أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتبة: جمانه طه

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتبة

بطاقة تعريف الكاتبة

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتبة

 

ولدت في جبلة سنة 1941.

عضو جمعية البحوث والدراسات.

أمينة مكتبة في اتحاد الإذاعات العربية.

تتقن اللغة الإنكليزية.

إجازة في اللغة العربية من جامعة دمشق.

 

مؤلفاتها:

1-الجمان في الأمثال- دراسة تاريخية مقارنة-.

2-سندباد في رحلة مؤجلة –مجموعة قصصية-.

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتبة

عندما تتكلم الابواب

أحلام مغتالة

آه يا نيل

لقاء أوروبي 

باب الدار

سنديانة تستعيد جذورها

دار السعادة

لوحات قصصية

 

لقاء أوروبي

 

لم تتبق غير ساعتين على وصول القطار القادم من لندن إلى أدنبرة. وأنا لم أحسم موقفي، في أن أذهب إلى المحطة أو أنتظر في البيت.

كان زوجي عائداً من رحلة عمل له في لندن. وفكرة استقباله في المحطة تراودني، بل تسيطر عليّ، بدرجة حجبت عن عيوني رؤية ما يمكن أن يحدث، فيما لو وقع لي تصادم أو أوقفتني دورية مرور. فأنا حديثة العهد بسياقة السيارة ولم أكن قد حصلت بعد على ترخيص يخولني ذلك. وبين أخذ وردٍّ بيني وبين نفسي وبين خوفي ورغبتي، حزمت أمري. ركبت السيارة، أدرت محركها، وانطلقت باتجاه المحطة متكلة على الله والحظ.

كان الطقس جافاً والطريق باردة، وخالية من المارة. على طول المسافة التي تفصلني عن وجهتي، ترافقت مع الأشجار الضخمة المتناسقة، ومع الأضواء التي كانت توزع بقع النور على كل ما حولها، بكسل وضبابية.

وقبل موعد القطار بنصف ساعة وصلت المحطة بسلام، والسعادة ترفعني في مظلات فرح، حتى خلت نفسي أطير. - ليلة باردة. قال الرجل الذي يجاورني في المقعد، وكأنه بكلماته يفتح كوة في جدار الصمت.

- هي كذلك. أجبته وأنا أحكم ياقة المعطف على رقبتي، رغبة في الانكفاء ومعاودة الصمت.

لم يحفل الرجل برغبتي. لقد اشتمَّ غربتي من لهجتي. فانهال عليّ بأسئلة متلاحقة، عن سبب وجودي في المحطة وعن عمل زوجي وعن عدد أولادي وعن...

ومع كل جواب، كانت ابتسامته تعرض استحساناً وإعجاباً. لكنه ما أن عرف أنني عربية من سوريا، ولست اسبانية كما خمّن، حتى تقلصت ابتسامته وتجهم وجهه. ثم استقام في جلسته، قائلا باستخفاف: عربية، هيه عربية! يكفي أن تقولي إنك سوريّة. أجبته بابتسامة: لا. لا يكفي.

فقال بلهجة الواعظ: لا تكوني عاطفية، حتى لا تعقدي  علاقتك بالمجتمع الذي تعيشين فيه.

أغضبتني لهجته، وألهبني موقفه من العرب. لكنّ عجزي عن التعبير أغضبني أكثر. فلغتي الإنكليزية لا تسعفني في الرد عليه ردّاً يرضي مشاعري وطموحي. ومع بعض الجمل الركيكة والكثير من حركات اليدين، استطعت أن أتحاور معه حتى النهاية. قلت له:

- هل أنت بريطاني وكفى، أم أنت اسكوتلندي أولاً؟

- طبعا، اسكوتلندي أولاً.

- إذن، القومية مهمة؟

- هي كذلك دون شك. إنما، يختلف الوضع عندك بعض الشيء.

- لماذا؟

- لأنّ الأوروبيين يتعاملون مع العرب على أنهم بداة حفاة، يركبون الجمال ويأكلون عيون الشياه.

- أنت تعلم أنها دعاية مغرضة ليس إلاَّ.

- لكنّ الناس هنا لا يعلمون. فهم يتأثرون بما يسمعون من الإذاعة ويشاهدون في التلفزيون. ولا أخفيك أن صورة العرب في إعلامنا صورة غير جيدة، إن لم تكن بشعة وقاتمة.

 - هذا ما لاحظته، لا سيما في برامج الأطفال. ترى هل رأيك يخالف إعلام بلدك، أم يوافقه؟

- لا أخفيك أني لست ميالاً للعرب. لكني أحترم دور سوريا الحضاري القديم. وقد قيل إنّ لكل إنسان وطنين، سوريا وموطنه الأصلي.

- كم يسعدني كلامك.! لكنّ سوريا أرض عربية.

- عدم ميلي للعرب يدفعني لتحييدها عن العروبة. وهذا الموقف، هو نتيجة وجودي في مصر، أيام فترة الاحتلال البريطاني.

- وتتهمني أنا بالعاطفية وأنت من يتعامل بعملتها؟.

- كيف؟

- حين حكمت على أمة بكاملها من خلال تعامل شخصي، فأين هي الموضوعية؟

-قد أكون كذلك. لكن لا فكاك من الذكريات التي حملتها معي من مصر، عندما كنت مسؤول تموين في الجيش البريطاني زمن الاحتلال. حينها كان المصريون يغيرون على معسكراتنا، يسرقون خيراتها ويخلِّفون لنا الدمار والخوف والقلق.

- سبحان الله! تعيب على المصريين غاراتهم على معسكراتكم، وأنتم الذين تحتلون أرضهم وتسطون على آثارهم؟

قلت هذا، بعد جهد جهيد وبركاكة لغوية واضحة. في حين كان صفير القطار يملأ الأجواء، إيذانا بتوقف عجلاته. هممت بالانصراف لاستقبال زوجي، فاستمهلني محدثي قائلاً: لغتك الإنكليزية المزهرة أثَّرت بي. وصدقك في التعبير، أضاء المساحات غير المملؤة في نفسي بنظرة سلبية تجاه العرب. أعدك أن أفكر بكلماتك وأن أوازن بينها وبين ما اختزنته في عقلي. إنه أمر غير سهل، لكنه غير مستحيل. وداعاً أيتها السورية العزيزة.

تركته وأنا أتعجب من إصراره على سوريتي، ومن صبره على لغتي. وحثثت الخطأ نحو زوجي الذي كاد أن يتهاوى عندما لمحني في المحطة.

 

 

 

آه يا نـيـل

 

بعد جولة حافلة بالتلاطم مع الأمواج البشرية في أسواق القاهرة، اقترحت صديقتي أن تكون استراحتنا في مطعم الكبابجي بشيراتون الجزيرة، حيث الأزرقان الماء والسماء. الفصل ربيع، والجو مفعم بالدفء والعذوبة. والنيل كعادته يستلقي بمحبة بين الجفون، يجتز من الأرواح التعبة أحزانها، وينبتُ مكانها فرحاً أخضر، يستحم برذاذ النشوة والطيب.

بشهية، أخذنا نتناول طعامنا عند ركن يداعب خد النيل، ونحن نستمع إلى مطرب يغني ويعزف على عوده أشجى الألحان.

استراحة ولا أحلى! همست لصديقتي، التي أيدتني بهزة متحمسة من رأسها. بعد لحظات التفتت إليَّ متسائلة: ألا تظنين أنهم مغاربة؟ قلت: من تقصدين؟ قالت: هؤلاء ودلّت على طاولة، يتحلق حولها عشرة من النساء والرجال، يضجون مرحاً ويصفقون للمطرب تشجيعاً واستحساناً.

لم أوافق صديقتي على تخمينها ولم أخالفه، فأنا لم أتبين تماماً، اللهجة التي تطبع كلامهم. وبعد أن التهمت جلستنا ما في حوزتنا من زمن، وما في جسدينا من تعب، سددنا الحساب ونهضنا للانصراف. لكنّ صديقتي أرادت أن تثبت لي حسن فراستها، فتوقفت أمام تلك الطاولة وألقت على جلاسها التحية، وسألتهم لهم بلهجة المتيقن من الجواب: أنتم من المغرب، ها؟!.

- لا. نحن من إسرائيل.

الرعشة الجليدية التي لبست وجهها، لم تمنعها من متابعة تساؤلها:

- فلسطينيون، ألستم كذلك ؟

 - لا، بل يهود.

 وباستنكار واضح قالت: كيف، وأنتم تتكلمون العربية؟

 وبلسان واحد ردّوا، نحن من يهود العراق. في حين علت وجوههم ابتسامة صفراء، وسكنت عيونهم نظرات تنوشنا تحدياً واستصغاراً.

تماسكت صديقتي أمام ورطتها، وهمتْ بمتابعة مسيرها نحو باب الخروج. أما أنا، فدار رأسي وزاغ طرفي. هبوب ذل صفعني، وضعني في مهبٍّ لا أستطيع له دفعاً. فجأة، وجدت نفسي في ظروف غريبة لم تعبر خاطري ولم أكن مستعدة لها. أحسست ببعد سحيق عن أرض كانت لي منذ لحظات هي الوطن. شعور قهر يخترقني، يهيب بي أن أمزق وجوههم النتنة وقلوبهم الجاحدة. أيولدون في بلادنا وينشأون على ترابها ثم يتنكرون لها وينتسبون لإسرائيل؟.

ما هو السّر في هذا التصرف، وأين يكمن؟ أيكمن في دين استطاع أن يحوّل عقيدته إلى انتماء وقومية؟ أم يكمن في خنوع أمة هانت عليها نفسها، فهانت أرضها على الأعداء، وذلَّت لأقدامهم النجسة؟!.

في تلك اللحظة، تمنيت أن تتوحش مياه النيل الوادعة لتقتلعهم من هدأتهم، وتجعلهم مضغة لحيتانها الخضراء. تمنيت أن أسمع صراخهم متوسلاً محموماً، ولا من منقذ أو مجير. هل ذهبت في التمني بعيداً؟ أم أن زمن تحقيق الأمنيات لم يحن بعد؟!.

لم تمهلني ذاكرتي لأعيد إلى جسدي توازنه وإلى دواخلي تماسكها. فالمسالك تشتبك وتتشعب، والأحداث تتداخل وتتلون باهتة واضحة قاتمة مشرقة.

تداعياتي تنقلني إلى مدى من صور جارحة، توزعتها مساحات محتلة في الجولان والجليل وغزة والقدس. صور جارحة، لأطفال يسقطون كل يوم برصاص غادر في فلسطين وفي جنوب لبنان. صور جارحة، لأشلاء غضة تناثرت ورداً فوق تراب قانا. ولدماء زكية، تركت وشمها على جدران المسجد الإبراهيمي. صور جارحة، لرجال استشهدوا في الجليل وسيناء والنقب والبطيحة، كي يرفعوا الوطن إلى سمت الشمس، ويجعلوه وردة أفق لا تذوي ولا تغيب. سؤال يفد إلى خاطري، يلوب في فضاء ذاكرتي يجرحني ويحرجني. سؤال يقول: لو أن هؤلاء الشهداء بُعثوا أحياء ورأوا ما أرى، ما تراهم يفعلون؟ أيتقبلون ما يجري فوق الأرض العربية. أيوافقون على إذابة دمائهم في مياه السلام الخلبية الآسنة، ويسامحون؟. أم يعيدون أسطورة كفاحهم ويبذلون دماءهم من جديد؟.

أفيق من ارتياداتي الحالمة على يد صديقتي، وهي تسحبني خارج المكان الجحيم. أصوات ضحكات متشفية ترافقنا تجلد مسامعنا، تيّقظ عقلي، وتردني إلى لحظة البدء. ابتلع ريقي، يجرحني طعمه الحنظل. فأدرك أن زمن تحقيق الأمنيات لم يحن بعد!

آه يا عـرب. . . آه يا نـيـل!. . .

نيسان 1994

 

 

أحلام مغتالة

 

إذا أردت اختبار وفاء رجل، فانظر إلى حنينه لأوطانه وتشوقه لإخوانه.(الأصمعي)

 

سألتْهُ فوزية وقد فوجئت به أمامها:

من أين جئت، وكيف وصلت إليّ؟

- جئت من النبض الذي ما زال يلوب في القلب. من الأيام التي أبت أن تصبح ماضياً.

- ألم تحملك مناخات الغربة ومشاغل السياسة على النسيان؟.

- وجودك في نفسي أقوى من كل المناخات والمشاغل.

- ولماذا ظهرت هكذا بدون مقدمات؟

- لست بحاجة إلى مقدمات. فأنت قلبي حقيقة، لم تتأثر بنفي أو اعتقال.

- وكيف عبرتَ إليّ هذا المدّ من السنين الخصيبة والعجاف؟

- بالبحث عن طريق يوصلني إليك. بالأمل الذي لم يفارقني، أني يوماً سألقاك. انهما الآن وجها لوجه، بعد أكثر من عقدين من الزمن. الأيدي تشابكت. والدموع تحيرت بين أن تنهمر، أو تقف ترنو إلى اللقاء. والتفاصيل مرتبكة، لا تعرف من أين تبدأ.

*   *   *

تذكرت لقاءهما الأول، الذي بدأ في أحد المراكز الحزبية حين كان ياسر يحاضر عن القومية العربية بين الواقع والطموح. وقتها كانت فوزية طالبة في عامها الجامعي الأول، وكانت أحلامها القومية أكبر من قلبها الصافي، وأعلى من يديها الغضتين.

عندما لمحها ياسر بين الحاضرين، أحسَّ وكأنّ حبلا سريا يمتد بينهما منذ أجيال.

الماضي يصحو، يكسر حاجز الزمن. الذكريات تنفر من مكامنها، مثل غزال مهتاج وترتسم في العيون صوراً لا تنسى. هاهي دمشق تحتضن كنوزها، تحت عباءتها المقصبة، ضنَّاً بها عن أعين الغرباء. لكنّ دمشق، ما أن لمست حبهما لها، حتى باحت أمامهما بسرها، وأدخلتهما بين العباءة والجسد. وملأت صدريهما بعطور ياسمينها. وسمحت أن يركضا في طرقاتها وأزقتها، ويعرفا أبوابها وبواباته وساحاتها. ها هي المساءات تقذفهما مرة إلى باب توما، ومرة إلى بوابة الصالحية. والصباحات تضعهما في رحاب الجامعة أو في مقهى آخر خط المهاجرين، المنفرد بصدر جبل قاسيون يحلمان ببناء بيت فوق قمة الجبل كي لا يسمع نجواهما أحد.

يا للحزن! لقد زُرع قاسيون من قدمه حتى لمَّته بالبنايات والإسمنت، وبقيت أحلامهما مشرَّدة لا تجد أرضاً تحط عليها.

*   *   *

بعد صمت صاخب بالصور والذكريات، يحتضن ياسر بعينيه وجهها، ويقول:

- هل كنتُ في ذاكرتك؟

- الإنسان يا ياسر، لا يشفى بسهولة من ذاكرته. كنت أتذكرك دائما وأتساءل، إن كنت تقبع في زنزانة، أو كنت ترمح في قصر. لكنَّ توالي السنين، يصيِّر البعد جفاء. وتصبح الذكرى رصيدا يصعب حمله أو الوفاء به.

- لم تتوقعي إذن أن نلتقي؟

- من كان يتوقع؟

- أنا.

- أعترف أني لست مثلك.

- أما سألت عني أحداً من أصدقاء الأمس؟

- المشهد العربي المضطرب، أبعدني عن كل رفاق الأمس.

- احترم قرارك، ولا أوافق على هذه السلبية؟.

- وأين هي الإيجابية، وأنا أرى مركباً أحببناه يغرق، وأرضاً ترامت أحلامنا على مساحتها تتقلص، ومبادئ نذرنا لأجلها شبابنا تتشوَّه وتتقزّم؟!

قال، والوجوم ينغلق على ملامحه الأليفة:

- انكسار الأحلام وخيبة الآمال لا تستدعي الانكفاء والابتعاد. والمطالب الغالية تتطلب جهدا مضاعفا.

- جائز. إنما أقدامي تعبت من الركض وراء أوهام. وليس بي رغبة لهدر ما تبقى من عمري بانتظار معجزة الوحدة العربية!.

- تحقيق الوحدة يحتاج إلى عمل، لا إلى انتظار يا فوزية. والطحالب التي ترينها على سطح الوطن، لن تعكر أعماق البحيرة. فالماء النقي عندما يجري يطرح معه السموم.

- كم أنت مثالي ومتفائل!.

- لست كما تظنين. إنما أنا خائف من التحولات الخطيرة التي تواجهنا في الداخل والخارج، وتقضي على المثقفين أن لا ينحسروا عن الساحة.

- المثقفون؟! ماذا بيدهم أن يفعلوا وهم في بعض البلاد العربية مواطنون من الدرجة العاشرة؟

- كم أستغرب كلامك!. ترى هل كانت زنزانتي أرحم من بعض حياتك الآمنة؟

- لم أعد قادرة على التقوّت بالأحلام، وأنا أرى الدم يطفو على خارطة الوطن من الماء إلى الماء.

قال، وصوته يأخذ نبرة جديدة فيها كثير من الخيبة والمرارة:

- في السجن، ذقت مراحل الإرهاب الفكري. رأيت كيف تسحق الإنسانية، وتنزع العقول من أماكنها، ولم أصل إلى سوداويتك!.

- لست سوداوية بل مخذولة.

- ما الذي يبدد جحيم الخذلان إن لم نتصدَّ له؟ ما الذي ينقذ الوطن إن لم نسانده ونحميه؟.

سكت ياسر وانحنى في مقعده للحظات، ثم قال وهو يتأهب للنهوض: لا إحساس بالزمن معك، حتى وان اختلفنا في وجهات النظر. صديق لي ينتظرني في الفندق، سأراك مساء على العشاء. وقبل أن تنطق بالموافقة أو الرفض، حرك يده مانعاً أي تعليق.

في ذلك المساء، كانت أعماق فوزية هشة قلقة وهي تجلس قبالة ياسر في الكرسي الذي سحبه لها النادل. مشاعر إثم تلاحقها. تضيِّق عليها فسحة الفرح. جلوسها مع ياسر في مكان عام، فعل غير مباح لها وغير مبرر من الآخرين. ماذا تفعل، وهي لم تكن تملك الجرأة على رفض دعوته؟ وفي ذات الوقت، لا تملك القدرة على مواجهة المجتمع وتقولاته.

ترحيب ياسر بمجيئها، اعتقل صمتها وبعثر الإثم والقلق من نفسها، فأخفت حوارها الداخلي وراء لسانها. وبدأت تحكي له عن الصعوبة التي لاقتها للوصول إليه في الموعد المحدد. في هذا الصيف الشاميّ المزدحم، يزداد الطلب على سيارات الأجرة، وتزداد معاناة الناس. فالسيارة الواحدة تأخذ عدة ركاب لوجهات مختلفة. غريب، أليس كذلك مع أنّ عدد السيارات المرسيدس السوداء، أكثر من الهم على القلب. حتى ظنّ أحد السائحين الألمان أنه لم يغادر ألمانيا!!.

يضحك ياسر بصخب لتعليقها، وتضحك معه.

تتلفت حولها. تأخذها الفخامة التي تحيط بها، فترحل مباشرة إلى مقهى آخر خط المهاجرين وجلساتهما هناك، حين لم يكن معهما غير ثمن فنجان قهوة أو فنجان شاي. يلتقط ابتسامتها الخفية. يسألها عن السبب، فتقول:

يا للزمن! مبادئ اشتراكية ومصاريف رأسمالية!.

_ أرجوك، لا تفسدي مساءنا بأحاديث السياسة. هذا المساء لنا وحدنا.

توافقه فوزية بهزة من رأسها، ونظراتها تشرب ملامحه.

- خبّرني كيف استطعت أن تهرّب التجاعيد عن وجهك ودواخلك؟

- بالحب والإيمان يا عزيزتي. وأنتِ، كيف خالف شعرك سنَّة المألوف، وصار داكناً؟

تضحك وتقول: بالأصباغ يا عزيزي، بالأصباغ.

-ما أحلاه شلالاً كستنائياً، أعيديه كما كان.

 تحرك رأسها بمرح صامت، وهي تطيّر نظراتها من هنا إلى هناك.

- لماذا لم تتزوجي يا فوزية؟

- تساؤله المباغت، أخمد بهجة كانت قد نمت في قلبها. شعرت أنّ في داخلها رغبة، لقضم مكعب ثلجي تُبرّد به جوفها المحترق. وتمنت أن تتهمه بعنوستها، أن تواجهه بجرم تركه لها. نظراته الملحّة، تستردها من عالم التمنيات، فتقول:

- التزامي بتعليم أخوتي أخفى قلبي وراء عقلي، وألبسني ثوب الترهب.

- ألا تفكرين بخلع هذا الثوب؟.

وبسخرية مرّة أجابت: (تأخرتِ كتير تاعطيتِ يا مواسم الزيتون. !)

- ما زلت يافعة نضرة. أفسحي لي صدرك، لنستدرك ما ضاع من عمرنا.

وبكثير من الحزم، قالت:

- الصداقة التي بيننا تكفي. لسنا بحاجة إلى صيغ جديدة.

صدّها الحازم أشاع توترا في الجو، وتغضنا على جبهة ياسر العريضة. لكنّ حضور النادل، أنقذ ياسراً وساعده على فتح قناة أخرى للحوار.

- توقعت أن أرى لك مطبوعة شعرية.

- لم أطبع أشعاري، لأنها أحاسيس خاصة قد لا تعني أحداً.

- الشعر شعور إنساني، يشترك فيه الناس جميعهم. انشري ما لديك، ودعيني أقرأه قبل أن...

- قبل أن ماذا؟.

- قبل أن يغدر بنا الزمن.

- اكثر مما غدر؟!

- ربما، من يعلم؟ قال هذا، ونزع الساعة عن معصمه، ووضعها حول معصم فوزية:

مسح جبينه المندّى، بمنديل مطوّي بعناية، وقال:

- احتفظي بها، وتذكّريني.

*   *   *

نهضا، عبرا الصالون المترف باتجاه الباب الخارجي. تودّعا، وبداخل كل منهما رغبة تتأجج. تدعو ياسر لوضع يده في يدها، والركض معها في شوارع دمشق وأزقتها. وتدعو فوزية للاختباء بين أضلاعه خوف الضياع والغربة. فلا هي فعلت ولا هو فعل.!

*   *   *

سنتان مرتا، على ذلك اللقاء - الوداع. لم يصل فيهما إلى فوزية أي خبر من ياسر أو عنه. وفي يوم، اتصل بها أحد الأصدقاء وأخبرها، أنّ ياسرا يغوص في وحل السرطان. لم تصدق ما سمعت، وكيف تصدق؟ وياسر يضجُّ بالحلم، ويمنح الأمل والحياة لكل من حوله؟

استعادت وجهه الحزين حينما قال بأنّ مساحة زمنه أضيق من آماله. تذكرتْ، كيف غَصِّتْ الكلمات في حلقه وهو يتمنى أن يقرأ أشعارها في ديوان. وكيف أحاط معصمها بساعته الأثيرة. أتراه كان يعلم بما ينتظره؟ لقد هزمته حرائق الوطن ومزقت أحشاءه خلافات الأخوة وأحقادهم، فناء جسده بحمل الأمانة.

*   *   *

مات ياسر. وبمحض صدفة، قرأت فوزية خبر نعيه في إحدى الصحف اليومية. كان منشورا في مربع يحاصره السواد من جميع جوانبه. حجّرتها المفاجأة.! منذ أيام هتفت له. كان حالته مستقرة، أو هكذا أراد أن يوهمها.

كيف استطاع أن يرحل قبل أن يودعها؟ كيف تمكَّن من تركها لغياب لا برء منه، بعد أن أحيا نفسه في حياتها؟.

مات ياسر بعيدا عن أحبته، غريبا عن وطنه. موته في الغربة أكسب جسده ملامح مأساة الوطن، وتضاريس حزنه. من يصدق أنَّ الوطن الذي أحبه ياسر، وأفنى حياته من أجله، يغلق الأبواب في وجه نعشه الحزين؟ من يصدق، أن يدفن ياسر في أرض ليست أرضه، وفي تراب ليس ترابه، وتحت سماء لا يظللها نخيل؟.

تتمزق فوزية أسى لموت ياسر بعيداً غريباً. تمزقها صورة الجسد المسجى، مرتدا بين الحدود والحدود. مرتدا بين حدود الحلم والماء والنخيل، وبين حدود الظلم والمظلومين. ترى من يلملم حروف عشق للوطن مكتوبة بالدم، مشغولة بالحب والحنين؟ من يلملم حروف عشق متناثرة فوق أرض لا تتكلم العربية، وتحت سماء لا تتلون بزرقة ولا تسطع بشمس، ولا يتسامق في فضائها الضبابي نخيل أخضر حزين؟ ترى َمنْ، منْ يلملم؟.

 

 

 

عندما تتكلم الأبواب

 

نحن قوم نحبُّ الهمس. مهنتنا تفرض علينا أن نتعاطى الصمت والتطنيش. لكنَّ، ما العمل ومساماتنا مترعة بالحكايا؟.

الكلام في دواخلنا مرجل يمور، يتحيّن فرصة الخروج والانطلاق. ولا طاقة لنا على ردّه. فاغفروا نزواتنا، لطالما غفرنا نزواتكم.

قد نتجاوز في أحاديثنا عنكم خطوطنا الحمراء. وشفيعنا أنكم  في عيوننا، نحميكم ونحرس ممتلكاتكم. نرعى حرماتكم ونأسف لمواجعكم. وقبل هذا وذاك، نحن معابركم إلى الحياة، بكل ما من لهو وعمل واجتهاد.

 

نرجو أن لا تحملوا في أنفسكم موجدة علينا. وأن تخففوا الوطءْ عن أجسادنا، ولا تطرقوا جباهنا هذا الطرق الموجع. فنحن منكم وإليكم. ألم تعرفوا من نحن؟ نحن الأبواب.!

 

 

 

باب الدار

 

رغبة مفاجئة دهمتني، أغرتني بالثرثرة بعد صمت دهري يقارب اكثر من نصف قرن.

ابتدأت رحلتي يا سادتي، بصلبي على مدخل هذه الدار المتواضعة، بعد أن أتوا بي من مكان يصعب تحديده. فأنا لا اعرف أين منبتي، ولا من أين اصلي وفصلي. وطني هو المكان الذي اقف عليه، وأسرتي هي التي تعيش وراء أسواري، وهويتي هي هذا الإطار الذي يحتضن جسدي ويحدد سيمائي.

 

وجهي الأمامي مسافر أبداً نحو بوابات هذا الحي، نحو أنفاسه ونبضاته، وبكل ما فيه، ومن فيه. تتناوب عليّ ظلمة الليل وضوء النهار، أسهر مع القمر وأناجي المطر، وأتحايل على الشمس كي لا تشقق جلدي. خشبي عتيق، والمسامير الموشومة عليه هي العيون التي أطل بها على حارتي الجميلة، التي حافظت على أشكال بيوتها وأبوابها ومنحنيات أقواسها. وان كان الإنسان الذي يعيش فيها قد تغير، وفقد كثيراً من صفائه.

تحاصرني الذكريات، تعيدني إلى رمضانات بعيدة كنت أعيا فيها من كثرة الدّق والفتح والإغلاق، لاستلام الخيرات المتدفقة علينا من بيوت الجيران. واليوم لا أحد يهادينا أو نهاديه. كم أحب أن أعرف لماذا يتغير الناس، وما الذي يغيرهم؟ أهو الزمن وتعقيداته، أم أنّ هذا التغيير بتأثير الركض وراء لقمة العيش؟

يزعجني صريف الباب الذي يجاورني، يشتت أفكاري ويطرد عن عيني الراحة ومن نفسي الهدوء. مفصلاته الصدئة، تئن ويئن معها قلبي. جربت مرارا أن أنبهه، قبل أن أكتشف أنه أصمّ.

موقعي يضعني في مواجهة الغادين والرائحين، ويترك لي فرصة تأملهم، ورؤية الهموم التي يعتلونها على أكتافهم. من بين هذا الفيض الإنساني، كنت أميز الطفل سامر، بقدِّه الهزيل ووجهه الأبيض المقدد وعينيه الغائرتين، وكيف كان يبدو في مريلته الخاكية مثل يرقة في شرنقة.

أحلى لحظاتي، تلك التي كانت فيها أصابع سامر الدقيقة تتلمس سطح مساميري وتبدأ بتعدادها: واحد، اثنان، ثلاثة. وقد افتقدت أصابع سامر الدقيقة، عندما هجرت أسرته هذا الحي إلى حي آخر.

وجهي الآخر، ينفتح على دار تتوازع مساحتها الأرضية أربع غرف ودهليز طويل. وتتوسط الدار فسحة سماوية، تنتهي في إحدى زواياها، بدرج حجري متآكل يؤدي إلى غرفتين علويتين مسيجتين بدرابزين خشبي مزخرف. يعيش في الدار الحاج وهبي، وهو رجل ينحدر إلى سفح العمر، له قبيلة من الأبناء والأحفاد. يبدأ يوم الحاج وهبي بصلاة الفجر في الجامع، ينطلق بعدها إلى دكان الألبان الذي يملكه. وبعد صلاة الظهر يعود إلى البيت، ولا يخرج منه إلاّ في الصباح التالي. تحيرني شخصية الحاج وهبي، فهو مع الزبائن دمث حلو المعشر، وفي البيت صعب المراس متسلط وحشري. وصدق فيه المثل: بره شحرور، وجوا البيت دبور.

وفي الدار زوجته الحاجة زكية التي تحب الجميع ويحبونها. وهي رقيقة مسالمة، لا يشغلها شيء عن إرضاء الحاج وتلبية رغباته، رغم قسوته وفظاظته معها. الحاجة هي أحب شخص من العائلة إلى قلبي، تعتني بنظافتي وتدافع عن وجودي. في عام مضى قرر الحاج وهبي أن يستبدلني بباب جديد. بكت الحاجة وتوسلت إليه أن لا يفعل، ذكرته بإخلاصي ومحبتي، وكيف دفعت عنهم رصاص الفرنسيين، وحميت الوطنيين المختبئين خلفي من عيون الجواسيس.

آيه كم كانت جميلة تلك الأيام! مع وجود المستعمرين، ومرارة ظلمهم. كان جمالها في محبة الناس وإخلاصهم. في الطابق العلوي تعيش بنت الدار يسرى، ومن يراها يظنها باردة، لا تبالي بما يدور حولها. لكنها غير ذلك تماما، فهي رهيفة حساسة، تضايقها قسوة أبيها وانسحاق أمها، فتنغلق على نفسها وأزهارها وكتبها. في سكون تخرج إلى تعليم التلاميذ في مدرسة بالجوار وفي سكون تعود، دون أن يسمع لها صوت في هذا المنزل الذي يعج بضجة الداخلين إليه والخارجين منه. يسرى في الخامسة والثلاثين وما زالت عازبة، وهذا الوضع يتعس الحاجة ويقلقها. فمن أجل أن تتزوج يسرى تصلي اكثر وصوم اكثر وتزور الأولياء والصالحين، توزع عند أضرحتهم الخبز والدراهم نذوراً وتقرباً.

منذ مدة اقترحت عليها إحدى الجارات أن تستعين بخطوط الشيخة ديبة لفك الرصد عن يسرى وإطلاق نصيبها. في البداية استهولت الحاجة هذا الاقتراح ثم ما لبثت أن استجابت. لكن الشهور مرت، والمصاري ضاعت، وبقيت يسرى بلا زواج!

*   *   *

مساء أمس، قبل أن تخلد يسرى للنوم، سمعت خطوات أمها تصعد إليها. دخلت الغرفة، وقالت لها: هناك تاجر ثري في سوق الهال طلب يدك للزواج، وهو أرمل وله ولدان، ماذا تقولين؟ تصمت يسرى، وتتشاغل عن حديث أمها بتقليب صفحات كتاب كان في يدها. إنها فرصتك يا ابنتي، وقد تكون الأخيرة. تبقى يسرى على صمتها. تلاطف الحاجة بأناملها شعر يسرى الأسود، وتتابع: الزواج سترة من غدر الأيام، ونحن لن ندوم لك. قولي لي ما هو المستقبل الذي ينتظرك، اكثر من غرفة في بيت أحد أخوتك؟.

توغل يسرى في صمتها وتوغل أمها في مواعظها عن غدر الحياة وعن بشاعة العزوبية وعن قحط الوحدة وعن وعن....

كلام في الهواء ليس له صدى في قلب يسرى أو عقلها. تحس بالحنق على أمها، لأنها تعرض عليها الزواج وهي تعرف إنها مضربة عنه، ولن تتراجع. لقد أبغضت الرجال من خلال والدها وخطيبها السابق صفوح. في العشرين من عمرها وافقت على صفوح الأصلع البدين، والذي يكبرها بعشرين عاما، لتتخلص من جحيم والدها. لكنها تركته لشهوانيته المغرقة. كرهت يديه الجريئتين تنهب مواطن فتنتها. واشمأزت من نظراته الوقحة تعرّي أية فتاة تلمحها عيناه. ذكرّها بأبيها الذي لا يرى من أمها غير جسدها وقت رغبته. في النهار يذلها بالفعل والكلام، وفي المساء يجبرها أن تدخل معه السرير من غير ملاطفة أو اعتذار.

*   *   *

حديث الحاجة يؤرق يسرى، يحثها أن تواجه أباها وأمها بالحقائق التي كتمتها في نفسها سنوات وسنوات. وأن تقول لهما: أنتما سبب مأساتي. كراهيتي للزواج تأصلت بفعل ذكوريتك المدمرة يا أبي. ومن خنوعك القاتل يا أمي.

 تندفع يسرى من غرفتها، قدماها تقفزان درجات السلم دون وعي منها. تقف أمام باب غرفة والديها، تهم بالاستئذان والدخول، تتردد وتجبن، فتعود من حيث أتت. مسكينة يسرى! في تلك الليلة صاحبت الدمع حزناً عليها، لكن ماذا يمكنني أن أصنع؟ وأنا بالمحصلة باب لا أكثر ولا أقل!!.

 

 

سنديانه تستعيد جذورها

 

 

كل شيء بدا لي مختلفا في هذا الصباح الخريفي. الشمس أشرقت فيه غير مكترثة بحزني، وكنتي المكسيكية على غير عادتها، دعتني لمرافقتها إلى حديقة عامة للتنزه وتخليص أجسادنا من سآمة البرودة.‏

شروق الشمس ودعوة كنتي، كانتا أول خطوة في سفر خروجي إلى عالم لم أر منه غير البوابة التي أوصلتني إليه. فأنا منذ ستين يوماً حبيسة المنزل، أحيا وحيدة مع تلفاز أعجمي لا أفقه من مسامراته شيئاً.‏

بفرح طفولي تهيأت للنزهة، لبست وتزينت. ومثلي فعلت لورين، لنفسها ولابنها. ثم انطلقت بنا بسيارتها، في شوارع أدهشني اتساعها وضخامة العمارات التي تنهض فيها.‏

في الحديقة، استقبلنا عالم بهر عيوني بنقائه، بنافورات مياهه، بمساحاته العشبية والمزهرة، حتى قلت في نفسي: إنها الجنة. عند أحد الأركان، افترشنا العشب، وأخذنا نستمتع بالدفء والألوان، وبرؤية الناس العابرين بنا، وغير المبالين بما نفعل.‏

بمحاذاتنا، تسير عربة طفل تدفعها سيدة متقدمة في العمر، رامقتنا وهي تتجاوزنا بنظرات تحمل نوعاً من التفحص. ساورتني نفسي بأنّ الطفل الذي في العربة حفيدها. لحظات وتعود السيدة بالعربة بضع خطوات إلى الوراء، تتوقف قبالتي، تحييني بلغة عربية وتسألني: من أين أنت؟.‏

سؤالها المفاجئ أوقف كل حركة حولي. أوقف غربتي على شفتيها وعلى الحروف التي نطقت بها. كان يمكن أن أهتف فرحاً، أن أزغرد، لو لم يسبقني قلبي إلى يديَّ، فعانقتها. من أين أنا؟ ستون يوماً مضت، لم أصادف فيها أحداً يبادلني الكلام، أو يسألني ما اسمي؟ ستون يوماً، وسواكن البيت تضيق بي حتى مللت وجهي ووجوه ابني وحفيدي وكنتي. ستون يوماً، وأنا أعيش تقلبات نفسية متناقضة أوصلتني إلى حدود الاكتئاب وأحياناً إلى الهلوسة.‏

قالت السيدة: شعور خفي أوحى لي بأنك سورية، وقلمونية أيضاً. فهل أنت كذلك؟ كم أنت ذكية. نعم أنا من يبرود.‏

- الدم يحن، فأنا من النبك.‏

 

* * *‏

 

لحظات لقائي مع مريم النبكية كانت قصيرة. لكنها كافية لنفيض فيها بما يتعبنا. قالت مريم: أمريكا يا أم عاطف تغري أبناءنا بالمال وبالرفاهية، تعطيهم الاستقرار، وتسلخهم من بيئتهم وأهاليهم. واكثر ما يؤرقني ويحزنني أن أحفادي يكبرون بعيداً عن عيني، بعيداً عن تراب الأرض وتراثها. سيصبحون اميركان يا أم عاطف، فابنتي وزوجها لا يفكران بالرجوع إلى الوطن.‏

لا غرابة أن تأرقي يا مريم، وأن تحزني. فالحياة بلا جذور لا معنى لها، ولو كانت في جنات الخلد. انظري إليّ. أليس مضحكاً ومبكياً معاً، أن يعيش جسدي في عزّ لم أحلم به. وأن تعيش روحي في جفاف لا أحتمله؟!. الأشياء في بيت ابني متشابهة، والأيام فيه متماثلة. في المساء أنام وفي الصباح أفيق. وضمن ما يمتد بينهما من زمن أقوم بواجباتي الشخصية بصمت وآلية.‏

ابني يخشى عليّ من التجول وحدي في مدينة أجهل لغتها واتجاهات شوارعها. قد يكون محقاً في هذا. لكن، هل من العدل أن تتموت أيامي بين جهلي وغربتي؟!. عاطف مشغول عني بعمل يستغرق ساعات يومه، وزوجته أيضاً مشغولة بابنها وعملها. الغربة صامتة يا مريم، وصمتها يشي بصاحبها، يفضح سره ويزيد في وحشته وانعزاله.‏

عاطف ابني الوحيد يا أختي مريم، وكان من المفروض أن يعود إلى سوريا بعد أن ينهي تخصصه، لكنه آثر الزواج والحصول على بطاقة إقامة، على العودة. لقد ماطلت كثيراً قبل أن احضر إلى شيكاغو، حتى لا أكون عبئاً على زواجه. وعندما تغلب قلبي على عقلي، طرت إليه السموات السبع، وها أنا أمامك كما ترين.‏

حديثي مع مريم فَجَّر حنيني إلى بلدتي. فكرت بالعودة معها على نفس الطائرة التي ستحملها إلى الوطن بعد أيام. جُن جنون عاطف. اتهمني بالقسوة وبأني لا أفكر بما يعانيه من قلق في غيابي. وقال إنه لن يتركني أعود إلى الوحدة والصمت.‏

- الصمت والوحدة هما هنا يا بني!.‏

- الوحدة في بيت دافئ مريح، غيرها في بيت مهترىء حيطانه دَبْش.‏

- الوحدة باردة أينما كانت يا بني، ولو خرجت لتوها من بيت النار. والبيت المهترىء هو سترنا وكرامتنا، أم نسيت أنه سوّاك رجلاً؟!.‏

- لا أقصد المعنى الذي فهمته من كلامي يا أمي، وإنما أحاول أن أقنعك بالبقاء.‏

ما أعجب مشاعر الإنسان كم هي متغيرة! عندما كنت في يبرود، كاد الشوق إلى عاطف يقتلني. واليوم، وأنا معه يكاد الشوق إلى يبرود يخنقني. حتى أن البعد عن يبرود قد ضاعف جمالها في عيني مئات المرات. تأتيني الذكريات، تقلب خفايا الذاكرة وتوقظ في داخلي صوت ناقوس الكنيسة، واللكنة اليبرودية المحببة. توقظ حنيني إلى الوجوه الجبلية الطيبة، إلى الثلج يغطي السفوح والجبال والأشجار، إلى الضباب يخفي وراءه برج الكنيسة والمنازل القديمة المتلاصقة. إلى الربيع الأخضر يكسو الحقول، إلى مصطبة البيت وحديقته الصغيرة. إلى مساكب البقدونس والنعناع والنرجس فيها. ما كان أسعدني عندما كنت أنكش تربتها، أسقيها وأنزع منها الحشائش الضارة.‏

يلحظ عاطف تفاعلاتي المتدفقة. يحيطني بذراعيه، يقبل رأسي ويقول: صبراً أم عاطف. مع الأيام ستعتادين على الحياة هنا. فبعد مدة سيمنحك صندوق الضمان الاجتماعي راتباً شهرياً بكذا مائة دولار، فلا تضيعي الفرصة.‏

راتب شهري لي، وبالدولار؟ ضحكت حتى دمعت عيناي. كل شيء جاءني متأخراً عشرات السنين. في زمن مضى كنت أبحث عن ليرة في جيبي أو في جيوب أمي أو أحد أخوتي ولا أجدها. وفجأة وبدون عناء تأتيني مئات الدولارات؟!. ملاطفة الحياة لي الآن لا تليق بي، فأنا لم أتعود منها على غير الجفاء. أنا لست ساخطة على ما نلته من نصيب في الماضي، إنما ساخطة على الظروف التي وافتني في غير أوانها. ساخطة على الفقر الذي خرجت بسببه من المدرسة وكنت فيها متفوقة، لأتزوج من رجل سافر، غاب وكأنه فص ملح وذاب، تاركاً إياي للهجر والعذاب.‏

تفتح التداعيات ثقوباً في ذاكرتي، تطل منها صور وأحداث بعيدة، كنت أحسبها اندثرت. أتذكر يوم عدت من المدرسة، ولم أكن قد أكملت الثالثة عشرة من عمري، لأجد أمي قد خطَّبتني. هكذا دون أن تسألني رأيي. في تلك اللحظة، شيء ما انكسر في داخلي. كنت بلا أب، فقيرة معدمة. وكانت أمي ترغب بتزويجي وأنا بكرها، لتتخفف من عبء مسؤوليتي، لا سيما وأنَّ عندها خمسة أبناء غيري.‏

كان زوجي شاباً لاهياً لعوباً، أحببته وتعلقت به، على طيشه وعدم اكتفائه بي. لكنّ جائحة الجراد التي قضت على الأرض في القلمون، ساقت زوجي للعمل في بيروت، ومنها إلى البرازيل. غير سامع لتوسلات والديه، وغير عابئ بمصير الجنين الذي كان ينمو في داخلي. وبعد فترة ليست طويلة، انقطعت أخباره وغاب أثره. ولا أدري بأي زقاق ضاع، وبين يدي أية فاتنة أتلف جذوره.‏

ساعدني جدّ عاطف في تنشئته ورعايته، وفي سدّ الثغرة التي خلفها غياب والده. لكنَّ مستقبل عاطف ظلَّ هماً أحمله في عقلي وبين جوانحي.‏

ولسوء حظي توفي الجدّ، وبقيت مع ابني بلا سند أو معيل. ليبتدأ صراعي مع المجتمع الريفي الضيق والمتّهِم، الذي تذكر فجأة أني بلا زوج. ومع أخوة زوجي الذين حرموا عاطف من إرث أبيه.‏

تقولات المجتمع، وموقف أعمام عاطف أوجعتني. وفي ذات الوقت كشفت عن بصيرتي، علمتني أن أتعامل مع الأشياء بعقلانية وواقعية. اشتغلت منظِّفة في عيادة طبيب القرية، ومنه تعلمت ضرب الإبر للمرضى. إلى أن ساعدني الحظ، وعملت مساعدة ممرضة بالمشفى الدانمركي في النبك. وهذا العمل، أحدث نقلة نوعية في حياتي وتفكيري، صقل شخصيتي وأطلعني على جوانب من الحياة كنت أجهلها.‏

لا أدري لماذا تحاصرني الذكريات؟ ألأنَّ التفكير بمستقبلي في شيكاغو يرعبني؟ ربما! ألأنَّ وجودي مع كنتي يؤلمني؟ ربما!. الله يعلم أني لا اشتكي من لورين لأنها كنَّة، وإنما أشتكي من غربتي ووحشتي.‏

عندما أتيت إلى هنا، حاولت أن أجعل من وجودي نعمة على ابني وزوجته. كأنْ أرعى الصغير في غيابهما، وأعّد لهم الطعام. لكن كنتي حجَّمتني، سطت على قراري في تفاصيل يومي. أوقفت كل محاولاتي للمساعدة، ومنعتني من ممارسة دوري كأم وجدة. كنتي تحدد لي لحظات تواصلي مع حفيدي، واللغة التي يجب أن أتواصل بها معه. فهي لا تريد ابنها أن يتكلم غير الإنكليزية أو الأسبانية، وأنا طبعاً لا أعرف لا هذه ولا تلك. ما هو دور عاطف في كل ما يجري؟ لا دور ولا كلام له فوق كلامها! آه، ما أصعب أن يعيش الإنسان في بيت يشعر أنه فيه غريب، ما أصعب أن يكون له حفيد ولا يشعر بقربه، وأن يمتلك لساناً ولا يستطيع أن يستخدمه!.‏

أنا لست امرأة متأففة أو جاحدة للنعمة. لكن كل يوم ينقضي على وجودي هنا، يزيدني ثقة بأن أيامي المقبلة لن تتميز بأي فضل عن التي سبقتها.‏

فلماذا أستمر وأتحمل عبء الغربة والصمت والوحدة؟ اعذرني يا بني، لن أقايض على حريتي وذكرياتي بحفنة من الدولارات. ورغبتي بالعودة إلى الوطن تبدو نهائية.‏

سأعود إلى بيتي المهترىء وحيطانه الدَبْش. سأعود إلى حديقتي الصغيرة، لعلّ جذوري تستعيد مكانها في تربتها الندية. فالوطن يا بني ليس ترفاً ورفاهية. وإنما هو حب وأمان وجذور.‏

 

 

 

دار السعادة

 

حين كان المطر يتساقط ناعماً والشمس تقتحم السماء بلا خجل أو تردد، كانت رنا تقطع على قدميها المسافة بين بيتها والمكان الذي تقصده. في ذهنها حزمة من الأفكار القلقة، وفي مخيلتها صور ملونة للقاء يختلف عن كل اللقاءات.‏

في ذات الأثناء كانت السيدة ثريا ترقد في الفراش تتألم. ومع أنّ الطبيب بثّ الأمل في نفسها، وزعم أنّ مرضها مجرد وعكة بسيطة، إلاّ أنه غير مطمئن تماما لحالتها.‏

الباب يقرع، طرقاته ترعش السيدة ثريا النائمة بفعل حبوب مهدئة. تفيق، عليها أن تنهض لا أحد في البيت سواها. زوجها في العمل والخادمة في إجازة. تفترُّ درفتا الباب عن وجه رنا، وعن جسد ناحل في الداخل، وصوت واهن يقول: أخيرا جئت! ادخلي، وأغلقي الباب خلفك يزغلل قلب رنا بشراً. عدم الحذر في دعوتها للدخول، حررها من كثير من التشنج، وأزاح عن صدرها عبء الخطوة الأولى.‏

تصل السيدة ثريا إلى سريرها بتثاقل واضح، وهي تلهث. مددت جسدها على الفراش، وسحبت عليه الملاءة السميكة، وقد اتخذ وجهها لون الأموات. ترتبك رنا، تعتذر بحياء صادق عن حضور جاء في غير وقته، وتستأذن بالانصراف. تستبقيها السيدة ثريا قائلة: بل جئت في وقتك. موقف السيدة أوحى لرنا، بأنّ (حسان) قد مهّد لها عند أمه. فتساءلت بتخابث: في وقتي؟!‏

- تماماً. ألست من طرف السيدة فريال؟‏

- من السيدة فريال؟ هناك على ما يبدو سوء تفاهم.‏

- لا يهم. استبدلي ثيابك وابدأ العمل.‏

تنفر رنا من مقعدها مثل مهر أرون، وهي تقول: دعيني أشرح لك الموقف.‏

ومثل غريق يتعلق بقشة، ترفض السيدة ثريا أن تسمع أي شرح أو تفسير، وتلح على رنا بأن تستبدل ثيابها بالمريول المعلق على مشبك خلف باب المطبخ.‏

يمتلئ الهواء في صدر رنا بالضيق والتذمر والصمت. وهي متسمرة، لا تدري ماذا تفعل أو تقول. نظراتها، تفرُّ منها تمسح أبعاد الغرفة وأثاثها المصدّف الثمين. تستقر على وجه المريضة الذابل وجفنيها المتعبين، فتحس بالتعاطف معها.‏

-ما بك تقفين هكذا كالخشبة؟ هيا تحركي هيا. الكلمات تخرج من بين شفتي ثريا متقطعة متآكلة.‏

في هذه اللحظة، تتبدل مشاعر التعاطف في نفس رنا إلى مشاعر كره تجاه هذه السيدة المتسرعة المتعالية، على ضعفها وقلة حيلتها. تأسف رنا على أحلام، لم تكن غير أوهام. على صور، لم تكن سوى سراب. تفكر بالهروب، تتحرك قدماها باتجاه الباب. يتمثل لها حسان بقامته المديدة ووجهه الصبيح فيجتاحها حنين. ترن في سمعها دفء كلماته عن أمه ووحدتها، وعن حاجتها لابنة تكون معها تعينها وتسليها بعد أن تغرَّب عنها كل أولادها.‏

تلوم رنا مشاعرها العدوانية، وتقرر أن تعلن عن هويتها وسبب مجيئها، قبل أن يزداد الموقف تأزُّماً.‏

-سيدة ثريا، أرجوك أن تسمعيني. فأنا لست عاملة التنظيف التي تنتظرينها. أنا رنا، صديقة حسان.‏

سماع اسم ابنها حسان يريح أعصابها، يفك عقدة حاجبيها، فتبتسم.‏

(أخيراً يجد حسان وقتاً للحب. كنت خائفة على مشاعره، من عمله الجاف المتواصل. سعيدة أنا لأجله. لكن، كيف يرتبط ولا يعلمني؟ وأنا التي عشت في ثقة طوال هذه السنين، بأن أبنائي لا يخفون عني شيئا!. لا تتعجلي بالحكم يا ثريا. ما أدراك أن هذه الفتاة صادقة فيما تقول؟ ).‏

كانت رنا تراقب تفاعلات السيدة ثريا الصامتة. تعاودها المشاعر العدوانية. تتمنى لو يرى حسان والدته ليعرف أن أمه ليست كما وصفها رقيقة كالورد شفافة كأشعة القمر.‏

- سيدة ثريا. قد تراودك عني أفكار غير مريحة. إذ ليس من المألوف في بلدنا أن تطرق الفتاة باب من تحب. إحساسي بصدق عواطف حسان جعلني أنفِّذ، وبدون تفكير، رغبته بأن أزورك، أتعرف بك وأطمئن عليك. كنت وحسان زملاء في الجامعة، وبعد التخرج ذهب كل منا في طريق. المصادفة جمعتنا ثانية في بيت أختي في قطر، حيث يعمل زوجها، وحسان في شركة واحدة.‏

كانت السيدة ثريا تنصت لكلمات رنا، وهي تفرك يديها بشدة تحت الملاءة، لتخفي ردودها المستنكِرَة.‏

ترتفع سآمة الجو وسخونته. تتصيد رنا النسمات الطائشة عند الممر المفتوح على صالونات البيت وغرفه الواسعة الأنيقة. وبدون مناسبة، تتذكر أن لحسان جدة تعيش هنا في البيت، فتسأل: أين الجدة، كيف حالها؟‏

(يا لها من فتاة جريئة! تسأل أيضاً عن الجدة!!).‏

- آآ. الجدة! كبرت وخرفت ولم تعد تصلح لشيء.‏

- قال حسان إنها تعيش معكم. وهي صاحبة فضل في تربيته، هو وأخوته.‏

- كان هذا من زمن طويل، عندما كانت قوية. أمّا اليوم، فهي مثل قفة الهمّ. منذ شهرين أدخلتها دار السعادة.‏

- أدخلتها أين ؟‏

- دار السعادة. ألم تسمعي بدار السعادة ؟. إنها دار للمسنين تشبه فندق خمس نجوم. أجرة الغرفة عشرة آلاف ليرة للشهر الواحد. كان لعاب السيدة ثريا يطقطق في حلقها، يسد مخارج حروفها، فتشرق وتشهق كديك مذبوح. ورنا تنظر إليها ساكنة لا تريم، لا تجد في نفسها دعوة لمساعدتها والتخفيف عنها. وبدون كلمات وداع، تستدير باتجاه الباب الخارجي. وقبل أن تدير مقبضه وتخرج، تعود إلى غرفة السيدة ثريا، وتسألها:‏

بالمناسبة، أين تقع دار السعادة؟.‏

تتحجر مقلتا السيدة ثريا، يتهدل جسدها مثل عنقود انفرطت حباته، وتغرق في صمت ثقيل. في حين كانت خطوات رنا تلّم قطرات المطر عن إسفلت الطريق.‏

 

 

 

لوحات قصصية

 

اجتماع‏

 

في الخارج. الليلة عمياء، المطر بحر، والبرد يصهر القلوب المتعبة والجسوم الهزيلة. وفي الداخل. ثريات تضيء كأنها النهار، ورجال مكتنزون دفئاً وترفاً. ها هم يلتئمون حول طاولة مستديرة، يناقشون مصائر أمم وحياة شعوب. ويوقعون بأقلامهم المذهبة، على عقود بيع وتصنيع أسلحة نووية وغير نووية. وحالما انتهوا من مهمتهم، خرجوا، وأعلنوا أمام الصحافة وكاميرات التلفزيون أن اجتماعهم كان بهدف الحفاظ على بيئة صحية نظيفة، يسعد فيها الأطفال، وتزدهر فيها الطبيعة والإنسانية.‏

 

 

 

 

حلم‏

 

كان عازباً. وكان حلم الحب، يمتد رخياً رضياً على مساحة قلبه وعمره. تزوج، فهرم الحب وانكمشت المساحات.‏

 

 

 

خيبة

 

أية مغامرة حملتها، على أن تمنحه رؤاها وأغانيها؟! أية مغامرة حملتها، على أن تتأبط حبه تميمة وتعويذة؟!‏

لخيبتها، لم يكن سوى ظل رجل!.‏

 

 

 

 

حبّ‏

 

ولدت عمياء. وعندما أحبّت، شعّ الضياء في قلبها، فزهت في عينيها الألوان.‏

 

 

 

 

مفاجأة‏

 

ملأت كفّها بحفنة من تراب الوطن. حدَّقتْ فيه، وجدتْهُ مملوءا دبابات وأسلاكاً شائكة.‏

 

 

 

تفاصيل لا معنى لها‏

 

 

أحبها حتى الفناء، وتجاهلته حتى العدم.‏

وبين هذا الحب وهذا التجاهل، حصلت تفاصيل لا معنى لها. انتهت به إلى مشفى الأمراض النفسية. وانتهت بها إلى بيت الزوجية، مع رجل تحبه حتى الفناء ويتجاهلها حتى العدم.‏

 

 

 

اللاعب واللعبة‏

 

كانت تلتقيه ثلاث مرات أسبوعياً. وكان في كل مرة، وبعد أن ينهي سهرته معها يعيدها إلى منزلها. تماما كما يعيد الطفل لعبته إلى الخزانة، بعد اللهو بها.‏

وفي يوم، ضاق اللاعب باللعبة. تركها في الخزانة، ومضى يبحث عن لعبة أكثر شباباً وتجدداً.‏

 

 

 

أم الشهيد‏

 

لم أعد أذكر، كم مرّ من الوقت وأنا أنظر في الجريدة، إلى صورة تجمع بين أم جنوبية وابنها الشهيد. كانت منحنية عليه، لصيقة به وكأنها تسكب قلبها في صدره، لتعيد إليه أنفاسه الضائعة.‏

كانت عيناها مفتوحتين مثل عيني صقر، وكانت نظراتها حانية مثل أوراق ورد. بمحبة تأملت الصورة، وبزهو علقتها فوق سريري.‏

إنْ حدث ومررتم بهذه الأم، أرجوكم أن تمرّوا بهدوء. وإذا سلمتم عليها، أرجوكم أن تسلّموا بخشوع. كي لا توقظوا النائمْين في قلبها: ابنها والوطن.‏

 

 

 

 

جولة‏

 

تمنيتُ لو أنها كانت معه في جولته السياحية العالمية.‏

فقال لها: كنت معي كما دائماً. قلبي يحملك في نبضاته، في حله وترحاله.‏

نبتت على شفتيها زهرات لها شكل القبلات.‏

 

 

 

 

حوارية‏

قال: أحبك...‏

قالت: أنا أكثر..‏

قال: أخاف من الهجر.‏

قالت: مستحيل أن يحصل.‏

قال: المساء جميل.‏

قالت: وجودك أجمل..‏

أطرقت قليلاً، وأطبقت جفنيها على فرح يرقص في عينيها. وحين فتحتهما، لم تجد غير مسجلة صغيرة ينطلق منها صوت أم كلثوم بتلك الحوارية الجميلة!

 

أضيفت في 15/11/2004/ خاص القصة السورية

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية