رأيت اللهَ في غزّة".

أما السبب الثالث، والأخير، فهو لاعتقادنا بأن شاعرنا الخطيب هو واحد من أبرز الشعراء العرب الذين ذادوا عن قضية فلسطين، وعن القضايا العربية القومية المصيرية، والذين كرّسوا كامل إبداعهم الشعري من أجل هذه المهمة القومية التحررية العادلة والنبيلة.

أما السؤال الآخر، والذي لا يقلّ أهمية عن السؤال الأول، فهو: ما المنهج النقدي الذي اعتمدنا عليه في تحليل وتقويم تجربة هذا الشاعر المبدع؟.

في الحقيقة، لم أركز على منهج نقدي بحد ذاته، بل استفدت من المناهج النقدية كافة مما تستجيب لدراسة هذه النصوص الشعرية، سواءً تلك المناهج التي تدرس النص من خارجه: كالمنهج الاجتماعي "السوسيولوجي"، والنفسي "السايكولوجي"، إضافة إلى المناهج الحديثة التي تدرس وتُحلل بنية النص من داخلهِ، وتبين آلياتِهِ، وعناصره الداخلية المساهمة في بنائهِ، كالمنهج البنيوي، واللساني، والسيميولوجي.

-ففي الفصل الأول: "الأساليب الفنية في شعر يوسف الخطيب" استفدنا كما هو واضح في عملية التحليل والتركيب والتقويم من المنهج البنيوي، والسيميولوجي "الدلالي"، واللساني.

-وفي الفصل الثاني: "ظاهرة الثنائيات" استفدنا في دراسة البنية الفكرية لهذه النصوص من المنهج الأيديولوجي.

-وفي الفصل الثالث: "الموقف النقدي في شعر يوسف الخطيب"، والفصل الرابع: "يوسف الخطيب: ذاكرة الأرض، ذاكرة النار"، استفدنا من المنهجين النقديين: الأيديولوجي، والاجتماعي- التاريخي.

-أما سبب عدم التزامنا منهجاً نقدياً واحداً، محدداً، فيعود إلى فهمنا النقدي القائم على أن النص الشعري هو عبارة عن مستويات متعددة، فقد يتضمن:

المستوى اللغوي، والرمزي، والأسطوري، والتاريخي، والفني- الجمالي، والفكري- والاجتماعي، وأحياناً السياسي،.... الخ.

لذا فإن دراسته ضمن منهج نقدي واحد سيؤدي إلى تضييق مساحة الرؤية، وإلى أحادية هذه الرؤية، بدلاً من الرؤية الشمولية الواسعة.

أي أننا استفدنا من كافة المناهج النقدية التي يمكن أن تساهم في إضاءة النص وتحليله، وقد اجتهد بعض النقاد العرب مُطلقين تسمية: "المنهج التكاملي" على ما ارتكزنا عليه، ولعل تسمية "المنهج الشامل" الذي سيكون بالضرورة تكاملياً هو الأقرب إلى رؤيتنا وفهمنا.

ختاماً، أرجو أن أكون قد وفقتُ في دراسة هذه الظاهرة الإبداعية- الفكرية، وأسهمتُ في إضاءة هذه التجربة الشعرية لواحدٍ من الشعراء العرب المتميزين، إضافة إلى تحقيق شرط الموضوعية والعدل في تناولنا لتجارب مبدعينا العرب.

ومن الله العون والتوفيق

حلب 15/4/2003 ناهض حسن "فائز العراقي".

 

 

الفصل الأول

أ: الأساليب الفنية في شعر يوسف الخطيب

 

 

استخدم الشاعر يوسف الخطيب غالبية الأساليب الفنية الحداثية المعروفة، كالاستذكار "الفلاش باك"، والمونولوج، والتلوين، والسرد الشعري، والتناص، والحوار، وغيرها، مما منح تجربته الشعرية وهجاً فنياً وجمالياً وتفرداً خاصاً ساعده على تكوين شخصيته الفنية المتميزة.

ففي قصيدته الشعرية الطويلة ذات الطابع الملحمي، "بالشام أهلي والهوى بغدادُ" يعتمد الشاعر في بنائها على العديد من العناصر، ومنها الذاكرة القريبة التي يستند إليها لتعميق البنية الدرامية في النص، ولكي يمنح نصه وهجه الدلالي القائم على إحياء الضمير الجمعي للشعب والأمة، وهو في المقطع التالي من القصيدة المذكورة يستخدم الاستذكار "الفلاش باك" ليوقظ في ذاكرتنا الجمعية مأساة "مذبحة دير ياسين" بأسلوب فني رائع ومدهش يدل دلالة أكيدة على الطاقة التخييلية العالية التي يتمتع بها الشاعر:

"كان ورائي... دمُهُم... في دير ياسينَ

لظى عُلَّيقةٍ

تشتعلُ الشمسُ على غصونها

تغزل من أسى جفونها عباءَةَ الشفق"( )

النص الفني الشعري الرفيع والسامي يكشف عن نفسه بنفسهِ، فيه دلالته، ومغزاه، ومن داخل بنيته تشع دلالاته الفكرية والفنية لتمنح الوجود الإنساني بعداً جمالياً قائماً على الدهشة والسمو والابتكار.

والمقطع الشعري المتقدم يدل على ذاته وعلى توهجه الفني الخاص، فالشاعر فيه يمتلك خيالاً خصباً، مُجنحاً، فريداً، قادراً على إنتاج الصورة المبتكرة، والمدهشة، والموحية، والمتماسكة فنياً.

يوسف الخطيب في هذا المقطع يتذكر، يعود للوراء متذكراً دماء الشهداء الطاهرة في مذبحة "دير ياسين" التي ارتكبها همجيو هذا العصر. ما يلفت انتباهنا هنا هو الطاقة التحولية المدهشة في هذا المقطع إذ يتحول دم الشهداء إلى "عليقّة" مشتعلة. "العليقّة" هذه النبتة –الكائن في الواقع باعتبارها مفردة من مفردات الطبيعة الحيّة، أو باعتبارها أحد تفاصيل هذا الواقع الطبيعي، تتحول من خلال عملية "التخييل" إلى كائن فني – جمالي، مدهش وساحر، أي يتحول التفصيلي العادي والمألوف، إلى الجمالي، المدهش، اللا مألوف. والشاعر هنا يتكئ على الصورة كأداة فنية جوهرية وحاسمة في عملية التحويل الفني هذه. الصورة هنا مركبة تمنحنا إمكانية التأويل والتعدد الدلالي: فالشمس تشتعل على غصون هذه "العليقّة"، ومن ثم نقرأ هذه الصورة الاستعارية المدهشة حين شبه الشاعر "الشمس" بإنسان يمتلك القدرة على الغَزْل، ثم حذف المشبه به "الإنسان" وأبقى المشبه "الشمس"، وفي هذه الصورة المركبة يتزاوج المجرد والمحسوس، مع غلبة واضحة للطابع الحسي، "فالأسى" ظاهرة مجردة، أما "الجفون" و "العباءة" و "الشفق" فهي ثلاث ظواهر حسية ملموسة، وعملية الغَزْل هنا أعطت الصورة بعداً حركياً وجمالياً هائلاً، تخيلوا الشمس وهي تغزل من أسى جفون "العليقّة" عباءة الشفق، والصورة المركبة هنا تتضمن طاقة إيحائية ودلالية كبيرة، فالشمس هي رمز الشروق والوضوح والحرية في حالة اشتعال وتوهج، وهي من خلال عملية الغَزْل تكشف عن جدلية وثنائية الظلام- النور، العتمة-الشروق، فحالة "الأسى" تدل على العتمة والحزن، أما الشفق فرمز يدل على الإشراق وبزوغ فجر الحرية، والجدل هنا من خلال هذه الثنائية يتجسد بتحول الأسى- العتمة، إلى الشفق- النور، من خلال عملية فعل الغَزْل التي تقوم بوظيفتها أو مهمتها الشمس.

 

النص كما قلنا هنا يقبل التأويل، والتعدد الدلالي، وهو نص يختزن طاقة إيحائية واضحة ساعدتنا على كشف بعض توهجاته عملية التفكيك التي قمنا بها، وإذا لجأنا إلى تطبيق المفهوم أو المنهج السيميولوجي على هذا النص، فإنه يمكن القول بأن دلالاته متعددة، ويمكن قراءتها قراءة متعددة ومتنوعة.

القراءة الأولى لنا كشفت عن جدل تحول العتمة "الأسى" إلى النور والشروق "الشفق" ولكن يمكن قراءة هذه الجملة الشعرية قراءة ثانية، وهي لماذا استخدم الشاعر مفردة "العباءة"؟

وإلى ماذا يرمز أو علامَ يدل هذا الرمز "العباءة"؟ هل أراد الشاعر القول إن تحول الأسى إلى الشروق كان تحولاً جزئياً من خلال استخدامه لرمز "العباءة"؟ فالعباءة تستخدم بشكل شائع "كغطاء" و "برقع" للأشياء، أي غطاء يحول دون ظهور الأشياء ظهوراً واضحاً وبازغاً ومشرقاً، وهل أراد القول بأن العباءة حالت دون الظهور الكلي لحالة الشروق التي يمثلها "الشفق"؟، ومع ذلك وفي معظم الأحوال فإن العباءة يمكن أن تغطي حيزاً صغيراً من ظاهرة الشفق، وهي ظاهرة لها بعدها المكاني وفسحتها المكانية الكبيرة.

ولكن من قال إن "العباءة" المقصودة هنا هي العباءة الحقيقية التي نعرفها؟. ربما أراد الشاعر المعنى المجازي للكلمة وحسب هذا المعنى يمكن أن يكون حجم العباءة كبيراً وقادراً على تغطية الفسحة المكانية التي تحتلها ظاهرة الشفق... وهكذا يمكن قراءة النص قراءة سيميولوجية قائمة على التعدد والتأويل الدلالي.

ونقرأ أيضاً هذا الأسلوب الفني "الاستذكار" في مقاطع شعرية أخرى، منها، قول الشاعر في قصيدته: "حكاية لاجئ":

"يقولون... كان فتىً لاجئاً

                إلى خيمةٍ في الربى مُشرعَهْ

تطل بعيداً وراء الحدود

                على الجنة الخصبه الممرعهْ

وكانت لـه ذكريات هناك

                مجَّنحة، حلوة، ممتعهْ"( )

الاستذكار

هنا واضح في قوله: "وكانت لـه ذكريات هناك"، وهو استذكار يتسم بالبساطة والعادية من الناحية الفنية، ولو قارنا بينه وبين المقطع الشعري السابق لتبين لنا مدى الفارق الشاسع من الناحية الفنية والجمالية بين هذين المقطعين الشعريين، وهي مسألة طبيعية إلى حد ما فالشاعر حينما كتب مقطعه الثاني كان في بداية تجربته الشعرية وهي بداية متواضعة بشكل عام، بقي أن نذكر أن المقطع الثاني تمت كتابته في الخمسينات. أما المقطع الشعري الأول فقد نُشر في نهاية الثمانينات "1988".

ويتضح لنا أن الشاعر استخدم هذا الأسلوب الفني "الاستذكار" في العديد من قصائده، وسنذكر هنا قسماً منها دون التوغل في دراسة بنيتها الجمالية والفنية، كقوله في قصيدة: "بالشام أهلي والهوى بغداد":

(( وكان لي، في جبل الزيتونِ، سُلَّمٌ لها

        ومنزلٌ يفضي إلى حديقة الله، وشبّاكانْ...

        كُلُّ الذرى أضعتُها...

        أضعتُ قمةَ الخليلِ... والجليلِ... والجولانْ

        ولم أزل أعدو وراء الشمس))( ) (3)

وقوله في قصيدة "الاعتراف":

(( كان البرقُ شِبهَ يد تخطُّ على جدار الليلِ

        مَوْعِدَهُ

        وأنتَ تشي به.... بين النوى... وشذى الخُزامِ....

        وكان روحُ اللهِ مُنسرِحاً على جبل الخليلِ

        وأنتَ........ أنتَ........ نزلتَ جِلعاداً إلى طَنَفِ الشريعةِ

        تستحمُ يداكَ

        في ألقِ السماءِ.... وطينةِ الإنسانِ))( )(4)

أما الأسلوب الفني الآخر الذي استخدمه شاعرنا يوسف الخطيب في العديد من قصائده، فهو "الحوار"

كقولهِ في هذا المقطع الشعري من قصيدتهِ: "أربعون رباعية":

(( كان شيخٌ يزرعُ الزيتونَ في عدوَةِ وادي

        قلتُ، يا عمُّ، سيستأني طويلاً منبَتُهْ

        قال، هذي غرسةُ الحكمةِ في روح بلادي

        هي لا شرقيّةُ الزَّيتِ، ولا غربيتُهْ!!))( )(5).

واضح هنا أن الشاعر زاوج في هذا المقطع الشعري بين أسلوبين فنيين، الأول "الاستذكار"، في قوله: "كان شيخٌ يزرع الزيتونَ في عروة وادي"، والثاني "الحوار" وهو موضوع بحثنا الآن، في قوله: "قلتُ يا عَمُّ سيستأني طويلاً منبَتُهْ/ قال، هذي غرسةُ الحكمةِ في روح بلادي".

اتكأ الشاعر هنا على الحوار لتعميق البنية الدلالية في النص إذ استند إلى الذاكرة القريبة ليؤكد من خلالها عمق ارتباط الفلاح العربي بأرضه وأرض أجداده. الأرض العربية لها ميزتها وسماتها الخاصة فيها، من حيث ثمارها وفواكهها ونباتاتها ومناخها، وكل ذلك ينعكس على التكوين النفسي والبنيوي والفيزيولوجي للإنسان العربي، وكما هو واضح من الحوار، فإن الفلاّح يؤكد هذا التفرد للشجرة العربية فهي كينونة متفردة قائمة بذاتها، ولا تُشبه الثمار والنباتات الشرقية ولا الغربية، أما حول طول الانتظار فإن زراعة هذه الشجرة المباركة "الزيتون" هي دلالة على "روح الحكمة" التي تسود الأرض العربية، كما أضفى هذا الحوار مسحة ونكهة درامية في هذا المقطع الشعري.

أما في قصيدته الملحمية المعروفة "بالشام أهلي والهوى بغداد" فيأخذ الحوار شكلاً آخراً، ويكشف عن دلالات أخرى، وأجواء شعرية تتميز بمتانة السبك، وعمق الفكرة، وابتكار المعاني الجديدة، وجمال وقوة الإيقاع الذي يؤكد تحول "الموسيقى" إلى عنصر داخلي هام يساهم في تطوير البنية الفنية العامة للقصيدة، وليس كما اعتدنا في العديد من القصائد العربية حيث تكون "الموسيقى" عنصراً خارجياً فحسب، وهذا العنصر "الموسيقى" يعمق البنية الدلالية للنص، ويمنحه وهجاً وألقاً جمالياً ونفسياً قائماً على ضخامة الروح، وعنفوان النفس الشاعرة، وسمو الجمال الفني، وكأننا إزاء تزاوج مذهل بين ضخامة الروح الشاعرة، وضخامة البنية الإيقاعية والموسيقية في النص، أو ليست الموسيقى في الشعر وفي الحياة روحاً هي الأخرى، أو ليست كوناً قائماً بحد ذاته، هذا ما سيكشفه لنا المقطع الشعري التالي الذي يتميز أيضاً ببهاء لغته، وجزالتها، ومتانتها، ورونقها، ويؤكد أيضاً مدى قدرة الشاعر في تطويع اللغة واستخدامها استخداماً فنياً مجازياً موحياً، ومشرقاً، وعمق ارتباطه بالفكرة القومية، ومدى إيمانه بضرورة الوحدة العربية، وهو يرى بأن جناحي هذه الوحدة قائمة على ضرورة توحيد سورية والعراق، وتعانق مياه دجلة وبردى في كلٍ بهيٍ موحد. كل هذه المعاني النبيلة والمبتكرة، والأخيلة، والصور الموحية، اللماحة والمشرقة، واللغة النضرة المطواعة يمكن أن نجدها في هذا المقطع الشعري الأخّاذ الذي يرتكز على حوار الشاعر مع خالقه "الله" عزّ وجل، حيث يبتهل: "يدايَ غصنا أَثْلَةٍ.... عاريتان... /وتدعوانِ الله... أن يسوق قَدرا...." ثم نقرأ الحوار:

((      "- "فما تُريدُ؟.....

                "ما أُريد، يا مولايَ:

                "أن أشِيعَ في عُلاكَ بَدَدا

                "أريد جبريلاً.. وتنزيلاً..

                "وخيلاً لا تُرى.. وَمَدَدا

                "أريد أن أصوغَ أُقُنوميْنَ

                "في هواكَ أحَدا

                "أريد، يا مولاي، بَعْدُ

                "أن أصبَّ دجلةً... في بردى"( )(6)

واضح هنا أن الحوار قد عمق من البنية الدلالية والفكرية للنص، إذ ركّز الشاعر على عدة أفكار ودلالات جوهرية وأساسية، وهي القوة، والتوحيد، والروح القومية.

فالشاعر المؤمن بوحدة الوجود، يريد من ربه أن يمنحه القوة والحكمة من أجل أن يساعده ذلك في توحيد أمته المجزأة والمنقسمة على نفسها، وساعد على تنامي البنية الدرامية داخل النص، وعمّق من حالة التوهج والتوتر النفسي لدى الشاعر وقد انعكس ذلك على بنية النص ومنحه طاقة درامية واضحة.

كما نقرأ في مقطع شعري جديد من قصيدته "تقاسيم على الخفيف" حواراً متميزاً، وهوعبارة عن حوار يجري بين الشاعر وبين ضمير الغائب "هو":

"قال ما الموتُ؟... قلتُ غفوةَ دهرٍ

قال ما البعثُ؟ قلتُ يومَ حسابِ

قال ماذا نكون؟.... قلتُ أعِذني

دونَ فَصلِ الخطابِ، فصلُ رقابِ!!"( )(7)

يتميز هذا المقطع بشدة التكثيف والتركيز والاقتصاد اللغوي، وبعض الشذرات الفلسفية التي تتناول قضايا كبرى: كالموت، والبعث، والمستقبل، وصيرورة الأمم والشعوب. ما يهمنا هنا هو القول بأن الحوار قد ساهم كثيراً في تعميق البنية الدلالية للنص، كما منح النص بشكل خاص طاقة إيحائية متضمنة فيه، تتجلى بقوله: "دون فصل الخطاب، فصلُ رقاب، وذلك جواباً على السؤال التالي: قال ماذا نكون؟ قلت أعذني، فالشاعر قد أوحى لنا من خلال إجابته الضمنية بفكرة "القمع" التي يعانيها الشاعر والمواطن العربي في غالبية البلدان العربية، فهو لا يستطيع التعبير عن مكنوناته حول أهم القضايا المصيرية التي تمس مستقبل أمته، وهو إذا ما عبر بوضوح وصراحة عن ذلك فإن العقاب الصارم ينتظره "قطع الرقاب!!" كما أوحى لنا الشاعر بأن الحالة الصيرورية لأمتنا العربية لا تُبشر بالخير طالما بقيت على حالها من التشرذم والتمزق، وهو في إجابته هذه لم يصرّح بل لمحّ وأوحى وأَشرَ دون غوص في التفاصيل.

أما الأسلوب الفني الآخر الذي رصدناهُ في بعض قصائده فهو

"التناص":

والذي تجسد بقولـه في هذا المقطع الشعري من قصيدته "الطريق إلى محمد" والتي أهداها: "إلى رسولنا العربي الأعظم، مَثَل الإنسان الأعلى، على مر الأجيال وتعاقب العصور:

آتيكَ أنت، بلا دربٍ، يخاتلني

                عنكَ السرابُ، وموجُ الزَّيغِ والزَّللِ

ولو تناوبتُ دربَ القوس في "عُمَرٍ"

                ما كان عبدي قضى نَخبْاً، ولا جَمَلي

لكن عطفْتُ على الأنباطِ راحلتي

                لأَبلقٍ جاهليِّ النقش يرجعُ لي

خزائني فيه صُوّانٌ، وآلهتي

                أَهشُّ من رنَّةِ الفخّار في القُلل

عُدْتُ الشقيَّ على رسْمٍ أماحِكُهُ

                وعاجَ غيري على زُوَّادتي بَدَلي"( )(8)

التناص هنا يتجسد في البيت الأخير من هذا المقطع: "عدتُ الشقيَّ على رسْمٍ أماحِكُهُ...." واضح هنا التداخل النصي بين هذا البيت والبيت الشهير للشاعر أبي نواس:

"عاج الشقيُ على رسمٍ يسائله /وعجتُ أسألُ عن خمارّة البلد"، ما يمنح هذا التناص وهجه الشعري والرؤيوي والفني هو نجاح الشاعر في تنويع الدلالة والإتيان بمعنى جديد مبني على المعنى السابق، ولولا هذه الدلالة الجديدة التي تكسب واقعنا المعاصر رؤية جديدة لما كان هناك مُسوغ "للتناص"، فيوسف الخطيب الذي شبّه نفسه بالشاعر الجاهلي الذي كان يقف على الآثار والأطلال الدارسة و"يسائلها على حد تعبير أبي نؤاس" أما عند الخطيب فهي "المماحكة"، إلاّ أنه خالف المعنى الذي أراده أبو نؤاس نفسه في الشطر الثاني من البيت "العجز"، فبينما شغل أبو نؤاس نفسه في البحث عن خمارّة البلد، كان شاعرنا الخطيب ينتقد الواقع العربي من خلال نقده للآخر "وعاج غيري" الذي يتسابق من أجل أخذ "زوادته" من أخيه العربي، وحسب قراءتي لهذا البيت فإن الشاعر الخطيب أراد توجيه النقد الحاد للخصال السيئة في بعض النفوس كالأنانية وحب الاستحواذ والهيمنة والظلم والاعتداء على حقوق الآخر. وغيرها من المعاني والصفات التي يُدينها "ضمناً" شاعرنا الخطيب ويدعو إلى نقيضها، أي المعاني السامية القائمة على التضحية في سبيل الوطن والأمة، وكذلك الكرم والشهامة والفروسية وحب الآخر والتشارك معه في السّراء والضرّاء.

التلوين

هو أحد الأساليب الفنية التي استخدمها الشاعر يوسف الخطيب في العديد من قصائده وثمة ملاحظة هامة هنا هي أن الشاعر لا يستخدم هذا الأسلوب "التلوين" مجاناً، بل إن اللون لـه وظيفته ودلالته ومغزاه، ويساهم في تعمق المستوى الفكري والرؤيوي للقصيدة، كما في قوله في هذه الرباعية من قصيدتهِ الطويلة: "أربعون رباعية":

(( وإذا شئتَ، فَقُلْ إني خياليُّ وشاعرْ

        أنا –لا أُنكِرُ –جَوَّابُ بآفاقِ الغدِ

        وأنا الرَّحّالةُ الباحثُ عن خضرِ البشائرْ

        ذاك ميراثي لي بعدي، وبيضاء يَدي..))( ) (9)

ليس هناك أية مجانية في استخدام الشاعر لأسلوب "التلوين"، فاللون هنا موظف بدقة من أجل إبراز المعنى الذي يريده الشاعر، وكما هو واضح من هذه الرباعية فإن الخطيب من خلال حواره مع الآخر الذي هو هنا الضمير المخاطب "أنت" يفتخر بكونه شاعراً خيالياً يمتلك طاقة تشوّفية ورؤيوية تساعده على قراءة المستقبل واستشرافهِ: "جَوابٌ بآفاق الغدِ".

والشاعر يبحث، ويعارك من أجل "البشائر" لأمته ولأبناء وطنه، والبشائر التي يريدها الشاعر هنا هي تحديد بلده فلسطين من هيمنة الغزاة الصهاينة، وكذلك تقوم أمته العربية المجيدة وتحقيق رسالتها التاريخية ومكانتها المتقدمة بين أمم الأرض، وقد لوّن الشاعر هذه "البشائر" باللون "الأخضر" الذي يرمز إلى الخصب والديمومة والتجدد والتفاؤل، ثم يؤكد في خاتمة رباعيته بأن هذا هو الميراث العظيم الذي سيورثه لمن يأتي بعده، واصفاً يده بـ "البيضاء" وهذا اللون كما هو معروف رمز للنقاء والطهر والعفة والعطاء والنصاعة.

 

أما في قصيدته "سر يناد القمر الأسمر" فإن شاعرنا الخطيب ينوّع في التلوين، ويستخدم ألواناً أخرى ترمز إلى دلالات جديدة، ومن العنوان يؤكد لنا الشاعر أن "القمر الأسود" هو رمز للمناضل العربي ذي السحنة السمراء، أما عن ظروف كتابة هذه القصيدة فيكتب قائلاً: "الواقعة المباشرة التي قدحت شرارة هذهِ القصيدة في قريحتي، هي عملية "الخالصة" الفدائية، البطولية، يوم الحادي عشر من نيسان عام 1974 –(الذكرى الأولى لاغتيال الشهداء الثلاثة، كمال عدوان، وكمال ناصر، ومحمد يوسف النجار) ألا وهي العملية الرائدة، الأولى من نوعها إطلاقاً في سجل شهدائنا الخالدين، حيث امتزجت فيها دماء ثلاثة من الشبان العرب، من ثلاثة أقطار عربية، هم: أحمد الشيخ محمود من سورية، وياسين الموزاني من العراق، ومنير المغربي من فلسطين"( )(10).

لنقرأ لـه هذا المقطع المشرق والدال من القصيدة المذكورة:

(( يا امرأة من دجلةَ تسَّاقَطُ بَلَحاً

                        في أرضِ فلسطينَ

        أيا نخلةَ عَذَقٍ تشتعلينَ

        تَحُليَّنَ جدائِلَكِ الذهبيةَ في شمس الجرمقِ...

                        يا امرأةً من حَلَبٍ

                        يا ساقيةَ حليبٍ ترتحلينَ

        فتسقينَ بوادي الأُردُنِّ بساتينَ الزنبقِ....

        يا امرأةً من أعلى النيلِ

        ومن أقصى المغربِ والمشرقِ....

        أقرا تُنَّ وصيَّتهم؟؟....

        أكتبتنَّ وصيتهم!!.....

        أنتن الآنَ –نساء العرب –الوحدةُ، والحبُّ

        وأنتنَّ الأرحامُ الأثلامُ، وأنتنَّ الخِصبُ))( )(11)

واضح هنا البعد القومي الوحدوي الذي يرتكز عليه الشاعر لبناء قصيدته، فالدم العراقي يمتزج بالدم الشقيق السوري، والفلسطيني، والأردني –والمغربي، إنه الدم العربي المكافح من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق. أما التلوين هنا فهو في قولـه: "تحلين جدائِلَكِ الذهبيةَ في شمسِ الجرمق" المرأة هي رمز الخصب والإنجاب والعطاء وقد لوَّ، الشاعر جدائلها بـ اللون الذهبي، رمز الإشراق والوضوح وانبلاج الصباح وبزوغ فجر الحرية.

وفي مقطع آخر من القصيدة نقرأ لونين آخرين هما: "الأسمر والأحمر"، وكل لون منهما لـه دلالة خاصة ويرمز إلى معنى متميز:

(( أَنْ تَلِدَ امرأةٌ قمراً أسمرَ....

        أَنْ يتوشَّحَ من دمِهِ الوطنُ

        قِلادةَ ياقوتٍ أحمرَ..))( )(12)

فاللون "الأسمر يرمز للإنسان العربي المكافح والمضيء، أما اللون "الأحمر" فهو رمز الشهادة والثورة والفداء، وقد مازج الشاعر هنا بشكل فني رائع بين الوطن والشهيد، الوطن الذي يزهو ويتشح بدم شهدائه، هذا الدم الذي يتحول إلى قلادة ياقوت أحمر" أي قلادة مضيئة ونفيسة لا يشبهها شيء في هذه الدنيا، هو أزكى دم سقى أرض الوطن، إنه دم الشهيد الذي يتحول إلى طاقة مشعّة لا يمحوها تقادم الزمن، وغبار النسيان. أما الأسلوب الفني الآخر الذي استخدمه شاعرنا الخطيب في العديد من قصائده، فهو "المونولوج": أو الحوار الداخلي، والذي يتجسد في هذا المقطع الشعري من قصيدته: "لمن تلد النساء":

(( لِمَن تلدُ النساءُ إذنْ؟!...

        إذا لم يغزُ ليلَ القدسِ... قدِّيسٌ..

        ولم يُنجِز على الطاغوتِ رمحُ؟!))( )(13)

واضح هنا الحرقة والمرارة التي تنتاب العالم الداخلي والروحي للشاعر فهو يتساءل باستنكار واضح عن سبب ولادة النساء "لمن تلد النساءُ إذن؟!" وسبب استمرار الإنجاب والخصوبة إذا لم يكن من أجل تحقيق أهداف نبيلة معينة، وفي مقدمتها تحرير القدس من رجس الصهاينة، وقبر الحكام الطواغيت والظالمين؟. الشاعر هنا يربط عملية الخصب والديمومة البشرية بتحقيق كرامة الإنسان وحريتهِ.

كما نقرأ

المونولوج في هذا المقطع الشعري من قصيدتهِ "النرجسة الحمراء".

"أمسيتي حزنٌ شماليٌ،

                وأسفاري سُدىً

من أين يا حبي ترى آتيك

                بالنرجسةِ الحمراءِ!....

ما خلَّيتُ بستاناً وراء الشفَقِ الباكي،

        ولا برّية في الأرض.....

-لو ألقى الثرى اليافيَّ!!.....

ما خليتُ نبعاً لم أصاحِبْهُ

                        إلى البحر..."( )(14)

هذا المقطع يكشف عن مدى تعلق الشاعر بتراب أرضه الطهور، تراب يافا، إنه مقطع مسربل بالحزن والأسى بسبب عدم قدرة الشاعر على الإتيان بالنرجسة الحمراء لحبيبته، فأرض بلاده بعيدة، وهو تحديداً يبحث عن النرجسة الحمراء المضمخة برائحة هذه الأرض المباركة "فلسطين" لذا يتمنى في مونولوجه أو حواره مع ذاتهِ:

"لو ألقى الثرى اليافيَّ-" أن يعانق ثرى يافا لكي يقطف النرجسة الحمراء، وهي رمز الوطن ورمز الأمل ورمز الخلاص.

ومن الأساليب الفنية المعروفة التي استخدمها الشاعر بشكل مكثف، أسلوب:

"النداء":

كقوله في هذا المقطع الشعري من قصيدة "سيأتي الذي بعدي" منادياً الجلاد نداء يدل على التهديد والوعيد، كما يدل على إصدار الشاعر المؤمن بقضية وطنه وأمته، وإصراره على مقاومة الظلم وقمع الجلادين:

"ويا أيها الجلاد، أوثقتَ مِعصمي،

فمن أين، يا جلادُ، توثق إصراري"( )(15)

واضح أن أسلوب النداء هنا أعطى الروح المعنوية التي يتمتع بها الشاعر قوة وضخامة، وعمّق من المسحة الدرامية في هذا المقطع الشعري. وفي مقطع شعري آخر من قصيدة "بالشام أهلي والهوى بغداد" يستخدم الشاعر أسلوب النداء مخاطباً الشهداء، وتحديداً الشهيد "كمال عدوان" والشهيد "غسان كنفاني":

"من أنتَ أيها الضليلُ؟

تصرخُ الـ فوحُ... والجروح، والوديانْ..

أنا صلاحُ الدين، دِيسَ في الخليل شرفي

ومن ثرى حطينَ لحمُ كتفي

ألا اقشعري... ارتجفي، صخور كردستان

ضَيَّعتُ علياءَ الذرى جميعَها

شرَّقتُ.. غرَّبتُ...

اعتصمت أعلى أرزةٍ على ذُرى لبنانْ

وها أنا، من متنِ صِنَّينَ

أَصيحُ مَدّ الصوتِ:

يا كمالُ، يا كمالُ..... يا غسانُ، يا غسانْ....

هم أوثقوا جسمي جلاميدَ الجبالِ

لم أزل مُصفَّداً هنا

تنقُرُ في شحمةِ عينيَّ مخالبُ العُقبانْ....

هم أطعموا جسمي كلاب البحرِ

والميناءَ... والسوّاحَ.... والقرصانْ"( )(16)

الشاعر يتمثل هنا القوة المعنوية والتاريخية الكبيرة التي يمثلها الرمز التاريخي الكبير "صلاح الدين" ومن خلال تمثّل هذا الرمز يخاطب الشهيدين: "كمال وغسان"، "يا كمالُ يا كمالُ.... يا غسانُ يا غسانْ" وواضح هنا أن نداء الشاعر ذاكراً الرمز –صلاح الدين الذي دِيسَ شرفه في الخليل –جاء للاستنجاد بالشهيدين من الحالة المزرية التي وصل إليها بسبب خونة الأمة. لقد عمّق النداء هنا من البناء الدرامي للنص وأعطاه طاقةً حركية تتضمن شحنة تحريضية وتوعوية كبيرة.

وفي مقطع آخر من نفس هذه القصيدة، تتغير الجهة التي يطلق منها وإليها الشاعر –الثائر نداءه، فبينما كانت في المرة الأولى، من ذرى جبال لبنان، ففي الثانية كانت منطقة سنجار الجبلية الواقعة في محافظة الموصل "نينوى" بالعراق:

"خَلَّيني... بالشام أهلي......

        والهوى بغدادُ.. يا سنجارُ...... يا سنجارْ.....

        وها أنا انتصفتُ بين الرَّقتَّين جسدي

        أَحيكُ في اللّحمةِ أوصالَ السَّدى"( )(17)

ويستفيد الشاعر يوسف الخطيب في بعض قصائده من الأسلوب القصصي كعنصر فعال في بناء القصيدة، مستخدماً أسلوب :

"السرد الشعري"

لإيضاح المشهد الشعري بكامل تفاصيله كقوله في هذا المقطع الشعري من قصيدته: "أغنية لانتصار طروادة":

"..........

آخيل..... جاء،

فما تُسطرّ الغضون في الجباه

وما تغمغم العيون للعيون... والشفاه للشفاه

إلا تقول، كيف جاء؟....

وجفّت الحلوق، أجفل الصدى، تشنّج الهواء

حتى، تكاد الأرض أن تحس سبخة الدماء

وتنفر الضبّاع من نئيّةِ القفار

والجوارح الظماء

تلز خط الأفق، والذئاب تكسح العراء،

حتى، يقول الحدس أغلقت منافذ الرجاء

ومثل أنجم تفحمّت

محاجر الأطفال غار في قرارها الضياء.....

سيق الرجال.... قُيدوا إلى جدائل النساء"( )(18)

 

 

 

ب: اللغة الشعرية

في تجربة يوسف الخطيب

 

يمكن القول دون تردد إن واحدة من أهم العلامات أو السمات التي تدل على فرادة وتميز شاعرنا يوسف الخطيب واستقلالية شخصيتهِ الفنية هي في طريقة تعامله الخاص مع اللغة، في تطويعه لها والسيطرة عليها، في كيفية بناء العلاقات المدهشة "غالباً" بين المفردات اللغوية.

إننا إزاء شاعر حاذق وماهر في استخدام اللغة استخداماً فنياً موحياً ومجازياً، أستثني من ذلك لغته الشعرية في ديوانه الأول الصادر عام 1954: "العيون الظِمّاء للنور" إذ يلجأ الشاعر في العديد من الأحيان إلى استخدام لغة تقريرية مباشرة تبتعد عن الإيحاء والترميز، والسبب في ذلك يعود إلى أن الشاعر كان في بداية تجربته الشعرية، ولم تكن تجربته الفنية قد نضجت بعد.

وليس مبالغة القول بأن علاقة شاعرنا يوسف الخطيب باللغة هي علاقة العاشق المغرم، المتوّله، بل الذائب وجداً في عشق حبيبتهِ "اللغة" فهي تسيل بين يديه سيلان الماء، هو خادمها وسيدها في آن واحد معاً، خادمها الذي يبذل الكثير من الجهد والمشقة لإرضائها والصلاة في محرابها، والتمعن في جمالها. وسيدها المهيمن الذي يتوغل في أعماقها السحرية كي يصطاد أجمل لآلئها ومحاراتها وجواهرها الثمينة.

ليوسف الخطيب قاموس شعري خاص به، سواءً على صعيد انتقاء المفردة، أو بناء العلاقات اللغوية بين المفردات، ولا نبالغ إذا قلنا إنه أحد الشعراء العرب المحدثين المهيمن الذين تعاملوا مع اللغة بشكل مُتفرّد ومتميز، وهذا التميز في استخدام اللغة وتطويعها كان واحداً من أهم الأسباب التي أدت إلى تميّز تجربته الشعرية عن بقية التجارب الشعرية العربية الأخرى، وخاصة تجارب الذين جايلوه.

 

لغتهُ تمتاز بجزالتها، ومتانتها، وفخامتها، وتميل "أحياناً" إلى الإغراب والتعقيد واستخدام المفردات القاموسية.

وهي لغة تمزج بين التراث والمعاصرة، وتنوس بين هذين القطبين، فهي تارةً توغل في التراث، وتارة أخرى تقترب من لغة الحياة اليومية –إلا أنها تسمو عليها وتنقل العادي والمألوف إلى مصاف الفني المدهش غالباً –وهي بذلك تقترب من روح عصرنا وتفاصيله الدقيقة.

شاعرنا يوسف الخطيب لا يُشبه أي شاعر عربي معاصر آخر في هذا المجال، ولعل فرادته الفنية في طريقة تعاملهِ مع اللغة تتضح لنا في اشتقاقاته اللغوية الكثيرة، التي تدل على سعة إحاطتهِ بها، وقوة امتلاكهِ لها، والخوض في أعماقها السحيقة، ومجاهلها الدفينة التي لا تنفتح أو تنكشف إلا للبحارة الماهرين الذين يمتلكون المؤهلات والأدوات التي تساعدهم في الغوص والكشف والامتلاك والإحاطة.

كما تدل هذه الاشتقاقات اللغوية على مدى ثراء اللغة العربية من جهة، وغنى تجربة الشاعر من جهة أخرى، حتى يمكن القول بأنه استخدم أكثر الاشتقاقات اللغوية وصيغها المعروفة: "فاعل، مفعول، فعيل، فعّال، فعال، فعل، فعلاء، فاعلات، الخ" ويمكن الإثبات بالعديد من الشواهد والأمثلة التي تدل على ثراء وتنوّع هذه الاشتقاقات اللغوية، حيث نقرأ في ديوانهِ: "عائدون" الصادر عام 1959 على سبيل المثال ما يلي: "المعروش ص 33، مثلوج ص 10، شائخ ص10، الفائدات ص 35، روعية ص 49، الرغام ص 49، يرودها ص 52، طلمست ص 61، الطليل ص 60، الكليم ص 61، مخدورة ص 61، نئية ص 68، تلزّ ص 68ـ ساعر ص 75، المخضوب ص 77، ناهدات ص 20، الصلاب ص 20".

أما السمة أو الظاهرة الثانية البارزة في هذه اللغة الشعرية فهي توغلها في عمق التراث، ونهلها من ينابيعه الأولى، فتارة تبدو لغة جاهلية في فصاحتها وجزالتها، وغرابتها أيضاً، وكذلك أيضاً في طبيعة ودلالة مفرداتها التي تُعبر بدقة عن حياة البدوي العربي في عصر الجاهلية، وعن طبيعته الصحراوية القاسية، وعن معتقداته، لنقرأ هذه المفردات اللغوية في ديوانه:

 

"رأيتُ الله في غزّة" التي تدل على ما ذهبنا إليه: "الرسم، ص 58، الغنم، الإبل، وطائي، قفر، طلل".

أما السمة الثالثة في هذه اللغة فهي تقترب كما أشرنا "أحياناً" من الإغراب والتعقيد والمفردات القاموسية، وأعتقد أن هذه الظاهرة بقدر ما تدل على مدى توّلع وتبحّر وتعمّق شاعرنا الخطيب في تراثنا ولغة أجدادنا، فإنها من ناحية أخرى –حسب وجهة نظري –لها دلالة سلبية لأنها تبتعد عن لغة الحياة المعيشة، وتُبعدنا عن روح العصر، وتضطر المتلقي في أحيان عديدة إلى العودة إلى القاموس لمعرفة دلالة هذه المفردات ومعانيها، أي أنها تضع حاجزاً وعائقاً بينها وبين المتلقي.

فالمفردات القاموسية أقرب إلى الجمود والانغلاق منها إلى الحيوية والانفتاح والتجدد، ويمكن القول إن العديد من المفردات التراثية، سواء كانت جاهلية أم أموية، أم عبّاسية لها قابلية التجدد والاستمرار والفاعلية في عصرنا الراهن، لذا فإن استخدامها يؤكد عمق العلاقة بين ماضينا ومستقبلنا، بين تراثنا وحياتنا المعاصرة كأمة عربية تكمن أهم عناصر تميزها وفرادتها في لغتها العربية بالذات، هذه اللغة ذات الثراء والغني والفاعلية والشمول مما أَهلّها لكي تكون بحق واحدة من أغنى وأعظم اللغات العالمية على الإطلاق، إن لم تكن أغناها جميعاً.

أما المفردات القاموسية التي لم يعد لها حضور أو أية فاعلية في حياتنا المعاصرة فإن استخدامها كما قلنا يُحدِث شيئاً من الجفوة، أو الانقطاع أو البعد بين هذه اللغة وبين المتلقي، ومن هذه المفردات القاموسية أو الغريبة أو القليلة  الاستعمال التي استخدمها شاعرنا يوسف الخطيب في ديوانه: "رأيتُ الله في غزّة" نختار "الكهم ص 75، وضم ص 73، الشجم ص 75، الاحقاف ص 18، الوشل ص 52.... الخ.

هذه هي وجهة نظرنا حول المفردات الكاملة في طريقة استخدامه للغة، وفي كيفية التعامل معها، وربما يرى الشاعر الخطيب، وكذلك بعض المتلقين غير رؤيتنا هذه، فالمسألة نسبية وقابلة للاجتهاد وتعدد الآراء والرؤى.

مراجع ومصادر الفصل الأول:

1ـ يوسف الخطيب /ديوان: "بالشام أهلي والهوى بغداد" /ص 13 /دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون /دمشق /1988/.

2ـ يوسف الخطيب /ديوان: "عائدون" /دار الآداب/ بيروت /1959/.

3ـ يوسف الخطيب /ديوان: "بالشام أهلي والهوى بغداد /ص 19/ دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون /دمشق/ 1988/.

4ـ يوسف الخطيب /ديوان: "رأيت الله في غزّة" دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون /دمشق/ 1988/.

5ـ المصدر السابق /ص 27/.

6ـ يوسف الخطيب /ديوان: "بالشام أهلي والهوى بغداد" ص 26 –27 /دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون /دمشق /1988.

7ـ يوسف الخطيب /ديوان: "رأيت الله في غزّة /ص 90/ دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون /دمشق/ 1988/.

8ـ المصدر السابق /ص 57/.

9ـ المصدر السابق /ص 31/.

10ـ المصدر السابق /ص 41/.

11ـ المصدر السابق /ص 46/.

12ـ المصدر السابق /ص 47/.

13ـ المصدر السابق /ص 66/.

14ـ يوسف الخطيب /ديوان "واحة الجحيم" /ص 39/ دار الطليعة /بيروت/ 1964/.

15ـ المصدر السابق /ص 167/.

16ـ يوسف الخطيب /ديوان "بالشام أهلي والهوى بغداد/ دار فلسطين /دمشق/ 1988 /ص 21/.

17ـ المصدر السابق /ص 24/.

18ـ يوسف الخطيب /ديوان عائدون/ دار الآداب/ بيروت /1959/ ص 68 –69.

 

 

الفصل الثاني:

ظاهرة الثنائيات في شعر يوسف الخطيب

 

 

يمكن القول إن ظاهرة الثنائيات هي واحدة من أهم الظواهر الفنية التي يمكن معاينتها ورصدها في كامل التجربة الشعرية الغنية والطويلة لشاعرنا العربي الفلسطيني يوسف الخطيب.

فهو شاعر بارع في جمع المتناقضات التي تحفل بها الحياة، ولشدة ولعه بالثنائيات أو الجمع بين النقيضين فإننا يمكن أن نقرأ في البيت الشعري الواحد ثنائية واحدة أو أكثر، ونقرأ عدة ثنائيات في قصيدة واحدة. ويمكن أن نتخذ من قصيدته المهمة: "الطريق إلى محمد" نموذجاً ومثالاً فنياً تطبيقياً حيَّاً يؤكد استنتاجنا هذا.

فهذه القصيدة التي تتميز ببعديها الجمالي –الرؤيوي، والفكري العميق، بلغتها المتينة، الجزلة، الآسرة، وعنفوانها، وصدقها الذي يُجسد عمق ارتباط الشاعر بالمَثَل الأعلى (الرسول الكريم محمد) فهو الأمل والمرجعية والمخلِّص والمنقذ من دوامة اليأس والتمزق الذي يئن الشاعر تحت وطأتهِ، بل ترزح الأمة كلها تحت ثقله.

وتتميز بصورها المبتكرة والجديدة، الموحية والمتماسكة فنياً، التي تؤكد أن شاعرنا الخطيب يمتلك طاقة تخييلية-وإبداعية عالية وخصبة.

ويمكن اعتبار هذه القصيدة واحدة من قصائد الشاعر المهمة التي تزخر بالثنائيات والمتناقضات:

ثنائية النور-الظلام، ثنائية الجدب-الخصب، ثنائية القيد-الحرية، ثنائية الجسد-الروح، ثنائية الامتلاء-الخواء، ثنائية الكرم-البخل. ثنائية الاتصال-الانفصال.

تصوروا معي قصيدة واحدة تجمع العديد من هذه الثنائيات والتناقضات. لا يستخدم الشاعر الخطيب هذه الثنائيات في قصائده بشكل مجاني، بل بشكل دقيق ومحسوب، أي أن لهذه الظاهرة وظائف دلالية وجمالية عديدة يتعامل معها الشاعر بوعي عالٍ، وبرؤية معمقة، وحساسية مرهفة، ومن أهم هذه الوظائف تعميق البنية الدرامية للنص من خلال إثارة الوهج الصراعي بين المتناقضات، ثم تعميق البنية الفكرية للنص من خلال حركية الجدل الصراعي بين الثنائيات المتضادة، أما الوظيفة الجمالية فتتجسد بإثارة الدهشة والمفارقة المتولدة من اجتماع النقيضين في بيت شعري واحد، وكذلك في قصيدة واحدة، أي كما يتعايش النقيضان في الحياة، يتعايشان ويتصارعان في القصيدة الواحدة، كالموت والحياة، والنور والظلام، والخصب واليباس.

وهناك أيضاً وظيفة معرفية عامة قائمة على أساس أننا لا نعرف الشيء بدقة وعمق إلاَّ من خلال معرفة نقيضه، وذلك لأن النقيض يوفر لنا إمكانية المقارنة بين الشيء ونقيضهِ، وإن هذه المقارنة تساعدنا على الاستنتاج وبناء تصور معرفي عن الأشياء ومعرفة الإيجابي والسلبي من خلال عملية المقارنة هذه، أي وكما يقول الشاعر العربي دوقلة المنبجي: ((.... والضد يكشف حسنَهُ الضدُ))، وأخيراً يمكن القول: إن استخدام ثنائية ما يمكن أن يساعدنا –أحياناً- على استيلاد ثنائية أخرى جديدة كما سأذكره بعد قليل في تناولي لهذه القصيدة الهامة.

القصيدة يهديها الشاعر: ((إلى رسولنا العربي الأعظم مَثَل الإنسان الأعلى على مرِّ الأجيال وتعاقب العصور، ثم يضيف: ((ليس بالشعائر وحدها

يتحقق الإيمان، "وجلَّ الإسلام ديناً" أن ندير عاصفته الكونية في قعر فنجان!!..))( )(1).

مطلع القصيدة يكشف عن مدى تعلق الشاعر بالمَثَل الأعلى رسولنا الكريم محمد"":

((إني لحاسرٌ رأسي، غيرُ مُنتَعلِ

                حادٍ لكَ التَّوقَ، لم أَرجِع، ولم أصِلِ

مسافرٌ فيكَ، غادٍ عنكَ في سفرٍ

                حَلِّي لديكَ، لدى الآفاقِ مُرتَحلَي

لي في أَعاليكَ ينبوعٌ هَمَمْتُ لـه

                لكنَّ رِجْلَيَّ في مستنقعِ الوَشَلِ

مطِيَّتي، خيلُ أحلامي أُجامِحها

                وصاحبايَ: زميرُ الريحَ، في الأسَلِ

أُدني إلى الأرض أُذني، أقتفي أثراً

                لو يصهلُ الرملُ بالخيَّالَة الأُوَلِ))( )(2)

سنركز في هذه القصيدة على دراسة ثنائية النور-الظلام، وما وَلدَّتْه، متناولين الثنائيات الأخرى فيها في موضع آخر من هذه الدراسة.

ثنائية النور-الظلام:

يمكن القول: إن هذه الثنائية: النور-الظلام هي واحدة من أكثر الثنائيات بروزاً في تجربة الشاعر الخطيب، فقد استخدمها بشكل مكثف، ومتنوع الدلالة، وفيما يتعلق بقصيدته "الطريق إلى محمد" نقرأ حول هذه الثنائية التي يخاطب فيها رسولنا محمد "" بقوله:

((أَبا العروبةِ، إني خارجٌ لغدٍ

                من غيم أمسِكَ، وافي الغيث، مُنهمِلِ

آنسْتُ نارَكَ في الظلماءِ آن خبتْ

                على مَدارِ الدجى كذّابة الشُّعَلِ

إني لوارِدُكَ السُّقيا على عَجَلٍ

                وصادرٌ عنكَ بالرؤيا على عَجَلِ))( )(3)

الشاعر هنا يجمع ثنائية النور-الظلام في بيت واحد، كما تقدم: ((آنسْتُ نارَكَ في الظلماءِ آنَ خَبَت/ على مدار الدجى كذّابة الشُّعَلِ)).

الثنائية هي: "نارَكَ والظلماء" وكذلك في العجز "الدجى" وهو يرمز إلى الظلام، و"الشُّعَلِ" وهي ترمز وتدل على النور.

كما هو واضح فإن الشاعر في مطلع قصيدته يعاني من الألم والتمزق بسبب الحالة المزرية التي وصلت إليها أمتنا العربية والتي تجسدت بحالة الفرقة والتشظي التي تعاني منها، وقد أشار إلى ذلك: ((لكن رجليَّ في مستنقع الوشَلِ)) والشاعر هنا ينطلق من الخاص إلى العام، والتعبير عن ذاتهِ التي تعاني من "مستنقع الوَشَل" هو تعبير عن حالة الأمة في ذات الوقت، بل إن شاعرنا القومي العربي يوسف الخطيب لم يصل إلى هذه الدرجة من المعاناة الذاتية إلاَّ بسبب ما تعانيه الأمة من تخلف وركود وتراجع وذلك إذا ما قارن حالها بأمجادنا الغابرة التي يشير إليها بقوله الشعري السابق: ((لو يصهل الرملُ بالخيّالةِ الأُوَلِ)).

إلاَّ أن الشاعر يستنجد بأبي العروبة، رسولنا الكريم محمد"" باعتباره الأمل والمرجعية، ثم تأتي الثنائية "النور والظلام" بعد ذلك لتُعمِق البنية الدرامية والفكرية في النص، إذ يرتكز الشاعر في بناء رؤيته الفكرية على "نار" محمد "" التي آمن "وآنس" بها لتمزق حالة "الظلماء" التي لفّت واقعنا العربي، أما الوظيفة الجمالية فتتجسد هنا بتعايش النقيضين "النور والظلام" في بيت شعري واحد وهو ما يبعث على الدهشة والمفارقة، ثم يستند الشاعر إلى "نور" محمد الذي ترمز إليه "النار" لتعميق الفكرة وهي أن نور محمد الذي مزق الظلام وبزغ بعد أن خبت الأنوار و"الشُّعَل" الكاذبة على مر التاريخ الذي عشنا فترات مظلمة فيه "الدجى" ومن خلال هذه الثنائية يقودنا الشاعر إلى فكرة أخرى قائمة على التناقض وهي:

النور الحقيقي الذي يمثله النور المحمدي والنور "الزائف" الذي لمسناه خلال حالة التراجع التي مرت بها أمتنا طيلة القرون المنصرمة. لاحظوا معي هنا البنية المتماسكة للقصيدة على الصعد الفكرية والرؤيوية والفنية، نحن إزاء معمار شعري مدهش، يؤدي وظيفته البلاغية والجمالية والفكرية، فالأفكار تتنامى وتتطور بشكل منطقي وتسلسلي واضح، واللاحق وهو هنا "نور" محمد الذي يمزق الظلام يأتي كنتيجة منطقية للسابق، وهو "مستنقع الوشل" الذي أشار إليه الشاعر باعتباره يمثل حالة التراجع والتخلف الذي تعاني منه أمتنا.

أي نحن إزاء حالة من البناء المتنامي، المتسق والمتجانس.

والصور الفنية المدهشة اللاحقة ترتبط عضوياً وجمالياً وفكرياً بالصور الفنية السابقة، فالصورة الحسية المبتكرة: "آنست نارَك في الظلماء آن خبت..." جاءت لتعبر عن ارتباطها الفكري والجمالي بالصورة الحسية المبتكرة التي سبقتها: "ولكن رجليَّ في مستنقع الوشل"* إن حالة الرفعة والسمو التي يمثلها النور المحمدي في الصورة الأولى ما كنا نشعر بها ونعرف حق قدرها لولا حالة التراجع المزرية التي عبرت عنها الصورة الثانية "مستنقع الوشل".

وهكذا تتنامى القصيدة من داخلها باعتبارها كائناً حسياً عضوياً متماسكاً، ومن خلال تفاعل عناصرها الداخلية المكونة لبنيتها العامة، أي من خلال قانونيتها وآليتها الداخلية دون أية عملية قسر أو تدخل خارجي.

والمبُهر هنا أن الثنائية المذكورة "النور والظلام" ساعدت النص في عملية تنامية الدرامية والفكري على استيلاد ثنائية جديدة: "الانطفاء والاشتعال" تتمتع بقرب فكري واضح من الأولى، أي "النور والظلام" وذلك في قوله:

((خلَّفتُ أهلي بأعلى القدسِ مُطفأَةً

                جراحُهم، من أضأْنَ الكون من جَبَلِ))( )(4)

الثنائية هنا تتجسد بقوله: ((مُطفأةً، وأضأْنَ)).

ثم يختتم الشاعر قصيدته مخاطباً الرسول الكريم "" في هذا البيت الشعري الذي يحتوي أيضاً على ثنائية النور-الظلام:

((أَفِض خوابي "حراءٍ" من عرائِشها

                وَصُبَّ في الليل، ضوءَ الله في المُقَلِ))( )(5)

الثنائية في هذا البيت تتجسد بقوله: "الليل" وهو رمز الظلام، وكلمة "ضوء"، وهي رديفة للنور.

تنبثق أهمية الشاعر الخطيب في استخدامه لهذه الثنائيات من قدرته على تنويع الدلالة والمعنى، وهو ما فعله بالضبط في هذا البيت الأخير، إذ استخدم ثنائية النور-الظلام ضمن رؤية أخرى كاشفاً عن دلالة جديدة، والانبهار والدهشة تخالجنا حينما نقرأ هذه الحالة الحركية في الصورة التي يجسدها فعل "الصب"، وماذا؟ إنه يصب ضوء الله في المُقَلِ!!!. صورة حسية مركبة من ثلاث ظواهر حسية: "الليل" و"الضوء" و"المُقَل" تتميز بجدتها وطابعها الابتكاري وتكشف عن معنى مبتكر إذ يساعدنا "ضوء الله" على الإبصار في حالة الظلام، إنه الضوء الذي يساعدنا على حالة الكشف والرؤية داخل محيط الظلام.

كما نقرأ هذه الثنائية "النور-الظلام" في قصائد أخرى كقوله في قصيدته: "لم تلد النساء":

((بَلى... حَبِلَتْ... فأَثقلت الخيامُ

                فثمَّ في بطنِ الظلامِ

                يَهِمُّ بالميلادِ... تكوينٌ وصُبحُ))( )(6)

الثنائية تتجسد بقوله: "الظلام" وصبح" وهو يرمز ويشير إلى "النور". والشاعر في هذا البيت يؤكد انبلاج الصبح من "بطن الظلام" ومن قلب العتمة. إنها الحالة الجدلية التي تؤكد أن النور يولد من الظلام والعكس صحيح، كما ينبثق الموت من الحياة، والحياة من الموت، ويكفي أن نتأمل دورة الحياة وتداخل عملية الموت والحياة وجدليتها التي تتضح بشكل ساطع في عملية ولادة وموت الكائن البشري، أو الكائن الحيواني. ونقرأ هذه الثنائية أيضاً في قصيدته المعروفة: "بالشام أهلي والهوى بغداد":

((جَوادُ مَنْ ذاك الذي يَشُقُّ شَرْخَ البرق

                        فوق جبهة الظلام))( )(7)

الثنائية تتجسد هنا بقولـه: "البرق" الذي يرمز للضوء والنور، و"الظلام".

وكما هو واضح فإن الدلالة والرؤية تتنوع هنا، فنقرأ بناءً صورياً ولغوياً ورؤيوياً يتميز فنياً وفكرياً عما قرأناه سابقاً من أشعار فيما يخص هذه الثنائية "النور والظلام" وفي هذه الطاقة الإبداعية القادرة على الابتكار والتجديد وبالإضافة تلوح لنا إحدى ملامح تفرد الشاعر الخطيب وتميز شخصيته الفنية.

ثنائية الموت-الحياة:

من الثنائيات المهمة التي تكشف عنها تجربة الخطيب الشعرية: "ثنائية الموت –الحياة"، وشاعرنا الخطيب يستخدم هذه الثنائية بشكل مباشر وصريح أحياناً، وأحياناً أخرى يلجأ إلى المعنى الضمني الذي يكشفه السياق الشعري ويدل عليه كقوله في قصيدتهِ: "أنهض من جنازتي وأمشي":

((لكنني... إذ يشربُ السكينُ خمرَ صدري

                        أُحِسُّ أنني أَقومْ))( )(8)

فالسياق الشعري هنا المتجسد بقوله: ((إذ يشربُ السكينُ خمر صدري)) يشير إلى معنى "الموت" المتضمن فيه، وفي البيت التالي يشير الفعل "أقومْ" إلى المعنى النقيض للأول، وهو "الحياة" أو الانبعاث.

وفي البيتين التاليين في نفس المقطع الشعري المذكور، نقرأ هذه الثنائية بشكل مباشر وصريح هذه المرة:

((أُحِسُّ أنَّ وُسْعَ الأرضِ، مولدي، وقبري

                        وأنَّ ليلتي نجومْ))( )(9)

فالكلمة "مولدي" تشير إلى "الحياة"، والكلمة "قبري" تشير إلى "الموت".

وفي البيت الذي يتلو مباشرةً هذا المقطع نقرأ أيضاً هذه الثنائية بوضوح: ((وها أنا أنهضُ من جنازتي، وأمشي))( )10.

فالفعل "أنهض" يدل على "الحياة"، أما كلمة جنازتي فتدل على "الموت".

وفي مقطع شعري آخر نقرأ هذه الثنائية أيضاً بشكل مباشر وصريح:

((وها أنا ألتقطُ الرصاصَ من عيونِهم

        في نارِ لُبنانَ

        أُسَوِّيهِ على صدورهِم قِلادهْ

        يا أيها الموتُ الذي يُشعِلُ بالجرحِ الدجى

                        أشهد أنكَ الولادة!!))( )(11)

الثنائية تتجسد بقوله "الموت"، ثم "الولادة" التي تشير إلى "الحياة". والشاعر كما هو واضح يؤكد معنىً تداوله الشعراء كثيراً، ألا وهو أن الموت، أو الاستشهاد، وهو المعنى المراد في هذا البيت، ليس إلاَّ الولادة والانبعاث والنهوض مرة أخرى، فالاستشهاد هو طريقنا إلى الحياة.

وتتوالى هذه الثنائية بشكل مكثف ولافت للنظر في هذه القصيدة كقوله في المقطع التالي:

((نعم... أنا نهضتُ من رفاتِهم

                صعدتُ من قرارِ وادي الموتْ))( )(12)

فالفعل "نهضتُ" يدل على "الحياة" وكلمة "رفاتهم" تدل على "الموت"، وكذلك الفعل صعدتُ يدل على "الحياة" والانبعاث، أما كلمة الموت فتأتي بشكل مباشر بقوله: "وادي الموت".

الجديد هنا هو التجديد في بناء الصورة، وفي البناء اللغوي، وفي التخييل، أما الدلالة فهي ذاتها أي انبثاق الحياة من الموت.

كما نقرأ هذه الثنائية بشكل مباشر وصريح في قصيدته "الطريق إلى محمد":

((مُلْقىً أنا، ميتٌ، حيٌّ، تَنازَعُني

                يدي إليكَ، وأَيدٍ جَمَّةُ الغِيَلِ))( )(13)

الثنائية هنا تتجسد بقوله: "ميتٌ" و"حيٌ" وهي متجددة الدلالة هنا، فبينما كان الشاعر سابقاً يؤكد فكرة انبعاث الموت من الحياة، والعكس صحيح، نراه هنا يركز على فكرة جدلية الحالة الصراعية بين الموت والحياة، وجاءت كلمة "تَنَازَعُني"، وحركة "الأيادي": "يدي الشاعر" و"أيدٍ جمة الغِيَلِ" لتعمق من الحالة الصراعية وتضفي عليها مسحة درامية واضحة.

ثنائية الجدب - الخصب:

لهذه الثنائية حضور قوي وفعّال في تجربة الشاعر يوسف الخطيب، وقد قرأنا العديد من القصائد التي تكشف عن هذه الثنائية: ((الخصب-الجدب)) وذلك عن طريق استخدام هذه المفردة بشكل مباشر وصريح أحياناً، أو عن طريق استخدام مفردات رديفة تشير إلى ذات الدلالة والمعنى أحياناً أخرى، أو أن السياق الشعري يتضمن المعنى المذكور.

ففي قصيدته: ((بالشام أهلي والهوى بغداد)) يستخدم الشاعر مفردات تدل على هذه الثنائية، كقوله:

((بعيدةٌ، بَعْدُ، مغانيها... أغانيها

        وقَطْرُ الكروم

        من واعدتني الماءَ... والصحراءَ...

                والحُلمَ... وعِلْمَ النجوم...))( )(14)

فمفردة "الماء" تدل على الخصب هنا، ومفردة "الصحراء" تدل على الجدب واليباس. والشاعر يستخدم هذه الثنائية في جو حزين مؤكداً على أن ما يهواه أو يطمح إليه الآن هو بعيد المنال ولكنه ليس مستحيل التحقق.

أما في قصيدته "الطريق إلى محمد" فإن الشاعر يستخدم هذه الثنائية بشكل أكثر مباشرة ووضوح، وذلك حينما يقول مخاطباً الرسول الكريم محمد"":

((كُنْ شعلتي في ضلوعِ الليل أُوغلُها

                كن غيمتي فوق قَحطِ الروح وانهملِ))( )(15)

واضح هنا أن الشاعر يستخدم ثنائيتين في بيت شعري واحد، ففي الصدر نقرأ ثنائية النور –الظلام، فمفردة شعلتي ترمز إلى النور، والليل يرمز إلى الظلام، أما في العجز فنقرأ مفردة "الغيمة" وهي ترمز إلى الخصب، أما مفردة "القحط" فتدل على الاستخدام المباشر للشاعر وهي مفردة رديفة "للجدب" و"اليباس".

وواضح أن الشاعر يكشف هنا حالة القحط واليباس الروحي التي يعيشها، ويرى في سيدنا محمد"" الأمل في إخصاب هذه الروح وبعثها ومساعدتها على تجاوز محنتها التي تنتقل من الخاص إلى العام الشامل.

ونقرأ في العديد من القصائد الأخرى هذه الثنائية إذ تتعدد الدلالة، وتتنوع الرؤية، ويختلف البناء الفني والجمالي واللغوي، كقوله في قصيدتهِ: "المدينة السافلة".

((طيورُ الثلج داكنةٌ بلا أملٍ تُغَنيِّهِ...

        تَيَبَّس جوفها الذهبي في الإعصار واختنقا

        تحنَّطَ ريشُها المقرورُ، أَخلدَ، لاتَ منطلَقا

        وعاد النهرُ يسألُ برعماً في الرملِ يسقيهِ))( )(16)

الطيورُ التي ترمز إلى الحرية والانطلاق تعاني من القيود التي تحد من انطلاقتها، وهي تعاني من حالة الخواء واليباس الداخلي وليست قادرة على الغناء بسبب العواصف التي تعرضت لها، فمفردة "تيبس" تشير مباشرة إلى الجدب واليباس، إلاَّ أن حالة الجدب هذه ليست نهائية، فالشاعر يفتح لنا أفقاً للخلاص، وكوة للأمل، حين يُورد نقيض هذه الحالة، وهي "الخصب" التي يدل عليها السياق الشعري في هذا البيت: ((وعاد النهر يسأل برعماً في الرمل يسقيه)) فالمفردتان: "النهر" و"يسقيه" تدلان على الحالة المذكورة، وكامل البيت الشعري يؤكد أن حالة اليباس يمكن مقاومتها، وتجاوزها، وهذا كامن في المحاولة التي يبذلها "النهر" لإرواء وإخصاب البرعم الذي يعاني من حالة اليباس "الرمل".

كما نقرأ هذه الثنائية في هذا المقطع الشعري من قصيدتهِ: "المدينة السافلة":

((يدٌ في الليلِ قد خطفتْ

                وراءَكَ شعلةَ القمرِ

وَمَدَّ الآسُ أذرُعَهُ العجافَ

                        لسائقِ المطر))( )(17)

فمفردة "العجاف" تدل على حالة الجدب واليباس، ومفردة "المطر" تدل على حالة الإخصاب.

وتتعمق الحالة الصراعية هنا بين الخصب واليباس في المحاولة الواضحة التي يقوم بها "الآس" في مد "أذرعه العجاف" إلى سائق المطر، فهذه الحركة تؤكد رغبة "الآس" في الانبعاث والتجدد ومعانقة الحياة وتجاوز حالة اليباس والشاعر في صورته الاستعارية المدهشة هذه شبَّه "الآس" بإنسان لـه أذرع، وحذف المشبه به وهو "الإنسان"، ويمكن لنا هنا تأويل الدلالة، فالمعنى الذي أراده الشاعر من خلال إيراد فاعلية وحركة أحد مفردات الطبيعة وهو نبات "الآس" هنا هو دعوة الإنسان للتحرر والإخصاب وتجاوز حالة اليباس والعقم والموات مستفيداً من حالة الأنسنة التي أسبغها على النبات، والبيت يتضمن شحنة تحريضية وطاقة إيحائية تدعو الإنسان إلى تمثّل حقائق الطبيعة والاستفادة منها في عملية البناء والإخصاب، وإذا كنا نحن البشر نعي أو نعاني من حالة الخصب-اليباس فإن الطبيعة ذاتها تعيش هذه الجدلية-الخصب واليباس-، الموت-والانبعاث ولكن الفارق هنا هو أن الكائن البشري يعي عمليات التحول والصيرورة هذه، أما النبات والكائنات الأخرى فإنها لا تعي ذلك، بالرغم من أنها تعيش الحالة ذاتها.

ونقرأ هذه الثنائية في قصيدة أخرى للشاعر بعنوان "مطالع جزائرية" ولكن براعة الشاعر الفنية والفكرية تتجلى لنا في هذه المقدرة المدهشة على تنويع الدلالة والرؤية وتطويع اللغة واستخدامها استخداماً فنياً مجازياً وموحياً، كقوله:

((ويا رمالاً مدارَ الأفقِ عاقرةً

                تغَيَّثي من عتيقِ الراحِ والعطر))( )(18)

فمفردة الرمال هنا تدل على حالة "اليباس" ويؤكد الشاعر هذه الدلالة حينما يصفها بقولـه: "عاقرة"، وبالرغم من كثافة حالة "العقم" أو "الجدب" الذي تمثله هذه الصورة الشعرية لأنها تغطي الأفق، فهي إذن تتصف بالشمول وسعة الإحاطة، إلاَّ أن الشاعر لا يركن إلى اليأس هنا، بل يدعو هذه "الرمال" إلى تجاوز حالتها عن طريق "التغيث" ومعانقة الحياة والتجدد، إلاَّ أن ما يعطي الصورة الشعرية سحرها الغني وطاقتها الإدهاشية هو أن الشاعر لم يطلب من "الرمال" أن تبتل أو تختزن "الماء"، باعتبارهِ رمزاً للإخصاب والحياة، بل أن تبتل وتختزن الراح والعطر، وهما يبعثان النشوة والجمال.

ونلاحظ على المستوى الفكري والرؤيوي ملاحظة هامة وهي أن الطاقة التغييرية التي تنقلنا من حالة اليباس إلى الخصب تنطلق من ذات الشاعر هنا، فهي ذات فاعلة، تحويلية، تدعو إلى تجاوز حالة اليباس مهما بلغ حجمها وكثافتها وتأثيرها، ولا تنطلق هذه الطاقة التغييرية مثلاً من ذات الطبيعة التي تعيش حالة الخصب واليباس أيضاً، وهذا يؤكد مرة أخرى على وظيفة الفن الاجتماعية ودور الشاعر في عملية التغيير والتحويل نحو الأرقى والأجمل.

كما نقرأ هذه الثنائية في قصيدته "الطريق إلى يافا" بقوله:

((أقفرت من وحيها الصحراءُ لما اندلعت

                في الأرضِ بالبعثِ السخي))( )(19)

فمفردة الصحراء "المقفرة" تدل على حالة الجدب واليباس، أما مفردة "البعث السخي" فتدل على حالة الإخصاب.

أما في قصيدته: "دمشق والزمن الردئ" فنقرأ هذه الثنائية بشكل مباشر دون الاستعانة بالرموز التي تدل على الدلالة ذاتها، وذلك بقوله:

((أنا من حملتُ على جهات الأرضِ فاجعةَ

                التراب الخصبِ، والزمن الجديبِ))( )(20)

إن هاتين المفردتين "الخصب" و"الجديب" تؤكدان هذه الثنائية بشكل مباشر وواضح.

ثنائية الحرية-القيد:

الحرية تشترط قيدها، أو تستدعي قيدها، لأنها حرية مشروطة بالضرورة بواقعها الموضوعي الخارجي. صحيح أن الذات –الحرة والفاعلة تفعل فعلها وتأثيرها في العالم الخارجي "الموضوع" إلاَّ أنها لا تستطيع الخروج عنه، أو الفكاك منه، ومن خلال العلاقة الجدلية بين "الذات-الموضوع" يتولد التأثير المتبادل الذي ينعكس بوضوح في صيرورة الأشياء والظواهر وفي تحولها المستمر.

نعتقد أن هذا هو الفهم الفلسفي والواقعي والمادي الصحيح لماهية الحرية، وليس هناك سوى الفهم العدمي أو الفوضوي لموضوعة "الحرية" الذي ينفي جدلية التفاعل هذه بين الذات-الموضوع، والذي يتوهم إمكانية الفصل بينهما، أو إمكانية تحرر الذات كلياً من شرطها الموضوعي.

هذه الثنائية "الحرية-القيد" هي من الثنائيات الواضحة في تجربة شاعرنا العربي الفلسطيني يوسف الخطيب الذي استخدمها بفرادة وتميز، وبرؤية شمولية قائمة على أساس التنويع الدلالي وتعود زوايا الرؤية، كما أنه استخدمها أحياناً بشكل مباشر، وأحياناً بشكل غير مباشر عن طريق المفردات الرديفة أو الرموز التي تدل على هذه الثنائية.

وذلك كقوله في قصيدته "الطريق إلى محمد" مخاطباً النبي الكريم:

((آتيكَ، أنتَ، بأصفادي، وأجنحتي

                فٍصامَ حَدِّ الردى والبعثِ، في رَجُلِ))( )(21)

فالاستخدام المباشر هنا هو مفردة "الأصفاد =القيد"، أما الأجنحة فهي رمز يدل على الطيران والتحليق و"الحرية". المرجعية التي يؤمن فيها الشاعر هي "الرسول محمد" فهو رمز الخلاص والأمل والبيت يكشف عن الحالة الصراعية النفسية التي تعيشها الذات الشاعرة فهي تجمع بين القيد-والحرية، كما تجمع الموت-والحياة، "الردى والبعث" في عملية انطلاقها وتشبثها بالرمز-الخلاص، محمد"". وهذه الثنائية كامنة أساساً في تناقضات الواقع الموضوعي التي تنعكس وتفعل فعلها في تشكيل الذات المتكونة من عدة عناصر متناقضة.

وما يُبهرنا هنا هو مدى صدق الشاعر مع ذاته ومع مرجعيته فهو منساب، يُعري ذاته دون أي وجل أو أية مداورة، مُشكلاً حالة من الانسجام القصوى بينه وبين ذاته من جهة، وبينه وبين من يلجأ إليه في الملّمات والمحن، وكأننا إزاء حالة تطهيرية قائمة على الصدق المطلق.

أما في قصيدته: "إلى يافا الطريق" فنقرأ هذه الثنائية برؤية أخرى، كما تكشف عن دلالة جديدة، بأسلوب فني جديد:

((قَبْلَنا، لم تَلْقَ حُراً نقبت كفّاهُ

                عن أقبيةِ السجن الحجارة))( )(22)

يتخذ الشاعر في هذه القصيدة موقفاً نقدياً من الحالة الممزقة التي وصل إليها أبناء أمتنا العربية، ويرى في تقاعسنا وتراخينا وتشظينا سبباً رئيسياً في ضياع فلسطين وهيمنة العدو الصهيوني على أراضينا المقدسة، ويرى بأن الأحرار قبلنا لم يكونوا على هذه الحال من الضعف كما نحن الآن، بل كانوا يلقنون الأعداء درساً في الصلابة والجسارة والشجاعة. الثنائية هنا تتجسد بقولهِ: "حراً" و"السجن" وهي مفردة تدل على "القيد".

وتتعمق هذه الرؤية النقدية في البيت الذي يتلوه إذ يؤكد الشاعر أن أجدادنا الأوائل الأحرار لم يرضخوا لأعدائهم الخارجيين أو للحكام المستبدين في الداخل، حيث كان السجّان يهاجم ويحسب لهم الحساب، بل إنهم كانوا يشكلون حالة من القلق والخوف بسبب جسارتهم وقوتهم المعنوية وبسبب شجاعتهم وتصديهم له، فلنقرأ لـه هذا البيت الزاخر بكل هذه الدلالات:

((قَبلَنا، لم تَلْقَ سجَّاناً خليَّ البالِ

                قد أعلى من الوهمِ جداره))( )(23)

وفي قصيدته "رباعية" نقرأ ثنائية "الحرية-القيد" بقوله:

((طائري، الناريُّ قد فيَّأتُهُ صدري،

            وذهَّبْتُ لـه السجنَ، ونامْ...))( )(24)

واضح هنا أن الشاعر ينوع في "الدلالة" وفي الأسلوب الفني، وفي الصورة الشعرية، وتتجسد الثنائية هنا بقوله: "طائري" والطائر هو رمز "الحرية"، وقوله: "السجن" وهي مفردة تدل على "القيد". وهذه الصورة تكشف عن طاقة إيحائية تتضمن معنى الانكفاء على الذات، فقد سجن الشاعر بنفسه طائرَهُ "فيَّأتُهُ صدري" ورأى بأن سجن الذات هي الحالة الأقرب إليه، والصورة توحي بالعلاقة الضدية والتصادمية بين الذات الشاعرة وواقعها الموضوعي، ولو كان هناك انسجام بين الذات والموضوع لما انكفأ الشاعر على ذاتها، بل لأطلق "طيره" أي حريته في رحاب الأفق وفي رحاب السماء.

ثم نقرأ هذه الثنائية في نفس هذه القصيدة حيث يقول الشاعر في خاتمة هذه "الرباعية":

((فرسي بَرِّيَّةُ الصَّهلةِ رعناءُ

                جَمُوحُ التوقِ إن أُرْخِ اللجامُ))( )(25)

فمفردة "جموح" تدل على الحرية، ومفردة "اللجام" تدل على القيد، والشاعر يؤكد توقه لعالم الحرية، إلاَّ أن تحقيق ذلك يمر عبر حالة صراعية بين الحرية والقيد، وأن تحقيق الحرية للذات الشاعرة التي ترمز إليها في هذا البيت: "الفرس" لا يتم إلاّ من خلال تكسير وتحطيم القيد، ويشير إلى هذه الدلالة هنا قولـه: "أُرْخِ اللجام" أي أن "الفرس" لن تحقق حريتها إلاَّ عبر "إرخاء اللجامْ". واضح هنا جدلية العلاقة بين الحرية والقيد، ومدى تلازمهما، والحالة الصراعية المنبثقة من وحدة هذا التلازم.

لقد تغيرت "الدلالة" في هذا البيت عن البيت الذي سَبَقَه، فبينما لجأت الذات الشاعرة إلى حالة الانكفاء والتراجع في البيت السابق، فإنها في البيت الأخير تدعو إلى تحقيق فعل الحرية عن طريق التفلت من اللجام-القيد، وهي دلالة مناقضة ومتمايزة عن الأولى.

ثنائية الاتصال - الانفصال:

يمكن اعتبار ثنائية الاتصال-الانفصال إحدى الثنائية المهمة في تجربة شاعرنا يوسف الخطيب، وهي تكشف في قصيدته: "الخروج إلى بادية الشام" عن بنية نفسية قلقة، وذات منقسمة على نفسها في هداها وفي تطلعاتها، فلنقرأ لـه هذا المقطع الشعري الدال في القصيدة المذكورة:

((أُحِبُّ اثنتينِ... وأُعلِنُ تحت سماءِ المدينةِ

عِصِيانَ قلبي على البُغضِ، والمبُغضينَ...

وَحُبُّ اثنتين اقتدارٌ...

                إذا عُدَّ بين الرجالِ، الرجالُ

وَحُبُّ اثنتينِ عذابٌ

وحُبُّ اثنتينِ اغترابٌ...

وأُقسم أني غدوتُ حِيالَهما اثنينِ:

                بعض فؤادي اتصالٌ

                وبعضُ فؤادي انفصالُ))( )(26)

يستخدم الشاعر هذه الثنائية بشكل مباشر بقوله: "بعض فؤادي اتصال" و"بعض فؤادي انفصال".

يقصد الشاعر في قوله: "أحب اثنتين": بغداد والشام، وهو يرى في هذه القصيدة، وفي العديد من قصائده الأخرى بأن توحيد هاتين المدينتين العربيتين هو المرتكز الأساسي لوحدة الأمة العربية ولبناء نهضتها، وقد أشار الشاعر في المقدمة التي كتبها لهذه القصيدة إلى هذه الحقيقة ثم أكدها في عدة أبيات ومقاطع شعرية، ومنها هذا المقطع الشعري الشفاف والصادق والمتوهج فنياً:

((سأحمل بستانَ ورْدٍ على شفتيَّ

        وآتي بباديةِ الشامِ أعقابَ أهلي

        وأَحدِسُ بين الأَثافيِّ أطلال داري

        وأزرع واحةَ نخلٍ لعينَيْ دِمشقٍ

        وفي عشق بغدادَ، غابة غارِ))( )(27)

أما ما يؤكد الحالة النفسية القلقة والمتشظية التي يعاني منها الشاعر، فهو قوله: ((وأُقسم أني غدوتُ حِيالَهما اثنين)). واضح هنا تمزق عاطفته، ونوسانها بين الاتصال، والانفصال "بعض فؤادي اتصال، وبعض فؤادي انفصال" وقد أثّرت هذه الثنائية على بنيتهِ النفسية لتشكل لـه حالة من الازدواجية والقلق، فهو متردد بين الاتصال والانفصال، التقدم والإحجام، ثم ترد هذه الثنائية مرة أخرى في خاتمة المقطع الشعري، ولكن ليس بشكل مباشر، بل عن طريق استخدام مفردات تدل عليها:

((ولو جَرَّبَ الوَصْلَ، من جَرَّبَ العذلَ

        لم يَشِ بي عند باب الخليفة واشٍ

        وكيف اتِّحادِيَ فيمن أُحِبُّ، وكيف اختلافي))( ).

الثنائية تتجسد بقوله: "اتحادي" وهي تدل على "الاتصال" و"اختلافي" وهي تدل على "الانفصال".

سؤال حار يعبر عن حيرة الشاعر في خاتمة هذا المقطع، وعن تشتته وتمزقهِ العاطفي: "وكيف اتحاديَ فيمن أُحِبُّ،.. وكيف اختلافي".

أما في قصيدته "الطريق إلى محمد" فنقرأ هذه الثنائية بقوله:

((تقطَّعت بي عُرىً، من أَين أُوثِقُها

                إن لم أُصِلْ بكَ أشلائي، ولم تصِلِ))( )(29)

في هذا البيت يخاطب الشاعر الرسول الكريم محمد"" مُعبراً عن معاناتهِ المريرة من الحياة ومن الواقع، ومؤكداً حالة العزلة والانفصال التي يحياها. بل إن الشاعر تحول نتيجة لذلك إلى أشلاء متناثرة لا يجمعها جامع، أو صلة، وهو يرى بأن الرسول محمد "" هو الأمل المرتجى الذي يمكن من خلال الاتصال الروحي به لملمة أشلاء الشاعر وإعادة التماسك إلى كيانهِ وبنيانه الروحي، فالتشظي أو الأشلاء هنا تأكيد على التمزق الروحي وليس الجسدي، والثنائية تتجسد هنا بقولهِ: "تقطَّعت" وهي مفردة تدل على "الانفصال" و"أُصِلْ، تَصِلِ" وهي مفردتان تؤكدان "الاتصال".

ثنائية الحزن-الفرح:

من الثنائيات المهمة في تجربة شاعرنا يوسف الخطيب: "ثنائية الحزن-الفرح" والشاعر يعبر عن هذه الثنائية تارة بشكل مباشر وواضح، وتارةً أخرى عن طريق استخدام مفردات رديفة أو مفردات وصفات وحالات تدل عليها. لنقرأ لـه هذه الثنائية والتي جاءت بشكل مباشر وواضح في قصيدته: "الطريق إلى محمد":

((كُنْ عودتي في خيام الحزن أنشُرُها

                خضراءَ ألويةٍ، خفَّاقة الجَذَلِ))( )(30)

الثنائية تتجسد هنا بإيرادهِ مفردة "الحزن" بشكل مباشر، ثم مفردة "الجَذَلِ" وهي رديفة لمفردة "الفرح".

يخاطب الشاعر النبي محمد"" في هذا البيت باعتباره المرجعية والمنقذ ومعقد الأمل، إذ يستطيع الشاعر بالاعتماد عليه العودة إلى أرضه ونشر الألوية الخضراء الخفاقة وهي تعبير عن حالة الفرح والجذل الذي سيتم تحقيقهُ على أنقاض حالة الحزن والتشرد التي عانى منها شعبه الفلسطيني طيلة العقود المنصرمة.

وفي قصيدتهِ "مطالع جزائرية" يعبر الشاعر عن ثنائية "الحزن-الفرح" بشكل مباشر وواضح أيضاً، وذلك بقوله:

((أبكي، وَحَسُّ الجنونِ يُضحكهم

                حولي، وشحمُ الرجال كالوَرَمِ))( )(31)

الثنائية تتجسد بقوله "أبكي"، و"يُضحكهم"، ومن خلال هذه الثنائية يصل الشاعر إلى حالة من التقابل بين الضدين: الأنا والآخر، الأنا التي تؤكدها مفردة "أبكي" وهم ضمير المتكلم "أنا"، والآخر التي تدل عليها مفردة "يُضحكهم" وهي ضمير الجماعة الغائب "هُمْ".

الضدان: الأنا والآخر تحكمهما في هذا البيت حالة درامية صراعية فبينما يبكي الإنسان الذي يمثل حالة "الأنا" يقوم الآخرون بالضحك عليه باعتبار أن ما يقوم به هو مسٌّ من الجنون، بدلاً من التعاطف الإنساني معه، ومعرفة الأسباب التي تدعوه للبكاء، ثم مشاركته بحالة الحزن كواجب إنساني.

أما في قصيدته "قل لنا شعراً" فإن الشاعر يعبر عن هذه الثنائية بشكل غير مباشر، أي عن طريق استخدام مفردات تؤكد حالتي الحزن والفرح، كقوله:

((إنا تَخِذْنا الحياةَ أغنيةً

                تصفو لنا، تارةً، وتعتكر...))( )(32)

فمفردة "تصفو" أي تصفو الحياة التي جعلناها أغنية تؤكد الفرح، أما مفردة "تعتكر" فتعبر عن الحزن. وهكذا أراد الشاعر أن يقول لنا إن الحياة متغيرة الأحوال، فتارة تبعث فينا الفرح والأمل والتفاؤل، وتارةً أخرى الحزن واليأس والتشاؤم، ولنا نحن العرب تراث غني في الشعر والنثر يُعبر عن حكمة الحياة هذه المبنية على النقيضين: الفرح والحزن. ففي الشعر، قول الشاعر أبو البقاء الرندي:

((هي الأمورُ كما شاهدتَها دولٌ

                مَنْ سرَّهُ زمنٌ ساءتْهُ أزمانُ))

وقول الشاعر بن عبد ربّه الأندلسي:

((ألا إنما الدنيا غضارةُ أيكةٍ

                إذا اخضرَّ منها جانبٌ جفَّ جانبُ))

وفي النثر البليغ قول الإمام علي "ع"، ((: الدهر يومان: يومٌ لكَ، ويومٌ عليكَ، فإن كان لكَ فلا تبطر، وإن كانَ عليكَ فاصبرْ)).

وشاعرنا الخطيب في رؤيتهِ هذه للحياة يستند إلى تراث عربي ـ إبداعي سَبَقَهُ، وما قدمَهُ في هذا المجال هو امتداد لهذا التراث الغني.

ونقرأ في القصيدة ذاتها هذه الثنائية التي يُعبر عنها الشاعر بشكل غير مباشر أيضاً، أي عن طريق استخدام مفردات تؤكدها. كقولهِ:

((قد أَلبستني الحِدادَ ذاتُ يدٍ

                فكيف أشدو والقلبُ ينتحبُ))( )

فمفردة "الحداد" تُعبر عن الحزن، ومفردة "أشدو" تؤكد الفرح. ومفردة "ينتحبُ" تعبر عن الحزن.

الشاعر يتساءل هنا عن إمكانية الفرح في عالم مليء بالحزن والآلام، أو كيف يعيش المرء فرحاً ومسروراً وليس هناك شرط موضوعي يساعده على ذلك؟ وكيف يُظهر فرحَهُ وقلبه (أي عالمه الداخلي) مترع بالحزن؟

الأسئلة هذه تعبر عن لوعة الشاعر وحزنه بسبب التشرد والغربة والبعد عن الوطن، إلاّ أنه في خاتمة القصيدة يفتح لنا كوة للأمل والتفاؤل، وهي خاتمة تعبر عن إصرار الشاعر وقدرته في المواصلة على حب الحياة وإخصابها وبث روح التجدد في مفاصلها، كما تعبر عن الروح الغيرية التي يتمتع بها:

((له الدوالي، يَظَلُّ يزرعها

                وللعصافيرِ، بَعْدَهُ العِنبُ..))( )(34)

ثنائية اللقاء ـ الفراق، أو الغياب ـ الحضور:

لهذه الثنائية حضور واضح في شعر يوسف الخطيب، وقد عبر عنها الشاعر بأساليب ورؤى وأشكال متنوعة وعديدة، مباشرة وغير مباشرة. ففي المقطع الخامس من قصيدته "الطريق إلى يافا" ترد هذه الثنائية بشكل مباشر وهو يعبر عن مدى ارتباط الشاعر بأرضه الغالية "فلسطين" العربية، ومدى تولهه وعشقه وحنينه لها، كما يكشف عن مدى المرارة التي تعتمل في ذاتهِ بسبب فراقه لها، حتى أنه يستعيض عن هذا الفراق بلقاء حلمي. أي إذا تعسر اللقاء في الواقع فإن الشاعر يلجأ للحلم كي يحقق لـه هذه الأمنية وهذه الإمكانية ـ اللقاء في الجنة. لنقرأ لـه هذا المقطع الدال بعنوان:

"بيوت الناس":

((هل يَشِتُّ البالُ عن قرميدك الورديِّ

يا يافا، وفي أيَّة دُنيا......!؟

إن نَغِبْ عنكِ، فكي نلقاكِ.... حتى

في رُبى الجنَّةِ..... إيذاناً، ورؤيا))( ) (35)

الثنائية تتجسد هنا بقوله: "نَغِبْ" و"نلقاك".

أما في قصيدتهِ "لو ميتاً ألقاك" فترد هذه الثنائية بشكل مباشر وغير مباشر، إذ يقول:

((أُرخيكِ يا أَعِنَّةَ الحنينِ، فاسبقي

        الرياحَ، والجنونَ، والرؤى

        إليهِ....... أفديهِ هجيرةً على الرمالِ،

        أو كثَّ السفوحِ، فَيِّئاً

        وعانقي الفجر، به، على شواطئِ

        الندى، ولَيلَهُ المُضَوّء!

        ينزلُ أفياءَ الضلوعِ سيِّدي

        متكئاً على الرموش ما نأى......))( )(36)

الشاعر هنا يخاطب وطنه البعيد ـ القريب، مصوراً محنة البعد عنه، كاشفاً عن لوعة الحنين التي تعتمل داخل ذاته من أجل عناق الوطن والموت فوق ترابه: ((لو ميتاً يا وطني ألقاكَ..... لو أمشي/ لك الدنيا على رمشين...... لو)).

ثم يبين الشاعر مكانة "الوطن" في قلبه وروحه حتى أنه على استعداد لإسكانه بين الضلوع، حالة من التماهي والعشق الأبدي بين الذات ـ الشاعر وبين وطنه ـ رمز الكينونة والوجود.

وفي هذا المقطع كما في العديد من القصائد الأخرى يتبين لنا مدى مقدرة شاعرنا الخطيب على تطويع اللغة واستخدامها استخداماً فنياً مجازياً موحياً، ومقدرتهِ على بناء الصورة المدهشة والمبتكرة التي تدل على طاقة تخييلية عالية يمتلكها الشاعر، وقدرته على إيجاد حالة من التوازن المدهش ـ النسبي ـ بين المجرد والمحسوس كقوله: "يا أعنة الحنين": "فالأعنة" ظاهرة حسية، و"الحنين" ظاهرة مجردة، وفي هذه الصورة الاستعارية المدهشة ذات الطابع الحسي: ((ينزل أفياءَ الضلوعِ سيِّدي/ متكئاً على الرموشِ ما نأى....)) يتألق شاعرنا الخطيب فنياً وإبداعياً، فهذه الصورة الحسية تتألف من عدة ظواهر حسية: "أفياء"، "الضلوع"، "الرموش". وهي صورة استعارية حيث شبه الوطن "سيدي" بإنسان لـه قابلية الفعل "الاتكاء" ثم حذف المشبه به "الإنسان" وأبقى ما يدل عليه، فعل "الاتكاء"، وتكشف هذه الصورة المبدعة أيضاً عن طاقة إيحائية وفكرية عالية تبين مدى أهمية الوطن بالنسبة للشاعر، كما تكشف عن مدى عمق حساسية الشاعر ورهافته في التعامل مع "سيده ـ الوطن"، فهو الحبيب الذي يدخل القلب دون استئذان متكئاً على أعز ما يملكه الإنسان: "رموش العينين".

إن هذه الصورة تكشف أيضاً عن استعداد الشاعر للتضحية "بالعينين" وهما أغلى ما يملكه في سبيل وطنه.

أما الثنائية فترد بشكل غير مباشر بقوله: "ينزل أفياء الضلوع سيدي"، حيث يكشف كامل السياق الشعري لهذه الجملة الشعرية عن حالة "اللقاء والحضور" بين الوطن ـ السيّد وبين الذات الشاعرة المستعدة لاحتضانهِ و"إنزاله" بين الضلوع، والفعل ينزل بمعنى يقيم، أو يلتقي، كما ترد الثنائية في الشطر الثاني بشكل مباشر هذه المرّة:

((مُتكئاً على الرموشِ ما نأى....)). فالفعل "نأى" يدل على البعد والفراق والغياب.

وفي قصيدتهِ "وجد" التي أهداها إلى: "رفاق جامعة دمشق...... في آخر عهدنا بأيامها الرائعة". والتي يصور فيها ألمه وشدة وجده بسبب الفراق الذي سيحصل بينه وبين زملائه، فنجد هذه الثنائية بشكل مباشر وواضح، وبشكل مكثف ولافت أيضاً، لنقرأ لـه هذا المقطع:

((أرفاقي، وما حسبتُ الليالي

                حاسداتٍ عليّ قرب رفاقي

في خيالي عيونكم تلمح البعد

                وتأبى إلاّ ابتسام التلاقي

الوداع الوداع يا ليلةَ النور

                وأترع كؤوسها يا ساقي

الأحبّاء مصبحون على البعد

                مُجدّون في النوى والفراقِ

كم أحس النوى، وذعر الليالي

                ودبيب الرحيل، في أعماقي))( )(37)

فالمفردتان: "قرب، التلاقي" تدلان على اللقاء، أما المفردات: ((البعد "تكررت مرتان"، الوداع، النوى "تكررت مرتان"، الفراق، الرحيل)) فكلها تعني الفراق أو الغياب، وقد وردت كلمة "الفراق" مرة واحدة بشكل مباشر.

كما ترد هذه الثنائية بشكل مباشر في قصيدتهِ: ((أغان من فلسطين)) فقد نقرأ في مقطعه الشعري الثالث:

"موال الراعي الصغير":

(( بلّغْ نسيمَ الغرب، أحبابي.... هواكم زادْ

        غير الأسى والدمع ما خلّفتمو لي زاد

                        أوف....

        مهما الليالي باعدتنا، واللقاء ما جاد

        خلّوا ظِلال الكرمل الزاهي لنا ميعاد))( )(38)

واضح هنا النكهة الشعبية التي يتضوع عطرها بين ثنايا هذا المقطع الشعري: "أوف" والطابع الفولكلوري الغنائي الذي يميز شعبنا العربي في فلسطين وفي عموم بلاد الشام، أما الثنائية فتتجسد بقوله: ((مهما الليالي باعدتنا، واللقا ما جاد)): "باعدتنا" وهي مفردة تدل على الفراق أو الغياب، ومفردة "اللقا".

ثم نقرأ هذه الثنائية "اللقاء ـ الفراق أو الغياب ـ الحضور" بشكل واضح أيضاً في قصيدته "أغان من العراق" حيث يقول الخطيب فيها:

(( وجه أبي غاب، ففي رغابنا

        في وهمنا الظامئ، في سرابنا

        عاد...... ولا لقمة في جرابنا

        خطوته تخجل من عتابنا

        فيسرح الليل وراء بابنا))( )(39)

الثنائية تتجسد بقوله: "غاب" وهي مفردة تدل بشكل مباشر على الغياب، ثم مفردة "عاد" وتدل على الحضور واللقاء.

 ثنائية الامتلاء ـ الخواء:

يمكن قراءة هذه الثنائية بوضوح في العديد من قصائد شاعرنا العربي الفلسطيني يوسف الخطيب، وهي ترد بشكل مباشر أحياناً، وبشكل غير مباشر أحياناً أخرى وذلك عن طريق استخدام مفردات رديفة أو مفردات تدل عليها أو أن السياق الشعري ذاته يكشف عنها.

ففي قصيدته المعروفة، والتي سبق وأن تناولناها مراراً: "الطريق إلى محمد" يقول الشاعر مخاطباً الرسول الكريم ومنتقداً عبادة الأصنام والأوثان في العصر الجاهلي ما قبل الإسلام، محاولاً إسقاط هذا الموقف النقدي على واقعنا المعاصر لتثويره وتنظيفه من الشوائب والظواهر السلبية:

((ويومَ أَترعتُ كأسي من طِلَى صَنَمٍ

                ضَيَّعتُ رأسي خواءً، وهو لم يَزَلِ))( )(40)

الثنائية تتجسد هنا بقوله: "أترعتُ" وهي مفردة تدل على الامتلاء، ومفردة "خواء".

أما في قصيدتهِ: "دمشق والزمن الرديء" فنحن نقرأ هذه الثنائية بأسلوب فني آخر، وبرؤية تكشف عن دلالات متميزة أخرى، حين يقول:

(( وأنا الذي وطني ارتحال الشمس ملءَ الأرضِ،

        لكني بلا وطنِ

        منذا يُصدِّقني!!))( )(41)

هذا المقطع الشعري يُعبر عن صرخة إنسانية مليئة بالعذاب والقلق الإنساني الذي يكشف عن تناقضات مرعبة، فالشاعر يؤكد فيه حقيقة معروفة وهي أن وطنه فلسطين، هو وطن الشمس والحرية، وأن اسمه يتردد على ألسنة ملايين البشر، وذكره يملأ الأرض، ومع كل ذلك فإن الشاعر لا يمتلك وطناً يأويه ويضمه بين رحابه!!.

أية مفارقة وازدواجية هذه التي تشكل حالة من القلق والعذاب لشاعرنا الخطيب، حتى أن الشاعر ينهي صرخته الإنسانية المعذبة هذه بـ "منذ يصدقني"!! وكأنه أراد أن يقول إن ما يجري في هذا العالم يدل على اللامعقول وهو خارج أي منطق إنساني.

أما الثنائية فتتجسد بقوله: "ملءَ الأرض" وهي تؤكد الامتلاء، أما الجملة الشعرية: "لكني بلا وطن" فإنها توحي وتدل على الخواء.

وفي قصيدته: "أهل السلام" نقرأ أيضاً ثنائية: "الامتلاء ـ الخواء" في هذا المقطع الشعري:

(( بغدادُ لي...... للأشقياء العار والندمُ

        بغدادُ بيت أخي، هوىً من يعربٍ ودمُ

        جرح سقى دهر العذاب، وعاد يلتئمُ

        بغداد إرث أبي، وقُطّاع الطريقِ همُ

        هذا الذي نضبَ القرونَ، وعاد يصطخبُ

        يهبُ الرسالةَ، يا يمينُ الخير ما يهبُ))( )(42)

الثنائية تتجسد بقوله: "نضب القرون" وهي تعبر عن الخواء، و"يصطخب" وهي تدل على الامتلاء. ويمكن القول في خاتمة هذا الفصل بأن هناك العديد من الثنائيات الأخرى غير التي ذكرناها، إلاّ أن الشاعر يوسف الخطيب لم يستخدمها بشكل مكثف، لذلك سنكتفي بذكرها دون الغوص فيها أو الكشف عنها مع الشواهد والأمثلة، ومن هذه الثنائيات: ثنائية الروح ـ الجسد ـ وثنائية الكرم ـ البخل، وثنائية: الإثم ـ المغفرة.

مراجع ومصادر الفصل الثاني:

1ـ يوسف الخطيب/ ديوان: رأيت الله في غزّة/ دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون/ 1988/ ص51/.

2ـ المصدر السابق/ ص 51ـ 52/.

3ـ المصدر السابق /ص52ـ53/.

4ـ المصدر السابق /ص53/.

5ـ المصدر السابق /ص60/.

6ـ المصدر السابق /ص66ـ 67/.

7ـ يوسف الخطيب/ ديوان: بالشام أهلي والهوى بغداد/ دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون/ دمشق/ 1988/ ص30/.

8ـ المصدر السابق /ص84/.

9ـ المصدر السابق /ص84/.

10ـ المصدر السابق /ص84/.

11ـ المصدر السابق /ص88/.

12ـ المصدر السابق /ص88/.

13ـ يوسف الخطيب /ديوان "رأيت الله في غزّة"/ دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون /دمشق/ 1988/ ص52/.

14ـ يوسف الخطيب /ديوان: "بالشام أهلي والهوى بغداد"/ دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون /1988/ دمشق/ ص12/.

15ـ يوسف الخطيب /ديوان "رأيت الله في غزّة"/ دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون /دمشق/ 1988/ ص55/.

16ـ يوسف الخطيب/ ديوان واحة الجحيم/ دار الطليعة/ بيروت/1964/ص92/.

17ـ المصدر السابق /ص99/.

18ـ المصدر السابق /ص131/.

19ـ المصدر السابق /ص10/.

20ـ المصدر السابق /ص70/.

21ـ يوسف الخطيب/ ديوان: رأيت الله في غزة/ دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون/ دمشق/ 1988/ ص58/.

22ـ يوسف الخطيب/ ديوان واحة الجحيم/ دار الطليعة/ بيروت/ 1964/ ص20/.

23ـ المصدر السابق /ص20/.

24ـ المصدر السابق /ص56/.

25ـ المصدر السابق /ص56/.

26ـ يوسف الخطيب/ ديوان: "بالشام أهلي والهوى بغداد"/ دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون/ دمشق/ 1988/ ص107/.

27ـ المصدر السابق /ص106/.

28ـ المصدر السابق /ص107/.

29ـ يوسف الخطيب/ ديوان: رأيت الله في غزة/ دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون/ دمشق/ 1988/ ص59/.

30ـ المصدر السابق /155/.

31ـ يوسف الخطيب/ ديوان: واحة الجحيم/ دار الطليعة/ بيروت/ 1964/ ص108/.

32ـ المصدر السابق /ص172/.

33ـ المصدر السابق /ص174/.

34ـ المصدر السابق /ص175/.

35ـ المصدر السابق /ص17/.

36ـ المصدر السابق /ص36/.

37ـ يوسف الخطيب/ ديوان: عائدون/ ص25ـ 26/ دار الآداب بيروت/ عام 1959/.

38ـ المصدر السابق /ص63/.

39ـ المصدر السابق /ص91/.

40ـ يوسف الخطيب/ ديوان: رأيت الله في غزّة/ دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون /دمشق/ 1988/ ص58/.

41ـ يوسف الخطيب/ ديوان: "واحة الجحيم" منشورات دار الطليعة/ بيروت، 1964/ ص72/.

42ـ يوسف الخطيب/ ديوان: "عائدون" دار الآداب/ بيروت/ 1959/ ص101/.

 

 

الفصل الثالث:

الموقف النقدي في شعر يوسف الخطيب

 

 

يمتلك الشاعر العربي الفلسطيني وعياً وطنياً وقومياً ثورياً حاداً، وعميقاً، ساعده كثيراً في بناء موقفه النقدي من أحداث وواقع أمتنا العربية في تاريخها المعاصر.

ومن يدرس قصائده بإمعان في مجموعاتهِ الشعرية الخمس سيتلمس طبيعة هذا الموقف النقدي وأهدافه ومدى حدتهِ، وعمقهِ، ولعل الملاحظة الأولى التي نروم تسجيلها حول هذا الموقف هي أن شاعرنا الخطيب في نقده لحالات الخور والهزال والانكسارات التي أصابت أمتنا العربية، وفي نقده للجماهير العربية، أو للذات العربية، لم يكن يستهدف النقد من أجل النقد، ولا النقد من أجل التجريح، أو النقد من أجل إعلاء الذات الفردية الشاعرة، بل هو يستخدم مبضع الجرّاح لكي يستأصل الأورام التي نهشت جسد الأمة.

وفي قصائد عديدة يقرن هذا الموقف النقدي ـ التشريحي بالبديل، أو ضرورة المعالجة وإسعاف الجراح.

أي أن موقفه النقدي مبنيٌ على أساس هدف مركزي واضح: وهو إعلاء شأن الأمة العربية بين أمم الأرض، وبناء مجدها المعاصر كوريث شرعي لمجدنا السالف التليد.

إنه باختصار نقد إيجابي بنّاء لا نشمُّ فيه رائحة المواقف العدمية أو التبخيسية التي تقود إلى تكريس عقدة الدونية التي تمنعنا من التجاوز والتخطي وعدم الثقة بإمكانات أمتنا الهائلة، وقدرتها على اللحاق بالمستوى الحضاري الذي بلغته الأمم الأخرى.

لم يكن الخطيب في أشعاره مجاملاً على حساب القضايا الوطنية والقومية الكبرى التي آمن بها، بل كان صدامياً، شاهراً قناعاته الحادة ضد الدجل والزيف والخضوع لأي حاكم أو نظام عربي لا يُعبر عن المصالح العليا للأمة العربية، وعن قضيتها المركزية، فلسطين، ونقرأ في قصائدهِ دلالات عديدة: فهو الناقد، والمنقِذ، والفادي، والمخَلِّص، والمحرِّض، والدليل، والمتشوِّف، والتنويري، والمتوعد والمنذر، والمتنبئ، والمُنشِد، والحادي، ولسان حالة الأمة... إلخ.

وقد قاده موقفه النقدي الصادق هذا من الحياة والواقع إلى توجيه هجاء لاذع للشعراء الذين أصبحوا بوقاً بيد الحاكم المستبد، أو الحاكم المفرِّط بالقضايا القومية.

أما الملاحظة الثانية، فهي أنه في موقفه النقدي هذا انطلق من رؤية قومية شاملة تجاوزت القطري، وآمنت بأنَّ خلاص الأمة كامن في وحدتها وفي تجاوز حالات الانقسام والتمزق التي تنوء تحت ثقلها.

لنقرأ لـه هذا الموقف النقدي الحاد للذات العربية:

((نحن يا ابن البتول، دولارنا الله

                تعالى، وجلّت الأسماءُ))( )(1)

وهو في رؤيته القومية والنقدية يعتقد بأن سبب انكساراتنا لا يعود إلى عدوانية وهمجية "اليهود" فحسب، بل إن العرب الخاضعين والمنقسمين على أنفسهم يشكلون السبب الجوهري في هزائمنا كقوله: ((يظل الله يقتله اليهودُ، يموت في العربِ...))( )(2).

يمكن القول إن عشرات الشعراء العرب المحدثين سجلوا موقفاً نقدياً إزاء القضايا المهمة التي تمس واقعنا العربي المعاصر، أو إزاء الحالة المزرية التي تعيشها أمتنا العربية، وإذا كان بعض هؤلاء لم يمتلكوا موقفاً نقدياً متكاملاً ومتبلوراً في قصائدهم فإننا وعلى أقل تقدير لمسنا المسحة النقدية أو الانطباع النقدي الذي غلف العديد من قصائدهم، ومع ذلك فإن القليل من هؤلاء الشعراء العرب تركوا بصماتهم الخاصة والمتفردة على الشعر العربي في هذا المجال، أي في مجال الشعر العربي المعاصر ذي الرؤية النقدية التي تستند إلى موقف نقدي حاد من أهم الأحداث المعاصرة التي عاشتها أمتنا العربية. وإذا كان نزار قباني وعمر أبو ريشة والجواهري ومظفر النواب من أبرز هؤلاء القِلة ـ حسب وجهة نظري ـ الذين تفردوا في هذا المجال، فإننا يمكن أن نضع الشاعر العربي الفلسطيني يوسف الخطيب ضمن هذه الكوكبة اللامعة فيما يتعلق بهذه النقطة تحديداً.

صحيح أنني لا أضع هؤلاء الشعراء في خانة واحدة، فلكل منهم خصوصيته الفنية وتجربته الشعرية الفريدة والمتميزة، وهم يتمايزون ـ قطعاً ـ في مستواهم الفني والفكري وعمق الأثر الذي تركوه في الشعر العربي المعاصر، إلاّ أن الموقف الرؤيوي النقدي قد جمع هؤلاء جميعاً إذ يمكن القول دون تردد أن الموقف النقدي هو أحد أهم الخصائص الفكرية التي وسمت أو طبعت العديد من قصائد هؤلاء ومن ثم كان لذلك الموقف الفكري انعكاساته الفنية والجمالية المتمايزة على نصوصهم الشعرية.

ويمكن الإتيان بالعديد من الشواهد والأمثلة الشعرية التي تؤكد صحة ما ذهبنا إليه، فهاهو ذا الشاعر العربي السوري الشهير "عمر أبو ريشة" يصرخ ناقداً ومتألماً في قصيدته الميمية المشهورة بعد نكبة حزيران:

((أمتي هل لكِ بين الأمم

                منبرٌ للسيف أو للقلمِ

 أتلقاكِ وطرفي مطرقٌ

                خجلاً من أمسكِ المنصرمِ

ويكاد الدمعُ يهمي عابثاً

                ببقايا كبرياء الألم

ألإسرائيل تعلو رايةٌ

                في حمى المهد وظلِّ الحرمِ!

 كيف أغضيتِ على الذل ولم

                تنفضي عنك غبار التُهم

أو ما كنتِ إذا البغي اعتدى

                موجةً من لهبٍ أو من دم

ودعي القادة في أهوائها

                تتفانى في خسيسِ المغنمِ

 أمتي! كم صنمٍ مجدّتهِ

                لم يكن يحمل طهر الصنمِ))( )(3)

 واضح هنا الموقف النقدي الحاد الذي وسم هذه القصيدة وطبعها بطابعه، والذي شمل عموم الأمة، الأمّة بجماهيرها العريضة، وحكامها وقادتها على حد سواء. ليس أكثر إيلاماً للأمة من أن يصفها الشاعر بارتضاء حالة الذل والخضوع بعد أن كانت مثالاً للأمم الأخرى في العز والفخار ودفع العدوان والظلم عن ذاتها، والشاعر هنا يقارن بين عهدين: الماضي المجيد لهذه الأمة، والحاضر البائس لها، إذ ليس لها مكانة متميزة بين الأمم الأخرى في مجالي القوة والعلم.

واضح هنا النبرة التقريعية والتأنيبية الساخرة التي تفوح بين ثنايا القصيدة، وكذلك مدى الألم الذي ينتاب الذات الشاعرة التي تصل إلى مشارف البكاء، ولم ينس الشاعر أن يصب جام غضبه على غالبية القادة والحكام العرب الذين يتحملون القسط الأكبر من المسؤولية في ضياع فلسطين وفي الهزائم المتكررة التي حاقت بأمتنا العربية، ولعل الجرأة الاقتحامية التي ميّزت هذه القصيدة والتي تجسدت بمهاجمة الحكام المتخاذلين أمام العدو الصهيوني والغارقين في انتهازيتهم و"أمجادهم" الشخصية المزعومة، وتكالبهم على كراسي السلطة والمغانم الرخيصة بالتضافر مع الموقف النقدي العام لأحوال أمتنا العربية هي أحد الأسباب الرئيسية المهمة وراء ذيوع وانتشار هذه القصيدة بين صفوف وجماهير أمتنا العربية، حتى غدت واحدة من أكثر القصائد العربية المعاصرة شهرة وجرياناً على ألسنة الناس، وخاصة المثقفين أو المتعلمين منهم. والسبب الآخر الموازي للأول في الأهمية هو القيمة الجمالية والفنية التي كشفت عنها هذه القصيدة، التي تميزت بجزالة ومتانة مفرداتها، ولغتها الفنية الموحية والواضحة في ذات الوقت، وبجوها الإيقاعي الساحر ذي النبرة المجلجلة، وصورها الفنية الموحية والمشرقة: "موجة من لهبٍ أو من دمٍ".

 

وبالرغم من اتهام الشاعر لأمته بالذل والخنوع وبؤس المستوى الحضاري الذي وصلت إليه، إلاّ أنه لم يكن يستهدف من وراء نقده التجريح أو التيئيس، بل إنه من خلال رؤيته النقدية القائمة على المقارنة بين ماضٍ مجيد لهذه الأمة، وحاضر بائس، كان يريد شحن الجماهير العربية بطاقة تحريضية عالية تستهدف دفعهم إلى ضرورة الانقلاب على الذات وكنس ركام الذل والخنوع ومقاومة العدو الصهيوني المغتصب والحاكم العربي الجائر في ذات الوقت.

أما الشاعر العربي السوري الشهير الآخر الذي ذاعت قصائده ذات الطابع الرؤيوي النقدي وحفظها الملايين من أبناء أمتنا العربية، والتي كان لها أثر كبير في شعبية الشعر ودخوله إلى بيوت ملايين الناس العرب فهو نزار قباني صاحب المدرسة الفنية المستقلة والقصيدة ذات النكهة النزارية المتميزة والمتفردة: بلغتها، وأجوائها، وصورها، ومفرداتها، ومواقفها الفكرية وبنيتها الجمالية العامة. ولعل موقف نزار النقدي يتجلى في أبهى صوره في قصيدته الشهيرة: "رسالة عتاب إلى دمشق" والتي كتبها إثر نكبة حزيران. يعاتب الشاعر في مطلع قصيدته مدينته العربية العظيمة "دمشق"، إلاّ أنه عتاب المحب لحبيبتهِ ومعشوقته، عتاب من يريد أن يرى "حبيبته" بأبهى حللها، وأجمل زينتها، وأحسن أحوالها، مع التأكيد على طهر ثراها، وتشبيهها كأغنية تراود حلم الشاعر، ويبقى طول الدهر مترنماً بها:

((نثرتُ فوقَ ثراكِ الطاهر الهدبا

                فيا دمشق لماذا نبدأ العتبا

 

حبيبتي أنت فاستلقي كأغنيةٍ

                على ذراعي ولا تستوضحي السببا

 

أنت النساء جميعاً ما مِن امرأة

                أحببت بعدك إلاّ خلتها كذبا))( )(4)

وبعد هذه المقدمة يوجه الشاعر نقده الجريء واللاذع للحكام العرب الذين شكلت مواقفهم المتخاذلة أو المتواطئة مع العدو، بالإضافة إلى رؤيتهم وموقفهم غير العلمي من الأحداث سبباً رئيسياً وحاسماً في نكسة حزيران. وقد تميز الموقف النقدي لهذه القصيدة بنكهة نزارية معروفة وهي السخرية اللاذعة من الحكام العرب وفضحهم وتعريتهم واتهامهم "بالإدمان" على الذل والخنوع، بل وتقبيل أيادي العدو!!. واضح هنا أن تطرف الشاعر في رؤيته النقدية هو لكشف زيف وهزالة الواقع والحاكم العربي أمام الجماهير العربية وذلك من أجل دفعها للتمرد والنهوض وإزاحة الحكام الخانعين، والشاعر حينما يمعن في روح التهكم والسخرية من الحكام العرب يستند إلى الرمز التاريخي العربي ـ الإسلامي الكبير، خالد بن الوليد، وذلك لكشف خور حالة الحاكم العربي بمقارنته أمام حالة النهوض والشجاعة التي يحتلها الرمز خالد، ومن خلال حالة المقارنة هذه شحن قصيدته بشحنة تحريضية كبيرة تدفع الجماهير لتغيير أحوال الأمة من خلال الاقتداء ببطولات القائد العربي الكبير خالد بن الوليد الذي تقزّم أمام بطولاتهِ غالبية الحكام العربي المتصاغرين، فيقول في القصيدة نفسها:

((أدمت سياطُ حزيران ظهورَهم

                فأدمنوها وباسوا كفَّ من ضَرَبا( )(5)

 

يا ابن الوليدِ ألا سيفٌ تؤجره

                فكل أسيافنا قد أصبحت خشبا))

كما تميز الشاعر العربي العراقي الكبير، محمد مهدي الجواهري، بمواقفه النقدية الجريئة ضد الحكام التابعين للأجنبي، أو الظالمين لأبناء شعبهم، وقد تميزت هذه المواقف بالجرأة الاقتحامية، والعنفوان والبسالة النادرة، حتى أن الجواهري لجأ أكثر من مرّة إلى شتم الحكام الجائرين بشكل مباشر وصريح من على المنبر فقاده موقفه هذا إلى السجن، وإلى مديرية الأمن العامة للتحقيق كما حصل لـه بعد إلقاء قصيدته الشهيرة "هاشم الوتري" التي ألقاها في حفل تكريم الطبيب العراقي هاشم الوتري، والتي كان مطلعها:

((إيه عميد الدار شكوى صاحب

                طفحت لواعجه فناجى صاحبا))( )(6)

وقد كلفته هذه المواقف النقدية الجريئة ثمناً باهظاً، حيث ذاق مرارة السجن والنفي والتشرد وخسران الوظيفة ومرارة العوز والفاقة. لذلك نال الشاعر مكانة أثيرة في صفوف الشعب العراقي ولدى عموم أبناء أمتنا العربية، وفي موضع آخر من قصيدته المذكورة تعلو نبرة تحديه بلغة نارية مسربلة بالعنفوان:

((أنا حتفهم ألجُ البيوت عليهم

                أغري الوليد بشتمهم والحاجبا))( )(7)

واضح هنا في هذا البيت مقدار ضخامة الروح الشاعرة وقدرتها على التحدي، كما يتميز هذا البيت بالجرأة الاقتحامية والهجومية النادرة التي يمثلها الفعل "ألج" الذي أعطى للصورة حركية كبيرة. الشاعر هنا لا يهدد أو يتوعد الحكام الجائرين بالموت والويل والثبور فحسب بل يحرض عموم الشعب على شتمهم. إن قوة وبسالة وجرأة الجواهري دفعت الحكام الظالمين والتابعين للأجنبي في العراق لكي يحسبوا لـه ألف حساب، بل كانوا يخشون أشعاره ومواقفه النقدية الجريئة لأنها كانت قادرة على بث روح التحدي والمقاومة في نفوس الملايين من أبناء الشعب، لذلك كله يمكن القول عن الجواهري بأنه قائد جماهيري بامتياز وذلك من خلال أشعاره الثائرة والمتمردة، حتى أن قصيدة واحدة منه كانت كافية لبث روح التمرد ضد السلطة في نفوس العديد من أبناء الشعب العراقي، أو كافية لدفعهم إلى التظاهر وإعلان غضبهم بأشكال وتجليات عديدة. وحينما كان الجواهري يشعر "أحياناً" بأن الشعب ركن ـ مؤقتاً ـ للهدوء أو للانكفاء والتراجع، فإنه يلجأ إلى توجيه النقد له، لكنه النقد الإيجابي البنّاء الذي يتضمن التحريض على ضرورة عدم اليأس والانكفاء في مقاومة الظالمين والطغاة، إنه النقد الممزوج باللوم وكشف سوء الحال التي وصل إليها الشعب، إنه موقف يستهدف التعرية لحالة الركود السلبية التي قد يعتادها الشعب في مرحلة من مراحل حياته التاريخية، وهو موقف يستهدف دفع الشعب إلى الانقلاب على ذاته ومحاربة كل صفات الكسل والسلبية واللا أبالية  كما ترمز إلى ذلك مفردة "النوم" في قصيدته الميمية الشهيرة:

((نامي جياع الشعب نامي

                حرستكِ آلهةُ الطعامِ

نامي فإنْ لم تشبعي

                من يقظةٍ فمنَ المنامِ

نامي على زُبْدِ الوعو

                دِ يُدافُ في عسلِ الكلامِ

نامي فقد أنهى "جميـ

                ـيعُ الشعبِ" أيامَ الصيامِ

نامي تُريحي الحاكميـ

                ـنَ من اشتباكٍ والتحامِ

نامي فجدرانُ السجو

                نِ تعجُ بالموتِ الزؤامِ))( )(8)

أما شاعرنا العربي الفلسطيني يوسف الخطيب فقد تميز بمواقفه النقدية الجريئة، حتى يمكن القول إن هذه السمة "الموقف النقدي" هي من أهم السمات الفكرية والرؤيوية التي ميّزت غالبية قصائده، ويمكن اعتبار قصيدته الشهيرة: "هذي الملايين" من الأمثلة والنماذج المهمة التي تؤكد ذلك، لنقرأ لـه منها هذه الأبيات الذائعة الصيت:

((أكادُ أُومنُ، من شكٍ ومن عجبِ

                هذي الملايينُ ليست أُمّةَ العربِ

هذي الملايينُ لم يدرِ الزمانُ بها

                ولا بذي قارَ شدّت رايةَ الغَلَبِ

ولا تنزّل وحيٌ في مرابعها

                ولا تبوكُ روتْ منها غليلَ نبي

ولا على طنفِ اليرموكِ من دمها

                توهَّج الصبحُ تيَّاهاً على الحقبِ

ولا السفينُ اشتعالُ في المحيط ولا

                جوادُ عقبةَ فيه جامحُ الخببِ

أَأُمتي، يا شموخَ الرأس مُتلعةً

                من غَلَّ رأسكِ في الأقوامِ والرُكبِ

أَأَنتِ أنتِ، أم الأرحامُ قاحلةٌ

                وبُدِّلت، عن أبي ذرٍّ، أبا لهبِ!!))( )(9)

بهذه النبرة الضخمة، والرؤية النقدية الحادة، والموسيقى المُجلجِلة، يفتتح الشاعر قصيدته. إلاّ أن نقده الواضح لحال أمّتهِ العربية الهزيل لم يدفعه إلى حكم إطلاقي يقودنا إلى فقدان الأمل، وكما يبدو واضحاً فإن الوعي هنا يتدخل بقوة لكبح جماح الغليان العاطفي للشاعر، فلا تصل شكوكه بجماهير أمته إلى حد ضياع الأمل بصحوتها وقدرتها على الانبعاث مجدداً، فالفعل "أكاد" يضع حداً لهذه الشكوك ولا يقودها إلى الحكم المطلق كما أسلفنا.

والشاعر يوسف الخطيب باتكائهِ على التاريخ يقارن بين مرحلتين تاريخيتين: الأولى: المرحلة الماضية وهي مرحلة نهوض وشموخ وانتصارات عسكرية باهرة قادها قادة عظام "كعقبة بن نافع" وغيره، والمرحلة الحاضرة التي تتسم بالضعف والتمزق والخضوع بِذُل للقيود الأجنبية، وتبديل الرموز التاريخية العظيمة "كأبي ذر" برموز تاريخية مرفوضة عند العرب والمسلمين "كأبي لهب" الذي نزلت بحقه الآية القرآنية الكريمة والشهيرة: تبّت يدا أبي لهب: "وهي في سورة المسد ـ آية رقم واحد".

إلا أن الشاعر يستدرك فاتحاًَ أمامنا كوة للنور تبدد الظلمة الحالكة، مؤكداً على أن شعلة البعث هي التي ستمزق "سجوف الليل" لنقرأ لـه ما يدلل على ذلك:

((أَكادُ أُومن، من شكٍ ومن عجبِ

                هذي الملايينُ ليست أمة العربِ

لولا تشقُ سجوفَ الليلِ بارقةٌ

                يا شعلةَ البعثِ، رُدِّي حالكَ الحُجبِ))( )(10)

ثم نتلمس بعد ذلك بوضوح الرؤية القومية للشاعر، فالوطن العربي كله هو مركز همومه وانفعالاته وطموحاته القومية، وهو يتنقل بأبياتهِ من اليمن إلى يافا إلى بغداد، إلى الشام، إلى وهران...الخ مؤكداً وحدة البيت العربي. لنقرأ لـه دعوته لصنعاء كي تهب لنجدة يافا واللد:

((صنعاءُ رُدِّي دماً ما أنتِ ساحَتَهُ

                يافا تصيحُ به مجنونةَ السَّغَبِ))( )11

لا أذَّنت فيكِ يا صنعاءُ مئذنةٌ

                واللّد تندبُ في محرابها الخرِبِ))

ثم يتحدث الشاعر عن "نبوءته" التي تؤكد حتمية سقوط الطغاة وانتصار الشعب والأمة، متخذاً من سقوط طاغية العراق نوري السعيد دليلاً على ذلك، ومؤكداً على بسالة الشعب العراقي وقدرته على التمحيص والفرز الذكي: ـ

((واسأل ببغدادَ، عن نوري، وخلفتهِ

                نبوءَتي في طغاةِ الأرضِ لم تخبِ

 

إذا الثعالبُ صَيدت في مكامِنها

                أَيّان يُفلِتُ من شعب العراقِ، غبي))( )(12)

ثم يؤكد الشاعر في خاتمة قصيدتهِ على أن الشام هي كعبة العرب، هي روح الأمة، وعنوان مجدها، وأملها بالنصر والانبعاث، ونلمس هنا تبدد حالة الشك وظهور حالة الإيمان محلها ضمن عملية نفي جدلية: لنقرأ لـه هذه الخاتمة المتفجرة بالعنفوان والمتأججة بالروح القومية الغاضبة، والمؤمنة بوحدة المشاعر العربية في مختلف أصقاع الوطن العربي الكبير:

((أكاد أُومنُ من شكٍ ومن عجبِ

                هذي الملايينُ ليست أُمةَ العربِ

لولا رفاق طريقٍ في ملامحهم

                وهجُ الرسالةِ يُذكي سالف النَّسبِ

تدري العروبةُ من أبناء بَجْدَتِها

                من المُحامونَ بالأرواحِ والقُضُبِ

من الذين، إذا أنّت لنازلةٍ

                يافا، تنهَّدت الأصداءُ في حلب

آمنتُ بالشامِ، روح البعثِ تسكنها

                ما جلّقُ هذه، بل كعبةُ العرب))( )13

 

 

سمات الموقف النقدي

في شعر يوسف الخطيب

 

ارتكز الموقف النقدي لشاعرنا يوسف الخطيب على رؤية قومية شاملة ومتكاملة للأحداث التي مرّت بأمتنا العربية، وقد ميّزت موقفه النقدي سمات وعناصر مهمة طبعت أشعاره بنكهة خاصة كان لها دور مهم في تحقيق فرادته كشاعر متميز بين أقرانه ومجايليه من الشعراء العرب، ومن أهم هذه السمات:

1 ـ الشحنة التحريضية. 2 ـ العنف والصدامية الجارحة.

3 ـ السخرية اللاذعة. 4 ـ الوعي التاريخي.

1 ـ الشحنة التحريضية:

من يدرس بإمعان دواوين الشاعر الخمسة يلمس بوضوح أن الشحنة التحريضية هي واحدة من أهم السمات والعناصر التي يرتكز عليها الشاعر في بناء موقفه النقدي، فالعشرات من قصائده مسربلة بشحنة تحريضية هائلة تحث الجماهير العربية وتحرضها على الثورة ضد الظلم والطغيان، ضد الحاكم المحلي المستبد، والحاكم الأجنبي المستعمِر. والتحريض هذا نكتشفه أحياناً بشكل غير مباشر، أي أنه مُتضَمن داخل سياق القصيدة وتطورها الدرامي، حيث يمكن استشفافه من خلال البنية الدلالية والفكرية العامة للقصيدة، كقوله في قصيدته المعروفة: "هذي الملايين":

((لكنني، وبني شعبي، تَخَطَّفنا

                قِيلُ الملوكِ: ألا لابُدَّ من هربِ

فكلُّ عرشٍ، على بُقيا جماجمنا

                أرسى قوائمَهُ مُختالةَ الطنبِ

لم يدرِ أن عظام الأبرياء بهِ

                ألغامُ ثأرٍ، تُدوِّي ساعة الغضبِ))( )(14)

يبدأ الشاعر مقطعه الشعري هذا بنقد الملوك والحكام العرب الذين بنوا عروشهم على أنقاض أبناء شعبهم، ثم يدعو ويحرض في البيت الثالث بشكل ضمني أبناء الشعب الأبرياء للقيام بالثورة على ظالميهم من الحكام: "لم يدرِ أن عظام الأبرياء بهِ/ ألغام ثأرٍ تدوي ساعة الغضب". وهو يكشف هنا بلادة وبلاهة الحكام الذين يظنون بأن الشعوب المسحوقة ستخنع أو ستسكت عن حقوقها إلى الأبد، ويفجر غضبة الشعب المحتملة بلغم أو قنبلة موقوتة لابد ستنفجر حينما يتراكم الغضب داخل النفس المعذبة والملتاعة.

وفي موضع آخر من هذه القصيدة تلمس شكلاً آخر من التحريض، إذ يحث الشاعر بشكل واضح ومباشر أبناء شعبه على الثورة وتحطيم الأصنام، أي نحن الآن أمام حالة من حالات التحريض المباشر، فلنقرأ لـه ما يدلل على ذلك:

((إزميلَ شعبيَ، يا من صُغتَ من حجرٍ

                رَبَّاً، وسُقتَ لـه النجوى، ولم يَجب

كُنْ معولاً في جبينِ الصخرِ ثانيةً

                وحَطِّم اللاتَ، وارشُد مرّةً وثُبِ))( )(15)

التحريض المباشر هنا يتجسد بإيراد الشاعر لفعلي الأمر: "كُنْ، وحطِّمْ" ثم نقرأ في قصيدة أخرى تحريضاً مباشراً ممزوجاً بالعتب على الشعب لأن استكانته هي السبب في بقاء الحاكم ـ الطاغية، لنقرأ لـه ما يدلل على ذلك:

((أنا لم أعتب على طاغيةٍ

                إنني أعتبُ يا شعبي عليكْ

مصرع الظالم، لو قمت لـه

                ليس إلا نبةً من شفتيك

ماترى لون يديه قانياً

                من ضحاياك.... فما بالُ يديك))( )(16)

واضح هنا أن الدعوة التحريضية المباشرة تتجلى بقوله: "لو قمت له/ وفما بال يديك".

إنها دعوة الشعب للثورة والفعل والتمرد على الحكام الطغاة. ونلمس في قصيدة أخرى: "أسطورة النِسر والخفّاش" المُهداة إلى "روح البطل الشهيد عدنان المالكي" هذه الشحنة التحريضية بشكل غير مباشر، وذلك من خلال نقد الشاعر  لحالة الخدر والنوم التي أصابت شعبه، فالتحريض هنا متضمن داخل السياق الشعري للقصيدة وداخل معناها العام الذي توحي به، إن تعرية الخدر والكسل هنا يتضمن دعوة تحريضية تحث على النهوض وضرورة نفي حالة الخدر، هنا نتذكر أيضاً قصيدة الجواهري الشهيرة: "نامي جياع الشعب نامي"، لنقرأ هذا المقطع الدال للشاعر يوسف الخطيب:

(( في بلادي خَدَرٌ يعقدُ أوصالَ النيام

        في بلادي لم تزلْ تأوي خفافيشُ الظلام

        عبر كهف الليل، تختال على كل حطام))( ) (17)

ثم نقرأ في قصيدة أخرى حالة جديدة من حالات التحريض، هذه المرّة يلعب الشاعر دور الفادي والمدافع والمعبّر عن لسان شعبه، إنه تحريض ممزوج بالتحدي والإصرار على مقاومة الجلاد، ويأتي استنهاض الشعب هنا من خلال حالة التحدي والمقاومة التي تبديها الذات الشاعرة في مقاومتها للظلم والطغيان، والشاعر هنا يخاطب الجلاد ويبيّن لـه استحالة القضاء عليه وعلى إصراره كذات تعبر عن الروح الجماعي العام، روح الشعب، ويتساءل الشاعر مستنكراً ومتهكماً من الجلاد الذي إن استطاع تكبيل الشاعر الثائر "بالقيود" فهل سيستطيع تكبيل "إصراره" وهو قوة معنوية لا يمكن تكبيلها بأي قيد: لنقرأ لـه هذا المقطع الدال:

(( تحدَّيتُ أنْ شعبي يُباعُ، وموطني

        يُباحُ، وأن أغلي الحصى قوتَ أطفالي

        صعابٌ دروبي، في المواتِ اجتبيتُها

        وفي الشوكِ، والجلمودِ، والأفق العاري

        ويا أيها الجلادُ، أوثقتُ معصمي،

        فمن أين، يا جلادُ، توثِقُ إصراري....))( ) (18)

كما نلمس في قصيدة أخرى تحريضاً مُتضمناً من خلال نقد الشاعر للحالة التي يعيشها أبناء أمته، والشاعر هنا ينتقد الأحياء ـ الموتى الذين ارتضوا الذل واستكانوا، ولم يثوروا على عدوهم الصهيوني الذي أمعن في اضطهادهم وذبحهم. ومن خلال نقده هذا يحث الشاعر ويحرض على ضرورة التمرد والثورة والوقوف ضد عملية الذبح وتكميم الأفواه التي اقترفها العدو الصهيوني بحقهم، لنقرأ لـه ما يدلل على ذلك:

((لنمشِ جنازةَ الأحياءِ، لا طَرْفٌ يَزُغْ أعلى

        لنمشِ إلى مساءِ الذبحِ، لا ينبسْ فمٌ "كلاّ"))( ) (19)

2 ـ العنف والصدامية الجارحة:

يوسف الخطيب شاعر ثوري يدعو في أشعاره إلى استخدام العنف الثوري كوسيلة نضالية قادرة على إعادة الحق السليب لأصحابه، وهو في دعوته "للعنف" لا ينطلق من أي دافع "عدواني" على الآخر، بل هو العنف الذي يستخدم كوسيلة شرعية للدفاع عن النفس، والدفاع عن الحقوق الوطنية السلبية، إنه العنف الثوري المضاد للعنف الفاشي والصهيوني والرجعي.

وشاعرنا الخطيب يدعو ويحرض الجماهير على استخدام العنف ضد المحتلين الصهاينة أو ضد الحاكم المحلي الرجعي المستبد. ومن يدرس قصائده سيجد بوضوح أنه يستخدم في العشرات منها مفردات تعبر عن العنف: "السحق"، "الثأر"، "الدم"....الخ، وما يدلل على ذلك، قوله في قصيدته "فجر البعث والإنسان":

((أخي في قمة الأهراسِ، نعلك يسحق النذلا

        يتيه على رقاب المجرمين، يسومها الذلا

        فلن ترضى لموطن عُقبة الجبار محتلا))( ) (20)

واضح في هذا المقطع الشعري النزعة العنفية لدى الشاعر، وخاصة في قوله: "نعلك يسحق النذلا"، وهو في هذه القصيدة يخاطب أخاه في البلد العربي الشقيق "الجزائر" ويدعوه إلى سحق المحتل الأجنبي، إلاّ أن القصيدة تفيض بروحها القومية المتأججة وتخاطب الثوار الوطنيين والقوميين في كل البلدان العربية: في القدس والشام وبغداد، والأهراس والسودان، والمغرب....الخ، منطلقة من رؤية قومية شمولية تؤمن بأن الوطن العربي كله عبارة عن بلد واحد و"ميدان" واحد للنضال من أجل الحرية والاستقلال، لنقرأ لـه خاتمة هذه القصيدة المعبرة والدالة:

((أخي في المغرب الجبار، في بغداد، في السودانْ

        أخي في الخندق المخضوب، أو في وحشة الزنزانْ

        جراحك حيث أنتَ، وجرح قلبي ها هنا، سيانْ

        ميادين العروبةِ، ما تناءت، كلها ميدانْ

        فقم، وانظر شواطئنا..... يجر ذيوله القرصانْ

        ويولد من مخاضِ الليل، فجر البعث والإنسانْ))( ).(21)

وفي قصيدته "نفير البعث" التي أهداها للقائد العربي جمال عبد الناصر، نلمس أيضاً بوضوح هذه النزعة العنفية الداعية إلى "سحق" الأعداء، والقوى الأجنبية الغاشمة:

((اليوم يا تاريخ في أمتي

                عزم على الأحداث جبارُ

تحطَّم القيد الذي شدَّنا

                واشتعلت في كهفنا النارُ

ما عاد بعد اليوم يقتادنا

                سوطٌ، وسجّان، وأسوارُ

أطلال ذاك العهد، فانظر لها

                كيف على الأقدام تنهارُ

كيف تنادينا على سحقها

                كيف انثنينا وهي آثارُ))( ) (22)

ثم ترد في نفس القصيدة مفردة "الثأر" كدلالة على النزعة العنفية لدى الشاعر الذي ينوّع القافية في هذه القصيدة قائلاً:

((للثأر، للغدِ، للعروبة تهتك الليل الطويلْ

        ..... يا مصر، ألف تحية في مشرق البعث الجليل))( ) (23)

في مقطع آخر من القصيدة ذاتها ينوّع الشاعر في الدلالة والقافية، ويستخدم مفردة أخرى تدل على العنف، وهي "الدم" هذه المرة، قائلاً:

((بيني وبين الغاصبين دم طليل الجرح فائرْ

        يأبى الدم العربي في الأهراس أن يعنو لواتر))( ) (24)

وفي العديد من قصائده يبدو لنا شاعرنا الخطيب صدامياً جارحاً يستخدم الألفاظ المكشوفة والعارية ضد أعدائه، ويصل به الأمر إلى حد الشتيمة والسباب العلني، ومن ذلك وصف الأعداء الصهاينة بأبناء "اللقيطة" في قصيدته: "هذي الملايين":

((لو كنتُ من مازنٍ، لم يستبح وطني

                بنو اللقيطة من صرّافةِ الذهب))( )(25)

وفي قصيدته: "أوديب ملكاً...... على الضفة الغربية" يوظف عقدة أوديب الشهيرة مسقطاً إياها على واقعنا المعاصر لإكسابه دلالات جديدة، حيث يقول:

(( أيا خائناً لفراش أبيك.....

        ويا..... أقشعرُ إذا قلتُ.....

        لا.... لن أقول.....

        "أيا جاثماً فوق عورة أمّك"!!....))( ) (26)

في هذا المقطع الشعري يتفنن الشاعر في صياغة الشتيمة الجارحة، لاحظوا قوله: "أقشعر، ولا.... لن أقول" هنا يستخدم الشاعر أسلوب التشويق لاستدراج القارئ والانتقال التدريجي للمعنى الذي يريده ثم يصدمه بهول الحقيقة المفجعة والمرّة. وشاعرنا الخطيب يقترب في هذا الأسلوب الجارح من شاعرين عربيين معروفين هما: مظفر النوّاب، وقصيدته الشهيرة عن القدس، وكذلك الجواهري في العديد من قصائده.

ولا يتورّع الشاعر في توجيه نقد حاد وجارح للذات العربية لتكاسلها ووهنها قائلاً في قصيدته الشهيرة: "رأيت الله في غزّة":

(( ولكن آهِ، لو تدرينَ.......

        ذاك العامَ لم نفلح مواسمنا

        وكلُ حصادنا الصيفيّ

        كان طحالبَ العارِ......))( ) (27)

3 ـ السخرية اللاذعة:

للشاعر يوسف الخطيب أسلوب فني "مملّح" ـ إذا جاز التعبير ـ بالسخرية الحادة واللاذعة، سخرية من الملوك والحكام الذين يقمعون شعوبهم، سخرية من المتكاسلين من أبناء أمتنا، سخرية من الشعراء والنقاد الذين باعوا قضيتهم وأصبحوا بوقاً للحاكم الجائر. إنها سخرية فريدة جذابة قلّما نجدها عند شاعر عربي معاصر آخر، سخرية "فاتنة" وهي تشكل متنفساً تعويضياً لما يعانيه الشاعر من تفاهة وبلادة أو جور الشخص الذي يهجوه، وغالباً ما يتحول الشخص "المهجو" في أشعار يوسف الخطيب إلى صورة كاريكاتورية مجسمة تبعث على الضحك والسخرية والقرف والاشمئزاز.

لنقرأ سخريته اللاذعة من الحكام والملوك العرب الخانعين للأجنبي والقامعين شعوبهم في قصيدته: "مطالع جزائرية":

((أيا جارتا، هل لديكِ، مِقَشّةٌ

                فأكنس من بيتي مزابلَ أزمانِ

هنا ردهاتُ الشرقِ، غُصّت جنوبها

                قمامةَ أفيونٍ، وأعقاب تيجانِ

وحيث كنَسنا اللاتَ من عُقر دارنا

                تكاثر أوثانُ، وأفراخُ أوثانِ))( )(28)

واضح هنا السخرية اللاذعة والمحببة إلى نفوس الجماهير العربية التي اكتوت من خيانة العديد من الملوك والحكام العرب في القضايا المصيرية التي واجهت أمتنا العربية في عصرنا الراهن، هنا يساوي الشاعر بأسلوب فني أخّاذ بين "قمامة الأفيون" و"أعقاب التيجان"!! والاثنان بحاجة إلى الكنس حيث مزبلة التاريخ.

القصيدة لا تؤشر إلى فرادة الشاعر في أسلوبه الفني المميز فقط، بل وإلى جرأته وشجاعته في مهاجمة كل حاكم وملك خائن أو مستبد.

وفي قصيدة أخرى بعنوان: "إلى يافا الطريق" نقرأ وصفاً كاريكوتيرياً آخر للحاكم المستبد والمعادي لتطلعات الشعب، وصفاً تشبيهياً حسياً يبعث على السخرية منه ويضعه موضع التندر فهو "كالتيس الخارجي"، لنقرأ لـه هذا البيت الشعري:

((ورضينا قِسمةَ الخلاَّقِ.... ما في المِذوَدِ

        المرصوصِ تيسٌ خارجي))( ) (29)

وسخرية شاعرنا الخطيب لم تطل الحكام والأمراء والملوك أو مجموعة من الأمّة تقاعست فحسب، فها هو يسخر من الذين يزيفون الحقائق ويخدعون الناس متهماً إياهم بالكذب، ويؤكد أنهم يشبهون الرمز التاريخي المعروف "مسيلمة الكذاب" الذي ادعى النبوة، في دجلهم وكذبهم على شعوبهم:

((وكم مسيلمةٍ، عَمَّت خوارقُهُ

                وعَلّم الناس ديناً، شِرعةَ الكذبِ))( )(30)

أما في قصيدته "رأيت الله في غزّة" فإن الشاعر يوجه النقد الذاتي الحاد لأبناء أمته ممزوجاً بسخرية لاذعة، متهماً إياهم بعدم المبالاة والكسل والانغماس في ملذات الحياة وعدم الاهتمام بالقضايا المصيرية والجوهرية التي تهم أمتهم:

((ونحن على أرائِكنا

        نمُدُّ الآه..... تلْوَ الآه....

        ونحيي للصباحِ ولائمَ العَرَقِ

        ونغسل عارنا.... بالعطر... والدَّبقِ))( ) (31)

السخرية الحادة واضحة في جملتهِ الشعرية: "ونغسل عارنا الذاتي الحاد للكسالى والمنهزمين من أبناء أمته فقط، ولو أراد ذلك لاكتفى بقوله: "نغسل عارنا بالعطر"، ولكن استخدامه لمفردة "الدبق" بما تشير إليه من لزوجة وخصائص غير مستحبة وبما توحي إليه من صفات كريهة أعطى لنقده هذا صفة السخرية، وعمّق من جو المفارقات فيها، وخاصة مفارقة جمع النقيضين "العطر"، و"الدبق" بما يرمزان إليه من دلالتين مختلفتين جذرياً. هنا في هذا الأسلوب الفني المفارق والمدهش تلوح لنا أيضاً فرادة الشاعر و"أناه" الإبداعي الخاص والمتميّز.

وفي قصيدة أخرى بعنوان: "أربعون رباعية" يعود شاعرنا الخطيب ليهزء من الملوك الضعفاء والخاضعين للأجنبي ساخراً من اهتماماتهم التافهة والضيقة الأفق، وخصائصهم النفسية القائمة على تمجيد الذات بشكل مطلق، بينما هم في الواقع الفعلي لا يستحقون ذلك، لنقرأ لـه هذه الصورة الكاريكاتورية المجسمة التي تبعث على التندر والهزء من هكذا "ملوك" ابتلينا وابتليت أمتنا العربية ذات الإرث العظيم بهم!!

((لم تقل لي، لِمَ كان النصرُ وهماً، واستحالهْ

        ألأنَّ الشعب لم يَضربُ على العملةِ رسمِكْ

        قبل ذا، يا ملكاً في الناسِ، من غير جلالهْ

        حبذا لو عُدتَ للمرآةِ كي تغسل وجهَكْ!!))( ) (32)

الشاعر هنا في هذا المقطع الشعري يحاور هذا النمط من الملوك والحكام، متخذاً دور "القاضي" و"المحاسب"، وهو هنا يحاسب الحاكم في الأمور العامة التي تخص واقع الأمة ومستقبلها باعتباره الناطق بلسانها والمعبر عن طموحاتها ومستقبلها، ثم ينتقل تدريجياً إلى أسلوب السخرية اللاذعة مُسفِهاً هذا النمط من الملوك، محولاً إياهم إلى وسيلة للتندر والضحك، كاشفاً مدى خورهم وعجزهم، ومن خلال دراستي لدواوين يوسف الخطيب هذه يمكن أن أستنتج أن هذه السمة "السخرية اللاذعة" التي تحمل بصمتها الخاصة هي واحدة من أهم السمات التي تؤشر إلى فرادة أسلوبه الفني، والتي يمكن من خلالها ـ بالإضافة إلى سمات فنية وفكرية أخرى ـ أن نعرف هذا الشاعر، ويمكنني القول أيضاً بأن شاعرنا الخطيب هو من أبرز الشعراء العرب المعاصرين ـ إن لم يكن أبرزهم جميعاً ـ الذين استخدموا هذا الأسلوب بهذه الكيفية، وبهذه الانسيابية التعبيرية (أسلوب السهل الممتنع).

صحيح أن هناك العديد من الشعراء المعاصرين استخدموا أسلوب "السخرية"، ـ إلاّ أن شاعرنا الخطيب يتميز منهم جميعاً بهذه "الانسيابية التعبيرية" وهذه الروح المتفكهة المتندرة والساخرة ـ وبقدرته على تطويع أدواتهِ الفنية وخاصة اللغة، وعنصر الموسيقى (الوزن) بما يخدم التعبير عن موضوعه بهذا القدر من المهارة الفنية والسلاسة، وقد يخيّل للبعض بأن هذه (الانسيابية والسلاسة) هي من الأمور السهلة التي يمكن لأي شاعر امتلاكها، ولكنها حسب وجهة نظري من أصعب الأساليب الفنية ولا يقدر عليها إلا الشاعر المتمرس والمتمكن من أدواته الفنية كشاعرنا الخطيب، ولهذا سمي هذا الأسلوب بـ"السهل الممتنع".

ويمكن القول هنا أيضاً على سبيل ـ المقارنة ـ إن الشاعر العربي المعاصر الوحيد الذي يتقارب ويتشابه مع شاعرنا الخطيب في هذه الإمكانية، وبهذه الدرجة من السلاسة والانسيابية التعبيرية هو شاعرنا العراقي مظفر النواب، مع تمايز النكهة الفنية لدى كل شاعر منهما، إلاّ أن السخرية الحادة من الملوك والحكام التابعين وتحويلهم إلى صورة كاريكاتورية تبعث على التندر والتقزز أحياناً، فضلاً عن الجرأة الاقتحامية التي يمتلكها كلا الشاعرين هو ما يجمعهما في هذا الأسلوب بالذات.

إلاّ أن شاعرنا الخطيب ذهب أكثر من ذلك، إذ استخدم الهجاء وهذا الأسلوب "السخرية اللاذعة" ضد زملائهِ الأدباء من الشعراء والنقاد، ولكن سخريته جاءت فقط ضد الشعراء الأبواق والمدّاحين ـ بغير حق ـ للحاكم المتخاذل أو المستبد، وضد الشعراء الثرثارين الذين يقولون ما لا يفعلون، ويتخذون من القضية مطيّة للوصول إلى منافعهم ومكاسبهم الشخصية ومجدهم الزائف، لنقرأ لـه هذه السخرية الفريدة من هؤلاء "الشعراء" في قصيدته "أربعون رباعية":

((ما تُرى يَعتاضُهُ الشاعر أُكسيرَ نقاهَه

        غير أن يَقرُصَ في الحانةِ أردافَ القضيَّةْ!!))( ) (33)

وفي موضع آخر من نفس القصيدة المذكورة أعلاه يهاجم الشاعر هؤلاء "الشعراء" الذين باعوا أقلامهم للسلطان مُزيفين الحقيقة التاريخية، واضعين أنفسهم في خدمة سلاطين وحكام لا يستحقون هذا التمجيد، لأنهم لم يقوموا بأعمال عظيمة ترفع من شأن وطنهم وأمتهم، وشاعرنا الخطيب يكشف مدى الفداحة التي تصيب المعنى والموقف بسبب مواقف هؤلاء، وهو في نفس الوقت يساهم ضمنياً من خلال نقده الجارح لهؤلاء الشعراء ـ الأقزام بإعادة الاعتبار لقدسية المعنى والموقف.

ثم يشمل الشاعر "ببركاته النقدية" النقّاد أيضاً ويشبههم تشبيهاً حسياً "كالبرغل" يدعو إلى التندر والضحك كاشفاً مدى ضآلتهم وصغرهم، لنقرأ لـه هذا المقطع الشعري الفريد والساخر والجذاب في ذات الوقت:

((كان لَمّا أجهض الشاعرُ معنى الكلمهْ

        أن غَدَتْ بنتَ هوىً تحت مصابيح الشوارعْ

        ثم لَمّا استأجر السلطان منه قَلَمَهْ

        صار نُقّاداً، كما البرغل، عُمّالُ المطابعْ!!))( ) (34)

وفي مقطع شعري آخر من هذه القصيدة، يصب الشاعر يوسف الخطيب وابل غضبه وحممه على النقاد "الأدعياء" ساخراً منهم بأسلوب حاد "يوسفي إن جاز التعبير" واضح الملامح قلما نجد لـه شبيهاً في شعرنا العربي المعاصر، ولا ينسى الشاعر في مقدمة مقطعه الشاعري التنويه بالفكر ودور الشعر "المغامر"، وأعتقد أن الشاعر يقصد بمفردة "المغامر" الشعر الشجاع والشعر المقاتل الذي يعبر عن موقف حقيقي من قضايا الحياة والحلم والحرية والعدالة، لنقرأ له:

((يولَد الفكر، على أجنحةِ الشعرِ المُغامر

        إذ يُسوّي، من أثير الحُلم، تجسيداً سَويّا

        لم تزالوا، أيها النقادُ، قرّاء مقابرْ

        وإذا أحييْتُمُو عُرْساً، تزفّون خَصِيَّا!!

        ..........))( ) (35)

ثم ينتقل الشاعر في قصيدة أخرى بعنوان "لم تلد النساء" إلى نقد "الأنظمة العربية" التي لا تجيد سوى الخنوع للأجنبي، والإمعان في قمع واضطهاد المواطن العربي، ساخراً من "خرافة" القمم العربية التي ظلت في أحسن أحوالها حبراً على ورق، ولم تتحوّل قراراتها إلى فعل ثوري خلاق يعيد الحق التاريخي وفلسطين السليبة إلى أبناء أمتنا العربية الذين أتخموا بالشعارات والخطب والقرارات الطنانة، لنقرأ لـه هذا المقطع الشعري، الصادق، والجريء، الذي يأتي بمنزلة الحكمة والنصح والوعي بحقيقة الأشياء:

(( أقول لكم... ....

                "سُدىً شَرَّقتُ في لجج السرابِ،

                "وباطلاً غرَّبتُ في تيه العذابِ،

                "وكلُّ ما أدركتُ أن ضيّعتُ بوصلتي

                "وراء خرافة القمة!!))( )(36)

ثم يضيف في مقطع آخر:

((مذاقُ النصرِ في قاموسكَ العربيِّ

        فاكهةٌ محرّمةٌ))

لقد قلنا سابقاً إن الموقف النقدي والرؤيوي لشاعرنا يوسف الخطيب من قضايا أمتنا المصيرية لم يكن موقفاً عدمياً، وهو في نقده للشعراء الدجالين أو الخاضعين للسلاطين لم يقع في فخ التعميم "العدمي"، بل لقد ميّز الشاعر بين هؤلاء وبين الشعراء "الحقيقيين"، وكان مقياسه في ذلك مدى ارتباط هؤلاء بقضايا شعبهم وأمتهم، ومدى قدرتهم في الدفاع عن الجماهير العربية وقضاياها العادلة، وقول كلمة الحق دون الخوف من حسابات الربح والخسارة، وهو هنا في موقفه يدعو إلى نموذج المثقف والأديب "الملتزم: أو "الطليعي" أو "التنويري" أو "المتمرد" أو "الثائر" ويقترب من مفهوم "المثقف العضوي" لغرامشي أي الذي يربط مصالحه كلياً بمصالح الشعب، ويرتقي شاعرنا الخطيب بموقف الشاعر والمثقف عموماً فهو يطالبه بضرورة أن يكون "الفادي" و"المضحي" في سبيل وطنه وأمته، وأن يكون مستعداً نتيجة لمواقفه هذه أن يدفع "فادح الثمن" على حد تعبيره في هذا المقطع الشعري من قصيدته: "لم تلد النساء"، لنقرأ لـه ما يؤكد استنتاجنا هذا:

((رضيتُ جزاءَ عصياني......

        ويُعرَفُ من همُ الشعراءُ،

        لا مِن خِلعَةِ السلطانِ...

        بل...... من فادحِ الثمنِ))( ) (37)

4 ـ الوعي التاريخي:

يتمتع الشاعر يوسف الخطيب بوعي تاريخي حاد، ويمتلك رؤية شمولية عن أحداثه وأبطاله وشخصياته التي لعبت دوراً مهماً في تأسيس ماضي أمتنا المجيد.

وقد انعكس هذا الوعي، وهذه المعرفة التاريخية الشاملة على العشرات من قصائده، حتى أصبح عنصراً مهماً في بنية العديد منها.

لم يتخذ شاعرنا الخطيب من هذا العنصر "التاريخ" كخزّان معرفي فقط يحتوي على الأحداث المهمة التي شكلت تاريخ أمتنا العربية، بل استفاد منه كعنصر للمقارنة والاستنتاج، وعنصر لابد منه لتعميق الوعي المعرفي بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، إيماناً منه بأن الماضي لعب دوراً أساسياً في تشكيل حاضرنا الراهن، وأن فهم العلاقة الجدلية بين الماضي والحاضر والمستقبل، هو ضرورة لأي تأسيس مستقبلي، ومن يقرأ قصائده بإمعان سيصل بشكل أكيد إلى استنتاج مفاده بأن الشاعر استفاد من التاريخ كعنصر مقارنة للكشف بين حالتين ومرحلتين متناقضتين لواقع أمتنا، ماضٍ مشرق ومجيد في حضارته وعطائه ومليء بالانتصارات في الأغلب الأعم، وحاضر يقع ـ غالباً ـ في النقيض من هذا الماضي، والمقارنة والكشف عمقاً وعي الشاعر بطبيعة حاضرنا وقاداه إلى رفضه والتمرد عليه والدعوة إلى تغييره لكي يكون امتداداً حقيقياً وتطويراً حقيقياً لماضينا التليد.

وفي هذا المقطع الشعري من قصيدته: "ولو رضيت خلاء النفس" التي كتبها في منفاه بهولندا عام 1962، يلوح لنا مدى استفادته من عنصر "التاريخ" للمقارنة بين الظرفين التاريخيين: الماضي والحاضر:

((ويوم كفّنتُ في بغدادَ مُعتصمي

                لم أدرِ أن صلاح الدين تاليهِ

لم أدرِ أن تبوكاً جفَّ دافقها

                ولا نبيَّ، مدار الأفق، تسقيهِ

يا أيها الكأس، لا مَسَّت طِلىً شفتي

                وأمتي خلف وهج الآل في التيهِ

ولو رضيتُ خلاءَ النفسِ من وطني

                أُرضيتُ عن حنظلِ الساقي دواليه

لكنني... كي أرُدَّ الموتَ ثانيةً

                بعثاً... أُجلجلُ شعري، لا أغنِّيهِ

وإنَّ لي في تراب القدسِ معجزةً

                تأتي، وألف مسيحٍ بَعْدُ أُحييهِ))( )(38)

واضح هنا مدى المرارة التي تعتمل في ذات الشاعر، وعمق الغربة الشعورية التي يشعر بوطأتها بعيداً عن وطنه وعن أرض أمته، وواضح أيضاً مقارنته بين العز التاريخي التي كانت تحياه أمتنا في عهد المعتصم الذي كان رمزاً للشهامة والإباء والنجدة حينما استجاب لاستغاثة المرأة العربية التي صرخت "وامعتصماه" وبين واقعها الراهن المتسم بالتشظي والتمزق والوهن والتباعد بين أبناء الأمة الواحدة. الحاضر الذي أجبر الشاعر على تخيّل "المعتصم" الرمز التاريخي العظيم وهو في حالة الكفن والعقم والموات، بدلاً من أن يكون دافعاً لنا لبناء أمتنا لكي تأخذ دورها بين الأمم.

ليست هذه حالة "المعتصم" فقط، بل الرمز التاريخي العظيم الذي حقق لأمتنا لأعظم الانتصارات على أعدائها الصليبيين "صلاح الدين الأيوبي"، ويؤكد أيضاً أفول بريق واقعة "تبوك" حيث لم تعد ينبوعاً ننهل منه لتحقيق عزنا الحاضر، ومع كل ذلك فإن الشاعر لا يستسلم لحالة الضعف، بل ينبعث من يأسه ورماده، ويعمل من أجل انبعاث القدس وأمته من جديد بالرغم من كل ركامات اليأس وحالات الضعف التي تنخر في جسدها.

كثيرة هي القصائد التي اعتمد فيها الشاعر على "التاريخ" كعنصر مقارنة، وكدافع للنهوض وتعميق الوعي بحقيقة واقعنا الراهن، وكذلك كعنصر "استيحاء" يتمثله الشاعر لكي يكون لـه بمثابة الدافع للتجاوز والتخطي، ومنها: قصيدة: "مطالع جزائرية" في ديوانه واحة الجحيم ص107، وقصيدة "هذي الملايين" في ديوانه "بالشام أهلي والهوى بغداد" ص49، وقصيدة "الاعتراف" في ديوانه: "رأيت الله في غزّة" ص78، وغيرها من القصائد التي تؤكد بأن الشاعر استند على عنصر "التاريخ" كأحد أهم العناصر لبناء موقفه النقدي من واقع أمتنا الراهن، ويمكن القول بأن هذه السمة هي واحدة من أهم السمات التي ميّزت بنية قصائده في مستواها الفكري ـ والمعرفي ومنحتها فرادتها وخصوصيتها وتميزها.

مراجع ومصادر الفصل الثالث:

1 ـ ديوان عائدون/ ص57 /من قصيدة أوراق مارس/ دار الآداب/ 1959/ يوسف الخطيب.

2 ـ ديوان واحة الجحيم/ ص93/ دار الطليعة/ بيروت/1964/ يوسف الخطيب.

3 ـ ديوان عمر أبو ريشة/ دار العودة/ المجلد الأول/ 1971/.

4 ـ ديوان نزار قباني/ رسالة عتاب إلى دمشق/ ص143/ الأعمال الشعرية الكاملة/.

5 ـ المصدر السابق/ ص143/.

6 ـ الجواهري/ ذكرياتي/ ج2/ دار الرافدين/ دمشق/ 1991/.

7 ـ المصدر السابق/ ص349/.

8 ـ ديوان الجواهري/ ج4/ منشورات وزارة الثقافة السورية/ دمشق 1982/.

9 ـ يوسف الخطيب / ديوان بالشام أهلي والهوى بغداد/ دار فلسطين/ ص49 ـ 50/ دمشق/ 1988/.

10 ـ المصدر السابق/ ص50/.

11 ـ المصدر السابق/ ص52/.

12 ـ المصدر السابق/ ص55/.

13 ـ المصدر السابق/ ص57 ـ 58/.

14 ـ المصدر السابق/ ص51/.

15 ـ المصدر السابق/ ص53/.

16 ـ ديوان عائدون/ يوسف الخطيب/ المقدمة ص7/ دار الآداب/ بيروت/ 1959/.

17 ـ المصدر السابق/ ص16/.

18 ـ يوسف الخطيب/ ديوان: واحة في الجحيم/ ص167/ قصيدة "سيأتي الذي بعدي"/ منشورات دار الطليعة/ بيروت/ الطبعة الأولى/ 1964/.

19 ـ المصدر السابق/ ص97/.

20 ـ يوسف الخطيب/ ديوان عائدون/ ص75/ دار الآداب/ بيروت/ 1959/.

21 ـ المصدر السابق/ ص77/.

22 ـ المصدر السابق/ ص30/.

23 ـ المصدر السابق/ ص34/.

24 ـ المصدر السابق/ ص40/.

25 ـ يوسف الخطيب/ ديوان بالشام أهلي والهوى بغداد/ ص51/ دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون/ دمشق/ 1988/.

26 ـ المصدر السابق/ ص98/.

27 ـ يوسف الخطيب/ ديوان رأيت الله في غزّة/ ص22/ دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون/ دمشق/ 1988/.

28 ـ يوسف الخطيب/ ديوان واحة الجحيم/ ص117 ـ 118/ دار الطليعة/ بيروت/

1964/,

29 ـ المصدر السابق/ ص11/.

30 ـ يوسف الخطيب/ ديوان: بالشام أهلي والهوى بغداد/ ص52/ قصيدة هذي الملايين/ دار فلسطين/ دمشق/ 1988/.

31 ـ يوسف الخطيب/ ديوان: رأيت الله في غزة/ ص18/ دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون/ دمشق/ 1988/.

32 ـ المصدر السابق/ ص31/.

33 ـ المصدر السابق/ ص35/.

34 ـ المصدر السابق/ ص36/.

35 ـ المصدر السابق/ ص36/.

36 ـ المصدر السابق/ ص64 ـ 65/.

37 ـ المصدر السابق/ ص69/.

38 ـ يوسف الخطيب/ ديوان: واحة الجحيم/ ص103 ـ 104/ دار الطليعة/ بيروت/ الطبعة الأولى/ 1964/.

 

 

 

الفصل الرابع

يوسف الخطيب: ذاكرة الأرض، ذاكرة النار

 

كما بغداد ودجلة عند الجواهري، والبصرة والعراق عند السيّاب، والشآم: ياسمينها وحاراتها و شوارعها عند نزار قباني، كذلك فلسطين والقدس ويافا عند شاعرنا يوسف الخطيب.

يندر أن نجد شاعراً عربياً معاصراً تغنّى بوطنه، وعبّر عن هموم شعبهِ، وتطلعات أمتهِ، كما فعل شاعرنا العربي يوسف الخطيب.

يافا خاصرة الوجع، الحُلُم الإنساني الرهيف المخضّب بالحنين واللوعة والعذوبة والشفافية، يافا الطريق إلى الله، التوحد به، والانغمار بفيضهِ وإشراقهِ السماوي:

((يافا مُؤَرِّقتي

يافا الرحيل لها

يافا الجنون.....

أنادي الله مِن جبلٍ

ربي.....

أَفِضْ نورَكَ الرُّسْلِيَّ في

ألقِ الصحراءِ.....

من أَلَقٍ دربي

ويُعتِمُ في قلبي السبيلُ لها

ربي........))(1)

تلازم الوطني بالقومي بالطبقي:

حين تدرس وتقرأ أشعار يوسف الخطيب تجد دونما عناء تلازم الوطني بالقومي في كلٍّ متجانس واحد، متناسق العناصر، في منظومة وبنية فكرية واحدة متجانسة تشكل عقيدة البعث محورها الرئيسي، أو محركها الفاعل، البعث بعقيدتهِ الداعية إلى تحقيق الوحدة العربية، والعدالة الاجتماعية، والحرية الإنسانية.

تَمثّل الشاعر هذه العقيدة، هَضَمها، وآمن بها، فجاءت أشعاره معبّرة عنها، بل من وحيها، تارةً بشكل مباشر، حاد، وصارخ، وتارةً أخرى محمولة على أدوات الشعر الفنية الأكثر أهمية، وخاصة الصورة الشعرية، والتخييل، والمجاز الفني والاستعارة والرمز الواضح الشفاف.

لذلك نقرأ مفردات البعث، وأفكاره الأساسية في العشرات من قصائده، منذ الخمسينيات وحتى يومنا الحاضر. بل إن الشاعر اتخذ من هذه المفردة عنواناً للعديد من قصائده، وخاصة في الخمسينات، أي سنوات بدايتهِ الشعرية الأولى: كقصيدة "نفير البعث" و"فجر البعث والإنسان" في ديوانه واحة الجحيم الصادر عام 59. ففي قصيدتهِ "نفير البعث" التي أهداها: إلى جمال عبد الناصر جندي البعث الأول ـ على حد تعبير الشاعر ـ إثر تأميم القناة، يقول:

((اليومَ يا تاريخُ قف لحظةً

                لحظةَ إجلالٍ على النيلِ

وانظر مدى عينيك هل تجتلي

                سوى مدى بالنورِ مغسولِ

ثم يضيف في نفس هذه القصيدة قائلاً:

حتى خرجنا من قبور الدجى

                نؤثل المجدَ الذي كانا

لما نفيرُ البعثِ دوّى على

                أجداثِنا الغبرِ، ونادانا))( )(2)

البعد الوطني:

لا نستطيع أن نفصل بين الشاعر والوطن، نحن إزاء وحدة كلية، ليس هناك ثمة حدود وفواصل، بل حالة من التوحد والتماهي الكامل بين الشاعر ووطنهِ، الشاعر ـ الوطن، والوطن ـ الشاعر.

في العديد من قصائده يتجلى لنا شاعرنا يوسف الخطيب شاعراً وطنياً غيوراً، متشبثاً بتراب وطنه الطهور، ذائداً عنه، مقاتلاً في سبيله، باذلاً الغالي والنفيس من أجل ديمومتهِ وتحريره من رجس الصهاينة. فالوطن قيمة مقدسة، كقولهِ:

((لو قشّةٌ مما يرفُ ببيدرِ البلدِ

خبّأتَها بين الجناحِ وخفقةِ الكبدِ

لو رملتان من المثلثِ، أو رُبى صفدِ

لو عشبةٌ بيدٍ، ومزقةُ سوسنٍ بيدِ

أين الهدايا مذ برحت مرابعُ الرَغَدِ

أم جئتَ مثلي، بالحنينِ، وسَوْرَةِ الكمدِ))( )ـ3ـ

في حالة التماهي بالوطنِ هذه كأننا أمام شاعر العرب الأكبر الجواهري الراحل، الذي قال:

أنا العراقُ، لساني قلبُهُ

                ودمي فراتُه، وكِياني منه أشطارُ))( )(4)

وقوله في قصيدة أخرى مُنزِلاً إياه منزل القدسية التي لا يجوز المساس بها وانتهاكها:

((حُيِّيتَ يا وطناً على

                أعتابهِ نتعبّدُ

يا "تربةً" نهفو إليـ

                ـها كالإلهِ ونسجدُ))( )(5)

وصل الأمر بشاعرنا العربي، يوسف الخطيب، في حبهِ لوطنهِ، إلى حالة الولـه والجنون، حتى أن أعز أمنية وجودية لديه هي أن يُوارى ـ بعد عمر طويل ـ في ترابه، وإذا عزَّ اللقاء وهو على قيد الحياة، فلا أقل من أن يتحقق وهو ميت: لنقرأ لـه هذا المقطع الشعري المعبّر والذي يفجر بين ثنايا جملهِ الشعرية طاقة عاطفية وشعورية نبيلة قلما نقرأها في شعرنا العربي المعاصر:

((لو ميتاً يا وطني ألقاكَ.... لو أمشي

لكِ الدنيا على رمشينِ... لو

آتيكَ في خاطرةٍ......... لو هاجساً

أعبرُ في بال الربى........ لو

حفنةً من الثرى هائمةً على

جفون الريحِ عُمرَها، وتنتهي

إلى ثراكَ...... لا أناشد الوجودَ

        غير ذاكَ......

أن أَشِيعَ فيكَ....

أن أراكْ.....))( )(6)

إلاّ أن حالة الوجد والحنين التي تعصف به تتجسد في ذروة تجلياتها في قصيدته من بحر يافا النسيم، حتى أستطيع الزعم بأنه وصل في هذا الموضوع "الحنين إلى الوطن" إلى ذروة لم يبلغها إلاّ القلة القليلة من الشعراء العرب المعاصرين، ولعَل الجواهري والسيّاب، هما الأقرب إلى هذه الحالة، بالإضافة إليه.

فالخطيب يتماهى مع مفردات الطبيعة في وطنه، مع يافا، بيارة البرتقال، الدوالي، العصافير، النجوم، الموج، النبع، جرار الصبايا وكل ما يتعلق بالذاكرة البعيدة حيث الطفولة الأولى، والعلاقة الأولى بالمكان، بالجذر الأول، بالكينونة.

كل ذلك بعذوبة فائقة، وشفافية تكشف عن مدى الرهافة والحساسية التي يتمتع بها الشاعر، ولعمري إنها حساسية قادرة على بث الروح والحركة في مفردات الطبيعة "النسيم" قادرة على استنطاقها بل إحيائها وأنسنتها وكأنها من شدة الرهافة تتمتع بحدوس الإنسان ولها نفس حواسه وعقلانيته وشعوره وعاطفته المتأججة. ويأتي كل ذلك بأسلوب فني مشرق وأخّاذ، وبلغة شعرية فنية وموحية: لنقرأ لـه هذا المقطع الدال:

(( وزائرٍ لي من يافا، بباقيتي

أضمُّهُ، برموشِ العينِ ألقاهُ.....

يفيءُ نافذتي، يدري السبيلَ إلى قلبي...... أُوَسِّدُهُ قلبي، وأرضاهُ

أُسائلُ الله فيه، ما يُجَنِّحُني

بَيَّارتا برتقالٍ.... أم جناحاهُ

حتى يُمَسِّدَ أهدابي، فأعرفهُ

أنا، الرفيقانِ من يافا، وإيّاهُ

يومَ النجومِ وأصدافُ الرمالِ، لنا

وألفُ حالِ هوىً في الموجِ نهواهُ

يا زائري، ووجيبُ القلبِ خَطوَتُهُ

ورَفَّةُ الروحِ، والذكرى، هداياهُ

هل الدوالي على أكتافِ منزلِنا

هوى العصافيرِ، أم لا فيءَ تغشاهُ

وفاضَ بالضَّحكاتِ النبعُ، أم رَجَعَتْ

جرارُهنَّ بلا ماءٍ صباياهُ))( )(7)

قلنا إن النموذجين الشعريين الفنيين الأقرب إلى تصوير هذه الحالة، هما: ما كتبه الجواهري والسيّاب، فكلا هذين الشاعرين عَبّرا عن مفردات الطبيعة والتشبث بتراب الوطن بأسلوب فني أخّاذ ومدهش، وشفافية عالية، فالجواهري يقول:

((حَيَيتُ سفحَكِ عن بُعْدٍ فحييني

                يا دجلةَ الخيرِ يا أمَ البساتينِ

حَيَيتُ سفحَكِ ظمآناً ألوذُ بهِ

                لوذَ الحمائمِ بين الماء والطينِ))( )(8)

أما السيّاب فيقول:

(( الشمسُ أجملُ في بلادي من سواها

والظلام

حتى الظلام هناكَ أجملُ

فهو يحتضنُ العراقْ))( )(9)

وبالرغم من هذا التقارب في الوجد والتوله والشفافية وعشق الوطن إلاّ أن كل شاعر من هؤلاء الشعراء الثلاثة، الخطيب والجواهري والسيّاب يتمتع بأسلوبه الفني الخاص، بتميزه وفرادته وخصوصيته في استخدام اللغة، وفي تشكيل الصورة الشعرية، وفي الجانب الإيقاعي والموسيقي، وفي زاوية الرؤية، وفي ابتكار المعاني الجديدة.

البعد القومي:

قلنا إن الشاعر يوسف الخطيب هو واحد من أكثر الشعراء العرب الذين تغنوا بأمجاد أمتهم العربية وعبروا عن قضاياها المصيرية، وكافحوا من أجل بعثها واستنهاضها:

(( دِفءُ العروبةِ في شراييني، وملءُ دمي....))( )(10)

وقوله في نفس القصيدة:

(( داري، وفي عينيَّ والشفتينِ نجواكِ

لا كنتُ نسلَ عروبتي، إن كنتُ أنساكِ))( )(11)

ففي البيت الأول يتخذ الشاعر من "العروبة" رمزاً للدفء والحنان قد تشربها وأصبحت جزءاً جوهرياً من كيانه المادي والروحي، أما في البيتين التاليين: فالعروبة لديه هي الأرومة والأصل وهي القيمة المقدسة التي يقسم بها حين يعلن عن تشبثه بداره وأرض وطنه، فالعروبة إذن هي المعيار والمقياس الذي نستدل بواسطتهِ على مدى التزام الشاعر بالمعاني الكبيرة الأخرى كالوطن والفروسية والكرم والنبل والشهامة.

وفي قصيدة أخرى يتداخل البعد القومي بالبعد الطبقي ونلمس روح التحدي واضحة بين ثنايا حروف وكلمات الشاعر، كما نقرأ دور الشاعر ـ الرسول، الشاعر المبلِّغ رسالته لأمتهِ، الشاعر ـ الساهر على مصير أمته والمقاتل من أجل وحدتها، ومن أجل تجاوز حالة التبعثر والضياع والتشتت التي تعاني منها. والشاعر ـ المُفجِّر لحالة الاستكانة والخضوع والتبلد، لنقرأ لـه ما يدل على هذه المعاني مجتمعةً:

((وحسبي تَهيجُ النارَ في الموتِ أحرفي

                وتمسحُ تيجانَ القياصرِ أذيالي

تحديتُ أَنْ شعبي يُباعُ، وموطني

                يُباحُ وأن أغلي الحصى قَوتَ أطفالي

وبُلِّغتُ في غارِ العذاب رسالتي

                تَنَزَّلَ جِبريلُ الخيامِ فأوحى لي

حرامٌ على عيني الرقادُ، وأمتي

                شتاتٌ، وآفاقي تناثرُ أطلالِ

لأَبتدِرَنَّ الصبحُ قبل اشتعالهِ

                وأورثُ في عمقِ السكينةِ زلزالي))( )(12)

ثمة نقطة مهمة جداً فيما يتعلق بالبعد القومي في تجربة الشاعر يوسف الخطيب، وهي اجتهاده القائم على أن روح الأمة العربية تتجلى بشكل أساسي وجوهري في أقطاب هذا المثلث: بغداد ـ دمشق ـ القدس. والخطيب يستند في رؤيته القومية هذه على العديد من العناصر الحيوية والأساسية في تكوين أية أمة: اللغة ـ التاريخ، الجغرافية ـ الأرض، الاقتصاد المشترك، العادات والقيم والتقاليد المتقاربة إن لم نقل المتطابقة في بعض تجلياتها.

صحيح أن هذه العناصر تتجلى في كافة أجزاء الوطن العربي الواحد بأشكال ونسب متفاوتة، إلاّ أنها في هذه الأقطار العربية المذكورة: العراق، سورية، فلسطين تكون أكثر سطوعاً وتقارباً وفاعلية ومما زاد في سطوعها الامتداد الجغرافي الواحد. ومن يدرس بتفحص وإمعان قصائد الخطيب سيجد هذه الرؤية واضحة في العديد منها، لنقرأ لـه عن أقطاب هذا المثلث العربي: بغداد ـ دمشق، والقدس في قصيدته: "بالشام أهلي والهوى بغداد":

(( كان فؤادي نغماً.....

قطعة موسيقى على قياثرِ المدى

وكان لي أجنحةٌ....

وخلتُني أرقص في حدائقِ الخيالِ أَوَدا

وكنتُ في جنونِ قبلةٍ

أمتصُ ثغرَ دجلةٍ.... أهصُرُ عِطْفَ بردى...

حين رآني اللهُ..... خِلتُ أنْ رأيتُهُ....

فكان وجهُهُ زيتونةً تحت أصيلِ القدسِ

حَلَّ جسمَها..... واتَّقدا......))( )(13)

وترد هذه الرؤية القومية نفسها في قصيدة أخرى للشاعر، بقوله:

((بالشامِ أهلي، وبغدادُ الهوى، وأنا

                بالقدسِ فوق صليب الطُّورِ أنتظرُ))( )(14)

وفي ديوان آخر للشاعر يرد هذا الثلاثي العربي أيضاً في إحدى قصائده:

(( رايةُ البعثِ في يديَّ، وخوفي

أنَّ بالقدسِ لاتَ يومَ تلاقِ

بين حَيَّيْنِ في السقيفةِ أبكي

حَيِّ سوريَّةٍ.... وَحَيِّ العراقِ!!)( )(15)

وفي الحقيقة فإن الشاعر يعبر عن رؤيته القومية هذه في المقدمة النثرية التي كتبها عن قصيدتهِ: "الخروج إلى بادية الشام" وفي نثره هذا يُعلل الشاعر رؤيته هذه ويذكر أسباب حبه لكل من القدس والشام وبغداد فيقول: ((وفي "الخروج إلى بادية الشام".... أردتُ أن أساوق قصة اِغترابي على ثلاثة أنغام: النغم الأول الشامل الذي يذكّرني دائماً بأن أهلي هنا...... والنغم الثاني العراقي الذي يذكرني دائماً بأن هواي هناك.... ثم، أولاً وأخيراً، ذلك النغم الأساسي الآتي على الصَّبا الفلسطيني الحزين، من على شاطئ بحر الجليل، وهو الذي يذكرني دائماً بأن عليّ أن أظل الإنسان الإنسان في تمام عافيتهِ الوطنية، وبكامل ذاكرتهِ القومية القوية عبر أهوال التاريخ))( )(16).

ويرى الشاعر يوسف الخطيب ـ وهو محقٌّ في رؤيتهِ حسب اعتقادنا ـ بأن وحدة العراق وسورية سيشكلان رافعة تاريخية أساسية للنضال القومي العربي برمتهِ، لهذا فإنه يلهج باستمرار، ويدعو بإلحاح مستمر إلى ضرورة تقارب العراق وسورية، وضرورة توحيد جهودها، ولعله يرى في توحيد هاتين القوتين القوميتين المهمتين اللتين تمتلكان العديد من عناصر القوة: البشرية، والجغرافية، والتاريخية، والاقتصادية، والحضارية، والعسكرية، والعلمية، والثقافية، مقدمة ضرورية لتوحيد الأمة العربية وبعثها من رقادها وتخلفها وتشتتها. وهناك شواهد شعرية عديدة تؤكد رأينا هذا كقوله:

((... "أريد أن أَصوغَ أُقُنوميْنِ

"في هواكَ أَحَدا

"أُريدُ، يا مولايَ، بَعْدُ

"أَن أَصبَّ دجلةً.... في بردى

..........))( )(17)

وقوله في مقطع آخر من نفس القصيدة:

((مشدودةٌ أوتارُ قلبي الآنَ

نَوْلاً تحت حزنِ الليلِ

يغزلُ الشآمَ في العراقِ.... والعراقَ في الشآم))( )(18)

وقوله أيضاً فيما يؤكد حبه، بل عشقه للمدينتين العربيتين: بغداد ودمشق:

((أُحِبُّ اثنتين..... وما بين حُبِّ اثنتينِ

سأعقدُ أوتارِ قلبيَ أسلاكَ قيثارةٍ

وأمتدُّ في وجع الليلِ طولَ أغاني الحُداةِ

وفي عطشِ الرملِ طول ضفافِ الفُراتِ

سأمتدُ..... حتى أُطوِّقَ عطفيكِ بين يديَّ

من الغوطتينِ.... إلى الرافدينِ.....))( )(19)

وفي مقطع آخر من ذات القصيدة: "الخروج إلى بلاد الشام" يغني لدمشق وبغداد بشفافية عذبة، وأسلوب فني تصويري مشرق وأخّاذ:

(( سأحملُ بستانَ ورْدٍ على شَفَتيَّ

وآتي بباديةِ الشام أعقابَ أهلي

وأحدِسُ بين الأَثافِيِّ أطلال داري

وأزرعُ واحةَ نخلٍ لعينيْ دِمشقٍ

وفي عشقِ بغدادَ، غابةَ غارِ))( )(20)

إلا أن الشاعر الخطيب يعي جيداً بأن حبه لهاتين المدينتين في الوقت ذاته يُسببان لـه عذاباً شديداً واغتراباً مُمِضاً، حتى يكاد تولهه بهما يصل إلى حالة ازدواجية وانفصامية مؤلمة تقوده إلى حالة من القلق النفسي الذي يتراوح بين قطبي الانفصال والاتصال، ومع ذلك فهو يرى بأن "حب اثنتين" ـ بغداد ودمشق ـ هو عمل كبير لا يقوى على القيام به إلاّ الرجل المقتدر والقوي وذلك لكثرة الوشاة والمبغضين والمتربصين من أعداء الأمة لنقرأ لـه هذا المقطع الدال:

(( أُحِبُّ اثنتينِ...... وأُعلِنُ تحت سماء المدينةِ

عِصيانَ قلبي على البُغضِ، والمبغضينَ

وحُبُّ اثنتينِ اقتدارُ........

إذا عُدَّ بين الرجالِ، الرجالُ

وحُبُّ اثنتينِ عذابٌ....

وحُبُّ اثنتينِ اغترابٌ......

وأقسمُ أني غدوتُ حِيالَهما اثنين:

بعضُ فؤادي اتصالٌ.....

وبعضُ فؤادي انفصالٌ.....

ولو جَرَّب الوَصلَ، من جرَّبَ العذلَ

لم يَشي بي عند بابِ الخليفةِ واشٍ

وكيف اتحادِيَّ فيمن أحبُّ..... وكيف اختلافي))( )(21)

ثم تتنامى القصيدة درامياً بأسلوب حكائي شائق، ويعلن الشاعر تحديه للوشاة والرقباء، مُعلناً حبه الأكيد لهاتين المدينتين العربيتين اللتين يرى بأن في وحدتهما وتلاقيهما خلاص العرب، وبأنهما جسدان لروح واحدة، وأن ما يحدث في الشآم نجد صداه في بغداد، والعكس صحيح أيضاً:

(( فماذا يشي عن صبابةِ قلبي الرقيبُ

وإعلانُ حبي مضاءٌ بأعلى بُروجِ المحاقِ

وما بَعدُ مِن مُزْنَةٍ هَمَلتْ بالجزيرةِ

إلاّ حَكَتْ لضفافِ الخليجِ احتراقي......

وما بَعْدُ بالشامِ تهدِلُ وُرْقُ الحمائمِ

إلاّ لِتزجِلَ، عني الهوى لِظباءِ العراق....))( )(22)

ثم يُعلن الشاعر في خاتمة قصيدتهِ استعداده للتضحية بأغلى ما يملك ـ الحياة ـ من أجل حب ووحدة هاتين المدينتين، هنا نقرأ دور الشاعر ـ الفادي، الشاعر ـ الرائي الذي يرى بأن ذلك سيقوده إلى الهلاك والقتل، إلاّ أن هذه النتيجة لا تخيفه لأن قصائده تتشرب من دمه، وإذا قُدر لأعداء الوحدة وأعداء الأمة أن يشنقوه، فإنه يعلم جيداً بأنهم ليسوا قادرين في أي حال من الأحوال على شنق "قوافيه" وقصائده، التي تشكل فعلاً مضيئاً وطاقة ثورية فعالة قادرة على إيقاظ وتوعية الملايين من أبناء أمتنا العربية:

(( وما بين حُبِّ اثنتينِ، وهمس الوشاةِ

سيقتلني حاسدٌ عند قاضي القضاةِ

ويَسقي الندامى دَمي

ويديرُ عليهم نزيفي

فيا عجباً.....

ما ستكتبُ عني رؤوسُ السيوفِ

إذا كان من أحمرِ القلبِ حِبرُ دواتي

...........................

ولو كان أن عَلَّقوني على شَفَقِ الطُّورِ

كيفَ تُرى يشنقون دموعَ القوافي!!

كيف تُرى يشنقون دموعَ القوافي!!))( )(23)

 البعد الطبقي:

انطلاقاً من عقيدتهِ البعثية كان الشاعر يوسف الخطيب تائقاً للعدالة الاجتماعية، معبراً عن آلام الفقراء ومنحازاً لتطلعاتهم في حياة كريمة وعادلة، ففي قصيدتهِ أغان من العراق: "الباب المفتوح" نلمس هذه الشفافية الحزينة والوجع الإنساني الرهيف المتجسد بعدم حصول الناس الفقراء على مجرد "لقمة العيش"، وهذه القصيدة مكتوبة بأسلوب حكائي معبر يحمل في داخله توترات درامية تعبر عن حالة عائلة محرومة، جائعة، يخرج معيلها أو "ربها" للعمل من أجل الحصول على لقمة العيش وإطعام أبنائه، إلاّ أنه يعود في المساء خالي الوفاض، خجلاً من نظرات عيون أطفاله المعاتبة، ثم يخرج مرة ثانية إلاّ أنه هذه المرّة لم يعد، انقضى صيفان ولم يعد. عنوان القصيدة يَشي بدلالتها: "الباب المفتوح". أي الباب المفتوح ا لذي يمثل الانتظار المر، انتظار الغائب الذي طوى القفار وليس هناك أي دليل أو حركة تدل على عودته.

أي وجع إنساني هذا الذي يدفع مجموعة من البشر الفقراء إلى غيهب الانتظار المر لمجرد الحصول على لقمة العيش؟.

وأية خيبة إنسانية مضمخة بالمرارة تبعد الإنسان عن أحب الناس إليه بسبب الكفاح من أجل الحصول على الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية "لقمة العيش"!!؟. لنقرأ لـه هذا المقطع المُعبر:

((وجه أبي غاب، ففي رغابنا

في وهمنا الظامئ، في سرابنا

عادَ...... ولا لقمة في جرابنا

خطوته تخجل من عتابنا

فيسرح الليلُ وراء بابنا

ثم يقول تعبيراً عن خروج الأب وعدم عودته، حتى إن أطفاله باتوا يتمنون مجرد عودته، وحتى ولو كانت خائبة، وحتى لو لم يحصل على أي قوت:

كنملةٍ عمياء في أيدي الدروبْ

راح أبي، وراء رزقنا يجوبْ

لو حفنتا قمحٍ مناجلَ السهوبْ

لو الزؤان يا بيادرَ الجنوبْ

لو دون غلّةِ الشتاء... لو يؤوبْ

ثم يضيف:

صيفان، لم يمرّ موسمٌ شحيحْ

أين ثوى، أين تراهُ يستريحْ

رداؤه البالي، نثار ألف ريحْ

ثم تنتهي القصيدة نهاية مفتوحة على الانتظار المرّ، مُعبرةً عن حالة الجوع التي تنهش هذه العائلة الفقيرة:

وجه أبي، وعد الشتاء للقفارْ

ولم تزل قدرٌ لنا ـ بدون نارْ

تغلي الحصى لجوع إخوتي الصغارْ

وبابنا، عين يشدها الجدارْ

على مسالك الجنوب، في انتظارْ

..................))( )(24)

تميزت هذه القصيدة ببساطتها الفنية، وشفافيتها، ومرجعيتها الواقعية، فضلاً عن تزاوج الفكري بالعاطفي، والواقعي بالحلمي. كما حفلت بالعديد من الصور الاستعارية والتشبيهية التي تميزت بطابعها البسيط والشفاف والمتماسك، كقوله: "خطوته تخجل من عتابنا" حيث أعطى الشاعر هنا صفة "الخجل"، "للخطوة"، وخوف الإنسان "الأب" هنا، مُبقياً ما يدل عليه "الخطوة"، وهو انزياح دلالي غير متوقع، فالعادي والمألوف أن "الخجل" هو صفة إنسانية، وشعور يعرفه الإنسان دون سائر المخلوقات الأخرى، والانزياح الدلالي تجسد بإسباغ صفة الخجل على "الخطوة"!!.

ثم نقرأ هذه الصورة الاستعارية البسيطة والجميلة:

"فيسرح الليل وراء بابنا" إذ شبه الشاعر الليل بإنسان يقوم بفعل "الانسراح" ثم حذف المشبه به "الإنساني"، كما نقرأ لـه هذه الصورة التشبيهية: "كنملةٍ عمياء في أيدي الدروب".

وامتازت هذه القصيدة بلغتها الشفافة، السلسة، والواضحة، والجزلة أيضاً: "رغاب، نثار، أمحلت...... إلخ".

ونجاح الشاعر فنياً في تنويع القافية إذ أعطاهُ هذا التنويع فسحة أكبر في الحركة وفي التعبير عن رؤاه وخلجاتهِ ومشاعره الإنسانية إضافة إلى توسيع طاقته التخييلية مُبعداً إياه عن حالة الرتابة المعروفة "غالباً" في استخدام القافية الواحدة.

كما نلمس هذا البعد الطبقي بشكل واضح في العديد من القصائد الجديدة أي التي نشرها بعد الثمانينات، ففي قصيدته: "بالشام أهلي والهوى بغداد" يستخدم الشاعر رمزاً تاريخياً إسلامياً عُرف بتقواه وورعه وبمناصرتهِ للفقراء، حتى غدا واحداً من أهم الرموز التي تمثل العدالة الاجتماعية في تاريخنا العربي ـ الإسلامي، كله وهو الصحابي الجليل: "أبو ذر". لنقرأ لـه هذا المقطع الشعري الجميل والمُشرق: فناً، ورؤية، ولغة، وموقفاً:

((كأن سطحَ الأرضِ في رعشةِ زلزالٍ....

وفي زوبعةٍ، يأتي أبو ذرِّ على قصورهم

تلكُزُهم عصاهُ في قبورهم

يهيج حُمّى القدسِ في صدورهم

تشردُ روحُهُ غزالةَ الضحى على الصحاري))( )(25)

واضحٌ هنا الطاقة التحريضية العالية ذات البعد الطبقي التي يتضمنها هذا المقطع، وقد شبه الشاعر المناخ الثوري للحالة وهي أن الأرض قد عصف بها زلزال قوي، ثم يشرق لنا العدل الاجتماعي المتمثل بالرمز التاريخي "أبو ذر" من قلب "زوبعة" ثائرة، ولم يكتف الشاعر هنا بذكر حالة الإشراق أو الانبثاق التي مثلها الرمز، بل إنه انبثاق مصحوب بفعل ثوري ـ تغييري تجسدَ بتهديم "قصور" الناس المستغلِين "بكسر اللام" مِن قبل هذا الرمز، بل إن الشاعر تجاوز هذا الفعل إمعاناً منه في التحريض وضرورة إنزال أقسى العقاب بمصاصي دماء الفقراء والشعوب في حياتهم وفي مماتهم أيضاً: ((تلكزهم عصاه في قبورهم))!!. يمكن من خلال هذا البيت أن نقرأ طبيعة البنية النفسية للشاعر، فهي بنية قائمة على "العنف" الموجّه ضد الظلم والظالمين تحديداً، وبقدر ما تتميز هذه البنية بعنفوانها وجرأتها الاقتحامية وطابعها العنفي، بقدر ما تتميز بشفافيتها الإنسانية النبيلة والرفيعة في الانتصار للفقراء والمسحوقين والمظلومين أي كما يقال إن الشاعر يجمع بين صلابة الصخر ورقة الوردة، ويكشف هذا البيت ليس الطابع العنفي للشاعر في تصديه لكل ما هو ظلامي ومستغِل بل أيضاً هو عنف تتزاوج معه السخرية اللاذعة، لننظر إلى هذه الصورة وحركيتها ومضمونها الداخلي الساخر: "تلكزهم عصاه في قبورهم" ومما يعطيها بعدها النفسي المتضخم هو أن الفعل "لكز" يتم في "القبر" أي أنه يقع على الموتى وليس على الأحياء!!.

وهنا نكتشف أيضاً على الصعيد النفسي مدى المرارة والألم التاريخي الدفين الذي يكتنزه الشاعر داخل طيات روحه، وما يكشف لنا هذه المرارة التاريخية المتراكمة والمتأصلة داخل الذات، وفي أعمق أعماقها النفسية، هو انفلات حالة "اللاشعور" لدى الشاعر الذي كان تواقاً لإنزال العقوبة "اللكز بالعصا" بالظالمين ليس أثناء حياتهم فحسب بل وحتى بعد مماتهم!!. وكما يبدو لي ـ تاركاً مسألة الحسم لعلماء النفس أو المتخصصين في علم النفس ـ فإن هذه الحالة النفسية تدل أيضاً على مدى المعاناة الطبقية التي عاناها الشاعر في حياته الشخصية، وقد انعكست هذه المعاناة في تكوين بنيته النفسية والشعورية والفكرية، وقد أسعفني في رؤيتي هذه أحد الأحداث الهامة التي ذكرها الشاعر يوسف الخطيب وهو في معرض حديثه أو انتقاده اللاذع للشاعر الروسي "إيفجيني إيفتو شنكو" الذي جيّر شعره لصالح الصهيونية العالمية، حيث يقول: ((..... كنتُ ما أزال هائماً على وجهي على امتداد "شارع بغداد" بدمشق ـ حيث كادت أن تدهسني سيارة إيفتو شنكو ـ وأنا أبحث بين من تبقى من الأصدقاء عمّن يُدينني خمسمئة ليرة سورية على وجه السرعة لأنهم عما قليل سيفتحون بطن ابني "باسل" بهذا المبلغ في مستشفى "جلال الدهان" وهو الذي لم يتعدّ الرابعة بعد، وتتوسلني عيناه الزائغتان أن أشتري لـه لعبة، لقاء العملية الجراحية... أثناء ما كان شعراء آخرون، غيري، يدهقون أقداح الويسكي.... في مقاعدهم الوثيرة.... في أجواء الكونديشن.... وفي صحة الطبقة العمالية، العالمية، الكادحة!!!.....))( )(26).

واضح هنا أن هذه الحادثة تحفر عميقاً في وجدان الإنسان، وخاصة إذا كان شاعراً حساساً ومرهفاً كشاعرنا الخطيب، وربما هناك أحداث أخرى ـ وخاصة في الطفولة ـ قد فعلت فعلها في وجدان الشاعر وأسهمت في تشكيل بنيتهِ النفسية ـ الفكرية ـ الشعورية القائمة على رفض الاستغلال والظلم، وفي تعميق شعوره ووعيه الحاد بعمق المعاناة والآلام المريرة التي يتكبدها الناس الفقراء والمسحوقون. هل نقرأ هنا فلسفة الألم ـ واللذة؟، هل كانت الذات الشاعرة تلتذ وهي تعاقب المستغلين والظالمين؟. بدون أية إجابة إطلاقية أو إصدار حكم نهائي، أقول: أغلب ظني إن الجواب، نعم، وأترك المسألة مفتوحة للمتخصصين في علم النفس فهم الأقدر على هذه الإجابة. وفي قصيدة أخرى نلمس أيضاً بوضوح البعد الطبقي من خلال تَمثّل الشاعر لمواقف "الصعاليك" المعروفة جيداً في تراثنا العربي القديم، إذ كان هؤلاء يأخذون الأموال من الأغنياء ويوزعونها على الفقراء، كما دعوا إلى ضرورة إقامة العدل الاجتماعي ومن أشهرهم في تراثنا عروة بن الورد، صاحب البيت التاريخي المشهور: ((أقسم جسمي في جسوم كثيرةٍ/ وأحسو قراح الماء والماءُ بارد/))

لنقرأ لـه ما يثبت ذلك:

((وأنا النادبُ، والحادي، وصيّادُ القوافي

وأخو الجنِ...... وصعلوك القبيلةْ

......))( )(27)

كما نلمس انحيازه الواضح للفقراء والمحرومين في قصيدته "رأيت الله في غزّة" حيث الاتكال على الله، خالق الأكوان، ورمز العدالة الكونية، ونقرأ هنا ما يرمز إلى الفقر والكدح: "الكوخ" و"الخيمة"، لنقرأ لـه هذا المقطع الشعري الدال:

((رأيتُ اللهَ يأتي الكوخَ والخيمهْ

يَزُقُّ صغارَهُ السَّغِبينَ باللُقمة

يطوفُ على شبابيكِ السجونِ

يُضيءُ فوق شِفاههم بسمه))( )(28)

وفي إحدى رباعياته يستند الشاعر إلى الرمز التاريخي المعروف "القرامطة"، ويعد شعبه العربي الفلسطيني المكافح بأن تباشير العدالة لا بدّبازغة بالرغم من أن "الصبح" بعيد إلاّ أن وجه الليل القرمطي يعد ببزوغ فجر الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وهو الذي يعد بقبر الظلم والاستغلال والظلمة. لنقرأ لـه هذه الرباعية التي تؤكد على ما أشرنا إليه:

((قرمطيٌ وجْهُ هذا الليل، والصبح بعيدُ

ما على شعبي إن رَدْحُ من العتمةِ خَيَّمْ

هو يُبدي الخَلْقَ جذلانَ فُتونٍ، ويُعيدُ

وَيَغُلُّ الظُّلمَ، والظُّلمةَ، في قعر جَهَنَّمْ!!

........))( )(29)

الصورة الشعرية عند يوسف الخطيب:

يمكن القول في هذا المجال إن الصورة الشعرية لدى شاعرنا الخطيب هي أقرب إلى البساطة التعبيرية منها إلى التركيب والتعقيد، وخاصة في ديوانيهِ: العيون الظِّماء للنور عام 1955، وعائدون عام 1959.

أي إنها ـ عموماً ـ صور بسيطة وليس مركبة يتخللها الشرح والتفسير، وتختزن في داخلها طاقات فكرية قائمة على إثارة الحماسة والوطنية والقومية والإنسانية، وتمتاز بشحنتها التحريضية، ودفقها العاطفي المتأجج، وشفافيتها، ومرجعيتها الأساسية: الواقع. فضلاً عن إيقاعها الناري الصاخب، لنقرأ لـه هذا المقطع الدال على ما ذهبنا إليه في ديوانه الأول: "العيون الظِّماء للنور" من قصيدة "همسة إلى لاجئ":

((لي همسٌ بمسمعكْ

فاقتربْ

يا شقياً بأدمعِكْ

اقتربْ

فِيم تبكي وتنتحب

وأغانيكَ في الدجى

لم تنم

راعشاتٍ من الأسى

والألمْ......))( )(30)

وهذا المقطع في ديوانه عائدون/ من قصيدته: أغانٍ من فلسطين/ نازحون/.

((على الرمال نازحون..... نازحونْ

وفي مجاهل القفار.... نازحونْ

كما يُوقع السحاب في السكونْ

رثاءَ أرضنا الخصيبة الحنونْ

وفي مدارِ الأفقِ تسرح الظنونْ

أنازحون.... نازحون.... نازحون))( )(31)

هنا ينبغي التأكيد أن الشاعر كان في بداية تجربته الشعرية، وهو نفسه يؤكد على ما ذهبنا إليه في مقدمته لديوان العيون الظِّماء للنور "كلمات عابرة" مخاطباً القارئ: ((في هذه الصفحات التي بين يديك، رحلة أولى حذو الشاطئ القريب. إن الزورق صغير، ولكنه يتسع لقلبين، فهات يدك، ولعله يَجدر بالملاح أن يهمس في سمعك منذ الآن، بأنه لم يزل في أول عهده بالبحر، وأنه لم ينشر قلاعه بعيداً عن منارة الأمان، وأن كل الذي يستطيع أن يقدمه لك في هذه الرحلة هو بعض محارات الشاطئ الصغيرة، ذلك أن جواهر المحيط، الحقيقية بعيدة جداً في الأعماق، وهي إلى ذلك بكر لم تغتسل عينان بعد في ضوئها المسحور. ثم يقدم الشاعر الخطيب فهمه للصورة الشعرية حينذاك بقوله: وعندي أن الصورة الشعرية هي ذلك الجسم الحقيقي العاري في غلالة شفيفة من الخيال، وهذا التزاوج بين الحقيقة والخيال يأخذ اسم "الرمزية". علماً أن الرمز يجب أن يكون عميقاً ولا يغدو تشبيهاً تافهاً، وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون سهلاً بحيث لا يغدو طلسماً ملتوياً..... وهذا الجمع بين النقيضين: العمق والسهولة هو المعيار الصحيح الذي تقاس عليه طلاوة الرمزية....))( )(32)

وفي هذا المجال يمكن القول بأن صوره الشعرية في هذه المرحلة لا تتضمن الكثير من الانزياحات الدلالية المدهشة والمتفردة، وهي لا تؤشر إلى إمكانية التأويل والتعدد الدلالي لبساطتها، وهي أقرب إلى الطابع الأحادي منها إلى الطابع التركيبي التعددي المكتنز. غير أن الشاعر يواصل تطوير أدواته الشعرية والفنية، وفي ديوانه الشعري: "واحة الجحيم" يبلغ مرحلة نوعية متقدمة في تطوره الفني ـ حسب ظننا واعتقادنا ـ حيث نقرأ في هذا الديوان العديد من الصور الشعرية الإشراقية الأخّاذة التي تقربنا من سحرية الفن ودهشته، وتمتاز صوره في هذه المرحلة بطابعها المركب، بالإضافة إلى جدتها وطابعها الابتكاري المتميز الذي يؤشر إلى خصوصية الشاعر الفنية وفرادته وتميزه، كما تمتاز صوره بطاقتها الإيحائية وطابعها الإدهاشي. ويمكن أن نأخذ قصيدته الطويلة الرؤيوية المركبة، والمتعددة الأصوات: "دمشق والزمن الرديء" كمثال ونموذج فني يثبت صحة ما ذهبنا إليه، وتناول هذه القصيدة المهمة في مستوياتها المتعددة: اللغوية والجمالية والتاريخية والسياسية والرمزية والفكرية، وذلك على مستوى النقد التطبيقي.

"دمشق والزمن الرديء" نموذجاً فنياً:

إذا ما تناولنا هذه القصيدة على المستوى السياسي والفكري والتاريخي فإن شاعرنا الخطيب يدين فيها الانفصال الذي تم في 28 أيلول 1961 بين مصر وسورية  وتكشف القصيدة مدة المرارة التي كان الشاعر يتجرعها بسبب تهدم تجربة الوحدة العربية التي تمت بين هذين القطرين العربيين الهامين.

كما تكشف عن روحه القومية الأصلية وتوقه لانبعاث أمتنا العربية المجيدة. وفي خاتمة القصيدة يكتب الشاعر في هامشه قائلاً :

"إن الضمير المخاطب في مطلع هذه القصيدة، هو رجل الانفصال، كائناً من كان..."( )(33)

الشاعر يوسف الخطيب كتب قصيدته هذه في أيلول /1962/ في منفاه الإجباري بـ"هلفر سوم ـ هولندا" وفي هذه الفترة التاريخية رفضت عدة عواصم عربية إقامة الشاعر فيها ‍‍!!.

وكما هو واضح فإنه كتبها في الذكرى الأولى للانفصال، وكان يعتبرها رمزاً للشؤم والسواد حتى إنه وقّع قصيدته باسم:"أيلول اللعنة"!!.

إذن القصيدة ترتكز في كامل بنيتها من الناحية الفكرية والسياسية والتاريخية على إدانة الانفصال والانقصاليين، وهو تندد بشكل حاد وسافر بكل الذي أسهموا في تحطيم هذه الوحدة، قبل الانفصال وأثنائه وبعده.

تبدأ القصيدة في اللازمة الشعرية:"أيلول عاد" التي تتكرر في كافة مقاطعها الشعرية، وإذا كان الشاعر لا يُسمي الأشخاص بأسمائهم، مؤكداً أن ضمير المخاطب "أنت" الذي استخدمه في القصيدة يعود إلى "رجل الانفصال، كائناً من كان..."، متوخياً من ذلك التعميم، إلاّ أن كامل السياق الشعري يقودنا إلى التخصيص أيضاً، حيث يمكن أن  نقول أن الشاعر كان يندد بالحكم السوري أيام الانفصال لحظة كتابته القصدية في ـ أيلول 1962 ـ .

ويمكن القول هنا أن ضمير المخاطب " يا مليك الشام" يمكن أن نأخذه على سبيل التعميم والتخصيص، لنقرأ لـه بداية القصيدة:

"أيلولُ عادَ،

وأقبل التاريخ ينفض في

جبين الشام نعليهِ، وأنت تمصُّ شريانَ

القتيلةِ، والرجال البُلْهُ حولك يعقدون

التاجَ، والخياطةُ الغرباءُ يبتدعون وَهْمَ

إزارك السوريّ.....

فاهنأ يا مليكَ الشامِ .....

قيصرُ يجتبيكَ على تخوم الشرقِ بَواّباً،

أميراً في بني غسان، يملأُ راحتيك دُمىً،

إذا انتشتا دَماً... يلقاك في سروالِكَ

القصبيِّ ظاهِرَ رومهٍ، وتسوق قافلةَ

الحريمِ إليهِ.... يتخمُ من حريم الشرقِ .... تتخمُ

أنتَ من لثم الأصابعِ.... فاتخما من قبل أن

يَتنبَّه الحراسُ، واضطجعا أرائكَ لم

تكنْ ـ

........"( )(34)

هاتان الكلمتان:":أيلولُ عاد" أي اللازمة ـ الفتح ـ ساهمتا بكل ما تختزنان من ـ حرارة وألم ـ في فتح الآفاق أمام ذاكرة الشاعر المتوهجة، وقد شكلتا : " لحظة التفجر الشعوري" الذي كان مختزناً داخل الذات الشاعرة المعذّبة، أو كانتا بمنزلة الصاعق الذي فجر المخزون الشعوري والنفسي و العاطفي في داخل الذات الشاعرة، وبعد عودة أيلول تنداح مخيلة الشاعر متوغلة في عمق التاريخ فينتج لنا هذه الصورة الجارحة والحادة والتي تختزن في داخلها طاقة فكرية مشحونة بالمرارة وذلك حين " ينفض التاريخ في جبين الشام نعْليه". كما تبدو المهانة التي لحقت بالشام مُمِضة ومؤلمة هنا وذلك بسبب تمزق الوحدة؟. حتى إن الشاعر اعتبرها ـ أي الشام قتيلةً، وحاكمها يمص شريانها. كما نقرأ بين ثنايا هذه السطور روح السخرية اللاذعة التي اشتهر بها شاعرنا العربي يوسف الخطيب حينما يصف متهكماً حاشية "الملك" بالرجال البُلْه. واضح هنا أيضاً إن الشاعر يشير في قصيدته إلى الأيادي الأجنبية الغريبة التي ساهمت بتحطيم الوحدة: "والخياطة الغرباء يبتدعون وَهْمَ إزارك السوريِّ...."،مؤكداً أن الانفصال لم يكن ليتم لولا التدخلات الأجنبية، ويستند الشاعر على الرموز التاريخية لتعميق البنية الدلالية لواقعنا العربي المعاصر، ونلاحظ هنا نجاح الشاعر في اتكائهِ على الرمز لإضاءة الواقع المعاصر وإضافة دلالات جديدة تساهم بإغنائهِ. وقد استخدم الرمز التاريخي القريب ـ القيصر ـ للوصل إلى مبتغاه الفكري  والرؤيوي. فالقيصر كما هو معروف رمز للاستبداد والظلم والتسلط، وقد استخدمه الشاعر في هذه القصيدة باعتباره رمزاً " للقوى الأجنبية" الباغية التي أسهمت في تحطيم الوحدة، والشاعر هنا يفضح دور " القيصر" في تحريك أعوانه المحليين، ويمثلهم هنا ضمير المخاطب "يا مليك الشام"، إلاّ أن الشاعر يقدم هذا " المليك" بصورة كاريكاتورية ساخرة، فهو ليس أكثر من "بواب" عند " القيصر" وهذا البوّاب عَيِّنه القيصر لكي يكون أميراً في " بني غسان"، وكلما أوغل هذا " المليك" في قمعه ودمويته كافأه القيصر بملأ راحتيه " بالدمى"، أية صورة مضحكة ومبكية هذه؟. مهمة هذا " المليك" أخْذ الحريم والجواري إلى سيدة " القيصر" ثم يفضح الشاعر الحاشية التي تتخم هذا " المليك" بـ"لثم الأصابع"، وأخيراً يسند صفة التخمة للأثنين معاً: "القيصر والمليك" مُديناً حالة " الرفاه" التي يرفلا بها والتي تشير إلى مفردة " الأرائك".

ثم تفتح اللازمة الشعرية " أيلول عاد" مقطعاً شعرياً جديداً، ويلجأ الشاعر إلى تعليل موقفه الرافض للقيصر، ويؤكد أنه لم يكن ليخرج عليه لولا أنه اختبره وعرفه جيداً من الجليل وفي تلال القدس، وفي هذا المقطع ترد مفردة " القيصر" مرتين : الأولى:"القيصر" والثانية:"القيصر البدوي"، وحسب قراءتي لها فإن الأولى ترمز "للأجنبي" والثانية " للمحلي أو العربي". هذه قراءتي، وربما يحتمل النص قراءة تأويلية أخرى، وربما أراد الشاعر أهدافاً أخرى غير التي ذكرناها، ولأن النص مكتنز ومركب فهو يحتمل إمكانية التأويل والتعود الدلالي، وتعود القراءات، وقراءتنا إحدى هذه القراءات، لنقرأ لـه هذا المقطع الدال :

"أيلولُ عادَ، وعادَ عمّال الخليفة باللذائذِ

والحريمْ......

ولو أنني لم أَبْلُ قيصرَ في الجليل،ِ

وفي تلال القدسِ، لم أخرج عليهِ،

لبقيتُ في رعويّةِ الظل الكبيرِ،

وسقتُ ماشيتي .... ووجداني.... إليه

لكنني أنا من بلوتُ القيصرَ البدويَّ،

أدريهِ، وأدُرك ناجذيهِ....."( )(35)

وهذا الخروج قد يكلف الشاعر القتل، ثم نقرأ صورة ساخرة عن" القيصر البدوي" : "اليواقيت معلقة في منخريه" وإمعاناً في تتفيهه والسخرية منه يصف الشاعر ترهله، وبالرغم من سوداوية الحالة في ظل هكذا حكام، فإن الشاعر يباغتنا مباغتة ذكية تمزق غلالة السواد التي تلف كامل المشهد الشعري، ويبدو لنا مصمماً على المقاومة والصمود وتغيير الواقع، وهو إذ يكشف عن حالة الصمود والأمل والتحدي الكبير فإنه يتكلم بلغة الجماعة، ويستخدم ضمير المتكلم "نحن" مستنجداً بقصيدة " البعثية" التي تستنفر داخلها إمكانية المقاومة حتى الموت.

لنقرأ لـه ما يؤكد ذلك:"إني القتيل، وتلك من جري اليواقيتُ/ اللعينةُ علِّقتْ في منخريه/ منذا يشدُّ اللحمَ فوق العظم، يا "بعثاً"....../ نموتُ ولا نُرَدُّ على يديه ‍‍!!" ( )(36).

كثيراً ما يتكئ الشاعر على الرموز التاريخية الشهيرة لكي يُعمق الدلالة ويكسب واقعنا دلالات جديدة توسع آفاق الرؤية لدينا، فنقرأ هذه الرموز، المغول، تيمورلنك، أبو ذر، الخليفة، أبو يزيد " معاوية"......

ويرى الشاعر بأن المغول عادوا في أيلول لفتح مدينة التجار " الشام" وأن تيمورلنك عاد من جديد لاجتياح أرض العرب، ثم يتألم الشاعر على حالة العرب ووهنهم وتمزق قواهم، مستنجداً بالرمز التاريخي الشهير" أبو ذر" وساخراً من "أبو يزيد" الذي يمد شعرتَه الوضيعة للطغام، مؤكداً أن دمشق عاثت بها الثعالب، وبالرغم من هذه الصورة السوداوية إلاّ أن روح الأمل والتحدي تبزغ من جديد من داخل الذات الشاعرة باعثة فينا الأمل بالمقاومة والنصر، لنقرأ لـه عن هذه الدلالات مجتمعة : "أيلول عادَ، مدينة التجار يفتحها المغول،/ وعاد تيمورلنك ينتخب الجماجمَ/ ساحباً ردفيهِ في الزرَّدِ الثقيل على طلول أميَّةٍ....ربّاهُ، مات الزَّرْعُ..... طَلْعُ الغوطتينِ/ على مهب الريح رَجْعُ خياشيم الطاعونِ/..... من ذاك الشقيُّ على الهجيرة؟ أمْ أبو ذرٍ!!..... ويفتون الخليفةَ في الحجاز شواردَ الفتوى/ وذاك أبو يزيدٍ في دمشق يمدّ شعرته الوضيعة للطغام..... يعود يسحبها..... ويشردُ في الصحارى الأنبياءُ، وللثعالب/ من دمشق  الحضن......فاحتضني دهاة الأرضِ...... نحن على الهجيرة خلف ضالّتنا نظلُّ، ولن نعود سوى لنركز في ذرى قاسيون ألويةَ الصباح ......" ( )(37).

دمشق حاضرة في روح الشاعر، إنها رمز للصمود والأمل والعروبة ، وهو لا يستطيع أن يتخيل أي حالة انبعاث ونهوض للعرب من دونها، فالعروبة تشمخ وتتجسد فيها، وحينما "يبكي" الشاعر دمشق والحالة التي وصلت إليها  فإنه يرثي من خلالها العديد من المدن العربية ويدين حالة الرخاوة والخنوع التي بدأت تلف هذه المدن ومنها : بغداد وعمان، وأم القرى.... إلخ. لنقرأ لـه ما يؤكد ذلك:

"مَنْ للطريق إذنْ؟ وما وجهُ العروبة

                إن يكن في وجهك اغتربا

إني بكيتُ ـ عداكِ ـ من وطني الشقيِّ

                حواضراً منسيّةً، وربُى

بغداد خاملة على نهر البعوضِ

                وترتخي أوصالها طربا"( )(38)

ويصل في رثائه إلى أوج الحزن والألم يبتكر لنا معنى متألقاً ومبتكراً جاعلاً من الشام رديفاً، مؤكداً على أن موتها يعني دفن العروبة، وحياتها يعني حياة العروبة:

إني رثيتُ مدائني السبعَ العجاف

رثيتُ فيها القشَّ والخشبا

وعَيَيتُ عندك في المصيبةِ

كيف أرثي الشام

إن لم أدفن العربا ......" ( )(39)

ثم يتوغل الشاعر عميقاً في وصف حالة دمشق البائسة في ظل حكم الانفصالَ: "دمشق جاريةُ على فخذ المليك ص65" ويتألم ويتحسر كثيراً على الدماء المسفوحة التي لا تستطيع إيقاد جذوة الأمل إذ نلمس في قوله الشعري شحنة تحريضية هائلة: "آهٍ على دم لا يُشعل الظلمات ص65"، ثم يصل الشاعر إلى قمة ألمه مُفرغاً شحنته النفسية بأسلوبه الحاد والمعروف الذي يصل إلى حد الشتيمة والسخرية اللاذعة التي تذكرنا بأسلوب وطريقة الجواهري ومظفّر النواب في الهجاء، لنقرأ ما يقوله الشاعر يوسف الخطيب:

"دمشقُ

تُؤخذُ من جديلتها لحِضن القَيْلِ

تطحنها الزنودُ على فراشِ الليلِ......

تنجبُ من مغولِ الأرض

شاعرها،

وناثرها،

وقواَّداً يَلمُ على بَقيّتها الملوك....."( )(40)

ثم يذكر يافا " الذبيحة " واللد السليب، منتقداً بعنف " القيصر البدوي" الذي عرفه الشاعر جيداً واختبره في الملمات، ثم يتكئ على الرمز التاريخي " مسيلمة الكذاب" ليفضح المرتدين المعاصرين من الملوك والأمراء ويكشف زيفهم وكذبهم، ثم تتنامى القصيدة درامياً عن طريق الحوار بين ضمير الغائب وبين الشاعر وتصل إلى إحدى أهم ذراها الدرامية عن طريق صرخة الشاعر الشهيرة: " وأنا الذي وطني ارتحال الشمس مك الأرض، لكني بلا وطني، منذا يصِّدقني!!"( )(41)

وتطول رحلة الشاعر في العذاب والألم جراّء ما تعانيه أمته العربية من تمزق ووهن  وهوان، وبالرغم من ذلك يفتح لنا الشاعر في خاتمة القصيدة كوة للأمل والخلاص، فتشرين مليء بالأجنة ونيسان الربيع والخصب بشارة الأمل والولادة و " الوعد الكبير" لنقرأ لـه خاتمة القصيدة التي تكثف رؤيته لواقعنا العربي، وأمله بالخلاص، وتنتهي نهاية مفتوحة:

"آه يا أيلولُ،

فاجلس فوق صدر الشام،

وأطعمْ لحمنا العربيَّ،

والمرقَ النجيعَ ـ

هنا ثُلوم الأرضِ فاغرةُ،

فما تجتنُّ في المدر المواتِ، وزادنا

الصيفيُّ منهوب؟!....

                        تُرى

مَنْ يَفْلَحُ التاريخ !!

مَنْ يُعطي التّشارين الأجِنةَّ

مَنْ يفي نيسانَ بالوعد الكَبيْر....

......( )"(42)

أما على المستوى الفني ـ الجمالي، فيمكن القول إن قصيدة : "دمشق والزمن الرديء" هي قصيدة رؤيوية مركبة، متعددة الأصوات، حيث نقرأ صوت الشاعرـ المناضل والمنفي الذي ينتقد الحكم الانفصالي، وهو في هذه القصيدة ضمير المتكلم:

"ولو أنني لم أَبْلُ قيصرَ في الجليل، وفي تلال القدسِ......"( )(43) .

كما نقرأ صوت الملك أو الحاكم، هو هنا الضمير المخاطب "أنت":فأهنأ يا مليك الشام...."( )(44) . ونقرأ صوت القيصر الذي يمثل الرمز الأجنبي : " قيصر يجتبيك على تخوم الشرق بواباً.... "( )(45) . ثم نقرأ صوت "البعث": " يا:بعثاً".... نموتُ، ولا نُرد على يديه !!"( )(46) . وصوت الجماعية الذي يدل عليه ضمير المتكلم " نحن " :" نحن على الهجيرةِ خلف/ ضالتنا تظلُّ/ ولن نعود سوى لنركز في ذرى قاسيون ألوية الصباحْ....."( )(47) . كما نقرأ صوت "دمشق" العروبة و النضال:: وحليبُ ثديكِ يا دمشق، لبيدُ أكتافِ/ الرجال، فأين لانضبا...."( )(48) . ثمن صوت /مسيلمة" الدجّال: "ويكون في أيلول/ دجالٌ... مسيلمةٌ..... فيرضعُ يدي خفّاش من الصحراء ...."( )(49).

ثم نقرأ صوت العربي من جبل الخليل في هذه الحوارية:"أعرفتَ من أنا؟.... ـ لا / ـ أنا العربيُ من جبل الخليلِ، ضللتُ، وافترقت دروبي ... /"( )(50). وصوت الشحاذ: زادنا الصيفيِّ..../ سُقناها إليه .... فعاد يسألنا رماد كرامةٍ..../ لم نمنع الماعون .... "( )(51) .

وهي قصيدة تزفر بالعديد من الصور الاستعارية والتشبيهية المشرقة التي تدل على دلالة قاطعة على تطوير الشاعر التي  تدل على دلالة قاطعة على تطوير الشاعر لأدراته الفنية في هذه المرحلة التاريخية ـ الفنية من مراحل تطوره الشعري ـ أعني هنا مرحلة الستينات تحديداً ومؤشرها الأهم والملموس هو ديوان " واحة الجحيم" مقارناً إياها بمرحلة الخمسينات المتواضعة فنياً حسب رأيي ـ كما تدل أيضاً على توسيع آفاق الرؤيا لديه إضافة إلى تطوير طاقاته التخييلية إلى درجة بات معها الشاعر قادراً على التحليق في سماوات ا لإبداع  وإنتاج العديد من الصور المدهشة والمبتكرة، لنقرأ لـه هذه الصور الشعرية العديدة والمتنوعة في هذه القصيدة.

في مطلع القصيدة تباغتنا هذه الصورة الاستعارية المدهشة:" وأقبل التاريخ ينفض في جبين الشام نعليه"( )(52).

إذ شبه الشاعر التاريخ بإنسان لـه قابلية الفعل والحركة  الإنسانية، ثم حذف المشبه به "الإنسان" مبقياً القرينة التي تدل عليه وهي فعل "ينفض " أو "ارتداء النعل" وهو نعل يتوقف على الإنسان دون سائر المخلوقات الحيّة التي تعيش على سطح كوكبنا الأرضي. الصورة صادقة وجارحة وتختزن داخلها طاقة كبيرة من الأسى والمرارة والنقد اللاذع لـ" مليك الشام" الذي بسببه وصلت الشام إلى هذا الدرك إذ قام التاريخ بهذا الفعل الزاجر ضد الشام، هل هناك صورة أكثر إذلالاً وإيلاماً من أن " يطال النعال جبين الشام" وعلى يد من؟. على يد التاريخ، ولعل استخدام مفردة التاريخ هو الذي أعطى الصورة كثافتها وحركيتها وفاعليتها الفكرية الكبيرة، لأن الفعل " نقض" لو قام به الإنسان ـ الفرد لما كان لـه هذه الكثافة والدوي والفاعلية، ولكن "التاريخ" باعتباره رمزاً للكثافة والفاعلية الكبرى لأن من يَصنعُهُ هو الكتل البشرية الضخمة وليس الفرد مهما بلغت عظمته وفاعليته، هو الذي أعطى الصورة حركيتها وزخمها الفكري والتحريضي الهائل، ويقيناً أن الشاعر لم يُرد إهانة ـ دمشق ـ بل أراد إهانة من أذل دمشق وأوصلها إلى هذا الوضع البائس، أي هنا هو ـ مليك الشام ـ الذي يضعه الشاعر بصورة لاحقة للصورة الأولى المذكورة بقوله : " وأنت  تمص شريان القتيلةِ/"، والقتيلة هنا هي " الشام". وكما واضح فإن هذه الصورة تمتاز بطابعها التركيبي الحسي حيث احتوت على ظاهرتين حسيتين هما : "نعل التاريخ" و "جبين الشام"، وهي صورة مدهشة متماسكة فنياً تدل على فرادة الشاعر في اقتناص الصور المبتكرة والجديدة التي تختزن طاقات إيمائية عالية، ثم نقرأ أيضاً هذه الصورة المركبة ذات الطابع الحسي أيضاً:

" وتلك من جرحي اليواقيت/ اللعينة عُلِّقت في منخريهِ/"( )(53). وقد تكونت هذه الصورة من عدة ظواهر حسية هي:" الجرح" و "اليواقيت"و "المنخرين" وما يميز الصورة هنا هو اختزانها لطاقة عالية من السخرية اللاذعة والاستهزاء ب " القيصر البدوي" حيث  تحول في هذه الصورة إلى "كاريكاتور" يثير الضحك والسخرية.

ثم نقرأ هذه الصورة التشبيهية الرائعة والمبتكرة:"وجهُ الشمس مِزقةُ راية صفراء تُبحرُ في ظلام الصبح "( )(54).

واضح أن الصورة المركبة هنا ذات طابع حسي التمام والكمال، وكما بدا لنا ـ غالباً ـ فإن الصورة لدى الشاعر يغلب عليها الحسي ويتراجع فيها المجرد والذهني عموماً، لنعد إلى صورتنا فكل الظواهر حسية هنا: " الشمس" و " الراية الصفراء" و "الظلام" و"الصبح".

ما أعطى لهذه الصورة حركتيها هو الفعل " تبحر" وقد أعطى الشاعر إمكانية " الإبحار" للراية وكما هو معلوم فإن الإبحار هو فعل يقوم به الإنسان والشاعر أراد هنا إضفاء طابع الأنسنة على الجمادات والأشياء ومنها "الراية".

ومما منح الصورة إدهاشها هو حركة التضاد فيها " ظلام الصبح" أو جدلية انبثاق الظلمة من النور أو الصبح، كما تختزن هذه الصورة داخلها طاقة إيحائية متنوعة وعالية وهي قابلة لإمكانية التأويل والتعود الدلالي، فتشبيهه "وجه الشمس" بـ "مزقة راية صفراء" أعطى صفة ا لنقصان وعدم الاكتمال " للشمس"، لأنها هنا تشبه "مزقة" وليست راية صفراء كاملة. وباعتبار الشمس رمزاً للإشراق والوضوح والحرية والعطاء والدفء..... إلخ من الدلالات المتنوعة والعديدة، فإن الإيحاء الذي تتضمنه الصورة هنا يشير إلى فكرة ضعف حالة توهج الشمس، أو فكرة نقصان وتراجع الحرية والعطاء، أو تراجع حالة الوضوح إلى غير ذلك من القراءات المحتملة التي تثيرها هذه الصورة، إلاّ أن هذه الـ"المزقة من الراية الصفراء" تواصل بعناد إبحارها في "ظلام الصبح" من أجل الوصول في نهاية المطاف إلى حالة الإشراق والوضوح التي يمثلها "الصبح".

ثم نقرأ صورة موغلة في غرائبيتها وتفردها وقدرتها على الإدهاش، وهي صورة مسيلمة "الدجال" المعاصر الذي "يرضع ثدي خفاش" وقد أسقط الشاعر الرمز التاريخي "مسيلمة" على شخصية معاصرة، وهي شخصية الانفصال التي أشارت إليها مفردة "أيلول" وهو تاريخ الانفصال.

لنقرأ لـه هذه الصورة:"ويكون في أيلول / دجالُ مسيلمةُ...../ فيرضع ثدي خفاشٍ/ من الصحراء...."( )(55).

الصورة محملة وتوحي بدلالة فكرية واضحة وهي أن رجل الانفصال هذا لا يعمل إلاّ في الظلام، شأنه في ذلك شأن طائر الخفاش الذي رضع من ثديهِ كل ما هو ظلامي وخبيث ومؤذي.

كما استخدم الشاعر يوسف الخطيب في قصيدته هذه:"دمشق والزمن الرديء" العديد من الأساليب الفنية التي تدل على مهارته الفنية وقدرته في القصيدة الرؤيوية المتعددة الأصوات، ومن هذه الأساليب: أسلوب السرد الشعري، وكأنه يقص علينا حكاية مليئة بالأحداث والأشخاص والأسماء والأمكنة والرموز التاريخية : "أيلول عاد/ وأقبل التاريخ ينفض في جبين الشام نعليه، وأنت تمص شريان القتيلة، والرجالُ البُلْهُ حولك يعقورن التاجَ، والخياطةُ الغرباءُ يبتدعون وهم إزارِكَ السوري..... فاهنأ يا مليك الشام" ( )(56) .

ثم يستخدم أسلوب " النداء" كقوله " يا "بعثاً" .... /نموت ولا تُرّدُّ على يديه!!"( )(57).

وقوله:" تلك خطاك يا أيارُ، يا أيلول.../ يا فيحاءُ، يا لطرون... "( )(58).

وأسلوب " التلوين" وهنا هو اللون الأصفر: "وجه الشمس مِزقةُ رايةِ صفراءَ تبحرُ في ظلام الصبح "( )(59).

المونولوج كقوله :"مَن ذاكَ الشقيٌّ على الهجيرة؟"( )(60) وكقوله:"من للطريق إذنْ؟ "( )(61). وأسلوب "الحوار" كقوله:" ـ ما تلك؟ ..../ ـ أحذية ... /لِمنْ؟/ لجباه أقيالٍ وراء البحر/"( )(62).

وقوله:"ـ من أنتَ؟..../ ـ من عرب الخليل..../ ـ وعَمَّ تبحثُ؟..... عن ثرىً حُرٍّ، وعن سكن/ .... لم أفهم عذابك!/ ـ كيف تفهمني،/ وأنا الذي وطني ارتحال الشمس مكَ الأرض، لكني بلا وطن!!"( )(63).

أما لغة الشعر في هذه القصيدة فيه لغة جزلة ومتينة، لغة فنية موحية "غالباً" تمزج بين التراث والمعاصرة، والشاعر يبدو لنا قادراً على تطويعها واستيلاء العديد من الاشتقاقات و ذلك يدل على فرادته وتميزه في التعامل معها، ومن هذه المفردات قوله: يجتبيك ص 59، الهجيرة ص62، القَيْل، تُخرق ص 68، يُوسِف ص 69، الجرود ص72، ثُلوم ص 57، المَدَر ص 75، الطغام ص 62، الزرَّد ص 61.

وإذا عدنا إلى موضوع " الصورة الشعرية" في ديوانه "واحة الجحيم" فيمكن  رصد العديد من الصور الفنية المتألقة والمدهشة ـ غير التي تحدثنا عنها في قصيدته: "دمشق والزمن الرديء" ـ ويمكن أن نذكر في الفسحة المتاحة لنا هنا بعضاً منها، كقوله:

"عيناي عبادّتا شمسٍ

تفتحتا صوب النسيم "( )(64)

وقوله:" يا ذِكَراً مندوفة في شعاع البدرِ

يغزلُها لحنُ

وينشرها

دنيا من الذهب الرمليِّ

فاضرجَ القرميد"( )(65 )

وقوله : "ليت الحنينَ جناحي مهرةٍ

فعلى توقيتهما يعتلي توقي

وأحلُمُ أن أَحلُمَ، في ومضةٍ

أنيِّ أصيرُ إلى ليمونةٍ

أزهرت في البحر"( )(66)

واضح هنا الطاقة التخييلية العالية التي تمتع بها الشاعر واستطاع من خلالها رسم العديد من الصور الفنية المدهشة و الموحية، وتمتاز هذه الصورة المتقدمة عموماً بغلبة الطابع الحسي، إذ نقرأ هذه الظواهر الحسية:"عبّادتا شمسٍ، شعاع  البدر الذهب الرملي، القرميد"، إلاّ أننا نقرأ أيضاً في صورته :"ليت الحنين" توازناً مدهشاً بين المجرد والمحسوس " فالحنين" ظاهرة مجردة، أما" جناحي مهرة" فهي ظاهرة محسوسة، والصور هنا عموماً ذات طابع مركب تتعدد فيها الظواهر الحسية والمجردة وهي صورة مبتكرة، وقدرة الشاعر على الابتكار والإضافة هي من أهم العناصر التي تدل على فرادته وتميزه وخصوصية تجربته. ومن الملاحظ أن شاعرنا الخطيب قادر على الابتكار في مجالي الصورة و المعنى. كما أنها صور تختزن في داخلها طاقات إيحائية عالية ومدهشة، وتمتاز بتماسكها الفني الأخّاذ والمتألق، إضافة إلى عاطفيتها وشفافيتها العذبة.

مراجع ومصادر الفصل الرابع:

1ـ ص 26 من قصيدة جنون في ضوء القمر/ديوان واحة الجحيم/ بيروت / دار الطليعة / 1964/.

2ـ ص28 ـ32 من قصيدة نفير البعث / ديوان عائدون / دار الآداب / بيروت /1959.

3ـ ص11/ المصدر السابق/.

4ـ الجواهري ديوان العصر /ص182/حسن العلوي/ منشورات وزارة الثقافة السورية / دمشق /1986.

5ـ ديوان الجواهري /جـ2/ ص320/ منشورات وزارة الثقافة السورية / دمشق 1980/.

6ـ ص34/ من قصيدة "لو ميتاً ألقاك"/ ديوان واحة  الجحيم/ دار الطليعة / بيروت/1964/.

7ـ ص43 ـ44/ من قصيدة :"من بحر يافا النسيم"/ المصدر السابق/.

8ـ ديوان الجواهري /جـ4/ص205/قصيدة يا دجلة الخير/ منشورات وزارة الثقافة السورية /دمشق / 1982.

9ـ ديوان بدر شاكر السيّاب/ مجموعة أنشودة المطر/ دار العودة/ بيروت/ ص 320/ من قصيدة غريب على الخليج/.

10ـ / من قصيدة "العندليب المهاجر" /ديوان عائدون/ دار الآداب / بيروت/ 1959.

11ـ ص13/ المصدر السابق/.

12ـ ص164/ من قصيدة سيأتي الذي بعدي/ ديوان واحة الجحيم / بيروت/ دار الطليعة/1964.

13ـ ص 25/ ديوان " بالشام أهلي والهوى بغداد/ دار فلسطين للثقافة والفنون والإعلام/ دمشق / الطبعة الأولى /1988.

14ـ ص118/ من قصيدة ما شعلة البعث / المصدر السابق/.

15ـ ص90/قصيدة " تقاسيم على الخفيف"/ديوان:"رأيت الله في غزة"/ دار فلسطين/ للثقافة و الإعلام والفنون/ دمشق / الطبعة الأولى/ 1998/.

16ـ ص102/ بالشام أهلي والهوى بغداد / دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون/ دمشق 1988/.

17ـ ص25-26/ قصيدة بالشام أهلي والهوى بغداد / المصدر السابق.

18ـ ص 29/  المصدر السابق/.

19ـ ص104 ـ 105/ الخروج إلى بلا د الشام/ المصدر السابق/. 20ـ ص106/ المصدر السابق/.

21ـ ص107 / المصدر السابق/.

22ـ ص107 ـ108/ المصدر السابق/.

23ـ ص109 ـ 110 / المصدر السابق/.

24ـ ص91 ـ93/ مجموعة "عائدون" /منشورات دار الآداب/ بيروت /1959/.

25ـ ص29/ بالشام أهلي والهوى بغداد/ دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون/ دمشق/

1988/".

26ـ ص63/المصدر السابق/.

27ـ ص44/المصدر السابق/.

28ـ ص20/ مجموعة " رأيت الله في غزة"/دار فلسطين للثقافة و الإعلام والفنون /دمشق /1988.

29ـ ص28/ المصدر السابق/.

30ـ ص32/ ديوان العيون الظماء للنور/1955/دمشق/ المطبعة العمومية.

31ـ ص58ـ 59/ ديوان عائدون/منشورات دار الآداب/ بيروت /1959/.

32ـ ص8-9 ديوان العيون الظماء للنور/ 1955/ دمشق / المطبعة العمومية.

33ـ ص76/ديوان واحة الجحيم /دار الطليعة/ بيروت /1964/.

34ـ ص59/ قصيدة " دمشق والزمن الرديء" / المصدر السابق/.

35ـ ص60/ المصدر السابق/.

===================

* الكاتب: ناهض حسن "فائز العراقي" في سطور

ـ من مواليد بغداد  ـ 1952.

ـ بكالوريوس من كلية الآداب ـ قسم اللغة العربية ـ جامعة بغداد ـ 1974.

ـ يعمل في الصحافة .

ـ يكتب في مجال الفكر السياسي وله العديد من المقالات والدراسات السياسية المنشورة في الصحف والمجلات العراقية والعربية، ومنها: جريدة " الوطن" العراقية، وطريق الشعب " العراقية،"وصوت الرافدين" العراقية. و"التحرير" العراقية. وجريدة " الأسبوع الأدبي" العربية السورية. وجريدة " الحياة" العربية الصادر في لندن. ومجلة "الثقافة الجديدة" العراقية، ومجلة " الفكر السياسي " الصادرة في سورية.

ـ صدر لـه في الشعر:

1ـ الينابيع ـ دمشق ـ 1984.

2ـ أناشيد الأبدية ـ دمشق 1986.

3 ـ كريفونة الغياب ـ دمشق ـ 1989.

4ـ مدارات ليزا ـ دمشق 1996.

5ـ بوح لبغداد ، نافذة للمطلق ـ دمشق ـ 1999.

ـ صدر لـه في النقد الأدبي:

ـ شعر الانتفاضة: في البعدين الفكري والفني، اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق ـ 1998.

ـ نشر دراساته ومقالاته النقدية في الصحف والمجلات العراقية والعربية.

أضيفت في 10/04/2006/ خاص القصة السورية / عن اتحاد الكتاب العرب

 

 

كيفية المشاركة

 

Hit Counter

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية