|

بطاقة
تعريف الكاتب: أكرم سلمان حسن 
التولد: 1957. سوريا . جبلة
المهنة : محام
أكتب القصة القصيرة وبعض شعر النثر.
أعمل حالياً على رواية.
أنشر في عدة مواقع أدبية الكترونية
 


نماذج من أعماله

أحمر شفاه
مروره أمام مطعم (زوربا), المختص بتقديم ثمار البحر, والذي
تم افتتاحه حديثاً, على زاوية الشارع المؤدي إلى بيته, عاد بربيع إلى اليوم
الذي رآها فيه أول مرة. كان هذا بالضبط بتاريخ.. لم يعد يذكره, عشرات من
السنين!!, أما المكان الذي شاهدها فيه يومها, فهو تماما.. حيث لا يذكر!.
داهمته أحاسيس متناقضة.. عاد إلى المنزل ساهماً.. مشتتاً.
ـ أهناك ما يقلقك ربيع ؟ سألت زوجته التي تحفظه عن ظهر قلب.
ـ كلا, أجاب بلهجة قاطعة, لا يوجد شيء من هذا, مجرد تعب.
ـ حسناً (بارتياح مسرحي) ظننت أن هناك ما يزعجك.. صدقته..
رغم أنها لم تفعل!!.. لكنها اعتادت ذلك.
لم يرد على جملتها الأخيرة, الحمد لله أنها توقفت عن
استجوابه.. وتوقفَ عن الأرجحة والتململ, رغب بالهدوء.. والهروب من عينيها,
همس (اللعنة,ترى ما بداخلي بسهولة) دخل غرفة المكتب, بحيث يتمكنُ من
استرجاع تلك اللحظة, و الإحساس الغريب الذي داهمه, عندما وقفتْ بباب
المكتبة.. الآن تَذَكْر.. نعم.. هناك بالضبط, كان ذلك بناء على موعد مسبق.
كان يجهلها تماما, قبل أسابيع من ذاك الموعد, وفي أمسية
صيفية, كان يقرأ رواية زوربا, ويرقص معه.. على رمل شاطىء إغريقي, عندما رن
جرس الهاتف, وجاءه صوت غريب عن سمعه.
ـ معجبةٌ.. أرغبُ بالتعرف إليك.. وكان حديثاً قصيراً.. سمع
ضحكات مرافقة, و تبين أن بصحبتها عدة صديقات, وهذا عادة ما يحصل, عندما
يتجمعن دون رقابة السيد, يتحدن, فيهزمن الخوف, ليحل مكانه, بعض شجاعة
مختلسة.
بعد يومين جاءه نفس الصوت, لكنه هذه المرة مختلفاً! يحمل
قليلَ خجلٍ.. وكثيرَ رغبةٍ, كان الصوتُ هنا, عزف أنثوي منفرد, مؤدى على
مقام (الكبت!!). كان ذلك واضحاً جداً لأذنه الخبيرة. فلطالما كان له أذناً
موسيقيةً, فقط, حين يتعلق الأمر بصوت له علاقة بالأنثى, حتى أنه في أيام
المراهقة, لعبته المفضلة كانت, تميز فتيات الحارة, المارات قرب منزله
ليلاً, من خلال وقع خطواتهن, وكان يستمتعُ بمحاولة التكهن بهوية صاحبة
الحذاء, العازف على إسفلت الشارع, هذه بوران! تمشي بخطوات مسرعة, خطوة ثم
الثانية, نعم إيقاع سريع ثابت لا يتغير, أما هذه ففاطمة, إيقاع مثير,
تمشي بغنج زائد و بخطوات راقصة.. خطوة ثم.... الثانية, الصمت بين الخطوتين,
مدته أطول من مدة أي صمت, بين خطوتي غيرها, كان يقفزُ إلى الشرفة ليتأكد,
ويُسعدُ عندما يكون مصيباً, ونادراً ما كان يخطئ, الوحيدة التي كانت
تخدعه, الجارة أم فداء, زوجة الرقيب احمد, فعندما كان يعود زوجها, في
إجازة,كانت تهجرُ مقام النهاوند و تؤدي على مقام البيات. أما ميساء, فتلك
كان لها حكاية مختلفة.. إذ أنها وعندما كانت تقترب من بيت طلال(المقابل
لبيت) تتباطؤ الخطى, يهدأ الإيقاع.. حتى يخال السامعُ أنها توقفتْ عن
السير, النغم هنا (قرار) مي..فا.. صول.. لا.. بغية إعطاء طلال الوقت
اللازم, كي يصل النافذة, و تتعانق العيون متشابكة لعدة أمتار, قبل انعطافها
إلى زقاق متفرع, حيث يتحول النغم إلى (جواب) لا.. سي. كانت تؤدي سوناتا,
على مقام الرصد.
وكان يطيب لربيع أن يسمى ذلك كله.. موسيقى الكنادر
(الأحذية). الحقيقة .. كانت موسيقاه المفضلة.
ـ أتذكرني؟! انساب صوتها.
ـ بلى, كيف لا, صوتك لا ينسى بسهولة.
تكررت مكالماتها.. و تكرر الطرب.
بعد عدة مكالمات قررت أنها ستأتيه في المكتبة..سيراها للمرة
الأولى. اتفقا أن تطلبَ منه كتاباً, بالتحديد (رواية زوربا), كانت تلك كلمة
السر.
عند ساعة الصفر كان على أهبة الاستعداد , أعد لها الكثير
ليقوله, جاءت على الموعد تماماً.. كان جهداً ضائعاً!. وقف جامداً كالأبله.
أحْمرًّ وجهُه عندما قالت(ما بك لا ترد) دمدم معتذراً ببعض ما تيسر له من
كلمات.. وبعد مغادرتها, ظل في مكانه مخدراً.. بفعل طلتها.
عينان واسعتان.. يستعيد عشقه للسباحة.. و تلح عليه فكرة
قارب صغير.. و نزهة في بحيرة!!. شعر أسود فاحم, تحضره ظلمةُ زنزانة
استضافته يوماً, بشرةٌ حنطيهٌ مائلةٌ للسمرة, شفتانِ ممتلئتان. بغنج و
إثارة, تنثني السفلى عند وسطها منحنية نحو الذقن, تطلب رضاباً, يطفئ الجمر
المتقد. هناك.. تحت القميص الناعم, يسكن نهدان.. انبثقا أمامه.. بعنفوان, و
تحدي.. يطلبان حواراً شفهياً. يعلنان رفضهما الفطام .
لتصافح عيناه عينيها, اضطر لرفع رأسه إلى الأعلى, كانت
أطولَ منه بمقدار.. أخجله.
بعد أسابيع.. كان اللقاء الثاني, تحضر له جيداً, أخلى
المكتبة من روادها القلة.. جهز كل ما يلزم للمناسبة.
اتفقا على اللقاء, بمؤامرة معلنة, حيكت خيوطها, بسلسلة من
العبارات الفارغة(الحوار وجهاً لوجه ضرورة, ويساعد على فهم الآخر أكثر,
الثقة بالنفس موجودة ولا شيء بالإكراه ، فنجان قهوة وبعض الموسيقا) إلخ.
دخلت.. و الأصح أنها اجتاحت. كان حضورها طاغياً على المكان
و الزمان.. الحاضر و المستقبل.
لحظة إغلاقه الباب, هاجمته, وبفعل القوة الدافعة لنهديها,
وكي لا يسقط, اضطر للرجوع إلى الخلف, مستنداً على الحائط, أحس شمسه تشرق!!
وعادت أسنانه لبنية. بجهد.. مط جسده قدر المستطاع.. و بانحناءة شاطرة منها,
استلذ بطعم أحمر الشفاه ذو النوع الفاخر.. المختلف.. ثم.. بدأت شمسه برحلة
الغروب الفاتنة.. المؤلمة!! غربت ببطء لذيذ.. وتكرر الإشراق.. والغروب..
إلى أن كسفت شمسه.. وحل ظلام دامس.
جلس بعد رحيلها, يلتهم سيجارته منتشياً, يفوح في الجو عطرِ
تشبيبٍ نادرٍ, كانت مِزْجَةٌ سحرية, نتجتْ من بقايا عِطْرِِها وعَرَقِها.
لحظات قليلة مرت, إحساسُ غامضُ داهمه, ما لبث أن تحول
ذعراً.. كان قد تعافى حديثاً من خيوط تشده إلى ماض قريب. مليئاً بالانكسار.
فلمرة واحدة.. وبعد كثير محاولات غزو تعرض لها.. هُزمَ.. هُدمت أكواخه..
سُبيت مشاعره.. وتذوق عبودية كادت تقتله.. أقسم.. لن يعودَ إلى الأسر
ثانية.
قام إلى جهاز الهاتف, حمله و رماه على السقيفة.. لن تكون
هناك هزيمة أخرى.
عاد سيداً.. حراً, لكنه حتى اليوم.. ورغم مرور عقود..
يحلف.. أن عطراً نادراً.. ما زال يملأ الأنف.. ومقام الصبا.. ماانفك.. يقطن
الأذنين.
   
الحاوي
حين استفاق أمجد, وقعتْ عيناه على قصاصة ورقية.. تناولها,
وجدَ عليها عباراتِ متناثرة, بداية.. لم يجدْ أيةَ صلة قربى بينها, ثم أخذ
يلملمُ ما انسلَ من بين أصابعِ النسيان, حينها تذكر أنه في الليلة السابقة
أو للدقة.. في ساعات الصباح الأولى استيقظ على فكرة عابرة, ربما كانت
حلماً, حينها.. تناول قلمه.. خربش بقايا هلوسات ثم عاد للنوم.
نعم, الآن و بعد الرشفات الأولى من قهوته تذكر جيداً ما
حدث, فهو منذ أيام تسكنه فكرة أن يكتب شيئاً مختلفاً, سيكتب ما قدًّر أنه
سيكون ملفتاً و استثنائياً. فكر بكتابة قصيدة يهربُ فيها من القافية التي
تزعجُ أصدقاءه أتباعَ الحداثةِ و ما بعد الحداثة وما بعد ما بعد الحداثة
و.. لكنه عدلَ عن ذلكَ لأنه شَعَرَ بأنه سيخونُ أحاسيسَه, فهو عندما
يكتبُ لا يحملُ مصباحَه باحثاً في مجاهلِ اللغةِ عن القافيةِ بل الأصحُ
أنها تتسللُ من وراءِ ظهرهِ , إلى مكانٍ يغريها.. تحتَ ظلِ كلمة.
لبس ثيابه وغادر إلى مكتبه, مستعجلاً الوصول قبل أن تفتر
حماسته وتضيع الأفكار المتزاحمة بل المتصارعة في رأسه فتغلب إحداها الأخرى
و تحكم عليها بالنفي من ساحة وعيه, قرر أن يكتب فقط, ومن ثم يبحث في النوع
و الشكل, أخيراً دوًَن:
أتذكُر أخر موعد؟ يوم جئتني مستغفراً, عيناك ممتلئتان دمعاً
وأشياءً أخرى. كنت أحسَبُكَ تأتيني طائراً, لكن وقعَ أقدامِكَ الثقيلة على
أحجارِ الزقاقِ المؤدي إلي حديقة منزلنا أيقظَ العصافيَر الساكنةَ في شجرة
الزنزلخت فطارتْ محلقةً فوق رأسي.. أذكرُ أني كنتُ أنتظركَ كعادتي قربَ
البركةِ الممتلئة التي تتوسطٌ الحديقة.
يومها قلتَ أني ما زلت لك الماء و الهواء, وأنني أسكن
شرايينكَ كما قبل, و قلتَ أني و أني.. و يا للدهشةِ.. عندما شاهدتُ
العصافير تحط عند قدميكَ و تلتقط حبوب الدمع المتساقطة من عينيكْ.
هنا.. توقفَ عن الكتابةِ متسائلاً عن قيمة ما كتبه. شعرَ
بالجزع من فكرة أن أحدهم سوف يقطبُ حاجبيه ويقولُ: أخي أمجد.. ابتعد عن
المباشرة. ومع أنه لم يفهمْ يوماً لما على الكاتبِ أن يرهقَ عقلَ القارئ, و
يأتيه من الخلفِ.. أو يباغتهُ من الأعلى, لكنه، مرغماً.. قررَ أن يغيرَ ما
كتبه.. وفعلاً بدأ من جديدِ و بعد أنْ انتهى قرأ:
ما زلتُ أذكرُ آخرَ موعدٍ, كنتَ كما عَهدُكَ.. جميلاً,
رأيتكَ دونَ أن تراني, لم تكن ماشيًا كالآخرين ولم تكن طائرًا, كنت شيئًا
بين هذا و ذاك.. أذكرُ أني هرعتُ إلى بوابة الدار و فتحتها, ثم عدتُ إلى
مكاننا المفضل, دخلتَ.. حطتْ نظراتُكَ على وجهي.. كنتُ واقفةً بجوار
البركة الجافة التي تتوسطُ بيتنا العربي.
يومها قلتَ.. ما لم يقله أحدٌ قبلَكَ, أنشدتني شعرًا و
مسكًا.. كنتُ أغذُ السمعَ ملاحِقةً وقعَ خطىَ حروفكَ.
قلتَ الكثير مستغفراً طالباً السماح, الذي لم تكْ تحتاجه,
لأن قلبي لا يرضى بشيءٍ غيرَه. راقبتُ دمعَكَ ينسكب فوق حافة البركةِ و
يسِيلُ مستقراً فيها, تكلمتَ و سكبتَ.. حتى امتلأتْ البركة, و يا للدهشةِ!!
حينما رأيتكَ تنسل من جيبِكَ أسماكَ ملونةً صغيرةً, زلقت من يدكَ و ما أن
وصلتْ الماءَ. حتى بدأتْ تتلوى بحركاتِ راقصةٍ كما في اولمبياد ..و تقف ..
مُشَكٍّلَةً كلمةً واحدةً .. أحبكْ.
حينها.. وقفتُ مذهولةً, و تذكرتُ الحاوي عندما كانَ ينسِلُ
من فمِه مناديلَهُ الملونَةَ، و يفرشُها في الهواءِ أمامَ أعينُنا الصغيرةَ
المفتوحةَ على اتساعِها، التي كادتْ تقفزُ دهشةً عندما كان يتبعُ ذلكَ
بإخراجِ طيرٍ و أشياءٍ أخرى, و ينتهي بمزمارِ و تمايلِ مغرٍ.. لأفعى تخرجُ
من سلَّتِهِ.
و قد احتجتُ سنيناً كي أُدْرِكَ.. أنَ الحاوي كانَ
يخدعُني!!
يومَها.. خفتُ من حاوٍ يبيعني وهمًا.. لذا.. ابتعدت عنك!!
عندما أنهى القراءةَ, قطَّبَ حاجبيه مستغرباً, ليس هذا ما
كان يفكرُ به, شخصٌ آخرٌ كتبَ هذا, والأدهى.. أن الكاتبَ.. أنثى!!
مزَّقَ الأوراقَ و همسَ.. أديبُ فاشلْ.
   
العجيبة
موت يوسف المفاجئ.. الولد الوحيد للأغا رياض، أذهلَ قرية أم
الصبر, بكى الجميع على العريس الجميل, وأصبح تاريخ وفاته, مفصلاً تاريخياً,
يؤرخ به سكان القرية, الأحداث الكبيرة والصغيرة بما قبل, وما بعد وفاته,
فيقول شيخ مسن لحفيده.. سامح الله والدك, تركني و أمك وحيدين, و هجرنا إلى
المدينة, كان هذا قبل وفاة الجميل بسنتين. أو تقول امرأة لجارتها, مفحمة
إياها بحجة دامغة. ابنتك ولدت قبل الجميل بخمسة أيام, هذا مؤكد, وابني ولد
بعد الوفاة بسنة وشهرين, فكيف يكونان بعمر واحد!!.
كان يوسف في أول يوم من شهر العسل, ردد أهالي القرية(
مسكين, لم يقدر له أن يتذوق العسل). فتغني مزنة ـ العجوز الخرفة ـ كما
يسميها أولاد القرية, لأنها تغني الأغاني الحزينة من الصباح إلى المساء (
لم يكن يحتاج العسل, كان ريقه عسلاً).
بعد حفل الزواج.. الذي استمر حتى صباح اليوم التالي, لأن
صبايا القرية رفضن المغادرة وتركه مع زوجته, لم يتقبلن فكرة زواجه(هذا ليس
عدلاً, لا يوجد فتاة تستحقه وحدها, عليه أن يتزوج أربع فتيات دفعة واحدة)
صرحت بهذا بنت المختار, عندما شاع خبر رغبته بالزواج من سليمة. عندما
سمعتها خادمتها (كلثوم العرجاء) حدجتها بنظرة غاضبة, و همست لنفسها (
ولماذا أربع فقط, أنانية و حمقاء, عليه أن يتزوج أربع و يطلق أربع..
وهكذا.. دون استثناء أي فتاة في القرية.. جميلة كانت أم قبيحة, حدباء أم
عرجاء . لا يهم.. نعم.. بهذا فقط.. تتحقق العدالة)
نتيجة للجو المفعم بالغضب, وخوفاً من حصول ما لا تحمد
عقباه، اضطرا للتسلل خلسة, بعد أن تنكر يوسف بزي امرأة, ونقلهما الراعي
خضور الأقرع, على ظهر حماره, إلى مفرق طريق القرية, حيث استقلا البوسطه
العابرة إلى المدينة, وهناك قصدا فندقاً صغيراً, مطلاً على المسرح
الروماني, وضعا الحقيبة في عهدة صاحب الفندق, وخرجا (أريد رؤية المدينة,
كنت طفلة يوم جئتها مع جدي, يومها.. اشترى لي صندلاً أحمر, وقطعتين من
النمورة المزينة بالفستق, و كأساً من شراب الليمون) قالت سليمة بحماسة طفلة
ترنو إلى صحن من الحلوى.
جالا على أسواق المدينة, وعندما شعرت بالبرد, اشترى لها
معطفاً, وشالاً أبيضَ, غطت به كتفيها و عنقها. دخلا مطعماً صغيراً.. وطلبا
من صاحبه بعض اللحم المشوي, حملاه معهما بعد أن همست ( أخجل أن آكل شيئاً
أمام غرباء, نأكله سوية في الغرفة).
في الطريق, حاذيا سوراً حديدياً لقصر الآغا القديم, اشتراه
حديثاً صناعي كبير, قالت مزنة فيما بعد عندما سمعت اسمه(مهرب كبير)وتابعت
غناءها.
هبت ريح مفاجئة, خطفت الشال, الذي طار بحركات التفافية,
كحمامة بيضاء, حاطاً أعلى شجرة السنديان في حديقة القصر, يرفرف عليها كعلم
! حزنت سليمة, لكن هيهات ليوسف أن يتركها تغتم.. وبخاصة.. في يوم كهذا..
بخفة قط بري, اعتلى السور و بقفزتين سريعتين كان الشال في يده, لوح به
أمامها مزهواً.. ابتسمت سليمى ابتسامتها الأخيرة.. التي غادرتها مسرعة, حين
لاحظت انحناء فرع الشجرة إلى الأسفل, صرخت محذرة, قبل أن تشاهده يهوي على
قضبان السور الحديدية المسننة, المشرعة كحراب في وجه السماء!! الشال
الممسوك بإحكام في قبضة يوسف..اكتسب لوناً جديداً.. غنت الجدة وأبكت حتى
صغار القرية، واصفة ما حدث( منتشياً.. سكراناً.. القصر يضحك.. مبرزاً..
أنيابه الحمراء ، يقطر منها دم الجميل، يلون خد سليمة السمراء)
أهل القرية قالوا, أن فرع الشجرة الصغير, انثنى بفعل ثقل
جسد العريس الفارع الطول,فكان ما كان, لكن الخرفة غنت( هراء, كيف لجسده
النحيل أن يقهر السنديان!! إنما هو الحب الذي يحمله في قلبه, ما جعل
السنديان يلين و ينحني, هذا تماماً.. ما قتل الجميل).
في اليوم الثاني, جن جنون صاحب القصر, حين شاهد شجرة
السنديان, بلونٍٍ أسودَ, مقلمٍ بالأحمر, وكأن هناك من قام بدهنها, فأضحت
أشبه بمهرج مر بالمدينة يوماً, أمر بإحضار أكثر المهندسين الزراعيين خبرة,
لكنهم وقفوا عاجزين, غير فاهمين ما يحدث.
نصحه بعض العارفين بخبير زراعي من غزة, فقام باستدعائه على
عجل, حضر الخبير نظر إلى الشجرة بإمعان, ثم وسط ذهول الجميع, فتح حقيبته
وأخرج منها سماعة طبية, وضع طرفاً على أذنه و الآخر على جذع الشجرة, منقلاً
إياه من مكان إلى مكان, متمتماً بكلام غير مسموع, ثم بكى بمرارة, قبل أن
يعيد السماعة إلى الحقيبة, مؤكداً لصاحب القصر, أنه سبق له أن عاش نفس
التجربة المؤلمة, وقال أنه ولدفي ظل سنديانة, وخلال طفولته كان يقضي
نهاراته قربها, إلى أن أجبر يوماً على الرحيل, وكان ذلك عام 1948, يومها,
أراد وداع أمه (كما كان يدعوها) فوجدها..يابسة..مقلمة بالأحمر و الأسود,
بكى كثيراً, لكنه توقف عن البكاء, عندما لمح أثراً لحياة تدب فيها, قبلها
ورحل.. وقال أنه يتسقط أخبارها.. مازالت مريضة, لكنه مازال مقتنعاً, أنها
ستعود كما كانت.
حمل حقيبته و غادر. بعد أن نصحه بأن يحذو حذوه و يصبر, لكن
صاحب القصر, اعتبره مجنوناً.. حالماً.. فأمر بقطعها, وبناء ملجأ لكلابه
مكانها.. وباعها قطعاً إلى تاجر أخشاب, والذي بدوره باعها إلى نحات.
تقول الخرفة (مسكينة السنديانة.. قتلها إحساسها بالذنب,
اسألوا الخبير.. لقد سمعها تنوح قائلة, ويحي.. كيف لم أنتبه, أن ملاكاً سكن
أحضاني.. يا لي من عجوز خرفة لا نفع منها.. قد آن آواني).
النحات.. الذي دفع مبلغاً مجزياً ثمناً للشجرة المقطعة,
آملاً أن يصنع منها تحفاً نفيسة آبدة, لطم خده متعجباً لاعناً حظه, أي نحس
هذا!! أبحث عن السنديان وعندما أحظى به, يتفتت تحت وقع أوهى ضربة إزميل,
كما لو أنه نشارة خشب!!. وحاول ثانية و ثالثة إلى أن أتى على معظمها, ولم
يتبق سوى قطعة من الجذع, نقلها يائساً إلى زاوية المحترف .. لكنه.. وهو
المحترف لهذا الفن مذ كان صغيراً, لم يقنع بما كان.. ذهب إلى تاجر الخشب
مستوضحاً, فاستغرب الأمر مثله, وقص عليه واقعة موت العريس, عاد النحات وفي
رأسه فكرة.. أرسل بطلب صورة للعريس, وعندما وصلته, نظر إليها وبكى.. وظل
على هذه الحال أياماً.. قبل أن يبدأ بالعمل على الجذع الباقي.
وحدث ماكان يتوقعه.. فالإزميل تصاحب والسنديان القاسي, دون
أية مشكلة, وانكب يعمل على مشروعه, مغلقاً بابه, مكتفياً بالماء و الخبز
اليابس, وأخيراً كان أمامَه.. تمثالٌ.. يجسِّدُ العريس يعلو رأسه تاج من
أوراق الزيتون, يحمل بيده شالاً.. بلون أحمر قان.
أصبح التمثال حديث المدينة, وزاره الكثير من المهتمين بهذا
الفن, حتى بلغت أخباره العاصمة, وتم إحضار التمثال لعرضه في متحفها.
واظبت سليمة على زيارة المتحف كل عام, في ذكرى وفاة يوسف.
يقول مدير المتحف, أن ظاهرة مذهلة تقع سنوياً, لا يجد لها
تفسيراً.. وتحدث حين تحضر سمراء مجهولة, تضع شالاً أحمرَ, تسير إلى حيث
التمثال, تقف أمامه لساعات, كتمثال!! وحين تغادره .. تقطر من عينه دمعة
حمراء.
تغني الخرفة(هو زيت يرشح.. عجيبة جديدة, يجب أن يُرْسَلَ
التمثالُ إلى بيت لحم, و يُطّوَبَ العريسُ قديساً )
--------------------------
أضيفت
في03/10/2008/ خاص القصة السورية
/ المصدر: الكاتب
   
كيفية
المشاركة
|