أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: عبد الرزاق السويراوي-العراق

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

من مواليد بغداد 1953

ـ بدأت الكتابة في عام 1973 بإسم (عبد الرزاق محمد شريف) ونشرت آنذاك الكثير من القصص القصيرة مع بعض المقالات في العديد من الصحف العراقية ثم انقطعت عن الكتابة أواخر السبعينيات .
ـ عدت للكتابة عام 2003.
ـ عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق
ـ عضو في منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان / المستقلون
ـ نائب الأمين العام لتجمع الصحوة الثقافي
ـ لدي دراسات وبحوث منشورة في الكثير من المجلات والدوريات.
ـ لدي مجموعة قصصية تحت الطبع بعنوان (تداعيات مؤجلة)

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

شريط الباراسيتول

صور جامدة

تداعيات مؤجلة

ولادة 

موكبان

المخبول

ليلتان

 

ولادة

 

السيارة البيضاء توقفت للتو بالقرب من باب البيت الخارجي ,وقد إنعكس على سطح زجاجتها الأمامية , قرص شمس الصباح , فبدا كمصباح شديد التوهج .فتح السائق الباب , وما إنْ ترجّل حتى خرجت ثلاث نسوة من البيت وهنّ متلفعات بعباءاتهنّ . همّ السائق بالتوجه  صوب النسوة ثم فتح الباب الخلفي للسيارة . خطواته كانت رتيبة جدا , غير أنّ إلتفاتة لاحت منه  نحو المرأة التي كاد جنبها الأيسر يلامس باب السيارة الخلفي , وقد أمسكت بيدها اليمنى صرة للملابس , فيما أسندتْ جاهدة بيدها الأخرى , ظهر الفتاة التي تتوسطهنّ , أمّا المرأة الثالثة فكانت هي الأخرى تسعى لإسناد الفتاة من الخلف . وعندما التقت نظراته بنظرات المرأة الممسكة بالصرة , خمّن مع نفسه أنها تودّ لو أنّه أعانها بأخذ صرة الملابس , وفعلاّ عمل بما خمّنه فتناول الصرة منها . كانت الفتاة تتلوى من الألم , ولفرط شدّته انطبعت  سحنة صفراء على وجهها الذي أخذ العرق يتصبب منه بالرغم من عدم إشتداد حرارة الجو .  وبين اللحظة والأخرى ,كانت  تزمّ شفتيها بقوة فبان الذبول عليهما جلياً , ولكي تخفّف من وطأة الألم الذي يعتصرها , كانت تضع يديها أسفل بطنها المندلق أمامها , والذي لم تخف عباءتها إنتفاخه الواضح , حتى أنّ السائق ضحك في سرّه من التشابه الكبير , بين تكوّر وإنتفاخ بطنها , وبين صرة الملابس التي وضعها في هذه اللحظة فوق المقعد الأمامي للسيارة .  حركة الناس في الزقاق ما زالت متسمة بالهدوء , فالصباح ما زال في أوّله , أمّا النسوة الثلاث فقد تهالكن بأجسادهن فوق المقعد الخلفي لتنطلق السيارة ولكن على غير عجل .....في المساء , وقبيل أنْ تشتدّ جحافل ظلمة الغروب , توقفت سيارة سوداء حيث الباب الخارجي للبيت , فترجّلت منها إمرأتان ولكن ببطء خالطه تعب بدا واضحا عليهما  . إحداهنّ كانت تحتضن بباطن كفّيها , رضيعاً كان يبدّد بصراخه سكون الغروب , فيما   كانت المرأة الأخرى تمسك بلامبالاة بصرّة الملابس التي بدت أصغر حجما عمّا كانت عليه صباحا . صراخ الرضيع ما زال يتواصل دون إنقطاع فيما همّت المرأتان بالدخول في البيت . بدأت في هذه الأثناء ,  تتوافد باتجاه البيت , بعض نسوة الزقاق مع عدد من الرجال .أنصرف السائق بسيارته لكن عويلاً بدأ يتعالى تدريجياً من داخل الدار , ليطغى على صراخ الرضيع الذي  ُلفّ بقطعة قماش قارب لونها , لون بشرة وجه الرضيع .  

 

 

تداعيات مؤجّلة

 

لم تكن بناية المغتسل , متناسقة الأضلاع تماماً , لكنها تشكّل من الخارج , مستطيلا واسعاً, وعند بابها الخارجي , إحتشدتْ مجموعة من الرجال بصحبة إمرأتين .. وهناك على إمتداد الفضاء الواسع المحيط بالمغتسل وبالبنايات الإخرى , كانت تتوزع آلآف القبور وبأحجام متفاوتة . المكان , لاشك , يثير في بواطن النفس , نوعا من الإنقباض أوالوحشة المشوبة بحزن ورهبة مبهمتين , حتى لكأنّ مَنْ يطلق العنان لبصره ويجوب في رحابة المكان بسعته  وبكثرة  قبوره  المتلاصقة ببعضها , يتبادر الى ذهنه تساؤل ما :  هل ثمة للإنسان من خيار آخر , أمْ أنّ المصير صائر لا محالة ,إنْ طوعا أو كرها , الى الرقاد الأبدي تحت ركام هذه الأكوام من التراب ومن الطابوق الذي تجتاحه عادة وبقسوة , عفونة ورائحة مقززة , شاء أمْ أبى ؟ .

الإعياء , كان واضحا على سحنة وجوههم , خاصة وأنّ ليلتهم هذه , قضوا منها شطرا غير قليل في الطريق , مذْ إنطلقوا من بغداد باتجاه مدينة النجف , وأيضا عند المغتسل , حيث يقفون الآن منذ ساعة أو أكثر, وقد أخذتْ  جحافل الظلام تتسارع بالإنحسار أمام تدفّق حزم خيوط الفجر التي بدأتْ تنسج شباكها تدريجيا في الإفق الشرقي من السماء , ولكن العتمة مع ذلك , لم تلفظ أنفاسها بعد , بالرغم من أنّ , وقبل وقت طفيف , إرتفعت أصوات المؤذنين لصلاة الفجر , من الحسينيات ومن مآذن مساجد المدينة , وأيضا من مآذن ضريح الإمام علي والذي لا يبعد كثيرا عن منطقة المغتسل .

في هذه اللحظة تحديدا , خرج أحدهم من داخل بناية المغتسل , وعلى ما يبدو , كان هو الأكبر سنّاً من بين جميع الحاضرين , و تهالك بتثاقل واضح , , فوق دكّة مرمرية باهتة الألوان , كانت مركوزة الى الجوار من باب المغتسل , حيث يقف الباقون بالإنتظار , ثمّ أخرج  من جيب دشداشته البيضاء , مسبحة فإنعكستْ على حبّاتها السوداء , حزم من الضوء الشاحب المنبعث من المصباح الوحيد  المثبّت فوق الحافة العلوية لباب المغتسل , وفور إستقراره في جلسته على الدكة  , بادرهم بالقول ليكسر ما خيم عليهم من الصمت  , وكان في لهجته كمن يوجّه إليهم أمراً  : " تمّ الإنتهاء تقريبا من تغسيل الجنازة وتكفينها , لذا يتوجب علينا الإسراع قدر الإمكان في الذهاب الى حرم الأمير , إذْ لابدّ من اللحاق لأداء صلاة الفجر قبل فوات أوانها , ثم لنصلّي بعدها على الجنازة  فالوقت بدأ يضيق بنا "  . إستحسن الحاضرون فكرة التعجيل بمغادرة المغتسل , وكانوا قبل ذلك إحتاطوا لمسألة الوقت والحرص على عدم التفريط به , فإتصلوا هاتفيا قبيل توجههم بالجنازة الى النجف بالدفّان , لذا فهم من هذه الناحية كانوا مطمئنين الى أنّ الدفان إنتهى حتما من تهيئة حفرة القبر وقبل وصولهم الى المقبرة ..

المرأتان اللتان بمعية هؤلاء الرجال , كانت إحداهما ومن خلال هيئتها , يبدو عليها أنّها تجاوزت عقدها السادس , أمّا الإخرى , فأن عنفوان الشباب يظهر جليا  على قوامها الممشوق , وفي  وجهها أيضا بالرغم ممّا خالط قسماته من علامات حزن ممتزج بخوف , ربما  متأتٍ منْ كونها  لم يسبق لها أنْ شاهدتْ من قبل , مراسيم دفنٍ كهذه , فضلاً عن كونها أنها تعرف هذا الميت عن قرب .

وصلوا المقبرة فوجدوا , كما توقعوا , الدفان بالإنتظار , بعدما فرغ من تجهيز القبر وتهيئته . وقد جلس على حافة واطئةٍ لأحد القبور وراح يدخّن سيجارته بهدوء . كانت دشداشته الرثّة , كالحة بلون ذرّات التراب الذي علق بها , وكانت الشمس آخذة بالإرتفاع  في الإفق الشرقي , فإنعكست أشعتها الذهبية على هياكل القبور الكثيرة , فبدتْ المقابر كبنايات مدينة كبيرة صوّرتها طائرة من السماء . الفتاة  في هذه اللحظات كانت شبه منذهلة , لا بل هي منذهلة فعلا , خاصة وأنها كانت تتابع بإهتمام بالغ , حركة الأيدي وهي تتلقف التابوت لتنزله من على ظهر السيارة , وتضعه الى جانب اللحد  المعدّ  لها  . إذن .. كل شيء أصبح ينذر بالأكتمال  لمواراة هذا الجثمان الذي عرفته وعرفها.. رفعوا الغطاء عن التابوت  فحاولت  أنْ تتحاشى النظر الى الجنازة , ولكنها وجدتْ عينيها تدمعان رغما عنها  وتجبرانها  على أنْ ترسل  نظرات خاطفة ومتوجسة نحو الجنازة الملفوفة بالكفن , فلاحظت أنها  تشبه الى حدّ ما طفلا مقمّطاً ولكن بحجم أكبر , فجعلتها هذه الفكرة تسترسل في إنثيالات تصوراتها , موقنة بدرجة ما , أنّ نهاية الإنسان ربما  تكون مثل بدايته يوم مجيئه الى هذه الدنيا , فهيئة الجنازة وهي محاطة بالكفن , تذكّرها بهيئة الجنين الذي ُيلفّ عادة بالقماط   بعد مغادرته  جوف أمه  ودون إرادته , وها هو الآن يُقمّط مرة أخرى , حيث  يُراد منه ودون إرادته ايضا , العودة الى جوف الأرض وكأنّها أمه الأخرى . إشاحت بوجهها نحو فوهة اللحد  , فتصورته فم حيوان إسطوري وهو يتوثب لإزدراد أيّ شيء يصادفه أو يلقى إليه , ثم داهمها من جديد , هاجس الخوف الذي بدأ يدق ناقوسه بعنف في كل ذرّة من كيانها , غير أنّ نظراتها في هذه المرة , توزعت ما بين نقطتي  الجنازة المسجاة داخل التابوت وبين فوهة القبر الذي ما أنفكت تًخاله فم حيوان إسطوري ما زال فاغرا شدغيه وعلى سعتهما ,  فأحسّتْ بوخزات حادة ومترادفة تنغزها في لبّها , ورأتْ أيضا , في شخص الدفان ذي السحنة المغبرة , جزّاراً ماهرا يتقن صنعته وليس منْ قوة في الكون , مهما عظمت , تستطيع  منعه من إنزال هذه الجثة داخل القبر الذي حفره بيديه , وأنّ الشفقة بالتأكيد , غادرت وربما الى الأبد , قلب هذا الرجل ولكن ... ولكنها ... بالرغم من هذه المشاعر التي تتقاذفها والتي لا تخلو من بعض العداء تجاه الدفان , فأنها لاتلبث أن تعود لتجد نفسها وقد أدركت , أنّ هذا الرجل , مع كل ذلك , ليس له يد في كل الذي يحدث لهذا المتوفى , وأنها لتدرك ايضا , أنّ ثمة قناعة ما , تحس إزاءها , أنّ موقفها تجاه شخص الدفان , هو في غير محله , وأنها لتظلمه لا شك , إذْ تجيز لنفسها تحميله ما ليس به . أنتشلها من مخالب القلق الذي بات يفترسها بقسوة , وصول فتى نحيف بوجه اسمر , وقد ركن دراجته الهوائية على جانب الشارع الترابي الملتوي الذي يشق المقبرة من طرفها الشرقي وما لبث أنْ توجه نحوهم , مارقا بجسده النحيف بخفّة من بين الفراغات الضيقة التي تتخلل هياكل القبور المتناثرة , وقد تسمّرتْ نظرات الدفان باتجاهه  , وكأنه كما لو كان على موعد معه , أو في الأقل  كان كالمتوقع  لمجيئ هذا الفتى  قبل الشروع بعملية الدفن . وبعد أن ألقى بالتحية بشكل روتيني , إقترب من الدفان وأخبره بأنّ المتعهد هو الذي أرسله الآن وعلى وجه السرعة , ليخبره بالتوقف عن دفن الجنازة في هذه المقبرة بالذات, طالما أنّ مقبرة أهل المتوفي تعود الى متعهد آخر , وهي لا تبعد كثيرا عن هذه المقبرة . سكت الفتى لبرهة قصيرة ثم واصل الكلام ثانية " المتعهد , كما أخبرني , يقول أنه يحاول تجنب إثارة الإلتباس مع متعهد هذه المقبرة , ويقول ايضا  لا نريد الإخلال بسياقات عملنا .

ــ إذن ما العمل وما هو الحل ؟ .

تسائل أحد الحاضرين وهو منزعج من سماعه لهذا النبأ , ووجّه سؤاله الى الدفان الذي سارع بالأجابة :

ـــ ليست هناك من مشكلة , سأقوم بحفر قبر آخر في المقبرة العائدة الى عشيرة المرحوم , لأنكم كما علمت  من المتعهد نفسه , أخوال الميت وليس اعمامه , لذا فإنني كنت أتوقع حدوث مثل هذا الأمر للسبب الذي ذكرته .

كانت الفتاة في هذه الأثناء , منصرفة كليا بتفكيرها عن كل ما دارّ من حولها وحينما همّوا برفع التابوت لإعادته فوق السيارة , كان الدفان هو الآخر يلملم أغراضه ويضعها في زنبيل من الخوص , أمّا هي فقد عادت مرة أخرى بنظراتها لتستقر على حافة فوهة اللحد  وقد تملّكتها رغبة لم تستطع مقاومتها في أنْ تقترب أكثر من الحفرة لتبصر عن كثب مدى عمقها , فأحسّتْ حالما ألقت بنظرها داخل الحفرة  , برهبة وبقشعريرة شديدة تجتاحها, مثيرة في نفسها  تساؤلا ما أنفك يرن في زوايا ذهنها المتعب : أفي مثل هذه البساطة حقّاً , يُحشر المرء داخل حفرة بائسة  وبهذا الحجم كهذه ؟؟ .

الجميع شرع بصعود السيارة بينما لم تفق هي من شرودها إلاّ على صوت المرأة العجوز وقد لكزتها بيدها , حاثة إيّاها على ركوب السيارة .

تواصل رنين جرس الهاتف , في إحدى غرف مكاتب إستعلامات المقابر المنتشرة على إمتداد الشارع العام . رفع المتعهد السماعة , وردّ التحية , وظل لبرهة قصيرة , بهيئة من يصغي لكلام الطرف الآخر , لكن السماعة إهتزت قليلا بيده فيما إرتسمتْ الدهشة على وجهه الذي ظهر الإنقباض واضحا على قسماته:

ــ نعم نعم , تقصد القبر الذي حفرناه قبل أيام ؟ نعم , ما زال على حاله . وبنبرة يشوبها الإنزعاج المفتعل أردف قائلا : الحمد لله على كل حال , ثم حوقل ليواصل بعدها: أتعني أنّ الفتاة التي حضرت معكم قبل أيام , هي التي ماتت ؟ كان الطرف الآخر على ما يبدو , أكّد صحة تساؤل المتعهد الذي إستمر بالإستماع إليه   , وها هو يضع السماعة فيما وجّه كلامه الى الدفان الذي حشر جسده قرب طاولة قديمة مرتكزا بكوعه على حافتها :

ــ حتى القبور , أصبحت  في هذا الزمان خاضعة لمعيار القسمة والنصيب , تماما كتوزيع الأرزاق على الناس.

ـــ ما الأمر ؟ .

ـــ هل تتذكر  الفتاة التي حضرت قبل أيام بصحبة تلك الجنازة التي قمت أنت بإعداد قبر لها  ؟ وقبل أن ينتظر إجابة الدفان واصل حديثه : لقد تُوفّيتْ بصعقة كهربائية في بيت زوجها , وكان الذي إتصل بي قبل قليل من أقاربها وأيضا , من الذين حضروا مع تلك الجنازة وسألني إنْ كان ذلك القبر ما يزال شاغرا أمْ لا !! . 

 

 

صور جامدة

 

مضى من الليل أكثر من ثلثيه تقريبا , لكنه الى الآن ما زال يقظا , وقد يكون هذا على خلاف ما تعوده , غير انه لم يكن مخموراً بما فيه الكفاية ,فقبيل الغروب تقريبا كان قد عبّ في جوفه آخر ما تبقى في القنينة من خمرة,ورغم مضي هذه الساعات ,فأنّ تأثير السكر ما زال يشعره ببعض الخدر,لكن هذا الخدر لم يحل دون إحساسه بالألم الآخذ بالأشتداد شيئا فشيئا في بطنه ,وكان لشدّته يحس به كما لو أن مجموعة من السكاكين تعبث في احشاءه . كان في هذا الوقت منـزويا في مكانه المعتاد من (حديقة الأمة ),حيث العتمة أشد ممّا هي عليه في الأماكن المحيطة بالحديقة .وفي الخارج ,خارج محيط الحديقة ,كانت ثمّة أضواء تنبعث من هذه النافذة أو تلك من البنايات القريبة لكن الشوارع كانت مقفرة تماما

تمدّد بجسده النحيف فوق المصطبة المستطيلة ,ولولا نحافة جسده وقصر قامته لما كانت المصطبة تتسع لجسده .وتيرة الألم في بطنه ,بدأت تتصاعد أكثر فأكثر,حاول جاهدا أن يرفع النصف العلوي من جسده من سطح مضى من الليل أكثر من ثلثيه تقريبا,لكنه الى الآن ما زال يقظاً,وقد يكون هذا على خلاف ما تعوّده,غير أنّه لم المصطبة ,حيث وضع يده اليمنى فوق سرّته بينما جعل من يده الأخرى متكئًا على حافة المصطبة ليستعين بها على الأستواء في جلسته .ويبدو أنه كرّر مثل هذه الحركة مرّات عدّة في محاولة منه للتخفيف من حدّة الألم الذي خُيّل إليه بأنه سيمزّق أمعاءه ,وإذ لم يلمس أيّ فائدة من هذه الحركة ,فقد عاود الأستلقاء ثانية فوق المصطبة المستطيلة .

ثمّة شجيرة كانت الى جواره تماما,وبالرغم من عدم كثافة أغصانها ,فانها كانت تحجب عنه بعض الشيء رؤية الشوارع بوضوح كافٍٍ والتي تكون عادة في مثل هذا الوقت من الليل,تخلو تماما من المارة ومن السيارات أيضاً,لكن هذه الشجيرة لم تستطع أن تشكّل حجابا يمكنه أن يحجب عنه رؤية ذلك المستطيل الضخم لنصب الحرية ,فقد شعر رغم أنه كان مستلقيا على المصطبة ,بأن هذه الشجرة القريبة منه أشبه بقزم صغير يقف الى جوار ذلك المستطيل الضخم لنصب الحرية ,حتى انه تخيله كقلعة أسطورية وهو يحجب مساحة شاسعة من الأفق المظلم,غير أنه سخر من نفسه إذ هو لم يلتفت يوماً ما , على الأقل ليمعن النظر بتركيز جيد ,بحيث يتيح له أن يتفحص هذه الهياكل التي تتوزع على مساحة المستطيل للنصب,لكنه حاول ان يجد لنفسه ذريعة ما, يبرّر بها على الأقل إنصرافه طيلة هذه المدة الطويلة عن التمعن برموز هذا النصب..(أحياناًكنت أتساءل عن هذاـ الجواد السليم ـأما كان ألأجدر به أن يكون أكثر جودا بحيث يضع وجه نصب الحرية بقبال مطلع شروق الشمس,بدلاً من أن تكون خلفيته هي التي تواجه مشرق الشمس ..أَوَ ليس الشمس في ضوءها هي من يمزّق كلّ الأنسجة العفنة للدهاليز المظلمة ؟فأيّ فن هذا الذي تدّعون ,لا بل أيّة حرية تلك التي تجسمها أصنامكم الصمّاء هذه وهي تشيح بوجهها عن مطلع الشمس,إنّها في صمتها كهبل ليس إلاّ ,لا حياة فيها ). 

ما زال مستلقياً على ظهره فوق المصطبة .ومازال الألم أيضا هو الآخر ينهش أمعاءه بقسوة ,غير أنّ ما يؤلمه الآن أيضا هو نفاد الخمرة منذ ساعات .دسّ يده في جيب بنطاله الرمادي البالي,فأخرج علبة السجائر وكانت على ما يبدو خالية إلا ّمن ,سيجارة واحدة أشعلها ثم رمى بالعلبة الفارغة .كانت أصابعه ترتعش وهي تطبق على السيجارة حتى أنه خشي في قرارة نفسه أن تنسلّ من بين اصابعه دون ان يشعر بها ,جذب نفساً عميقا منها ولكن  بعدما اعتدل في جلسته,ثم أستمر يدخّن بنهم لا يخلو من لذّة ,وسط الظلمة التي كوّر جسده في فضاءها.

هذه الليلة ليست هي الأولى التي يخفق فيها بأستكمال مشواره مع الخمرة حدّ الثمالة أو ما يقاربها,بحيث يستسلم في النهاية الى النوم ,ودون إختيار منه,أو حتىمعرفة الوقت الذي نام فيه,فلطالما مرّ بمثل ذلك مراراً,فحصوله على الخمرة وبالمقدار الذي يحقّق له الدرجة التي ينشدها من الثمالة كان مرهونا وعلى الدوام بما يكسبه في ذلك اليوم .

الشوارع المحيطة بالحديقة من الخارج بدت الان أشدّ ظلمة ممّا كانت عليه أوّل الليل .وهو الى الآن ما زال يناوب جسده بين حركتي الأستلقاء على المصطبة أو الجلوس عليها ,لكنه بدا الآن أكثر أعتدالاً في جلسته .بينما كانت نظراته تمرق من بين أوراق الشجيرة الصغيرة لتتجه صوب جسر الجمهورية الذي يقع قبالته تماماولكنه لم يكن بمستطاعه رؤية معالمه بوضوح ,ليس لأن الظلام كان يخيّم على الزوايا والأماكن فحسب ,وإنما ايضا ,كون الزاوية التي كان محشورا فيها ,كانت منخفضة عن مستوى ما يحيط بحديقة الأمة من شوارع وبنايات ,وحينما أصطدمت نظراته القلقة بخلفية نصب الحرية ,أحس كما لو أنه كان محشورا وبشكل قسري في قعر وادٍ سحيق وما هذا المستطيل لنصب الحرية إلاّ قمّة جبل شاهق يطل على هذا الوادي حيث يجلس الآن ..( فقط لوكان لدي قنينة خمر وسجائرلتكفلتا حتما بأزالة هذه الآلام عن بطني ولكن ....)ولكن يبدو أنه تخلّى عن رغبته هذه ,فثمّة رغبة أخرى كانت في هذه اللحظة قد فرضت نفسها وربما أستحوذت على تفكيره ...( أنه الجسر,لو كانت لي القدرة على النهوض إذن لفعلتها والله ..)..كان في قرارة نفسه ,لم يكن يريد الموت كأختيارلابدّ منه ولكن ....( أنا متيقن تماما بأن دجلة لا زالت على كرمها المعهود بها,وأنها سوف لا تبخل عليّ أبداً,وأنا متأكد أيضا بأن مياهها ستنحدر بي ,بهذا الجسد النحيل المتعب,وترحل به الى هناك,صوب تلك القرى البعيدة التي هجرتها منذ أكثر من عشر سنين ولينتهي التطواف بي في بغداد ,لا بل ينتهي بي أخيرا ها هنا في حديقة الأمة وما يحيط بها من أماكن .ما أشبه ظلام هذه الليلة وعذاباتها بتلك الليلة التي خرجت فيها تاركا قريتي,متسللاً كلص يخشى إنكشاف أمره..).

لم يكن ليلتها قد أخذ معه أيّ شيء سوى صرّة خضراء صغيرة ضمّت بعض ملابسه,لكنه ظلّ طوال هذه السنين ينأى بذاكرته بعيدا عن كل ما يمكن أن يحلّق بها الى هناك .وكان يتظاهر في اكثر الأحيان بأنه أستطاع أن يقنع نفسه بأن ما حدث له في القرية وما قامت به زوجته لا يمثّل بالنسبة أليه أكثر من مقطع زمني ملوّث أستطاع في غفلة منه أن يلج كيانه رغما عنه ,لكنه ,كما يعتقد جازما,قد نجح تماما بأن يقتطعه من عمره ويرمي به في أخس بقعة من فضاء النسيان الرحب ...لكنه في هذه اللحظات بالذات من هذه الليلة وبما لم يعهده في نفسه من قبل,شعربنوع من الأستسلام لرغبة عارمة ووجد نفسه عاجزا عن الأنعتاق من قيدها أو مقاومتها.فها هي بيوتات القرية وسككها التي خبرها جيدا,بدت تتراقص بتحد أمام عينيه...( كم وكم هي الحوادث الخارقة التي جرت وتجري فيك أيتها الدنيا الملعونة .ماذا لو أستجبت لي ولو لمرّة واحدة .فقط مرّة واحدة ,هل ستختل نواميسك الكونية أو تتوقّف عن حركتها لأنّك أستجبت لي؟ وهل سيختل النظام الكوني لو أن واحداً كآصف بن برخيا أو من اعمامه أو أخواله أو حتى من عشيرته,يظهر لي من بين هذه الظلمة المطبقة على أنفاسي وينتشلني من هذا المكان ليقذف بي في تلك القرى البعيدة ؟ أَوَ لمْ يتفق كل حكماء الدنيا,على أن الأنسان هو أسمى من كلّ شيء في هذا الوجود,سوى الله,وأنا أنسان,فمن منّا يا ترى أكرم من الآخر,أنا أم عرش بلقيس؟)

توقف عن التفكير برهة ,لكنه أحسّ برشقة من الرغبات المتضاربة ,بدأت تتزاحم في رأسه .كانت بطنه تغلي كمرجل,فتمنّى لو كان بمقدوره الآن أن يتقيّأ ليقذف ما في معدته ,علّه يتخلص من بعض ما يعتصره من الألم الذي يتلوّى في أمعاءه كأفعى مشاكسة,لكنه سخر من هذه الفكرة ,لا بل سخر من نفسه إذْ هي تفكر بهذا الشكل السخيف..( ما الذي يمكن أن أتقيّأه وأنا لم أأكل شيئا منذ الصباح ؟وهل ثمة في معدتي الخاوية غير بقايا من الخمرة الرخيصة والمغشوشة؟ (.

مرّة أخرى صوّب نظراته باتجاه الجزء الخلفي لنصب الحرية ,ثم حاول وبأصرار أن يقف على قدميه ,وكاد يفشل في هذه المحاولة ,لولا أنه سارع وامسك بيده اليمنى بجذع الشجرة ,لكنه أحسّ بدوار يطبق على رأسه وأن قدميه قد تخذلانه في أيةّ لحظة وقد يسقط على وجهه,ولكي يتحاشى ذلك ,شدّد في اللحظة المناسبة من قبضته بجذع الشجرة .كانت زوايا المكان في معظمها تقريبا,تغرق في العتمة ,لكن جدارية النصب وأرتفاعها النسبي ,جعلها أكثر من غيرها من الهياكل الأخرى ,يستقبل بعض الضوء الشاحب ,المنبعث من بعض نوافذ البنايات القريبة أومن بعض الأماكن الأخرى .حاول أن يشيح بوجهه عن الجدارية ,لكنه وجد نظراته تخرج عن طوع إرادته لتتسمّر عند نقطة معيّنة من الجدارية ,فقد تراءى له,عند هذه النقطة بالذات شبح صورة لأمرأة تتلفع بعباءة سوداء وقد وقف الى جانبها طفل كانت قد وضعت يدها فوق رأسه ,وقد خمّن بأن هذه المرأة كانت تنظر اليه ,غير أن الصورة كانت جامدة لا حراك فيها وكانت تشبه الى حد ما صورة فوتغرافية وُضعتْ داخل إناء فيه ماء  وحينما دقّق النظر,بدت له ملامح الصورة أكثر وضوحا الى حد ما ..( إنّها هي .لو لم تكن هذه الملعونة قد أخذت الولد معها , لكان خروجي من القرية ربما تمّ بأسلوب غير الذي كان... .. تبّاً لك من دنيا ليس فيها غير مجموعة متوالية من هروبات ربما لا نهاية لها ..هروبات تصل المفارقة فيها احيانا حدّاً يتساوى فيه الكر والفر ,والأثنان قد يؤديان الى نتيجة متشابهة قد تكون هي الموت ,وهذا اقسى ما في هذه المفارقة ,والأقسى من كل ذلك قد يكون الهروب هو هروب من الهروب نفسه..) .

كان في تلك الليلة خارج البيت ,وعندما عاد سأل أحد إخوته عن زوجته لكن أمّه العجوز هي التي سارعت بالأجابة فأخبرته بأنها خرجت وبصحبتها إبنها الصغير ,لتجلب الماء كالعادة من نهر صغير كان لا يبعد عنهم كثيرا .وها قد مضى على خروجها أكثر من ساعتين لكنها لم تعد الى الآن ...ولم تعد لا في تلك الليلة ولا ما بعدها من الليالي.

داهمته رغبة شديدة في البكاء,تمنّى أن يبكي بحرقة,ليس لأنّ الألم بدأ يعصف بأمعاءه أكثر فأكثر ,وانّما إستجابة لفكرة أخذت تدغدغ مشاعره,فتناغم ذهنه معها لتستولي على مشاعره بالكامل ,فأحسّ بأستحالة الفكاك من قيدها...( ربما يكون عمر أبني الآن قد تجاوز السادسة عشرة ,أَوَ ليس من العدل أن يكون الان الى جانبي..) لكنّه ,وبدلاً من أن ينفذ رغبته في البكاء,قرّر التوجه صوب درجات السلّم التي تقع قريبا من أسفل نصب الحرية ..( لأخرج من هذا القبو المظلم ..).سار بتثاقل كمن فُكّ القيد من قدميه توّا,وعندما وصل السلّم الكونكريتي,بدأ يرتقيه ولكن ببطء ملحوظ,ثم ارتقى آخر السلم من الجهة العليا ليصبح النصب فوق رأسه تماما.سار بضع خطوات وقد قرّر أن يختار نقطة معينة ليكون وقوفه عندها,بحيث توفّر له وضعا مريحا لرؤية رموز النصب.وفعلاً توقّف عند نقطة ما خمّن بأنها هي الأفضل للرؤية..عندها حاول أن يستدير بكامل جسده نحو الوراء,ليكون بمواجهة مجسّمات النصب ..لكنه وبدلاً من أن يشرع بتحقيق هذه الحركة,إنشدّ ببصره نحو الجسر,فقد كانت في هذه اللحظة بالذات,ثمّة مجموعة من السيارات العسكرية تجتاز الجسر وبسرعة باتجاه ساحة التحرير ..كانت الأضوية المنبعثة منها تبدّد العتمة بشدّة,أمّا هو فقد حاول ان يتحاشى حدّة الضوء والذي أعشى عينيه,بأن وضع كفّه اليسرى بموازاة وجهه,فيما كانت يده اليمنى قد دسّها ما بين حزامه الجلدي وبطنه التي أشتد بها الألم أكثر من ذي قبل .كانت السيارة الأولى من الرتل الأجنبي قاربت أو كادت ,المرور من جهته اليمنى,وكان هو يراقب ذلك الوضع بحذر شديد من خلال الفرجة الضيقة ما بين إصبعي السبابة والوسطى,ثمّ سرعان ما إنطلقت من السيارة الأولى,رشقة كثيفة من الرصاص وباتجاهه,فارتفع جسمه قليلاًعن الأرض ليعود اليها ثانية,ولكن هذه المرّة جثّة هامدة.أستمر الرتل العسكري في سيره مسرعاً,غير أن السيارة الأخيرة منه,ورغم أنها لم تتوقف هي الأخرى ,فأنّ أحد جنودها وجّه مصباحا يدويا متوهجا كان يمسك به,نحو الجثة ,فبانت الدماء من حولها غزيرة وهي تلتمع تحت ضوء المصباح ..

********

نشرت إحدى الصحف المحلية موضوعا مصوّرا عن إحدى المقابر الجماعية المكتشفة مؤخرا,وقالت هذه الصحيفة: أن هذه المقبرة تقع الى الجنوب من العراق.وتضمّ  قرابة مئتي جثة كلهم من الرجال,وقد كُبّلت أيديهم الى الخلف ثم أُعدموا رميا بالرصاص,ويبدو أنهم دفنوا على عجل وبطريقة عشوائية وبشعة.لكن الأمر المحيّر في هذا الموضوع ـ كما تقول الصحيفة ـ أن هذه المقبرة ضمّت جثّة لأمرأة متلفعة بعباءة والى جانبها طفل صغير.وقد نشرت الصحيفة صورة منفردة لهذه المرأة وطفلها.وفي محاولة لتفسير وجود هذه المرأة وطفلها بين جثث هؤلاء الرجال المعدومين,فأنّ الصحيفة ذهبت الى القول بأنّه من المحتمل جدا,أن هذه المرأة صادف وجودها هناك وشاهدت ما لا ينبغي لها مشاهدته,فكان لابد من تصفيتها مع هؤلاء الرجال..!

 

 

شريط الباراسيتول

 

لم تكن حرارة الجو قد إشتدت كثيرا , فالوقت ما زال صباحا , إلاّ أنّ ذلك لم يمنع حبيبات العرق من أنْ تتفصّد فوق صفحة جبينه , لينحدر بعضها نحو الأسفل , متجاوزا حاجبيه  , حتى أن البعض منها تسلل داخل عينيه اللتين أخذتا تدمعان , ليختلط الدمع بقطرات العرق التي ما زالت ترشح من جبينه , ثم مسح عينيه بمنديل أخرجه من جيبه , فأحس  وهو يطبق جفنيه ,  بحرقة خفيفة تلامس شحمة عينيه , تشبه جرحا لامسه بغتة سائل ملحي . خطواته الآن بدت أسرع مما كانت عليه لحظة دخوله الزقاق الفرعي الضيق الذي إبتلع جسده. كان بين اللحظة والأخرى  يتطلع نحو ساعته وقد أوشك وهو يحثّ خطاه , أن يصل الى نهاية الزقاق الذي يفضي الى الشارع الرئيسي , وفعلا , ما إن وصل الى نهاية الزقاق , حتى انعطف يساراً  ليجد نفسه محشورا في جوف زحام الشارع الرئيسي ,  فيما يده اليمنى كانت ممسكة بحقيبته الجلدية . وحينما مال بوجهه عن الساعة  , أدرك أن الوقت تجاوز قليلا عن موعده مع صديقه الذي لا شك انه ينتظره الآن في المقهى , لذا حاول ان يسرع في سيره علّه يتمكن من الوصول دون هدر وقت آخر , لكن كثرة البائعين الذين افترشوا معظم مساحة الرصيف , فضلا عن كثرة المارة , شكّلا عائقا أثّر في سرعة سيره  .  وسط هذا الضجيج  والزحام أحس بالصداع يعاود الهجوم عليه من جديد ,  بعد أن لازمه في الليلة الفائتة لساعات طوال , لكن الذي  زاد من إستياءه , أنه فتّش كثيرا عن  حبة براسيتول , لكنه أخفق في ذلك , فظلّ يتململ على فراشه الى أنْ إستسلم للنوم دون أن يدري متى تمّ ذلك . وبعدما إستيقظ في هذا الصباح , كرّر ما قطعه على نفسه في الليل , بضرورة شراء البرسيتول , على أنْ يكون ذلك في أول النهار . وها هو يشعر بالصداع يطرق بمعوله على مقدمة رأسه, فيما صدغاه أخذا ينفحان بشدة . كان متيقنا وهو يحثّ الخطى , أنه سبق وأنْ شاهد صيدلية  في المكان الذي وصله الآن تحديداً  , وكان حدسه صحيحا ,  فلم يستغرق في تفكيره كثيرا , إذْ إرتطمت نظراته القلقة والباحثة  , بواجهة زجاجية لأحدى الصيدليات,  وكانت كما لا حظ , خالية من أيّ زبون , لذا لم يتأخر كثيرا داخل الصيدلية , إذْ خرج وبيده شريطا من حبوب البراسيتول وقد بدا عليه الإرتياح واضحا ,  وإنْ لم يبتلع بعد ,  أيّ شيء مما إبتاعه من الدواء , فقد  قرر إرجاء ذلك لحين وصوله الى المقهى .  لأن جلّ تفكيره , خصوصا بعدما حصل على البراسيتول , كان منصبا في الوصول الى صديقه دون المزيد من هدر إضافي من الوقت .  وما إنْ خرج من الصيدلية حتى تطلع مرّة أخرى نحو ساعته  وقد تكون هذه المرة هي الرابعة وربما هي العاشرة التي يتطلع فيها الى الساعة , فأيقن تماما , بأنّ الموعد مع صديقه , مضى عليه بعض الوقت , لابدّ له أن يسرع أكثر في سيره  ... لذا فضّل  النزول الى الشارع بدلا من الأستمرار في سيره على الرصيف ,المزدحم  بالباعة والمارة , فأخذ يمرق من بين السيارات التي بدت لشدة تلاصقها ببعضها ,  كأنها  ُربطتْ الواحدة بالاخرى بحبل وهمي ,   هذا التغير الطفيف في اختياره السير على الشارع مباشرة بدلاً عن الرصيف , لمس فائدته في الحال , حيث اوشك الان على الوصول الى السوق المزدحم هو الآخر , والذي تقع المقهى في بدايته .غير أنّه بالتأكيد  قد إحتاط لمسألة  التأخير عن الموعد , بأنْ هيّأَ العذرالذي سيرمي به بوجه صديقه ,إنْ هو إستعلمه عن سبب التأخير أوإذا وجه  اللوم له , إذ كان يتوقع ذلك منه ...  ولكن  ينبغي عليه قبل ان يصل المقهى أن يجتاز الساحة المكتظة عادة  بالسيارات وبالباعة ايضا , وها هو يصلها ليسير بموازاة المحلات التي شكلت ما يشبه القوس الذي يحيط بجهتها اليسرى .. عاود النظر الى ساعته بينما شريط الدواء لم يزل ممسكا به ودون ان يضعه في جيبه , وفي اللحظة التي حاول ان يشيح بوجهه عن الساعة بعدما عرف الوقت ,  إرتفع صوت إنفجار هائل جدا , هزّ المكان برمته , فاختلطت في الحال أشلاء الاجساد المتقطعة والمحترقة بحطام السيارات وبضاعة الباعة والزجاج المهشم  . وثمة الى جانب احد الاعمدة الكونكريتية الاسطوانية التي تنتصب امام أحد المحلات التي تحطمت واجهتها الزجاجية , كان قد سقط للتو, جسد  رجل على الرصيف , وكانت كفه اليمنى ما تزال قابضة على حقيبة جلدية , وكان سقوطه بعد أن أستقرت الجثة , على جنبه الايسر , وهناك على مبعدة ثلاثة امتار تقريبا عن الجثة , ارتطم رأس لآدمي بواجهة احد المحلات ويبدو ان سقوط هذا الراس ,  تزامن تقريبا مع سقوط الجثة التي كانت بدون راس , وقد أستقر الرأس على جهة الصدغ الايمن, بينما الدخان كان يتصاعد من بعض ما تبقى من الشعر, فبدا الدخان بلون رمادي قاتم ,  فيما تناثرت الى جانب الرأس المقطوع  , حبوب الباراسيتول التي تحوّل بياض لونها الى اللون الاسود الفاحم

 

 

 

موكبان

 

حشد كبير من النمل , كان يتوزّع على صفين غير منتظمين تماما , فبديا كخيطين أسودين , وما بين هذين الصفين , شكّلتْ مجموعة أخرى من النمل , ما يشبه الدائرة المغلقة, وقد توسطتها نملة واحدة, وكانت على ما يبدو , قريبة جدا من حافة الموت.....( تشييع الجنازة كان مهيبا حقا , وقد توزع أربعة رجال على الجهات  الأربع للتابوت , الذي غُطي سطحه العلوي , بشرشف جديد بألوان متعددة , وبين الحين  والآخر, كان يخرج من بين المشيعين , أحد الرجال , ويتوجّه نحو حَمَلة الجنازة , فيستبدل أحدهم لينسل الأخير بدوره , فيحشر جسده وسط حشد المشيعين الذين شاركتهم ايضا , في التشييع , الكثير من النسوة المتلفعات بالسواد, وقد كان البعض منهن يبكين بشكل اقرب الى العويل , بحيث كان نحيب بعضهن , يُسمع بوضوح , على الرغم  من الضجة التي كانت تنبعث من أفواه الرجال المشيعين , الذين ما زالوا يردّدون خلف الملبّي : لا إله إلاّ الله  لا إله إلاّ الله . كان الرجل الملبّي طويلا وضخم الجثة , وبوجه قروي أسمر ومغبر,وكان الحماس  واضحا  في ثنايا صوته الجهوري , بحيث ان من  يلحظه , يلمس التناغم والتناسب جليا بين ضخامة جسده وخشونة صوته الجهوري , الذي يتناهى الآن حتما , الى أسماع من هم داخل البيوت القريبة,التي يمر بموازاتها موكب التشييع , فضلا عن منْ تجمعوا أمام  بيوتهم أو الذين يتابعون المشهد من خلال النظر عبر النوافذ ...) .. حركة أرجل النملة أخذت تتباطأ شيئا فشيئا في هذه اللحظات ,وربما سكنت بالمرة , وكان حشد النمل على الجانبين , وإنْ لم يكن منتظما , لكنه ولكثرته , كان يوحي بأهتمامهم الزائد بمن أحتشدوا لإجله, حتى أن أعدادا أخرى ما زالت تتوافد للإنضمام الى الحشد ...( حشد المشيعين رغم حرارة الجو اللاهبة , فأنه قطع مسافة طويلة بعض الشيء من الشارع العام ,وهم يهتفون بأعلى أصواتهم : لا إله إلاّ الله , وكان هتافهم وهم يرددون وراء الملبي , يشعر بأنه يخرج من قلوبهم قبل السنتهم , وقد أرتسم الحزن على معظم وجوههم ليختلط بالعرق وبالغبار الذي تثيره أقدامهم , الأمر الذي يدلّل على منزلة المتوفى ....) ..إنتظم صفّا النمل بشكل أكثر إنسجاما وإتساقا من السابق ,بينما تحركت المجموعة التي كانت تشكل دائرة حول النملة بشكل اسرع مما كان عليه , ومن خلال هذا التسارع , يبدو ان النملة قد ماتت ..وفعلا فقد انفرط عقد الدائرة التي كانت تحيط بها ودخلت مجموعة منها فرفعتها عن الأرض بعد أن سحبنها قليلا الى الوراء, وها هي المجموعة التي كانت قبل قليل ,  تشكل دائرة , تسير في المقدمة , ومن ورائها سار الصفان , وكان إتجاه سير الحشد بإتجاه معاكس لسير موكب المشيعين , ولكن في نفس الشارع الذي مال صدر الموكب الآن نحوه , وقد يكون سبب الأنعطاف نحو هذا الشارع , لتجنب زحام السوق الذي هم على مقربة منه , والذي يزدحم عادة في مثل هذا الوقت من النهار .      

الرجل الملبي بجسده الضخم وصوته الجهوري ما زال يصدح بـ  لا إله إلآّ الله , وما زال الحشد ايضا يردد خلفه, وكان عدد المشيعين  قد إزداد , وخاصة حينما اقتربوا من الجهة القريبة والمقابلة للسوق .المسافة ما بين الموكبين بدأت تتقلص تدريجيا بينهما, واذا ما استمر مسير الموكبين دون توقف , فأنهما سليتقيان حتما بعد قليل ,ولكن ما بين هذه المسافة , كان ثمة رجل لم يلتفت الى موكب النمل ولكنه كان يرقب بأهتمام بالغ موكب المشيعين من الرجال والنساء ,الذين يتعالى من افواههم : لا اله الا الله , فهو ما زال على وقفته , وقد تسمرت نظراته باتجاه موكب المشيعين الذي اوشك على الوصول اليه , بينما موكب النمل , هو الآخر أوشك على الوصول اليه , ولكن الرجل لم ينتظر , فقد سار بخطوات مرتبكة , نحو الرجال , وها هو يتوسط الحشد ليضيع بين الأجساد التي اختلط العرق المتصبب منها بالغبار المتصاعد ,وبعد ثوان فقط , ارتفع دوي انفجار هائل وسط الحشد

 

 

المخبول

 

 

ذروة الزحام في السوق تخفّ عادة عندما يشارف وقت الظهيرة, مما يعني أنّه سيكون الآن كعادته جالساً في المقهى التي تجاور دكانه تماماً , وهي مقهى ليست بالكبيرة ولكنها تقع عند أوّل المدخل الغربي للسوق.ألصق ظهره المكتنز, بالمسند الخشبي للأريكة التي تصدر أزيزاً واضحا كلما تململ في جلسته أو حرّك عجيزته التي حشرها داخل سروال عريض أسود , فبان أسفل جسده أكثر إمتلاءًا ممّا هو عليه . وكان يمعن النظر في الباحة المستطيلة للسوق , وكذلك بالمارة على قلتّهم , ولم يغفل بالتأكيد عن مراقبة دكانه الملاصق للمقهى , لذا فقد كان يرسل بين لحظة وأخرى , رشقة من نظراته نحو الدكان, لتصطدم بكتل أفخاذ اللحم الحمراء المعلقة  على واجهة الدكان الذي طُليت جدرانه بدهان حليبي لمّاع , وقد زاد من لمعانه سقوط الضوء المنبعث من المصباح الكبير المتوهج , وكانت ثمة في السقف مروحة بدت ناعسة في دورانها البطيء فبانت  شبه عاجزة عن طرد الذباب المنتشر بكثافة في فضاء الدكان , وعلى الجدران أيضا . إحدى النساء توقفتْ للتو , أمام الدكان , وكان واضحا من خلال تلفّتها , الى أنها تبحث عن القصاب صاحب الدكان , الذي تنبّه لها , فقام بتثاقل وأتجه نحوها , وبعد قليل , عاد ثانية الى مجلسه في المقهى , ولكن بعدما إنصرفت المرأة عنه . المقهى تعجّ بالجلساء وقد أنشغل البعض منهم بالحديث , فيما همّ البعض الآخر بالمغادرة  , وقد كان من بينهم , على ما يبدو, مِنْ أصحاب الدكاكين , حيث  باشر البعض منهم بغلق دكانه هرباً , أو ربما تجنبا , من حرّ الظهيرة اللاهب , أمّا هو , فكان كالعادة يحبّذ البقاء في السوق بالرغم من  إشتداد حرارة الجو عند الظهيرة , وكان إذْ يبقى في دكانه , فأنه يغطّ أحيانا في إغفاءة قصيرة , كان  يصفها بأنها تكسر جبروت سلطان النعاس حتى وإنْ كانت لوهلة خاطفة , لكنه في الغالب كان يقضي وقت الظهيرة في المقهى , تماما كما هو الآن يجلس ,  وقد شرد بذهنه نحو اللاشيء, غير أنّ شروده لم يدم طويلا , إذْ إنتشله من شروده , دخول شاب في باحة السوق وهو يهرول دونما توقف , وهاهو ينعطف يمينا وبموازاة إمتداد الدكاكين داخل السوق , وبعد أنْ أنهى الضلع الأول والثاني من مستطيل الدكاكين ,  واصل الهرولة لينعطف يسارا ثم ليستكمل دورة كاملة في هرولته حول الدكاكين المحيطة بباحة السوق المستطيلة . كان حليق الشعر , وقد بانت جلدة رأسه ملتمعة وهي تعكس ترشح العرق المتصبب منها , وقد إرتدى حذاءا رياضيا بدا فيه أكثر مرونة في الهرولة , حالة الذهول بدت واضحة على القصاب وهو يتابع بنظراته ذلك الشاب , لكن الذي شدّ إنتباهه أكثر , هي اليد اليمنى للشاب , فقد لاحظ فيه وهو يهرول أنّها كانت مسبلة  مع إمتداد جذعه , فبدت دون حراك وكأنها ملتصقة بردفه الأيمن , لكن أصابع كفّه كانت تتحرك على التناوب , مبتدأة بالأبهام وكأنها تتحرك بأيعاز من جهاز آلي . ثم أستمر بالهرولة لدورة أخرى حول باحة السوق , لكنه تعثّر عند كومة صغيرة من النفايات , وكاد يسقط على وجهه لولا تمكّنه بحركة لا تخلو من براعة , من أنْ يستعيد توازنه ليستمر في الهرولة ثم ليقترب من المقهى ويدخلها , وما أن وصل قريبا من الجدار الخلفي داخل المقهى, حتى قفل راجعا من حيث دخل , فلامس قدمي رجل كان يجلس قريبا من واجهة المقهى ,  وها هو يصبح خارج المقهى تماما ,  لكنه سرعان ما إرتد اليها ثانية ليرمي بجسده متهالكا فوق  الأريكة المقابلة للقصاب , بدا الإعياء عليه واضحا , وكان صدره يعلو ويهبط كمنفاخ حداد . تسمرت نظرات القصاب ثانية على كفه اليمنى وهي تحرك أصابعها على التوالي , لكنه أومأ الى عامل المقهى , فجلب للشاب ماءا وشايا وضعهما قبالته على طاولة صغيرة , فعبّ قدح الماء دفعة واحدة ثم بدأ يرتشف الشاي ولكن على مهل , بينما حدة لهاثه أخذت تخفت  شيئا فشيئا . كان القصاب يرقب كلّ ما يقوم به الشاب وقد وجد نفسه منشدّا وبإلحاح لفكرة إستحوذت على تفكيره (... ليتني كنت أعرف ما يعتمل في ذهن هذا المخبول , لو كنت قادرا على الغوص في خلايا دماغه ,  إذن لإطلعت بالتأكيد على كل خفاياه أو على الأقل لوقفت على أسباب هرولته هذه  , ولكن أنّى لي الوصول الى دماغ هذا المخبول ) . ورغم أنه أقنع نفسه بصعوبة الفكرة  , لكنه أستسلم ثانية لدغدغة هاجس آخر كان يعلم بإستحالة تحقيقه أيضا ومع ذلك فقد إستساغه  تماشيا مع أوهام نفسه ( إذا كنت مصرا على معرفة ما يدور في ذهن هذا الشاب , فليس امامك من طريقة  إلاّ ... إلاّ ماذا ؟ ... إلاّ أنْ تتمكن من قطع رأسه لتضعه بطريقة ما , أو وفق أيّة كيفية مناسبة الى جانب رأسك أو .... ولكن كيف سيتم هذا الأمر ؟ هل جننت ؟ ثم هل تحسب أن رأس هذا الشاب هو قطعة غيار يمكن رفعها من مكان وتركيبها في مكان آخر وفقا للمزاج ؟ إنها فكرة لا تقل سفاهة  عمّا يحمله هذا المخبول ؟ ) .

كان الشاب بعدما إرتشف شايه على مهل , إخذ يتفحص الوجوه القريبة منه , لتتسمّر نظراته أخيرا نحو جسد القصاب بسرواله الأسود العريض وبسكينته التي دسّها تحت حزامه الجلدي . همس لنفسه ونظراته ما زالت مصوبة باتجاه السكين ( أن هذا الرجل مخبول حتما , مخبول ليس إلاّ , وإنْ لم يكن مخبولا , فما الذي يدفعه الى حمل سكين  بهذا الشكل السافر وأمام الناس جميعا ) . ثمّ نهض وانتصب واقفا , لينطلق مهرولا باتجاه بوابة السوق التي دخل منها , لتقذف به خارج السوق . فيما ظلّ القصاب يرقب ذلك بإندهاش وحيرة ,  غير أنه بدأ يشعر بالنعاس يداهمه بإلحاح وبقوة

 

 

ليْلتان 

 

 

كان الزقاق خاليا إلاّ منهما , هو وأخوه , وكان وقع أقدامهما وسط هدوء الليل, يُسمع بوضوح. وحينما وصلا الى بيتهما , دخلا دون أن يكلم أحدهما الآخر .

دخل غرفته وأغلق بابها بهدوء..كان يتحاشى صرير الباب, خشية أن يوقظ زوحته واطفاله النائمين..الليل تجاوز منتصفه. رمى بجسده المتعب , فوق كرسي قديم , وحينما أسند ظهره على الكرسي , أشعل سيكارة وراح يدخن بهدوء, فكّر في هذه اللحظة .. لو ان كوبا من الشاي مع هذه السيكارة , لكان أفضل ولكنه إستبعد هذه الفكرة ,فالوقت متأخر , وهو لا يريد أن يوقظ زوجته التي ستواجهه بسيل من الأسئلة.. إكتفى بالسيكارة التي توهجت  بين اصابعه وسط ظلام الغرفة الخفيف , فبانت كإطلاقة نارية حمراء ..جذب نفسا عميقا من السيكارة , ثم  فكّ حزامه الجلدي , واستل من تحته مسدسا بقبضة بيضاء صقيلة. ظلّ ممسكا بالمسدس لوهلة بينما كانت نظراته مصوبة نحو يده وهي تمسك بالمسدس . رمى السيكارة ونهض متوجها نحو دولاب حديدي ففتحه , وضع المسدس في احدى خاناته ثم أغلقه وأستدارنحو فراشه وتمدد الى جانب زوجته ولكن محاذرا  أن تشعر به..أغمض عينيه وحاول أن يستسلم للنوم , شعر بدفء الفراش يتسلل الى جسده المتعب, لكن عينيه أبتا إلاّ أنْ تبقيان يقظتين وها هو يفتحهما , فوقع بصره على صورة معلقة على الجدارالمواجه له تماما ثم سرعان ما أشاح بوجهه عنها ..كانت الصورة لفتى يبدوعليه أنه تجاوز العشرين , وكان بشاربين خفيفين وشعر اسود إسترسل فوق حافتي أذنيه,من الأعلى , غير أن الشبه بينهما يبدو واضحا جدا...أراد أن يبتعد بنظراته عن الصورة فلم يستطع , إذ وجد نفسه مشدودا لهاجس قوي يجبره على معاودة النظر الى تلك الصورة, لاحظ ثمة إبتسامة مرتسمة على الشفتين ....( .. ليس من المعقول أبدا أنني طيلة هذه السنين الطويلة لم أتنبه لهذه الإبتسامة, ربما يسخر مني لا بل هو يسخر مني فعلا ,وقد أكون مخطئا في ذلك ولكن العكس صحيح ايضا, ربما هو راض عني ...لك الحق في ذلك يا أخي , لكنني متأكد تماما أنك كنت مكاني لما فعلت غير الذي فعلته في هذه الليلة ...) همس بذلك مع نفسه ثم أغمض عينيه وحاول أن ينسى الصورة أو على الأقل يتناساها , ونجح فعلا في ذلك , فقد شعر بنوع من الطمأنينة الزائفة تدغدغ مشاعره ثم سرعان ما وجد نفسه ملقى بغتة في خضم أحداث تلك الليلة البعيدة , كانت ليلة شتائية باردة وكان المطر فيها يتساقط بغزارة كغزارة دموع أم ثكلى ....تعالت أصوات طرقات عالية ومتوالية على الباب الخارجي , فتوجّه أحد إخوته نحو الباب , وحينما شرع  بفتحه , فوجئ جميع من كان في البيت , بدخول خمسة رجال وهم شاهرون أسلحتهم..كانوا ملثمين , غير أنّه إستطاع في وقتها أن يتعرف على أحدهم , خيّم الصمت للحظة خاطفة ثم سرعان ما إنكسر فجأة بوقع خطى متسارعة, كانت تأتي من حهة الطابق العلوي من البيت , فأسرع الرجال المسلحون باتجاه السلم وأرتقوا درجاته بسرعة عجيبة فوصلوا دون عناء الى السطح , شاهدوه في هذه اللحظة, يقفز الى السطح المجاور, وفجأة دوى صوت إطلاقات نارية , حيث تقيأت إحدى بنادق الرجال الخمسة ,ويبدو أنها ألقت بكل ما في جوفها , تماما كما هي السماء في هذا الوقت بالذات , فأنها هي الأخرى ما زالت تتقيأ مطرا غزيرا, وفي هذه اللحظات بالضبط إرتسمت في كبد السماء ومضة برق فبدت كأنها خارطة مضيئة فانعكس بريقها الحاد على السطح المجاور ذي البلاط الأبيض , فبانت ثمة جثة قد سقطت للتو, ولكنها بدت هامدة لا حراك فيها , غير أن سيلا من الدم المنبعث منها كان يمتزج مع ماء المطر الذي ما زال يتساقط بغزارة في تلك الليلة .... في هذه الليلة وقبل ساعتين مضتا تقريبا, تسلّق هو وأخوه , الجدار الخلفي , من جهة حديقة البيت , ذات الأشجار الكثيفة المتشابكة , وعبر نقطة ما , طالما خطّط لها , أصبحا على وجه السرعة , في وسط البيت تماما ,لا بل هما الآن , في داخل الغرفة , غرفة ذلك الرجل الذي إستيقظ مذعورا.. وهو ينظر ينظر بعينين  وبهلع نحو رجلين يحملان سلاحا ويقفان بمواجهته ,  وليس أكثر من ذراع يفصل بينهما, كان يعرفهما بالتأكيد , ثم أخذ يبكي فيما شفتاه ترتجفان وبدأ يمرّر عليهما لسانه الذي بان في حركته كرأس أفعى خائفة ولكنها متوثبة. إصفرّ وجهه فبدا كما لو أنه مات قبل موته .. كانت معه في داخل الغرفة , زوجته التي أفترسها الإرتباك والذهول وكأنّها لا تعرف شيئا عما يدور أمامها في هذه اللحظات , وكان إبنه الصغير قد تجمد هو الآخر في مكانه كأنه تمثال من الشمع , غير أن نظراته كانت مشدودة بقوة باتجاه الرجلين المسلحين الذين لا يعرفهما ..مرّت عليه لحظات بالرغم من قصرها إلأّ أنه شعر بها طويلة جدا , لا بل انّه تمثّل في مخيلته بأن الكون بكل ما فيه قد توقف واستسلم للسكون, إلاّ من دقات قلبه المتسارعة . ثم في حركة مباغتة لا تتناسب مع ضخامة جسده , قفز باتجاه إبنه الصغير ولاذ به , وكان جسده وهو يحاول الإختباء خلف إبنه الصغير . قد تكوّر بطريقة تشبه الى حد ما , كرة كبيرة مصنوعة من لفائف القماش ..ظلّت نظراته متسمرة بقوة نحو فوهتين صغيرتين مصوّبتين نحوه.... ولكن الرجلين إستدارا  نحو باب الغرفة وخرجا بصمت .

 

أضيفت في 29/06/2007/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية