أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: زهير الشلبي-قبرص

       
       
       
       
       

أرض الأقحوان-رواية

رسالة للنسيان - رواية

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

الولادة:

التل – من ريف دمشق، عام 1943 

 

الجنسية:

سورية  وقبرصية

 

الحالة العائلية: 

متزوج . أربعة أبناء وأحد عشر حفيداً .. .

 

الدراسة:

شهادة جامعية في الأدب الإنكليزي من جامعة دمشق عام 1969

(الأول دائماً خلال الدراسة الإبتدائية والإعدادية والثانوية)

 

العمل:    

1964 وحتى 1969 في التعليم الابتدائي في محافظة دمشق، وأتممت خلال تلك الفترة الدراسة الجامعية.  

1969 وحتى 1972 في التعليم الثانوي ومديراً لمؤسسة تعليمية.

1972 وحتى 1974 في خدمة العلم أثناء حرب تشرين 1974 وحتى 1982 في العمل الدبلوماسي.  

1983 وحتى الآن في العمل الحر.

 

اللغات الأجنبية:  

إجادة الإنكليزية ، وتفاهم معقول  باليونانية .

 

الدورات:  

دورة في العلاقات العامة - دورة في العمل الدبلوماسي  –  دورة في اللغة اليونانية -  دورة في الكمبيوتر (الجرافيك) .

 

الثقافة: 

شملت المطالعات التي كان لها دور في الشخصية الأدبية والفكرية كثيراً من الأعمال الروائية والقصصية العالمية والعربية وكذلك مايهم الثقافة العلمية، وخاصة في الستينات والسبعينات في القرن الماضي، حيث يمكن القول إن هناك مجموعة أساسية  من عيون الأدب والفكر المعاصر مازالت موجودة في أعماقي. إن عملية المطالعة المتعلقة بالأفكار الجديد مستمرة،  مادامت الحياة  مستمرة. 

 

هناك قراءات عامة في الإبداع العربي وفي آداب الشعوب بقصد الاطلاع على أساليب حياتها ومفاهيمها. قراءات  متعددة باللغة الإنكليزية لمفاهيم الطب البديل والشفاء التلقائي، ومتابعة الجديد في القضايا العربية والدولية...  يضاف إلى ذلك شغف بمتابعة الثقافة العلمية العامة .

 

نشاطات:

الكتابة لحفلات شبابية للمناسبات القومية والإنسانية محاضرات ومسرحيات وكلمات في الستينات.. حيث كانت هناك دائماً مشاركات في كافة النشاطات المحلية الرياضية والإجتماعية والثقافية) ( قصص منشورة في المجلات، ومراسلة لصحف محلية سورية في السبعينات ومطلع الثمانينات). عضو في اتحاد الكتاب العرب في مطلع السبعينات، منقطع  بسبب السفر، ثم  مستعيد للعضوية في العام 2000

 

هوايات: 

الكتابة والقراءة أولاً، ثم سماع الموسيقا التي تتعامل والوجدان وكتابة الخواطر والتأمل، والحوار في الشأن العربي والعقائدي والاجتماعي والإنساني ..  محبة الشجرة والطبيعة، و تصميم غرافيك من  خلال برامج مثل الفوتوشوب، وتصميم موقع.       

 

الإقامة:

مقيم مع أسرتي بشكل دائم في قبرص، وأتردد على بلدي  سوريا زيارة ً وعملاً .

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

 حديث طفل معاصر

 لماذا ارتدى الناس ثيابهم

 مأساة جدي

 صراخ في المدينة

 أحلامي

المشدوه

القميص

المهمة

قلب المدينة

الشاهدة

 

صراخ في الحميدية

 

قصة هزت مشاعر قارئيها ، وأكثر مشاعر سامعيها

"عندما تزرع في مدينتك تبقى خالدا فيها"

"مهداة الى مبدعي الحجر في التل "

"ولكل من له علاقة بهذه القصة ولكل حجر في وطني"

 

نيقوسيا2002/9/1

دمشق مبنية بحجارة هي في أعماق التاريخ .. وأنا كائن فيها أحس بأن لي عمقا في ذاك التاريخ..

كل الناس أحبوا مدنهم ألا أنني أحببت مدينتي أكثر ، رغم ان شيئا ما كان ضائعا فيها ..

عدت إلى بلدتي التل من ضواحي دمشق عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين لأحضر اليومين الآخيرين في حياة أبي وهو على فراش الفراق الأخير .. كان مصاباً بمرض عضال في الصدر ، وكان آخر حركة له أجهدته كي يستطيع القيام بها هي عندما عدت بعد غيبتي الطويلة فاستدار برأسه قليلا ليراني وحاول أن ينطق بأية عبارة أو كلمة او حرف لكنه ما استطاع. أحسست به يشم رائحة سعادته الأخيرة التي انطفأت بعدها ثم غاب في غيبوبة ثم في سبات لم يعد منه أبداً ..عاش أبي خمسة وسبعين عاماً قضى معظمها مسافرًا يبحث عن حجريسوّيه يقصّبه وينحته ويدقّه ليصبح حجراً سوياً يحاكي حجارة التاريخ. أبي مثل معظم أهل بلدتي عاشر الحجر .. الحجر الأسود البازلتي الذي سند الأرصفة في دمشق و الحجر الآتي من صخور برزة والرحيبة أوغيرهما والذي رفع حجارة القصرالعدلي والبنك المركزي أو مبان أخرى قائمة شاهدة على التاريخ والمستقبل مثل أهل بلدي الذين عاشروا الصخر والحجر ، بل ذابو فيه حتى صارت رائحة جلودهم منه.

يوماًما لو فكرت في بناء حجر قالوا لك إن المهرة به هم أهل التل ، وإذا فكرت بأهل التل قالو لك ان هؤلاء هم بناة الحجر.

وقد كنت صغيرا في الخمسينيات من القرن العشرين. عندما كنت أحس أنني برفقة أبي ، كنت مثل حجر طيع بين يديه ، أتمنى لو يشكّلني بقطعه الفولاذية المسقية ويضعني في ركن ما في جدران دمشق ..

***

أعتقد أن عام ألف وتسعماية وخمسة وخمسين ، أثناء عطلة المدرسة ، حمل يوما من أهم أيام حياتي ، فقد اصطحبني أبي في ذلك اليوم ، وكنت صبياً مازال يتعرف على الدرب الذي يسير فيه ، أو طفلاً ينظر الى قدميه وهو يخطو، في ذلك اليوم الذي اصطحبني ابي فيه أخذني الى سوق عريضة فيها العديد من الناس وكان مازال الوقت باكراً وقال لي وقتها أن هذا السوق هو سوق الحميدية ..

هناك عند أحد زوايا السوق أنزل عدته الفولاذية فوق القطع الحجرية المتناثرة الصغيرة منها والصخور .. وكان كل شيء يحمل برودة الليل ، الحجر والفولاذ . إلا أن قلوبنا كانت تمتلىء بوهج الدم والمحبة.. وكانت ابتسامتي عريضة ، وشوقي للمس الحجر وتضريبه ودقه وسمسمته كشوق أبي لكسب رغيف الخبز لأطفاله.

فتح أبي قفته المصنوعة من كاوتشوك طري اشتراها من سوق الزرابلية والتي كانت تحتضن عدتة المصنوعة من فولاذ مسقي كالمطارق والشوك والأزاميل والشاحوطات والبوشاردات (هذه أسماء لايعرفها إلا من عمل في مهنة النحت المعماري ، فالشاحوطة مثلاً عبارة عن ثقل فولاذي في رأس عصاً خشبية تحمل طرفين كلاً منهما كأسنان المشط ، والبوشاردة هي نفس الحمل إنما في كل طرف سطح مربع يحمل أسناناً خشنة أو ناعمة ، والبيك مثل ذلك إنما يحمل في كل طرف ناباً قوية ، والزاوية هي مسطرة حديدية في طرفها زاوية قائمة ) وكانت تلك هي أدوات أبي للتعامل مع الصخر الجبلي القاسي ، يصنع منه قطعة من التاريخ ..

أجلس أبي الصخرة يومها قبالته وراح يطرق، ثم يقلب الصخرة ويعاود الطرق .. ثم ، وعند العصر ، وجدت وقد تحول الحجر بين يديه إلى عمود اسطواني بدقة ناعمة.. وضعه برقة إلى جانب  ثم أعاد عدته إلى قفتها .. وحمد الله .  أخرجني من بين الحجارة التي كنت أطرقها على غير هدى ، وحمد الله ثانية ، واحتضنني كما احتضن عدته .  عدنا إلى البلدة والغرفة الطينية .. غسل وجهه ونظر في وجه أمي ثم حمد الله للمرة الثالثة.

***

لم أنتظر الطعام في ذلك اليوم ، فقد غفوت ثم رحت في نوم عميق بينما مازلت أرى عضلات أبي تتقلص وتنفرد طيلة النهار في صراع لاينتهي مع الحجر ، أو في قبلة متواترة دائمة.. إلى أن بان الحجر جميلاً سعيداً بطرقات أبي ، بل قادراً على النطق..

قالوا لي صباح اليوم التالي إنني كنت أطرق الحجر طيلة الليل بينما كانوا يضحكون على طفل خبر التعب الحقيقي والشقاء للمرة الأولى ..

***

مرت الأيام وأتممت دراستي الجامعية وعشت بعيداً مع أسرتي ، وعندما فشل أبي في مخاطبتي قبيل رحلته الأخيرة ، ذهبت مع الآخرين إلى المقبرة في منطقة سيدي قسّام في المنطقة مابين التل وحرنة قرب ثانويتي التي درست بها .. وهناك بكيت بإحساس الذي يتقاطر في داخله دم أو ربما نثرات من الصخر تتطاير من مطرقة أبي ..

إيه أيتها الأحجار .!.

إيه أيتها الصخور المنحوتة في التل ودمشق ولبنان والرياض وبنغازي.. أين أنت ياتلك الحجارة !!

 أكثر من خمسين عاماً وأبي يصك الحجارة كما تصك أسنانه .. وأبي يهذب الحجر الصلب ثم يجعله آية الجمال وآية البقاء والخلود ..

أين أنت أيتها الحجارة التي تحملين رائحة عرق أبي وآثار راحتيه وأسرار قلبه ؟!

 إيه أيتها الحجارة المنحوتة في الكثير من مدن العرب ، أنا أراك كالأحلام وأسمع نداءك كالنشيد..

ايه أيتها الصخور المتباهية بجمالها في الأعمدة والجدران .. لقد مات وارتحل الرجل الذي علّمك الجمال .. وأخيرا ارتخى الساعدان وما عادا قادرين على إبداع أبناء تكون لكم أخوة جددا أيتها الحجارة  ..

لقد أحسست بالأناشيد تأتيني من كل الصخور المنحوتة في كل الوطن العربي ..

لقد سمعت بالتكبيرات تتلو بعضها بعضاً بينما كان أبي ينزل قبره ويوارى الثرى وتحتضن الأرض صانع الحجارة ومبدع الروعة والخلود من الصخور ..

***

جلسنا الى العزاء . عرفني كل الناس . لم أكد أسمع غير كلمات العزاء المعتادة .. لكنني ما كنت أعرفهم وما كنت أحس بكلماتهم .. ففي قلبي شىء مفقود .. .!.

***

هرعت الى سوق الحميدية في دمشق .. كان مليئاً بالمخازن .. بالباعة .. بالمشردين .. بكل أنواع البشر والبضائع .. كان سوقاً فيه كل شىء .. وكان ضيقاً ليس كما عرفته، مليئاً بالغبار، وكانت المخازن قد زحفت الى وسط السوق فما عدت ترى سوى الواجهات الخشبية الزجاجية وما عدت ترى الجدران ..

هرعت الى ذلك السوق أبحث عن ساعدي أبي ، فنحن قد تركناه تحت التراب في مقبرة البلدة ، لكن ساعداه مازالا هنا في سوق الحميدية .. هنا حيث كنت رفيقه قبل السنوات الطويلة .. وقد ضاع الساعدان في زحمة القيامة .. حيث تذهل كل مرضعة عما أرضعت ..

ضاع ساعدا أبي .. ضاع عرق الجبين وخفق القلب .. لم أدر أية زاوية ولا أي اتجاه ولا أي حجر فكلها كانت مطمورة في لجّة الواجهات والأنوار .

ورحت أتذكر ورحت أذكر ، لكن الذكرى لم تسعفني .. وقلت يومها إنني ان لم أجد ذلك الحجر الذي نحته أبي في سوق الحميدية فإنني لأحس وقتها أن أبي قد مات بالفعل ..

***

مضت سنوات وأنا أعيش بعيدا ..

بكيتك ياأبي .. وبكيتك يا حجارة سوق الحميدية ..  ضاع مني أبي وضاع مني ساعداه ..

في يوم ما قالوا لي إنهم قرروا إعادة سوق الحميدية الى بهجته الحقيقية والكشف عن معالمه .. قرروا البحث عن ضلوع أبي ..وأنا من بعيد رحت أتصور وأفكّر .. لو أنّهم كشفوا عن الأعمدة الحجرية في ذلك السوق فلابد أن أبي سيظهر من جديد ..

"يوم أن رافقت أبي قبل سبعة وأربعين عاماً الى إحدى زوايا السوق .. كنت وحيداً وأبي وعدّته في القفة .. أذكر أنه أشار إلى الزاوية وقال انه سيضع الحجر هناك  .. أذكر أن الحجر كان عموداً .. أذكر أنني سمعت صوت رجل أبيض أشقر ممتليء جلس على كرسي صغير في الزاوية المقابلة منذ الصباح ووضع كعكاته على صينية مرتفعة أمامه وكان ينادي بصوت يملأ السوق:  يا كريم! .. ياكريم ! ..

نعم ، صوته مازال يرن في أذني .. فقد بقي هناك حتى باع مالديه .. وقتها اشترى لي أبي إحدى كعكاته ، والتي ما زال طعمها في فمي ، وقال لي أبي ممازحا إن لأبي رضا ، وكان هذا اسمه ، سبع بنات ، وقد أطلب لك إحداهن في يوم من الأيام !

ومضت السنوات وأنا اليوم عائد لأرى أبي من جديد !

***

أعود اليوم ياسوق الحميدية ! أعود اليوم أعود يا أبي ! أقف عند المدخل العريض وأقول نعم ، هذا هو السوق الذي عرفته قبل سبعة وأربعين عاما ..

هكذا كان السوق واسعاً ومرتفعاً ، لكنّه أضحى الآن كثير الازدحام  ..

أخطو خطواتي الأولى متهيباً أنظر الى الطرف الأيمن ، فأنا أعلم أن نبض أبي يكمن في الجانب الأيمن في إحدى الزوايا ..

أخطو خطواتي ولم أكن أرى الناس بل الحجارة والسقف المقنطر العالي بثقوبه الجانبية والعليا ..

مررت أمام العمود الأول والثاني ثم الثالث لم تكن أعمدة أبي . ثم

 قفز أبي أمامي منادياً ، صارخاً أنا هنا يا بني !  .. أنا هنا .. لقد أتيتني بعد نصف قرن ولكنك أتيت أخيراً .  لقد خبأوني في قطعة خشب أوفي زجاج أوفي ثوب امرأة ، والآن قد عدت أتنفس ..

صارخا أبي ، رأيته من بعيد .. التفت في طريقي الى الزاوية المقابلة اليمنى فرأيت أبا رضا ينادي يا كريم ويقلّب في كعكاته! .. ثم هرعت الى العمود الحجري في الزاوية ، لمسته وعرفت به دقات أبي ، ضربات أبي ، نبضات أبي .. عرفت فيه أنفاسه ولون جلده .. أخذت أخبط على العمود الحجري براحتي .. ثم هرعت الى صاحب المحل الذي يقبع خلف طاولته ولحيته مشوبة بالبياض.

لم يجد فيّ زبوناً مألوفا .. فتساءل وجهه.. وأنا ألحّ عليه في السؤال:  منذ متى وأنتم تملكون هذا المكان ؟

أجابني الرجل وكأنه يعرفني : منذ أكثر من خمسين عاماً ..

هل كان يجلس في الزاوية المقابلة  رجل اسمه (أبو رضا) ينادي يا كريم  ؟ !

انتصب الرجل ،وقال: نعم!  وهل تعرف أنت أبا رضا .. لقد مات رحمه الله منذ زمن طويل !.

سألته ثانية:

وهل تعرف الرجل الذي أقام هذه الأعمدة وهذه الحجارة ؟ .

أثار سؤالي فضوله فأجابني:  كنت صغيراً و كان أبي هو الذي يشرف على العمل ! . أذكر أنني رأيت نحاتاً وابنه ، كانا فيما أعتقد من بلدة التل القريبة !.

أجبته مسرعاً: لقد كان ذلك النحات الذي تعنيه هو أبي ، وكان ذلك الصبي هو أنا ..

ارتخى على كرسيه وكأنه يعود الى الوراء نصف قرن . ياه ! سبحان الله  !  ..

رأى الرجل دموعي تنساب مدراراً  .  رآني رجلاً يعود  طفلاً من جديد أهرع إلى عمود الحجر أتلمس دقاته الناعمة   ثم أطرق عليه  براحتي وأصفعه صفعات أطلب منه أن ينطق: هذا من صنع يدّي أبي ..هذه دقات أبي ، هذا عرقه ، هذا نبضه ، هذا قلبه ، بل هذا هو ... ! ..

أمسكت العمود في حضني، وقلت بصوت متهدج يعلو في كل مرة .. حتى الصراخ ..

-هذا هو أبي . هذا هو أبي . أنا ألمسه وأسمع دقات قلبه ..

-هذا ما كان ضائعاً .. هذا ما كان ضائعاً وقد وجدته ..! ..

 

 

مأساة  جدّ ي

 

نيقوسيا 4/10/2003

(ظلمات الشر تأكل بواقي الخير في الإنسان ..)

 

لا أعرف حتى هذه اللحظة نهاية هذه القصة!..

أعرف أن جدي لأبي ولد عام 1878 وأنه كان من الذين انتزعهم العثمانيون من حقولهم و بيوتهم ليشاركوا في حربهم العالمية الأولى عام 1917 ..

جدي كان له حمار دائماً، وسيلة نقل وتنقل ورفيق درب الصبح، الى الحقل و منه، وجدي كان رجلاً محترماً لأن عنده حقل ولأن عنده حمار.. وكان جدي يصلي .. وقالوا إنه كان يحب النساء.. وكانت زوجاته الأولى، والثانية التي هي جدتي، كانتا جميلتين .. كالبدر..

كان جدي ضئيل الجسم قوي العزم و الشكيمة، لكن ذلك، و حقله وزوجه والحمار، لم تشفع له عند الأتراك.. فأخذوه..حيث وقتها لم يرافقه حماره..

غاب جدي، وغاب أكثر شباب البلده.. وبقيت النسوة والحقول خاوية.. وكثرت الحمير والكلاب الشاردة..

---   --   ---

من أجل السلطان، و تحت راية الغيرة على الأديان.. مشى الجوعى والحفاة آلاف الأميال.. بكوا في البداية لفراق الحقل و الزوج والحمار، لكن مآقيهم جفت، ثم أحسوا بالجوع فاعتادوا عليه، ثم داسوا الوعر،  وصعدوا الجبل وهبطوا الوديان.. حتى نسوا هدأة الليل، ونسوا تطلعاتهم، و ماتت الفروق لديهم.. فأصبحوا آلة صدئة تتحرك بثقل لا تحس بما حولها، ولا يحس بها أحد، لا تبكي من أجل أحد، ولا يبكي من أجلها أحد..

تحول جدي إلى بغل من بغال السلطان، لا يدري من أين جاء وإلى أين يسير، و لماذا يسير ولماذا يعلّمونه على القتل.. بسلاح ما كان يعرفه من قبل.. سلاح ليس كالسيف أو كالرمح أو كالمقلاع، بل هو بندقية حديثة تبصق طلقة واحدة فتقتل عن بعد و أنت خبئ خلف حجر.. فأنت لست بحاجة لأن ترى عين القتيل وهو يموت.. وقالوا له إنه بهذا السلاح سينتصر.. قالوا له  إن ذلك من أجل راية الخير و السلطان، و لكنه لم يصدق.. وهو يعلم أنه لم يكن عليه أن يصدق، فكل ما كان عليه هو أن ينفذ الأمر و يركض خلف بغال السلطان..

---   --   ---

بعد شهر أو شهرين، قالوا للجمع المنهار من البشر والدواب.. أن يرتاح يوماً أو يومين.. عند كهوف وشجر، وعند نبع ماء يتجمع بعد موسم المطر.. وقالوا أيضاً أن التموين قادم فيه لحم و برغل.. فغفى الرجال على الأحلام.. وسرحت البغال.. وتساءل جدي في نفسه لماذا اختاروا البغال وليس الأحصنة و الحمير ثم أجاب نفسه ربما لأنها لا تنجب الصغار!..

لم ينم جدي مثلما نام في ذلك اليوم، نام كالموتى.. نام كالشاة المسلوخة.. نام ونام ونام حتى نسي طعم الأيام، وخرج من جسده ليعيش في الأحلام.. و يعود إلى حضن الزوجة وإلى الحقل، وإلى الحمار الذي تعلم الكلام.

لكن جدي استفاق عندما ألقوا به في الساقية، فاهتز، بروح دخلته و قام مرتعشاً و مرتعداً كأنهم جاؤوا به من جنة ليحاسبوه مجدداً، ثم ليعلموه أن الطريق هو طريق القتل و الذبح قم لتأكل فقد وصل التموين.. وصلت (القروانة) المنتظرة..  التهموا كالبقر الجائع.. وكان جدي يعرف أنه في طريقه إلى المسلخ.. فالعدو هناك، خلف جبل أو تله.. عند منعطف، أو عند جرف في يده ساطور أو في يده بارودة.. و عليه أن يعلم أنه إما أن يكون السلاخ أو يكون المسلوخ..

قال جدي لصاحبه: ما عاد هناك فرق!.. لكن بودي أن أعرف من الذي سأسلخه و من الذي سيسلخني و لماذا؟.. أنا لا أصدق ما يقولون..

ثم رحل الجيش الذي ينوء بأحمال العدد وبالأثقال.. و هناك إحساس طغى وعم و استشرى يقول إن البغال أهم من الرجال.. ولما طالت الأيام مجدداً، ولم تأت القروانة.. أكل الجيش ورق الشجر.. وبحث البعض في روث البغال عن شعير.. ومازال الجيش يسير، من بلاد السهول إلى بلاد التلال.

حطت الرجال مجدداً رحالها ليكونوا على استعداد للقتال.. عليهم أن يرتاحوا هذه المرة من أجل المعارك.. تغذوا يا أبنائي.. صلوا ياأبنائي.. تدربوا يا أبنائي.. اثبتوا يا أبنائي..

مر راكب حصان، و الرجال تعرف أن من يركب الحصان هو آمر ذو شأن و أكثر قربا من السلطان، إذ أن الحصان أقرب من البغل للسلطان..

عندها قال جدي لزميله.. لقد آن أوان الذبح، فانتظروا..

تعلم جدي فك البارودة، و تعلم كيف يصيب الأهداف..تعلم كيف يقتل، وأن لا يخاف.. تعلم جدي أن جيش السلطان لا يُقهرفهو مع الله ومن أجل الله.. تعلم جدي أن الموت شهادة.. و أن القتل شرف.. لكن لم يتعلم جدي من يقتل ولماذا الموت من أجل السلطان..

---   --   ---

سمعوا بمعركة النبع عند البلغار، و بمقتل كثيرين عند حوض النهر عند التيار، كما سمعوا بأن عند الألمان رجل يعلو كالطير ويلقي بالصخر، فينفجر الصخر الذي يقتل المئات.. سمعوا بأحجام حديد كالبيوت تهدر، فتصيبها طلقات البارودة ولا تموت..

وكان جدي ورفاقه والبغال والبنادق، وجوع الكلاب الضالة.. بقوا في أماكنهم.. حيث لم يعرفوا المكان، ولم يعرفوا العدو.. وقال بعضهم إننا محاصرون.. لا يستطيع أحد الهروب من هنا أو هناك.. وقعوا في الفخ وكان هذا قبل خمسة وثمانين عاماً من الآن..

---   --   ---

يوماً أو يومين و تنفك الأزمة.. و الأزمة دامت شهراً أو شهرين.. لا أحد يقول من أين يأتي الخطر.. يذهب بعضهم شرقا ًفيرون جنداً و جنوداً.. يذهبون شمالاً و جنوباً و غرباً فيرون جنداً و جنوداً.. ليس هناك أحصنة، بل كل ما هنالك بغال .. بغال تتحرك و أخرى نفقت.. و روائح جثث و نفايات و قذارات.. و غيم بدأ يلوح في السماء..

الجيش شباب هرموا، و مياه شحت، و بغال نفقت، و آفاق مسدودة، و جدي يبكي، مثل غيره، بمآق ناشفة، كالأحجار، يبحث عن عشب، أو عن ندى، أو عن ورق أخضر .. و كان مثل جدي بضعة ألاف.. أنصاف موتى، جثث منتصبة أو ملقاة..

هلاك تحت الأجفان، ليس من الأعداء بقدر ما كان من نقص المعرفة.. فأي الجهات هو الأخطر، و أيها تسكن فيها الأعداء.. ومتى يأتي الحق و متى يأتي الموت الواقف في الأحضان؟!..

وجاء وقت قال فيه جدي لزميله: أنا الآن أفضّل أن أموت على أن أبقى تحت ناب الثعبان.. سأخرج لأرى.. فأن أرى و أموت خير من أن أموت ولا أرى..

خرج جدي من حفرة واضعاً بارودته على جنبه وباقي قطرة الماء على صدره، و سكينه و حبلته على عنقه.. ثم قال لزميله:

-إن لم أعد فاقرؤوا الفاتحة.

لم يكن جدي وحيداً في قراره، فكان هناك بضعة رجال خرجت كالنمل الأبيض من بين القبور تبحث عن زاد، عن لقمة، وعن شربة ماء..

---   --   ---

مشى جدي عند الفجر، نحو الضوء، مشى بهدوء وبصبر.. ربما دخل في قماش العسكر شوك، ربما سالت بقايا دم.. ربما كان خدراً كالأموات، و فيه رجفة شوق للأحياء .. وربما كان في داخله خوف صامت يدفعه لقتل كل الذي يتحرك.. و هكذا كان جدي في أفق الفجر يبحث عن فأر يأكله أو عن أفعى.. كان جدي وقتها أكثر سقماً  من ذئبة.

مازال جدي يمشي ساعة.. وقد أحس  بصمت الموتى و بسيطرة الخوف.. حتى لاح أمامه نبتة من تين.. عند الشجرة التقى وجهاً لوجه برجل آخر.. رجل مختلف الملامح.. من غير لغة يعرفها.. قال جدي في نفسه هذا رجل من الكفار.. خاف جدي و تردد.. و خاف الآخر و تردد.. قال جدي: من أنت؟

وأجاب الرجل بكلمات لم يفهمها جدي..أشهر كل منهما سلاحه.. أشار كل منهما للتينات..

كان الآخر أكثر جوعاً، و أكثر ضعفاً من جدي.. لم يكن أحدهما يريد قتل الآخر..فليس لجدي ثأر عنده، و ذاك ليس له ثأر عند جدي.. لكن الخلاف على الشجرة و مافيها.. تعاركا بالأيدي.. و كان ما يزال جدي أكثر قوة فربطه إلى الشجرة..

بحث جدي في الشجرة فلم يجد فيها تيناً.. رأى شجرة غيرها فتبعها.. ثم تبع الأخرى.. و ترك الرجل ينادي و يسترحم بلغة لم يفهمها جدي.

ربما كان جدي يبحث عن شيء يأكله في منأى عن منافسة جائع آخر.. ثم تبع جدي خط شجرات التين بأوراقها الصفر عله يتصادف مع باق من ثمر.. و هكذا مشى جدي مبتعداً حتى غابت أصوات الرجل الآخر.. إلى أن وجد نفسه مجددا قرب وحدته، التي أحس بحركة غير عادية فيها..

---   --   ---

قال له زميلاه:

-يبدو أن اتفاقاً تم لانسحاب وحدتنا بسلام..

سقط جدي على قاعدته.. ثم قال مؤكداً:

- يجب أن أعود..

فأجابه زملاؤه..

-هذه فرصة وحدتنا للنجاة..

فسقط جدي على ظهره..

-يجب أن أعود!..

-ولكن أين تعود أيها الأحمق.. إن من يشذ يطلقون عليه النار فوراً، فليس هناك وقت لشنقه أو خوزقته..

-يجب أن أعود.. يجب أن أعود!..

---   --   ---

انسحب الجيش من غير قتال.  و مشى في النهار و في الليل.. وكان ينال وجبة طعام كل ثلاثة أيام.. مشى جدي بين زملائه مردداً:

كان يجب أن أعود!.. كان يجب أن أعود!..

-تعود إلى أين؟!..

-أعود إلى شجرة التين التي ليس فيها تين.

-وماذا تفعل هناك؟..

-أعود إلى هناك كي أفك قيودي!..

ولم يبح جدي بأكثر من ذلك.

---   --   ---

عندما عاشرت جدي في الستينات بعد نصف قرن، كان دائماًساهماً واجماً.. ينظر ألى الشجر الأخضر و يتلمس أوراق شجرات التين.. و يبكي كلما جاء الصباح بينما يصلي.. كان يشرب ماءً كثيراً ليهرقه دمعاً عند الصباح الباكر كل يوم و هو ما زال يسوق حماراً إلى حقوله الصغيرة الموزعة..

سقى رماناته و جوزاته و مشمشه بسعادة، و لكنه كان يبكي كلأطفال ويدمع كالثكالى كلما سقى شجرات التين..

---   --   ---

مات جدي عام 1968.. وماتت جدتي بعد ذلك، ثم ماتت عمتي ثم مات أبي و صديقي.. ثم مات الكثيرون بمرور الأيام.. أولئك الذين ماتوا عرفوا نهاية قصة الرجل الذي بقي مربوطاً في شجرة التين .. أما أنا و أنت و باقي الناس فما زلنا لا نعرف!.

 

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟

"اليوم عيد ميلاد ابني،

وهو لا يعرف رائحة بلدتي جيداً"

 

نيقوسيا 11/10/1998

تتجمع قرية منين حول نبعها الرئيسي الذي كان يتفجر من تحت صخور جبالها، ثم يندفع مروراً بأراضي التل ثم معربا وبرزة، فيشكل وادياً صغيراً يرتوي من مياه ذلك النبع. غير أن ماء النبع الذي كان يجري في فروعٍ أربعةٍ كان يتألم.

كان يجري في فرع الوادي وهو الأساس، كذلك في فرع أرض منين وأرض الغرب وأرض معربا.. ولما لم تكن مياه النبع تكفي لسقاية الأرض كلها فقد توزعت أيامه ما بين هذا الفرع أو ذاك..

وكان عبئه أكبر منه!.. فالناس يشربون منه، والأرض كذلك،.. والناس تسبح فيه، والضفادع كذلك.. والصبايا يتمشين على حوافه، وكذلك السحالي.. والعصافير تطير فوق أشجار ضفتيه.. وكذلك قلوبنا..

النهر كان حياتنا..

قلت لعمتي العجوز بعد ان عدت من غربتي سنوات طويلة:

-أريد أن أرى الوادي بنهره الهادر فهو يعيد لي ذكريات شبابي الأول، وحكايا القلب القديمة الدافئة..

ورحبت بي عمتي في أرضها التي مازالت تجاور ذلك النهر..

لكن صرخةً من أعماقي دوت في مراكز العصب لدي عندما شاهدت النهر المقتول بالقَطْعِ والحجارة والخرقِ والحشرات السوداء..

كان نهراً ميتاً بفروعه كلها..

عدت إلى غرفتي حزيناً كما لم أحزن من قبل، استعدت أيام الصبا، وابتسمت من خلال الدموع..

عندما رأيت النهر بقايا ليس فيه سوى بعض الماء من منبعه يتكلل بالقذارة والسواد بمجرد خروجه من بين أشجاره الأولى، ثم ينطفئ بعد ذلك  تاركاً بقايا جسد طويل من منين وحتى برزة، تاركاً تلك البقايا آثاراً قذرة خارجة إلى السطح كأجداث القبور.. عندما رأيته كذلك توقفت شراييني كذلك، مثله، عن الحياة!..

 *           *              *

دائماً في غربتي كنت أعود إلى الصور التي خلّفها ذلك النهر، بنزقه وصخبه وحيويته، وبالأشجار التي حوله، وبالطيور التي تسكن أغصانه.. كنت أعود إلى تلك الصور وأعيشها، كما يعيش هذه الأيام طفل الألعاب الإلكترونية..

ذلك النهر، أو النُّهيْر، أو الساقية.. أو الموات بلا دمع الآن.. كان شرياني!..

عندما أذكر بلدتي، لا أذكر إلا ذلك الشريان!..

عندما أحب بلدتي، أحب فيها ذلك النبض في تلك الفروع الأربعة!..

وعندما أتحدث عن بلدتي، فإنما أتحدث عن قلوب تحدثت مع العصافير ومع أشجار الجوز والحور والصفصاف على ضفاف تلك الفروع..

وعندما أخاف في بلدتي، فإنما أرى مصير ذلك النهر، وأحس أن مصير الإنسان في داخلنا هو مصير ذلك النهر..

قال لي أحدهم:

و"أحدهم هنا" تعني أولئك الذين فهموا من الحياة أموالها، (ونفشوا) جيوبهم بأوراقها، وتلذذوا بطعم سجائرها، وبرؤية صدور وأرداف راقصاتها..

- لماذا يا أستاذ لا تقضي عصراً أو أمسيةً في منتزهات ذلك الوادي؟.. سترى أن الوادي أجمل مما كان!..

وكان علي أن أذهب!،

كان عليَّ أن أذهب، فأنا لا أستطيع أن أتخلف عن حضور جنازة ذلك الوادي!..

*           *              *

 إيه يا بلدي!..

أنا أحبك من الآن، عائداً بالزمن القهقرى، وحتى يوم أن خرجت من بطن أمي، في يومٍ ربيعي كما قالت لي!..

أنا أحبُّكِ، وأشجار واديك مازالت تهفهف في رئتي، ومشمش أرض جدي مازال يغوص في معدتي، وزعبوب منطقة السحر يلامس الألوان في عيني، وتفاح وخوخ وسفرجل أرض الرويس مازال يُعتصَرُ تحت أسناني..

إيه يا بلدي!..

إيه يا بلدي!..

إيه يا بلدي، وأنا أجلس الآن إلى طاولة واسعة ملونة، والشاب الأنيق يبتسم وبيده ورقة وقلم:

- (أيوه) يا أستاذ؟!..

- نعم!.. آسف.. لقد ذهبت في ذكرياتي قليلاً.. حيث كان هذا المكان غير هذا المكان!.. هل عندكم أكلٌ من تراث بلدتي!..

- ماذا تقصد يا أستاذ؟!..

- أقصد، مثلاً القمحية والشاكرية والنيفا والبرغل على حمص، والحراق بإصبعو والمخلوطة والجلبصطة.. هل عندكم حبق وبقلة وزيتون معطِّن؟..

- عن ماذا تتحدث يا أستاذ..؟..

- ماذا عندكم يا صاحبي..؟..

- عندنا مقبلات ومشاوي..

- هات المقبلات والمشاوي..

- والمشروب يا أستاذ؟.. كولا، عصير بزجاجات!.. بيرة، نبيذ؟ وسكي؟.. كونياك؟..

- سبحان الله!.. بودي أن أشرب من ماء نهر منين!..

- تشرب من ماء النهر!..

- نعم من ماء النهر!.. كنا ونحن صغاراً نعب منه، نثني وسطنا ونرتكز إلى حجرين في الحافة ونقلب رأسنا حيث نصل إلى الماء بشفاهنا!..

- الله، الله، يا أستاذ!.. تريد أن تشرب من النهر!.. تعال لتراه..

جرني من يدي، وهو متأكد أن عقلي ليس في رأسي، ثم أطل معي من مقعد اسمنتي منبسط وقال:

- أنظر، يا أستاذ!..

نظرت من علو، من بين أغصان تزينية صنعية، فرأيت بقايا النهر جافاً وقد أصبحت (عظامه مكاحل)!..

عدت صامتاً إلى الكرسي والطاولة!..

تابع الرجل مقترحاته بطعام شهي، وأنا ما عدت أراه ولا أسمعه، كل ما في الأمر أنني كنت أحني له رأسي علامة الموافقة..

وبقي رأسي منحنياً..

*           *              *

عدت إلى طفولتي..

عدت ليس إلى سن السادسة أو السابعة حيث دخلنا المدرسة الابتدائية، كما كانوا يسمونها مدرسة (الدولة) وليس إلى سن الرابعة أو الخامسة حيث كنا في كُتّاب الشيخ (نبيه)، بل إلى سن الثانية والثالثة!.. كنا وقتها عرايا..

منذ خمسين عاماً كنا بلا ثياب، فلم يكن عيباً أن يجري الطفل عارياً في زواريب البلدة،وهي زواريب صغيرة!..

ولم يكن عيباً أن تأخذ الأمهات أطفالهن حتى سن الثانية أو الثالثة إلى حمام البلدة كي يشاهدوا العصافير في سقفه..

كنا عرايا .. تماماً، كما كان الشجر بلا جدران، والنبتات بلا أُصصٍ، والنهر على طبيعته بلا زينة!..

وكنا نجري، بلا خوف، بلا إحساسٍ بالذنب، بلا قيود، بلا ثياب، تماماً كما كانت الجداء تجري، تارة إلى قمة المرتفع، وتارة نحو النهر.. في المرتفع تقضم الأعشاب، وفي النهر ترتوي من الماء..

كنا نجري، نتصايح كما يبربر النهر، ونتدافع كما يتلاطم موج النهر، عراةً مكشوفين مثل سطح النهر!..

كنا، وكان الفرح راقصاً فينا..

كنا،، وكان جلدنا مسرحاً للشمس، كما كان مسرحاً لماء النهر.. يوشوشنا ونوشوشه، يصفعنا صفعاتٍ متتالية.. ونضرب سيقاننا وأذرعنا في مياهه.. كنا نعيش الجنة!..

وكانت حياتنا عريٌ ونهرٌ وشجرٌ وثدي أم!..

كنا الزهرَ في الأغصان، والأغصانَ في الشجر، والشجرَ مزروعاً في تراب الأرض، وترابُ الأرض مبتل ومشبع بماء النهر..

كانت جذورنا في النهر.. وكانت أغصانُنا تتمايل مع النسمة تحت أشعة الشمس..

كنا نبتل في ماء النهر، ونجف في أشعة الشمس الواردة إلينا من بين أوراق الشجر، ثم نعود لنبتل في ماء النهر من جديد!..

وكنا عرايا.. كما العصفور كنا، كما عصفور التين وأبو الحناء!.. كنا (نئز) كما نحل العسل!..

كنا لحظةً أبدية لا تعرف الماضي، كما لا تعرف المستقبل..

كنا دجاجات جدتي!..

كنا مشمشات جدي في أرض منين، وزيتون جدي الآخر في الغرب..

كنا ثماراً لحب قام، رَقَصَ في الأعراس، ودَبَكَ في الليالي، وغنَّى المواويل.. ثم راح يوزع الأجنّة على أرحام عروسات البلدة!..

كنا نهرَ الحياة الخارج من كهف صغيرٍ في جبال منين، ليتفرع ويعيش خالداً، أبداً يرسم الابتسامة والأفراح في كل القلوب، قلوب البشر، وقلوب الشجر.. وقلوبنا نحن العرايا.. ثمارُ الحب..

*           *              *

في يومٍ ما، جاءت امرأة عجوز إلى أمي وراحت تهمس في أذنيها:

-  …

وكلما اقتربت منهما زاد الهمس ، ..

 أحسست بالمرأة العجوز تتحدث عني أو تعنيني في حديثها..

كنت لا أرغب في أن أخوض في أحاديثهن، فهن ثرثارات، لا يحببن العصافير، بل أحاديثَ مكرورةً في غرف التنانير الحامية.. وعلى وقع طقطقات الأغصان المحترقة في لهب التنور.. كنّ يتحدثن عن زنوبة، وسعدية، ومريم، وفطوم، وعن الصياح، والضرب، والزواج والذهب..

وكنت لا أفهم شيئاً…

كل الذي كان يعنيني أن أسرح قرب النهر أسمع وشوشاته، وأتابع حركة النمل، وقفز العصافير بها..

تابعت المرأة العجوز النظر إليَّ، إلى جسمي، وبخاصة إلى وسطه، ثم قالت لأمي مؤكدةً:

- عيب.. عيب!..

لم أعرف ما معنى الكلمة!.. كلُّ الذي رأيته كان وجه أمي أصبح أحمراً..

تذهب العجوز، وأشاهد أمي، التي بدت لي غريبة وقتها، تمسك بخرق قماشٍ تعمل منها شيئاً..

وعندما استيقظت صباح اليوم التالي وجدت جسمي ملفوفاً بتلك الخرق!.. فانفلت بالبكاء، والصراخ، والاحتجاج.. بكلمات مازلت لا أعرف كيف أنطقها.. وكنت أحاول نزع تلك الخرق!..

*           *              *

لحقت بي أمي وأنا أجري باتجاه النهر!.. ألقيت نفسي فيه لأستر الخِرق.. فجسمي عاري، وقلبي عاري، والشجر عاري، والنهر عاري، فلماذا هذه الخرق؟.. إنها تسدني، وأنا أريد أن أكون كالسماء بلا حدود..

ألقيت نفسي في النهر فالخرق هذه هي العيب الذي أحسسته، وراحت أمي تحاول الوصول إلى وهي تصرخ:

- عيب يا ولد!.. لا تنزع (حفاضك)!

وسنتا عمري كانتا تقولان لي:

"إن العيب أن ألبس الخرق والخروف لا يلبسها، والأرنب .. والديك.. العصافير لا تلبس شيئاً.. حتى الكلاب التي تعوي لا تلبس شيئاً.."..

ثم تعود أمي لتصرخ مغتاظة:

- أصبحت رجلاً يا ولد!.. عيب!..

صرختُ وبكيت وأنا لا أريد الخروج من النهر!..

في ذلك اليوم تركتني أمي لنفسي أنزع الخرق وأعود عارياً أجري.. أسابق النهر!..

لكنها في اليوم التالي ربطتني ربطاً محكماً لم أستطع فكاكه،

فجلست مستنداً إلى شجرة جوز سامقة تتهادى ظلالها فوق صفحة ماء النهر، وكنت هادئاً أبكي، وأنتحب، كما لو أنني في سجن أو في عارٍ أبدي لحق بابنة قديس البلدة!..

من يومها ما عدت أسابق النهر، ولا أجاهر بتحدي ديوك الجدة، ولا أموء كالقطة، ولا اذهب إلى حمام البلدة لأشاهد العصافير في سقفه!.. أصبحت كالحمل الذي منعوه عن (ضرع) أمه بوضع كيسٍ عليه!.. أصبحت حزيناً.. وأصبح النهر النابع من صخور منين والمتفرع شرايين في مناحي بلدتي ، أصبح حزيناً مثلي!..

أصبح الحزن يخيم على الشجر والطيور والعشب وشوك الزعتر، ولذلك فقد كتب أحد شعراء (حلبون) قصيدته: بيدر الأحزان.. ونشرها في كتاب..

*           *              *

عندما كنت أجلس إلى جانب الرجل الذي (نفش) جيبه بأوراق المال، وتلذذ بدخان السجائر المهربة، وجاء نادل الكازينو ليحضر لنا طعام السياحة من مقبلات ومشاوي، رأيت نفسي أقضم (الستيك) على أنه قطعة (قاورما)، وأبتلع شوربة (الماجي) على أنها (القمحية)، وألوك السلطات بالزيوت المستوردة على أنها حبق النهر بزيتونات الغرب،..

ثم لم تلبث فتياتٌ يلبسن ثياباً كاشفةً مكشوفةً، تعري الصدر والفخذ أن يتبادرن إلى الرقص على موسيقا كأنها الصخب المنظم..

فأرى ذلك على أنه جمع من الصبية والبنات ذوو وذوات السنتين في عمر الزمن عراةٌ في هذا الوادي قبل خمسين عاماً..

وأسمع  الموسيقا على أنها حفيف الشجر، وتقلبات المياه في النهر واصطداماتها الصغيرة بأحجاره.. وأرى الصدور أشجار الأثمار.. والأفخاذ أشجار الحور على ضفاف النهر..

عدت القهقرى،

عدت نصف قرن من الزمن.. عدتُ، وسألت وأنا في طريق العودة:

- لماذا يلبس الناس ثيابهم؟؟.. لماذا يلبس الناس ثيابهم؟!..

وكان كل من حولي يقول ويتمتم:

- هذا الرجل الأشيب، عاد مجدداً يتصرف وكأنه طفل صغير لم يتجاوز الثانية من عمره!..

 

حديث طفل معاصر

"ما أكثر قطع الوعود للأبرياء

بالجنة.. ثم سوقهم إلى النار!"

 

25/12/1996

 - عندما ستبلغ سن السادسة تذهب إلى المدرسة.

مسحتُ قطرة دمع عند زاوية شفتيّ أمي..

-  أنت أيها الصبي الأسمر، ستذهب عني كل يوم لتقضي وقتك في المدرسة وتتعلم وتكبر وتصبح رجلاً ذا شأن..

تحضنني ، تقبلني، وأمسح دمعة أخرى في زاوية فم أمي، وأسألها:

-  وماذا يوجد في المدرسة؟.

 - توجد ألعابٌ كثيرةٌ، وأولادٌ كثرٌ، ومعلمون، ترسمون وتتعلمون أناشيد الحب للوطن، وتكتبون على الأوراق ..

 - وبعد ذلك؟.

 - بعد ذلك تصبحون رجالاً تبنون بيوتاً كثيرة وتسقون هذه الأرض فتنبت فيها أشجار طويلة كالغابة، تحمل ثماراً طيبة، ويسرح تحتها غنم وبقر وماعز.. أكثر من الذباب الذي تراه..

- أكثر من دجاجاتك يا ماما..!

 - نعم أكثر من دجاجاتي أيها الأسمر الصغير!.

 - كل ذلك في المدرسة؟!

-  نعم.. ولاتنس أيها الأسمر الصغير أن تحضر لي عندما أصبح عجوزاً ويضعف نظري سراجاً جديداً جميلاً يضيء دربي في الليل.. ولاتنس أن تشتري لي حوضاً من الماء فلا أضطر مراراً أن أملأ الصفيحة من البركة.. ولعلك يابني عندما تكبر تشتري الماء من الساقي أو توصل بيتنا بأنبوب يأتينا بالماء فتوفر عليّ جهداً هدّني السنوات الطويلة.

مسحتُ دمعة ثالثة من زاوية فم أمي.. حيث لحظت خطاً مابين عين أمي السوداء وزاوية فمها.. نقّلت نظري ما بين شعرها القصير المجعّد، وبشرتها السمراء الداكنة التي بدت لي كامدةً مجعدةً مثل حبات كستناء كمثل تلك التي كانت ذات يوم في يد ابن جارتنا البعيدة.

- أصبحتَ أيها الأسمر الصغير في السادسة وستذهب قريباً إلى مدرستك فتعود إلي كل يوم لتساعدني في إطعام دجاجات الكوخ وفي سقاية الحقل الصغير حول كوخنا الجميل وفي جمع (زلطات) البقرة فهي تفيد سماداً وقد نحتاجها بدل الحطب، ولا تنس أن تشمّها لنتأكد من أنها يبست وأضحت صالحة.. خلال ذلك الوقت أكون قد عدت من مزرعة (القهراط) وداره الواسعة.

عدت مجدداً إلى عيني أمي فرأيتهما سارحتين في البعد جفناهما متقاربان، عميقتين، تسبحان في بحر بلاقرار.. تضغطني بين ساعديها..

- هذا الصبي الأسمر سيكون بطل هذه البلاد السمراء.. وسأرضعه لبن هذه الأرض كي لاتموت هذه الأرض.. وسأطعمه الثمار كي يزرع الأرض بالأشجار.. وسأعلق في عنقه تميمة زرقاء بلون السماء لتحرسه من آلهة الشر والظلماء.. وليكون في رعاية آلهة الخير والضياء.

- ماما، كان في صدرك بعض اللبن، فهل في الأرض ضرعٌ غزير اللبن؟

- نعم؟!.

انطفأ السراج القديم، فالتصقتُ بأمي أنال منها طمأنينة ضمن الكوخ المتهالك.. وعواء كلب شدني إليها اكثر.. ثم رحت أحلم بالمدرسة ورحت أتساءل عن معنى الكتابة والقراءة والحساب والأناشيد والرسم والموسيقى.. كيف سيكون شكل المدرسة؟ هل ننتصب طيلة اليوم أم نجلس على قرمية شجرة أم على الأرض وهل في الظل أم في وهج الشمس المباشر؟. وهل سيأتي آمر العشيرة معنا ليتعلم أم سيبقى هكذا ( يلبط ويشخط) ولايحبنا؟.  ومن سيعلمنا، طويل أم قصير؟.. بلون  الكستناء المحروق أم بلون لبّ جوز الهند؟ وهل سيكون مثل أمي أم مثل آمر العشيرة؟ .. لماذا لا تعلمنا امرأة مثل أمي؟

-  ماما، لماذا لاتعلمينا أنت يا أمي؟..

أحسست بها تشدني أكثر، وتسقط على وجهي قطرة أخرى..

-  تعرفين كيف تغسلين في حوض الماء وتطبخين في القدر وتخيطين قطع القماش والجلد وتقطفين الثمر وتوزعين روث البقر في الأرض..

-  هذا  لايكفي يابني، عليك أن تتعلم أكثر، أكثر بكثير إلى أن تصبح رجلاً ذا شأن، رجلاً يستطيع الكثير..

-  هل سيعلموننا كيف تدور السيارة التي رأيناها قبل مجموعة من شروقات الشمس؟.

-  أكيد!.

-  وهل يعلموننا كيف يتكلم صندوق الخشب؟.

-  أكيد!.

-  وهل يعلموننا كيف نطلق بندقية الصيد؟.

-  أكيد!.

صمت قليلاً وعدت أسأل:

-  وهل يعلموننا كيف نحب بعضنا؟؟..

*                 *                      *

أصبح عمري ستة، قضمت أمي البصلة، غمست طرف اللقمة في مرق.. قضمتْ لقماً خشنة.. استدارت، رقعت ثوبي بأيدي وهنة..

تضغط حشاي لتلبسني، ثم تعود لتفتق ماضمت، وتضم مافتقت وتلبسني، فقد أصبح عمري ستة، وغداً من الفجر أنا في المدرسة!.

أمي فرحة.. من زمن ماغنت، تغني الليلة على رجفات شعلة السراج.. وعلى وقع أناملها صار ثوبي حقل ألوان.. وتغني أمي:

 - " حبيتك ظغيرون أسمر ليش تهجرني..

وعيونك الحلوة تشوف أسمر، تكبر تسعدني.."

تخيلت المدرسة ساحة فيها شجر بلا عدد وأولاد كثيرون يزرعون ويغنون ويرقصون ومعلم أسمر مثلي يلوح بمنديله الملون ويوجهنا بحركة يديه ونفهم منه المعنى من غير كلام.. ولا يمضي وقت طويل قبل أن يصبح طولنا بطول أشجارنا، فنبني دوراً حتى السحاب، ونربي الأبقار بحجم دار آمر القبيلة.. وتجري السواقي، وتهرب الأفاعي.. بينما أضع تاجاً من ورد على رأس أمي التي تصبح ملكة فننحني لها جميعاً .. ثم يتقدم المعلم مني طالباً الزواج من أمي الملكة!.

*                 *                      *

غفوت، ثم سبحت في نوم عارم من الفرح، ولم يمض وقت طويل قدر احتراق الشمعة، حتى استفقت على ضربات من داخل صدري..

 - ماما، هل يعلمون الحب في المدرسة؟.

وعندما وجدت أمي تغط في النوم منهكةً شاحبة الوجه.. عدت من جديد لأغفو..

ولم يدم الحال طويلاً..

*                 *                      *

استفقنا .. أصوات بعيدة كبدء هزيم الرعد أو كقرقعة حوافر الدواب تصطدم بكتل الطريق.. تقترب القرقعات، وتتحرك أمي.. تتحرك.. تنتفض.. تسمع.. ترهف السمع.. تنتصب.. تفرد صرة، تضع فيها مايجئ تحت يدها، تلفها، تبربر ولا تلتفت إلى وجهي، ولا أفهم ماذا تفعل، تحمل صفيحة الماء.. تمسكني من يدي.. تجرني خارج الكوخ.. (أنتش) ثوبي الملون فلعلنا ذاهبان إلى المدرسة..

 

أشهد بضع أمهات يشددن أطفالهن يمشين كما نمشي، وأصوات محشرجة تخرج من أفواههن.. وبضع رجال في سن الشيخوخة يحملون رماحاً.. وبضع شباب يحملون بنادق .. وبضع صبية يحملون عيداناً من الخشب.. وأسال أمي:

-  هل كل هؤلاء ذاهبون إلى المدرسة؟؟

ولم تجبني أمي ، بل شدت على يدي وأسرعت أكثر!.

-  لماذا نذهب إلى  المدرسة ولم يطلع النهار بعد! كيف سنقرأ؟!.

ولم تجبني أمي..

كل ماكنت أتبينه كان صياحاً بعيداً مخيفاً وهمهمات وقرقعات وكلمات قصيرة.

ثم أصبحنا نجري..

أصبحتُ ست سنوات، ومعي ثوبي الملون من أجل المدرسة، وقد عرفت من أمي أنني الصبي الأسمر الذي سيرضع حليب الأرض السمراء.. وسيجلب الماء للكوخ، وربما سيتوج أمه ملكة.. أين الألعاب والأناشيد ومعلم المدرسة؟.. لابد أننا ذاهبون إليهم.. وهل كل هؤلاء ذاهبون إلى المدرسة؟ وإذا كان كذلك فلماذا يحملون رماحاً وبنادق؟ هل هي ألعابهم؟!

طال الطريق ولم نصل!..

- تعبت ياأمي .. أين المدرسة؟.. أريد أن أصل قبل أن يتسخ ثوبي.. مالت أمي وقبلتني وغسلت وجهي بدمعها.. ثم عادت لتسير، بل لتجري مثل شاة أدماها قضيب الفتى الشقي في قفاها.. مسحت وجهي من دمع أمي الذي استغربت غزارته وملوحته..

-  أين المدرسة ياأمي؟.. جاء النهار ياأمي.. أين المدرسة؟

- المدرسة! نعم، المدرسة!

صحت باكياً:

- أين الألعاب والأناشيد والمعلم .. والحقل والماء والثمار؟

وعلى منبسط عشبي تراكم البشر السمر غابة مكدسة  بلا حدود.. تراموا بلا ماء، بلا غطاء، بلا ألعاب ولا رسوم ولا أناشيد..

تكدسوا بلا طعام، بلا مكان يغوطون فيه.. والذباب يحفر من أجل الدم القليل من جلودهم..

أحرقني وهج الشمس ، دخل الذباب في عيني وفي أنفي.. لاماء يروي.. ولاصوت أمي يعدني بالمدرسة!.

-  ماما.. أمي.. أين هي المدرسة؟

أصختُ السمع عند زاوية فم أمي الذي أصبح أصفر جافاً:

 - لقد قرروا تحويلكم فجأة من المدرسة الصغيرة إلى مدرسة الحياة الكبيرة..

 - وهل يعلّمون الحب في هذه المدرسة؟!..

لم تجبني أمي لأن صوتها غاب في ضربات قلبها المتلاشية..

وكان عليّ أن أزحف من بين الأجساد الساكنة، حاملاً تحت جلدي بقايا اختلاجات أمي والتصاقات الجثث بالأرض فلعلني أكبر فتى أسمرَ أرضعُ لبن الأرض كي لاتموت الأرض وأعلّقُ في عنقي تميمة زرقاء بلون السماء.. فلعل السماء تسبغ على العشب اليابس حُباً نسي الناس أن يتعلموه.

 

المهمة

             

من أين ولماذا جئنا ؟

  الى أين ولماذا نذهب ؟

 

دمشق 1971

كان الطريق ممتداً باتجاه واحد إلى مالا نهاية ، لكنه كان يمتاز بالمرتفعات والمنخفضات التي تعترضه في كل آن .  الطريق واسع لا يمكن تمييز حوافه ، وسائق الشاحنة الضخمة الذي لا نراه يشتم عثرات الطريق .

 

معي مجموعة من الناس لا أعرف عددهم ، غير أنهم كثيرون ، وأخشى دائماً عتاب أحدهم لنسياني إياه .  ذاكرتي ضعيفة فلا أذكر ما هي مهمتنا ، ولا الى أين غايتنا ولا من أين انطلقنا ، حتى من هو يترأسنا الذي نسير وراءه لا أعرفه ، كدت أعتقد ذات مرة أنه أبيض اللون ذهبي الشعر أزرق العينين ، لكن ذلك لم يدم فقد هددني رجل من نوع آخر .

 

الشاحنة التي نركبها طويلة وعريضة ، سمراء اللون ، لها بطن متسع نرقد فيه ، نسمع همهمات المحرك ، ونحس بنطحاته ولكننا لا نراه .  كنا فيما قبل نركض في هذا البطن فنتصادم لكنه ضاق بالحمولة المكدسة فيه ، فاضطررنا الى الرقاد ، ونتوقع في داخلنا أن ننضغط واقفين خلال أيام محدودة ، ونظل نلعب في خيالنا فقط ، ونذكر أننا كنا صغاراً كبرعم ندى نقفز في جوف الشاحنة .

 

كانت حمولتنا كتباً مطبوعة بخطوط سوداء عريضة ورفيعة تتلوى وتتقطع ، ثم تتصل وتتلوى  . . بين تلك الكتب في جوف الشاحنة الهائلة الهادرة نحو الأفق تتطاول رؤوس متعددة الأشكال و الأجناس  ، ناديت فلم يرد علي أحد  .  كنت أتوق بلهفة الى أن أسمع صوت أحدهم ، إلا أن ذلك لم يتح لي فسكت أخيراً  ، وإذ بأحدهم ينادي بصوت كأنه من قعر بئر  . . لم أفهم ماهي بغيته ، وعجبت لنفسي وقد أحجمت عن الرد .  صمت الرجل فبدأ آخر بالنداء ، ولكنني شغلت عنه بآثار القلم على إحدى الصفحات  . .

 

حملت الكتاب على كتفي  . . كاد كتفي ينهد ، ما أثقله من كتاب  . . خطوات ضعيفة متعثرة ونبهت أحدهم بكوعي .

-قل لي ما كتب على هذه الصفحة .

انتظرت ساعة فلم يدر وجهه نحوي  . . نقلت خطوة أخرى وقذفت قدمي في فخذ أحدهم .

-فسر لي هذه الرموز .

-أنت حمار ،  الق الكتاب من على كتفك ، نحن في مهمة .

-مهمة؟!  كنت قد نسيت ! .  ولكن قل لي ما هي المهمة؟

-لست أدري . اسأل غيري .

ألقيت بالكتاب وتلمست كتفي ، ثم ضغطت على ساق أحدهم .

-ما هي المهمة ؟

-أية مهمة ؟!

-نحن ، الى أين ذاهبون ؟!

-لست أدري ، اسأل الأصلع  !.

 

حدقت في الرؤوس التي يمكن أن أراها ، لكن لم يكن بينها واحد أصلع ، تنقلت معتمداً على رزم الكتب الهائلة ، ولكنني لم أفز ، بيد أنني لم أيأس فقط  ، وكنت استغرب حركتي بين قوم منتصبين كالتماثيل  . . وانتظرت أن يأفل النهار ، وكيف يأفل ولما  تزل الشمس في كبد السماء  . . تطلق رائحة عرق الأجساد النتنة رغم رزم الكتب المتناطحة . 

عندما فشلت في لقاء الرجل الأصلع قلت في نفسي:  لابد أنني أنا نفسي ذلك الرجل !.

-من أين أتينا ؟  ولماذا ؟  والى أين ذاهبون ؟   كم هو عدد ركاب هذه الشاحنة ؟   ومن هو قائدنا ؟ و ما هي مهمتنا ؟ ..

 

مصصت شفتي فكانت جافة مرة . صرخت بأعلى صوتي   . . المهمة ؟!  ماهي المهمة ؟!  لكن صوتي كان مخنوقاً الى حد بعيد ، وظلت الشاحنة الهائلة تطير تارة و تزمجر أخرى .

 

ما أن وصلت الشمس الى منتصف السماء حتى أخذت السيارة تتأرجح على طريق يتلوي ، ما رأيناه قط  ، عرفنا ذلك من تلوي أعضائنا منساقة معه ، ثم ازدادت القرقعة وصدر صوت مجلجل .

 

-الوقود في طريقه الى النفاذ !.

وجدت دموعاً تنساب على وجنات البعض .

-الوقود قليل والقدرة ضئيلة .

تجمعت الدموع غدرانا صغيرة ، هتف رجل ضخم الجثة ،

-لنلق بعض الكتب ! .

أخذ رجل قزم قميئ يقفز في مكانه .

-لا . لا . هذا كتاب ثمين لا تلقوا به ! .

-لنلق بعض الكتب ! .

 

تهافتت أعداد كبيرة من ركاب الشاحنة يلقون الكتب خارجها ، واستمرت كذلك حتى أنهكها التعب .

 

استل القزم الشجاع سكيناً ورفعها في وجه الرجل محولاً منع إلقاء الكتب ، لكنهم رفعوه هو و سكينه وألقوا به مع الكتب  خارج الشاحنة.

ماذا كان حول الشاحنة ؟ عالم مجهول تماماً نحن لانعرفه .

قلت للرجل:  سنعود مرة أخرى ونلتقط الكتب التي فقدناها .

-لن نعود مرة أخرى .

-كيف ؟

-لأننا لا نستطيع أن نعود .

-لماذا ؟

-لان مهمتنا في اتجاه واحد فقط .

-لنوقفها .

-عندما نقف تنتهي المهمة ! .

-أية مهمة ؟

-وما أدراني ؟! .

 

ظلت الشاحنة تتابع مسيرها . كان أمامي رجل يبتسم ، ثم فقدته فجأة ، ماعرفت كيف اختفى ، ولما سألت عنه قالوا بأنهم القوا به خطأ خارج الشاحنة .

-القوا بالكتب كلها حتى نستطيع أداء المهمة .

صرختُ:  ولكن المهمة هي هذه الكتب ! .

-كلا ! .

-إذن لماذا نحمل الكتب معنا ؟!

-لست أدري ! .

 

وجدتهم يتهامسون ، ثم يثبتون أنظارهم في عنقي . وفجأة لحقوا بي .

-القوا به خارج الشاحنة ! .

ركضت بين الكتب، وكلما اختبأت خلف كومة منها قذفوا بها خارجاً ، حتى أوشكت الكتب على النفاذ، فقبعت خلف آخر كومة وروح التحدي تتملكني .

-لن تستطيعوا قذفي خارجاً !  .

-سنقذف بك وبكتبك ؟ ..

-لكن مهمتكم تنتهي عندما تقذفون بي وبكتبي !

كانت الشاحنة تتأرجح قبيل المغيب على صخور صلدة وتتقدم بصعوبة بالغة نحو قمة التله .

وما أن رفعوا آخر كتاب و أوشكوا على القبض على عنقي حتى غربت الشمس تماماً وعم الظلام ، وانزلقت الشاحنة  منتفخة بالأجساد البشرية الى هاوية ليس لها قرار .

 

"انزوى الحب في هذا العصر مختبئاً في سلّة المهملات" 

القميص

 نيقوسيا 6/2/ 2006 

قميصي ملقى على طرف الفراش . نظرت إليه ثم عدت ثلث قرن إلى الوراء ..

كنا في مقتبل العمر ، أنا وأصدقائي ، يبحث كل منا عن مستقبله ويحلم بالأيام القادمة ، متأكداً من أنه سيفعل المعجزات ، ويجتاز بحر الظلمات ، ويتفوق على الآخرين وينجز مالم يستطع أحد إنجازه حتى عصره هذا ..

كان صديقي الأسمر ، ابن الأم الساذجة ، والأب القابع في ركن قديم ، يحلم بأنه سيكون رجل علم لامع ، وينقذ عائلته من فقرها وبؤسها ، ويتزوج من فتاة شقراء طويلة ساحرة الشكل والقوام .. هذا الصديق الأسمر، تزوج من قريبة له، سمراء سوداء، قبيحة الوجه واللسان، ذات منطق معكوس، وصاحبة كلمات كالسياط.. وترى نفسها زينة عصرها ..

وكان صديقي المربوع الهادئ الواثق ، يبحث من خلال يتمه عن مستقبل مضيء وشهادة عليا وتواصل مع الناس ، عن أمل كبير .. هذا الصديق بحث عن زوج تحمل كافة أبعادها ، من حيث اليناعة والجمال والبيئة والمال .. غير أنه لم يكد يطأ الخطوة الأولى حتى انهار جدار الحياة ، وانتقل منحسراً إلى عالم آخر تاركاً كل شيء لعصف الأعاصير ..

استعرضت عددا من أولئك الزملاء والأصدقاء، وعيني على القميص الملقى على طرف الفراش ، وتذكرت الذي ارتكب خطأً أحمق ظاناً بنفسه الحق المطلق ، فدفع حياته كلها ثمناً لذلك .. كما استعدت قصة الذي بحث عن مجد في الرياضة أو في الدراسة أو في المال ، أو حتى في الاحتيال ، فلم أجد من نصرته الحياة على نفسها .. حتى لوغضت الطرف برهة ً ، فهي أبداً لن تتركه يتجاوزها .. وهكذا كان .

***

قميصي ملقى على جانب الفراش وحيداً وعيني فيه !.

جعلت غرفتي دافئة مثل قلبي .. منذ ثلث قرن وأنا أدفيء غرفتي وأرسم الكلمات.. وكثيراً ماتتلون الكلمات بلون الشعر الأسود ، أو بلون الشفة الأحمر ، أو بلون الخد الوردي ، أو بلون دفء الفراش ..

***

القميص مفكوك الحزام .. ذليلاً ملقى على جنب الفراش ، وهو في غرفة دافئة ، لكنه لايتحرك .. ليس فيه حياة .. توقف نبضه منذ زمن طويل.. وغفا في نوم عميق .. وهاجر إلى الأحلام ..

.. يسير في النهار بين الناس متنقلاً من حقل إلى حقل  ، أو من آلة إلى آلة ، أو من مكتب إلى مكتب ، أو من سيارة إلى سيارة ، يعاشر كل الأجناس .. لكنه كان يعود دائماً إلى غرفته الدافئة ليلقى على جانب الفراش وحيداً ، منسياً كالفقراء ومنبوذاً كالمغضوب عليهم ، كأنه أصابه مس أو صار من غير إحساس ..

***

حدقت في قميصي ، تذكرت أترابي ، ثم قلت: إنهم جميعاً مثل هذا القميص  . .  خِيط القميص بابتسامة ، وقد كان في يوم ما يبحث عن مجد ٍ وعن حب ٍ وعن كرامة !. ثم طار الزمن، رحل أصدقائي إلى المجهول ، أو غابت رؤاهم وسكنوا ساحات التعذيب في الحياة  .. والناجح كما يراه الناس ، بالجاه والمال ، قد فقد إبناً أو تاه في بحر السفاهات ، أو صار تندّراً في الحكايات .. والفاشل كما يراه الناس ، في الجاه والمال ، لم يأبه الآخرون له ، بل أصبح بطلاً للحكايات المحكيّة المنسية ، وزعيماً فريداً على نفسه ، يمارس العنتريات ، ولا أحد يدري متى يبكي ، ومتى يضحك ، ومتى يردد الصلوات ..

تذكرت أصدقائي وعدت إلى الزمن الحافل بالأحلام .. يوم أن كتبت ُ عن مستقبل الأيام، ونشرت أول قصة منذ أربعين عاماً.. حيث كنت أتحدث عن البطولة والمقاومة، وعن وحدة العرب الأشاوس ، وعن مجتمعات أفلاطون ومدنه الفاضلة ! تحدثت كثيراً  ، لكنني كنت أقترض الأحلام من أوهام  ، فكل ذلك لايذكره أحد ، ولا يتذكر أحد في أعياد الميلاد أن جيلنا كان يؤمن بالعروبة الجيّاشة ..لأن أحلامه قد ألقيت في سلال المهملات .. وأصبحت تاريخاً يحكى ولا يحكى.. فنحن الآن ليس عندنا الوقت الكافي للبحث في الترّهات ، حيث أن الآن عصر الفضائيات ، وحيث أن الآن تسويق السلع بدءاً من الأفخاذ والبطون والغنجات .. وانتهاء بالعقائد والسياسات..

ليس عندنا زمن لقراءة مثل تلك الترّهات.. فعندنا المجون والجنون ، ومسلسل قابيل وهابيل مازال يذاع في حلقات ..

***

قميصي ملقى على جانب الفراش ، مثل كل ثمين يباع رخيصاً ، على عكس ماتفعل بلاد العميان والراقصات ، إذ ْ أن هناك يباع كل رخيص ثميناً ..

قميصي صار رمزاً للحرية ،  وصار رمزاً للقهر وللعبودية ، ورمزاً للإحباط الماثل في الأعماق .. وعلماً يرفرف في الآفاق.. وكأن قميصي جرح ينزف وناي يعزف  .. غير أن العيون قد عميت ، والآذان قد طرشت ، فكأنه لم ينزف ْ وكأنه لم يعزف ْ .. فانكمش َ ، انكمش القميص وتحرك ضمن الألم ، فسقط عن الفراش وافترش الأرض .. وبحث عن الموت ..

***

هذا القميص له مأساة ! .

عندما يتحدث بطل المسلسل.. انتبهوا : أنا لاأتحدث عن بطل الحياة ! .. عندما يتحدث بطل المسلسل عن لوعة غرامياته ، وأيام فالنتينو ، والنجاح في المغامرات ، عندها تنصت الأحياء والأموات .. وعندما يجعر المغني من قاع بطنه ، تتحدث عنه الصبايا الفاتنات ، وعندما تهتز أركان الحيطان لزمجرة أصحاب السلطان ، تتغير الألوان ..

مأساة قميصي أنه : أين هو من كل هذا  ؟!..

فقميصي سلاحه الدفء والمحبة ! .. قميصي يعزف على وتر الوجدان .. وقد ظل كل عمره يبحث عن موطن يسكنه الحق والإيمان..

***

غرفتي دافئة ، ينتثر فيها العطر من كل ورد في البستان .. فرشي دافئ وطري كالماء .. وناعم كرشات السماء .. وطاهر طهارة الأنبياء .. عاشق في الصيف وفي الشتاء ..

لكن غرفتي لايسكنها أحد غيري .. أنا وقميصي .. قميصي الذي تعلم الشقاء ..

ليس لأن قلبه بارد ، وليس لأنه بلا رداء .. بل لأنه تعلم أن في الحياة لايوجد شيء اسمه وفاء ..

***

عند المساء تذكرت كيف حارب أصدقائي في الدنيا ، وكيف انبهرنا بالسراب .. وكيف ، عندما تنتشر القبور ، لاتسمع غير النباح وغير المواء ..

ثم تعلمت أنني ، مهما قدمت ومهما أعطيت ، فكأنني ماصنعت وما فعلت .. فقد رحل الضياء .. وقد جاء الشتاء ، وقد حلت المواسم التي لايصح فيها إلا البكاء ..

عرف قميصي أنه كان وحيداً سيبقى .. وأن الغرفة الدافئة تبقى وحيدة ، ولن يأتي أبداً موسم الحب ولا موسم الربيع ..

فقد رحل الجميع وحل الصقيع ..

قميصي أحس بالوحدة ، وعاش عمره في الغربة وهو على طرف السرير ، فقرر أن يلوذ بالأرض ، فهي الأجدى والأجدر في النهاية ! .

.. وبدلاً من أن يدخل القميص مسرحاً للحب ، وينعم بالقبلات ، جاءت المرأة العتيدة ، لتكتشفه وتتأكد منه.. ثم تلتقطه، هكذا بالملقاط..ثم تحمله لتلقيه بعيداً .. بعيداً، في سلة النفايات ..

"إنها مصيبة لو نطح كبشٌ إنساناً فآذاه..

إنها فرحةٌ لو ذبح إنسانٌ كبشاً ووزعه

نتفاً في أشداق الآكلين.."

 

المشدوه

نيقوسيا 19/4/1997

كنت مازلت ألجلج في كلماتي عندما كانت تصحبني أمي إلى الحقول فنتنقل في ضواحي قريتي بين الأشجار العالية وعلى ضفاف النهر ترافقنا نعجة ذات شعر طويل متدلٍ تثغو -ماء ماء- ترعى عشباً طرياً وأمي تربت عليها، ثم تشدها عن طريق حبلةٍ في عنقها تركت أثراً عليه، فتأتي بها إلى عشب أخضر أتحسسه من خلال حذائي الصغير مهترئ النعل.. وأحس بفك النعجة السفلي يشد العشب فيقطعه ثم يلوكه على جنب ثم تبتلعه الشاة سريعاً وتعود لتشد غيره وتنتقل في مواضع صغيرة تشمشم وتقتلع وتلوك وتبتلع بنهم.. ونحن كلانا أنا وأمي نتبعها حيناً.. وتشدها أمي حيناً آخر حيث تحثها بأصوات لا أدري كيف اخترعتها..

كنت دوماً قريباً من الشاة التي كانت تناديها أمي أحياناً: يا الله يا صبره.. كلي يا صبره.. ثم تتحسس بطنها كما لو أن في داخله شيئاً ترقبه..

كنتُ سعيداً حزيناً.. فلا بد أنني كنت أشعر بنشوة بسبب الطبيعة الجميلة، بسبب النسمة، بسبب حفيف الشجر وقرقرة النهر وزقزقة العصفور، وكنت حزيناً لأنه لم يكن لدي من ألعب معه سوى بقذف الحصى أداعب به (صبره) أحياناً فتوبخني أمي فألجأ لإلقائها في النهر وسماع (الخبخبة) الناتجة عن ذلك.. كنت حزيناً لأن أمي كانت تهتم بالنعجة كثيراً، تنظر تارة إلى العنق ثم إلى الجسم ثم إلى الضرع..

ومع ذلك فقد نشأت بيني وبين النعجة رفقة، فقد كان يمتعني النظر إليها وهي تبتلع العشب.. ثم لا تلبث بعد فترة أن تجثو وترتخي تحت شجرة، وتبدأ تلوك مجترة طعامها من جديد، لم أكن أعرف كيف يأتي إلى داخل فمها، ثم تبتلع.. هادئة راضيةْ.. طيلة ذلك الوقت تجلس أمي قريباً منها وتجلسني متوسداً ساقها وتطعمني بعضاً من المشمش الحامض.

*          *             *

ذات مرة في صحن الدار جاء رجل بآلةٍ وأخذ يقص الصوف الطويل مسيطراً على الشاة.. حتى هُيئ لي أنها خرجت من جلدها.. وعندما انتصبت شاهدت بطنها كبيراً، حيث تم إطلاقها في أشعة الشمس، وأخذت تبحث عن شيء تبتلعه بشراهة.. ولما لم تجد ما يكفيها اقتربت مني تتمسح بي فأحسست وكأن جلدها خشن يقرص جلدة ساقي الناعمة.. كما أحسست بأنها تشكو لي أمراً..

وسألت أمي فيما إذا كان باستطاعة النعجة أن تتحدث يوماً.. ضحكت أمي وضمتني.. وقالت إن النعجة بإمكانها أن تتحدث مع نعجة مثلها وليس معنا.. ومع ذلك فقد كنت أحس بأنها تتحدث معي قائلة:

- لقد أخذوا صوفي مني.

*          *             *

بعد وقت ما لم أعرفه خرجت أمي بشاتها وبحَمَلٍ صغير يشبهها ويلحق بها يتنقل قفزاً نحو الحقول.. أخذتني معها، وكنت فرحاً هذه المرة، فرحاً لدرجة القفز مثل الحمل الصغير. فقد أصحبنا أربعة، أمي تعتني بالنعجة وأنا ألعب مع الحمل.. لقد أصبح لي صديق..

وشرحت لي أمي كيف كان الحمل في بطن الشاة، وكيف خرج من بطنها ليرتع مرحاً يثغو، وسألتُ أمي عن كيفية خروجه ومن أين خرج، فضحكت أمي ولم تجب، فأخذت أبحث عن ذلك المخرج وظننت أن الحمل قد خرج من فمها..

وأكثر ما كان يلح علي هو التساؤل فيما إذا كنت أنا قد خرجت بنفس الطريق وأخذت أنظر إلى فم أمي..

نسيت الأمر، وتابعت السباق مع الحمل وتقليده إلى أن قررت ذات مرة أن أجرب الطريقة التي يأكل بها غير أن أمي نهتني عن ذلك..

*          *             *

قالوا إنه العيد!.

رأيت أمي تشتري لي ثوباً جديداً ذا ألوان بدت لي بلون الأرض التي رتعنا فيها مع النعجة وابنها..

ابنها كبر فهدأت حركاته أكثر، ومع هدوء حركاته أضحى أكثر تمسحاً بي وأكثر مرافقةً فأحببته صديقاً.

قالوا إنه العيد.. غداً هو العيد.. قالوا إننا نفرح في العيد، وفي العيد ثوب جديد.. فيه رائحة النظافة، وفيه الحلوى والأرجوحة.. نصبوا لي في أرض الدار أرجوحة.. فحاولت أن أضم الخروف إلى صدري، فأنوس وإياه.. لكنه رفض وبقي إلى الجانب يرقبني ويثغو..

وأنا فرح بثغائه حتى الضحك..

جاء العيد،

وجاء رجلٌ معقوف الشاربين قصير الشعر، لا يبتسم، وعلى سرواله دمٌ قاتم…

دخل ساحة الدار، اختار زاويةً نصب فيها خشبته، وأمي وجارتها وزوجها وأولادهما وأنا نرقب ما يفعل.. لحظات أخرى وأخرج من جراب كان يحمله سكيناً بيد خشبية ونصل أسود وحد أبيض وضعها معترضة بين أسنانه وأمسك بصبره مجّمعاً كل ساقين بيد، وألقاها على جانبها، ربط القوائم الأربعة بحبل داس عليه بقدمه اليمنى. أمسك السكين بيده اليمنى، وأمسك حنك صبره من أسفله بيده اليسرى وضغط حتى تطاولت الرقبة، ووضع النصل الأبيض على العنق، وسحب السكين بثبات وإصرار وهدوء، فشخرت الشاة وانبثق عالم من الدماء نافورة تبعثرت نقاطها على وجوه الحاضرين وثيابهم..

وصرخت أنا وسقطت على الأرض..

*          *              *

وجدت نفسي على سرير صغير خلف النافذة أتجاوز عالماً من غير معنى وأمي بجانبي تضع يدها على جبيني، وتقول مبتسمة: لا بأس عليك؛ ثم تسقيني ماء من طاسة نحاسية ذات شناشيل وفي وسطها مرتفع وكأنها طاسة وابنها في داخلها…

- ستكون بخير..

لم أقل كلمة، ورغم أن حنان أمي جعلني أهدأ إلا أن ماصعقني بقي ماثلاً أمام عيني..

عندما اطمأنت أمي، تركتني على السرير وخرجت.. وسمعتهم يقولون إن كل شيء على ما يرام..

وقت قصير مضى قبل أن أتحرك، وأنظر من شقوق النافذة على ساحة الدار فأرى الرجل القذر بشاربيه يمسك بقوائم الحمل ويفعل فيه مثلما فعل في أمه ويقطع عروق رقبته بسكينة اللعينة، فأجد نفسي أقفز من سريري وأخرج إلى ساحة الدار فلا أجد أمامي إلا وعاء وضعوا فيه الدم فأحمله وأدلقه على الرجل وأنا أصرخ..

وتمتلئ الأرض صبغاً أحمر، بينما يحاول الرجل الإمساك بي وأنا أعدو في ساحة الدار..

*          *             *

رأس الشاة صبره كان بجانب رأس ابنها، قوائمه بجانب قوائمها، كرشته بجانب كرشتها، معلاقه بجانب معلاقها، جلده بجانب جلدها، وشقاها بجانب شقيه.. وكان الحاضرون بين ضاحك ومستغرب، ولم يكن هناك أحد يبكي.. حتى أمي.

حتى أنا، فقد كنت مشدوهاً إلى حد السبات، وسؤال واحد كان يتردد في أعماقي: هل يمكن أن يصبح اسم أمي (صبره) في يوم من الأيام؟!..

*          *             *

في وليمة فاخرة، دخلتُ وزوجتي وأولادي فصافحت مئات الناس.. انتهوا من ابتلاع مافي كؤوسهم.. ومن خلال مذياع صغير دعتهم سيدة أنيقة بثياب فاخرة، وبصوت أنثوي ناعم، دعتهم إلى قاعة الوليمة..

دخلنا، وكانت هناك أفضل المأكولات المصنوعة من اللحم الأحمر والأبيض والكلى والأكباد والرؤوس والكروش والنخاعات مرصوفة على حجم الطاولة مزينة بالخس والمقدونس والطماطم والبصل تخترقها كتل من الأرز والفاصولياء والبازلاء..

جلست دقيقة.. رأيت أمامي صبره وحَمَلَهَا ينتثران قطعاً على الطاولة ومجموعة من الذئاب تشمشم وتعض وتلوك وتبتلع ودمها بارد حتى التجمد..

تحركت بهدوء لأتقيأ أحشائي، وفي داخلي رغبة هائجة في طاسٍ هائل من الدم أدلقه على رؤوس الناس.

 

 

 

أحلامي

 

2003/11/22 

عندي أحلام قد لاتصل لأسوارالصين ، وليست بشموخ الأهرامات ، وليست بجمال حدائق بابل ، وليست ككل المعجزات ..

 

حلمي حلم ديك الصبح وقرقة القرية وكبش الحقل وشجر البلوط وثمر التفاح وزعتر السهوب وموج البحر وقلب العشاق ..

 

حلمي حلم المستيقظ عند الصبح يلف عباءته ويركض نحو الشجر السامق يتسلقه حتى وسط الريح من أجل أن يمتطي غيمة يسافر فيها حتى الماضي أو حتى الزمن الآتي ، ما بين الآفاق والآفاق. حلمي من أجل النور الذي يجتاح ظلام القلب ويكسر أدراج اللامعنى والضوضاء ويبحث عن ترياق . حلمي أن أبقى فتيّا في ولدي أسلمه مفتاح الدار التي تربض باسمة من غير سوار..

 

حلمي أن أجري بلا ثوب، ولايمضي الآخرون زمانهم في البحث عن كل عيوبي .  حلمي أن أضحك مع مخلوقات الانس الأخرى ، وأن أبكي معهم سواء بسواء مثل قطيع من غير ذئاب .

 

حلمي أن لايعيش ذو حاجة على باب غني.. وأن لايكتب شاعر قصيدة مدح لقوي..  وأن لايتحكم أحد بمصير العالم، وأن لايحتاج بنو البشر لدبابة ، بل يلعنوا البارود والديناميت.. وكل لصوص التاريخ ، وصنّاع البارات ، والقوّادين في الظلمات..

 

عندي حلم أن يتغير لوني من أبيض لأسود لأحمر لأشقر لأصفر،  لكل الألوان.. كي لا أفرق في الألوان.. وأن ينبت ورد وعنب وريحان في كل الأوطان.. وأن تزال من كل قواميس الدنيا مفردات العهر و القهر والظلم و العدوان .. ..

 

حلمي أن ينبت أولادي في عالم يضحك عند الولادة وعند الشباب وعند المشيب وعند الموت،  في كل البلدان وفي كل الأزمان.

 

أحلامي أبسط من أسوار الصين وأبسط من الأهرامات ، أبسط من حدائق بابل ، أبسط من كل المعجزات..

 

أحلامي بكل بساطة أن يبقى الإنسان هو الإنسان ...

 

الشاهدة

 

نيقوسيا 18/9/2002

(رغم الأثقال يبقى النبض بالآمال !)

 

أنا أحب الشجرة .. وأنت كذلك .. و كل الناس.. هكذا نقول جميعاً..

 

ولكنك من العجب أن تحبها و تقطعها.. أن تحبها و تترك تربتها جافة.. تحبها و تترك تحتها الأوساخ أو تعبعب بين أغصانها وأوراقها الدخان.. كان جدودي يحبونها فهي الجمال لهم والخير كذلك، و لذا فقد كانوا يرعون حياتها كأطفالهم.. وفي كل صباح وفي كل مساء يرمقونها بنظرات الحب و الأمل كما يرمقون أطفالهم.. بل إنهم مستعدون للتضحية من أجلها كما يفعلون من أجل أطفالهم.. كانت الشجرة ابناً..  وكما أهملنا الأشياء الكثيرة الجميلة في حياتنا فقد أهملنا الشجرة..

 

غير أن الشجرة جاهدت من أجل أن تبقى حية!..

 

لقد بقيت، رغم قسوتنا، على حبها لنا..

 

حقل أبي صغير مربوعٌ، تراب مرتفع ترفعه الأحجار، مليئ بالشجر المزروع.. قبل خمسين عاماً قالت أمي ليس عندنا بيت، وقال أبي هو الأمر كذلك.. فاقتلعوا أول شجرة عتيقة، شجرة جوز عملاقة، لأنها تحاذي طريق الدواب تحت رصف الحجارة الجنبية.. اقتلعوها وقد كانت هرمة.. لكن جذورها في عام أو عامين شد فروعاً خضراً.. و بكى عندما قصوا له تلك الفروع ،  فتخ ندياً في قبره..

 

حقل أبي صغير مربوع يتسع لبيت من حجر وإسمنت.. و ليس هناك مكان لشجر.. قالت أمي سنسكن هذه الأرض ولا نستطيع أن نترك الشجر ضمن ضلوع جدران الإسمنت فاقتلعوها.. اقتلعوا المشمش و الجوز و الرمان، اقتلعوا التين.. عشرةٌ من شجرات التين.. اقتلعوها.. اقتلعوا التربة العالية فأصلاب الإسمنت تهوى قاع الظلمة  مكان جذور الأشجار.. فإما الأشجار و إما الجدران.. إما غصن التين بحليبه الأبيض، و إما الإسمنت بعصارته السوداء.. و البيت لا يستقيم إلا بالركائز في القاع، و الشجر يحب التربة، وليس بالمقدور أن يرتوي من الإسمنت حتى لو جاع..

 

اقتلعوا شجر الجوز والرمان، اقتلعوا المشمش والتين.. اقتلعوا كل ماهو أخضر فالمكان ضعيف.. رحَلوا التراب إلى غير مكان.. وألقوا بثقالات الطين الأسود والأحجار وهم يزغردون.. فبناء الدار قد بدأ.. وأنا عمري سنوات.. كنت أبكي.. رحلت رفيقاتي و صارت مداساً للأقدام أو نتفاً تذروها ريح أو قطعاً مقصوصة فيها قطع أتسلقها.. أو ألمسها،  تتمايل مع النسمة.. كنت آكل منها حبة جوز أو حبة مشمش أو تينات كالأعسال.. ذهب ذلك كله و لم أعد أر حولي غير الأحوال..

 

أخذت بقايا من مشمش و شممتها.. فيها رائحة المشمش.. أخذت قطعة خشب من جوز فيها رائحة الجوز.. أخذت غصناً مجدوعاً من أشجار التين فكان ما زال ينزف دماً أبيض.. فازداد بكائي.. وضعت دمه الأبيض بين شفتي فكان دبقاً لاذعاً..

 

حذرتني أمي.. لا تأخذ حليب التين في فمك.. فهو قوي يسبب الإسهال.. قلت لها و لنفسي من دون الكلمات: لون هذا الحليب التيني مثل لون حليب أمي!.. أخذت مني قطعة غصن التين و ألقت بها بعيداً.. ضحكت ثم قالت: سنعمر لك بيتاً جميلاً . ضحك أبي و قال: ستكون لك غرفة لوحدك.. ضحك الجيران و قالوا: افرح يا ولد وابحث لك عن عروس!.. قلت لهم جميعاً: - ولكن أين ستسكن الأشجار؟!..

 

غطى الإسمنت كل الأرض، من مقاس الصفر حتى مقاس الصفر.  ارتفعت جدران الطوب الاسمنتي الرمادية.. هنا صالون وهناك غرفة الولد و تلك غرفة البنت وذاك مدخل الضيف، و هنا مجلس النسوان.. أغلقوا كل الجدران.. فالجيران عيون ثاقبة للجدران.. سافرت أنا، لا أحب بيتاً ليس فيه شجر.. أمي عرفت قلبي فعملت أصصاً من صلصال، أو من صفيح صدئ ووضعت فيها بعض الأخضر قصير العمر في الزوايا.. و قالت هذا الأخضر الذي تحب، فقلت لها إن الفرق هو كالفرق بين شجرة زيتون أبدية ووردة شوك فصلية!..

 

تكسرت الأصص و صدئ الصفيح و ذهبت بقايا الجذور الصغيرة في الزبالة.. و بقيت الدار بثقل الإسمنت ورائحته.. سافرت أنا.. سافرت.. وقالوا لي عبر الأسلاك.. إن أخي قد كبر فعمروا له طابقاً آخر من إسمنت.. ثم كبرأخي الآخر فعمروا له طابقاً أرضياً إضافياً من إسمنت.. و كان دوري حتى أضيف من تعبي من جني الأثمار.. اسمنتاً آخر على سطح الدار.. و أكون أنا عند السطح الرابع..

 

رحت أعد سطوح الاسمنت.. اسمنت في قاع الأرض غطى كل الجذور.. ثم أربعة سطوح أخرى.. و قد تعلمت في المدرسة أصول الطرح و الجمع/ فحسابي أن بين الشمس و الأرض الآن خمس طبقات إسمنت كلها ذات عظام من حديد و حجر.. عندها أيقنت أن شجرات الماضي قد باتت خارج الحسبان!..

 

سمعت عن حدائق على السطوح صنعية، قلت لنفسي إن لم يكن في بيتي شجرة، فليكن على سطحي شجرة.. و أخذت أحلم في الغربة.. أعود لبيتي كي أبني ليس عموداً اسمنتياً، بل شجرة.. يوماً ما سأعود.. وعلى ظهر البيت عند الطابق الرابع سأنقل تربة و سأحضن شجرة..

 

قالوا: أنت مجنون.. ثقل فوق السطح، و ماء و رطوبة، ثم لا تنمو أكثر من نبتة موسمية فالتربة ضحلة.. و يجب أن يتهيأ شخص ما للرعاية.. و أنت قريب بعيد!..

 

فقلت ماذا أفعل؟..

 

قالوا: لا شيئ..

 

قلت: والشجر؟

 

قالوا: تذكرها!..

 

قلت: لعلهم يبنون حدائق حيث كانت البلدة كلها حدائق!..

 

قالوا: هذا في الماضي، أما الآن فالحديقة لو وجدت فهي للاستثمار..  وضعت كفي على خدي و بكيت!..

 

نحن في بلدتي بناؤون.. أحفاد المزارعين، و عندما بنينا نسينا إرثنا الزراعي، فبنينا الطوب و الإسمنت عدواً للنبتة..و بدلاً من رائحة الزهر صارت أنوفنا معتادة على رائحة الإسمنت.. فتشكلت نسبة جديدة من الموتى بسبب سرطان الرئة الناتج عن استنشاق الإسمنت..

 

في شهر نيسان، في يوم من أيامه، في شروقه، خرجت من باب الشقة التي أسكنها.. صعدت الدرجات القليلة الباقية إلى ظهر الطبقة الاسمنتية الخامسة..

 

وقفت، بل انتصبت على السطح، مع بكور ذلك اليوم النيساني و رذاد يلامس شعري ووجهي والعاري من جسدي.. أحسست بنشوة.. من هناك نظرت إلى سطوح البلدة فوجدتها جميعاً غابة اسمنت، على كل سطح ترتفع الأعمدة تعلوها قضبان الحديد، كلها تمتد نحو السماء تقول إننا سنرفع و نرتفع.. سنرفع عمداناً وأسقفة أخرى..

 

فقلت في نفسي: إنهم لا يريدون شجرة واحدة أن تخترق قانون الاسمنت هذا.. نظرت إلى الأفق البعيد.. فوجدتها جرداء، نظرت إلى الوادي الذي كان يوماً أخضراً،  فرأيت بقايا اليباس.. لم أجد مكاناً ما في البدة يعترف باللون الأخضر.. فامتزجت دموعي بالرذاذ النيساني الصباحي القادم من السماء..

 

إيه يا قريتي الجميلة..

 

إيه يا أيها التل الحبيبة!..

 

أين أنت؟!.. ها قد تحولت إلى غابة من الاسمنت وماتت فيك غابة الأشجار!.. إيه!..

 

أنا على سطح السطوح.. الأعمدة الصلبة من حولي.. آثار المداخن السوداء من حولي.. كل شيئ رمادي قاتم.. منذ الصباح الباكر أبكي.. اتجهت إلى السماء التي بدأ نور النهار يسطع فيها.. وكما لو أن شيئاً استوقفني فجأة، جمدني، وضع يدي في ثلاجة.. أوقف جفني عن الحركة وأوقف قلبي عن الخفقان..

 

اقتربت من منور البناء الممتد من القاع حتى السطح.. كان يحيط به جدار يرتفع.. اقتربت أكثر، فهناك شيئ يشدني  ويصعقني كجذب الكهرباء  وصعقها.. لقد امتد أمام عيني حتى مافوق الطوب الاسمنتي غصن تين أخضر فاقع الخضرة.. لمسته وتأكدت أنه حي قوي الحياة.. تتبعت الغصن فوجدت جذره ينغرس في كتلة طبقة الاسمنت الخامسة العليا مابين الاسمنت والبلاط في طبقة الرمل..

 

وجدت له فروعاً عدة، يغطي الجزء الأعظم من النور..  وجدت اليمام يرقد في عشه عند جذره.. لمست الغصن.. شممت أوراقه.. إنها نفس الأوراق ونفس الرائحة التي عرفتها صغيراً لشجرة التين العملاقة التي كانت تسكن وسط الحقل قبل كتل الإسمنت الهائلة..

 

بين الصبح  والرذاذ والنور المنبثق وهديل اليمام.. سقطت دمعة من عيني على ورقة التين..

 

وقالت لي شجيرة التين المعلقة:

-أنا أريد الحياة!.. أنا أريد الحياة!.. أنا أريد الحياة..

مازالت شجيرة التين هذه المعلقة في الطابق الرابع في بيتي، هي ويماماتها، شاهدة على بلدتي.. وهي دائماً تسأل:

متى يمكن سماع شهادتها؟!..

 

قلب المدينة  

 

نيقوسيا 10/3/2004

(من أجل أن آخذ لابد أن أثمر)

 

هي رؤية أو رؤيا .. تحت وهج الحر وفي الغبار ، أو في الزمهرير وفي الصقيع ، حيث تنبهر الأشياء إلى حد البله ..  ..

 

عند بناء عتيق، التصق رجل من بقايا حادث سير ، في الزاوية يتأمل بساطاً عليه قطع باقية من آلات صدئة ، وقطع من مذياع .. ثم يتنهد منتظراً أن يقبل رجل ما من أرض ما كي يبتاع .. وبجانب بقايا الرجل ينتصب رجل مائل وأمامه عربة بثلاث عجلات وعليها صاج يسلق أو يقلي أو يشوي ثم يقلب في المعلاق ..

 

وعندهما يصطف رجل وآخر ثم آخر ، في عيونهم مازال العمش عالقاً ، يحمل كل منهم ساعة يد أو بضعة كتب من مدرسة أهمل طلابها محافظهم .. وعلى بعد متر أو أكثر جلس ثلاثة رجال على كراسٍ بحجم كرات ، يحتسون الشاي الساخن ، ويدخنون السجائر وينتابهم السعال ، ثم يغريهم بخار خمير الشاي مجدداً ، فيطلبون كأساً تلو كأس ، ويمتصون الدخان إثر الدخان ، ويبصقون في الزوايا الخربة حيث تتجمع بقايا الشاي الخمير والمخمور ..

 

لحق بهم، بمجموعة البقايا والعرج وحاملي الساعات وشاربي الشاي ، لحق بهم ماسح أحذية هرب من أمه وأبيه ، وصبي يخشى أن يراه الرجل جاره أبو البنت التي هف ثوبها عن ساق .. كما لحق بهم آخر استجمع أشياء من سلال القاذورات ، ثم غسلها في الماء الآسن وبسطها فوق طوب مكسور ينتظر صاحب دريهمات ينفقها مشدوداً بغرائب الأشياء .. رجل آخر أقبل يستمع إلى مطربة منخورة الصوت من خلال جهاز تفلتت أجزاؤه ، وتحركت مدخراته ، ثم رافقه مناد ينادي على سجائر آتية من بعد أبعد من آفاق ..

 

هكذا كانوا .. ثم انفرطوا فجأة ، خلال ثوان ، واختفت البُسط بما فيها وغابت في الأحضان .. وصرخوا بأصوات مبحوحة مكتومة .. "لقد أتوا .. لقد أتوا ..". انفرطوا فجأة واندثروا .. وغابوا وكأن شيئاً ماكان ..

 

غاب اليوم ، وغاب التالي ، ثم عادوا مجدداً ، وانضم اليهم عامل تنظيفات ، وبائع زجاجات ، وحمَال الغاز ، والمطرود من زوجه ، والمطرود من عمله ، والمطرود من نفسه ، وسارق الغسيل ، والأعرج ، والأعمى ، والأبكم ، والحالم بالأحلام .. ومن لا يعرف تعداد الأيام ..

 

وهكذا تنامى العدد من عشرة إلى عشرين ثم من مائة إلى مائتين فجاء صيادوا الفرص ، أو الضحايا ، يبتغون رؤية أو رؤىً ، فهم إما نهَابون أو منتهبون .. فلعل هناك اليوم بقايا من بيت مهدوم ، أو ما يُروى أنه مهدوم .. ولعل هناك ساعة مازالت ساخنة من يد حاملها ، أو شيئاً ما مازال دافئاً من حضن حامله ..

 

وللمرة الثانية والثالثة ذاب الجمع خلال ثوان .. وبقي المكان يصفر في الريح .. يجوبه ثلاثة شبان .. يشمون رائحة المعلاق المسكوب .. وعند الزوايا تنتظر الفئران ..

 

*     *      *

 

تسابقت الأيام وطارت .. ومات صديقي .. وتباطأت حركاتي .. وبكيت كالطفل ، وأكلت كالطفل .. ونسيت السنوات السبعين .. وحلمت كطفلٍ جاء الآن .. اليوم عيد ميلادي العاشر .. اليوم سأطفئ شمعة العقد الأول من حياتي ، لأنظر بشغف للعقد الثاني وأحلم بضم فتاة أو بعناق صبية ، أو برجفة حب فوق سحاب ..

 

حلمت كطفل جاء الآن ، وأنا في العقد الثامن ، ومات صديقي، وصديق صديقي .. تقوستُ كجائع في الصحراء الإفريقية ، وسمعت كشاة تقطع طريق السيارات ، ورأيت كرضيع خرج للتو من بطن أمه.. وقعت الأشياء من يديَ وسقط الفُتات من فمي وتطاير اللعاب ..

 

عشت حياتي .. عرقاً من جلدي .. وعرقاً في جوفي .. طرت وجئت .. بنيت وهدمت .. كتبتُ ومزقت .. عملت ولعبت .. بكيت وضحكت .. وعشتُ ..

 

أحببتُ وكرهت .. قبلتُ ورفضتُ .. شبعتُ وجعت .. ثم كبرت وشبت .. ثم انحنيتُ ..

 

وكما عاش كل الناس عشتُ .. حلماً كان ومازال .. يُختصر في كلمةٍ تقال .. أو في غناء موَال ، أو في كان ياماكان ..

 

حلماً أن أبقى .. فأنا أخشى الرحلة .. لأنني أخشى المجهول .. فسلمت أمري .. وألقيت عبئي على الخلاق .. واستغفرتُ وبكيت وندمت وتبتُ .. وقررت أن أسكن وأترك الريح .. قررت أن أستريح..

 

إلا أن الحلم سبق القرار .. وطالبني أن أزور بقايا رؤيا الماضي..

 

ألح علي الحلم ، فتلملم جسدي ، وتثاقل ، ثم تحرك ، ثم مشى ..

 

مشيتُ كثقل هموم الدنيا ، وكان في يدي عصا ..

 

*     *     *

 

حلمت في يوم ما ، وغرقت في كابوس بائع المعلاق ، وبسطة باقي حادث سير ، وحامل الساعة ، وبائع الشاي .. ولص الغسيل ، وجامع النفايات ..

 

غرقت في الكابوس في يوم ما ، ثم نسيتُ الأعوام السبعين .. ثم عدت أتكئ على عصا .. وأقترب من كابوس يتفاقم  ..

 

بدل العشرات وجدت الآلاف .. صغاراً وشباباً ومسنين .. زحمة بشر ممتدة .. بسطات وبسطات .. بائع خرداوات ،بائع مجلات بصور العاريات .. بائع أجهزة وأدوات .. بائع أشرطة وأغنيات ، بائع فواكه وخضراوات .. وبائع الوعد والكلمات ..

 

غصت بلحمي المقَدّد ، وبعظامي السلكية ، ومررت بابن بائع المعلاق .. وسمعت جلبة ولفظاً ونداءات .. وأقحمت جسدي المهدود والمكدود بين العارضين والمستعرضين .. والمساومين والأذكياء والأغبياء . وغاب عني امتداد الساحة إلى الساحات ، وكثرة الرواد ، وقلة الأشياء ، ولهات الأنفاس .. حتى إذا خرجت إلى مابعد السقف ، رأيت كومات ممتدة ومدَات لاتحصى ، يميناً ويساراً ، عليها أشياء ملتقطة من زاروب أو شارع .. تمر بينها سيارات كتداخل موج طاغ وأعاصير .. لا تسمع منها إلا لفظاً يدخل في لفظ .. لحم البشر يدخل في الحديد والحديد يدخل في لحم البشر .. يمر الجميع كما تمر الأيام .. وبين هذا وذاك أتوه أنا بعصاي .. ويركض شاب يلحقه آخر يشتمه،  فيصطدم بي ويكسر العصا فأخر ثقيلاً على حجر بازلتي .. يحزن بعض الناس  ويتحسرون ثم يشجعون لكن أحداً منهم لا يطلب المشفى .. بقيت هناك ذليلاً مهيض الجناح ، وكلهم يقلب أشياءه .. ثم يجمع صرته ثم يوليِ .. وأنا باق أبكي عند جدار قديم صدئ .. إلى أن بقيت وحدي .. مكسوراً كعصاي ..

 

*       *        *

 

أغنية راجفة تأتي من بعد .. ثم تمر قربي .. ثم يرافقها صوت يقول " لاحول ولا قوة إلا بالله .."  ثم أهجع وحيداً .. ثم تأتي سيارة فيها رجلان يحملاني .. ويقولان همساً رقيقاً :

 

-عسى أن يكتب الله له النجاة .. والحياة .. فهو رجل طاعن بالسن .. فقد النطق والبصر .. فما الذي جاء به إلى هذا الزحام والمكان ؟!.. ومن هم أبناؤه الذين أهملوه إلى هذا الحد ؟!..

 

كنت أسمع وأرى ..

 

وكنت أسأل وأتساءل فيما إذا كنت في فراشي أرى كابوساً .. وأنني مازلت شاباً أضرب في الأرض وأبتغي متع الحياة .. أردت أن أصدق أنني مازلت أرى كابوساً وحسب .. ولكنني تلمست جسدي بثقل فوجدته كومة قديد .. ورأيت من خلال الغمامات الرجلين .. وأحسست بحركة أنني في كابوس، ثم ضعت بين الكابوس والحقيقة ..

 

أكدت لنفسي أنني فتيٌ كالفتيان ، وأن الذي يجري ليس إلا وهم ناتج عن خوف من المجهول والزمن الآتي .. ثم أكدت لنفسي أنني أخادع نفسي وأضيع ، ويكبر سؤالي ليشمل الدنيا من تاريخها ومن أرضها إلى أرضها ..

 

لماذا يجتمع هؤلاء في قلب المدينة ؟.. ولماذا ليس لسوقهم اسم ؟.. ولماذا هؤلاء ذكور وحسب ، فهم أرض جرباء لا تثمر .. ليس بينهم أنثى واحدة كالأرض التي تثمر خيراً وعطاء وحباً وبناء ..

 

وأخذت أحلم الحلم الجديد .. في الطريق أرى على جانبيه أشجار الحور ومن بينها أرض خضراء ممتدة .. نسمة تهفهف صافية آتية مع غناء الجميلات يتهادى مع رقة النسمة ..

 

أرى أحمال الزرع آتية غادية ..

 

أرى القطار بصفيره وبراكبيه ..

 

أرى بسمة الصبية على شفاه الكرز ..

 

وأرى على صدر السوق اسم له ..

 

وأرى أن الرجال العقيمة قد تم استبدالها بنساء ولودات .. وشجرات مثمرات ..  

أضيفت في 01/06/2009/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية