أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: عبد العزيزعبد الرواف-ليبيا

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

مواليد 1960 طبرق

عضو تحرير صحيفة البطنان – عضو مؤسس في بيت البطنان الثقافي – رئيس اللجنة الثقافية بنادي الصقور الرياضي طبرق ، يكتب المقالة النقدية بصحف البطنان والشمس ومجلة "لا" ، له عدة قصص قصيرة نشرت في صحف البطنان – الشمس ، مهتم بالجانب الرياضي وهو مراسل معتمد لصحيفة الشباب والرياضة ومتعاون مع صحيفة الشمس.

 

له مجموعة تنتظر الطبع بعنوان الجانب الأخر

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

ترنح

تهاويم

انقشاع

اقتناع 

البراح

ارتسامات

ارتجافات

رؤوس لامعة

ثلاث نساء

الجانب الآخر

 

اقتناع

 

 

شكرا يا حاج ، عبارة كنت أسمعها، كما كنت أقولها عرضا ، لم تكن تعني عندي أكثر من أنها تقال تبجيلا للبعض، واحتراما للبعض الآخر، كما أن الكثيرين يسعون لأن تقال لهم بعد أن يستطيعوا إلى بيت الله سبيلا .

لم أشعر يوما بأنها عبارة قد تجرح مشاعر أي إنسان ؛ حتى الذي لم يقيض له أداء الفريضة كان في اعتقادي تسعده تلك التسمية ، أما لوجاهة اجتماعية أو لكبر في السن .

 اليوم فقط شعرت بأن لهذه الكلمة وقعا أخراً،على النفس، يختلف عن ما كنت أتصوره تجاه هذه الكلمة ، سواء عند نطقي بها أو سماعي لها ، شعرت بهذا الإحساس الغريب عندما عبر لي ذلك الشاب عن امتنانه قائلا : ( شكرا يا حاج ) ، لا أدري لماذا اجتاح كياني غضب جامح لم يظهر على سطح المشاعر عندما وجهت هذه الكلمة إلى شخصي مباشرة ، ومع هذا الغضب الدفين تدفق  كم من الأسئلة تتفاعل بحدة ودون توقف ؛ هل وصلت إلى مرحلة من العمر متأخرة إلى كل هذا الحد ؟ هل ما كنت أسوقه من تعليل لما أراه من تغير في ملامحي مؤخرا هي مجرد أوهام؟

هل قناعتي كانت زائفة عندما خيلت إلي بأن ما حل بي ماهو إلا من ضغوط الحياة ،التي جعلت الرأس يشتعل شيبا ، وما حل ببصري من وهن اضطرني لاقتناء نظارة أوصى بها طبيب العيون أرجعت سببه لإدماني عادة القراءة، حتى وقوفي بصعوبة ألصقته بنوع العمل الذي أمارسه ، واعتمادي الكلي على السيارة في حلي وترحالي، هل كنت كمن يتستر وراء قناع زائف يستجدي به أمرا ًيفضح كل الأقنعة.

كلا .. كلا .. لازلت أملك بين جوانحي قلبا نابضا بروح الشباب ، وهو ربما أكثر شبابا حتى من هذا الذي نعتني بهذه الصفة ،التي أصبحت عندهم تعبيرا فيه الكثير من الغلو لكبار السن ، إنهم جيل فقد الإحساس بكل ما حوله ، بما فيه الإحساس بالزمن ، إنهم يتداولون كل ما هو خارج عن المعقول ، حتى الكلمات فقدت عندهم معناها .

حالة اللاشعور التي أصابتني جراء سماعي لتلك الكلمة ، جعلتني أعود أدراجي إلى حيث تركت سيارتي ، فتحت الباب ،  جلست على المقعد ،عدلت من وضع المرآة ، رحت أتأمل تقاسيم وجهي ، محصيا الشعرات السوداء الصامدة وسط سيطرة الشعر الأبيض ، تجاعيد حول العينين ، تغضن وسط الجبهة ، هل كلمات ذلك الشاب تعني حقيقة ما أشاهده الآن من إمارات زحفي نحو مواطن الشيخوخة .

حالة من الصمت الداخلي ،أعقبتها واقعية مفاجئة كنوع من الاعترافات الداخلية لم تدر بخلدي يوماً : وماذا في ذلك ؟ هل سأظل شابا طوال العمر ؟ إنها محطات لابد أن نقف في كل واحدة منها ما شاء الله لنا الوقوف  ، فقط نستطيع أن نجعل من كل محطة من تلك المحطات عامرة بدفق الحياة ، وكأننا في أوج شبابنا دائما .

أدرت محرك السيارة وأطلقت لها العنان صوب المنزل ، ولا تزال تفاعلات المشهد الأخير تلقى بظلالها على كل جوانحي ، جاعلة تفكيري حائر بين إنكار تام ، وبين جنوح نحو القناعة بما يمر به الإنسان من مراحل مختلفة .

تحركت يداي بشكل آلي أخرجت بها مفاتيح المنزل لأجد الصغار متحلقين حول التلفاز، وبمجرد أن شاهدوني تركوا تحلقهم ذاك ولأكون محط أنظارهم واهتمامهم،وكل منهم يطلب شيئا خاصا أو يطرح مشكلة ما وأنا أصغي بانتباه خال من التركيز .

وحده الصغير كان على غير عادته ، لم  يهتم لوجودي ، كان تركيزه منصبا على صندوق صغير يضعه بين الفينة والأخرى أمام عينيه مصوبا إحداهما على فتحة صغيرة به.

رمقني بنظرة باسمة ، أسرع الخطى ، ناحيتي ليتعلق بظهري،وليطوق بيديه الصغيرتين عنقي،ويضع فتحة الصندوق الصغير على عيني، ويأمرني أن أشاهد من خلالها .

أذعنت للأمر ،ووضعت الصندوق ،حيث طلب مني وبعدها قال : أبي ماذا ترى ؟ قلت : آه بيت الله يا صغيري ، قال بتعجب : بيت الله ..! استدركت الحج يا صغيري .

نزل من على ظهري ، وجلس قبالتي وفاجأني بسؤاله : أبي لماذا لا تذهب إلى الحج ؟ ودون أن يترك لي فرصة للإجابة أضاف: سوف تجلب لي هدايا من هناك ، ويقول لك الجيران بعد العودة مرحبا يا حاج .

كانت ردة فعلي على ذلك سرورغامر أزاح هم الساعات الماضية، أعقبته نوبة من الضحك لفترة،  ولتكون براءة الصغير بلسماً أعادا الهدوء والسكينة لنفسي المضطربة ، وأجبته وأنا أضمه إلى صدري ، إن شاء الله قريبا يا بني .

طبرق في 16- 3 – 2004

 

 

 

 

انقشاع

 

 

مجرد حلم..لن يستقر في حنايا الذاكرة إلا لبضع ساعات،دعه يوقظني من أعزلحظات غطيطي كل ليلة ، لن أبال بذلك ,كي لا يرسخ التصاقه  بجدار الذاكرة ،استمرأ تلك التعليلات , وأيقن بجدوى تحليلاته لهوامش الموضوع ، أصاخ السمع لضجيج الصمت من حوله ، دخل مرحلة سيطرة اللاشعور، صور تتلوها أخرى بانقشاع أخرها رأى شكله الخارجي يتجسد أمامه لأول مرة في حياته منتصبا في بؤرة تركيز نظره ، فقط عيناه كانت بعيدة عن ذلك التجسد , وظلتا تحومان حوله كما كاميرا طائرة تضيف على المشهد مزيداً من الإثارة.

لم يثر مشاهدته لشكله الخارجي في نفسه أي شعور، الصور المتداخلة بدأت تضمحل, شكله الخارجي يرتسم بوضوح أكثر، عيناه تواصلان التحليق ، شعر بأنهما تحاولان الانقضاض داخله  شيء ما يمنعنهما بقوة،الصورعادت للتجسد مرة أخرى ، لم يعد يستطع تمييز عددها وحجمها ، تزدرد المكان , وتستوعب الزمان ، النتيجة صور باهتة الألوان ، غامضة التفاصيل،تمتد من مكان إلى لا مكان، تترسخ في أقنية الذاكرة أضغاث أحلام ، تمتلك زمام الصحوة ، جرد سيف مقاومته ,حارب صور الوهم ، رفعت مقاوماته الرايات البيضاء  يركض شكله الخارجي أمامه ،عيناه الطائرتان تلحان في مطاردته ، يحاول الإفلات كي لا تقتحمه من الداخل ، فجأة يتوقف، شعور بالخزي يملأ نفسه ،أدرك بعد فوات الأوان بأنه لم يكن مجرد حلم .   

طبرق في 22-11-1992

 

 

تهاويم

 

 

وابل من تقريع حفظه عن ظهر قلب ، ورغم اعترافه الضمني بواقعية ما يسمعه من ألفاظ تطرق مسمعه مع بزوغ شمس كل نهار ، إلا أن تكرارها المستمر ، أكسب مشاعره مناعة ضد تأثيراتها  المرجوة ، وأفرغ كل محتوى لتلك  الكلمات، وبالتالي لم تصل إلى هدفها الذي من شأنه يتوجه إليه أصحابها بهذا الكم الهائل من العبارات المنتقاة، ونتيجة لذلك ازداد التصاقا  بسريره ، واضعا وسادته على أذنيه ، متجنبا أي  أمر  يبعده عن لذة الشعور المرافقة لهذه الحالة التي تعقب ثورة البركان الصباحي .

 ازدادت هجمة العبارات ضراوة ، ومع ذلك غدت دفاعاته أكثر صلابة في مواجهتها، لتصل مشاعره إلى مرحلة من التبلد تنعكس على سطحها الجليدي كل حرارة المحاولات التي تفنن أصحاب تلك العبارات في اختيارها .

انهض أيها الكسول ،أنت لا تصلح لشيء ، كل مخلوقات الله نهضت ، إلى متى تظل تعتمد علينا  في كل شيء ، ماذا ستجني من حبك البغيض للنوم ، حظنا العاثر جعل منك ابننا .

في تلك الليلة المختلفة عن كل الليالي قرر أن يفاجئهم بنهوضه باكرا، بل وأنه سيسبقهم جميعا و يقرع عليهم الأبواب ، ليرى ردة فعلهم تجاه هذا الأمر الجديد ، وكيف يستوعبون هذه المفاجئة التي لم تخطر لهم على بال .

 

أدار الأمر من جميع الأوجه، عاقدا العزم على تنفيذه ، مع تسلل أشعة الشمس الأولى عبر النافذة لذلك لم يسحب الغطاء على رأسه ، بل تركه على الجزء الأسفل من جسده ، ليسنح الفرصة لخيوط الضوء لمداعبة عينيه، كي تساعده على النهوض باكراً .

في الصباح شعر بملامسة الضوء المتسلل عبر النافذة لجفنيه ، بصعوبة بالغة حرك جسده المنهك بحكم تعوده علىالسهر المستمر ، شعر بالارتياح لنجاح محاولته في النهوض المبكر قبل أن تطرق مسمعه ترانيم الصباح المعتادة ،  حاول إنزال رجليه من على السرير ليخطو أولى خطواته في هذا الصباح المختلف عن كل سابق له ، ولينفذ ما رسمه ليلة البارحة في ذهنه، قبل أن تلامس رجليه أرض الغرفة ، تفاجأ بطرق عنيف أعقبه وابل التقريع المعتاد،أرجع رجليه إلى سطح السرير، سحب الغطاء على وجهه مستغرقا في النوم من جديد ..

أضيفت في 21/11/ /خاص القصة السورية2005

 

 

 

ترنح

 

الشارع تطبعه العتمة بكآبتها رغم الضوء الخافت المنبعث من بعض المصابيح المتناثرة على طول الشارع ، أكياس تحوم في دوائر ثم ترتفع للحظات وتعود تنزلق على سطح الشارع محدثة فحيحا متواصلا ، علب فارغة تتدحرج مزعجة سكون الليل برنينها المتواصل  ،  لا أثر لأي مخلوق في ذلك الدرب إلا شبح إنسان يغالب خطواته المترنحة محاولا تجنب الوقوع في ممر المياه على جانب الشارع .

سهرته هذه الليلة طالت عن المعتاد ، وشرابها لم يكن  بجودة  الأيام الخوالي ، والكمية التي عبها من هذه الخمرة الرديئة الصنع  كانت أكثر مما  تعود عليه ، لذلك بدا يشعر بثقل رأسه وكأنها حجر وضعت عنوة  فوق رقبته .

طوال سنوات معاقرته للخمرة لم يعرف عنه في محيط سكنه أو عمله بأنه من أولئك الذين تلعب بهم النشوة ويشتد بهم النزق ، بل كان يستسلم لنوع من الصمت العميق ويكون همه الوحيد الاسراع لركن في غرفة ليستغرق في نوم طويل لا يفق منه إلا بعد أن يذهب كل أثر لها .

هناك شيء ما يدور في رأسه هذه الليلة يجعل من شعوره يختلف عن كل ما جال في عقله سابقا  جاعلاً من حالته المعتادة تغيب هذه المرة ، وليرافقها شعور مختلف يدعوه للكلام وربما لما هو أبعد من الكلام ، لقد صرف كل ما معه من نقود احتفظ بها  منذ  شهور واعدا أطفاله  بشراء خروف العيد  وبعض الهدايا الأخرى لكن هذه العادة الآثمة ومزاجه الرديء  انتصرا عليه  وجعلاه  ينكص عن توبته ويعود لصحبته الذين لا يربط بينهم أي رابط من ود سوى محبة تلك الساعات الماجنة ، والتي بانقضائها تنقضي المودة الزائفة بينهم ويلعن كل منهم الآخر عند الاستيقاظ صباحا.

لكنه هذه المرة بدأ في صب لعناته عليهم مبكرا دون أن ينتظر شروق الشمس أوحتى تنجلي نشوة الخمر ، يواصل ترنحة  في ذلك الشارع الطويل ، لا أنيس له في وحشة هذا الليل إلا بعض الكلاب الباحثة عن ما يسد رمقها في صناديق القمامة ، أومن حين لآخر يثير انتباهه المشوش قفزة لقط  فزع من أحد الصناديق .

رغم ثقل رأسه بفعل  كؤوس الخمر الرديئة إلا أن  هموم  أسئلة  أطفالة  كانت أكثر حدة وثقلا من  فعل الخمرة ، ومع استمرار نزقه وحياته التي لم تعرف الاستقرار كحياة الكثيرين ممن وصلوا إلى مرحلة تماثل مرحلة عمره  ، وعدم اهتمامه لكل ما يثار عنه ، إلا أن شيئا  واحدا   كان يجعل من  بقايا الانسان داخله  تتحرك  من الحين لأخر ، إنهم  أطفاله  الذين استحوذوا على ركن في قلبه وعقله لا تستطيع نشوة أي نوع  من  الخمرة  من أن تتغلب عليها .

غادر ذلك الشارع  الطويل ودخل  لتلك المنطقة الغارقة  في ظلام حالك والتي تفصل بين وسط البلدة  ومكان  سكنه  ،  كانت  منطقة  شبه  مهجورة  يسكنها الوافدون  لهذه   البلدة  لمختلف الأغراض ،  تتناثر بها الأبنية  الغير  مكتملة وبعض الورش والمعامل  التي تقفل  أبوابها  مبكرا ، سيطر عليه التعب من طول السير وتسرب إليه شعور بالملل من طول المسافة المتبقية حتى منزله .

توغل لمسافة وسط مباني تلك المنطقة العشوائية  البناء  ،  شعر بثقل رجليه وتلاحق دقات قلبه ، لجأ إلى غرفة غير مكتملة البناء ، لالتقاط أنفاسه وليحتمي بها من رياح تلك الليلة الخريفية ، أسند ظهره للجدار ، أغمض عينيه لبرهة ، راودته رغبة في النوم ،  شعر بحركة  قريبة  منه ، تفحص المكان ، الظلام  يعم الأرجاء ، لم يعر الأمر اهتماما ، داهمته  رغبة بتدخين  سيجارة  ،  أخرج  ولاعته وأشعل السيجارة أدار الولاعة المشتعلة في اتجاه  مصدر الحركة ، دهش  مما شاهده ،ثم أعقبت الدهشة فرحة عامرة ، يا إلهي جدي سمين انه هدية  من  السماء  تخرجه  من ورطة سؤال الصغار غدا ، دب النشاط في جسده المنهك ،  انقض  عليه  بخفة نمر ، ثغى الجدي للحظات ، تلمس أكوام الحجارة والأتربة حوله وقعت يده على سلك معدني ، ربط رجليه باحكام ، جلس في مكانه يلتقط أنفاسه وشعور مريح يرافقه في تلك اللحظات . شاهد عن بعد سيجارته التي أضاعها ساعة انقضاضه على فريسته لا زالت تنبض ببعض الحياة الحارقة ، زحفت أصابعه نحوها وبمجرد وصولها إلى فيه امتص مابقي منها من أنفاس بنشوة بالغة وعلى ضوءها الخافت لمح فريسته مكبلة أمامه ، سمع صوته يردد داخله جدي أفضل من لاشيء  .

لفظت السيجارة أخر أنفاسها ، خطرت له فكرة تأمله من جديد ، أشعل الولاعة مرة ثانية ، خيل إليه أن ملامحه تتغير ، هز رأسه كمن  يحاول الاستفاقة  من غيبوبة ، أعاد اشعال الولاعة مرة ثالثة ، لمح رأسه وكأنها رأس كلب ، خاطب نفسه  هل عدت  لمرحلة  التهيؤات  وكأني لا زلت أتعلم  شرب الخمر ، أعاد اشعال الولاعة ، دقق النظر ... شاهد عجلا بدل الجدي الذي ربطه منذ لحظات ، خاطب نفسه بصوت مسموع :  اللعنة  هل  وصلت  رداءة  هذا  النوع  الذي شربته إلى هذا الحد ، تراجع  للوراء وأسند ظهره  للجدار ، سمع عدة أصوات متداخلة تصدر عن هذا الذي كان منذ لحظات جديا سمينا ، أشعل الولاعة مرة أخرى تأكد هذه المرة أن جديه له قدرة على التصور بعدة أشكال .

هنا لعبت الخمرة برأسه وتوجه بالكلام له مباشرة قائلا :

اسمع  تتحول إلى كلب أو إلى حصان أوحتى قرد لن أتركك إلا يوم العيد جثة هامدة ..ثم أطفأ الولاعة وأعادها إلى جيبه  مقتربا منه  ليحمله ويقصد به منزله .

قبل أن تصل يداه إليه سمع صوتا أدميا يكلمه :

هيه .. أنت ..انتظر ...

من الذي يكلمني ؟

أنا ...

ومن أنت ؟

أنا الجدي الذي أوثقته  ..

جدي يتكلم ! ما هذه الليلة اللعينة ؟.. وأي جنون شربته .!

لست جديا ..

وماذا تكون إذا .. جحشاً .. !

كلا .. لست حيوانا على الإطلاق ..

ماذا تكون إنسان إذا ؟

ولا إنسان أيضا ً ..

اللعنة .. أي شيء تكون أيها .. المتكلم ..!

أنا ابن زعيم الجان في هذه المنطقة ..

لم تعقد الدهشة لسانه بل جعلت نشوة الخمرة تنقلب إلى عناد واضح ورد عليه بعنجهية السكر وعربدته قائلا :

زعيم الجان .. ! زعيم العفاريت ..! أنا وجدتك وشاهدتك جديا ولن أتركك إلا مذبوحا أمام الصغار فهذا هو ما يهمني ..

إذا ما رأيك أن نعقد صفقة .. تطلق  سراحي و أعطيك  من  الذهب  ما  يغنيك ويجعلك تذبح ألف خروف إذا  أردت .. فنحن  الجان  نملك  من  الأموال  مالا تستطيع تصوره .

مالا أستطيع تصوره هو أنك كما تقول جان وتملك كل هذه الأمور وأراك الآن جديا لا يستطيع الفكاك من أسره..

نحن معشر الجان لا نستطيع  أن نظهر للبشر بصورنا الحقيقية  وظهرت على صورة الجدي لغرض معين ولكن حظي العاثر جاء بك في طريقي وأنت أسرتني في هذه الصورة وبالتالي  لن أستطيع منها فكاكا إلا إذا حررتني أنت ، وأعاهدك إن حررتني أن تجد تحت وسادتك في الصباح كيسا مملؤة بالذهب .

تفاعلات  ما  قبل  هذا اللقاء  والتعب الذي حل به  وبقايا حالة النشوة سيطرت عليه في تلك اللحظات وفي برهة من الزمن غاب فيها لديه كل إحساس بحقيقة ما يحدث معه امتدت يداه وبدأت في فك السلك  المعدني  و مع  أخر عقدة  فكها  شعر بحركة سريعة أحدثت  تيارا هوائيا ساخنا أمام  وجهه ، ثم عاد السكون يعم المكان .

اخرج ولاعته من جيب معطفه أدار بوهجها في جميع الأنحاء  لم  يشاهد  شيئا حوله ، أيقن في قرارة نفسه بسيطرة تهيؤات الخمرة على تفكيره  وأنه  لم  يعد يقوى على تأثيرها عليه ربما لكبر في السن أو لرداءة في النوع.

قرر عدم إكمال مشواره وسينام  في هذا المكان ، خلع معطفه ووضعه كوسادة تحت رأسه وغاب كعادته في نوم عميق لم يقطعه إلا  لفح أشعة الشمس لوجهه في الصباح ، تفحص المكان حيث  بات ليلته ،  كان مجمعا لنفايات وقمامة تلك الناحية ، لعن الخمرة وصحبة السوء ولعن نفسه لبقائه أسيرا لهذه العادة اللعينة وأعقب كل ذلك حالة من  الشعور بالخزي  عندما  تذكر أطفاله الصغار  وهم يواجهونه بالسؤال المعتاد ووجوههم يوم غد  وهم  ينظرون لأطفال الجيران الذين تتألق عيونهم فرحا في ذلك اليوم .

وقف  ،  حمل  معطفه  بيده ، وقع نظره على كيس أحمر كان تحت معطفه،الفضول جعله يحمله ، صوت رنين  قطع معدنية داخله ، ماذا يمكن أن يكون فيه ، فتح الكيس ، كادا وهج الشمس المنعكس على القطع مع الشعور بالفرحة أن  يذهبا ببصره  وعقله ، ماهذا يا الهي ؟ ذهب ..! .. عاد بذاكرته لحوار ليلة البارحة مع ذلك المخلوق ،  هل يعقل هذا .. تلفت حوله .. انطلق صوب منزله بخطوات أقرب للقفز ممنيا نفسه بعيد يختلف عن  كل الأعياد ..

طبرق 17-6- 2005

أضيفت في 17/10/ /خاص القصة السورية2005

 

 

 

البراح

 

الحبور والسرور يتجسدان في حركته الدائمة في كل زوايا القفص الصغير الذي أبصر النور من خلال  قضبانه ولم  يدر بخلده بأن هناك براحا أرحب من تلك  الاتجاهات  التي  كان يتحرك فيها .

يبدأ يومه بنفش ريشه  وتصفيفه و العناية به ينتظر حبات يلتقطها من وعاء قابع  في قاع القفص تضعها تلك اليد التي  ألف  و جودها من  خلال  دخولها الدائب  من  تلك  الفتحة ثم يرتشف من الحين إلى الآخر قطرات  من ماء القنينة الصغيرة على جانب القفص ،  ثم يقضي بقية يومه مغازلا شريكة  وجودة  في هذا  القفص  ،  استمرت  حياته  على هذه الوتيرة ولم يطرأ عليها جديد سوى احتجاب رفيقته في  تلك  الغرفة  الخشبية  الصغيرة الموضوعة أعلى القفص من الخارج محتضنة نتاج ألفتهما بين هذه القضبان  ، كان يصدر في بعض  الأحيان  شقشقات  حالمة  يعقبها بقفزات توصله  إلى  باب  الغرفة  الخشبية فتستجيب لها شريكته في الحال مادة  رأسها الصغير ليلتقي منقاريهما  في  قبلة  حميمة تنتهي بلقيمات طرية  يدفعها  إليها  بكل  ود وتتقبلها بكل مودة .

في ذلك الصباح الجديد ، تسللت اليد كعادتها إلى  داخل  القفص  واضعة  حبات  الطعام مكانها  ومعرجة  على  قنينة  الماء  لتملأها ،وكعادته دائما التجأ إلى أعلى القفص مفسحا لها المجال لتقوم بعملها داخل  بيته  الذي  لا يمنع شيئا سوى خروجه منه ،  خرجت  اليد من المكان الذي دخلت  منه  ،  بعد  لحظات قفز من عليائه  ليقف  على  القطعة  الخشبية أمام إناء الطعام ليبدأ في التقاط حبات الطعام ولم يكد يستقر عليه حتى  شعر  بأمر غريب طرأ على وضع مسكنه فوعاء الطعام أصبح فوقه  وحباته  تناثرت  متخللة  ريشه ، مياه القنينة انتشرت  رذاذا  في  الأنحاء  ، رفيقة دربه تخلت عن حرصها الفائق وتحوم حوله في   حركات  مضطربة ، تاركة  محتويات  الغرفة تتبعثر  حولهما .

قبل  أن  يستوعب  ما  حدث  له  و لمحيطه الصغير سكن كل شيء من حوله بعد صوت ارتطام القوي الذي لم  يعهده   قبلا ،  هدوء غريب مزعج ساد بعد تلك اللحظات  ، تطلع حوله محاولا فهم ما  حدث  ،  وقعت  عيناه على شريكته ممدة  على أرض القفص ، قفز ناحيتها ، تعجب من  سكونها الغريب  ، نقر على منقارها بحب بالغ ، زاد تعجبه من عدم استجابتها له ، قطع انهماكه في تفسير حالتها أصوات متداخلة تقترب منهما،لم تكن نبراتها مألوفة لديه ، حاول اللجوء إلى أعلى  سطح القفص  كعادته  الدائمة ، فاجأه  عدم  وجود الحاجز الذي كان يمنعه من الابتعاد أكثر من ذلك ، انطلق حيث البراح الأوسع من  براح بيته  الصغير ،  الأصوات  الغريبة  تطارده بإلحاح ، بدأت تحاصرة  من  عدة  جهات ، حاول الهروب فجاءت  محاولته  خليطا  بين الطيران والقفز ، الأصوات  تجد  في  طلبه شعور بالتعب والذعر يملأن  نفسه  من  هذا الاتساع المخيف  ،  أيادي  كثيرة  تحاصره لتمسك به ، استطاع الافلات منها ، التجأ إلى ركن في جدار ، لاحقته يد غليظة  إلى داخل تلك الفجوة ، حاول الافلات ، لم تسعفه  بقية المسافة للهروب أكثر .

قبضت عليه  تلك ، تذكر تلك اليد التي طالما وضعت له الطعام  دون  أن  تمسه ،  حاول مقارنة شعوره الآن حيال تلك اليد وهذه التي تقبض عليه في  قسوة  بالغة ،  شعر  بحنين بالغ لضيق براح القفز .

جسده  الصغير  يعتصر  بفعل  تلك القبضة القاسية  ،  انتفض  محاولا  مقاومة   عملية الضغط ، شعر بقلبه يصعد إلى  حلقه  بدأت أعضاؤه تتخدر و مقاومته  تضعف  ، وليفقد بعدها كل إحساس بالحياة .

طبرق في  17-3-2001

 

 

 

ارتسامات

 

تتداخل  الوجوه  ،  ترتسم  فوقها  ابتسامات زائفة ، تعتمل داخل النفوس مشاعر متناقضة

تلهج الألسن بقناعات منمقة ،يستميلك انفعالك الغريزي لتتواءم معهاأفعالك،تسري في كيانك قشعريرة  الائتلاف ، ها هم  ينكصون  على أعقابهم يتلمسون طريقهم نحو النور المتوهج منذ الأزل ،لقد  أدركوا  حقيقة  الوهج  الذي قطعوا ملايين السنيين  حبوا  إليه  كحشرات صيف غرها تلألئه العظيم فعانقته انتحارا .

حبور عظيم يملأ نفسك ضانا أن  لبنة  الخير تسكن  أعماق   كل  النفوس  فقط  المشاعر الباردة تطلق سطوتها عليها لتجعلها تهجد في قاعها منتظرة حرارة نور الحقيقة لتحرك ماء الحياة   متدفقا  في  الشرايين  معلنا  بأن  كل البشر تنتصر داخلهم لبنة الخير .

تنتشي بانتصارك  على  كل  هواجسك  التي أرقت تفكيرك ماسحا كل اعتراف داخلي بأن

معايير هذا الزمان لم تعد على قياس قناعاتك

تقتلع آخرحصن تختبيء وراءه أخر  وسوسة تدعوك للحذر  لأن  ربما  وراء  هذا الهدوء عواصف  هوجاء  قد  تلقي  بك  في  بحور خدعيتهم المتلاطم ،تتململ ،  تحاول  مناغمة شعورك مع غلاف  الزمان  والمكان ، تكبت كل ردة  فعل  مغايرة  ،  تكمم  كل  الأفواه الضاجة  في  أعماقك  ، تستميلك  بقايا  ثقة مترسبة  في  قاع  الحقيقة  ،  تمزق  داخلك صرا عات  جذب  الدليل  الساطع  ، تحاول الافلات ،تنظر من داخلك ما أصاب خارجك

وتقرأ في أعماقك  ما يرتسم  على  ملامحك

توقن بأن ما يظهر على  السطح  يناقض  ما اعتمل داخلك  و خطوط  الملامح  ليس  لها جذور في أعماقك ،تتمسك بأخر خيط يتوهج في غسق حقيقتك  ليوصلك  لوجودك ، تجده يتجسد   في  الاضمحلال  يدفعك  بقايا  سنا الوهج الخافت لكي  تنزع  كل  الأقنعة  التي ألصقوها بك ، كلما تخلصت من  واحد  منها وجدت آخر مكانه  ،  تعيد الكرة و بقوة عن السابق في كل مرة ،تستمر رغم تسرب فتور التكرار لعزيمتك ، تهدأ ، تحاول إدراك كنها

اللحظة  المرتسمة  فوق   كل  الأقنعة  التي كومتها خلفك ، تحاول فهم تفاصيل الخطوط المتجسدة  عليها ،  تتلمس أخر الأقنعة  على وجهك ، تحاول جاهدا نزعة ،  تنجح  أخيرا ،ترميه فوق كومة الأقنعة .

تتلمس وجهك، تتأكد بأنه  لم يعد  هناك  أي قناع يحجبه ، تتفاجأ بأن تفاصيله الحالية  لم تعد تختلف  عن  تفاصيل  كل  الأقنعة  التي أزلتها

 طبرق 1-6-2005 

 

 

ارتجافات

 

سحر المكان وهدوء وسكينة اللحظات المحيطة به أطلقا العنان لأفكاره لتشرد في  حرية  دون أي منغص من أمور حياته التي المعتادة .

رجلاه تقودانه بعيداً عن المكان الذي اتخذه بقية الأصدقاء  تجمعا  هربا  من  ضغوطات  حياة مملة  يعشونها وسط غابات الجدران وقد اتفقوا  على هذا المكان المميز حيث يلتقي البحر بالجبل  في  لوحة  رائعة  تبعث  على الشعور بالتخلص  من كل قيود و رتابة اليوم المعتادة .

تدفق الهواء منعشاً إلى  رئتيه  ،  شعر  بنقاوته وطراوته ، ومع هذا الشعور خيل إليه أن جسده أصبح أقل كثافة ، وكأنه  تخلص  من  إحساسه بالجاذبية فصارت خطواته أقرب للقفز.

لم يعد يتبين تضاريس  الأرض  من  حوله ولم يعد يتبن الفارق فيما رأى  أثناء  تجواله ، نقطة واحدة أثارت  انتباهه ،  كانت بئر ماء  مترعة اغترف منها غرفات  باردة  شعر معها بارتواء تام لم تفعله من قبل كل قناني الماء التي شربها 

فقد الإحساس  بعامل  الزمن  والمكان  فواصل تجواله حتى وجد نفسه وسط  أجمة  من أشجار قصيرة وأعشاب ملتفة  تتخللها  صخورمنبسطة تصلح للجلوس وللتمدد عليها .

جلس  على  إحداها ، وأتبع جلوسه باستلقاءعلى ظهره واضعا رأسه  بين  يديه المشبكتين  خلف رقبته ، ومع وضعه  هذا بدأ  ذهنه  الذي يشعر الآن بأنه أكثر صفاءً منذ مدة طويلة في التجول بحرية في محطات حياته  المختلفة  من  واحدة إلى أخرى دون التسلسل المنطقي  لمروره  في تلك المحطات ، مشاهد ضاحكة وأخرى ساذجة ومنها المخجل والسعيد والمحزن  كان الارتياح هو الغالب على مزاجه في تلك اللحظات  رغم تنوع المشاهد واختلاف محتواها فجأة برز بقوة مشهد لم يترآى له من  خلال  مامر  عليه  من مشاهد بل كان يعتقد بأنه  انمحى  من  ذاكرته نهائيا منذ أن غادر سنوات الطفولة كان لظهور هذا المشهد وقعا غريبا على حالته  النفسية  في تلك اللحظات ، أضطر للجلوس وتفحص المكان وليدرك أيضا حقيقة الزمان .

شعر بسيطرة  مشاعر  الخوف  الطفولي  على تفكيره في تلك اللحظات ،  ولتبدأ  أصداء  ذلك المشهد المندثر  في  عقله  الباطن  للعودة  بقوة وتطرق مسمعه بعنف .

إنها غير مرئية . تتشكل بأشكال مختلفة..عيونها مستطيلة  ..لا تمشي على أرجل.. تجوب العالم في أقل من رمشة  عين  ..تقتل  دون  سلاح.. تختطف الصغار ..تسحر  الكبار وتحولهم  إلى مسوخ غريبة .

بدأ هلع سنوات  الطفولة  يفرض  سطوته على عقله في تلك اللحظات ، عاد لتأمل  المشهد من حوله ، تخيل  كل ساكن  حوله  يتحرك  حركة مريبة ،  تحامل على  نفسه  ليقف على  رجليه ،بلع ريقه بصعوبة ، تفحص المكان  من  حوله ،تراءت له أشكال غريبة تترصده ، جر رجليه في محاولة للهرب من المكان .

الأصدقاء  بعيدون  عنه  في  تلك  اللحظات ، الشمس غادرت منذ مدة  لتترك  المجال  للعتمة لتطبع الأشياء بطابعها ،غذ المسير للهرب  من ذلك المكان الساحر والمخيف في آن  معاً .

بدأت دقات قلبه كطبول حرب تدق داخل أذنيه ،متواقعة  مع  خطوات  أقدامه  على  الحصى الأملس المنثور على في ذلك  السبيل  الترابي .

فجأة انبثق أمامه وكان  الأرض  انشقت  عنه ، ودون أن يترك له فرصة لأي ردة فعل  سأله :

مابك يا رجل ؟ قبل أن يفكر في الإجابة  شيء ما أوحى إليه أن  يتأمل ذلك  الشخص  ،وعلى غير العادة في التأمل وقعت عيناه  على  رجلي ذلك الغريب وبمجرد  رؤيته لهما  أطلق  ساقيه للريح   متجاوزا  الحجارة  و الأشجار  الملتفة بقفزات واسعة .

بعد فترة ليست بالقصيرة وقف  محاولا  التقاط أنفاسه ، تلفت حوله لم يجد أثرا لأي كائن  ،بدأ في السير بخطوات واهنة ، من بعيد  ترآى  له البئر التي مر بها في أول تجواله ، عند اقترابه منها شاهد شخصين يجلسان عند  فوهة  البئر ، حاول طمأنة نفسه  بأنهم ا من  الأصدقاء  وهما يجلبان الماء للمخيم ، عند نهاية تعليله هذا  كان قد وصل إلى حيث البئر والشخصين .

اقترب منهما ، لم  يكونا من  أصدقائه .. رحب به القريب منهما متسائلا عن سبب لهاثه  الشديد ،صوب نظره  على  رجليه ،  تنفس  الصعداء نظرا ً لأن رجليه لم يكن فيهما ما يخيف ، بعد تسرب الاطمئنان إلى  نفسه  بدا يسرد  حكايته : لقد ظهر لي ذلك الشخص ،  لم  يكن  فيه ما يريب فقط رجلاه أحدهما تشبه رجل ال.. وقبل أن يكمل جملته بادره الأخر الذي كان  متواري عن ناظريه خلف الأول قائلا: مثل رجلي  هذه انطلق مجددا في الركض موطنا العزم على أن لا يقف مهما كانت الأسباب  إلا  بين  أصدقائه .رغم الإجهاد الشديد إلا أنه  غالب  كل الأمور ليظهر بعد مدة من  الركض  المتواصل  ضوء المخيم ، زاد من سرعته ليجد نفسه عند مدخل الخيمة ،  دفع  بنفسه  وسط  حشد  الأصدقاء ، تفحص أرجلهم ، لم يجد فيها  ما  وجده  سابقا ، الاطمئنان للنتيجة جعله يستغرق  في  غيبوبة لذيذة ،  أفاق  منها  صباح  اليوم  التالي  على قهقهات الأصدقاء وهم  يتندرون  بهلوسته  ليلة البارحة  عن  أشخاص  شاهدهم  بأرجل  تشبه أرجل الحميرٍٍ

طبرق في 18-8- 2001

أضيفت في 03/06/ /خاص القصة السورية2005

 

 

 

رؤوس لامعة

 

 

تحسست مؤخرة رأسي بأطراف أصابعي وتوقفت عند نقطة تغورت بحيث يمكن لبنان الإصبع التحرك فيها بحرية ، حركت أحد أصابعي فيها لبرهة ، ومع تلك الحركة ارتسمت صورا عديدة عادت بالذاكرة إلى ساعات ظهورها بذلك المكان من جمجمتي .

كان الشوق لانقضاء شهور الدراسة  يأخذ منا  كل  مآخذ ،  وتبدأ  عقولنا الصغيرة و مع بداية عطلة الصيف  بالتخلص من مسؤوليات وأعباء الدراسة وتتفرغ للهو واللعب دون سواهما ، ومع بداية اليوم الأول في العطلة كانت تميز الجميع ظاهرة واحدة تجعل من الصعب التعرف على أي منا من مسافة غير قريبة ، كانت رؤوسنا جميعا تتجرد من الشعر بناء على رغبة  أمهاتنا اللاتي يبغين من وراء ذلك  الراحة من أعباء  الإشراف  والمتابعة  لنظافة وتمشيط الرؤوس يوميا .

أما نحن فكان الأمر يعني عيدا ومهرجانا للرؤوس اللامعة حيث نتجمع بعد إزالة الشعر ونأخذ في تفحص  تضاريس الرؤوس الملساء لتبيان  ما  طرأ عليها من تغيير بعد أخر فحص لها في الموسم الماضي ، وكان كل فرد في المجموعة  يمنى النفس بالعثور على  ندبة أو علامة في رؤوس  الآخرين  ولا بأس من أن يكون الحظ أكثر توفيقا معه حين يجد ما  يبحث  عنه  في مؤخرة الروس  لأن وقع النتيجة على أصحابه سيكون التواري خجلا حتى تكتسي رؤوسهم شعرا من جديد يواري سوأتهم تلك .

أما من يجد الآخرون له ندبة أو علامة في مقدمة الرأس سيكون أكثر حظا وتكون ردة الفعل تجاهه من السهولة بحيث لا تدعوه للتواري من الآخرين لأن عذره أن العلامة استقبلها وهو مقبل لا مدبر .

يبقى الصنف الثالث والأخير وهو  من يمثل قمة الهرم في المجموعة وهم أولئك الذين لا ندب لهم على الإطلاق لا من أمام ولا من خلف فهم على قلتهم دائما الأكثر بحثا وحرصا على هذا المهرجان ، قبل بداية موسم التماع الرؤوس هذه السنة انظم لمجموعتنا وافد جديد وبما أنه أكد لنا رغبته القوية في الإنظمام إلينا تعمدنا أن نشترط عليه شرطنا الوحيد وهو أن  يكون من ضمن حليقي الرؤوس .

وبما إنني أمثل الطبقة الأعلى مرتبة للسبب الجوهري وهو  خلو رأسي من أي أثار مزعجة ، أضف إلى ذلك كبر سني عن البقية  كنت    أكثر حرصا على أن ينفذ هذا الشرط .

في ذلك الصباح تفاجأنا به يركض نحونا وابتسامة عريضة تملا وجهه ويداه تدوران في حركة دائرية ، بمجرد وصوله إلينا تحلق الجميع حوله والعيون تتفحص كل شبر في رأسه ، كنت أكثر الحاضرين قلقا من أن لا أجد علامة له ، لكن بعد لحظات تبدد ذلك القلق ليحل محلة سرور عظيم فهاهي ندبة عميقة وواسعة في مؤخرة رأسه  أكبر من  كل الندب  والحفر على  باقي رؤوس المجموعة .

شعرت بزهو بالغ جراء هذا الاكتشاف رافقته رغبة عارمة  في  السخرية منه وكانت البداية بوصف الكيفية التي ختمت بها تلك العلامة وعللت للبقية بأن هذا الوافد الجديد يمثل نوعية من الجبناء الذين لا يستطيعون  مقاومة  أعدائهم ولو بالركض من أمامهم مما أتاح الفرصة لذلك المعتدي في التفنن في ختم تلك العلامة بكل راحة ودقة .

لم أرحم توسلاته بأن أكف عن الاستهزاء به ، بل لم أعطه  حتى الفرصة لكي يدافع عن نفسه أو يوضح سبب وجود تلك العلامة ،  ومع يأسه  من الأمر انقطع  عن صحبتنا بل والاختفاء عن الأنظار كلما رأى أحد منا ، زاد هذا الأمر من عنادي وغروري ، وأصبحت أتحين مرات ظهوره القليلة لا لشيء إلا لكي أتمتع بإذلاله ببعض الكلمات اللاذعة . 

مرت عدة أيام لم أشاهدة فيها مؤثرا عدم الخروج من المنزل نهائيا ولكنني استطعت أن أصطاد خروجه في احد المرات أمام باب منزلهم أسرعت نحوه ، شعر بوجودي ، عاد للداخل ، ولكنه كان يقف خلف الباب الموارب ، أسمعته وابل الكلام المعتاد ، وأعقبته بحالة ضحك عنيفة ، ثم تركته ويممت شطر البقية في مكان التجمع المعتاد ‘ قبل أن أصل إليهم  بخطوات شعرت بارتطام شيء حاد وقوي بمؤخرة راسي مما جعلني أفقد  توازني  وأقع في مكاني ، حاولت النهوض ، شعرت بشيء ساخن ولزج يندلق  على عنقي ، وضعت يدي حيث مكان الألم ، عادت يدي ملطخة بالدم ، وقفت   مترنحا ، شعرت بشخص يقف إلى جانبي ،  استدرت ناحيته ، كان هو  ولمحت  في عينيه ألقا وزهوا غريباٌ ، تحاملت على نفسي مقررا العودة للمنزل  ،  بعد قطع مسافة من ذلك المكان ، سمعت صوته يأتي قويا من ورائي :

ارني كيف ستقنع الآخرين بأسباب هذا الختم أيها الشجاع ؟    

طبرق 8-2-2005

 

 

 

 ثلاث نساء

 

الأولى:

هالها ما اكتشفت .. العيون الشبقة تترصد ها .. رغبات جسدها الناضج تدعوها لولوج حياة أخرى .. رائحة الغنج تلفح أنفاسها .. شعرت أخيراً بأنها تطرق كيان الأنثى داعية كل الرجال لتأملها.

 

جميع مقومات حواء الظاهرة والباطنة تتراءى لها راقصة حول كل بروز بجسدها ... إنها بحاجة إلى رجل يكمل لها كل معطياتها الوافرة فيها كامرأة. القلق البارد الساكن نفسها يحتاج إلى دفء رجولي.. هاجس الأنثى يلح عليها بقوة مذيباً قطع ثلج الحياء المترسبة في أغوار نفسها.

 

تتكاثر.. تتراكم .. تتخثر الأحزان لتنسكب دموعا من عينيها .. تدفعها تلك التفاعلات إلى البحث .. غاصت في أعماقها الموحشة .. فتشت في حناياها .. دققت في كل تفاصيلها .. فكرت في كل ما مر بها .. طفت إلى سطح الواقع لتوقن بعد هذا إنها بحاجة إلى روح تجعلها أنثى حقيقية .

 

الثانية :

كنت دائما أشتهي امرأة تحبني .. تنثر عبق الأنثى على جدران حياتي .. اندلق التعب في كل عضو من جسدي بحثاً وتدقيقاً في وجوه وأجساد كل النساء .. انبثقت أمامي كزهرة ربيع في غير أوانه .. دعاني حقل الياسمين على صدرها للتمدد عليه .. هربت من همومي بقربها .. تماهت روحانا .. الذبول بدأ يرتسم بوضوح على خطوط ملامحي .. الانسحاق يملأ نفسي .. تراءت لي صورتها غريبة موحشة .. أسنانها بارزة حادة .. شفتاها قاحلة .. عيناها يكسوهما الاحمرار بعد كل عناق ..إنها تشرب ماء الحياة من جسدي .. واستمر في الذبول بعد كل لقاء .. استنجدت بآخر ما تبقى من سريان للحياة في شراييني .. تحرك أخر خيط للتفكير في عقلي لم تسلبه مني .. فكرت وتدبرت ثم عقدت العزم .. أطبقت وأنا في حالة وئام مع كل جوارحي على بؤرة الحياة فيها .. تململت فواصلت الضغط .. بدأت تنسحق تحت وطأة قبضتي التي تخلصت من وهن الذبول .. حالة من الهدوء اجتاحت جسدينا .. همدت .. ارتخت أعضائها .. تركت المكان بهدوء .. ومنذ ذلك اليوم صرت اهرب من كل النساء .

 

 

الثالثة :

نظرت إلى الساعة المتوقفة منذ أن تفتح جسدها الملتهب بين يداي .. أحاول لملمة الثواني النافقة .. تلملم شعرها الغجري المبعثر بتعمد .. صدرها النافر استنزفت منه كل أسرار البهجة .. نسينا ما يحيط بنا .. دخلنا إلى جحيم الغياب .. كلما تقدمت ساعات الليل ازدادت رغبتنا في الاستمرار .. يزداد سطوع جسدي بفعل غسيل البهجة .. في أعماقي اشعر بجفاف .. الفرح ينتشر على جسدي ولكنه لا يترسب في أعماقي .. اشعر بضيق .. لحظات قاسية تتسرب إلى داخلي فتتملكني .. البهجة الخارجية لا تصل إلى اجتثاث الأحزان الراسبة في قاع جفاف الروح .. أحاول أن أصل إلى قرار .. أضغط بعنف على تفاعلات الألم .. أتخلى عن جسدها الفائق الاشتهاء .. انزع يداي المغروزتان في لجته .. أجد روحي تعالج خوفها الكئيب .. اكتشف زيف جسدها .. انسل هاربا ً إلى غير رجعة .

طبرق 1-6-2004

 

 

الجانب الآخر

 

 

كان الشارع يموج بافواج البشر الذين تتداخل ملامح وجوههم مع الوان بشرتهم... ووسط ضبابية..هذا التداخل لمحت بصعوبة وجه صديقي القديم...ومع ان الصدف دائما , ليس من طبيعتها حسابات لابعاد الزمان ولا ضرورة فيها لتحديد المكان فها هي تجمعني بصديقي القديم بعد كل هذه السنوات الطوال .

صحت بانفعال طفل حصل على مايتمنى بعد طول انتظار .. هاتفا باسمه وعبرت الشارع بذراعين مفتوحين .

منذ سفره ,او هروبه المفاجيء لم يقيّض لي مشاهدته .. حتى في تلك المرة الوحيدة التى قيل انه جاء فيها الى القرية في الهزيع الاخير من احد ليالي الشتاء القارصة , ومغادرته قبل ان تلوح تباشير فجر تلك الليلة .. تلك الزيارة الغريبة فجرت السنة الرجال بمئات الاسئلة واختلقت النساء الف حكاية وحكاية .. واصبح مجيئه وذهابه بتلك السرعة رواية تلوكها الالسن في ليالي شتاء القرية الطويلة كلما سنحت الفرصة لذلك .احتضنته بحرارة .. نظرت الى وجهه مليا .. تقاسيم وجهه تعلوها سحنة باردة لم تؤثر فيها حرارة اللقاء .. سال عن حالي وعن القرية , لهجته كانت تسيطر عليها اللامبالاة ..اجبته عن اسئلته بسؤال الجميع عن سر حضوره السريع وعودته الاسرع تلك الليلة .

اجابني بتعال لم اعهده فيه من قبل طالبا مني عدم الخوض في ذلك الامر , وان انسى ذلك السؤال نهائيا .. احسست بمرارة وغصة في حلقي من جراء ذلك وبدا الاشمئزاز يحل محل الفرحة بلقائه.

سالني وهو يضع ( سيجارته ) في جانب فمهه بطريقة ( سينمائية) الا زلت تتعب نفسك في القراءة والكتابة الم تحاول دخول مجالات تدر عليك مكسبا افضل من المتاعب التي تجنيها من مهنتك هذه .

حاولت تغيير دفة الحديث , وربما اردت استفزاوه قلت له : يبدو ان الامور تسير معك على احسن مايرام , قل لي ماذا تعمل الان ؟

ضحك وكأن ما قلته لم يفاجئه , وربما لم يثر اهتمامه ..ثم سالني اين تقيم في هذه المدينة؟ جاء دوري لاضحك وقلت له في اي بيت يعجبني , هل نسيت ما يربط بين سكانها ؟ تناسى اجابتي وسؤالي , ثم قال : ما رايك بان تكون ضيفي في فندق (.............) انه من ذوات الخمس نجوم ...ثم اردف بلهجه تهكميةاقسم بان معرفتك به لا تتعدى شكله الخارجي. اعتذرت وبحدة

قال : اوصلك حيث تريد ..اجبته بامتعاض .. معي سيارتي واشرت الى حيث تربض فقال بتافف هذه ! استاذن بحجة موعد هام .. ناولني من خلال نافذة سيارته ورقة .. ثم قال : هاتف المنزل والمكتب والنقال .. كلها في هذا (الكرت) اذا احتجت شيئا اتصل بي . انتشلني من استغراقي في تفسير ما حدث تداخل صوت احتكاك اطارات سيارته بالشارع , مع ثغاء قطيع الماعز الذي كان يسوقه من امام بيتنا في القرية عند العودة كل مساء. انتبهت الى انني اقف شاردا حيث تركني صديقي القديم والذي لم يتبقى منه سوى اسم وارقام في قصاصة ورقية .

تقبض عليها سبابتي وابهامي بغير حرص وفي لحظة تراخت اصابعي عنها فحملتها نسمة هواء خفيفة حطت بها وسط بركة خلفتها مياه الامطار بين نهري الشارع .

 

أضيفت في 25/03/2005/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية